تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 02-07-2012, 02:58 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,451
افتراضي

القسم الثاني

مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي

مشروع إعادة تقييم الهوية العربية








مفهوم الإنسان

في الفكر العربي الإسلامي




"إيه.. الكمالُ كُنْهُ الكائن".. يردد ابن سبعين هذا الكلام في أكثر من موضع في رسائله. وهي عبارة تلخص الفكر العربي الإسلامي في الوجود بأجمعه ولاسيما الإنسان، فكل ما في الوجود كائنٌ، وكل كائنٍ الكمالُ كنههُ، وأكمل مافي الكون الإنسان. والموجودات، عدا الإنسان، كاملة، لأنها قبل أن تكون كانت في العلم الإلهي، فكمالها إنما كان من كونها، قبل أن تكون، في العلم الإلهي، قبل أن تتلقى الأمر "كن" فتكون. والإنسان مركز الكون، وهو أكرم الموجودات وأتمُّها وأكملُها، لأنه زاد على كل ما عداه في النشأة العنصرية الأولى بالنفخة الإلهية
ولكل موجود كمالهُ الخاصُّ به بحسب نسبته من الوجود.فالمخلوقات ما عدا الإنسان لها كمالها الخاصُ بها، المتناسب مع وظيفتها في الكون، وهي تسعى إليه بقدرة داخلية تُدفَع بها إلى كمالها، يمكن تسميتها بالعشق، فالشجر في وجوده يسعى إلى كماله في نموه، فيمد جذوره في التراب، ويرتقي بأغصانه في الفضاء، فهو يعشق الماء من جهة لأن كماله فيه، ويعشق النور والهواء لأن كماله من جهة ثانية فيهما..
والإنسان، أرقى الموجودات وأكملها، له كمالان: كمال العَرَض/ الجسد، وكمال الجَوْهَر/ النفس. ويلتقي كماله الأول مع كمالات الحيوان من جهة النشأة العنصرية، أما كماله الثاني فهو خاص به يميزه من باقي الكائنات، أتاه من جهة النفخة الإلهية..
ويسعى الإنسان باتجاه الكمال، فهو كنهه، وإليه يرقى بالعشق الذي وضعه الله فيه، ولكن كماله صعب لأن فيه ازدواج العَرَض والجَوْهَر والتزامهما معاً في آن واحد. ومن هنا فقد ابتعد الإنسان عن جوهره، ولم يهتم إلا بكمال عَرَضِه من حيث المأكل والمنكح
إن مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي مسألة معقدة وواسعة، وتحتاج إلى أدوات معرفية خاصة بذلك الفكر يمكن من خلالها بحث المسألة. ولذلك فإن هذه الدراسة تسعى إلى وضع أطر عامة للبحث تحدد من خلالها مكان دراسة ذلك المفهوم، وكيفية التعامل معها، محاولة صياغة مفهوم أولي يطرح إشكالية ويرد على إشكالية، ساعيةً في الوقت نفسه إلى فتح الحوار في إشكالية واقع العرب والمسلمين اليوم، سواء أكان هذا على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة.
1 ـ الإشكالية

اعتقدت دائماً أن دراسة لا تطرح إشكالية تسعى إلى إيجاد حل لها ليست بدراسة جديرة بالاهتمام. فكل الدراسات الإنسانية عندما تنطلق من الإنسان وتهتم بالشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يفرضها عليه واقعه فإنما تريد معالجة قضية من القضايا التي تهمه، أو مسألة تمس حياته، أو عقبة تقف أمام تقدمه أو أزمة يعانيها. وكل دراسة تخرج عن تلك الأطر فهي عمل عبثي وعقيم مادام لا يقدم للمجتمع عامة ولصاحبه خاصة فائدة إنسانية معرفية واجتماعية، تساعده في تحسين واقعه وتجاوز أزماته واكتشاف نقاط ضعفه، ومصادر قوته، فيعي وجوده ويعيد صياغة مستقبله.
إن العودة إلى التراث لاستنباط مفهوم الإنسان فيه سوف يكون نوعاً من العبث والترف الفكري إن لم تكن تلك العودة مقصودة لغيرها وليس لذاتها. إن من يريد دراسة التراث لمجرد الدراسة أو التعظيم أو التقديس، فإنه سيعيش في الماضي ولن يتمكن إطلاقاً من عيش الواقع أو تصور المستقبل. ذلك هو المنظور الذي تنطلق منه هذه الدراسة، فهي تريد من العودة إلى الماضي الحاضرَ المستقبلَ، ساعيةً إلى اكتشاف مصادر القوة لدى الإنسان العربي المعاصر، داعيةً إيّاه إلى الارتكاز عليها في تخلصه من أزمته التي يعيشها على كل الأصعدة.
لا خلاف في أن الأمتين العربية والإسلامية تعيشان أزمة حضارية تتجسد في ما تعانيانه من تخلف ثقافي ومادي وسياسي. فهما في أغلب الأحوال تابعتان للغرب، تدوران في فلك ثقافته وتقنيته وسياسته. ولاشك في أنه من المستحيل استعراض ذلك كله في دراسة كهذه، كما أنه من المستحيل أيضاً النظر في كل الأسباب التي أدت إلى ذلك الوضع. على أن أهم هذه الأسباب، في اعتقادي، ولعله السبب المحور الذي تدور حوله وتنطلق منه كل الأسباب الأخرى، هو هُويَّة الفرد. إن من لا يعرف من هو لا يعرف ماذا يريد في هذا العالم، وتسهل السيطرة عليه وتوجيهه فلا إرادة له، إذ إن الإرادة ترتبط بالوعي، فلا إرادة لمن لا يعي من هو. ولما كان الوعي يرتبط بالمعرفة فقد اقتضى أن السبب الأساسي في أزمة العربي المعاصر إنما هو معرفي. وإذا كانت المعرفة تعني مجموع الخبرات التي اكتسبها الفرد في حياته فإن ذلك يعني أيضاً أن المعرفة ترتبط بالتاريخ الشخصي للفرد، وبالتاريخ العام المشترك للأمة، إذا كان البحث يدور في مستوى الجماعة. ولما كان الفرد جزءاً من الجماعة، والأمة إنما تتشكل في مجموعها من عدد الأفراد، فقد اقتضى أن يكون تاريخ الفرد جزءاً من تاريخ الأمة، كما اقتضى أن تكون المعرفة الفردية المرتبطة بتاريخ الفرد جزءاً من الثقافة الجماعية المرتبطة بتاريخ الأمة. من هنا فإننا نستنتج أن البحث في طبيعة المعرفة، أسّ الوعي الفردي، إنما يقود بالضرورة إلى البحث في طبيعة الثقافة العامة أسّ الوعي الجماعي لدى الأمة.
ومعرفة الفرد اليوم تتطلب بالضرورة معرفة الأمة التي يستمد هُوَيّته من حضارتها، وأي إغفال لتلك الحقيقة سوف يقود بالضرورة أيضاً إلى تشييء الفرد وإفقاده شعوره بالذات وهو الشرط الأساسي في الإبداع الإنساني في كل مجالات الحياة. والعودة إلى التراث للبحث في مفهوم الإنسان هي بحث في المعرفة التاريخية للأمة التي ينتمي إليها هذا الإنسان هدفه الدعوة إلى مشروع نهضوي جديد، يبعث هذه الأمة على مشارف القرن الواحد والعشرين الذي يسجل مرور قرن ونيف على ما سمي بالنهضة العربية.
المجتمع ابن تاريخه، كما أن الفرد ابن ذاكرته. ويبدو لنا هذا الطرح واضحاً إذا ما سألنا السؤال التالي: كيف تتكون المواقف عند الفرد؟ والجواب هو أن الإنسان لا يمكنه أن يتخذ موقفاً ما في كل مجالات حياته إلا من خلال مالديه من تراكم في الخبرات والمعارف التي اكتسبها من مختلف السبل من ولادته إلى اللحظة التي هو فيها.
فالإنسان يعيش بين أزمنة ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. والماضي لا وجود له إلا في الذاكرة الإنسانية لأنه زمن انقضى، ولم يبق منه إلا الذكرى والمشاعر والخبرات التي اكتسبها الإنسان فيه، والمستقبل كذلك لا وجود له لأنه كائن في التصور الإنساني ولم يوجد بعد، وقد لا يوجد على الإطلاق بالنسبة إلى الفرد، وكل ما يستطيع الإنسان عمله فيما يتعلق بالمستقبل هو تصوره والتخطيط له في ضوء تجربته ومعارفه الماضية. أما الحاضر فهو ليس إلا ذلك الجزء الصغير من الثانية المعيشة التي ينتقل فيها المستقبل ليصبح ماضياً، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش اللحظة فعلاً إلا بعد أن تكون قد انقضت لتخلف فيه آثارَها، أو تولِّد فيه مشاعر خاصة وأحاسيس معينة، تدفعه لاتخاذ موقف بحسب الظروف المحيطة به. وعلى ذلك فإن الحاضر أيضاً غير موجود إنسانياً إلا من خلال عيش الإنسان له وإحساسه به. ولكن الإنسان لا يكتسب الخبرة من عيشه اللحظة الحاضرة وإنما منها وهي مشروطة بمجموع الخبرات المتراكمة لديه. فالفرد يولد في مجتمع ما، ويبدأ بذلك أول وجوداته الثلاثة: الوجود المادي "الفيزيولوجي"، والوجود الثقافي الاجتماعي، والوجود العقلاني، فالوجود الأول وجود لم يختره على الإطلاق، ولا دخل له فيه فهو طويل أو قصير، أسود أو أبيض، أشقر الشعر أو أسوده، قوي البنية أو ضعيفها. وهو من ولادته أيضاً يبدأ وجوده الثاني، الثقافي الاجتماعي، بالتكوّن، فهو يكتسب شيئاً فشيئاً العادات والتقاليد والقيم والأعراف وأنواع السلوك ومفاهيم العيب والحلال والحرام والأخلاق، كما يكتسب ثقافة محددة من خلال اللغة التي يتعلمها، وكل ذلك يختلف من بيئة إلى أخرى في المجتمع الواحد بحسب مستوى الحياة الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
وهذه الثقافة الاجتماعية هي امتداد تاريخي لثقافة الأمة ببعديها: الثقافة العالمة، والثقافة غير العالمة. وعندما يتلقى الإنسان هذين النوعين من الثقافة تلقياً اجتماعياً لا مُفكَّراً فيه فإنه يتقبله كما هو في أغلب الأحيان، وقد يرفض منه ما قد يختلف مع رغباته الفردية، ولكن هذا كله يبقى في إطار الوجود الثاني: الثقافي الاجتماعي. وكل ذلك طبعاً، كما في الوجود الأول "المادي" لا دخل للإنسان فيه، إذ إنه لم يختر البيئة التي وُلِدَ فيها، ولم يختر الأسرة أو الحي ولا البلد الذي يعيش فيه، أو المدرسة التي درس فيها، ولا الأمة التي ينتمي إليها، ولا الحضارة التي اكتسب هُوِيَّته فيها. فهو إذن غير موجود على الحقيقة من خلال وجوديه: المادي والثقافي الاجتماعي، إذ إن وجوده هذا لا دخل له فيه، وهو ليس حراً في تغييره، وطريقته في التفكير وفي اتخاذ المواقف الحياتية ليست إلا ردود فعل مسبقة الصنع ومبرمجة من طبيعة هذين الوجودين، فالفارق بين الإنسان وباقي المخلوقات، ولاسيما الحيوان، أنه ذو عقل به مازه الله من الحيوان. وعندما يعيش بوجوديه: المادي والثقافي الاجتماعي، فإنه لا يرقى كثيراً إلى مستوى الحيوان لأن هذين الوجودين مشتركان بينهما، وإذن فقد تبيّن أن وجود الإنسان الحق إنما هو بالعقل، وعلى هذا فإن الوجود الحق للإنسان لا يبدأ إلا عندما يبدأ العقل لديه بالعمل الحر في نقد وجوديه الآخرين، فيبقي ما يراه سليماً، ويسعى إلى تجاوز أو تصحيح ما يراه ليس كذلك.
إلا أن هذا الوجود الثالث العقلاني إنما هو جدلي أيضاً، فقد تبيّن لنا أن العقل لدى الإنسان إنما ينمو معه، وهذا يعني أنه في الحقيقة مشروط بالوجودين: المادي والثقافي والاجتماعي، وهذا يعني أن الإنسان لن يستطيع أن يوجد وجوداً عقلانياً مجرداً أو موضوعياً إلا بقدر ما يتمكن من عزل عقله وطريقة تفكيره عن تأثير وجوديه السابقين اللذين لا دخل له فيهما، وهو في هذه الحالة معرّض للزلل، فالعقل الإنساني أداة تفكير في معطيات الواقع التي يتصل بها من خلال الحواس الإنسانية. ومعلوم أن هذه الحواس قاصرة ، كما أن الواقع نفسه متبدل متغير بحسب عوامل الزمان ودورة الأرض حول ذاتها وحول الشمس، مما يعني أن الحواس قد تخطئ، وهذا يترتب عليه نقل معلومات خاطئة للعقل الذي يقوم بتبنيها ناسباً إيَّاها إلى الصحة، وهذا ما يوقعه في اللبس والحيرة والتردد. ولما كان الأمر على هذه الحال فقد كان لابد للإنسان في تحقيقه لوجوده من طريق العقل من مرجعية ثابتة وقياس يحتكم إليه في تصويب نتاج العقل لديه، ونعتقد أن هذه المرجعية هي بالنسبة إلى الإنسان العربي المسلم العقيدة الإسلامية: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
إن الإنسان، في اتخاذ المواقف اليومية، عبد للوجودين: المادي والثقافي الاجتماعي، وتحرره من هذه العبودية إنما هو بالعقل المرتكز على مرجعية ثابتة. وهو عندما يتخذ المواقف في عيشه اللحظة الحاضرة فإنما يتخذها من خلال ذاكرته الفردية التي هي بالنسبة إلى الأمة التاريخ بثقافتيه العالمة وغير العالمة. والعودة إلى ذاكرة الفرد هي بالضرورة عودة إلى تاريخ الأمة التي ينتمي إليها. وإذا كان الإنسان العربي اليوم يعاني من شرخ في ذاته وانفصام في هُوِيّته فذلك إنما يعود إلى ابتعاده عن ذاكرته من خلال سعي المنظومات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي فُرِضِت عليه من بداية هذا القرن إلى خلخلة ذاكرته الثقافية العالمة وغير العالمة، وجعله بلا هُوِّية، تمهيداً للسيطرة عليه وإخضاعه لهيمنة جهات داخلية أو خارجية تشعر بأن وجوده الحقيقي، يشكل مصدر خطر على مصالحها. وهو في بحثه عن هُوِيّته لابد له من العودة إلى التراث ذاكرة الأمة التي ينتمي إليها، فيرى فيها كيف كان مفهوم الإنسان الذي أبدع تلك الحضارة التي قلَّما عرف التاريخ الإنساني مثلها، ويتخذ من هذا المفهوم مرجعاً له ومقياساً يحتكم إليه في إعادة صياغة هُوِيّته التي شُوّهت وتعرضت للكثير من التحريف، وهو ما أدى به إلى الجمود عبر قرون عديدة انتهت في القرن الماضي والحالي بمحاولات لإلغاء هذه الهوية وإحلال غيرها مكانها، مما يُسهل لتلك الجهات أهدافها.
2 ـ مصادر البحث

