تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #29  
قديم 09-14-2014, 08:19 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,090
ورقة التربية الذليلة في الصوفية

التربية الذليلة في الصوفية وأثرها في إضعاف الأجيال المسلمة*
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

19 / 11 / 1435 هــ
14 / 9 / 2014 م
ــــــــــ




جسدت التربية النبوية للصحابة النموذج الأسمى والمثالي في ايجابيات التربية الإسلامية، التي يجب وان يحتذيها المربون ويتخذوها قدوة ونبراسا لهم امتثالا للأمر الإلهي "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً", ولهذا فكل تربية تخرج عن المنهج النبوي تربية ناقصة بعيدة عن الهدي النبوي ومنحرفة عن المنهج الإسلامي، حتى وإن ادعى أصحابها أنهم يربون أتباعهم تربية إسلامية.

وأخرجت التربية النبوية زعماء وقادة حملوا المنهج الإسلامي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وخاضوا الفيافي والقفار مجاهدين, ووقفوا على شواطئ المحيطات والأنهار داعين لله سبحانه ناشرين للحق في كل ربوع الأرض, وصار كل منهم علما في ميدانه وسخروا كل مواهبهم التي لم تنطفئ في خدمة دين الله.

وبالنظر للتربية الصوفية التي يربيها الشيخ للمريد نجد ان الصوفية قدر ارتكبت جريمة في حق الأمة لا تعدلها جريمة، إذ قتلت الأجيال الإسلامية وصنعت منهم نماذج مشوهة منحرفة ضالة مضلة تدعو لليأس والقنوت وتترك السعي في الدنيا وتنشر الخمول والكسل والتواكل والبطالة، وتدع بل وتحارب أحيانا الجهاد في سبيل الله وتحرفه عن مضمونه, وتجعل من الرقص والغناء وسائل للتقرب من الله, وتبتعد عن المساجد وتركن إلى الزوايا والتكايا والخلوات وتترك ميادين الحق والجهاد.

وما ذلك كله إلا نتاج التربية السلبية المذلة التي كان يربيها الشيخ لمريديه، فتقتل كل مواهبهم ويصيرون خدما خاصين به أقصى آمالهم أن يقربهم الشيخ منه، وهم على أتم الاستعداد لفعل أي شئ في سبيل مرضاة شيخهم، دون النظر إلى أي اعتبار شرعي أو فقهي دون أن يصدر منهم أي رد فعل على ما يأمرهم أو على ما ينهاهم، فيكون كل منهم مسخا من المسوخ أو شبه إنسان، يؤدي للشيخ خدماته ويبذل له من نفسه ومن خلقه فتسحق شخصياتهم ويصبح أقربهم من شيخه أكثرهم تذللا بين يديه, ولم يكن هذا ما ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

ملامح التربية الصوفية:

1- لا وصول لله بغير شيخ

زعم الصوفية من أجل تكبيل المسلمين بهم وإرغامهم على السير خلف ركاب الشيوخ أن نيل الولاية في دين الله سبحانه لا يكون إلا عن طريق شيخ مرشد، وأنه لا سبيل للإنسان لسلوك الطريق إلى الله إلا عبر الشيخ الذي يعتبر مفتاح باب الولوج على الله وبغيره لا يمكن الولوج, وفي هذا ابتداع في دين الله سبحانه فما أمر النبي صلى الله عليهم وسلم المسلمين من بعده أن يكون لكل منهم شيخ ليدله على الله؛ ليلزمه المسلم ويكون له خادما مطيعا ملتزما بأوامره ونواهيه كما زعم هؤلاء الصوفية.

فغالى الصوفية جدا في هذا المفهوم حيث قالوا: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان"[1], وربما لا يلتزم المسلم بشيخ فيحفظ القرآن على يد قراء أو يتعلم العلم على يد فقهاء ويتعبد لله سبحانه, فقرر الصوفية أنه متجرئ على طريق الولاية وأنه لن يفلح ولن يصل إلى الله فقالوا: "لو كان الرجل يوحي إليه ولم يكن له شيخ لا يجيء بشيء[2], وكأن الصوفية قد احتكروا القرب من الله فلن يكون باب إليه سبحانه الا عن طريقهم".

وهذا الدجل غريب وبعيد بل ومخالف لدين الله سبحانه, وما هو إلا باب لاستعباد للعباد واسترقاق لهم بسلبهم لإرادتهم ولممتلكاتهم واتخاذهم عبيدا وخدما بمحض إرادتهم, ولذلك منعا للتضارب بين الشيوخ على الأتباع ابتدعوا في دين الله أيضا أفكارا مثل ما صاغه الشعراني من تحريم لتنقل المريد بين الشيوخ, فقال: "كما أن الله لا يغفر أن يشرك به فكذلك الأشياخ لا يسامحون المريد في شركته معهم غيرهم, وكما أنه لم يكن للعالم إلهان, فكذلك لا يكون للمريد شيخان[3], فأين دليل مثل هذه الافتراءات العظيمة في دين الله سبحانه؟ أم يشرع هؤلاء الشيوخ في دين الله ما لم يأذن به؟ "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ".

2- الخضوع والاستسلام التام في أمور الدين والدنيا

بعد الدخول في حبائل الشيخ لا يستطيع المسلم الذي يسمى بالمريد إلا أن يلتزم بالقوانين الصارمة التي يسنها الشيوخ العارفون، والتي يدعمونها بنصوص ليس لها حظ من كتاب أو سنة صحيحة, فليس له أن يسأل شيخه عن شئ فعله لم فعله, أو عن شيء لم يفعله لِم لَم يفعله, بل عليه الخضوع التام والموافقة المطلقة والسير في الركاب وليس عليه سوى التسبيح بحمد شيخه في كل أمر قول أو فعل أو ترك دون أن يفهم السبب أو يحصل على المبرر الشرعي لذلك, فكما يقول النفري: "من قال لأستاذه: لِمَ لا يفلح"[4], فالفلاح عند الصوفية مرتبط بالقبول والإذعان والتسليم, أما السؤال – حتى لو كان سؤال الجاهل للتعلم - فهو الخسران المبين عندهم.

ولم يقتصر القهر الفكري وسحق الشخصية عند الصوفية عند فتح الفم بالسؤال والاستيضاح، بل وصل الأمر لمطالبتهم بعد تحرك النفس للسؤال أي أن يكون خاملا لا يفكر إطلاقا في قول الشيخ وفعله, ولو فكر مرة ربما يحرم من صحبة الشيخ ووجبت عليه التوبة من ذلك وقلما تقبل منه أيضا, فيقول القشيري في رسالته: "من صحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة، ثم إن الشيوخ قالوا: حقوق الأستاذين لا توبة منها".[5], ولماذا لا يقول القشيري ذلك وهي كلمة شيخهم الأكبر وكبريتهم الأحمر ابن عربي: "من شرط المريد أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه"[6], وهو الذي قعد القواعد لهذا الهدم الصوفي لدين الإسلام؟.

ويبرر كثير من الكتاب الصوفيين في كتبهم هذا السلوك من المريد مع الشيخ بأن "الشيخ في أهله كالنبي في أمته"[7], وجهلوا أو تجاهلوا أن الصحابة كثيرا ما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أفعاله وأقواله ومواقفه مثل موقف الحباب بن المنذر في موقع المسلمين في غزوة بدر, وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيهم في كثير من الأمور بالإضافة إلى أسئلتهم له عن ما يقوله في الصلاة في سكوته بين التكبير والقراءة وغير ذلك, فهل ما يدعونه هذا له دليل من كتاب أو سنة؟

وعلى المريد الطاعة المطلقة في كل قول أو توجيه من الشيخ وذلك في شئون دينه أو دنياه وخاصة في بداية سلوكه بما يضمن لهم استدامة خنوعه حتى لحظة موته, فيقول القشيري: "وأن لا يخالف شيخه في كل ما يشير عليه لأن الخلاف للمريد في ابتداء حاله دليل على جميع عمره" [8]

3- عدم الاعتراض مطلقا

لا يعرف المسلمون من الدين إلا أن كل مسلم يجب أن يضبط أفعاله ويزنها بميزان الشريعة, فما كان حكمه الوجوب كان تركه وزرا, وما كان حكمه التحريم وجب الانتهاء والابتعاد عنه, لكن في الصوفية يجب أن يعلم المريد أن لشيخه أحكامه الخاصة, فالحلال والحرام من علوم الشريعة لأهل الظاهر أما من وصل لمرتبة شيخه فلا يتقيد بعلوم الشريعة، بل ينتقل إلى الحقيقة بالمروق من الإسلام ومن شرائعه تماما، فعلى المريد أن لا يعترض على شيخه فيما يفعله ولو كان فعلا محرما في الإسلام, فلا يقول لشيخه: لِمَ فَعلت كذا، لن من قال لشيخه: لِمَ ؟ لم يفلح أبداً كما رباهم الصوفية إذ قالوا (ومن آداب المريد مع شيخه عدم الاعتراض عليه في كل ما يفعله ولو كان ظاهره حراما، وأن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله ".[9]

فأنشد أحدهم في هذا المعنى قائلا:

وكن عنده كالميت عند مغسل ** يقلبه ما شاء وهو مطاوع

ولا تعترض فيما جهلت من أمره ** عليه فإن الاعتراض تنازع

وسلم له فيما تراه ولو يكن *** على غير مشروع فثم مخادع [10]

