تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

خط سير جديد في تدوين تاريخ الأدب العربي

خط سير جديد في تدوين تاريخ الأدب العربي* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11 / 3 / 1435 هــ 12 / 1 / 2014 م ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ {العلامة محمد بهجه الأثري} خط سير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-12-2014, 08:53 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة خط سير جديد في تدوين تاريخ الأدب العربي

خط سير جديد في تدوين تاريخ الأدب العربي*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

11 / 3 / 1435 هــ
12 / 1 / 2014 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{العلامة محمد بهجه الأثري}

خط سير جديد في تدوين تاريخ الأدب العربي

السيد الرئيس، السادة الزملاء الأجلاء:
كتاب الدعوة إلى مؤتمر مجمعِكم مجمع الخالدين، تضمَّن عبارة لطيفة تومئ ولا تصرِّح، وتشير ولا تحكم، في صورة جميلة من السلوكية الذوقية المهذَّبة، وأقول: "السلوكية"، ولا أقول: "الدبلوماسية"؛ أنفًا من استعمال الدَّخيل في لغة أغناها الله، وقد عوَّدَتْنا هذه "السلوكية المهذبة، التي طبع عليها مزاج السيد الزميل الكبير العليم[1]: "إبراهيم مدكور" وأدبُه - أن نفهم من إيماءاتها معاني الطلب، ومن إشاراتها دلالات الحكم، وما أَحَبَّ هذا وذاك إلى قلوبنا، ولا سيما إذا وضعنا في تقديرِنا أن من مقاصد هذا الحكم أو ذلك الطلب، الإحسان إلينا بدعوتِنا إلى واجب مقدَّس تفرضه علينا قوميَّتنا وديننا، وطبيعة وجودنا المستقل، فلا مندوحة لنا من أن نتلقى هذه الإيماءات المكسوة بمطارف الذوق الأنيق، بمعناها الضمني، فنمتثل ونسارع بدارًا إلى ما يريد، وإن كنَّا خليقينَ أن نبادر من ذات أنفسنا ودوافعنا الشعورية لأداء هذا الواجب القومي كما نؤدِّي فروض العبادة في أوقاتها من غيرِ أن ننتظر تجدُّد وحي السماء بها يومًا بعد يوم ووقتًا بعد وقت.

ولقد بادرت فاغتنمت الرغبة، وقدَّمت عنوان موضوعي كما ترونه في جدول الأعمال: "صور من المدركات اللُّغوية والأدب والنقد إبَّان عصر الولاة المماليك في بغداد"، والمفروض في هذه الصور - وقد تولَّدت في آخر المنحدر من العصور التركية التي سماها مؤرِّخو الأدب العربي المحدَثون "العصر المظلم"، وانبعثت في مصرٍ آضَ كَقَرْيَةٍ نامت على الخمول، وأوتْ إلى الضعف في أحضان تلك الأيام - أن تكون شبيهةً بزمنها هذا، كما تُخيِّله لنا أقلام هؤلاء المؤرِّخين المحدَثين، وطبعوا عليها طابعه، ووسَموها بما شاؤوا لها من مياسم التفاهة والركاكة والضعف.

ولكنَّ الواقع أن هذه الصورَ تمثِّل في جملتِها القوة التي اقترنت بها عصور القوة، ولا غرابة في هذا؛ ذلك أن روح الأمة العربية الذي لا يقهر، لم ينهزم أمام الغزو المغولي الذي دمَّر حضارة هذه الحاضرة العربية العظمى، وأعني (بغداد)، وأن هذا الروح القوي ما لبث أن استردَّ إيمانه بنفسه، ففرض قوته على الغالب حتى صيَّره مغلوبًا له، وجعل من الدول المتتابعة حرَّاسًا للغة القرآن يحمون حماها بحكم دخولهم في الإسلام.

وحين تأملت هذا المعنى - وأنا أستعرض هذا العصر في (العراق) وغيره من بقاع الوطن العربي والإسلامي، وأرى العربية، وهي عاملة ناصبة وماضية إلى غايتها - بدا لي أن هذه الصور لا بد لها من مقدِّمات تُفسِّر عوامل هذه القوة فيها، وتفنِّد مزاعم مؤرخي الأدب المحدثين فيما صوروا به عصرها.