طبيعة البحث هي التي تحدد مصادره. وعنوان البحث "مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي"، يجعلنا نرى أن المصادر التي سيكون بحثنا فيها على نوعين: ففي اعتقادنا أن الفكر العربي ـ الإسلامي هو نتيجة مصدرين: الأول هو العقيدة الإسلامية، ونعني بذلك القرآن الكريم والسنة النبوية، والثاني هو نِتَاج العقل الإنساني العربي المسلم من خلال علاقته بالعقيدة الإسلامية في الزمان والمكان. ولمّا كان الإنسان في الأراضي التي فتحها العرب المسلمون بعد خروجهم من شبه الجزيرة العربية متعدد الأعراق والديانات واللغات والثقافات والقيم والأعراف بتعدد الأمكنة واختلاف الأزمنة، فقد كان الفكر الذي أنتجه هذا الإنسان بعد دخوله في الإسلام واسعاً ومتنوعاً ومتعدد الأصول. إلاّ أن هذا الفكر كان يعاد صهره في بوتقة العقيدة الإسلامية، ليخرج في قالب اللغة العربية فكراً جديداً هو إبداع الحضارة العربية الإسلامية. فالعقيدة الإسلامية فكر غيبي إلهي لا دخل للإنسان في صياغته، فهو وحي من الله عز وجل، أما الفكر العربي الإسلامي فهو نتاج العقل الإنساني في تعامله مع الواقع في إطار العقيدة الإسلامية.
سيكون بحثنا أولاً في إطار العقيدة الإسلامية: القرآن والسنة، وهو بحث سيقتصر على استنباط مفهوم الإنسان من عدد من الآيات الكريمة، وبعض من الأحاديث الصحيحة. وسيكون ثانياً في مجال الفكر العربي الإسلامي وبخاصة عند المتصوفة والفلاسفة. وقد وقع اختيارنا من هؤلاء على ثلاثة هم: أبو حيان التوحيدي، وابن سينا، وابن عربي. ونعتقد أنه اختيار يجمع أطراف الفكر العربي الإسلامي، فالتوحيدي الأديب الفيلسوف، وابن سينا أشهر الفلاسفة المسلمين، وابن عربي أبرز أعلام التصوف العرفاني. وهم جميعاً، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان اللذين عاشوا فيهما، ينهلون من مصدر واحد، ويعبرون عن روح واحدة فيما يتعلق بالإنسان.
ثمة مشكلة تعترض الباحث في هذا المجال هي قضية المصطلحات، ففي القرآن والسنة ترد مصطلحات قد لا تتفق مع دلالاتها في الفكر العربي الإسلامي، فهو في هذا الفكر نِتاج بشري دخلت فيه مفاهيم الناس الفلسفية أو الصوفية. وعلى أي حال فإن المجال هنا لا يتسع لطرح هذه المشكلة واقتراح حلول لها. ولذلك فإننا سنعمد إلى توحيد المصطلحات المستخدمة في كل من الإطارين بشكل مستقل.
3 ـ تمهيد

تتأسس الحضارات وتنهض على ثلاثة مفاهيم مشتركة فيما بينها، لابد منها في كل حضارة من الحضارات الإنسانية: الإله والكون والإنسان. وتستمد كل حضارة هُوِيَّتَها الذاتية وسماتَها الخاصة التي تميزها من غيرها من الحضارات، من تغليب أحد هذه المفاهيم على الباقي منها. فالحضارة التي تُغلِّب مفهومَ الإله هي حضارة دينية، يسود فيها الفكر الغيبي، والتي تُغلِّب مفهوم الكون هي حضارة مادية، يسود فيها الفكر الطبيعي، أما التي تُغلِّب مفهوم الإنسان، فهي حضارة بشرية يسود فيها الفكر الإنساني. إلا أنه من الضروري التنبيه على أن الحضارات لا توجد في الواقع بحسب هذا التقسيم الحاد، وإنما نرى من خلال مراقبة الحضارات الإنسانية أن هذه المفاهيم يختلط بعضها ببعض بنسب متفاوتة، إلا أن الغلبة النسبية دائماً هي للمفهوم السائد الذي يسم الحضارة بسمته.
وعندما تُغلِّب حضارةٌ ما أحدَ هذه المفاهيم فإنها ترى المفهومين الباقيين من خلال المفهوم الغالب، فمفهوم الإله عندما يسود في حضارة من الحضارات فإن الكون والإنسان يُفَسران في تلك الحضارة من خلال الفكر الديني الغيبي، وعندما يسود مفهوم الإنسان فإن الحضارة تفسر مفهومي الإله والكون من خلال الفكر البشري.
ويمكننا أن نذكر أمثلة من التاريخ البشري على هذه المفاهيم.
فالحضارة الإغريقية على سبيل المثال كانت تغلّب مفهوم الإنسان، فهي بذلك ترى مفهومي الإله والكون من خلال ذلك المفهوم، فقد أَنْسَنَ الفكرُ الإغريقي الآلهةَ والطبيعةَ، فجعل الآلهة على شكل الإنسان خَلْقَاً وخُلُقاً، كما أنه عزا للطبيعة قوى الإنسان وطبيعته، وسعى لاسترضائها. والحضارة الأوروبية اليوم تُغلِّب مفهوم الكون، وترى مفهوم الإله والإنسان من خلال القوانين الطبيعية السائدة في الكون، وتعد الإنسان نِتاج هذه القوانين، وهو خاضع لها، أما الإله فلم يكن إلا نِتاجاً فرضته الطبيعة على الإنسان عندما هيمنت عليه بقواها فخلقَ الإله ليلجأ إليه من غضبها. أما الحضارة العربية الإسلامية فهي تُغلِّب مفهوم الله، وترى من خلاله الإنسان والكون، وما هذان المفهومان إلا نتيجة للتصور الديني عنهما، فهما من مخلوقات الله، خُلِقا ليعبدا الله، وليكونا مجلى له، وقيمة وجودهما مستمدة من الوجود الإلهي.
إن أي محاولة لفهم حضارة ما من خلال دراسة نتاجها الثقافي والعلمي لا تعتمد على إدراك هذه المفاهيم وطبيعة العلاقة بينها، وغلبة أحدها على الآخَريْن في تلك الحضارة، سوف تكون قاصرة، وستؤدي بالضرورة إلى نتائج خاطئة. وسوف نرى فيما يأتي أن مفهوم الإنسان في الحضارة العربية الإسلامية تابع ونتيجة منطقية لمفهوم الله، فهو يرتبط معه بعلاقة وجودية. ولعل هذه الحقيقة هي ما يجب أن يرسخ في أذهان الباحثين في تراث الأمة العربية والإسلامية اليوم سواء أكان هؤلاء الباحثين من أبنائها أم غرباء عليها، وذلك إذا ما أراد هؤلاء فعلاً الإنصافَ في نتائجهم والموضوعيةَ في أحكامهم.
4-العرض