وعليه فلا يجوز الإنكار على شيوخ التصوف من مريدهم أبدا، حتى لو كان مع المنكر دليل شرعي صحيح من كتاب أو سنة صحيحة, فيقول أحمد بن مبارك السلجماسي فيما يرويه عن شيخه عبد العزيز الدباغ: "واعلم وفقك الله أن الولي المفتوح عليه يعرف الحق والصواب ولا يتقيد بمذهب من المذاهب, ولو تعطلت المذاهب بأسرها لقدر على إحياء الشريعة, وكيف لا وهو الذي لا يغيب عنه النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين!!, ولا يخرج عن مشاهدة الحق جل جلاله في أحكامه التكليفية وغيرها, وإذا كان كذلك فهو حجة على غيره وليس غيره حجة عليه لأنه أقرب إلى الحق من غير المفتوح عليه وحينئذ فكيف يسوغ الإنكار على من هذه صفته؟" [11]

ويؤكد السلجماسي ذلك في شرح القصيدة الرائية في آداب المريد فيقول:

"فذو العقل لا يرضى سواه وإن نأى ** عن الحق نأي الليل عن واضح الفجر

فمن له عقل سليم وطبع مستقيم – في الصوفية قطعا- لا يرضي سوى شيخه ويدور معه حيثما دار ولو بَعُد الشيخ في ظاهر الأمر عن الحق بعداً بيناً كبعد الليل من الفجر ويقول إن للشيخ في ذلك وجهاً مستقيماً عسى أن يطلعني عليه"[12]

وعليه أيضا أن يلغي المريد حواسه وينكر ما بلغه منها فما يراه من زنا شيخه بامرأة أجنبية فانه ليس بزنا، وما يراه من الخمر يشربه شيخه فانه ليس بخمر، أو ربما يختبرهم الشيخ بأنه أرسل صورته تفعل المنكرات اختبارا لمريديه!!! فهل بعد هذا السفه من سفه؟ وهل بعد هذا التلاعب بالدين من تلاعب؟

فيذكر السلجماسي أن شيخه عبد العزيز حكى له عن مريد كان يرى شيخه على الزنا، ويصلي وهو جنب من زنا والماء بجواره، ثم يشرب الخمر ولم يحرك ذلك شيئاً في هذا المريد الصادق, فقا: "وسمعته (رضي الله عنه) يقول: كان لبعض العارفين بالله عز وجل مريد صادق وكان هو وارث سره فأشهده الله تعالى من شيخه أموراً كثيرة منكرة ومع ذلك لم يتحرك له وساوس!! " [13]

ولهذا كان من السهل التلاعب بهذه العقول بعد أن سحقوا فيها الشخصية المسلمة الحقيقية, فلا عجب أن يستخفوا بهم فيقولون كما في الإبريز "قال محيي الدين العربي ومن شروط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه ونبيه منه ولا يزن أحواله بمسيرته أنه فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن، والحقيقة يجب التسليم وكم من رجل تناول كأس خمر بيده ورفعه إلى فيه وقلبه الله في فيه عسلاً، والناظر يراه شرب خمراً وهو ما شرب إلا عسلاً ومثل هذا كثير، وقد رأينا من يجسد روحانيته على صورة ويقيمها في فعل من الأفعال ويراها الحاضرون على ذلك الفعل فيه، ولو رأيناه فلا يفعل كذا وهو عن ذلك الفعل بمعزل وهذه كانت أحوال أبي عبد الله المصلي المعروف بقضيب البان وقد رأينا هذا مراراً في أشخاص" [14] .

الحكايات الصوفية المدعمة لإرهاب ولمسخ عقول الأتباع

وكعادة الصوفية يسوقون أي فكرة من أفكارهم الغريبة بقصص الكثير منها مكذوب ومحبوك ومصطنع, فيقول الشعراني: (كان أبو سهل الصعلوكي رحمه الله يقول: كان لبعض الأشياخ مجلس يفسر فيه القرآن العظيم فأبدله بمجلس قوال, فقال مريد بقلبه: كيف يبدل مجلس القرآن بمجلس قوال [15]؟ فناداه الشيخ: يا فلان, من قال لشيخه: لم, لم يفلح, فقال المريد: التوبة.

وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي, فلما قدّم خادمه السفرة قلا له: كل معنا يا فتى, فقال: لا, إني صائم, فقال له أبو تراب: كل, ولك أجر صوم شهر, فقال: لا, فقال له شقيق: كل, ولك أجر صوم سنة, فقال: لا, فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل, فسرق ذلك الشاب بعد سنة, فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ.

ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال: من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به )[16] .

وهنا شيخ صوفي يعلم ويطلع على ما في الصدور – حاش لله سبحانه - فيطلب منه المريد التوبة, وشيخ آخر يوزع ثواب الأعمال, فمرة يقول لك افطر ولك اجر صيام شهر ومرة يقول له افطر ولك اجر سنة وكأنهم آلهة يوزعون الحسنات والسيئات دون دليل من كتاب أو سنة.

4- خدمة الشيخ طريق الولاية

ربى الصوفية مريديهم على هذه الفكرة الأساسية أن طريق الولاية مسدود وليس ثمة فرصة للولوج إلا على يد الشيخ الموصل المرشد, وحددوا السبيل الوحيد لها عن طريق استرضاء الشيخ بأداء كافة ما يطلب من خدمات لقضاء حوائجه, فيوضح لنا ابن عجيبة ذلك يؤكد بأن هؤلاء الأعلام في الصوفية ما وصلوا لما وصلوا عليه إلا بخدمة شيوخهم فيقول: "الشيخ الغزالي والشيخ عبد الله الوازني وغيرهما من الأولياء ما نالوا مرتبة الولاية وكمال الصلاح إلا بخدمة مشايخهم".[17]

ويحكي الشعراني عن ثمرة خدمة المريد لشيخه – حتى لو كانت في رعاية حيوانات الشيخ في الاصطبلات أو قضاء حوائج بيت الشيخ - فيقول: "وعلى المريد إذا أقامه الشيخ في خدمة سفرا وحضرا دون أن يحضر مجالس الذكر أن لا يتكدر، فإن الشيخ إنما يستعمله فيما يراه خيرا له من سائر الوجوه، ومتى تكدر أو رأى أن اشتغاله بغير ذلك أفضل فقد نقض عهد شيخه!! فإن الشيخ أمين عليه من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته!! ومطالب أن يفعل معهم ما يرقيهم وينهاهم عما يؤخرهم في المقامات, وقد بلغنا أن سيدي إبراهيم المواهبي لما جاء إلى سيدي الشيخ أبي المواهب يطلب الطريق إلى مقدمة الأدب مع الله تعالى أمره أن يجلس في الاصطبل يخدم البغلة ويقضي حوائج البيت!! وقال له: احذر أن تحضر مع الفقراء - يعني الصوفية - قراءة حزب أو علم!! فأجابه إلى ذلك فمكث سنين!! حتى دنت وفاة الشيخ فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم في الخلافة بعده, فقال: ائتوني بإبراهيم، فأتوه به ففرش له سجادة وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق، فأبدى لهم العجائب والغرائب نظماً ونثراً حتى انبهرت عقول الحاضرين، فكان سيدي إبراهيم الخليفة بعد الشيخ ولم يظهر من أولئك شيء من أحوال الطريق، فعلم أن معرفة الأمور التي يقع بها الفتح راجعة إلى الشيخ لا إلى المريد!!! [18]

ولم تكن هذه الأفكار أفكارا قديمة بالية وجدت في الكتب القديمة والعصور الماضية فحسب, بل لا زالت تلك التربية بكل سلبياتها وخطورتها قائمة لليوم في المجتمعات الصوفية فلم يتراجع عنها المنتسبون للصوفية حتى وإن بلغوا أعلى الدرجات العلمية أو كانوا على رأس الجامعات الإسلامية, فهذا شيخ الأزهر الأسبق الشيخ عبد الحليم محمود يقول في كتابه "سيدي أحمد الدردير" ناقلا على لسانه: "فالآداب التي تطلب من المريد في حق شيخه أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا, وعدم الاعتراض عليه في أيّ شيء فعله, ولو كان ظاهره أنه الحرام, ويؤول ما أنبهم عليه, وتقديمه على غيره, وعدم الالتجاء لغيره من الصالحين, فلا يزور وليا من أهل العصر, ولا صالحا إلا بإذنه, ولا يحضر مجلس غيره إلا بإذنه, ولا يسمع من سواه حتى يتمّ سقيه من ماء سرّ شيخه) [19].

ويقول أيضا: "ومن آداب المريد للشيخ: أن لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه, ولا يجلس على سجادته, ولا يسبح بسبحته, ولا يجلس في المكان المعدّ له, ولا يلح عليه في أمر, ولا يسافر, ولا يتزوج, ولا يفعل فعلا من الأمور المهمة إلا بإذنه, ولا يمسك يده للسلام مثلا ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب, بل سلم بلسانه, وينتظر بعد ذلك ما يأمر به, وأن لا يمشي أمامه ولا يساويه في مشي إلا بليل مظلم ليكون مشيه أمامه صونا له من مصادفة ضرر وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه, ولا يقول: لم فعل بفلان كذا ولم يفعل بي كذا, وإلا لم يكن مسلما له قياده: إذ من أعظم الشروط تسليم قياده له ظاهرا وباطنا وأن يجعل كلامه على ظاهره فيمتثله إلا القرينة صارفة عن إرادة الظاهر, فإذا قال له: اقرأ كذا, أو صلّ كذا, أو صم كذا وجب عليه المبادرة, وكذا إذا قال له وهو صائم: أفطر وجب عليه الفطر, أو قال: لا تصلّ كذا إلى غير ذلك وأن لا يدخل عليه في خلوة إلا بإذنه, وأن لا يرفع الستارة التي فيها الشيخ إلا بإذنه وإلا هلك كما وقع لكثير" [20].

فإذا كان هذا ما ينقله أعلم أهل الصوفية في زمنه – يرحمه الله - فكيف بما يقوله البعيدون عن العلم أو الجهال من المتصوفة.

