تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

الشعور بالمسؤولية يصون عقائدنا الإسلامية

إن الله وعَد الصابرين المخرج مما يكرهون، والرزق من حيث يحتسبون، جعلنا الله وإياكم من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-19-2013, 11:48 PM
ام زهرة غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Apr 2013
الدولة: العراق
المشاركات: 6,891
افتراضي الشعور بالمسؤولية يصون عقائدنا الإسلامية

إن الله وعَد الصابرين المخرج مما يكرهون، والرزق من حيث يحتسبون، جعلنا الله وإياكم من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خير المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الشعور بالمسؤولية يصون عقائدنا الإسلامية:


المسؤولية هي شعور بالواجب يُوجِّه تفكير الشخص، كما يُوجِّه سلوكه وأقواله ومواقفه، وبذلك يصبح كل ما يَصدُر عنه ذا معنى ومقصد.

شعور المسلم بمسؤوليته: هو مظهر الإحساس بعظمة الله تعالى، وتعبير عن الانقياد الصادق له، وسمة التعلق به، ومنطلق العمل في سبيله، ابتغاء وجه ربه الأعلى، فالشعور بالمسؤولية شرارة الثورة على الفساد، والتخلي عن المسؤولية علامة الدجالين والمنافقين.

الشعور بالمسؤولية من الأمور التي جاءت بها الشريعة، وهي من المقومات الأساسية لنهضة الأمم والمجتمعات، التي إذا حرصنا عليها، وطبقناها كما ينبغي، وربَّينا الجيل عليها، نكون بذلك حققنا العبودية لله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وحصلنا على الأجر العظيم، ولَتَحقق في مجتمعنا الأمنُ الاجتماعي والأسري بنشوء جيل يشعر بأن له قيمة في المجتمع، وبالتالي الشعور بالسعادة، فالمسؤوليةُ قوة حقيقية تجعل الإنسان قادرًا على بلوغ مقاصده، وتحقيق مطالبه، وبهذا يكون جميع ما يتحمَّله الإنسان (فردًا وجماعة) من وظائف حياتية (دينية ودنيوية) مرهونًا بمقدار ما تسلَّح به من الشعور بالمسؤولية تجاه ذلك، وهي - أي: المسؤولية - على اختلاف مجالاتها: التبليغية الدينية والأسرية والسياسية والأمنية والقانونية - تعبير آخر عن جدوى الحياة، فبدونها لا معنى للحياة.

المسؤولية سواء كانت فرديَّة أم جماعية، وسواء تعلَّقت بالإنسان أم بالأشياء المحيطة به، لها شروط ومواصفات، وهذه الشروط والمواصفات تتحدد في ضوء الوظيفة الملقاة على عاتق المسؤول، والقابليات التي يتمتَّع بها، فليس من الصحيح تحميل الراعي ما يفوق طاقته ثم يُوجَّه له اللوم لعدم نهوضه بذلك.

إن أهم المسؤوليات مسؤولية الإنسان أمام الخالق - عز وجل -:

ذكر جمهور المفسرين أن الأمانة تعم جميع وظائف الدين، وأن جميع الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ [الأحزاب: 72].

المسؤولية في إسلامنا تكليف لا تشريف، ولا يتنافس عليها إلا الغافلون، أو المغفَّلون الذين لا يُدرِكون حال المسؤول في الآخرة؛ من حبس في الموقف، وسؤال عسير، فلا يجد من ينصره من بطانة السوء، حيث لا يملك إلا الانقياد والذلة والخضوع لرب الأرض والسماء - سبحانه.

فما المسؤولية؟ ولماذا؟ وما أنواعها؟ وخيانة المسؤولية كيف تكون؟


أما المسؤولية، فهي التبعة والتكليف.


واصطلاحًا: هي التكليف الذي يعقبه الحساب.