4-1-العقيدة الإسلامية

إن وظيفة الموجود في الوجود تحدد طبيعةَ تكوينه وهيئةَ وجوده. تلك هي الفلسفة الغائية التي نعتقد بصحتها المنطقية وجدواها الإنسانية. وهي فلسفة معيارية تحتكم إلى ثوابت في معالجة المتغيرات، وليست فلسفة وضعية عبثية تنطلق من توصيف ما هو كائن لإقراره في تغيره الدائم الذي لا أساس يعتمد عليه في هذا التغيير، ولا منطق إلا منطق الأهواء المادية والنزعات الفردية المرتبطة بنظام السوق.
إن كل موجود له وظيفة في وجوده، ولا وجود عبثي في الكون بحسب القرآن الكريم، فالله عز وجل يقول: "وما خلقنا السمواتِ والأرضَ وما بينَهما لاعبين"(([1]))، ويحث الرسول عليه الصلاة والسلام الإنسان على اغتنام خمس قبل خمس حرصاً منه على الوقت والصحة والشباب، فلا يضيعها الإنسان في ما لا فائدة فيه.
ولما كان قد تقرر أن كل موجود إنما وجد ليؤدي وظيفته، فقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يخلق كل موجود على صورة تناسب وظيفته، وتمكنه من القيام بها، وإن لم يكن ذلك فهذا يعني بهتاناً وظلماً بحق الموجود أن يُطالَب بما لا يقدر عليه، ولم يُخلَق له.
والإنسان واحد الموجودات، وُجد لوظيفة محددة، وخُلق على صورة تمكنه من أداء هذه الوظيفة. ولا شك في أن وظيفته تلك تحدد طبيعته ومفهومه.
ويحدد الله تعالى وظيفة الإنسان الأولى في الأرض في قوله عزّ وجل: "وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون"([2])، وفي قوله تعالى: "إني جاعلٌ في الأرض خليفة"([3])، فالعبادة وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض هما وظيفة الإنسان التي خُلِق من أجلها، وقد صِيْغَ الوجود بأكمله لينسجم مع الإنسان في وظيفته هذه، وليساعده في تحقيقها.
وعلاقة العبادة بالاستخلاف علاقة وثيقة وجدلية، بمعنى أنّ الإنسانَ عبد لله على الحقيقة بقدر تحقيقه معنى الاستخلاف على الحقيقة، كما أن تحقيق هذا المعنى مرتبط بمدى عبودية الإنسان لله عز وجل.
والعبودية تعني الإخلاص لله ونفي السِّوَى، فلا طاعة إلا لله، ولا عبودية إلا له، وهذا يعني تحرر الإنسان من عبودية ما عدا الله من متاع الدنيا، كالمال والجاه والسلطة والتفاخر بالأولاد والعصبية، إلى ما هنالك من عوارض تستعبد الإنسان، فيخضع لها، ويصوغ حياته كلها من خلال تحكمها فيه، فينسى وجوده الأول ووظيفته في هذا الوجود، فيضل عن الطريق، ولا يصبح إنساناً على الحقيقة. وبقدر ما هو عبد لله فهو خليفته، لأنه بقدر تحرره من عوارض الدنيا يعود إنساناً إلهياً، فيه تظهر النفخة الأولى والعلم الإلهي، فيصبح خليفة الله على الحقيقة، يرى بنور الله، ويسمع به، ويمشي فيه، ويبطش به، فعلمه من علم الله وإرادته من إرادته جلّ وعلا.
والعبودية بهذا المعنى هي عين الحرية، أما الحرية بالمفهوم السائد بين الناس اليوم من أن الإنسان يستجيب لأهوائه ونزواته فهي عين العبودية التي تتنافى مع قول "لا إله إلاّ الله"، فلا معبود إلا هو، ولا سلطة إلا له، ولا مآل إلا إليه، ولا قوة إلا به، ولا علم إلا منه سبحانه وتعالى.
ما تقدم يقتضي أن نطرح سؤالاً جوهرياً هو: لماذا العبودية ولم الاستخلاف؟ إن هذا السؤال المنطقي يقودنا إلى أصل الخلق وعلاقة الخَلْق بالحَقِّ، فالعبادة أو العبودية ليست لذاتها وإنما لغيرها، فالله عزَّ وجل مُنَزَّه عن الحاجة إلى عبادة الناس له. وإنما العبادة تهدف إلى مساعدة الإنسان في تحقيق جوهره الأول الذي خلق به وإعادته إلى صورته الأولى التي صدر عنها، وبذلك يتحقق وجوده على الحقيقة.
وقد حدد الله عزَّ وجل هذه الصورة وذلك الجوهر عندما قال تعالى في الكتاب الكريم "وإذْ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من طين، فإذا سوّيتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"([4])، وقال أيضاً سبحانه: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة، قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفك الدماءَ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون، وعلّم آدمَ الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيبَ السمواتِ والأرضِ وأعلم ما تُبدون وما كنتم تَكتمون. وإذْ قلنا للملائكةِ اسجدوا لآدمَ فسجدوا إلا إبليسَ أبى واستكبرَ وكانَ من الكافِرين"([5]).
تتكلم الآية الأولى على أصل النشأة، عندما كان الإنسان في العلم الإلهي قبل أن يُخلق، فالذات الأولى واجبةُ الوجود تخبر الملائكةَ بإرادتها الأولى في خلق الإنسان، فهو غير كائن بعد، ولذلك فقد جاءت الإرادة بقوله تعالى: "إني خالقٌ"، بمعنى أنني سأخلق أو أن إرادتي رأت ذلك، وأن هذا الخلق سيكون على مرحلتين: الأولى هي المرحلة الطينية، فالله سيخلق الإنسان من الطين أولاً، ثم يلي ذلك مرحلة ثانية هي التسوية والنفخ فيه من روح الله. لقد مرّ الإنسان، في خلقه، بمراحل ثلاث، هي هاتان المرحلتان اللتان تسبقهما مرحلة أخرى أولى سابقة عليهما هي عندما كان الإنسان في العلم الإلهي، أو، إن صحّ لنا قول ذلك، في التصور الإلهي. وهو بذلك يمتاز من باقي مخلوقات الله التي كانت كالإنسان في العلم الإلهي قبل أن تتلقى الأمر الإلهي "كُنْ" فتكون: "إنما أمرُه إذا أرادَ شيئاً أنْ يقولَ له كُنْ فيكون"([6])، و"إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقولَ له كُنْ فيكون"([7])، فهي لم تخلق بإرادة خاصة بها وإنما تلقت الأمر الإلهي، وكان فيها، بعلم الله، قدرة على تنفيذ الأمر فكانت، فهي جميلة لكونها كانت، قبل أن تكون، في العلم الإلهي. على حين أن الإنسان خُلِق بإرادة خاصة أخبرَ اللهُ ملائكته بها، وهو مخلوق من الطين بيديّ الله عزّ وجل: "قال يا إبليسُ ما منعكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديّ"([8])، وهذا ما مازه من باقي المخلوقات أولاً، ثم جاء التمييز الثاني الذي جعله خليفة لله، وسخّر له ما في السموات والأرض: "ألم تروا أنّ الله سخَّرَ لكم ما في السموات وما في الأرض"([9])، ليمكنه من تحقيق معنى الاستخلاف.
لقد كان الإنسان قبل أن يكون في العلم الإلهي، ثم شاءت الإرادة الإلهية خلقه، فصورته على صورتها من الماء والتراب، وصنعته بيديها، فنال تكريمه الأول على باقي المخلوقات من جهة إرادة الخلق ومن جهة خلقه باليدين. ثم جاءت المرحلة الثالثة فسويِّ فيها، ونُفخ فيه من روح الله، فكان أكرم مخلوق على الإطلاق، أُمِرَت الملائكة، التي لا تسجد لغير الله، بالسجود له، وهي لم تؤمر بهذا السجود إلا بعد النفخة الإلهية، بدليل قوله تعالى: "فإذا سوّيتُه ونفختُ فيه من روحي فقعّوا له ساجدين"، مما يعني أنّ سجود الملائكة للإنسان ليس سجوداً لعَرَض الإنسان المكوَّن من الطين والماء، وإنما هو لما جاء بعد ذلك من النفخة الإلهية، فسجودها ليس إلا للنفخة الإلهية الكائنة في الإنسان بالإرادة الإلهية. وهو سجود أزلي قبل أن يكون الإنسان، فهي تسجد لله منذ أن وجدت، وسجودها للنفخة الإلهية في الإنسان ليس إلا استمراراً لسجودها للذات الأولى واجبة الوجود.
في الآيات الأخرى تقرير مرحلة أخرى تلت مرحلة خلق الإنسان بمستوياتها المختلفة. فالكلام فيها يدور على إرادة الله عز وجل بإخبار الملائكة بمكانة الإنسان بعد أن خلق. فهو خليفة لله عز وجل في الأرض. ويعلِّمُ اللهُ الإنسانَ الأسماءَ كلها، فيصبح بذلك عالماً بالقوة، يرتبط علمه بعلم الله عز وجل عالم الغيب في السموات والأرض.
فخلافة الإنسان في الأرض مرتبطة جدلياً بالعلم الذي عَلَّمه اللهُ إياه، بدليل اقتران الكلام على الخلافة بتعليم الإنسان الأسماء بعد تعجب الملائكة من جعله خليفة، فكان الجواب من الله عز وجل بتعليم الأسماء.
إلى جانب تلك الآيات الكريمة التي تقرر مراحلَ خلق الإنسان الطيني والنفخِ فيه وجعلِه عالماً بالقوة ليكون خليفة، لدينا مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تردف تلك الآيات، وتفسرها، وتُبيّن مقاصدها. فقد ورد في الأثر أن الله عز وجل يقول مخاطباً الإنسان: "يا ابن آدم خلقتك من أجلي فلا تلعب، وخلقتها من أجلك فلا تتعب، فبحقي عليك لا تنشغل بما خلقته لك عما خلقتك له"، وجاء في الحديث القدسي قوله عز وجل: "...وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبَّ إلي مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإن سألَني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه"([10])، وحديث ثان يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته"([11])، وحديث ثالث يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال"([12]). إن مجموع هذه الأحاديث يصوّر الإنسان في أصل وظيفته التي خلق من أجلها، فهو مخلوق من الله وإليه، والدنيا مخلوقة من أجل الإنسان، وما عليه أن يتعب من أجلها، كما عليه ألا يُضيِّع حياته باللعب بعيداً عن الهدف الذي خلق من أجله، منشغلاً بما خلق من أجله، عما خلق هو له. والإنسان مخلوق على الصورة الإلهية وفيه من روح الله، ولذلك فهو خليفته. وقد خلقه الله جميلاً لأنه جميل يحب الجمال، فما يصدر عنه إلا جميل.
خُلِق الإنسان جميلاً، يستمد جماله من جمال خالقه، وهو خليفته في الأرض من جهة النفخة الإلهية، والملائكة سجدت له سجودها لله عز وجل. وهو عالم بالقوَّة، فيه من المعرفة ما يؤهله لتحقيق جوهره بالفعل، وجعله الله قادراً على العودة إليه، وسخّر له كل ما في الكون ليكون خليفته على الحقيقة، فهو إنسان كامل يستمد كماله من الكمال الأول.
ولكن الإنسان عندما هبط الأرض بدأ شيئاً فشيئاً يبتعد عن كماله، ليستغرق في نقصه الذي أتاه من جهة التراب. فساد الطين الثقيل، وحجبَ النورَ الخفيف، وابتعد الإنسان عن النفخة الإلهية فيه، ونسيها، ولم يذكر سوى طينيته، فأصبح عبداً لها. فالإنسان إلهيٌّ من جهة النفخة، طينيٌّ من جهة النشأة العنصرية، كاملٌ من جهة النفخة، ناقصٌ من جهة الطين. ومن هنا كان إنساناً كاملاً خليفةَ الله في الأرض، سجدت له الملائكة، فأصبح بابتعاده عن كماله الإلهي ضعيفاً، وظلوماً، وكفاراً، وعجولاً، وجاحداً لا يشكر النعمة، ومجادلاً، وهلوعاً، وناكراً للجميل، بحسب آيات متفرقة من القرآن الكريم.
ولكن الله عز وجل لم يتخل عن الإنسان، فأرسل إليه الأنبياء والرسل المزودين بالمعجزات والكتب السماوية حرصاً منه على عودته إليه، وتذكيراً له بجوهره وبوظيفته التي خلق من أجلها. فالله عز وجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: "فَذّكِّر إنما أنت مذكر"([13])، ويقول أيضاً مبشراً عباده بالمغفرة والتوبة: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمةِ الله إِنَّ الله يغفرُ الذنوبَ جميعاً"([14])، والأحاديث التي تتكلم على محبة الله لعباده وحنانه عليهم ورحمته بهم وغفرانه لهم كثيرة. وقد زُوِّد الإنسان بما يُمكّنه من معرفة الحق والصواب، فوُهب العقل إلى جانب الشريعة، يدلانه على طريق الحقيقة إن نسيَها، أو ابتعدَ عنها: زوده الله بالشريعة تحدد له الطريقَ، حتى إذا لم يسعفه عقله ضَمِنَت لـه الوصولَ إلى الخلق الأولِ وتحقيق الوظيفة الأولى، وزانه بالعقل يضفي به على الشريعة جوهراً، ويتجاوزها بالاتصال بالواحد الأحد عن طريق امتلاك المعرفة التي تساعده على تحقيق جوهره وإخراجه من حيِّز الوجود بالقوة إلى حيِّز الوجود بالفعل، ولذلك كانت الآياتُ والأحاديثُ الدَّالة على فضل العلم والتعلم كثيرة: "إنما يخشى الله من عباده العلماءُ"([15])، ويقول عليه السلام: "فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم"([16])، ويقول: "مجلسُ علم ينتفعُ به خيرٌ من عبادةِ سبعين عاماً".
ذلك هو مفهوم الإنسان الكامل خليفةِ الله في الأرض ابتعدَ عن كماله لاستغراقه بالعَرَض، ولكن جوهرَه وكمالَه فيه بالقوة، وما عليه إلا أن يعود إليه بفضل ما زوده الله به من قدرات فيصبح إنساناً إلهياً، يحقق وظيفته الأولى التي خلق من أجلها، فالعبادة وسيلة إلى تلك الوظيفة التي هي خلافة الله في الأرض والعودة إلى الجوهر الأول لتحقيق السعادة في الدارين الدنيا والآخرة، يقول الله عز وجل:
"وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ولا تنسَ نصيبَكَ من الدنيا وأحسنْ كما أحسنَ اللهُ إليك"([17]).
4-2- الفكر العربي الإسلامي