والحديث يطول عن علاقة المريد بالشيخ وما فيها من تذلل واستكانة وخضوع في مقابله عند الشيخ تجبر وتكبر وسحق لشخصية المريد وجعله أشبه بالآلة الصماء التي لا تعي ولا تدرك ولا تحس ولا تفعل إلا كما تؤمر, وليس لها الحق في السؤال أو الاعتراض أو مجرد التفكير في الصواب والخطأ, فمعيار الصواب والخطأ الوحيد هو الشيخ فقط.

وحينها تذوب شخصية المسلم وتتهاوى وتصبح شخصية غير قادرة على فعل شئ إلا بتوجيه الشيخ وغير قادرة على اتخاذ قرار في حياتها ولا تستطيع الإعانة على معروف ولا الأمر به ولا تستطيع النهي عن أي منكر.

فهل هذه هي الأمة المجاهدة التي قال الله عز وجل في مدحها: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفجر المنير 68 قلادة الجواهر 177.

[2] لطائف المنن 334-335.

[3] الفتوحات الإلهية 87 , سلاسل القوم للصيادي 3ط السعادة- مصر.

[4] انظر غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج 1 ص 197 .

[5] الرسالة القشيرية ج2 ص 736

[6] التدبيرات الإلهية لابن عربي ص 226

[7] كشف المحجوب للهجويري ص 252 , الفتوحات الإلهية لابن عجيبة الحسني ص 173 .

[8] (الرسالة القشيرية ص182)

[9] تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ محمد أمين الكردي النقشبندي 479و 529

[10] "تنوير القلوب "(ص548).

[11] (الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز ص192. أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي

[12] (الإبريز ص203).

[13] الإبريز 202

[14] (الإبريز ص202).

[15] أي مجلس الشعر والإنشاد والغناء والرقص الصوفي المسماة بمجالس السماع

[16] الأنوار القدسية للشعراني ج1 ص 175 , 176 .

[17] معراج التشوف إلى حقائق التصوف 13.

[18] -الأنوار القدسية ص 127-

[19] كتاب "سيدي أحمد الدردير" للدكتور عبد الحليم محمود ص 119 . 120 , 121 .

[20] كتاب سيدي أحمد الدردير للدكتور عبد الحليم محمود ص 119 ط دار الكتب الحديثة القاهرة .

---------------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 09-16-2014, 07:37 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,090
ورقة أباطيل الشيعة الإمامية في الكتب السماوية

أباطيل الشيعة الإمامية في الكتب السماوية*
ــــــــــــــــــــ

21 / 11 / 1435 هــ
16 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ



إذا كانت دراسة الفرق والمذاهب الباطلة ضرورة إسلامية ودعوية ملحة في هذا العصر, نظرا لكثرة التيارات الفكرية الضالة والمنحرفة الوافدة على عالمنا العربي والإسلامي, فإن دراسة أباطيل الشيعة وضلالاتها أشد ضرورة وأكثر إلحاحا في هذا الوقت, نظرا للحملة الشرسة التي تقودها هذه الفئة على الإسلام تشويها وتحريفا, وعلى المسلمين قتلا وتنكيلا.

وفي هذا التقرير سيكون التركيز على موضوع الإيمان بالكتب السماوية, والتي يؤمن أهل السنة والجماعة بها إجمالا كما ورد في قول الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ..} البقرة/213, كما يؤمنون بالكتب التي سميت و ذكرت في القرآن الكريم بالاسم, كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن, إضافة إلى ما في صحف إبراهيم وموسى.

وبينما تم تحريف التوراة والإنجيل على يد اليهود بنص القرآن الكريم: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء/46, بقي القرآن الكريم محفوظا من التبديل والتحريف, ومحفوظا بحفظ الله تعالى له: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر/9.

وفي مقابل إيمان أهل السنة والجماعة هذا في الكتب السماوية, ابتدع الشيعة في هذا الركن الإيماني أمورا عظيمة ما أنزل الله بها من سلطان, ودسوا فيه من المنكرات والخرافات ما لا يحتمله عقل.

ولعل من أبرز أباطيل الشيعة وضلالاتهم في هذا الأمر ما يلي:

1- يدعي الشيعة أن الله تعالى أنزل على أئمتهم كتبا من السماء تماما كما أنزل على أنبيائه ورسله, وتورد كتب الشيعة نصوصا وأخبارا يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب, وعلى أساس هذه الروايات والأخبار تبني الشيعة عقائدها.

وهذه الدعوى تقترب بشكل كبير من مزاعم المتنبئين منذ عصر النبوة وحتى الآن, ولعل جذور هذه المقالة تعود إلى عصر علي رضي الله عنه, حيث ورد في صحيح البخاري عن أبي جحفة قال: (قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة, قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر) 1/204

قال ابن حجر: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها ولم يطلع غيرهم عليها. فتح الباري شرح البخاري 1/204

ويبدو أن السبئية هم من تولى كبر هذه المقولة, كما جاء في رسالة (الإرجاء) للحسن بن محمد بن الحنفية, وقد كانت بداية السبئيين في هذا المقام بإشاعة مقالة: "هدينا لوحي ضل عنه الناس وزعموا أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن", كما ذكر الجوزجاني في أحوال الرجال: "أن عبد الله بن سبأ زعم أن القرآن الكريم جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" ص38, وقد نفى علي رضي الله تعالى عنه كل ذلك جملة وتفصيلا.

ولقد تفرع عن ادعاء الشيعة نزول كتب من السماء على أئمتهم كما نزل على الأنبياء والمرسلين, ظهور أباطيل غريبة وعجيبة في كتبهم ومراجعهم, ومن أهم هذه الأباطيل:

· ادعاء نزول مصحف على فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته, ويسمونه (مصحف فاطمة), ويزعمون أنه ثلاثة أضعاف القرآن الكريم, وقد جاء في روايات الكافي: ( ..إن الله لما قبض نبيه صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة من الحزن ما لا يعلمه إلا الله, فأرسل الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها, فشكت ذلك لعلي فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي, فأعلمته بذلك, فجعل يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا... أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام, ولكن فيه علم ما يكون) 1/240

يقول الدكتور ناصر القفاري تعليقا عى هذه الرواية: ( ...وما أدري كيف يكون تعزيتها بإخبارها بما يكون وفيه –على ما تنقله الشيعة– قتل أبنائها وأحفادها وملاحقة المحن لأهل البيت..!!!, ثم كيف تعطى فاطمة علم ما يكون (الغيب) ورسول الله يقول كما أمره الله: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} الأعراف/188, فهل هي أفضل عند الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!!) أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ص589.

وكعادة الباطل في تناقضة وتضاربه وعدم تناسقه, فقد اضطربت روايات الشيعة حول (مصحف فاطمة), بين رواية تقول بأنه نزل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, وبين رواية أخرى تدعي أنه في حياته صلى الله عليه وسلم وبإملائه هو وكتابة علي, وثالثة تزعم أن المصحف ما فيه شيء من كتاب الله وإنما هو شيء ألقي عليها. بحار الأنوار 26/42-48.

ولو كان مصحف فاطمة يخبرهم بالغيب كما يزعمون لما حصل للأئمة ما حصل مما تصوره كتب الشيعة من محن, ولما غاب منتظرهم المزعوم واختفى خوفا من القتل, ولما كان للتقية عندهم أدنى حاجة, وإذا كان علمهم بالغيب لا يقدم ولا يؤخر شيئا, فعلمهم بهذا الغيب يزيدهم حزنا وبؤسا فحسب.

· يزعمون أن هناك كتابا أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتيه الموت, وقد جاء في بحار الأنوار عن أبي عبد الله الصادق قال: (إن الله أنزل على نبيه كتابا قبل أن يأتيه الموت فقال: يا محمد هذا الكتاب وصيتك إلى النجيب من أهل بيتك, فقال ومن النجيب من أهل بيتي يا جبرائيل؟ فقال: علي بن أبي طالب....) 26/192, وهذا النص يسقط دعوى الشيعة بالنص على إمامة علي, حيث يظهر في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم من هو النجيب من أهل بيته.

· يزعمون أن هناك ما يسمى عندهم (لوح فاطمة) وهو غير مصحف فاطمة السابق, حيث يدعون أنه نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأهداه لفاطمة, وقد نقلوا عن هذا اللوح بعض النصوص التي تؤيد عقائدهم.

ويبدو أن لهذا اللوح سرية, فقد جاء في رواية الوافي عن الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: قال أبي لجابر: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟ فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهنيتها بولادة الحسين, فرأيت في يديها لوحا أخضر ظننت أنه من زمرد, ورأيت فيه كتابا أبيض شبه لون الشمس, فقلت لها: بأبي أنت وأمي ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسوله فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك..... ) الكافي للكليني 1/527

· يزعمون نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة, وقد جاء ذلك في رواية طويلة لابن بابويه القمي: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أنزل علي اثني عشر خاتما واثني عشر صحيفة, اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته) ص263 .