المسؤولية صفة تُلازِم صاحِبَها في فترة ممتدة ذات طرفين: بداية و نهاية، وإن لها في كل طرف منهما معنى خاصًّا، ودَلالة معينة، فالمسؤولية تبدأ حين يطالبك الواجب، ويناديك منادي العمل، وتنتهي بعد أن تقدم حسابك عما صنعته في جواب ذلك الدعاء، وبين هذين الطرفين برزخ يطول أو يقصر.

المسؤولية في الإسلام تعني أن المسلم المكلَّف مسؤول عن كل شيء جعل الشرع له سلطانًا عليه، أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه، سواء أكانت مسؤولية شخصية فردية، أم مسؤولية متعدِّدة جماعية، مسؤولية الإمام تجاه الرعية، والرعية تجاه الإمام - تأتي في مقدمة المسؤوليات؛ ولذا فقد ذكَرَها النبي - صلى الله عليه وسلم - أولاً في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: ((الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته)).

الشعور بالمسؤولية يتنامى مع الإيمان؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كلُّكم رَاعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّته؛ فالإمامُ رَاعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّته، والرجلُ رَاعٍ في أهله وهو مَسؤولٌ عن رعِيَّتِه، والمرأَةُ في بيتِ زَوجها رَاعيةٌ وهي مَسؤولَة عن رعيَّتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ))؛ متفق عليه.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان المجتمع؛ فالمجتمع الذي لا يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهدَّد بالمخاطر؛ قال الله تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79].

من أخطر الظواهر على الفرد والمجتمع اللامبالاة أو عدم الشعور بالمسؤولية، اللامبالاة حسب علم النفس هي حالة وجدانية سلوكيَّة، معناها أن يتصرَّف المرء بلا اهتمام في شؤون حياته أو حتى الأحداث العامة - كالسياسة - وإن كان هذا في غير صالحه، مع عدم توفُّر الإرادة على الفعل، وعدم القدرة على الاهتمام بشأن النتائج.

من علامات تضييع المسؤولية التسويف والارتجال، والعجز والكسل والتهاون، وحُسْنُ القيام بها نقيض ذلك كله، إنها تخطيط وبرمجة، متابعة وتقويم حتى كسب الرهان، فالله - عز وجل - كتب الإتقان والإحسان في كل الأعمال؛ عن أبي يعلى شداد بن أوس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قَتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدُكم شفرتَه وليُرِحْ ذبيحتَه))؛ رواه مسلم.


للمسؤولية أبعادٌ تشمل جميعَ وجود الإنسان، ويعتبر كل عضو من أعضائه مسؤولاً بأي نحو من الأنحاء، فاللسان مسؤول عن قول الحق وعدم قول سواه؛ فلا يغتاب، ولا ينم، ولا يلدغ، ولا يهذي، ولا يثرثر.... إلخ، والأذن مسؤولة عن سماع قول الحق، وأن تضع حاجزًا فيما بينها وبين سواه؛ لذلك فهي غير مسؤولة عن سماع ما ليس بحق، فلا تصغي للأغاني والطرب، والعين مسؤولة عن مشاهدة الحق والحسن، وتقييم الأمور من مشاهدتها؛ لكي يتاح للمرء اتخاذ القرار الصحيح بشأنها، والتمييز بين الطريق الصالح والطريق المنحرف، واليد مسؤولة عن عمل الخير والصلاح ونشر الخير والسعادة على الفرد والمجتمع؛ فلا تؤذي أحدًا، ولا تمتد للاعتداء على أحد، ولا تهتك سترًا، ولا تضرب إنسانًا من غير حق، ولا تضع حبل المشنقة في رقبة إنسان ظلمًا.... إلخ، والقَدَم مسؤولة عن السير نحو الحق، والتحرك نحو بلوغ الحاجات المشروعة، وألا تسير نحو المعصية؛ فلا تسحق مظلومًا، ولا تركل بريئًا.


وعلى هذا الأساس تتَّضِح مسؤولية الفكر والعقل في الإدراك والاستنباط، كما تحدد مسؤولية بقية أعضاء الإنسان وجوارحه.


