تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #33  
قديم 10-16-2014, 09:03 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,812
ورقة تكفير الشيعة لمخالفيهم؛ أهل السنة أنموذجاً

تكفير الشيعة لمخالفيهم؛ أهل السنة أنموذجاً
ـــــــــــــــــــــ

(رمضان الغنام)
ــــــــ

22 / 12 / 1435 هــ
16 / 10 / 2014 م
ـــــــــــــ



*ـ من المسائل العظيمة التي ابتليت بها الأمة الإسلامية منذ أزمنة بعيدة، وكان لها أثرها السيئ على الفرد المسلم والأمة الإسلامية بصفة عامة مسألة التكفير، واستسهال بعض الطوائف وبعض الأفراد الولوغ فيه، بإطلاق ألفاظ التكفير على أهل التوحيد، بل وتطبيق لوازم هذا الإطلاق- من وجهة نظر هذا المُكفر- من استحلال الدم والمال بل والعرض في كثير من الأحيان.

والشيعة من أكثر الفرق ولوغاً في هذا الأمر، ولهذا فهم يكفرون كل من خالفهم من المسلمين، كما توسعوا في المكفرات، وأدخلوا فيها كثيراً من بدعهم وأباطيلهم المرتبطة بمذهبهم أصولاً ما أنزل الله بها من سلطان.

وقبل البدء في الحديث عن مسألة التكفير بين أهل السنة والشيعة الإمامية يحسن بنا التأكيد على أمر هام، وهو أن التكفير حكم شرعي، لا كما يشنع المشنعون على كل من يذكر كفر كافر.

لكن هذا لا يعني الاستسهال في التكفير، فأهل السنة- رغم تشددهم في مسألة تكفير الغير- يؤكدون على وجوب اعتقاد كفر كل من لم يؤمن بالله إلهاً ورباً، وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، وبالقرآن الكريم وحياً وتنزيلاً.

يقول القاضي عياض في كتاب الشفاء عند ذكره لما هو كفر بالإجماع: "ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو توقف منهم أو شك أو صحح مذهبهم، وإن أظهر الإسلام واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهار ما أظهر من خلاف ذلك"(1).

وليس معنى الحذر من تكفير الغير التغاضي عن كفره إن كان متحققاً، لكن ذلك من وظيفة العلماء المدققين، لا أهل الأهواء والبدع والتعصب، فالجرأة على تكفير الغير هلاك وفساد وتعدي؛ لأن الكفر حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فالتكفير حكم شرعي لا يجوز إنكاره إن ثبت في حق الغير، وإنما الخطأ والخلل يكمن في التعدي فيه والاستسهال، كما نرى عند أهل البدع وعلى رأسهم الشيعة الاثنا الإمامية.

أما أهل السنة فهم أبعد الناس عن التكفير وأشدهم في الاحتياط فيه، يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: "اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه، إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن (من قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا)"(2).

ثم قال: "ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير"(3).

والأدلة على تشدد أهل السنة في مسألة التكفير وخوفهم من الاستسهال فيه كثيرة، وقد سبق لي أن ذكرتُ نتفاً منها في مقال لي تحت عنوان (جريمة الاستسهال في التكفير) فعليه فلا يلزم هنا تكرار ما ذكرته في هذه المسألة، محيلاً القارئ الكريم على هذا المقال.

أما الشيعة فكتبهم تعج بالحديث عن تكفير الغير، سيما أهل السنة والجماعة، فبالرغم من ادعائهم- ليل نهار- أن مذهب أهل السنة مذهب تكفيري إلا أن الناظر في مقولاتهم وكتاباتهم وأفعالهم يقطع بما لا مجال فيه للشك بأن التشيع ما قام إلا على التكفير، ولولا تكفيرهم المسلمين لما كان لتشيعهم معنى، ولا لمذهبهم أثر، ولا لعمائمهم مريدين وأتباع.

فالفكر الشيعي فكر يغذي أتباعه على الاستعلاء على المسلمين وتكفيرهم بل وسلبهم أموالهم والتعدي على حرماتهم وعوراتهم، متذرعين بعقيدة الاصطفاء التي اشتركوا فيها مع اليهود، فاليهود ادعوا أنهم شعب الله المختار، وأن ما دونهم من الأمم عبيد لهم وخدم لمشروعهم. والشيعة رؤوا في جماعتهم جماعة مختارة مصطفاة دون غيرهم من البشر.

ولهذا فهم يكفرون كل من لم ينص على إمامة علي- رضي الله عنه- من المسلمين، والنص على الإمامة ليس كما يبدو من ظاهر الكلام، أنه الشهادة بخلافته- رضي الله عنه- وإمامته في الدين، وصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، بل الأمر- عند الشيعة- أكبر من ذلك.

فمن لوازم هذا التنصيص وتلك الشهادة التبرؤ ممن اعتدى واغتصب الخلافة- بحسب معتقدهم- وعليه فالشيعي الحق معصوم الدم هو من يتبرأ من الخلفاء الثلاثة: (أبو بكر وعمر وعثمان) رضي الله عن الجميع. وإلا فلماذا يكفر الشيعة أهل السنة رغم اعترافهم بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

فعن الباقر يروي الشيعة قوله: (إن الله عز وجل نصب علياً عليه السلام علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالا، ومن نصب معه شريكا كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة)(4).