وهي فرية منقوضة بنص القرآن الكريم, فلم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم صحيفة مكتوبة من السماء إلا المشركون وأهل الكتاب, قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} النساء/153

يقول الدكتور القفاري: ثم ما هي الحاجة لكل هذه الكتب والاألواح والصحف, والله تعالى قد أنزل القرآن الكريم: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل/89, وأين هذه الألواح والمصاحف اليوم, ولماذا لا تظهر على العلن وتبقى عند الغائب المنتظر؟؟!! أصول مذهب الشيعة ص605

2- ادعاء الشيعة أن جميع الكتب السماوية عند الأئمة, وأن الأئمة يقرأونها على اختلاف لغاتها, وقد عنون صاحب (الكافي) بابا بهذا الموضوع ضمنه روايات (باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها) 1/227, وتقول إحدى هذه الروايات: "إن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وبيان ما في الألواح" أصول الكافي 5/354

ويتجاوز الشيعة حدود الشكل النظري لوجود الكتب السماوية عند الأئمة إلى الجانب العملي, فيزعمون أنهم يقرأون التوراة والإنجيل, ويجيبون على أسئلة الناس, بل تعدى الأمر إلى مجال الحكم والقضاء, فوضع صاحب الكافي بابا بعنوان: (باب في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآلأ داود ولا يسألون البينة عليهم السلام) 1/393, بل هناك في رواياتهم أن عليا رضي الله عنه يقول: (لو تمكنت من الأمر لحكمت لكل طائفة بكتابها) بحار الأنوار 26/180.

وهو كلام مردود بصريح قول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران/85, فكيف يحكم علي رضي الله بغير الإسلام وهو ناسخ لكل الرسالات؟؟!!

كما أن الشيعة يزعمون أن الكتب السماوية السابقة والموجودة عند الشيعة لم تصل إليها يد التحريف والتبديل, رغم أن جميع الدراسات التي قامت حول الكتب السابقة للقرآن تؤكد تعرضها للتحريف, ولو أن الكتب الأصلية غير المحرفة عند أئمة الشيعة –كما يزعمون– لوجب إظهارها لرد اليهود والنصارى عن ضلالهم إلى الحق الذي يزعمون أنه لدى أئمتهم.

إنها أباطيل لا تعد ولا تحصى, وضلالات لا تنتهي عند هذه الفئة الضالة, ولا بد من بيانها وإظهار عوارها وكشف فضيحة افترائها على الله والإسلام, ليزداد أهل السنة يقينا بالحق الذي يؤمنون به, وليتنبه المخدوع بدعوى حب الشيعة لآل البيت المزعوم, الذي يخفي خلفه كوارث ومصائب تدل على أنهم أكثر الناس عداوة لآل البيت والإسلام.
ــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 10-05-2014, 10:33 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,090
ورقة الاتجاه الباطني في تشكله الجديد !

الاتجاه الباطني في تشكله الجديد !
ــــــــــــــــ

(سلطان بن عبدالرحمن العميري)
ـــــــــــــــــــ

11 / 12 / 1435 هــ
5 / 10 / 2014 م
ـــــــــــ






شهدت الساحة العربية في القرن الثالث الهجري حادثة فكرية خارجة عن نسق الفكر الإسلامي، وهي ظهور الاتجاه الباطني، الذي تقوم فكرته على أن النصوص الشرعية لها معانٍ باطنية خفية مختلفة عن المعاني المتبادرة من ظاهرها.



وقد انطوى تحت هذا الاتجاه طوائف كثيرة، كانت سبباً في تعدُّد الأسماء والألقاب التي أُطلقت عليه، ومن تلك الطوائف: الإسماعيلية والقرامطة والنصيرية والدروز والتعليمية والسبعية والخرمية[1].



ومع اختلاف تلك الطوائف في ألقابها ومسمياتها إلا أنها اشتركت في فكرة عامة؛ وهي أن النصوص الشرعية لها نوعان من المعاني: معانٍ باطنة ومعانٍ ظاهرة، وأنه لا بد لكل ظاهر من باطن، وأن المقصود في الحقيقة لصاحب الرسالة هو المعنى الباطني للنصوص، وأن هذا المعنى بمنزلة اللب والظاهر بمنزلة القشور، وأن المكلفين ليسوا ملزمين بما يدل عليه ظاهر النصوص؛ وإنما يجب عليهم البحث عن المعنى الباطني ويلزم الأخذ به ولو كان مخالفاً للظاهر القطعي.



ولا يشترط في المعنى الباطني وجود علاقة بينه وبين ما يفيده ظاهر النص، وهو – في عقيدتهم – يمكن أن تتعدَّد مظاهره، ويصل إلى أعدد كبيرة جداً؛ فقد ذكر الديلمي واقعة تدل على أن المعاني الباطنة لا تكاد تنحصر في عدٍّ؛ وذلك أن بعض أئمة الباطنية روى أن للكلمة سبعة وجوه، فقال قائل: سبعة وجوه؟، كأنه استقلَّها، فقال: سبعون وجهاً، فقال القائل: سبعون وجهاً؟ فقال: سبعمائة وجه[2].



فالنصوص الشرعية ليست إلا قوالب تنزَل عليها المعاني الباطنة، وهي بمنزلة الأجساد الميتة التي تحل فيها الأرواح والمعاني، والجسد إذا لم تحل فيه الروح يبقى ميتاً لا فائدة منه، وكذلك هي النصوص الشرعية إذا لم تحدَّد المعاني الباطنية لها[3].



ويقول إخوان الصفا في تأكيد المعنى الباطني للنصوص: «اعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة، وهي الألفاظ المقروءة والمسموعة، ولها تأويلات خفية باطنة، وهي المعاني المعقولة»[4].


وقد تناول الاتجاه الباطني القديم القرآن وجعل ألفاظه قوالب لما يراه من المعاني الباطنية، وعبث بمعانيه وقفز على نصوصه البينة الظاهرة، وأنشأ معاني بعيدة كل البعد عن سياقه ودلالاته، ومخالفة لما هو معروف من لغة العرب، ومناقضة لما فهمه الصحابة وأئمة التفسير، وحدد لمعانيه الكبرى في التوحيد والعقائد والأخبار والعبادات والشعائر معاني مختلفة كلَّ الاختلاف عن مقتضيات النصوص الشرعية البينة[5].



ولم يكتف الباطنية بذلك العبث بالنصوص الشرعية، بل شنوا حملة شعواء على علماء المسلمين من الفقهاء والمفسرين ووصفوهم بكل ذميمة؛ بحجة أنهم تعاملوا مع القرآن تعاملاً سطحياً، ولم يلتفتوا للمعاني الحقة الكامنة في داخل ألفاظ نصوصه.



ونتيجة لهذه النظرية التأويلية أبطل الاتجاه الباطني الإلزام بشرائع الإسلام الكبرى، واكتفى بمعرفة المعاني الباطنية من ورائها (في زعمه)، وأكد على أن من عرف المعنى الباطني من العبادات سقط عنه التكليف بها ولم يَعُد محاسَباً عليها[6].



وبناءً عليه أوَّل الباطنيون جميع المفروضات والمسنونات، وجعلوها رموزاً وإشارات إلى معاني أخرى تتوافق مع أصولهم الفلسفية والعقائدية.


فقد أضحى الوضوء رمزاً يراد به تجديد العهد بإمام الزمان، وغدت الصلاة رمزاً للاتصال بإمام الزمان والدعاء إليه، والزكاة رمزاً لبثِّ العلوم والأسرار لمن يتزكى بها ويستحقها، وأصبح المقصود من الصوم كتمان العلم عن أهل الظاهر الذين لا يفهمونه، والحج طلب العلم الذي تُشَد إليه رحائل العقل[7].



ولم يكتفوا بذلك؛ وإنما ستباحوا مع ذلك المحرمات الظاهرة في الشريعة كالزنى وشرب الخمر وغيرها، بحجة أنها غير ملزمة لمن أدرك المعنى الحقيقي للتكاليف الشرعية[8].
ولم يقتصر العبث الباطني على ذلك؛ وإنما تعدَّاه إلى الأصول العقائدية الكبرى في الإسلام والأخبار القطعية الواردة في نصوص الشريعة وأوَّلها عن ظاهرها إلى ما ادَّعاه من معاني باطنة.


فعقيدتهم في الإله مختلفة عما هو في نصوص الشريعة؛ فإنهم جردوا الإلهة - سبحانه - من كل صفة واعتمدوا على النفي المحض الذي لا يقوم إلا على سلب كل المعاني الوجودية، وفي الوقت نفسه أطلقوا عليه أوصافاً لم تَرِد في النصوص الشرعية كوصف العقل الأول والمبدع، ولم يكن الله - تعالى - في زعمهم معبوداً لأنه مستحق للعبادة؛ وإنما لأنه محل لوله العقول الأولى به[9].



وأما الوحي فهو في تصورهم عبارة عما تتلقاه نفس النبي مما يفيض عليها من فيوض العقل المبدع، وهو يختلف باختلاف قوة عقل ونفس النبي واستعداداته وكمالاته، ونتيجة ذلك توصلوا إلى أن البنوة ليست اختياراً إلهيا وإنما هي صفة مكتسبة[10].



وبناءً على ذلك فالقرآن ليس لفظه كلام الله، وإنما هو كلام النبي الذي عبر به عما تتلقاه نفسه من الفيوض الإلهية، وكذلك أنكروا معجزات الأنبياء والرسل وعدُّوها من جملة الشعبذة والخرافة[11].


وتجاوز تأويلهم الباطني ووصل إلى عقيدة اليوم الآخر، فأوَّلوا جميع المكونات التي يقوم عليها كالموت والقبر والبعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، وجعلوها رموزاً لمعانٍ باطنية لا تمتُّ إلى حقيقتها الظاهرة بصلة، وهزؤوا بالمسلمين الذي يعتقدون صحة تلك الحقائق ويؤمنون بكونها أموراً واقعية حقيقية[12].



وهكذا ينتهي الاتجاه الباطني إلى اطِّراح جميع مظاهر الدين وإباحة محرماته وتغيير معالمه وإذابة حدوده الفاصلة بينه وبين الأديان الأخرى، وأصبح رأيهم يستوعب كل المذاهب والآراء ؛ لأنه لم يعد هناك معنى واحد للنص الشرعي يمكن إلزام الناس به، وإنما لكل نص تأويل ولكل تأويل سبعين تأويل إلى ما لا نهاية.