ولما كان توضيح هذا من وراء الإمكان الآن، رأيت العدول عنه، وأنا في (القاهرة)، إلا أن أرسم خط سيرٍ جديدًا لتدوين تاريخ الأدب العربي، يعتمد هذا الروح، ويؤدي إلى تغيير كثير من معالم هذه الصور التي رسمت لأدبنا ولغتنا في تلك العصور التركية خاصة.

ويسرني إذ أعرض الرأي في هذه القضية الخطيرة، أن أجد من زملائي الأكرمين ما يستحقه من نقاش جاد كما عوَّدونا، يحملني على أحد ثلاثة أمور: الإبقاء، أو التعديل، أو الاطِّراح والترك.
••••

لما بدأ العرب التدوين في المائة الأولى للهجرة، جروا فيما دونوا من شيء مع الفطرة، بعيدين عن التكلف والتعمُّل والتعقيد، وعُنوا في كتابة أدبهم، بإثبات الرواية - وهي مصدره الأول الأصيل - في أمانة بالغة، تزمَّتوا فيها تزمتًا شديدًا؛ التزامًا للصدق، وتقديرًا لما في أعناقهم من هذه الأمانة، وما يجب عليهم من أدائها سالمةً إلى الأجيال، ذلك شأن تفرَّدوا به بين الأمم قاطبةً، ولم يروِ لنا التاريخ ضريبًا لهم فيه.

وتحت سلطان هذه النزعة، الأمينة الصادقة المتثبتة، على نفوسهم وأقلامهم، حرَّروا نصوص الروايات والآثار، معارضة وضبطًا وتفسيرًا، ثم حفَلوا بأخبار مَن صدرت عنهم هذه النصوص والآثار، من شعراء وأدباء، فدوَّنوها في إيجازٍ تارة وإطناب تارة، وتقصَّوا السِّيَر، وأحصَوا ما أنتج في كل فن من فنون الأدب، وكل لون من ألوان الثقافات، سالكين في ذلك مسالك مختلفة وإن تقاربت في الغايات، على ما هو مشاهد مُحَسٌّ فيما خلَّفوا من تراث زاخر عظيم على توالي العصور، ثم ما برح الخلف يتابع السلف على نهجه، والجيل يقفو أثر الجيل، ويتوفَّر على تدوين الآثار القيمة مما يجد من أدب وعلم، في أزمانه وأقاليمه، ما دنا منها وما بَعُد، على قدر ما يتسع له الذَّرْع، ويتوافر من مادة التأليف، وما فاتهم حين استبحروا في الحضارة والعمران، واتَّسعت معارفهم، أن يستجدُّوا الطريف الممتع الخصب من مذاهب النقد وطرائق الموازنة، فيلوِّنوا بها التأليف بألوان جديدة تكسبه القوة، وتخلع عليه غلائل الجِدة، ومطارف الحسن والرُّواء.

وهكذا كان تدوينهم نتاجَ الأفكار والعقول والضمائر، تدوينًا طبيعيًّا حرًّا، طليقًا من القيود الثِّقال، تسجيلاً ووصفًا وإحصاءً ونقدًا وموازنة، لم يخرُجوا به في معظم أحواله عن الفطرة والطبع، ولم يُفلسِفوه، ولم يربطوا تاريخَه بالأحداث، وإنما تركوا لمن شاء أن يفهم ممَّا يقع له من آثارِه ما يشاء، وأن يستنبط منها ما يستطيعه بالقدر الذي يسمو إليه إدراكه، أو تحاوله إرادتُه، فيقف عندما استنبط راضيًا به أو ساخطًا عليه، أو يتجاوزه فيستزيد منه، ويسعى وراءه في الآفاق القاصية من محيطاته وعُبُبه العميقة أبلغ العمق، والواسعة سعةً ينقلبُ عنها البصر خاسئًا وهو حسير، ذلك بأن امتداد تاريخهم، واختلاف تقلباته، وانبساط رقعة الأوطان التي انتشروا على أديمها ما بين المشرق والمغرب - قد تنوَّعت طبائعُها وأمزجتُها، وتبايَنَت فيها وجوهُ المؤثِّرات، ثم كثرة ما أنتجوا في الحقب الطوال من ولائد الأفكار، وتعدُّد صوره، وتنوُّع ألوانه، كل هذا وغير هذا، لم يأذَنْ بتدوين أدبهم على غير المنحى الذي ذكرت، وهو إذا أذِنَ به يستدعي طاقاتٍ قوية قوة خارقة، تُعين على تقصِّي آثاره، واستحضار مضامين هذه الآثار، وما اختلف منها وما تشابه، وتُنسِّقُ ذلك كله تنسيقًا علميًّا، وتدرسه دراسة جماعية، متأملة مستأنية، نقاشًا وتحقيقًا يخلصان بها إلى نتائج تصدق على هذا الأدب في جملته وتفصيله، ولم يتوافر شيء من هذا، ولا أحسبه سيتوافر بعد زمن طويل أيضًا، فليس حدوث مثله بالمطلب السهل الميسور، وهذا باب واسع ينفذ منه إلى آفاق بعيدة، وليس يعنيني منه ها هنا غير اللمحة الدالة مما يقال فيه.