ومن الروايات التي تجعل من معرفة الإمام شرطاً من شروط صحة الإيمان قولهم على لسان أئمتهم: "نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء"(5).

وقد كان لأهل السنة– ويسمونهم الشيعة بالنواصب- نصيب الأسد في هذه الهجمة التكفيرية من قبل الشيعة، ولشيخهم البحراني جمع جيد لمقالات أئمتهم المكفرة لأهل السنة، يقول في الحدائق الناضرة: "تمام تحقيق القول في هذا الفصل يتوقف على رسم مسائل: (الأولى) المشهور بين متأخري الأصحاب هو الحكم بإسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالناصب كما أشرنا إليه في صدر الفصل وهو عندهم من أظهر عداوة أهل البيت (عليهم السلام)، والمشهور في كلام أصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم، وهو المؤيد بالروايات الإمامية.

قال الشيخ ابن نوبخت (قدس سره)، وهو من متقدمي أصحابنا في كتابه فص الياقوت: دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن أصحابنا من يفسقهم..الخ.

وقال العلامة في شرحه أما دافعوا النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى تكفيرهم؛ لأن النص معلوم بالتواتر من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، فيكون ضرورياً أي معلوماً من دينه ضرورة، فجاحده يكون كافراً كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم شهر رمضان، واختار ذلك في المنتهى، فقال في كتاب الزكاة في بيان اشتراط وصف المستحق بالإيمان ما صورته: لأن الإمامة من أركان الدين وأصوله، وقد علم ثبوتها من النبي (صلى الله عليه وآله) ضرورة، والجاحد لها لا يكون مصدقاً للرسول في جميع ما جاء به فيكون كافرا. انتهى.

وقال المفيد في المقنعة: ولا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يُغسل مخالفاً للحق في الولاية ولا يصلي عليه. ونحوه قال ابن البراج.

وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة: الوجه فيه أن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل"(6).

وعبارات أئمة الشيعة في تكفير النواصب- أهل السنة- كثيرة جداً، ولا يمنع تعميتهم بذكر لفظ النواصب أن مقصود تكفيرهم يلزم أهل السنة، وأوضح دليل على ذلك تكفيرهم المباشر والصريح لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم الصديق والفاروق وذو النورين رضي الله عنهم أجمعين.

ويؤكد ذلك قول صاحب كتاب: "المحاسن النفيسة في أجوبة المسائل الخراسانية": "بل أخبارهم عليهم السلام تنادي بأن الناصب هو ما يقال له عندهم سنيًّا... ولا كلام في أن المراد بالناصبة فيه هم أهل التسنن..."(7).

وقال في موضع آخر: "على أنك قد عرفت سابقاً أنه ليس الناصبي إلا عبارة عن التقديم على علي عليه السلام غيره"(8).

ويقول الشيعي علي آل محسن: "وأما النواصب من علماء أهل السنة فكثيرون أيضا، منهم ابن تيمية، وابن كثير الدمشقي، وابن الجوزي، وشمس الدين الذهبي، وابن حزم الأندلسي... وغيرهم"(9).

وفي ختام هذا المقال يحسن بنا الوقوف على مجمل كلام أهل السنة في مسألة تكفير الشيعة، وقد لخص هذا الموقف الدكتور غالب عواجي في كتابه الماتع فرق معاصرة، يقول: "الشيعة ليسوا جميعاً على مبدأ واحد في غير دعوى التشيع، فمنهم الغلاة الخارجون عن الملة بدون شك، ومنهم من يصدق عليهم أنهم مبتدعون متفاوتون في ابتداعهم، فبعضهم أقرب من البعض الآخر..."(10).

ثم يقول: "اتضح أن الشيعة عندهم مبادئ ثابتة في كتبهم المعتمدة، قررها رجالاتهم المعتبرون قدوة في مذاهبهم، من قال– ولو ببعض من تلك المبادئ- فلا شك في خروجه عن الملة الإسلامية، ومنها:

أ- قولهم بتحريف القرآن وأنه وقع فيه الزيادة.

ب- غلوهم في أئمتهم وتفضيلهم على سائر الأنبياء.

ج- غلوهم في بُغض الصحابة ممن شهد الله لهم بالفوز والنجاة، كأبي بكر وعمر وعثمان وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحفصة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، وردهم شهادة أم المؤمنين رضي الله عنها، وبقاؤهم على عداوتها وإفكهم عليها، واعتبارها عدوة وليست بأم.

د- قولهم بالبداء على الله تعالى، وقد تنزه الله عن ذلك.

ومواقف أخرى يصل خلافهم فيها إلى سلب العقيدة الإسلامية من جذورها في كل قلب تشبع بها.