ولم يقتصر الباطنية على ممارسة عبثهم المجرد، وإنما حاولوا القيام بشرعنة مذهبهم وسعوا إلى الاستدلال عليه بنصوص من الشريعة ومن آثار آل البيت، ومما اعتمدوا عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نزلت عليَّ آية إلا ولها ظهر وبطن»[13].



وقد اجتهد علماء الإسلام كثيراً في الرد على الاتجاه الباطني، وألَّفوا كتباً كثيرة في نقضه، وقد أحاطت دراساتهم الاتجاه الباطني من جميع جهاته: من جهة حقيقته ومآلاته، ومن جهة جذوره التاريخية والفلسفية وكيفية انتقاله إلى الساحة الإسلامية، ومن جهة نشأته وتطوراته وعلاقته بالمذاهب المناقضة للإسلام، وناقشوا أصوله الفلسفية وأبطلوها بالأدلة العقلية والشرعية، وكشفوا عن أساليبه في التلبيس على الناس وفي ترويج مقالاتهم ومذهبهم.



وأجمع علماء المسلمين على كفر الاتجاه الباطني والحكم عليه بأنه مناقض لحقيقة الإسلام والحكم عليه بالكفر والضلال والزندقة، وأكدوا على أنه الهدف منه هدم الإسلام، ولكن لما عجز أتباعه عن التصريح بذلك لجؤوا إلى الأساليب الباطنية الملتوية[14].


ونتيجة لجهود علماء المسلمين المتكررة في الوقوف ضد الاتجاه الباطني بقي منزوياً وظل منبوذاً في الفكر الإسلامي وشاذاً في أفكاره وتصوراته، ولم يلقَ قبولاً ولا انتشاراً لدى المسلمين.


التشكل الجديد للاتجاه الباطني:
أخذت الفكرة الباطنية تظهر من جديد في الساحة الإسلامية، ولكنها هذه المرة تتبدى في ثوب مختلف وتشكُّل مغاير وأضحت تتسمى بأسماء جديدة: كاسم التنوير والتجديد والحداثة والتأويل.


وتتحدد معالم الباطنية الجديدة بشكل ظاهر في المدرسة الحداثية العربية؛ فقد تبنَّت هذه المدرسة حقيقة النظرية الباطنية وامتثلت روحها بكل وضوح؛ فقد جعلت الرؤية الباطنية أصلاً من أصولها ومنطلقاً من منطلقاتها المعرفية، ورتبت عليها النتائج نفسها التي ترتبت على الباطنية القديمة، فلا يكاد القارئ يجد فرقاً بين التشكُّلين في حقيقة التأويل الباطني.



والمستقرئ للمنتَج الحداثي لا تنقصه المؤشرات ولا الدلائل الدالة على الارتباط الوثيق بين المدرستين، وعلى التداخل المنهجي بينهما، وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى خالٍ مما يدل على صدقه، دعونا نستعرض النظرية الحداثية في منهجية فهم النص الشرعي وفي منهجية فهمها للأصول العقائدية الكبرى في الشريعة الإسلامية.



أما منهجيـة فهـم النص الشرعي، فإن الخطـاب الحـداثي لا يختلف فيها عن النظرة الباطنية القديمة؛ فقد توصل إلى أن النص الشرعي لا يقول الحقيقة وأنه ليس له ثوابت ولا معانٍ جوهرية ثابتة؛ وإنما هو نص منفتح على ما لا يحصى من المعاني، وقابل لما لا عد له من الاحتمالات التأويلية.



فالنص الديني عند محمد أركون «نص مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لأي تفسير أو تأويل أن يغلقه أو يستنفذه بشكل نهائي»[15]، والقرآن عنده «عبارة عن مجموعة من الدلالات والمعاني الاحتمالية المقترحة على كل البشر»[16]، وينتهي حسن حنفي إلى أن النص الشرعي يختلف معناه وتأويله بحسب اختلاف العصور «لأن النص قالب بلا مضمون»[17]. يمتلئ بحسب الظروف المحيطة به.



ويحاول طيب تيزيني أن يقنع المسلمين بأن القرآن «ليس إلا علامات لا تحيل بالضرورة إلى شيء، وإنما تدل - غالباً - على الصورة التي يتلقَّاها الوعي عن الشيء»[18].


وأما نصر حامد أبو زيد فإنه حاول بكل ما أوتيه من قوة أن يفرغ النص الشرعي من كل معنى ثابت ومن كل دلالة ثابتة؛ ليتوصل إلى أنه مجرد قالب مفرغ من المحتوى، وينتهي إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لا يستطيع أن يصل إلى تحديد معنى النص الشرعي، حيث يقول: «إن فهم النبي صلى الله عليه وسلم للنص يمثل أُولَى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية على فرض وجود مثل هذه الدلالة»[19].



ويعبر علي حرب عن حقيقة النظرة الباطنية الجديدة بأوضح عبارة وأظهر دلالة تكشف عن حجم التطابق بين الباطنيتين فيقول: «ذو اللب لا يقف عند الظاهر المنطوق به، بل يقلب الغائر والمضمور والمستتر؛ أي: يطلب معنى المعنى، ومعنى المعنى ليس سوى الظاهر والسطح والشكل الدال، وقد حجب نفسه وتحوَّل إلى عمق لا مرئي أو محتوى أو باطن»[20]، «ومهمة القارئ الناقد أن لا يُؤخَذ بما يقوله النص، مهمته أن يتحرر من سلطة النص لكي يقرأ ما لا يقوله»[21]، ويقول: «القرآن نص لا يمكن لأي تفسير أو مذهب أن يستنفذه أو يغلقه، فلكلٍّ تصوره وفهمه، ومن ثَمَّ لكلٍّ مذهبه وإسلامه»[22].



ونتيجة للباطنية الجديدة فإنه لم يعد الأمر المهم في قراءة النص الديني البحث عن مراد الله ومقصوده من كلامه؛ وإنما بات الأمر المهم هو البحث عما ينقدح في ذهن القارئ للنص من معانٍ ولو كانت مخالفة لما كان من فهم الصحابة، ومن ثمَّ انتهت الباطنية الجديدة إلى أن إعجاز القرآن ليس راجعاً إلى عُلُو بيانه وسُمُوِّ فصاحته وإحكامه وتركيبه ودلالته؛ وإنما إلى أنه أقوى نص ينفتح على معانٍ لا حصر لها ويتقبل احتمالات لا عدَّ لها، ويتسع لكل المتناقضات، وكلها في الوقت نفسه تمثل حقيقته ومقصده[23]!



وحين انتهى الخطاب الحداثي إلى هذه النتيجة أخذ يوجه الذم الشديد إلى العلماء والمفسرين والفقهاء لأجل أنهم لم يصلوا إلى النظرية نفسها التي توصَّل إليها وبات يصفهم بالسطحية والجهل والغباء[24]، تماماً كما فعلت الباطنية القديمة.


وبناءً على هذه النظرة الباطنية أفرغ الخطاب الحداثي العقائد الإسلامية والعبادات العملية من محتواها وغدت أموراً رمزية يتغير معناها والمراد منها بحسب تغيُّر الزمان والمكان، فالعقائد الإسلامية لا تَعْدُ أن تكون تجارب إنسانية يقوم بها المجتمع المسلم ثم لا يلبث أن يتخلى عنها أو يقوم بتغيرها إذا تغيرت الظروف أو اقتضت الحاجة إلى ذلك.


فإذا كانت الباطنية القديمة تجعل الإيمان بالإله مجرد تصوُّر ذهني لا حقيقة له في الواقع، فكذلك هو الخطاب الحداثي، بل إنه تجاوزها إغراقاً في الباطنية؛ فالإيمان بالله لم يعد في تصوُّرهم إيماناً وتصديقاً بذات مقدسة متصفة بالكمال والجلال؛ وإنما هو تصور يقيمه الإنسان عن شيء يراه مقدساً ويمكن أن يتغير بتغيُّر الظروف، وأضحى الإله عند حسن حنفي «مفهوم بلا ما صدق»[25]؛ أي: أن الإله ليس له حقيقة في الخارج؛ وإنما هو معنى في الذهن فقط، وانسجاماً مع ذلك فإن حنفي يجعل اسم الله عبارة عن الرغبات التي يريدها الإنسان «فالله عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبَد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل...»[26].



ولا يفتأ محمد أركون يكرر - كلما سنحت له الفرصة - أن مفهوم الإله مفهوم متغيِّر يتطور بحسب الظروف، وينكر على المُسَلَّمة التقليدية لدى المسلم التي تفترض وجود إله متعال ثابت لا يتغير[27]؛ ولهذا يدعو محمد أركون المسلمين إلى تغيير مفهوم الإله، وتحديد معنىً آخرَ يتناسب مع عصرنا؛ «لأن تصوُّر العصور الوسطى مرعب ومخيف ويشل طاقات الإنسان عن الحركة أو يمنع فتح طاقاته وتحقيق ذاته على وجه الأرض»[28].



وإذا كان الوحي عند الباطنية القديمة ليس ذا مصدر إلهي وإنما يرجع إلى قوة استجابة عقل النبي للفيوض المتدفقة على ذهنه وقوة تعبيره عنها وصفاء خياله، فإن العقل الحداثي لا يختلف عند ذلك التصور، بل يزيد عليه في الإغراق الباطني؛ فالوحي في تصوُّر الباطنية الحداثية ليس هو إعلام من الله - تعالى - لنبيه بواسطة جبريل، وليس هو شيئاً متعالياً عن الواقع؛ وإنما هو عبارة عما يشعر به النبي من سُمُوِّ وما يصوره له خياله المتدفق والمتداخل مع الحالة الاجتماعية والنفسية التي يعيشها.