تنمية الشعور بالمسؤولية لدى الطفل ينبغي أن يكون الهدف الذي تسعى إليه تربيته وتعليمه، فيما تُقدِّمه له من خبرات، وتَتَّبع معه من أساليب.

إن الإنسان اللاهي العابث لن يفيد أمته ولا نفسه بشيء ذي بال، وقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه منذ فجر الدعوة الإحساسَ بمشاعر الأخوة والتزاماتها.

إذا كان ضَعف الشعور بالمسؤولية داءً يبتلى به أناس في شرائح عمرية واجتماعية مختلفة، فإنه يظهر أثرُ هذا الداء في سلوكيات هؤلاء الناس في مواقف حياتية مختلفة كذلك.


يؤكد العديد من الباحثين التربويين أن تنشئة الأطفال في جو من الحنان وعلى أيدي آباء عطوفين له أهميته العظمى في مساعدة الأطفال على أن ينشؤوا على حب التعاون والشعور بالمسؤولية.


يجب أن نعلم مدى ضرورة تعليم الأشخاص على تقبُّل المسؤولية وتحمُّلها، على اعتبارها واحدة من الأهداف التربوية.

من الضروري على الآباء والأمهات زرعُ بذور الثقة، وتنمية الشعور بالمسؤولية والاعتماد على النفس عند الطفل في مراحل التربية المختلفة؛ حتى يشعر الطفل بكيانه السليم، وتتكون لديه شخصيتُه المستقلة، ويدرك أنه إنسان مسؤول.

في فترةِ ما قبل المدرسة تضطلع الأسرة في وضع أساس بناء شخصية الطفل، وبدخوله المدرسة يمكن أن تتغير الكثير من الخبرات والسلوكيات التي اكتسبها الطفل في أسرته، فالمدرسة هي المؤسسة العلمية المتخصصة في تكوين الناشئة والشباب، وتنمية جوانب شخصياتهم على أساس من الخُلُق والدين؛ لأنه مع تعدد المؤسسات المشاركة في ذلك، فإن المجتمع جعل للمدرسة السلطةَ التربوية الأولى في تربية الأخلاق، وتنمية الإحساس بالمسؤولية على نطاق الفرد ثم الجماعة.


إن فترة الشباب فترة يتطلع فيها الشاب إلى تحمل مسؤولياته في الحياة، وإثبات وجوده ومقدرته ليقدم عملاً نافعًا لأمته، وليكتسب خبرة أكبر في حياته؛ لذلك كان لزامًا على وسائل التوجيه في المجتمع أن تربي الشباب على المعاناة والمجاهدة، فالمسؤولية كقيمة إنسانية هي التي ترتفع بالشباب من عالم الغرائز والدوافع الدنيوية إلى عالم المثاليات، وهي التي ترتفع بالواقع الإنساني لمستوى الإنسانية.


إن مسؤولية كل فرد منا هي نشْر الوعي بكل أشكاله حول أهمية شعور كل فرد بالمسؤولية تجاه ما يُشارِكه في هذه الحياة بتفاصيلها الصغيرة، إن الإحساس بالمسؤولية تجاه ما حولنا قيمةٌ إنسانية يحثنا عليها الدين الإسلامي، مطالبًا بوجوب التعاون بين كل أفراد المجتمع والعمل على ارتقائه، إن قيام الفرد بواجبه الاجتماعي ينم عن تلك العقيدة التي تسري بين جوانحه وتُوجِّهه إلى أداء الحقوق تجاه الآخرين بكل أريحية ومحبة، طالبًا في ذلك رضوانَ الله ورحمته، وإذا ما فقد المرء تلك الواجباتِ وترَكها وراءه ظهريًّا، فليعلم أن خللاً قد دبَّ إلى إيمانه وعقيدته.