وأما من لم يقل بتلك المبادئ، وكان له اعتقادات أخرى لا تخرجه عن الدين، فإنه تقام عليه الحجة ثم يحكم عليه بعد ذلك حسب قبوله الحق أو ردّه له(11).

فشتان بين حكم يحكمه الهوى كحكم الشيعة الإمامية على أهل السنة بالكفر والمروق لمجرد تقديمهم لأبي بكر وعمر علي علي رضي الله عن الجميع، وبين حكم أهل السنة المنضبط المبني على أصول إسلامية واعتقادية صحيحة لا هوى فيها ولا حظ نفس..

فاللهم أهدِ الشيعة، وردهم إلى دينك، وانصر أهل التوحيد العاملين بالقرآن والسنة، المدافعين عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، الموقرين لزوجاته وأمهات المؤمنين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) كتاب الشفا: (2/238).

(2) متفق عليه، البخاري (5753)، ومسلم (60)، ولفظه في البخاري: (أَيُّمَا رَجُلٍ قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا).

(3) السيل الجرار: (4/578).

(4) الكافي للكليني: (1/438).

(5) الكافي للكليني: (1/187).

(6) الحدائق الناضرة- المحقق البحراني: (5/176).

(7) المحاسن النفيسة في أجوبة المسائل الخراسانية- البحراني: (ص:147).

(8) المرجع السابق: (ص:157).

(9) كشف الحقائق: (ص:249).

(10) فرق معاصرة- غالب عواجي: (1/264).

(11) المرجع السابق، نفس الصفحة، بتصرف.

---------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 10-24-2014, 07:41 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,812
ورقة شبهات المعتزلة في الشفاعة والرد عليها

شبهات المعتزلة في الشفاعة والرد عليها*
ــــــــــــــــــــــ

30 / 12 / 1435 هــ
24 / 10 / 2014 م
ــــــــــــــ



تنبع أهمية مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بمرتكبي الكبائر من أمته مع وجود الإيمان من كونها مسألة عقدية تواترت الأدلة من القرآن والسنة على ثبوتها عند أهل السنة كما يؤكد ابن القيم وغيره من العلماء, بينما أنكر ذلك المعتزلة بناء على شبهات اعتبروها أدلة.

وينطلق موقف المعتزلة في إنكار شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته من كون أهل الكبائر لا يخرجون من النار بعد دخلوها, ويقصرون الشفاعة على التائبين من أمته صلى اله عليه وسلم دون الفساق, ويكون ذلك برفع درجاتهم في الجنة فحسب.

يقول القاضي عبد الجبار الهمذاني- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة: لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تثبت لمن؟ ثم قال: فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين. (1)

ولعل ما حمل المعتزلة على إنكار الشفاعة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين هما:

1- اعتقادهم بمسألة الوعيد, وخلاصتها أن آيات الوعيد تتناول الفساق من المسلمين كما تتناول الكفرة, وأن المؤمن إذا خرج من الدنيا بكبيرة من الكبائر دون أن يتوب منها فإنه يستحق الخلود في النار، لكن عقابه يكون أخف من عقاب الكافر. (2)

2- استدلالهم ببعض الأدلة النقلية من القرآن الكريم حسب فهمهم الخاطئ, إضافة للأدلة العقلية, مما يمكن اعتبارها شبهات أيضا وليست أدلة.

وفي هذا التقرير سنعرض لشبهات المعتزلة في مسألة الوعيد مع مناقشتها والرد عليها, إضافة لشبهاتهم التي اعتبروها أدلة من القرآن أو العقل تؤيد مذهبهم والرد ومناقشتها والرد عليها باختصار.

أولا: بعض شبهات مسألة الوعيد والرد عليها: يستدل المعتزلة على مسألة الوعيد التي يعتقدون بها ببعض نصوص من القرآن الكريم أولوها بما يناسب معتقداتهم الخاطئة, ومن أبرز هذه الأدلة:

· قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة/81.

يقول القاضي عبد الجبار في بيان وجه الدلالة بالأية: دلت الآية على أن من غلبت كبائره على طاعته – لأن هذا هو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا؛ إذ ما سواه من الإحاطة التي تستعمل في الأجسام مستحيل فيها– هو من أهل النار مخلد فيه. (3)

بينما الحقيقة أن الآية نزلت في اليهود بدلالة الآية التي سبقتها وهي قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} البقرة/80, فالآية إخبار عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة كما ذكر ابن كثير في تفسيره, كما أن القرطبي أكد أن كلمة "سيئة" تعني في الآية: الشرك كما نقله ابن جريج عن عطاء.

والمعنى أن من ارتكب المعاصي والكبائر حتى جَرَّته إلى الكفر واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه، وهذا لا يكون إلا فيمن كفر بالله, فالكفار هم الذين يدخلون نار جهنم ويلازمونها ملازمة دائمةً لا تنقطع.

· قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} الزخرف/74-75.