ولما كان هذا العصر الحديث، وحدث الاتصال فيه بأوربة، وجدت آداب الفرنجة مدونةً ومؤرخةً بأسلوب مغاير لهذا الأسلوب العربي، وهو في جملته مُنطَّق بنِطاق التاريخ السياسي عندهم، وموصول به، ومقسوم إلى عصور متميزة، جعلت لكل عصر منها معالم من الأحداث الكبرى تفصل بينها، ووصل فيه أُفُق الفكر وإنتاجه بأُفُقِ السياسة والاجتماع والاقتصاد، قصدًا إلى تبيُّن المؤثرات في الآثار، وتعرُّف الظلال والألوان التي تتخالف فيها من عصر إلى عصر تبعًا لذلك.

ولقد ذهب بريقُ هذا المذهب في تدوين تاريخ الأدب بأبصار كتَّاب العرب المحدَثين منذ أوَّل الاتصال بأوربة، وبفرنسة خاصة، كما يكون الشأن عادةً عند الالتقاء بشيء جديد، فبادروا إلى اصطناعه قبل أن يفحصوه، ويتعمَّقوا في درسه، ويلاحظوا الفروق بين طبيعة أدب أمةٍ وأخرى، ويتدبروا القياس كما ينبغي أن يكون التدبر لقانون ما يراد تطبيقه، وجروا وراءه سراعًا مهطعين، ينقلون أقلامهم على آثار ما رسمه الأوربيون، فيما حاكَوهم به من كتابة موجَزات في تاريخ الأدب العربي، غالبها تعليمي، أو مفصلات غلبت عليها طبيعة الفهرسة، وقلَّت حظوظُها من التقصِّي والغوص إلى الأعماق، ولم يكتبوا فيه - في حقيقة الأمر - إلا بقدر ما يحسو العُصفور بمِنقاره من نُغَب من البحر المحيط، وقسَّموا الأدب العربي فيما كتبوا من ذلك وفاقًا لهذه الطريقة الأوربية إلى عصور تاريخية، أخضعوا جملةَ نتاج العقل العربي فيها لعوامل السياسة خاصة، ظانِّين - وظننت ظنَّهم في مطلع الشباب - أن هذا المذهبَ يصلُحُ أن يكون في جملتِه وتفصيله مذهبًا عامًّا، ويحسن تطبيقُه على الأدب العربي وتدوين تاريخه كما يدون التاريخ العام، تدوينًا يجسد أطواره من عصر إلى عصر، ويعطي من الأحكام الجامعة والنتائج المرضية معطيات قيِّمة تطابق الحقيقة والواقع من أمره!

ولا ريب عندي في أن هذا المذهب في حد نفسه - بقطع النظر عن إمكان الانتفاع بتطبيقه في كتابة تاريخنا الأدبي، بأبعاده وأغواره وأزمانه - هو مذهبٌ موفور الحظِّ من مَسحةِ التفكير والتنظيم، وعليه طابع الأصالة المنهجية التي تُحدِثُ في البحث أشياء من جمال التبويب والتنسيق، وتجمعُ النظائر والأشباه، وتوضِّح الأقدار المشتركة بينها توضيحًا ما، لا شك في غَنائه وجدواه عند إرادة إدراك علاقة الآثار بالمؤثرات، فيما يمكن حصره والسيطرة على أبعاده من شيء، وحين تتسنى الإحاطة التامة بوسائله، وتتيسر القدرة التي تستطيع الغوص والاستنباط والخَلق.