يتفق ممثلو الفكر العربي الإسلامي على ثنائية الوجود الإنساني في وحدته: العَرَض والجوهر، وإن كانوا قد اختلفوا في تحديد المقصود بالجوهر أهو الروح أم النفس أم العقل أم القلب. وهذا الخلاف هو نتيجة لاختلاف آخر في طبيعة هذه المفاهيم وعلاقتها بالله عز وجل من حيث الصفات، وعلاقتها بالوجود من حيث القِدَم والحدوث، وهي مسألة الكلام عليها صعب في هذا المجال، فقد تكلّم الفلاسفة على النفس وأنواعها النباتية والحيوانية والناطقة والإنسانية والقدسية، كما تكلّم الفقهاء على النفس وأنواعها الأمارة واللوامة والمطمئنة([18])، وتكلّم المتصوفةُ على القلب، وتحرّجوا جميعاً في حديثهم من الكلام على الروح التي كانت ترتبط في أذهانهم بالمعرفة الإلهية التي ذكرها الله عز وجل في قوله: "ويسألونك عن الرّوحِ قُلْ الروحُ من أمرِ ربّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"([19])، فكيف يسوغون لأنفسهم الكلام في أمر أمسك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهو معدنُ العلم وينبوعُ الحكمة. وقد كان الاختلاف بين من تكلم في ماهية الروح بارزاً كل البروز، يقول الغزالي في كتاب شرح عجائب القلب من إحياء علوم الدين متحدثاً عن النفس والروح والقلب والعقل: "ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة"([20]).
إن هذا الاتساع في فهم تلك الأسماء والاختلاف في تعريفها يجعلنا نشير إلى أهمية التنبيه على مدى تقصير الدراسات العربية المعاصرة في هذا المجال الحيوي من التراث العربي الإسلامي، والذي يتصل بمحور هذا التراث: الإنسان الذي أبدع هذا التراث، وعلى ضرورة قيام أبحاث واسعة ودراسات معمقة في هذا المحور العام الذي مازلنا إلى اليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، نبني وجودنا الثقافي في معظمه على مفهوم للإنسان أخذناه عن الغرب من خلال ما أخذنا عنهم من نظريات فلسفية أو مدارس فنية وأدبية.
ولما كان الأمر على هذه الصورة من الاتساع والتعدد، ونظراً لعدم توفر دراسات معاصرة حول مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي، فقد رأينا أن نعرض الخطوط الرئيسية في هذا المفهوم مما وجدناه عند ثلاثة من أبرز ممثلي هذا الفكر. الأول هو أديب فيلسوف يمثل ثقافة عصره، ويجمعها في كتبه وهو أبو حيان التوحيدي (-414 هـ)، والثاني واحد من أشهر فلاسفة العرب المسلمين هو الشيخ الرئيس ابن سينا (-428 هـ)، أما الثالث فهو أعظم متصوف، وأهم ممثل للفكر الإسلامي في روحه وهو الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (-638 هـ).
وسنحاول في هذه الدراسة إظهار العلاقة بين مواقف هؤلاء الثلاثة واتصال مواقفهم مجتمعة بمفهوم الإنسان في العقيدة الإسلامية، وهو ما ذهبنا إليه في بداية هذه الدراسة بقولنا إن الفكر العربي الإسلامي كان يدور في إطار العقيدة الإسلامية، ويتمحور عليها على الرغم من تأثره بثقافات الأمم الأخرى وعلومها، ولا سيما الفلسفة الإغريقية.
4-2-1-أبو حيان التوحيدي (-414 هـ)

إذا كان الفكر الإغريقي قد ألّه الإنسانَ وأنسن الآلهة، فإن الفكر العربي الإسلامي قد وضع الإنسان في مركز وسط بين الكون والله، فهو بالنسبة إلى باقي الكائنات "لبُّ العالم، وهو في الأوسطِ لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة، وإلى ما سَفُل عنه بالمشاكَلَةِ، ففيه الطرفان، أعني فيه شرفُ الأجرامِ الناطقة بالمعرفة والاستبصار والبحثِ والاعتبارِ، وفيه صفةُ الأجسامِ الحيَّة الجاهلة، التي ليس لها ترشّح بشيء من الخير، ولا فيها انقياد له"([21]). فالإنسان مهيأ بالتركيب لقبول الخير والشر. وخيرُه إنما يأتي من انتسابه إلى ما علا عليه، وشرُّه يصدر عما سفل عنه. ففيه بالقوة شرف السمو والرقي يستمده من مماثلته للأجرام الناطقة والعقول المقابلة لها بما فيها من معرفة مطلقة كامنة بالقوة واستبصارٍ بالحوادث لأنها فوق الزمان والمكان، فمعرفتها متصلة بالعقل الأول وبما فيها أيضاً من البحث عن كمالها الأول الذي صدرت عنه، كما أن فيه جهلاً مستمداً من مشاكلته للأجسام المادية الحية التي لا تعرف معنى الخير، ولا تنقاد له، لأن الخير من سمات الأجرام الناطقة وليس من صفات الأجسام الحية الجاهلة.
خلقَ اللهُ الإنسانَ من طين، ثم نفخَ فيه من روحه، فهو بحسب التوحيدي شخصٌ بالطينة، ذاتٌ بالروح([22])، والخلق الطيني يصدر أولاً عن العناصر الأربعة التي هي في أساس كل الموجودات: الماء والتراب والهواء والنار، فقد تشكل من هذه العناصر/ الأسطقسات، الجماد فالنبات فالحيوان فالإنسان. وكل من هذه الموجودات مشكّل من تداخل تلك العناصر بنسب مختلفة، وكلها تجتمع في الإنسان، فيستمد بذلك منها صفتها المنسوبة إلى الجهل، فالجسد الإنساني مركب من هذه العناصر الأربعة كباقي الموجودات، إلا أنه أرقاها من حيث الوجود الترابي([23]). فعن تلك الاسطقسات تكوَّنَ العَرَضُ أو الصورة الإنسانية، على حين أن الجوهرَ، أو الذات، مكَوَّنٌ من روح الله منبجسة في الإنسان بتوسط العقل([24])، فقد تلقى الطينُ النفخةَ الإلهية، فانبجست فيه بتوسط العقل الأول الذي خلقه الله أولَ ما خلق الكونَ، فالإنسان إنسانٌ بالنفس العاقلةِ الجوهرِ المنبجسِ في الطين بتوسطِ العقلِ، ولم يكنْ إنساناً بالروح القوِّة المحركةِ للجسد، ولو كان كذلك لما كان بينه وبين الحمار فرق([25]).
والإنسان في جوهره وعرضه متصل بالكون، فهو العالمُ الأصغرُ، والكون هو العالم الأكبر، فهو صورةُ العالمِ وروحُه، ظهر فيه من جهة الطين جسدُ العالم، ومن جهة النفس روحُ العالم وعقلُه. فنفسه هي إحدى الأنفس الجزئية من النفس الكلية لا هي بعينها ولا منفصلة عنها، كما أن جسده جزء من العالم لا هو كله ولا منفصل عنه([26])، فهو في وجوده العَرَضي الطيني يتصلُ بالكون ذي الوجود الممكنِ، فهو مثله ممكنٌ من هذه الجهة من الوجود، كما أنه في وجوده الجوهري الإلهي متصلٌ بالله واجبِ الوجودِ، فهو بذلك ممكنُ الوجود من جهة جسدِهِ، واجبُه من جهةِ جَوْهَرِه، وإنما حاز على هذه الرتبة من جهة النفخة الإلهية التي مازته من باقي الموجودات بالنفس العاقلةِ الجوهر الخالد الباقي، على حين أن الجسد حافظُ شكل الإنسان وحاملُ الجوهر([27]).
وعلاقة العرض بالجوهر بحسب التوحيدي هي علاقة متفاوتة تختلف من إنسان إلى آخر بحسب قدرة الأخلاط الناتجة عن التناسب القائم بين الأسطقسات في تكوين الجسد حامل الجوهر، فهو من هذه الجهة حجاب أمام الجوهر، بحسب هذه النسبة يمنعه من تلقي الفيض الإلهي بتوسط العقل الأول. وعلى هذا فإن جسد الإنسان عائق، في الغالب، أمام تحقيق وجوده الجوهري ونقله من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وهو موزع بذلك بين طبيعته، وهي عليه، ونفسه، وهي له، "فإن استمد من العقل نوره وشعاعه قوي ما هو له من النفس، وضعف ما هو عليه من الطبيعة، وإلا فقد قوي ما هو عليه من الطبيعة وضعف ما هو له من النفس"([28]). وقد كان على الإنسان إذا ما أراد النجاة أن يُغلّب النفس الناطقة فيه، فتسوس النفس الغضبية والنفس الشهوية فيه، فإذا ساستهما "حذفت زوائدهما، ونفت فواضلهما.. فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم"([29])، ذلك أن بالنفس الناطقة كان الإنسان إنساناً، إذ من أخلاقها إذا صفت البحثُ عن الإنسان ثم عن العالم، لأنه إذا عرف الإنسانُ نفسَه فقد عرف العالم الصغير، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير، "وإذا عرف العالَمَين عرف الإله الذي بجوده وُجِد ما وجد، وبقدرته ثبت ما ثبت، وبحكمته ترتب ما ترتب"([30]).
والمعرفة بحسب التوحيدي هي سبيل الإنسان في نقل وجود جوهره من القوة إلى الفعل بمساعدة العقل. فالإنسان عارف بالقوة، إلا أن حجب الجسد والطبيعة تغلب عليه، فينسى معرفته تلك، وأدواته في اكتشاف تلك المعرفة هي العقل الذي يقوده إلى معرفة الكون، ومن ثم إلى معرفة النفس التي تقود الإنسان إلى معرفة الله. وذلك انطلاقاً من القول المأثور "اعرف نفسك، فمن عرف نفسه عرف ربه"، إلا أن مجال المعارف واسع متشعب، قد يضيع فيه الإنسان، ولا بد من تحديد المعرفة الضرورية من خلال تحديد وظيفتها، فالمعرفة التي لا تدل على الصانع، ولا تقود صاحبها إلى الواحد، ولا تدعوه إلى عبادته والاعتراف بوحدانيته هي معرفة لا فائدة منها، يستعيذ التوحيدي منها([31])) ويوجه لوماً عنيفاً إلى من امتلك عقلاً فسخره في غير الوصول إلى المعرفة الحقة، وانحرف به عن بلوغ المعرفة إلى استخدامه في بلوغ الشهوات واللذائذ الآنية المنقطعة التي يبقى عارها، ويدوم وزرها([32]).
إن طبيعة الإنسان عند التوحيدي تبين العلاقة الوثيقة بين الإنسان والله فالعلاقة هذه ليست علاقة وجودية فقط بمعنى أن وجود الإنسان مرتهن بالوجود الإلهي من حيث الصدور والعودة فقط بل هي أيضاً علاقة مستمرة لا تنقطع، فقد راعى الله وضع الإنسان ولم ينسه على الرغم من ابتعاده عن جوهره الأول. وحباً من الله بالإنسان وحرصاً منه عليه فقد أرسل إليه الرسل والأنبياء، وأنزل عليه الكتب السماوية، يذكره بما يجب أن يكون، وكيف يمكن أن يحقق معنى استخلافه في الأرض. ووهب الله الإنسان قدرات ذاتية تمكنه من العودة إليه، وحثه على استخدامها، وهي متمثلة بالعقل مناط التكليف فلا يضل الإنسان أبداً، يقول التوحيدي مخاطباً الإنسان: "واعلم أن الله خلقك، ورزقك، وكمَّلك، وميزك، وفضلك، وأضاء قلبك بالمعرفة، وفجر فيك ينبوع العقل، ونفى عنك العجز، وعرض عليك العز، وبين لك الفوز، بعد أن وعدك وأوعدك، وبعد أن وعظك وأيقظك، وبعد ما حط عنك ما أعجزك عنه، وأمرك بدون ما أقدرك عليه، وإنما حاشك بهذا كله إلى حظك ونجاتك، وعرضك به لسعادتك وخلاصك"([33]).
4-2-2-ابن سينا (-428هـ)

يمثل الشكل التوضيحي في الصفحة التالية ترتيب الكائنات الصاعد النازل في الفكر العربي الإسلامي فهو يوضح بالرسم تصور العرب المسلمين لوجود الكون بما فيه من كائنات أرضية أو سماوية مادية أو روحانية. وهو شكل يجسد ما ذهب إليه الفلاسفة العرب المسلمون خاصة، وشاركهم فيه المتصوفة بشكل أو بآخر، وقد رأينا أن أبا حيان التوحيدي يعرض مفهوم الإنسان من خلال تصور مماثل، ويمكننا التأكيد على أن أفضل شرح لهذا الشكل وجدناه عند ابن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات. وهو شرح جاء في إطار كلامه على الوجود عامة تمهيداً لتحديد مكانة الإنسان فيه.