يتميَّز الإسلام عن غيره أنه لا يقصر أداءَ الواجب في أداء المسؤولية الدينية والفقهية عن الآخرين على فئة معينة أو طبقة محددة، مثل: فئة رجال الدين المسيحي (أو الإكليروس)، أو الحكام، أو العلماء مثلاً؛ وإنما المسؤولية عامة وشاملة كل مسلم أو مسلمة فيما يعلمه ويقدر عليه، ويتمكن من أداء مهمته في الدعوة والتذكير بالحكم الشرعي، وحمْل الناس على طاعة الله ورسوله، مع بيان الحكمة أو السبب الموجب لوجود الأحكام الشرعية والمبادئ الإسلامية.

إن المسؤولية أمانة، إن المسؤولية حِمل ثقيل منبثِق عن الأمانة الكبرى التي حملها الإنسان في هذا الوجود: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: 72].

قرر الإسلام المسؤولية على الفرد والجماعة، وأقامها على أساس الإيمان بالله وفَهْم رسالة الإسلام، وجعلها تتحقَّق بعد إبلاغ العذر بالتبليغ بواسطة إرسال الرسل للناس مبشرين ومنذرين: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]، وحتى لا يتخلوا عن المسؤولية أمامه يوم القيامة: ﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ [القصص: 47].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سرُّ خيرية هذه الأمة وتقديمها على غيرها من الأمم، ومن قبل ذلك فهو عمل الأنبياء والمرسلين؛ قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].

الفرد هو حجر الأساس (اللبنة الأساسية) في أي مجتمع، وكل مجتمع يتكون من مجموعة من الأفراد، المجتمع الإسلامي في نظر الإسلام وحدة واحدة لا تتجزأ، ولا يجوز أن تُترك ليصيبها العطب أو الفساد، ولا أن يُهمل جزءٌ منها ليصاب بالعطب أو الفساد، ولا سبيل إلى صيانتها إلا بأن يقوم كل فرد بعمله، حاكمًا أو محكومًا، قد جعل الله الفرد مسؤولاً شخصيًّا عن حراسة نفسه، عن الإضرار بأمته، ومسؤولاً عن حراسة الأمة في بيئته، مسؤولاً عن عمله وإتقانه، والأمانة فيه، مسؤولاً عن محاربة الجرائم الظاهرة والخفيَّة، وعن محاربة الاتجاهات الخبيثة التي تضر الأمة في حاضرها أو تؤذيها في مستقبلها، مسؤولاً عن كل ذلك مهما يلاقي في سبيله من مشقة وتعب؛ لأن الله جعله جنديًّا، ميّزه بالعقل، وطالبه بالمحافظة على منطقته.

الإسلام أمانة عظمى في أعناق أتباعه، وكان المسلمون أمناء ومسؤولين عن حفظ دين الله وشرعه، مسؤولية عامة وخاصة، في الدنيا والآخرة، ومسؤولية مباشرة عن تبليغه ونشره في أرجاء العالم، وعن تعليمه وتعلمه، ومراقبة تطبيقه والاستجابة له فعلاً، وعن إشادة بناء الفضيلة، وقمع الفساد والرذيلة، والمسؤولية تشمل أصول العقيدة أو الإيمان، وأحكام الشريعة المنصوص عليها والدين والفقه، والاجتهاد لمواكبة أحوال التطور والتغير والتجديد وإعمال العقل والفكر، لرعاية الأعراف الصحيحة، والمصالح المتغيرة وما يستجد من مسائل وقضايا، فتسير القافلة في مظلة رعاية الثوابت الأصلية والمتغيرة.