ثم هو مذهب توائم طبيعتُه طبيعةَ الآداب الأوربية عامةً، بوحداتِها المتعددة والصغيرة، وانفصال كل وحدة منها عن الأخرى انفصالاً سياسيًّا وتاريخيًّا، وانفصالاً لُغويًّا وأدبيًّا من حيث استقلال كل منها بلغتها الخاصة، وأدبها الخاص ضمن حدودها الضيقة، ونحو ذلك من أشياء يسهل معها تشخيص السمات وتبين المميزات.

ولكن هل كان الأدب العربي في مناشئِه وطبيعته كذلك؟ ومتى؟ وأنَّى؟ فنُخضع تدوين تاريخه العامِّ لهذا المذهب على هذا النحو بحيث نبلُغُ به النتائج الصحيحة التي تصدق عليه؟

جواب هذا التساؤل عندي، ولست أتعجل به من غير تدبر: "لا" مشحونةً بكل دلالة نفيها القاطع، متمثلاً في حرفَيْها المستعليين الشامخين!

فلا ريب أن الأدب العربي يتميَّز بخاصتينِ عظيمتين، بايَن بهما آدابَ هذه الوحدات الأوربية وغيرها أيضًا، فامتنع بهذه المباينة - فيما أرى - إخضاعه إخضاعًا تامًّا لما أخضعت له من قانون دونت به تواريخها الأدبية العامة.

أما إحداهما، فتلك هي ما انبسط لهذا الأدب من أوطانٍ ترامت ما بين بلاد "الغال" في الغرب وتخوم "الصين" في الشرق، وبين حواشي "البسفور" شمالاً، و"اليمن" وحضرموت جنوبًا، وما ظفر به من مشاركة عبقريات من مختلف الشعوب في بنائه، وما استوى بذلك لآفاقِه من أبعاد وأغوار، وما زخر فيه من آثار متنوعة، إذا استطاع الإحصاء لشيءٍ ما أن يحيط بأفراده حصرًا، فلن يبلغ من آثاره مدى يحصرها في حدوده، ويعطيها صورةً عامة صادقة.

وأما الأخرى، فتلك هي طبيعته الخاصة، ومناشئه وينابيعِه التي تشق مجاريها الدافقةُ طرقَها فيه إلى "لا نهايتها"، وترفده دائمًا بما يمنحُه استقلال الشخصية وحماية وجودها بالثبات بوجه الأعاصير، بل القدرة على التأثير في مجاري أحداث الحياة نفسها، فيفرض عليها سلطانه كما سنرى فيما يأتي من حديث.

ونحن إذا تدبَّرنا هذا كله بإزاء هذا الأسلوب الأوروبي في تدوين تاريخ الأدب مقسمًا إلى عصور سياسية، اتَّضحَت لنا صورة الصعوبة في تطبيقه على أدبنا، إن لم نقل بتعذُّر تطبيقه عليه، وبدت لنا هذه المعالم الفاصلة بين أدب عصر وآخر في ضعفها أشبهَ بالحدودِ والحواجز التي أقامتها دولُ الاستعمار في الوطن العربي، واتَّخذت منها "مناطق نفوذ" لها، تتحكَّم في مواردها ومصادرها ومصايرها على نحو ما تشاء! ولكن هذه الحدود والحواجز كانت أمام مور الأمة العربية أضعف من أن تثبت له أو تَحُول دون الأماني القومية أن تتلاقى على هَدْيٍ من أمرها العظيم.

كذلك كان شأن هذه التقاسيم السياسية في تحديد طبيعة الأدب العربي، فإنها حين فُرِضت عليه عجَزت - من هذا المنطلق المقيد - عن الوفاءِ بتمثيل الصور الصحيحة لأبعادِه وأغواره، في مختلف بيئاته وعهود تاريخه.