[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/user/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.jpg[/IMG]
ترتيب الكائنات الصاعد والنازل في الفكر العربي الإسلامي(*)

فهو مع باقي المفكرين والمتصوفة يرى انطلاقاً من العقيدة الإسلامية أن الإنسان مركز الكون الذي خلقه الله من أجله وجعله سيده وسخره له. والإنسان هو العالم الأصغر يقابله الكون وهو العالم الأكبر. والأكبر موجود بأجمعه في الأصغر من خلال التمثيل فالكون بُنِي على صورة الإنسان، كما أن الإنسان خُلِق على صورة الله عز وجل. والكل إنما فاض عن الذات الإلهية حيث كان في العلم الإلهي ممكن الوجود ينتظر صدور الأمر ليكون. فكل حادثٍ كان قبل وجوده ممكن الوجود، فكان إمكان وجوده حاصلاً بالأمر الإلهي المتجسد بأمره "كن"([34]).
فالموجود الممكن، كما يضيف ابن سينا، لا يصير موجوداً بذاته ووجوده وعدمه سواء حتى يجعله شيء ما موجوداً أو معدوماً([35])، فالوجود عند ابن سينا، كما عند باقي الفلاسفة العرب المسلمين، على أنواع ثلاثة وجود واجب، ووجود ممكن، ووجود ممتنع أو مستحيل. وواجب الوجود هو ما وجوده واجب بذاته لا يستمد وجوده من خارجه والوجود الممكن لا يوجد بذاته ووجوده مستمد من غيره، أما الوجود المستحيل فهو ما لا يمكن تصور وجوده. وواجب الوجود الحق القيوم واجب الوجود في ذاته، على حين أن ممكن الوجود هو باقي العالم فهو إنما وجد بفضل واجب الوجود إذ إن وجوده ليس مستمداً من ذاته، وإنما من غيره، فهو قبل أن يوجد كان وجوده ممكناً، أي بالقوة، ولم يتحول إلى الوجود بالفعل من ذاته وإنما بفضل عامل خارجي عليه جعله كذلك هو الأمر الإلهي بالخلق([36]). ويضيف ابن سينا إن واجب الوجود واحد على حين أن ممكن الوجود متعدد بالكثرة، واحد من حيث النشأة.
إن موقف الفلاسفة المسلمين من صورة الوجود متأثرة بما وجدوه في الثقافات التي تعاملت مع الثقافة العربية الإسلامية في ذلك العصر. وهي ثقافة عالمة كانت مزيجاً من العقيدة الإسلامية والإنسان المبدع في ظروف معينة سياسية وثقافية اجتماعية واقتصادية اطلع فيها على جوانب من الثقافات الهندية والفارسية والإغريقية بشكل خاص. وهي ثقافات وصلت العرب المسلمين مجزأة بحسب ما وصل منها عبر الترجمات التي كانت في أغلب الأحوال سيئة. حتى إن ابن سينا يصرح أنه قرأ كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة ولم يفهمه حتى قرأ شرح الفارابي عليه([37]). ولعل هذا ما يؤكد أن أولئك الفلاسفة والمتصوفة العرب المسلمين الذين تأثروا ببعض ما نقل من تلك الثقافات لم يفهموها، أو لم يستوعبوها، إلا من خلال ثقافتهم العالمة وغير العالمة التي رُبوا فيها قبل اطلاعهم على ما اطلعوا عليه، فالثقافة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان تشكل برنامجاً خاصاً يحمله الفرد في داخله يحكم تصرفاته وسلوكه اليومي، كما يحكم مواقفه الفكرية واستجاباته لما يعرض عليه من ثقافات عالمة أو غير عالمة تنتمي إلى حضارات أخرى. ولا شك في أن تلك القاعدة "الانثروبولوجية" الثقافية تنطبق على ابن سينا كما تنطبق على غيره من مثقفي عصره. ولذلك فإننا نجزم بأن هؤلاء لم يفهموا ما اطلعوا عليه من ثقافات غريبة على الثقافة الإسلامية إلا من خلال هذه الثقافة. وهذا ما يجعل من نتاجهم الفلسفي والصوفي والكلامي والفقهي والأدبي الجمالي نتاجاً خاصاً بالحضارة العربية الإسلامية، صبغته بصبغتها الأساسية التي يحكمها وجود إله متعال ليس كمثله شيء.
يرى ابن سينا، من خلال الشكل التوضيحي أن الواحد الأحد واجب الوجود في ذاته الحق القيوم صدر عنه بالإرادة العالم ذو الوجود الممكن، فهو وجود حادث في مقابل القديم الحي القيوم كان قبل وجوده ممكن الوجود حتى أصبح موجوداً بالفعل بفضل الإرادة الإلهية. لقد ابتدأ الوجود الممكن، من الأشرف فالأشرف حتى انتهى إلى الهيولى، ثم عاد من الأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف([38]). فقد انتقل الوجود في مراحل من واجب الوجود إلى كرة السماء الأولى فالكواكب فالقمر، فهو انتقال من مرتبة الأجسام النوعية البسيطة من الفلك الأعلى إلى الأرض ليصل بعدها مرتبة الصور الأولى الحادثة بعد التركيب: الصورة والمادة اللتين تتدخلان في تناسب العناصر الأربعة فيما بينها، ليتولد عنها مرتبة ثالثة هي مرتبة النفوس النباتية فالحيوانية، وبعدها مرتبة العقل المستفاد المشتمل على صور جميع الموجودات لاتصاله بالعقل الأول من طريق العقول الأخرى وصولاً إلى الذات الإلهية واجبة الوجود. وبذلك تكتمل الدورة الوجودية التي بدأت من هذه الذات وعادت إليها في مراحل متعددة بدأت من الأشرف فالأشرف ثم عادت من الأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف([39]). فالمبدأ الأول مؤثر في جميع الموجودات على الإطلاق، وإحاطة علمه بها سبب وجودها، فالواجب يؤثر في العقول، والعقول تؤثر في النفوس، والنفوس تؤثر في الأجرام السماوية التي تقابلها العقول، ثم الأجرام السماوية تؤثر في العالم الذي تحت فلك القمر، والعقل المختص بفلك القمر يفيض بالنور، والإنسان يهتدي بهذا النور في ظلمات طلب المعقولات، وهكذا يتشابه العالم الكبير بالعالم الصغير ولولا ذلك التماثل لما عُرِف الباري سبحانه وتعالى([40]).
ومكان الإنسان في هذا الترتيب الوجودي هو ماعبر عنه التوحيدي عندما رأى أن الإنسان في الوسط لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة وإلى ما سفل عنه بالمشاكلة. فالإنسان هو في نهاية الأخس وفي بداية الأشرف، ينتمي إلى الأخس من جهة العناصر الأربعة التي تشكل وجوده الطيني، وهو وجود متأثر بالكواكب من جهة تأثيرها في الصورة والمادة المكونة للعناصر الأربعة، على الرغم من أنه في قمة هذا الوجود، وينتمي إلى الأشرف من جهة نفسه المتصلة بالنفوس الإنسانية المتصلة بالعقل المستفاد سمواً إلى العقول الباقية وانتهاء بالواحد الأحد واجب الوجود الذي يستمد منه، من طريق الصدور والفيض، سموه ورفعته، ويطلب العودة إليه من خلال العشق والمحبة، كما يستمد من عالم الكون والفساد والكثرة كل ما يشده إلى أصله الترابي المتجسد في القوى الحيوانية والنباتية التي لها كمالها الذي تسعى إليه، كما أن للنفوس الإنسانية كمالها الخاص بها، فالإنسان مشدود إلى كمال عرضه من جهة الجسد وفي ذلك فناؤه، ومدفوع إلى كمال جوهره الإلهي من جهة العقل وفي ذلك بقاؤه الأزلي. فالنفس الناطقة عند الإنسان مجردة عن المادة مرتبطة بوجودها الأولي، وهي خالدة بعد الموت والجسد ليس إلا آلة لها، وموته لا يضرها، وهي متصلة بالعقل الفعال، فهي تعقل ذاتها بذاتها لا بآلتها، وكمالاتها ذاتية باقية فلا يعرض لها كلال أو فتور وإن عرض ذلك للجسد([41]).
والنفوس الإنسانية على الفطرة وتطلب الكمال دائماً، فهو فيها كامن بالمناسبة، وهي عاشقة مشتاقة معاً، تعشق الكمال الأول الذي صدر كمالها عنه، وكمالها هذا يذكرها بالكمال الأول، وهي مدعوة بالفطرة إلى كمالها والبحث عنه لأن بقاءها فيه([42]). ولا تختلف النفوس الإنسانية في ذلك عن باقي الموجودات، فلكل موجود كمال خاص به بحسب مرتبته من الوجود، وعشق إرادي أو طبيعي لذلك الكمال([43]). والكمال في النفوس هو تصورها الكمال الذاتي الخاص بها من جهة المبدأ الأول الفائضة آثاره على المستعدين من خلقه لتلقي هذا الفيض بحسب قدرتهم على استخدام العقل والرقي فيه ليصبح قادراً على تلقي ذلك الفيض. وذلك إنما يكون من خلال الرياضات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فتنصرف عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي. وأفضل تلك الرياضات في رأي ابن سينا إنما هي العبادة التي تجعل البدن بكليته تابعاً للنفس، فإن كانت النفس متوجهة "إلى جناب الحق بالفكر صار الإنسان بكليته مقبلاً على الحق، وإلا صارت العبادة سبباً للشقاوة كما قال عز وجل "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون"([44]).
وتقود الرياضات الإنسان إلى اطلاع نور الحق عليه، ثم يتوغل في ذلك "فيصبح الاتصال بالقدس ملكة، ويحصل عندها في غير حالة الارتياض الذي كان يعد لحصوله من قبل، فيكاد يرى الحق في كل شيء"([45])، ثم يتعود الإنسان على ذلك فيصبح الأمر مألوفاً لديه ثم إنه ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي، وعندها يتحقق الحديث القدسي".. ما تقرب إلي عبدي.." ويصبح الحق حينئذ بصر الإنسان وسمعه وقدرته وعلمه وجوده، ويصير متخلقاً بأخلاق الله تعالى على الحقيقة، فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى الله ينتهي بالفناء في التوحيد([46]).
والإنسان في صعوده نحو الأعلى، إنما يسلك طريق العشق، إلا أنه لا يتمكن من التوحد بالذات الإلهية، والفناء فيها، إلا بفضل من الله تعالى، فالإنسان ما يزال يتقرب إلى الله حتى يحبه، فالمحبة الإلهية بداية كشف الحجب عن الإنسان، فيصبح كما وصفنا.
ويضع ابن سينا رسالة خاصة بالعشق، يتكلم فيها على طبيعة العشق، ومراتبه وكيفية تحققه، فكل موجود لا يخلو من كمال خاص به، وهو غير مكتف بذاته لأن كمالات الموجودات مستفاضة عن الكامل بالذات، ولا بد من عشق هذا الكمال سعياً إلى الوصول إليه، والعشق منبث من الكامل بالذات في الموجودات لتكون نازعة إلى الكمال مستحقة له، وهو انبثاث غير مفارق البتة([47]). والله عز وجل الموجود المقدس عن الوقوع تحت التدبير هو الغاية في المعشوقية، وهو غاية الهويات كلها التي لا تخلو عن العشق إذ به تعود إلى حيث صدرت.
والخير المطلق والمعشوق الغاية يتجلى لعاشقه، إلا أن قبول العاشق لتجليه واتصاله به على التفاوت. وغاية القربى من الخير المطلق هو قبول الإنسان لتجليه على الحقيقة وعلى أكمل ما في الإمكان "وهو المعنى الذي يسميه الصوفية بالاتحاد"([48]).
لقد خلق الله تعالى الحيوان من بعد النبات والمعادن والأركان، ومن بعد الأفلاك والكواكب والنفوس المجردة والعقول الكاملة بذاتها، ولما فرغ من الإبداع والخلق "أراد أن ينتهي الخلق على أكمل نوع كما ابتدأ على أكمل جنس، فميز من بين المخلوقات الإنسان ليكون الابتداء بالعقل والختم بالعاقل، وبدأ بأشرف الجواهر وهو العقل، وختم على أشرف الموجودات وهو العاقل، ففائدة الخلق هو الإنسان لا غير. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الإنسان هو العالم الأصغر، فكما أن الموجودات ترتب في عالمه فالإنسان يرتب في شرفه وفعله"([49]) ولكن الإنسان متصل بالكون من جهة العناصر الأربعة ويشترك مع النبات والحيوان في صفات تليق بعرضه، ومن هنا كان الإنسان مركباً من أشياء متفاوتة وأمزجة مختلفة. فقد اجتمع فيه الحيواني المتمثل بقوتي الغضب والشهوة لموافقة الملائم ومخالفة ما ليس كذلك، إلى جانب النفس الإنسانية الناطقة. فالإنسان بهذه الأشياء من جملة العالم، وبكل قواه يشارك صنفاً من الموجودات؛" بالحيواني يشارك الحيوانات وبالطبعي يشارك النبات، وبالإنساني يوافق الملائكة، ولكل واحدة من هذه القوى أمر خاص وفعل لازم، فمتى غلب واحد على الآخر يجرُّ الإنسان بذلك الواحد الغالب، ويتصل بسببه، بحسب إدراكه، إلى جنسه. ولكل فعل أمر خاص وثواب خاص وفائدة خاصة، ففعل الطبعي هو الأكل والشرب وإصلاح أعضاء البدن وتنقية البدن من الفضول فحسب، فليس له في أمر غيره منازعة ولا مخاصمة، وفائدة فعله هو النظام في البدن والاستواء في الأعضاء والقوة في الجسم، فإن دسومة اللحم وقوة الجسم وضخم الأعضاء نظام البدن، ويتحصل بالأكل والشرب، وثوابه لا يتوقع في العالم ********، ولا ينتظر في القيامة، لأنه غير مبعوث بعد الموت، ومثله كمثل البهائم، إذا مات اندرس وفني فلا يبعث أبداً. وأما فعل الحيواني فهو الحركة والخيال والحفظ لجميع البدن بحسن تدبيره، وأمره اللازم وفعله الخاص الشهوة والغضب فحسب، والغضب شعبة من الشهوة لأنه طلب القمع والقهر والتغلب والتظلم، وهذه فنون الرياسة، والرياسة ثمرة الشهوة. والفعل الخاص بالحيواني في الأصل هو الشهوة، وفي الفرع هو الغضب، وفائدته حفظ البدن بالقوة الغضبية، وإبقاء النوع بالقوة الشهوانية، فإن النوع يبقى دائماً بالتوالد، والتوالد ينتظم بقوة الشهوة، والبدن يبقى محروساً من الآفات بالحفظ، وهو التغلب على الأعداء، وسد باب الضرر، ومنع إضرار الظلم، وهذه المعاني تنحصر في القوة الغضبية، وثوابه حصول آماله في العالم الأدنى([50])، ولا ينتظر بعد الموت لأنه يموت بموت البدن، فليس له استعداد الخطاب، ومن ليس له استعداد الخطاب فليس له انتظار الثواب، فمن عدم فيضه فلا يبعث بعد الموت وإذا مات مات وسعادته قد فاتت.
وأما فعل النفس الإنسانية الناطقة فأشرف الأفعال لأنها أشرف الأرواح، ففعلها هو التأمل في النصائع والتفكر في البدائع، فوجهه إلى العالم الأعلى، فلا يحب المنزل الأسفل والموقع الأرذل، فإنه، في الحفظ للعليا والجواهر الأولى، ليس من شأنه الأكل والشرب ولا من لوازمه القبل والجماع، بل فعله انتظار كشف الحقائق والرؤية بحدسه التام وذهنه الصافي في إدراك معاني الدقائق، فيطالع بعين البصيرة لوح السريرة، وينافر بجهد الحيل علل الأمل، فتميز عن الأرواح بالنطق الكامل والفكر البالغ الشامل. همته في جميع عمره تصفية المحسوسات وإدراك المعقولات، خصها الله تعالى بقوة ما نال أحد من سائر الأرواح مثلها وهي النطق، وإن النطق لسان الملائكة، ليس لهم قول ولا لفظ بل النطق لهم خاص، وهو إدراك بلا حس وتفهيم بلا قول، فانتظم نسبة الإنسان إلى الملكوت بالنطق والقول بنفسه، فمن لا يعرفُ النطقَ يعجزُ عن بيان الحقّ"([51]). وأما الفعلُ الخاصُ للنفسِ الإنسانيةِ فهو العلمُ والإدراك، وفائدته معرفةُ الله بالفكرِ، فيشتاقُ إليه ويسعى باتجاهه، وهو فعلٌ له ثوابٌ كثيرٌ، "فإنّ للنفس الإنسانية ثواباً لأنه يبقى بعد فناء البدن، ولا يبلى بطول الزمن، له بعثٌ بعد الموتِ، وأعني بالموت مفارقته عن الجسم، وبالبعث مواصلته بتلك الجواهر ********ة، وثوابه وسعادتُه بعثه، ويكون ثوابه بحسب فعله"([52])، فمن غلبت قواه الحيوانية والطبعية قوته النطقية شقي يوم البعث، وهو عاشقٌ للبدن وهو لذلك في زمرة البهائم، ومن غلبتْ قواه النطقية تجرد عن الاشتغال بالبدن وعلائقه، وأقبلَ بعشقه نحو ربّه، حتى إذا انفصل عن الجسم فارق الدنيا ليشاهد ربّه ويجاور حضرتّه ويلتذ بمجاورة جنسه وهمْ سكانُ الملكوت وعوالمُ الجبروت([53]).
4-2-3-ابن عربي ( - 638)