استدل أئمة المعتزلة بهذه الآية على أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا، فيجب أن يكونا مرادين بالآية معنيين بالنار؛ لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دلَّ على أنه أرادهما جميعا, فالآية تدل على أن الوعيد بالخلود لأنه لم يخص مجرما من مجرم، وبين أنهم خالدون في النار، والخلود هو الدوام الذي لا انقطاع له. (4)

والمعنى الحقيقي لكلمة "المجرمين" في الآية الكريمة: هم الكافرون, وعلى هذا جميع علماء التفسير من أهل السنة والجماعة, كالطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم, واستدلوا على ذلك بما قبل هذه الآية التي تحدثت عن أن كل من آمن بآيات الله داخلون في عباد الله الذين لا خوف عليهم كما ذكرت الآية, والفاسق آمن بالله وأسلم, فوجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد, كما أن الرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن التي هي صفات المجرمين بقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} الزخرف/78.

· قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء/93

استدل المعتزلة بهذه الآية على أن قتل المؤمن على وجه التعمد يستحق به الخلود في النار, ولا يمكن حمل الكلام في الآية على الكافر لأنه "من" لفظ عام, ولأن الله جعل ذلك الجزاء لهذا الفعل المخصوص. (5)

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة بأن الخلود في الآية لمستحيل القتل، وهو كافر إجماعا, وفي هذا يقول الطبري عند تفسير هذه الآية: (قوله متعمداً) أي مستحلاً قتله, ويقول القرطبي حاكيا ما روي عن ابن عباس في معنى قوله تعالى(متعمداً) أنه قال: متعمداً أي مستحلاً لقتله ، وهو ما يؤدي إلى الكفر إجماعاً والكافر مخلد. (6).

ثانيا: أدلة المعتزلة في نفي الشفاعة: استدل المعتزلة على نفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من المسلمين بأدلة من القرآن الكريم مما يمكن اعتبارها شبهات وليست أدلة, إضافة لبعض الاستدلالات العقلية المشهور اعتمادهم عليها في مذهبهم.

أما شبهاتهم من القرآن الكريم فأهمها:

· قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة/48

يقول المعتزلة على لسان كبير أئمتهم القاضي عبد الجبار: الآية تدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم له، ولا ينصره؛ لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب، وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضا. (7)

وقد رد أهل السنة والجماعة على هذه االشبهة بأن الشفاعة المنفية في الآية هي الشفاعة للكافرين، ويدل على ذلك إجماع المفسرين على أن المراد بالنفس في الآية الكريمة هي: النفس الكافرة، أي النفس التي مات صاحبها على الكفر.

كما أن عدة أحاديث تثبت عكس ما ذهب إليه المعتزلة ومنها: قول رسول صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) المستدرك للحاكم برقم 228 وصححه الألباني.

وإذا ثبتت الشفاعة لأهل الكبائر؛ فلا بد من أن تكون الشفاعة المنفية في الآية إنما هي الشفاعة للكفار جمعا بين الآية والأحاديث. (8)

· قوله الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر/ 18

وقد استدل شيخ المعتزلة القاضي عبد الجبار بهذه الآية على أن الظالم لا يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين لتحصل لهم مزية في التفضل وزيادة في الدرجات مع ما يحصل له صلى الله عليه وسلم من التعظيم والإكرام. (9)

ورد أهل السنة على الشبهة بأن المراد بالظالمين في الآية هم الكافرون، لأن الظلم إذا أطلق انصرف إلى الكفر، إذ أنَّ الكفر أعظم الظلم، بدليل قول الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان/13, فعلى ذلك فالشفاعة المنفية عن الكفار، وصاحب الكبيرة ليس بكافر, قال ابن كثير : "ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير" (10).

· قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} سورة الأنبياء:28.

استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية، وأن الكافر والفاسق ليسا من أهلها, كما ذكر شيخهم القاضي عبد الجبار. (11)

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة بأن معنى الآية هو: ولا يشفعون إلا لمن رضي الله تعالى أن يشفعوا له وأذن فيه, ومن ارتضاه الله تعالى للشفاعة هم الموحدون, يقول ابن عباس والضحاك: (إلا لمن ارتضى) أي: لمن قال لا إله إلا الله. ومما يدل على أن الآية في الموحدين قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} مريم/ 87, يقول المفسرين: إلا من قال لا إله إلا الله . (12)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية جوابا على من أنكر الشفاعة لأهل الكبائر بناء على الآيات السالفة: وَجَوَابُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ هَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَعْتِهِمْ : {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} المدثر42-47 , فَهَؤُلَاءِ نُفِيَ عَنْهُمْ نَفْعُ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا, وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَادُ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. (13)

وأما شبهات المعتزلة العقلية التي استدلوا بها على نفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعصاة المسلمين من أهل الكبائر فأهمها:

· قول القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة: لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تستحق على طريق الدوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحال ما تقدم؟!

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة العقلية بأن الأدلة الدالة على دوام العقوبة عامة، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصة، والخاص مقدم على العام، فوجب القطع بأن النصوص الدالة على الشفاعة مقدمة على العمومات الدالة على دوام العقوبة.