ونحن حين نمضي في ملاحظة الأحداث السياسية والاجتماعية على وجهِ الزمن كله، نجدها تجري أبدًا متلاحقةً ومتلازمة بالضرورة تلازمَ أجزاء الزمن الذي تحدُثُ فيه، كل حادث منها ينشأ وهو منفعل بأسباب وعلل تتقدمُه متَّصلة بحادثٍ سابق، فما يكون في يومِنا من حادث جديد، فلأحداثِ الأمس الدابر أثرٌ في حدوثه، وله بها اتصال وثيق مباشر، وإن بدا للنظرة القاصرة قائمًا بنفسه، وما يكون من أحداثٍ في غدٍ آتٍ إنما هو مرتبط بأحداث يومِنا كذلك، وهكذا الشأن كلُّه في أحداث الحياة، تدور في هذه الحلقة المفرغة دورانَ الأفلاك في مساراتها.

ثم نمضي في ملاحظة تولُّد الأفكار، فنجد الفكر الإنساني - أي فكر كان، ومتى، وأين، وكيف - لا ينبع من الأذهان ابتداءً، وإنما ينبع من أفكار تقدمتِه وولدته، وإن خرج أحيانًا مباينًا لها في الصورة والشكل، أو بدا منفصمًا عنها في النزعة والمعنى والغاية، وهو كما يكون مؤثرًا فيما يحدُثُ بعدَه من أفكار، يخضعُ لعوامل شتى سبق زمنُ وجودِها زمنَ ظهوره، ومنها تولد من بعدُ وتركَّب في صورة من الصور، وعلى هذا النحو تتلاحق أجزاء السلسلة الزمنية متماسكة، وتتلاحق كذلك الأفكار آخذًا بعضها برقاب بعض، وتتتابَعُ، ويتولَّد فكر من فكر، وتنتقل مؤثرات عصر سابق إلى عصر لاحق، فتظهر آثارها في حياته العامة وفي جملة أفكاره وآدابه، على هذا قام قانون الوجود، واطَّردت سُنَنه منذ أزله، وسيطَّرد على ذلك كذلك إلى أبده، فما ثَمَّ من شيء فيه إلا يولد من شيءٍ سابق له، ثم ينمو رويدًا حتى يبلغ نضجه في الوقت المقدر له، فيظهر فيه سويًّا يحسب الساذجُ حصادَه ابنَ يومِه، كما يتوهمه عند ظاهر عيانه، ولا يكاد يذكر أوائله ومناشئه في زمن سبق ونبت فيه من بِذاره.

ثم هذه الأحداث السياسية التي تحدث في زمن ما، إنما تُحدِث آثارَها الحقيقية في الحياة العامة، وفي المعاني الإنسانية خاصةً، بَلْهَ الصور والأشكال، في أناةٍ وبطء، فلا يظهر منها ما يظهر إلا بعد ريثٍ من الزمن يمضي على لقاحها، كما يكون من شأن المواليد.

وهي - بعد - أحداثٌ متغايرة تعتري الحياةَ، فتُحدِث لذلك آثارًا متغايرة تتشابك فيها المؤثرات، فيتعذر تبيُّن عناصر كل حدث منها على انفراده، وتعرُّف مدى عمله في خلق تلك الآثار.

وإذا كان الأمر كلُّه كذلك في جملة شأنه - ولست أحسَبُه يكون غير ذلك - فلا جرم يكون مؤدَّى هذه التقاسيم السياسية - حين نفرضُها على الأدب العربي - أننا نُدخِل بها عليه فسادًا - وأي فساد - ما في ذلك ريب؛ إذ نضيف إلى عصر لاحقٍ نتاجَ عصر سابق حمَل في نفسه كلَّ عوامله ومؤثراته وخصائصه، ونحن - إلى هذا - لا نملك الوسيلةَ إلى تحليل عناصر كل حدث نتخيل له تأثيرًا في الصور والمعاني، وإلى تشريحها لإدراك عملها في الآثار الأدبية، وتمثيلها في شكلٍ ما من الأشكال، يصف حكمًا عامًّا صحيحًا يصدق عليها ولا يَفِيلُ، فنجور بالأول على الأشياء، ونفتئتُ على الحقائق، ولا ينتهي بنا الثاني إلى فائدة مستخلصة توضح ما نحاول تبيُّنَه من السمات الصحيحة من خلال ركام الأحداث.