لا يبتعد مفهوم الإنسان عند ابن عربي كثيراً عن مفهومه عند ابن سينا أو عند التوحيدي. فابن عربي يضع الإنسان كسابقيه في قمة هرم الوجود الكياني. ويقتربُ ابن عربي جداً من ابن سينا، بل لعله استفاد منه فكرته التي يرى فيها أن الوجود له شكل الدائرة، "فكان ابتداءُ الدائرة وجودُ العقل الأول الذي ورد في الخبر أنه أولُ ما خلق الله العقل، فهو أول الأجناس، وانتهى الخلق إلى الجنس الإنساني، فكملتْ الدائرةُ واتصل الإنسانُ بالعقل الأول، كما يتصلُ آخرُ الدائرة بأوّلها. فكانتْ دائرةٌ، وما بين طرفي الدائرة جميعُ ما خلقَ الله من أجناس العالم بين العقل الأول الذي هو القلم أيضاً وبين الإنسان الذي هو الموجود الآخر"([54])، فالوجود الإنساني بحسب ابن عربي هو كمالُ الخلق، به كملت الدائرة، وبكمال الدائرة كمال الإنسان، إذْ بهذا الكمال اتصل الإنسان آخرُ المخلوقات بالعقل الأول أول المخلوقات فكان أفضلها وأكملها، وكانت بذلك مسخرةً وتابعةً في وجودها له، وُجدَتْ لوجوده، وتزولُ بزواله، فهو عمادُ هذا الوجود، يُمسكُه الله أن يزول بسببه، فإذا فنيتْ صورةُ الإنسان، ولم يبق منها على وجه الأرض أحدٌ زالت، لأن العماد زال وهو الإنسان([55])، ولما انتقلتْ العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها وخربتْ الدنيا بانتقاله عنها علمنا أنّ الإنسانَ هو الجوهرُ الذي من أجله خَلَق الله العالم، وأنه بذلك خليفته حقاً، "وأنه محل ظهور الأسماء الإلهية، وهو الجامع لحقائق العالم كله من مَلَك وفلكٍ وروحٍ وجسمٍ وطبيعةٍ وجماد ونبات وحيوان، إلى ما خُصّ به من علم الأسماء الإلهية مع صِغَرِ حجمه وجَرْمه"([56]).
الإنسان مركزُ الكون وعلته وعماده، فهو خليفةُ الله، استخلفه في ملكه بعد أن شاء من حيث أسماؤه أن يرى أعيانها في كونٍ جامعٍ فقد كان الله كنزاً مخفياً فأحب أن يعرف، فخلق الخلق وبه عرفوه. ولما شاء الله أن يخلق الإنسان، خلق له الكون، ليجعله خليفته فيه، فيرى فيه عينه التي وضعها فيه بالنفخة الإلهية. فكان العالم لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة، فكان لا بد من جلاء مرآة العالم، فكان آدم عينَ جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة. ولمّا كان الإنسانُ مجلى الله عزّ وجلّ، اقتضاه لذاته، كان الإنسانُ واجبَ الوجود بالله، فهو في جوهره من النفخة الإلهية واجبة الوجودِ، وبذلك فهو واجبُ الوجود به، مُحدَثٌ من حيث النشأةُ العنصرية، وهو كاملٌ من حيث الجوهرُ، مفتقر إلى مُحْدِثِهِ الذي أحدثه من جهة نشأته العنصرية. فقد ظهر الإنسانُ وكان وجودهُ اقتضاءً اقتضاهُ الحقُ لذاتهِ، فاقتضى بذلك أن يكون الإنسانُ على صورة من اقتضاه لذاته، فيما يُنْسَبُ إليه من كل شيءٍ وفعلٍ واسمٍ وصفة، ما خلا الوجوبُ الذاتي الذي لم يصح للإنسان، لأن وجوده واجبٌ بالله، وليس بذاته، واختص الله بالوجود الواجب الذاتي. فالإنسانُ الكامل من حيث جوهره إنما ينظر بنور الله، فهو عينه ويده([57])، فما صحّت الخلافة إلا للإنسان الكامل، إذ كانت صورتُه الظاهرةُ من حقائق العالم وصوره، وصورته الباطنةُ على صورة الله تعالى، ولذلك قال فيه "كنتُ سمعَه وبصرَه" ولم يقل كنتُ عينَه وأذنُه، ففرّق بين الصورتين([58]).
لقد خلق الله الإنسان في النشأة الأولى من طينٍ، ثم سوّاه وعدله ونفخ فيه من روحه المضاف إليه، فحدث، عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه، أنْ ظهرت أركانُ الأخلاط الأربعةِ التي هي الصفراءُ والسوداءُ والبلغمُ والدمُ، ثم أعطاه الله ما في الحيوان من قوى طبيعية كقوةِ الهضم، كل ذلك بما هو حيوان لا بما هو إنسان. ثم خصه بالقوة المصورة والمفكرة والعاقلة، فتميز من الحيوان، وجعل هذه القوى آلات للنفس الناطقة، وبذلك أصبح المخلوقُ إنساناً، ما سمّى الله نفسه باسم من الأسماء " وإلا وجعلَ للإنسانِ من التّخلّقِ بذلك الاسم حظاً منه، يظهرُ به في العالم على قدر ما يليق به"([59]).
واقتضى الأمر الإلهي أن يعود الإنسان إلى الجهة التي صدر منها، وهي فيه بالقوة ولا يمكن تحقيقها بالفعل إلا بأداة مناسبة وهي العقل من حيث أصله المتصل بالعقل الأول في اكتمال الدائرة. فقد كلف الله ذلك العقل بمعرفته سبحانه، ليرجع الإنسان به إليه لا إلى غيره. ولكنّ العقل فهم غير ما كلّفه الله به، وغفل عن الحق في مراده بالتفكير، ذلك أن الله أمره أن يتفكر، "فيرى أن علمه بالله لا سبيل إليه إلا بتعريف الله، فيكشف له عن الأمرِ على ما هو عليه، فلم يفهم كلّ عقلٍ هذا الفهم إلا عقول خاصة الله من أنبيائه وأوليائه. يا ليت شعري هل بأفكارهم قالوا بلى حين أشهدهم على أنفسهم في قبضة الذرية من ظهر آدم؟ لا والله، بل عناية إشهاده إياهم ذلك، عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم، ولما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة الله لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة الله"([60]).
وإن كانت عودة الإنسان مرتبطة بالعقل فإنه ارتباطٌ سببي لا ارتباطٌ ضروري، ذلك لأن معرفة الإنسان ربه مرتبطة بالفيض الإلهي الذي يصل الإنسان من خلال العقل الأول فيكشف الحجب عنه، فيعرفَ ربه بفضله لا بفضل عقله، وإنما العقل طريقٌ يسلكه صاحبه نحو باب يقرعه يؤدي به إلى الله، ولكن الذي يفتح الباب إنما هو الله تعالى بفضل الحب الذي يفيض به على العبد فيصبح هو هو، فلا حب يتعلق به الإنسان بالله وإنما هو حب إلـه يتعلق بالإنسان لأنّ الإنسان معدومٌ محدثٌ واجبٌ بغيره، فالإنسان محبوبٌ لله أبداً، وما دام الحب لا يتصوّر معه وجود المخلوق الممكن، لأن المخلوق الممكن لا يوجدُ أبداً بغير الذات الإلهية، فقد اقتضى الحالُ أن يكون المخلوق وهو الإنسانُ مظهراً للحق، فما ثمّ "ظاهرٌ إلا هُوْ في عين المُمْكِنِ فما أحبّ اللهَ إلا اللهُ، والعبدُ لا يتصفُ بالحب إذ لا حكمَ له فيه، فإنّه ما أحبَه منه سواه الظاهرُ فيه"([61]). وبذلك الحب الذي يعيدُ الإنسان إلى خالقه ومصدره الذي صدر عنه تكتمل دائرةُ الوجود الذي بدأ بالمحبة عندما أحبّ الله أن يُعرفَ فخلق الخلقَ.
لقد خلق الله العقل أولاً، ومن ثمّ خلق العاقل ليكون مجلى للعقل، وليعود به إليه، وخلق الخلق بالمحبة، وبالمحبة مكّنَهُ من العودة إليه، فكانت بدايةُ الدائرة ونهايتها في بدايتها، فكان الإنسان العالم الأصغر روحُ العالم الأكبر وعلته وسببه حقيراً من طريق الحدوث، متألّهاً من جهة الوجوب، لأنه خليفة الله في العالم، والعالم مسخرٌ له مألوه، كما أنّ الإنسان مألوه لله تعالى([62]).
ذلك هو مفهوم الإنسان في الخلق الأول وفي جوهر الإنسان المرتبط بوظيفته الكونية القائمة على الاستخلاف. وقد تبين ذلك من تقديمه على الملائكة ذاتها، فقد كرّم الله خليفته بأن خلقه من تراب بيديه، ثم سواه، وعدله، ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وقال للملائكة أنبئوني بأسماء هؤلاء، يعني الصور التي تجلى فيها الحق، إن كنتم صادقين في قولكم نسبح بحمدك، فهل سبحتموني بتلك الأسماء التي تقتضيها تلك التجليات التي أتجلاها لعبادي. فجاء ردُ الملائكة بالتسليم في قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، فنسبوا العلم إليه لا إلى أنفسهم، وأقروا بأن الله اعطى خليفته ما لم يعطهم، مما يعني أن الحكمة الإلهية شاءت أن يكون له هذا العلم الذي خصته به من جهة أنه خليفةٌ، له حكم المستخِلف([63]) فما سمّى الله نفسه باسم من الأسماء "إلاّ وجعل للإنسان من التخلق بذلك الاسم حظاً منه، يظهر به في العالم على قدر ما يليق به"([64]).
وأنبأ آدمُ الملائكة بأسماء تلك التجليات، فسلّم الملائكةُ بأنّ لا علمَ لهم إلا ما علمهم الله فأمرهم الله بالسجود لآدم سجودَ المتعلمين للمُعَلّم، فهو في الحقيقة سجود لله عزّ وجل الذي خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلّها مما جهلته الملائكة، فنال التقدمة عليهم بذلك.
من خلال هذا الخلق أصبح الإنسانُ جامعاً لحقائق العالم من جهة تكوينه الترابي، ولحقائق الصورة الإلهية من جهة النفخة والتعليم، فله بذلك نسبة إلى العالم الأقدس إذ عنه ظهر، وله نسبةٌ إلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته، فهو يحب كل ما تحبه تلك العناصر([65]).
بدأ الإنسان نشأةً عنصريةً بالتكوين الترابي، فهو بذلك ينتمي إلى الوجود الممكنِ، إلا أنه في أصل الخلق كان أسبق من جهة كونه إنساناً بالنفخة الإلهية الأزلية واجبة الوجود، فكان من هذه الجهة أزلياً ينتمي إلى الوجود الواجب.
فالإنسان مُحْدَثٌ من جهةٍ، واجبٌ أزليٌ من جهة ثانية. وكل مُحدَث مفتقرٌ إلى مُحِدثٍ، فوجودُه من غيره، وهو مرتبطٌ به ارتباط افتقار. ومحِدثُه واجبٌ الوجود غنيٌ بذاته في وجوده غيرُ مفتقرٍ، وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث، فانتسب إليه.
والكمالُ الذي يحققه الإنسانُ في الدنيا بفضلِ العقل والمعرفة والفيض الإلهي هو عينُ الكمال الذي يكون فيه يوم القيامة، ذلك أن مراتبَ الناس في العلم بالله في الدنيا متفاوتةٌ مختلفةٌ بحسبِ جهدهم وعمَلِهم، وهي نفسها عينُ مراتبهم في قربهم من اللهِ يومَ القيامةِ([66])، فكمالُ الإنسان إنما يحصلُه في الدنيا، وأما كمالُه في الآخرة فهو عينُ مكانه ودرجته التي نالها في الدنيا، إذ إن الإنسانَ إذا ما ماتَ وانتقل إلى الدار الآخرة انقطع عمله، ولم يعد قادراً على تغيير المكانة التي سعى إليها بعمله، وحصّلها من جهة عقله([67]).
5- خاتمة