· تقول المعتزلة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: "اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة" فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق، وذلك خلف. (14)

ويرد القرطبي من أهل السنة على هذه الشبهة بقوله: إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب، ولا قائم بكل ما افترض الله عليه، بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص، فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة. (15)

كما أن العقل يجيز شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عصاة الموحدين ولا يمنعها, وفي ذلك يقول أبو سعيد النيسابوري: إن قبول الشفاعة للعصاة ليس مما يحيله العقل، فإن من عصى مالكه وخالقه لا يستقبح في العقل أن تتشفع إليه بعض المختصين به، حتى يعفوا عنه، وإذا كان جائزا في العقل، فالسنة المستفيضة قد وردت به موجب الإيمان به فإن حملوه على الشفاعة - يقصد المعتزلة - لرفع الدرجات لم يصح، لأن في الخبر عن رسول الله أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). (16)

قد لا تكون هذه جميع شبهات المعتزلة النقلية والعقلية في مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته, إلا أن التقرير أتى بمعظمها وأهمها باختصار, ولمن أراد الاستزادة فعليه بقراءة بحث قيم أعده الدكتور صالح الرقب بعنوان (موقف المعتزلة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم عرض ونقد) فإن فيه تفصيل المسألة بشكل جيد.

إن الحقيقة التي يمكن استخلاصها في هذا الموضوع العقدي, أن الشفاعة ثابتة بالأدلة النقلية والعقلية, وأن نفي المعتزلة للشفاعة لا يستند إلى أدلة معتبرة, بل هي مجرد شبهات رد عليها أهل العلم الثقات من أهل السنة والجماعة, فجزاهم الله عن الأمة كل خير.

ـــــــــــ

الفهارس

(1) شرح الأصول الخمسة 690

(2) الملل والنحل للشهرستاني 1/45

(3) متشابه القرآن 1/97

(4) شرح الأصول الخمسة 660

(5) متشابه القرآن1/201، 202، وانظر شرح الأصول الخمسة ص659

(6) مختصر تفسير الطبري 1/119 تفسير القرطبي 5/334

(7) متشابه القرآن 1/90،91

(8) تفسير الطبري 2/33، القرطبي1/347

(9) متشابه القرآن 2/600

(10) التفسير العظيم 7/137

(11) متشابه القرآن 2/499

(12) التفسير الكبير:الرازي 22/160

(13) مجموع الفتاوى 1/149

(14) شرح الأصول الخمسة ص 692

(15) تفسير القرطبي 1/ 380،381 .

(16) الغنية في أصول الدين:أبو سعيد النيسابوري 1/172
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 11-03-2014, 08:12 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,812
ورقة لبرلة التصوف أم تصوف الليبرالية؟!!

لبرلة التصوف أم تصوف الليبرالية؟!!*
ـــــــــــــــــــــ

10 / 1 / 1436 هــ
3 / 11 / 2014 م
ــــــــــ




الليبرالية منتح متطور من منتجات العلمانية التي فشلت في اختراق الوجود العربي والإسلامي، فعلى الرغم من قدم الدعوات إلى تبني العلمانية ونشرها إلا أنها لم تجن من الثمرات ما كان يرجى لها ويتوقع. فلقد كان للعلمانية أثرها البالغ على جميع الأديان والبلدان في الشرق والغرب، لكن ما أن اصطدمت بالإسلام إلا وبان ضعفها ووهنها، لهذا عمل صناع الفلسفات المادية في الغرب على تطوير هذا المنتج ليتناسب مع الحالة الشرقية والغربية على السواء.

فكانت الليبرالية التي تدعي الدعوة إلى الحرية، كما أنها تزعم (تقية) أنها لا تحارب الأديان، بل تناصرها وتدعو الناس إليها..!! هكذا يزعم الليبراليون العرب، وكأنهم يخاطبون أجساماً بغير عقول، أو أنهم يتحدثون عن شيء آخر غير الليبرالية التي نعرفها ونعرف خباياها، تلك الليبرالية التي عادت كل شيء حتى الإنسان ذاته، فلوثت فطرته، وأضاعت هويته لصالح من يملك المادية، ومن له القوة والنفوذ.

والليبرالية مصطلح أجنبي معرب مأخوذ من (Liberalism) في الإنجليزية، و(Liberalisme) في الفرنسية، وهي تعني "التحررية"، ويعود اشتقاقها إلى (Liberaty) في الإنجليزية أو (Liberate) في الفرنسية، ومعناها الحرية. وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين مثل حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها. ولهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية. ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته. [حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها- د. عبد الرحيم السلمي: (173-174)].

فبحسب التعريف الأكاديمي (عند صناع هذه الفلسفة والأتباع والدارسين لها بل والمستوردين لها) تقوم هذه الفلسفة على قواعد علمانية صِرفة، فهي نموذج مُطور من العلمانية الكلاسيكية، حمل مساوئ العلمانية من حيث فصل الدين عن كل مناحي الحياة، إضافة إلى مفخرة الليبرالية المدعاة؛ وهي الدعوة إلى الحرية الفردية، وهي دعوة ملحدة تنادي في غاياتها بأن يكون كل إنسان إله نفسه.