وإذا نحن وسَّعنا الأفقَ، ومددنا أبصارنا إلى خطٍّ أبعدَ وأعمق، وفحصنا طبيعة تغليب العوامل السياسية في هذه التقاسيم، وإعطائها صفة السلطان المطلق، أو شبه المطلق الذي يتحكم في مصاير الأشياء، وتفهمنا مؤدى ذلك - انتهينا منه إلى تصويرِ هذا الأدب في معظم حالاته ذَنَبًا وراء السياسيات لاصقًا بأعجازها، أو عبدًا لها قِنًّا، مجرورًا أبدًا بخطهما، ومُصرَّفًا بهراواتها، أو محبوسًا على الخسف بأَجِرَّتها، كما تريد له، لا كما يريد، دون أن تكون له في نفسه قوة يمتنع بها عن قبول هذه التبعية الذليلة، أو هوى في التمرد على توجيهاتها له وسيطرتها على حريته.

وأنَّى يكون أدب - تستقيم له حياة وترتقي به لغة - حين يكون هذا شأنه من التبعية الذليلة وفقدان الحرية؟ وهل عرف الأدب العربي الأصيل منطلقًا له من غير هذه الحرية؟ وهل تنفس إلا من جوائها الطلقة نواسمها الصافية المنعشة للأرواح والأكباد، والباعثة القوة والنشاط في عروقه؟

نخلص من هذا إلى أننا نجد أنفسنا من هذا المذهب بإزاء قانون خاص، إن صلَح لكتابة تاريخ عام به لآداب هذه الوحدات الأوربية الصغيرة، فإن التجارب - في تطبيقه في تدوين تاريخ أدبنا - قد انتهت بنا ولا ريب إلى الإخفاق في إبراز قسماته الدقيقة، ورسم صورته الصحيحة، وتوضيح أصالته وهي تعلو على الخلاف والشبهات.

فلا مندوحة لنا إذًا من اطِّراحه وتركه، إلا ما فيه من مسحةِ التفكير والتنظيم ونحوهما، ومن التماس قانون آخرَ غيره، نكتب به هذا التاريخ كتابةً تحقق صورته الصحيحة على وجه أفضل وأكمل وأصدق.

فما هذا القانون الذي أدعو إلى التماسه؟ ما رُوحه؟ وما طبيعته؟ وأين نلتمسه؟
بديهي أن أدب كل أمة تحكمه قوانين لغتها، وروحها المفرغ في هذا الأدب، قبل أن تحكمه المؤثرات الخارجية، وكل أدب أصيل كالأدب العربي - يستمد وجوده واستمراره من روح الأمة بعيدًا عن التقليد والمحاكاة لأي أدب كان - يتميز عادةً بشخصية قوية، قوامُها الوضوح والصدق، وبلاغُها التأثير والإبداع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
[1] العليم: بديل "الدكتور" الأعجمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
*{شبكة الألوكة}
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


o' sdv []d] td j],dk jhvdo hgH]f hguvfd

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-13-2014, 08:15 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة

خط سير جديد في تدوين تاريخ الأدب العربي (2)
ــــــــــــــــــــــــــ


*ـ اللغة العربية - وهي وعاءُ العقل العربي ومبدعاته - تتميَّز بخصائص نشأت فيها من روح الأمة العربية وتجاربها خلال الآماد التي اجتازتها من لَدُنْ وُلِدَت مع العرب إلى أن بلغت بهم كمال نضجها، واستَوَت في أروع صورِها البلاغية التي مثلت الإعجاز في القرآن الكريم، فَعَلَتْ بذلك على مجرد "التعبير عن المقاصد"، كما يقال في تعريف اللغات، وانتهت بهذه الخصائص إلى تحمُّل معاني الوجود ومبدعات العقول.