من أهم قواعد رسالة الإسلام نشر الفضيلة أو الآداب والأخلاق الكريمة، ومقاومة كل ألوان الفساد والرذيلة، ليكتمل بناء المجتمع الفاضل بالعقيدة والعبادة والمعاملة الحسنة، قد جعل الإسلام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فريضة محكمة، وسنة متَّبعة، وشرعًا لازمًا، شاملاً لجميع ما جاء به الإسلام من مفاهيم وقيم، فهو شامل للتصورات والمبادئ التي تقوم على أساسها العقيدة الإسلامية، وشامل للموازين والقيم الإسلامية التي تحكم العلاقات الإنسانية، وشامل للشرائع والقوانين، وللأوضاع والتقاليد، وبعبارة أخرى هو دعوة إلى الإسلام عقيدة ومنهجًا وسلوكًا، يعلِّم الناس إذا جهلوا،‏ ويذكِّرهم إذا نسوا‏،‏ ويجادلهم إذا ضلوا‏،‏ ويكف بأسهم إذا أضلوا، وهذا يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الاحتساب)، وأركان الحسبة أربعة: المحتسب، والمحتسب عليه، والمحتسب فيه، والاحتساب.

اختلف الفقهاء في جواز تولية المرأة الحسبة، وهذا خلاف ناشئ عن خلافهم في ولاية المرأة على عموم الولايات، والأرجح ما ذهب إليه الحنفية وابن حزم وبعض المعاصرين في قيام المرأة بأمر الحسبة ولاية وتطوعًا.

المتطوع: هو كل مسلم متطوع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أنه يُنكِره تطوعًا لا وظيفة، فليس المقصود أن الإنكار لا يكون واجبًا عليه، أما المحتسب، فهو صاحب ولاية، وصاحب سلطة وتنفيذ، فله أن يفعل ذلك وزيادة.

نظام الحسبة هو جهاز للرقابة ابتدعه تاريخنا الإسلامي؛ للنهوض بمستوى المجتمع الإسلامي، حضاريًّا وأخلاقيًّا وإداريًّا وتربويًّا وصحيًّا، من أهم الأدوات التي يمتلكها المحتسب الرفق والغلظة، وهو يختار باجتهاده ما يُناسب الموقف، يجري الاحتساب على غير المسلم المقيم في دار الإسلام ذميًّا كان أو مستأمنًا؛ لأننا وإن أمرنا بتركهم وما يدينون، إلا أن هذا الترك لهم لا يعني تركهم يخرقون نظام الإسلام ويتعاطون ما يُناقِضه علانية؛ وإنما يعني ترْكهم وما يعتقدون وما يباشِرونه في بيوتهم ومعابدهم من صنوف العبادة، أما إذا تظاهروا وأعلنوا ما يُناقِض الإسلام كما لو سكروا في قارعة الطريق، أو خطبوا في الناس يُعلِنون شتمهم للإسلام وتكذيبهم لنبي الإسلام، فإنهم يُمنعون من ذلك، وتجري الحِسبة عليهم في ضوء ما يفعلون.

الاحتساب القلبي واجب على كل مسلم في جميع الأحوال إذا ما سمع بمنكر أو رآه.

أما الاحتساب باليد أو بالقول، فهذا يجب بالقدرة على هذا النوع من الاحتساب، بشرط أن يأمن المحتسب على نفسه من الأذى والضرر، كما يأمن على غيره من المسلمين من الأذى والضرر.

شرع الله الاحتساب لحكمة عظيمة، وفائدة لا تخفى على ذوي العقول السليمة، فهم يرون بلا عناء أن للاحتساب أهميته البالغة، ودوره الخطير في إيجاد البناء الاجتماعي القوي المتماسك. لهذا جعله الله مِنهاج الفلاح والصلاح للمؤمنين.

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين، ومن الأدلة على هذا قوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104].

وأول من احتسب في تاريخ الحضارة الإسلامية هو رسول الله؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله مرَّ على صُبْرة طعامٍ، فأدخَلَ يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ((ما هَذا يا صاحب الطَّعام؟))، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: ((أفلا جعلتَه فوقَ الطَّعام كي يراه النَّاس، مَن غشَّ فليس منِّي))؛ رواه مسلم.

لتنمية تلك الشعيرة الهامة (الحسبة) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند النشء أهمية كبيرة؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منزلته عظيمة، وقد عدَّه العلماء الركن السادس من أركان الإسلام، وقدَّمه الله - عز وجل - على الإيمان كما في قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، غرس القيم الأخلاقية هي مسؤولية وسائط التنشئة الاجتماعية المتمثِّلة في الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام وجماعة الأصدقاء.