إن مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي من خلال النماذج المدروسة لا يشكل المفهوم النهائي والكامل، ولا بد في رأينا من دراسات أخرى في المنحى نفسه، تهتم بنماذج أخرى من المفكرين العرب المسلمين. فالإنسانية هي نموذج من الكمال الإنساني، يشكل نظاماً أخلاقياً عند الأخلاقيين والفلاسفة والأدباء، ونظاماً جمالياً عند الفنانين والشعراء، ونظاماً اجتماعياً عند القضاة والفقهاء. وهذا ما يجعل من دراسة مفهوم الإنسان أمراً شاقاً وصعباً، يحتاج إلى عمل ضخم. إلا أن تقرير ذلك لا يجب أن يصبح عائقاً أمام الدراسات أو الجهود التي يقوم بها أفراد وبخاصة أن هذه الدراسات ضرورية جداً للمجتمعات الإنسانية، لأنها تساعدها على رسم معالم وجودها الفردي والجماعي، وتبين لها هدفها في الحياة. فالنتائج التي يتوصل إليها الباحث في هذه الدراسات ليست نتيجة حدس فردي، أو رؤيا ذاتية، وإنما هي أسس نظام عام يساعدنا على أن نكون أكثر انسجاماً في إعادة بناء وجودنا، وتصور أنفسنا، ومعرفة نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا، ويجعلنا أكثر إنسانية. وقد قدّم كلّ من التوحيدي وابن سينا وابن عربي الأنموذج الإنساني، وعدوه أداة للتربية الاجتماعية العقدية، فالإنسان لدى هؤلاء فاضلٌ بالجوهر، ولكنه بالعرض سيِّئ يولدُ حيواناً، والمجتمع يربيه ويعلمه، ويثقفه ليخرجَ الجوهرُ فيه من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، فيصبح إنساناً فاضلاً على الحقيقة. ولذلك فهم جميعاً يحرصون على الوسط الذي ينشأ فيه الإنسان ويجعله إنساناً. ويقصدون بالوسط الوسط الثقافي وليس الطبيعي، فالإنسان كائنٌ معرفي، ووجوده إنما يكون على الحقيقة بمستوى ما يملكه من معرفة تمكنه من اكتشاف الجوهر الفاضل فيه وإخراجه إلى حيز الوجود بالفعل، إلا أن هذا لا يعني إطلاقاً أن التربية يجب أن تسير بعكس اتجاه الطبيعة في الإنسان، وعلى العكس من ذلك فإن التربية الثقافية ترادف التربية الطبيعية وتنمي فيها سمو العرض الترابي، لأنه كان قبل أن يكون في العلم الإلهي، ولأنه سُوّي وعُدّل بيد الرحمن. والغرض الأسمى هو إقامة التوازن بين الوجودين: العرض والجوهر، لأن كلاً منهما إنما يتم وجودُه على الحقيقة بالآخر، فالعرض حاملٌ للجوهر لا يظهرُ إلا من خلاله، كما أن الجوهر يؤثرُ إيجاباً بالعرض فيجعله شفافاً سامياً بتنقيته من شوائب التراب وعلائق المادة.
لقد حقق القديسُ أوغسطين توفيقاً بين الثقافة الملحدة والتراثين المسيحي واليهودي، وبذلك أعطى الإنسانَ قيمةً إلهية، إلا أن الفكر المسيحيّ لم يستطع أن يتخلص نهائياً من آثار تلك الثقافة، فظلت العلاقةُ بين الإنسان والإله فيه تمر عبر إنسان آخر هو المسيحُ أو ممثلوه من رجال الكهنوت الذين كانوا يبيعون صكوك الغفران في العصور الوسطى. وقد استطاع الفكرُ العربي الإسلامي ردم هذه الهوة بين الإنسان والله. فلا واسطة بين الطرفين. والله هو مقياس كل شيء، وهو المحرك الأولٌ والمبدعُ الأول للحقائق والقيم الأبدية، وثمة توافقٌ بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية باعتبار أن الإنسان مخلوقٌ على الصورة، ولكنّ هذه الإرادة لا تملك إمكانية أن تخلق لنفسها حريتها الخاصة بها والمفاهيم والقيمَ التي تريدها، وعندما تخرج هذه الإرادة عن الإرادة الإلهيةِ فستقعُ في الخطأ والضلال. فالفكرُ العربيُ الإسلاميُ يوحّد بذلك بين الإرادة الإنسانية والإرادة الإلهية، ويُقرّ بأن حرية الإنسان من خلال هذا المنطق تعني عبوديته المطلقة لله التي بقدر تحقيقها يكونُ الإنسانُ حراً على الحقيقة، ذلك لأن الحريةَ الحقة هي التحررُ من عبوديةِ الجسدِ والمادةِ والمالِ والسلطةِ. وبذلك يحققُ الإنسانُ مفهومَ استخلافهِ في الأرض على الحقيقة، فيصبح إنساناً إلهياً.
يقول المستشرق ريجيس بلاشير في الموسوعة الفرنسية Encyclopeadia Universalis في مادة Humanisme: إنه إذا كان من الممكن الكلامُ على إنسيةٍ إسلاميةٍ فإن الفضل في ذلك يعودُ إلى القرآن والقرآن وحده كواقعٍ تاريخي وُجدَ في التاريخ العربي الإسلامي. ولعل بلاشير في هذه الكلمة يلخص رأينا في أن كلّ ما وجدناه، سواء أكان في هذه الدراسة أو في قراءاتنا المختلفة للتراث العربي الإسلامي، من مفاهيم يمكن تصنيفها تحت مصطلح إنسيّة عربيةٍ إسلاميةٍ إنما يعود في أصوله الفكرية إلى القرآن الكريم. فعلى الرغم من تعدد المصادر الثقافية للفكر عند التوحيدي وابن سينا وابن عربي واختلافها بينهم فإن ما يجمعُ فكرَهم، ويوحد نتائجه وأهدافه هو أنهم جميعاً ينهلون من القرآن الكريم، ويعرضُون عليه ثقافاتهم، ويهذبونها بحسبه، ويصهرون فيه كل خبراتهم في ضوء تعاليمه السماوية. ولعل هذه الحقيقة تنطبق على كل النتاج الحضاري العربيّ الإسلامي. فقد كانَ القرآنُ الكريمُ مصدرَ كل ذلك النتاج ومرجعه ومقياسه
والإنسان عند هؤلاء مخلوقٌ إلهي، وهو خليفةُ الله في الأرض، وهو مقدس بالنفخة الإلهية، مكرّم عن باقي المخلوقات بالعقل، وهو مدعو إلى استخدام عقله لامتلاك المعرفة الفردية لتحقيق معنى استخلافه في الأرض على الحقيقة. وهذه كلها مفاهيم نجد أصولها في القرآن الكريم إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء لم يتأثروا بثقافات الأمم الأخرى ولا سيما الثقافة الإغريقية. فعلى سبيل المثال نجد أن فلسفة ابن سينا استفادت من مفاهيم إغريقية، فنظرية العقول العشرة التي يعرضها ابن سينا في توضيح نظرية المعرفة عنده هي نظرية إغريقية، أخذت شكلها النهائي عند الفارابي قبل أن يتبناها ابن سينا في نظامه الفلسفي، ولا ننسى أن أباه وأخاه كانا من الإسماعيلية التي استفادت كثيراً من ثقافات الأمم الأخرى في توضيح مفاهيمها الدينية. ولذلك فإن نظرية المعرفة التي يتأسس عليها مفهوم الإنسان لديه إنما تمثل المظهر المعرفي لنظرية العقول العشرة التي تؤسس وجود الكون في الوقت نفسه الذي تحدد فيه موقع الإنسان فيه. ويستخدم ابن سينا مفردات ومصطلحات تعود إلى الفلسفة الإغريقية ولكن دلالاتها لديه تختلف عنها في الفكر الإغريقي فالميتافيزياء عند ابن سينا هي ميتافيزياء الجواهر، والجوهر أو الماهية غير مشروط فهو حيادي، والوجود الحادث/ الممكن وجد بفضل وجود واجب قديم ولكن الوجود الحادث يصبح وجوداً واجباً لأنه وجد بفضل الوجود الواجب الواحد الأحد الذي لا يصدر عنه إلا واحد على الرغم من مظاهر التعدد.
وآخر العقول العشرة هو العقل الفعال، وهو ما يرى الفلاسفة العرب المسلمون من أتباع ابن سينا أنه الروح القدس الذي عبر عنه القرآن الكريم بجبريل ملك الوحي([68]). وقد ميز ابن سينا بعد الفارابي، على عكس توما الأكويني، بين العقل الفعّال والعقل الإنساني، ولم يجعله محاكياً للجوهر الإلهي كما عند الكسندر افروديس، أو كما عند أتباع القديس أوغسطين([69]). وقد جعل ابن سينا ذلك العقل موجوداً سامياً يرتبط به الإنسان مباشرة، ورأى أن كل فعل اتصال بين الروح الإنساني والعقل الفعّال إنما هو إشارة أو دليل على درجة النمو في الشخصية الإنسانية الصاعدة نحو الكمال.
إن ابن سينا واحد من مفكري العرب المسلمين الذين لم يبهروا بالثقافة الإغريقية، وإنما قاموا بانتقاء مالا يتعارض منها مع قواعد العقيدة الإسلامية المتجسدة في القرآن والسنة. وهو مثل هؤلاء أيضاً، ما كان يتكلم على مفهوم الإنسان المسلم وإنما كانت لديه نظرة شمولية "أنثروبولوجية" للوجود الإنساني عامة. ولعل هذا ما يسم الفكر العربي الإسلامي بسمة الإنسانية التي لم تقتصر كما رأينا على الفكر النظري الفلسفي وإنما كانت تقوم على منهج تربوي روحي اجتماعي، يهدف إلى إنقاذ الإنسان من ضياعه وضلاله.
لقد سعينا فيما عرضناه إلى النظر إلى الإنسان عند التوحيدي وابن سينا وابن عربي نظرة شاملة دون أن نحدد نظرتنا في جانب ضيق أو محدد لديهم، وفي اعتقادنا أن هذا ينسجم مع ما رأيناه عند هؤلاء من رغبة برؤية الإنسان رؤية شاملة وعامة.
ونعتقد أن ما توصلنا إليه من ملامح عامة لمفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي إنما يساعدنا في نهاية المطاف على تقديم تصوّر يساهم في بلورة الأزمة التي يعانيها العربي المعاصر، وتتلخص كما ذكرنا في بداية هذه الدراسة بأزمة الهُويّة. وفي اعتقادنا أن أية محاولة للنهوض من جديد بالإنسان العربي ومحاولة إنقاذه من الفوضى الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيش في خضمها، إنما تكون في التأكيد على هويّته، وفي إزالة الحجب التي فرضتها ثقافة التغريب عليه من مطلع القرن العشرين باسم "النهضة العربية".