ولن يختلف عالمانِ في أنها تميزت من هذه الخصائص أولاً بهيئاتِها وموازينِها وقوانين اشتقاقِها، وتميَّزت بكمال مخارج حروفها من مهموسة أو مجهورة، وبروعة موسيقاها، وحلاوةِ نغمِها، ورقَّة جرسها، وتميَّزت ثالثًا بهذا الفيض الغزير من مادَّتِها وفرط غناها من الألفاظ الموضوعة بإزاء مختلف المعاني وأدقِّ الفروق، وهي بكل أولئك تُسلِسُ - في طواعية تامَّة - قيادَ التعبير عن التشكيلات التي تعرض للنفس الإنسانية في المنشط والمكرَه وشتى الأحوال، وتساوق أغراضها، وتتلوَّن بألوانها جميعًا، فتلين وتعذب حتى لكأنَّها لا تعرف غير اللِّين والعذوبة في مثل الغَزَل والحنين والمواجد والأشواق، وتشتد وتصلُب في مواطن العنف والقوة، فتبدو وكأن ألفاظها وجُمَلها قد قبست من لهب النار، أو قُدَّتْ من معادن الحديد، وهي في هذا وغيره تجري دائمًا على توافقٍ تامٍّ مع روح الموضوع، واندماج كامل في صميمه، وهكذا تتشكل بأشكال الأشياء، وتبرز مع كل حالة موقعة بإيقاعها وحركة روحها توافقًا وانسجامًا.

وأخرى أن اللغة العربية - إلى هذه الخاصية الرائعة بكل أوصافها وسماتها - تمتاز بشيء أكبر من هذا.

تمتازُ بالشِّحنات النفسية، وطاقات الحياة النامية، التي تعمل في باطنها دائمًا، فتغذِّيها وتقوِّيها وتمنحها القدرة البالغة في التأثير والإبداع.

ذلك بما أفرغته الأمَّة العربية فيها، في آمادِها الطويلة، من قوَّة روحها، ورهافة حسِّها، ووقدة شعورها، وحركة خيالها، وعمق تصوُّرها، وسَعَة حريتها المكتسبة من طبيعة الصحراء ولا نهاية الفضاء، وما إلى ذلك وغيره من أخلاق ومعانٍ وتجارب، ومن مثل إنسانية رفيعة ونبيلة أفرغها كتاب الدعوة الإسلامية المعجزُ، وأدب النبوة الحي - وهما المثلان الأعليان لأدب العرب - في جملة ألفاظها وتراكيبها، ومعانيها، ومدلولاتها، فكانت منها كالجِبلة "Protoplasm" في خلايا الأجسام العضوية من نبات وحيوان، هذه ثانية.

وأستطيع أن أقولَ في جزمٍ ووثوق:
إنها القانون الحي الذي يحكم هذه اللغة العظيمة، ويعمل في ضميرها دائمًا، ويجدد في شرايينها وعروقها دمَها النقي الحار ما اختلف عليها الجديدان، وما التزم أهلها قوانين الحياة والبقاء، وأدركوا مدى ارتباط حياتهم بحياة لغتهم، وهو قانون - كما قلت - قد أبدعه روح الأمة، ومنه اشتق، ومن معطياته - وهي باب من البحث يستغرق الأعمار ويستنفدها قبل أن تبلغ تمثُّلَه أو تلم به - هذا الأدب الحي ما تجدد على تقلب الشمس طلوعًا ومغيبًا، وهذه العلوم اللسانية وغيرها من علوم إسلامية وأخرى دخيلة صيغت بهذه اللغة، مما تعاونت الأمم التي دانت بالإسلام على مشاركة العرب مشاركةً صادقة أصيلة في إنتاجه وإبداعه، على امتداد الوطن الإسلامي الكبير، وفي مختلف الأزمنة، وتمثلت فيه عبقرياتها في أروع الصور.