ويكشف حسن حنفي عن تصوره عن حقيقة الوحي فيقول: «الوحي بناء إنساني ووصف لوضع الإنسان في العالم»[29]، ويتفق محمد أركون مع هذه النظرة فيقول:«الوحي ليس كلاماً معيارياً نازلاً من السماء لإجبار البشر على تكرار طقوس الطاعة»[30].



والوحي الـذي يحصـل للنبي – في تصور الباطنية الجديدة – لا يختلف في حقيقته عما يحصل للكاهن والشاعر البليغ؛ فالأنبياء في حقيقة الأمر يشتركون مع الكهان والفنانين أصحاب الحس المرهف والشعراء الكبار في القدرة على استخدام فاعلية المخيلة في اليقظة والمنام[31].



وقد كان لهذه النظرة الباطنية انعكاسات كثيرة، من أبرزها: أن القرآن لم يعد هو كلام الله المنزل على نبيه، وإنما هو كلام الرسول الذي عبر به عن الشعور النفسي الذي هجم على عقله فحرك خياله الفسيح ليخرج لنا ما نسميه «القرآن المقدس»، وهو ببناءً على ذلك لا يختلف عن كلام البشر في مصدره. ومن انعكاسه أيضاً: أن الوحي لم ينقطع بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وإنما هو حالة لا تزال مستمرة ما بقي النشاط الإنساني مستمراً ؛ لأن الإنسان يحتاج إلى أن يتجاوب مع واقعه الخارجي؛ فهو لا يستغني عن حالة الوحي التي مرت بالأنبياء[32].



وإذا كانت عقيدة اليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار عبارة عن رموز لا حقيقة لها عند الباطنية القديمة، فهي كذلك عند العقل الحداثي، عبارة عن رموز لمعانٍ أخرى، وهي كما يقول حسن حنفي تمثُّلات فنية وصياغات أدبية، «فأمور المعاد لا تشير إلى وقائع مادية وحوادث فعلية وعوالم موجودة بالفعل في مكان ما يعيشها الإنسان في زمان ما، بل هي بواعث سلوكية ودوافع للفعل»[33].



فالشريعة الإسلامية حين تذكر في نصوصها المقدسة الجنة والنار لا تقصد منها أمراً حقيقياً في تصور الباطنية الحداثية؛ وإنما قصدت مراعاة العقلية العربية البسيطة المبنية على تقبُّل الأسطورة، وفي تأكيد هذا المعنى يقول عبد المجيد الشرفي: «الرسالة القرآنية موجهة إلى أناس بأعيانهم في القرن السابع، وتتضمن ظواهر تتناسب مع ثقافة ذلك العصر، مثل: الجنة وإبليس والشياطين والملائكة والطوفان وعمر نوح، وهي ظواهر بعيدة اليوم عن التصورات الحديثة»[34]، ولا ينفك الخطاب الحداثي يكرر دوما بأن القرآن مليء بالأساطير التي كانت شائعة في الجاهلية، وأنه استخدمها من أجل نشر دعوته ورسالته[35].



وأما حسن حنفي فهو يتعامل باحترافية باطنية مع عقيدة الجنة والنار، «فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس في عالم آخر... الجنة ما يصيب الإنسان من خير الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها»[36].



ويرى محمد أركون أن الإيمان بأخبار الجنة من الأمور التي توجب السخرية، فيقول: «أليس من الواجب علينا أن نتخلص من السخرية التي تتحدث عن جنة الله المملوءة بالحور العين وأنهار الخمر والعسل المرتبطة بالخيال الشعري لدى البدو»[37].



وإذا تتبع القارئ المنتج الحداثي فسيجد أمثلة عديدة نالها التأويل الباطني، ولم تسلم من سطوته، ومن أشهرها وأكبرها: العبادات الخمس التي تمثل أركان الإسلام، فقد تغيرت عن صورتها وشكلها وعددها وأنظمتها في النظرية الباطنية الجديدة[38].


وإذا كانت الباطنية استوعبت كلَّ المذاهب والاتجاهات، فكذلك الباطنية الحداثية؛ ولهذا أخذ يصرخ أتباعها بأنه لا يوجد إسلام واحد، له أصول مشتركة وعقائد محددة يُلزم الناس بها ولا توجد عبادات ظاهرة تجب على عموم المسلمين، فليس هناك إسلام صحيح موافق للحق وإسلام باطل، وإنما لكلٍّ إسلامه وتصوره، وكل التصورات صحيحة ولو كانت منتاقضه مع نفسها[39].


وإذا كانت الباطنية القديمة حاولت أن تشرِّع لأفكارها بالاستدلال ببعض النصوص الشرعية والتراثية، فكذلك الحال في الباطنية الحداثية؛ فإن عدداً من روادها سعوا جاهدين في محاولة التعلُّق ببعض النصوص الشرعية والتراثية لتأسيس الشرعية لنظريتهم وموقفهم[40].


كل الشواهد السابقة تؤكد للقارئ على أننا أمام موجة جديدة من الباطنية، وأننا نشهد حالة انتعاش للمعول الباطني التي استخدم في تقويض معالم الشريعة الإسلامية سابقاً، وأننا في الحقيقة نستمع إلى صدى عالٍ ومتكرر لمواقف شهدها التاريخ الإسلامي من قبل.



والمستقرئ لنتائج الباطنية الجديدة يدرك بوضوح أننا أمام تحريف جديد للإسلام؛ فقد تغيرت معالم الإسلام الأساسية وتبدلت ملامحه الأصلية وانقلبت سماته الذاتية وصفاته الخاصة، وأصبح في المنتج الحداثي صورة أخرى مختلفة عما يعرفه المسلمون من دينهم؛ فالإسلام الذي يريد أن تصل إليه الباطنية الحداثية إسلام محرَّف ومبدَّل ومشوَّه، وليس هو الإسلام الحقيقي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمون من بعدهم.


ونتيجة لما بين الباطنيتين من ارتباط منهجي وثيق حرص العقل الحداثي على أن يتبنى الباطنية القديمة ويثني على أتباعها ويقوم بإبرازهم وإخراجهم للوجود مرة أخرى، كما فعل نصر حامد أبو زيد وعلي حرب مع ابن عربي، وكما فعل محمد أركون مع أبي حيان التوحيدي، وكما فعل حسن حنفي مع السهروردي[41] فإنهم صوروا هؤلاء وغيرهم من الباطنية على أنهم الممثلون للعقلانية والفكر المستنير والتجديد والتطور في التاريخ الإسلامي.


ولا بد من التأكيد في ختام هذه المقارنة المنهجية على أن الحكم بالتطابق بين الباطنية القديمة وبين الباطنية الحداثية المعاصرة ليس معناه الحكم بالاتفاق بينهما في كل مفاصل الفكر ولا في كل فقرات النظرية نفسها، فإنه مع ما بينهما من اتفاق إلا أنهما تختلفان في عدة جهات:

الأولى: من جهة الفكرة المركزية؛ فالباطنية القديمة كانت ترتكز على فكرة الإمام المعصوم في تحديد المرجعية التي تحدد المعاني الباطنية، والباطنية الحداثية ترتكز على فكرة «التاريخية» التي تعني أن كل فكرة مرتهنة بزمانها وواقعها الخاص، فهذه الفكرة تمثل المرجعية التي يُعتمَد عليها في تحديد المعنى الباطني الجديد للحقيقة الشرعية.


الثانية: من جهة المنفذ التبريري، فالباطنية القديمة حاولت النفوذ إلى الفكر الإسلامي من خلال استغلال الانتساب إلى آل البيت النبوي، والتظاهر بحبهم والانتصار لهم، والباطنية الحداثية تحاول النفوذ إلى الفكر الإسلامي من خلال استغلال الانتساب إلى العلم والتطور والتقدم والحضارة والخروج من الأزمة العربية.


الثالثة: من جهة الدعم والتمويل، فالباطنية القديمة كانت تعاني من الانفراد والانعزال عن المجتمع وقُوبِلت بإنكار صارم من العلماء وكثير من الحكام وعموم المسلمين؛ فهي لم تلق دعماً ولا تمويلاً يساعدها على الانتشار، وهذا بخلاف الباطنية الحداثية، فإنها تحظى بدعم سخي من بعض الحكومات العربية والغربية، وتُعقد لها المؤتمرات والندوات في كثير من الجامعات والمعاهد، ويُبرز دعاتها في الفضائيات على أنهم هم رواد للفكر الإسلامي ومجدِّدوه.


الرابعة: من جهة الوضع الثقافي والسياسي للعالم الإسلامي، فالباطنية القديمة خرجت في زمان كان العالم الإسلامي يعيش في عز مجده وفي عنفوان فتوته وقوته، سواء في المجال العلمي والمعرفي أو في المجال السياسي، وإما الباطنية الحداثية، فقد خرجت في زمان يعاني فيه العالم الإسلامي من الضعف الفكري والسياسي ومن التشتت وسطوة العدو وطغيان الاستبداد وتغييب الشعوب، وفي مثل هذه الحالات يعم الجهل بالدين وبحقائقه ومعالمه، ويتسبب ذلك عادة في تفتح الأبواب لنفوذ المناهج المخالفة لحقائق الدين ولأصوله.