فالعجب كل العجب أن يأتي- بعد كل هذا- من يزعم التدين والدعوة إلى الإسلام فيدعي أن الليبرالية هي أساس التقدم والتحضر، وأنه لا رقي بغير اتباع النهج الليبرالي، حيث دافع الشريف طه الشريف، شيخ الطريقة الرفاعية الصوفية، عن التيار الليبرالي، باعتباره يمثل النموذج الأصلح لتقدم ونهضة الأمة كما يرى.

وقال الشريف لـصحيفة "المصريون"، إن الليبرالية هيّ أساس التقدم والرقي، وأن كل العصور عرفت الليبرالية، حتى في أزهي العصور الإسلامية، مؤكدًا أن "الليبراليين يسعون إلى نهضة الدولة". في المقابل، رأى الشريف أن التيار الإسلامي الذي حّكم مصر لمدة عام، هي الفترة التي قضاها الرئيس المعزول محمد مرسي في الحكم، أهان الدولة وجعل الجميع ينفر من التيار الإسلامي إلى باقي التيارات الأخرى.

فالعجب كل العجب أن يصدر مثل هذا الكلام الذي يعرف القاصي والداني كذبه، من شيخ صوفي يتزعم طريقه لها أتباع ومريدون، وفي المقابل يهاجم التيار الإسلامي الذي ينتمي إليه، ولو اسماً. لكن الحقيقة تقول أن ثمة انفصالاً تاماً بين الصوفية المصرية وباقي التيارات الإسلامية في مصر بل وفي العالم كله، وأن ثمة تحالفاً قوياً بين القوى الصوفية- بما فيها الطريقة الرفاعية- وباقي التيارات العلمانية والليبرالية والاشتراكية، وهو تعاون يهدف في الأساس إلى كسر شوكة الإسلاميين.

لقد استطاعت الليبرالية- ومن قبل العلمانية- امتطاء العقل الصوفي، والتحكم فيه لصالح المخططات الرامية إلى محو الهوية الإسلامية، فبات كثير من رجالات التصوف- بعلم أو بجهل- بمثابة خنجر مسموم يُطعن به العاملون في مجال الدعوة إلى الإسلام والذب عن ثوابته ومحكماته، بل يطعن به كل مسلم يبتغي الحفاظ على دينه.

والسؤال الآن: هل ما نشاهده لبرلة للتصوف أو تصوف لليبرالية؟ مَنْ مِنْ الجانبين فرط في ثوابته؟ هل تحول الصوفيون إلى ليبراليين، أم أن منظري الليبرالية صاروا مشائخ طرق ودراويش حلقات؟!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ـــــــــــ
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 11-11-2014, 08:44 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 21,812
ورقة عقيدة الشيعة بالأنبياء والرسل

عقيدة الشيعة بالأنبياء والرسل*
ــــــــــــــ

18 / 1 / 1436 هــ
11 / 11 / 2014 م
ـــــــــــ



إذا كان اليهود هم أكثر من انتهك حرمة الأنبياء والرسل, من خلال تكذيبهم لأنبيائهم وتطاولهم على رسلهم الذي وصل إلى حد القتل كما ذكر القرآن الكريم, قال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} المائدة/70, وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} البقرة/87, فإن الشيعة لم يكونوا أقل جراءة من اليهود على حرمة الأنبياء, ولا أدنى درجة منهم في انتهاك مكانتهم ومنزلتهم.

وعقيدة الشيعة في الأنبياء والرسل تختلف اختلافا جذريا عن عقيدة أهل السنة والجماعة, فبينما يؤمن أهل السنة بجميع الأنبياء والمرسلين ولا يفرقون بين أحد منهم, ويحفظون لهم مكانتهم ومنزلتهم التي خصهم الله بها, فالعصمة لهم وحدهم دون سواهم من البشر مهما علا شأنه أو سمت مكانته, والوحي المنزل من الله إليهم لا يتعداهم إلى غيرهم مهما كان صالحا أو تقيا, والمعجزات اختصهم الله بها ليصدقهم أقوامهم ولا يمكن أن تجري على يد غيرهم.

نرى الشيعة يخالفون كل ذلك, فيدعون أن أئمتهم يوحى إليهم كالأنبياء, وينسبون العصمة للأئمة كالرسل, وقد ابتدعوا لأئمتهم معجزات ما أنزل الله بها من سلطان, بل إن بعضهم بالغ في الضلالة حين زعموا أن الأنبياء عليهم السلام هم أتباع علي رضي الله عنه, وأن منهم من عوقب لرفضه ولاية علي –والعياذ بالله-, وقد جاء في أخبارهم: (أن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وأهل الأرض, أقر بها من أقر وأنكرها من أنكر, أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها) (1)

وفي هذا التقرير سيكون التركيز بإذن الله تعالى على أبرز نقطتين في عقيدة الشيعة بالأنبياء والرسل, ألا وهما: تفضيل الشيعة أئمتهم على الأنبياء والرسل, والزعم بأن أئمتهم أتوا بالمعجزات –كالأنبياء- لإقامة الحجة على الناس.