خاتمة الكتاب

إن العلاقة بين السلطة السياسية ومفهوم الإنسان في أي حضارة من الحضارات علاقة جدلية، وهي عند العرب اليوم إشكالية أساسية تعاني أزمة حادة تنبثق عنها إشكاليات متعددة وأزمات مختلفة تتجسد كلها في النتائج التي يعانيها الإنسان العربي في أقطار الوطن العربي كلها.
إن غاية هذا الكتاب هي بإيجاز توضيح أن ما يعانيه الوطن العربي من أوضاع سيئة إنما يكمن في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فعلى الحاكم توفير الوسط المناسب الصالح الذي يتمكن فيه الإنسان من إعادة اكتشاف هويته المرتبطة بالثقافتين العالمة وغير العالمة، وتحرير مواهبه وقدراته الإبداعية ليتمكن الطرفان: الحاكم والمحكوم من مقاومة ماتتعرض له الأمة من أخطار وفتن تهدد وجود الأمة في جوهرها، ولا تفرق في ذلك بين طرف وآخر.
وتظل هذه الدراسة دعوة إلى بذل المزيد من الحوارات والدراسات حول واقع العرب المعاصر.وهي تؤكد في الوقت نفسه على ضرورة تعميق هذه الدراسات والاعتماد فيها على مناهج خاصة بالتراث العربي الإسلامي، وصالحة لواقع العرب المعاصرين. فالملاحظ أن معظم تلك الدراسات، على قلتها، إنما يتبنى مناهج غربية وأدوات معرفية غريبة عن الحضارة التي يتعامل معها.


¡r¡



المراجع

القرآن الكريم.
السنة النبوية: (صحيح البخاري صحيح مسلم مسند أحمد سنن الترمذي سنن الدارمي رياض الصالحين). قرص حاسوب موسوعة الحديث النبوي الشريف.
- ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، تح/ د. سهيل زكار، دمشق، 1988.
- ابن خلدون، المقدمة، طبعة كتاب الشعب، القاهرة، دون تاريخ.
- ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، تح / د. سليمان دنيا، القاهرة، 1957، 1958.
- ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس أبي علي الحسين ابن عبد الله بن سينا في أسرار الحكمة المشرقية، تح / ميكائيل بن يحيى المهرني، مطبعة بربل ليدن، 1889.
- ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، يدون تاريخ.
- ابن عربي، فصوص الحكم، تح / أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1946.
- ابن كثير، البداية والنهاية، المطبعة السلفية، القاهرة، 1351.
- الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، تح/ هلموت ريتر، فيسبادن، 1963.
- الباقلاني، القاضي، التمهيد، دار الفكر العربي، القاهرة، 1947.
- البغدادي، عبد القاهر، الفرق بين الفرق، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.
- البيهقي، ظهير الدين، تاريخ حكماء الإسلام، تح / محمد كرد علي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1988.
- التوحيدي، أبو حيان، الإشارات الإلهية، تح / د. وداد القاضي، دار الثقافة، بيروت،
1973.

- التوحيدي، أبو حيان، الإمتاع والمؤانسة، تح / أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار الحياة، بيروت، دون تاريخ.
- التوحيدي، أبو حيان، البصائر والذخائر، تح / د. وداد القاضي، دار صادر، بيروت، 1988.
- التوحيدي، أبو حيان، المقابسات، تح / د. محمد توفيق حسين، بغداد، 1970.
- الجرجاني، الشريف علي بن محمد، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1988.
- الخميني، الإمام، الحكومة الإسلامية، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، طهران، 1996.
- السهروردي، شهاب الدين عمر، عوارف المعارف، تح / د. عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار المعارف، 1983.
- الشريف المرتضى، الشافي في الإمامة، تح/ السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، طهران، 1986.
- الشكعة، د. مصطفى، سيف الدولة الحمداني، دار القلم، 1959.
- الصديق، حسين، المدخل إلى تاريخ الفكر العربي الإسلامي، مطبوعات جامعة حلب، حلب، 1992.
- الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1994.
- الغزالي، أبو حامد، معارج القدس في مدارج معرفة النفس، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1981.
- الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تح/ إبراهيم جزيني، بيروت، دون تاريخ.
- الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، تح/ د. سحبان خليفات، عمان، 1987.
- الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، تح/ د. جعفر آل ياسين، بيروت، ط2، 1983.
- القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك، تح/ أحمد محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1967.
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، مصر، ط3، 1958.
- أمين، أحمد، ضحى الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1964.
- أمين، أحمد، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1964.
- حسين، محمد محمد، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، مكتبة الآداب، مصر، 1968.
- حماش، د. نجدة، سياسة سيف الدولة الحمداني، الإدارية والمالية، مجلة عاديات حلب، 1998.
- حوراني، البرت، الفكر العربي في عصر النهضة، دار النهار للنشر، بيروت، 1986.
- غليون، برهان، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993.
- لابيار، جان وليم، السلطة السياسية، تر/ الياس حنا الياس، منشورات عويدات، بيروت، 1983.
- متز، آدم، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1967.
- مصطفى، شاكر، في التاريخ العباسي، مطبعة الجامعة السورية، دمشق، 1957.
- ناصر، إبراهيم، الأنثربولوجيا الثقافية، عمّان، الأردن، 1982.
r
المراجع الأجنبية

-ARKOUN, MOUHAMMED, (Essais sur la pensée, Islamique), Ed Maisonncuve et Larose, Paris 1973.
-Dictionnaire Critique de la Sociologie P.U.F PARIS. 1982. PL134.
-Encyclopacdia Universalis.
- GUENON. Rene, Autorite Spirituelle et Pouvoir Temporel. Les Edition Vega, Paris, 1976.
- ***ER. Max, le Savant et le Politique, Plon, Paris, 1986.

¡r¡



المحتوى


مقدمة7
المدخل13
القسم الأول : السلطة والمثقف إشكالية العلاقة وأصولها الإشكالية36
أولاً – أصول الإشكالية الثقافية – التاريخية – السياسية38
1 – الأوضاع السياسية38
2 – مفهوم الخلافة عند المسلمين. 42
2-1- مفهوم الخلافة عند الخوارج. 43
2-2- مفهوم الخلافة عند الشيعة44
2-3- مفهوم الخلافة عند أهل السنة والجماعة46
3 - العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية في الدولة الإسلامية47
ثانياً - إشكالية العلاقة بين السلطتين عند العرب المعاصرين. 57
ثالثاً – شاهدان من التاريخ. 65
1- العلاقة بين سيف الدولة والفارابي. 65
1-1- سيف الدولة وغلبة الخطاب البلاغي على الخطاب الفلسفي / العقلي. 65
1-2- مفهوم السلطة السياسية ووظيفتها عند الفارابي. 69
1-3- سيف الدولة السلطة والفارابي المثقف.. 73
1-4- خاتمــة76
2- العلاقة بين عضد الدولة البويهي وابن الباقلاني. 77
2-1- نص سياسي ثقافي. 77
2-2- دراسة النص... 80
القسم الثاني : مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي مشروع إعادة تقييم الهوية العربية83
مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي. 85
1 ـ الإشكالية86
2 ـ مصادر البحث. 90
3 ـ تمهيد91
4-العرض... 92
4-1-العقيدة الإسلامية92
4-2- الفكر العربي الإسلامي. 98
4-2-1-أبو حيان التوحيدي (-414 هـ)99
4-2-2-ابن سينا (-428هـ)102
4-2-3-ابن عربي (- 638هـ)110
5- خاتمة 110
خاتمة الكتاب. 114
المراجع119
المراجع الأجنبية120
المحتوى. 121



¾r¾



رقم الإيداع في مكتبة الأسد الوطنية

الانسان والسلطة : اشكالية العلاقة وأصولها الاشكالية / حسين الصديق دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001 117ص؛ 25سم.

1- 323.0956 ص د ي إ
2- 306.40956 ص د ي إ
3- العنوان 4- الصديق

ع- 338/2/‏2002‏ مكتبة الأسد

([1]) الدخان/ 38.

([2]) الذاريات/ 56.

([3]) البقرة/ 30.

([4]) ص/ 70.

([5]) البقرة/ 30-34.

([6]) يس/ 82.

([7]) النحل/ 40.

([8]) ص/ 75.

([9]) لقمان/ 20.

([10]) رياض الصالحين، باب المجاهدة، حديث رقم: 95.

([11]) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم: 4731.

([12]))صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر، حديث رقم: 131.

([13]) الغاشية/ 21.

([14]) الزمر/ 53.

([15]) فاطر/ 28.

([16]) صحيح البخاري، باب التواضع، حديث رقم 6021، وسنن الترمذي، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم 2609.

([17]) القصص/ 77.

([18]) انظر في هذه المفاهيم التعريفات للجرجاني في مواضعها.

([19]) الإسراء/ 85.

([20]) الغزالي، إحياء علوم الدين، 3/4. وانظر أيضاً ما يقوله الغزالي في معارج القدس في مدارح معرفة النفس، ص15، وما يكتبه السهروردي في عوارف المعارف، في باب معرفة الإنسان، ص287.

([21]) التوحيدي، المقابسات، ص/ 231.

([22]) التوحيدي، المقابسات، ص/376.

([23]) التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، 2/87.

([24]) التوحيدي، المقابسات، ص/298.

([25]) التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، 2/113، وانظر أيضاً الشكل في ترتيب الكائنات.

([26]) المصدر السابق، 2/211.

([27]) التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، 3/122.

([28]) المصدر السابق، 1/146.

([29]) المصدر السابق، 1/147.

([30]) المصدر السابق، 1/147.

([31]) التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، 3/135.

([32]) التوحيدي، الإشارات الإلهية، 1/162.

([33]) التوحيدي، البصائر والذخائر، 7/37.

(*) انظر الشكل في كتاب: Arkoun, Mouhammed, (Essais sur la pensee islamique), P/22..

([34]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 3/507.

([35]) المصدر السابق، 3/448.

([36]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 3/467-477.

([37]) البيهقي، تاريخ حكماء الإسلام، ص/53.

([38]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/671.

([39]) المصدر السابق، 4/672.

([40]) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، كتاب في معنى الزيارة، ص/45.

([41]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/674.

([42]) المصدر السابق، 4/776 و/785 و/786.

([43]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/788.

([44]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/824. والآية من سورة الماعون رقم 5 و6.

([45]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/824.

([46]) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/840.

([47]) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في العشق، ص/3.

([48]) المصدر السابق، ص/22.

([49]) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في ماهية الصلاة، ص/29.

([50]) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في ماهية الصلاة، ص/29.

([51]) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في ماهية الصلاة، ص/32-33

([52]) المصدر السابق، ص/34.

([53]) المصدر السابق، ص/41.

([54]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/125.

([55]) المصدر السابق، 1/125.

([56]) المصدر السابق.

([57]) ابن عربي، فصوص الحكم، 1/53.

([58]) المصدر السابق 1/55.

([59]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/124

([60]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/126.

([61]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 2/113.

([62]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/118.

([63]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 2/71

([64]) المصدر السابق.

([65]) المصدر السابق، 2/335

([66]) ابن عربي، فصوص الحكم، 1/113.

([67]) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/118

([68])Encyclopedia Uneversalis/مادة ابن سينا

([69]) المصدر السابق.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« دليـل العقول الحائرة في كشف المذاهب المعاصرة | معجم افتراءات الغرب على الإسلام »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:23 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68