________________________________________
[1] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص11 - 17)، وبيان مذهب الباطنية وبطلانه، الديلمي(ص21 - 22).
[2] انظر: بيان مذهب الباطنية وبطلانه، الديلمي (ص39).
[3] انظر في أهمية المعنى الباطني لدى الباطنية ومنزلته: العقائد الباطنية، صابر طعيمة (ص11 - 16).
[4] رسائل إخوان الصفا (4/138).
[5] انظر: أمثلة كثيرة على التفسيرات الباطنية للقرآن: أساس التأويل، القاضي النعمان ابن حوية (ص184، 188)،و العقائد الباطنية، صابر طعيمة (ص59 - 65).
[6] انظر: الجيل الثالث، مصطفى غالب – الباحث الباطني – (ص141).
[7] انظر: تأويل الدعائم، ابن حيون الإسماعيلي (1/177، 179 ) و (3/58، 59)، وبيان مذهب الباطنية وبطلانه، الديلمي (ص28)، وفضائح الباطنية، الغزالي (ص46 - 53).
[8] انظر: العقائد الباطنية، صابر طعيمة (ص17 - 19).
[9] انظر: راحة العقل، الكرماني (ص195 - 196).
[10] انظر: إثبات النبوات، السجستاني (ص111).
[11] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص40 - 43).
[12] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص44 - 46).
[13] انظر في الاستدلال بهذا الحديث: أعلام النبوة، الرازي (ص19).
[14] انظر: فضائح الباطنية، الغزالي (ص36، 156)، ومجموع الفتاوى، ابن تيمية (9/134) و (11/581).
[15] تاريخية الفكر الإسلامي، أركون (ص145).
[16] تاريخية الفكر الإسلامي، أركون (ص139).
[17] اليسار الإسلامي، حسن حنفي (ص2/395).
[18] النص القرآني، طيب تيزيني (ص375).
[19] نقد الخطاب الديني، نصر حامد (93).
[20] نقد النص، علي حرب (24).
[21] نقد النص، علي حرب (22)، وانظر: نقد الحقيقة، علي حرب (49).
[22] نقد الحقيقة، علي حرب (83).
[23] انظر: نقد الحقيقة، علي حرب (19، 34)، ونقد النص، علي حرب (87).
[24] انظر: من الاجتهاد إلى نقد الفكر الإسلامي، محمد أركون (ص38، 39، 97)، والإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي (ص11 ،29)، ومفهوم النص، نصر حامد أبو زيد (ص301).
[25] من العقيدة إلى الثورة، حنفي ( 1/58).
[26] التراث والتجديد، حنفي (ص113).
[27] انظر: الفكر الإسلامي قراءة علمية (ص102).
[28] قضايا في نقد الدين، أركون (ص281).
[29] من العقيدة إلى الثورة، حنفي (5/87).
[30] من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، أركون (ص96)، وانظر: القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني (ص19 - 22).
[31] انظر: مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد (ص56)، وتاريخية الفكر الإسلامي، محمد أركون (ص38).
[32] انظر: نقد الخطاب الديني، نصر حامد أبو زيد (ص189).
[33] من العقيدة إلى الثورة، حنفي (4/531).
[34] الإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي (ص45).
[35] انظر أمثلة على ذلك: العلمانيون والقرآن الكريم، أحمد الطعان (ص815).
[36] من العقيدة إلى الثورة، حنفي (4/533).
[37] قراءات في القرآن، محمد أركون (ص12) نقلاً عن (العلمانيون والقرآن)، الطعان (ص346)، وانظر: العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية تكري الربيعو (ص128).
[38] انظر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبدالمجيد الشرفي (ص59 - 72)، والعلمانيون والقرآن الكريم، أحمد الطعان (ص833).
[39] انظر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، محمد أركون (ص189)، والإسلام بين الرسالة والتاريخ، الشرفي (ص14)، والممنوع والممتنع، علي حرب (ص 108، 180)، ونقد الحقيقة، علي حرب (ص83).
[40] انظر: حصاد الزمن (الإشكالات) حسن حنفي (ص65)، ومفهوم النص، نصر حامد أبو زيد (ص43).
[41] انظر في نقل كلامهم: العلمانيون والقرآن الكريم، أحمد الطعان (ص736 - 737).

-----------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 10-09-2014, 07:26 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,090
ورقة الكاكائية: اجتماع الأوهام والأباطيل

الكاكائية: اجتماع الأوهام والأباطيل*
ــــــــــــــــــ

15 / 12 / 1435 هــ
9 / 10 / 2014 م
ـــــــــــــ



إذا كان الحق لا يتعدد لأنه واحد, فإن الباطل على العكس من ذلك تماما, فإنه يتعدد وتظهر منه صورا وأشكالا مختلفة, تجتمع كلها في كونها على غير جادة الصواب والحق, وتختلف في درجة غلوها وبعدها عن الحق, وإذا كانت أهم علامات الحق أنه واضح وضوح الشمس في رابعة النهار, فإن من أبرز مميزات الباطل الغموض والسرية والكتمان وعدم الوضوح.

وإذا كان الإسلام الصحيح على منهج أهل السنة والجماعة هو الحق الذي لا يتعدد, فإن كثيرا من المذاهب والأفكار والملل والنحل تبتعد عن هذا الحق, ولعل الغلو بكافة أشكاله وألوانه يعتبر القاسم المشترك لمعظم الفرق والمذاهب الباطلة, ومنها "الكاكائية" التي سأحاول تسليط الضوء عليها في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

يقول المحامي عباس العزاوي في كتابه "الكاكائية في التأريخ": "هذه النحلة مشهورة الاسم مجهولة الرسوم والتقاليد, بل هي عدوة الرسوم غير معروفة التعاليم أو المعالم".

تعريف الكاكائية وسبب التسمية
----------------------

الكاكائية: كلمة كردية مأخوذة من "كاكه" بمعنى الأخ الأكبر, وهي طائفة تدعي الانتساب للإسلام, فهم يعلنون أنهم مسلمون, إلا أن الحقيقة أنهم طائفة من غلاة الصوفية, فهم يغالون في محبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وقد وصل عند البعض إلى التأليه, كما تأثروا بالأديان المحيطة بهم, ناهيك عن وجود صلة بين "الكاكائية" المعاصرة وبين تنظيم الفتوة البغدادي والمعروفة بـ (الأخية)، التي شجعها الخليفة العباسي الناصر لدين الله (ت 622 هـ), والذي جعل من نفسه الفتى أو الأخ الأول.

وعن سبب التسمية تذهب معظم الروايات إلى أن فخر العاشقين سلطان اسحاق البرزنجي المولود سنة 671 للهجرة, والذي يعتبر من مؤسس الطريقة البرزنجية الصوفية, أراد أن يبني مسجدا "تكية" وضعت لسقفه الأعمدة, وقد قصرت عن جدران البناء فقال لأخيه: أيها الأخ "كاكه" مدها, فطال الخشب كرامة له, وصاروا يدعون "بالكاكائية".

التأسيس وأبرز الشخصيات
----------------

الكاكائية في الأصل طريقة صوفية ظهرت الى الوجود على شكلها الحالى في القرن السابع الهجري على يد فخر العاشقين سلطان اسحاق البرزنجي المولود سنة 671 للهجرة.

وسلطان اسحاق هو مؤسس ومجدد هذه الطريقة الصوفية والتي ظهرت بوادرها في القرن الثاني للهجرة على يد عمرو بن لهب الملقب بـ (بهلول), ولا يعرف لهم عدد حاليا، لكن الكرملي قدر عددهم عام 1928 بحوالي عشرين ألف نسمة. لهم في كركوك 60 بيتاً، وعلى نهر الزاب 480 بيتاً، وفي خانقين نحو 560 بيتا, ولعل من أبرز شخصيات هذه الطائفة:
-------------------------------

1- السلطان إسحق : ولد عام 675 هجرية في قرية " برزنجة" التابعة لقضاء حلبجة في محافظة السليمانية, والده هو عيسى بابا علي الهمداني، وأمه "خاتون دايراك رمزبار", بعد وفاة والده نشبت خلافات بينه وبين أخوته، فأنتقل إلى قرية شيخان، في منطقة هورمان، وتوفي عام 798 هجرية، كان له العديد من المريدين من الصين والهند و بخارى وأقاليم إيران، حيث حققت طريقته نجاحا كبيرا في عهده، وإنتشارا واسعا.

استعان إسحق في نشر طريقته الصوفية بعناصر مهمة من الأفكار ********ة والدينية القائمة قبل الإسلام في إيران, مثل الزردشتية والمزدكية والفكر اليهودي والمسيحي، وكذلك التيارات التي ظهرت بعد الاسلام، وخصوصا في غرب إيران, كما كانت لإسحق إتصالات بالنصيرية.

2- الإمام أحمد بن ميره بك : وهو حفيد ابراهيم ابن محمد ابن السلطان اسحق, ولد في كركوك في القرن الثامن الهجري, كان والده قد ترك شهرزور وقصد هذه المدينة للتبشير بالكاكائية, وقد التف الكثيرون من أكراد كركوك حوله, واشتهر بين العامة من الناس بالامام أحمد، أما الكاكائية فيسمونه بـ (الخان احمد) وقد توفى في نهاية القرن الثامن للهجرة ودفن في محلة المصلى بكركوك, وهناك اعتقاد سائد بين الناس - وخصوصا كاكائية كركوك - بأن الامام يشفي المرضى، لذا فان الناس يقصدون ضريحه للشفاء من الأمراض, واليوم المفضل لزيارة الإمام هو يوم الاربعاء حسب زعمهم.

3- كمال طاهر عزيز: رئيس عشيرة الكاكائية الحالي في العراق, وتعتبر مدينة كركوك مركزا مهما لتجمع الكاكائيين خصوصا بسبب وجود مرقد الامام أحمد فيها, ومن مشاهيرهم: الكاتب و الصحفي فلك الدين الكاكائي رئيس تحرير جريدة التاخي التي تصدر في بغداد باللغة العربية، و الباحث في المسائل التراثية هردويل كاكائي و غيرهم.