1- أما تفضيل الشيعة لأئمتهم على الأنبياء والمرسلين.

فلا بد أولا من بيان أنهم كانوا منقسمين بشأن هذه المسألة إلى عدة فرق:

· ففرقة تقول بأن الأنبياء أفضل من الأئمة, غير أن بعض هؤلاء جوزوا أن يكون الأئمة أفضل من الملائكة.

· وفرقة يزعمون أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة.

· وفرقة بفضلون الأنبياء والملائكة على الأئمة. (2)

· وأضاف صاحب أوائل المقالات مذهبا رابعا وهو: أفضلية الأئمة على سائر الأنبياء ما عدا أولي العزم منهم, إلا أنه لم يبح بذكر المذهب الذي يعتمده من هذه المذاهب, زاعما توقفه للنظر في ذلك. (3)

ويظهر أن كل هذه المذاهب قد تلاشت بسعي شيوخ الدولة الصفوية, وقد استقر المذهب على الغلو في الأئمة, حتى أن الخميني يعتقد بذلك ويجاهر بها, وقد قررها في كتابه (الحكومة الإسلامية).

بل إن المجلسي ذهب في الغلو بعيدا فقال: (إن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم –أي الأئمة-) ولا يستثني في ذلك أحدا من المرسلين, حتى محمد صلى الله عليه وسلم. (4)

ولم يكتف المجلسي بذلك, بل أورد نصوصا تعقد مقارنة بين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه, وتنتهي أن لعلي فضل التميز على رسول الله بزعمهم, حيث شاركه علي في خصائصه –كما يزعمون– وانفرد بفضائل لم يشاركه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (5)

ولم يكن المجلسي وحده من وصل إلى هذه الدرجة من الغلو, بل إن الكافي وغيره أيضا ذكروا نصوصا كثيرة تقول بأن لعلي والأئمة من الفضل ووجوب الطاعة كرسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ما تلبث تلك الكتب أن تنتقل بالقارئ إلى أن الأئمة أفضل من رسول الله –والعياذ بالله- بل تذهب الروايات إلى القول بأن عليا والأئمة انفردوا بخصائص لا يشاركهم فيها أحد من الخلق, وهي في الحقيقة بعض صفات الله تعالى. (6)

ويبدو أن ما نبه عليه عبد القادر البغدادي في كتابه أصول الدين, والقاضي عياض في الشفاء, وشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة, من أن تفضيل الشيعة لأئمتهم على الأنبياء والمرسلين هو مذهب غلاة الشيعة, قد أصبح اليوم أصلا من أصول الشيعة الاثني عشرية, بعد أن تلاشت تلك المذاهب ولم يبق إلا الغلو والتطرف.

فقد قرر صاحب الوسائل أن تفضيل الأئمة الاثني عشر على الأنبياء من أصول مذهب الشيعة التي نسبها للأئمة, ذاكرا أن الروايات عندهم في ذلك أكثر من أن تحصى. (7)

وعقد المجلسي بابا بعنوان: (باب تفضيلهم عليهم السلام على الأنبياء وعلى جميع الخلق...) وذكر في هذا الباب 88 حديثا من أحاديثهم المنسوبة للاثني عشر, كما قرر شيخهم ابن بابويه في اعتقاداته هذا المبدأ فقال: (يجب أن يعتقد –أي الشيعي– أن الله عزوجل لم يخلق خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم والأئمة, وأنهم أحب الخلق إلى الله وأكرمهم وأولهم إقرارا به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر.....) وقد عقب المجلسي على هذا النص بعد أن نقله بقوله: (اعلم أن ما ذكره –رحمه الله- من فضل نبينا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات, وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم عليهم السلام على وجه الإذعان واليقين, والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى) (8).

ولم يكتف الشيعة بتفضيل أئمتهم على الأنبياء والمرسلين, بل زادوا على ذلك بزعمهم أن الأنبياء ما استحقوا ما هم فيه من فضل إلا بسبب الولاية – حسب زعمهم, وقد صرح بهذه الفرية إمامهم المجلسي بقوله: (ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي عليه السلام, وما كلم الله موسى تكليما إلا بولاية علي عليه السلام, ولا أقام الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي عليه السلام, ثم قال : أجمل الأمر : ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا ) (9).

2- بأن أئمتهم أتوا بالمعجزات –كالأنبياء- لإقامة الحجة على الناس.