لا بد من مواجهة أعداء الرسل من دعاة الفساد والإفساد والانحلال، وخفافيش التخلف والظلام والضياع في هذا العصر من المنافقين والشهوانيين في حملتهم المسعورة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاولة إبطاله في الأمة، باسم المناداة بالحرية الشخصية، فعلينا أن نُفكِّر بعقولنا قبل الانسياق وراء تلك الدعوات، فنحن أمة لها صبغة خاصة، فأداء الحسبة هي هداية الإنسان فردًا كان أم مجتمعًا هداية تجعله يحكِّم مفاهيم الإسلام وقيمه في عقله وقلبه وإرادته، إن قام به المجتمع؛ فإنه يحقق الأمن والسلام والطمأنينة، أما خطورة التفريط في هذا الواجب، فهي أن يألف الناس المنكر، ويزول من قلوبهم بغضه، ثم ينتشر ويسري فيهم، وتغرق سفينة المجتمع، وينهدم صرحها، إن هذا الواجب هو مسؤولية الجميع، وكل فرد من هذه الأمة مطالب بأداء هذه المسؤولية على حسب طاقته، والخير في هذه الأمة كثير.

أهل الحسبة هم ورثةُ الأنبياء، ورتبةُ الأنبياء هي أعلى الرتب والمنازل، ولا درجة أعظم من درجة الوارثين لهذه المنزلة والرتبة الشريفة، وعلى قدر المنزلة تكون المسؤولية.


فالمحتسِب متى ما استشعر مدى المسؤولية والواجب المناط به نحو جميع الخلق، والأمانة الملقاة على عاتقه لهداية الخلق وإرشادهم، كان ذلك سببًا قويًّا ودافعًا للمحتسب للقيام بهذا الواجب، وأداء تلك الرسالة على أكمل وجه.


فيجب أن يشعر المحتسِب بأنه صاحب رسالة يؤدّيها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها؛ وذلك لأن صاحب الرسالة يفرغ كل طاقته في محاولة إيصالها إلى الناس، لا يَكِل ولا يَمَل.

إن مبدأ الاحتساب فريضة كفائية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمتى كان المجتمع بحاجة لمعروف بما يشمله اللفظ من معنى، كانت الحاجة للمحتسبين قائمة، ومتى كان في المجتمع ظهور لمنكر بما يشمله اللفظ من معنى، كانت الحاجة للمحتسبين قائمة، والمسؤول عن توفير المحتسبين وسد هذه الحاجة: المسلمون كلهم.

إن للحسبة في الإسلام منزلة ومقامًا رفيعًا، وهي في نظر الإسلام مسؤولية عظمى، وأمانة كبرى، فمسؤولية الحسبة من أكبر المسؤوليات، فلا يمكن أن يهمل أو يتهاون في تلك المسؤولية، إن الإنسان يحتاج دائمًا إلى التذكير والتوجيه في معظم حالاته، ويأتي الاحتساب ليسدّ هذه الثغرة في حياته؛ فهي ضرب من التكافل على الخير والمعروف والتعاون على سدِّ أبواب الشر والمنكر.

شبكة الالوكة

المصدر: ملتقى شذرات


hgau,v fhglsc,gdm dw,k urhz]kh hgYsghldm

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« العدد 99 يتجلى في أواخر سورة الحشر | الرقابة الضبطية للعلوم والتقانة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تطور الشعور الديني عند الأطفال ام زهرة البيت السعيد 0 05-30-2013 12:42 PM
الشعور بالغربة !!!!! صباح الورد الملتقى العام 0 03-01-2013 11:02 AM
الشعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 01-07-2013 09:22 PM
الشعور بالتحديات عبدالناصر محمود الملتقى العام 0 12-30-2012 07:08 PM
رمضان يدُّك حصون التَّغريب Eng.Jordan في رحاب رمضان 0 06-30-2012 06:27 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:47 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68