الجذور الفكرية والعقائدية
--------------

أصل مذهبهم محل خلاف واسع، فهناك من يعتبرهم بقايا جماعة الفتوة وتنظيمها، التي شجعها الخليفةُ الناصر لدين الله (ت 622هـ) بعد أن جعل من نفسه الفتى الأول، ثم تقلّد رئاستها خلفاؤه, وكلمة الكردية "كاكا/الأخ" كانت وراء القول في صلة الكاكائية بالفتوة، المعروفة بالأخيّة أحيانا.

وهناك من يعتقد أنها قبيلة كردية مسلمة تأثرت بالأديان الأخرى، ودخل إليها مزيج من الأفكار والعقائد المستمدة من التصوف والتشيع الغالي والمسيحية والفارسية، وهي ليست دينا أو مذهبا خاصا ولكنها خليط من الأديان والمذاهب.

يقول شمس الدين سامي في قاموس الأعلام في مادة "أخية "كاكائية": ظهرت هذه الطائفة في آواخر الدولة السلجوقية في الأناضول, كانوا في الأصل من طرق الصوفية, ولهم رئيس من أنفسهم يدعوا للإخاء البشري, يحض على التعاون بينهم وبين سائر البشر.....".

ولعل الآراء المتباينة التي ذهبت في تفسير الكاكائية، مردها ما عزاه بعضهم إلى"أنهم يخفون رأيهم الديني على كل إنسان"، إضافة إلى تداخل الديانات في مذهبهم, فالغموض وعدم الوضوح والسرية والتكتم على العقائد والأفكار, عادة ما يثير كثيرا من علامات الاستفهام على أمثال هذه العقائد.

أهم العقائد والأفكار
---------------

1- تعتبر عقيدة الإيمان بالله تعالى عندهم من أعوص العقائد وأكثرها غموضا, فالألوهية عندهم لا يمكن إدراك كنها, ولا تصح معرفتها بوجه, أو لا يتيسر الاطلاع عليها أو الوقوف على معرفتها, وذلك لأن الله – حسب معتقدهم – لا يصح وصفه أو نعته, وهو ما يعتبر نفيا لوجوده - سبحانه وتعالى عما يقولون علوا عظيما - بل إنهم يقولون بأنه ليس من الصواب تسميته سبحانه أو الاتصال به من طريق ما إلا في حالة واحدة, بأن يظهر في الأشخاص رأفة منه بهم ورحمة كما يزعمون, وفي ذلك ما يخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة بشكل واضح وفاضح.

2- الحلول والاتحاد ووحدة الوجود: وهي عقيدة ظاهرة وواضحة في شعرهم, ولم يخرج عنها سائر شعرائهم, فيعتقدون أن الكون هو الله أو أصله الله – عياذا بالله -, والكل يرجع إليه ويعود إلى حقيقته, وهم بذلك يقولون مقولة الصوفية وعلى رأسهم "الحلاج" الذي يعتبر من أكثر من يؤخذ عنه الاتحاد والحلول ووحدة الوجود.

3- التناسخ: وهذه من عقائدهم الأصلية وهي ملازمة للحلول, فإذا لم يتم التناسخ فلا يكون الحلول أبدا, وفي هذا لا يفترقون عن "مذهب الاتحاية" من المتصوفة الغلاة, كما لا يفترقون عن النصيرية التي تقول بتنقل الأرواح العادية من بدن إلى آخر, حتى تطهر وتكون صالحة مجردة عما ارتكبته من أعمال أو أصابها من مصيبة أو اقترفت من جريرة.

4- الكاكائيون لا يتلون القرآن الكريم لأنه في نظرهم غير معتبر لأن عثمان رضي الله عنه هو من جمعه, ويقولون أن القرآن الكريم من عند محمد صلى الله عليه وسلم, ولا يستدلون بآية منه إلا لتأكيد عقيدتهم.

5- يفضلون عليا رضي الله عنه وبعض رجالهم وأئمتهم – ومنهم داود – على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عقيدتهم أن داود – أحد أئمتهم ورجالهم وليس نبي الله - يرجح على محمد صلى الله عليه وسلم.

6- مفهوم اليوم الآخر بالنسبة إليهم هو "يوم ظهور الله في شخص وحلوله فيه", وهو اعتقاد غلاة الصوفية كما نعلم, كما أنهم لا يلقنون موتاهم الشهادتين ولا يعتبرونها, وفي ذلك ما يخالف أركان الإسلام وأسس الإيمان كما هو ظاهر.

7- لهم مزارات وقبور يعظمونها ومراقد مشهورة يزورونها ويطلبون منها الشفاء وغير ذلك مما لا يجوز طلبه إلا من الله تعالى, ومن أهم مزاراتهم: مرقد سلطان "إسحق" يزورونه سنويا وليس لهم يوم معين لزيارته وغالبا ما يأتونه في فصل الربيع.

كما يزورون قبر سيد ابراهيم في بغداد, ويعتبر من أعاظم رجالهم, فهو – عندهم – من أهل الظهور, ويدخل في سلسلة نسب السادة أمرائهم, ويزعمون انه ظهر بطريق التناسخ ست مرات, وأنهم ينتظرون ظهوره للمرة السابعة, ويعتبرونه المهدي المنتظر في آخر الزمان.

ولهم مزارات ومراقد أخرى كثيرة يزورونها ويقدسونها: كمرق "دكان داود" وزين العابدين, والحاج السيد أحمد ويراني سلطان, والإمام أحمد وغيره.

أهم نشاطاتهم المعاصرة:
------------------

من المعلوم أن كثافة نشاط الأقليات في العراق بدأ بشكل واضح بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003م, ولعل من أهم نشاطات الكاكائيين المعاصرة استقبال "جلال طالباني" - رئيس العراق السابق - في بلدة قلاجولان في التاسع عشر من آب/ أغسطس 2004 وفداً مؤلفاً من (60) شخصية اجتماعية للطائفة الكاكائية, في مناطق الموصل وكركوك والسليمانية وخانقين ومناطق أخرى من كردستان, حيث طالب الوفد الكاكائي الاتحاد الوطني الكردستاني وحكومة إقليم كردستان زيادة الاهتمام بأبناء الطائفة وبمناطقهم, ووعدهم طالباني بتلبية احتياجاتهم ومطالبهم وتنفيذ عدد من المشاريع الخدمية والاعمارية في مناطقهم , ناهيك عن حديثهم المتكرر عن ضرورة تمثيل القوميات العراقية في البرلمان المنتخب.

من أشهر كتبهم
------------

1- كــلام الخــزانــة أو "ســرانجــام" المدون في القرنين السابع والثامن الهجري ويتكون من ستة أجزاء, ويعتبر في رأيهم وحيا منزلا، ويرون فيه تعاليم كاملة، ونهجا قويما، ومرشدا لهم في الحياة، يستندون إليه في حل كل مسائلهم الدينية والدنيوية, وهذا الكتاب لم يُطبع قط في أي مكان, نظرا لطبيعة السرية والكتمان المعتمد على عقائدهم وأفكارهم.

2- من كتبهم المشتركة أيضا "خطبة البيان" المنسوب لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وهو منه براء, وله شرح بالتركية في مجلّد (كشف الظنون)

3- من كتبهم أيضاً "جاوَدانْ عُرفي" وهو كتاب الطريقة الحروفية الصوفية، وكتاب "حياة" و "التوحيد" لـ سلمان أفندي الكاتبي، تُضاف إلى هذه الكتب دواوينَ شعرية، تُتلى كأدعية وابتهالات.

حكم الإسلام فيهم
-------------

لا شك أن مجمل العقائد التي تؤمن بها هذه الطائفة أو القبيلة أو الفرقة عقائد لا تمت إلى الإسلام بصلة, فما دام الأساسي الأول والأهم في الإسلام - ألا وهو الإيمان بألوهية وربوبية الله تعالى وحده – غير صحيح ولا مكتمل, فلا شك أن كل ما سواه سيكون كذلك, فما بني على باطل فهو باطل.

كما أن افتراءاتهم على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم, وعلى كتابه القرآن الكريم, تعتبر دليلا واضحا ودامغا على ابتعادهم عن منهج الإسلام الصحيح المنصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبالتالي فإن هذه الفئة والفرقة تعتبر فرقة ضالة ومنحرفة عن تعاليم الإسلام وضوابطه وأركانه, وإن زعم أصحابها أنهم ينتسبون إلى الإسلام او ينتمون إليه بالاسم دون الحقيقة والجوهر, وقد أفتى بذلك مركز الفتوى في موقع "إسلام ويب" برقم 71917.

ــــــــــــــــــــــــ

أهم مراجع التقرير

1- الكاكائية والتأريخ / المحامي عباس العزاوي

2- مفصل جغرافية العراق / طه الهاشمي

3- دائرة المعارف الإسلامية

4- الأديان والمذاهب بالعراق / رشيد الخيون

5- بعض المواقع على شبكة الانترنت
--------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« 80 ألفا يؤدون صلاة العيد في المسجد الأقصى | هجوم عنيف على المسلمين داخل البرلمان الأسترالي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاراء والمذاهب الفكرية عن الطبيعة البشرية وموقف الاسلام منها محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 0 01-23-2012 12:30 PM
بيع التقسيط وتطبيقاته المعاصرة دراسة مقارنة Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-21-2012 05:32 PM
الموسوعة الهندسية للبقري احمد ادريس المكتبة الهندسية 0 01-20-2012 07:04 PM
التيارات الإقتصادية المعاصرة Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-10-2012 01:22 AM
الوضع القائم للجودة في الميدان التربوي... دراسة وصفية تحليلية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-08-2012 12:27 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:57 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73