بينما يعتقد أهل السنة أن المعجزات لا يمكن أن يأتي بها أحد إلا الأنبياء والمرسلون, يدعي الشيعة أن علامة الإمام صدور المعجزة منه, حيث يعتقد الشيعة أن الإمامة استمرار للنبوة, فكما أن الله تعالى يختار من يشاء من عبادة للنبوة والرسالة ويؤيده بالمعجزات.. فكذلك يختار للإمامة. (10)

وقد يظن البعض أن الأمر لا يعدو اختلاف في الاصطلاح بين ما يسميه أهل السنة والجماعة كرامة للأولياء من خلقه, وبين ما ينسبه الشيعة لأئمتهم من معجزات, إلا أن من يقرأ في كتب الشيعة ومراجعهم, يتبين له أنهم يعتقدون أنها معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة على الخلق –كما يزعمون– لأنهم يعتبرون الأئمة هم الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض كالأنبياء تماما. (11)

كما أن شيخ الشيعة القزويني عرف المعجزة التي تحصل للأئمة بنفس تعريف المعجزة التي تحصل للأنبياء والمرسلين فقال: المعجزة للأئمة ما كان خارقا للعادة أو صارفا للقدرة عند التحدي مع عدم المعارضة, والمطابقة للدعوى. (12)

ومن نصوصهم التي تظهر غلوهم في أئمتهم, وادعائهم ظهور المعجزات على أيديهم, والتي تصل في بعض الأحيان إلى تجاوز حدود المعجزات إلى الاقتراب من صفات الله تعالى, قول الكليني على لسان علي رضي الله عنه: (لقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي, علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب, فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني... ) (13)

وقد عنون المجلسي في كتابه بحار الأنوار بابا: ( إنهم –أي الأئمة– يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) وأورد فيه جملة من أحاديثهم.

ولقد صنف الشيعة في معجزات أئمتهم المصنفات والكتب الكثير ومنها: "عيون المعجزات" لشيخهم حسين بن عبد الوهاب (من القرن الخامس الهجري) وكتاب "ينابيع المعاجز وأصول الدلائل" لشيخهم هاشم البحراني, وكذلك كتاب " مدينة المعاجز" للبحراني أيضا, وقد ورد في هذه الكتب غريب الحكايات وأساطير الروايات عن معجزات أئمتهم, والتي هي أقرب إلى الخيال أو ***** منها للحقيقة والواقع.

ومن أعجب أساطير رواياتهم عن معجزات أئمتهم حتى بعد مماتهم: ما ينسبونه للغائب المنتظر من معجزات وخوارق ينقلها جملة من شيوخهم الذين يزعمون الصلة به, كادعاء ابن المطهر الحلي أن الغائب المنتظر نسخ له كتابا كاملا استعاره لليلة واحدة –والنسخ كان كتابة في زمنه– بتلك الليلة. (14)

ومن أشنع الافتراءات التي ينسبونها لأئمتهم ويسمونها معجزات: حصول الخوارق عند قبور أئمتهم, فقد أورد المجلسي بابا سماه: (ما ظهر عند الضريح المقدس من المعجزات والكرامات), ويذكر عن كل إمام معجزاته المزعومة, والتي تتحدث عن شفاء أضرحة الأئمة للأمراض المستعصية كعودة نظر الأعمى بمجرد مجاورته للضريح. (15)

وفي الختام لا أظن أن القارئ بحاجة لسرد آراء علماء أهل السنة والجماعة في حكم من يدعي أمثال هذه الأقوال الكفرية, ومع ذلك فلا بأس بذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب: (أن من اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم أو مساويا لهم فقد كفر, وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء) (16)

ـــــــــــــــ

الفهارس

(1) بحار الأنوار للمجلسي 26/282 .

(2) مقالات الإسلاميين للأشعري 1/120

(3) أوائل المقالات ص42 .

(4) بحار الأنوار ص615

(5) بحار الأنوار 39/89

(6) أصول الكافي1/197

(7) الفصول المهمة في أصول الأئمة/151

(8) بحار الأنوار 26/267 و 26/297 و اعتقادات ابن بابويه ص106

(9) بحار الأنوار26/294

(10) أصل الشيعة وأصولها ص58

(11) أصول الكافي1/192 .

(12) قلائد الخرائد ص72

(13) أصول الكافي 1/196

(14) بحار الأنوار 51/361 .

(15) بحار الأنوار 42/311 – 317

(16) رسالة في الرد على الرافضة ص29

ومن أهم مراجع التقرير : أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية للدكتور ناصر بن علي القفاري , ومجمل عقائد الشيعة في ميزان أهل السنة للشيخ ممدوح الحربي .ومع الاثني عشرية في الأصول والفروع للأستاذ الدكتور علي أحمد السالوس .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« العثور على 3 جثامين لمسلمين غربي ميانمار | صحيفة أمريكية تعترف بتلفيق الإعلام لأخبار كاذبة عن المسلمين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لماذا تتعثر الثورات في بلاد الطوائف والمذاهب والقبائل؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات 0 02-29-2016 09:38 AM
الأسباب الميسرة لقيام الليل _2_ صابرة شذرات إسلامية 1 06-26-2015 08:18 AM
الأسباب الميسرة لقيام الليل ! صابرة شذرات إسلامية 0 06-21-2015 10:38 AM
إسرائيل بيتنا والأحزاب الدينية تهدد بالانسحاب بسبب خلافات مع نيتانياهو يقيني بالله يقيني أخبار الكيان الصهيوني 0 05-11-2012 05:40 AM
الاراء والمذاهب الفكرية عن الطبيعة البشرية وموقف الاسلام منها محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 0 01-23-2012 12:30 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:09 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67