ومن فعلِ هذا القانون في حياة اللغة العربية، وامتدادها إلى ما وراء وطنها الأول، أنها قد أصبحت به على وجهِ الزمان مناطَ احترامِ الأمم التي دانت بالإسلام؛ لأنها لسان الدين، فرعَوْها أعظم رعايةٍ لشيء عرف في التاريخ، وهي أمم ذوات لغات وأديان وعقائد شتى، منذ أحسن العربُ لقاءهم أيامَ حمَلوا وحيَ السَّماءِ إلى الأبيض والأحمر والأسود على أديمِ المعمورةِ، من غير تمييزٍ عنصري من هذا التمييز الذي تمارسُه سياسةُ الطغاة في هذا العصر، عصرِ الكهرباء والذرة والفضاء، وبلَّغوهم رسالته فأحسنوا التبليغ، وهَدَوْهم بمثلها، وربما كان هؤلاء يحسُّون في أعماقهم هذه المُثُل مُبْهَمة، فلا يكادون يتصوَّرونها، أو يطلبون التعبير عنها فلا يجدونه، فعبَّرت لهم عنها هذه اللغة العربية تعبيرًا وجدوا فيه زاد الأرواح، وريَّ الأكباد، وغذاء العقول، وأحسُّوا أعمق الإحساس أنهم أعطوا منها جزيلاً جليلاً، فشغفوا به حبًّا، وتعلَّقوا باللغة التي أقلت إليهم أمانته، فاطَّرحوا أديانهم وعقائدهم لدين الله، وتركوا لغاتهم (أو كادوا) للغة العرب، ووجدوا لها في مذاقهم حلاوة، وفي أسماعهم جرسًا لا عهدَ لهم بمثلِهما في لغاتهم، فأقبَلوا عليها إقبالاً منقطع النظير!

وقد اشتهر فيه كيف انجذب شباب (إسبانية) إليها، فتعلَّقوا بها تعلُّق الحب بل الهيام، حتى رفع الآباءُ - الذين لم ترتفع عن بصائرهم الغشاوات - عقائرَهم بالشكوى من هجر أبنائهم لغتهم[1] إليها، وكيف سارَعَت أممٌ في الشرق والغرب لتدارسها، وكيف تمثلها أصحاب العبقريات خاصة، فملكوا من ناصيتها ما كان يمتلكه أهلها الأصلاء منها، وتناغوا بها، وأبدعوا فيها روائع الآثار في الشعر والنثر والفلسفة والحكمة، وفي كل علم أصَّلوه وفن مارَسوه.

وقد عاش ما كتبوه بلغة القرآن، وسيعيش إلى ما شاء الله، مصادرَ حيَّة قوية تثوب إلى الانتفاع بها الأجيال بعد الأجيال، ولقد أوحت كثرةُ هؤلاءِ العباقرة من الأعاجم في الإسلام إلى ابن خلدون قولتَه المشهورة في "المقدمة": "أكثر حملة العلم في الإسلام كانوا من الأعاجم"، أو كما قال، ولم يزغ قلمُه بها عن جادَّة الصواب، وإن خاله مَن غابت عنهم دلالتها جائرًا، ولست أتهم منهم مخاطبًا حين أدلُّه على ما تشير إليه عبارته في حق عظمة العرب والعربية، ومن هذه العظمة أنها تمتصُّ العبقريات من كلِّ أمَّةٍ تتصلُ بها وتتذوَّقها لتبدعَ إبداعها للغة العربية دون لغاتها! وما انفكَّ هؤلاء العظماء - إلى جانبِ إبداعِهم هذا لها على تراخي الأيام - يتناغَوْن بها دون لغتِهم، وهو أمر لا يعرف نظيره في تاريخ العالم، ومن هذا التناغي عبارات عجيبة صدرت عنهم، وركبت إلينا أعناق الدهور، تصفُ عظمة العربية في نفوسهم، ولا تغفل تقديسَ العربِ، ومن روائع ذلك قولُ إمام العربية في عصره جار الله محمود الزمخشري التركي وهو يفتتح كتابه (المفصل في صناعة الإعراب): "اللهَ أحمدُ على أن جعَلني من علماء العربية، وجبَلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفردَ عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز، وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين، والمشق بأسنَّة الطاعنين...".

ولست واجدًا في كلامٍ كلمةً أحرَّ وأحلى وأزكى من كلمة الفيلسوف الرياضي المؤرِّخ محمد بن أحمد أبي الريحان البيروني الخوارزمي، وهو يتمطَّق بحلاوة العربية، ويقول في جملة كلامٍ في كتاب الصَّيْدَنَة: "الهجو بالعربية أحب إليَّ من المدح بالفارسية"[2].

ذلك فعل هذا القانون الذي يحكم اللغة العربية والأدب العربي في حياتهما وانتشارهما، وقد دلَّ عمله الدائب في باطنهما أنه قد أدى وظائفه بقوَّة ويقظة في مختلف الأحوال، أدَّاها كما ينبغي أن يكون أداءُ شيء حين كان السلطان السياسي إلى العرب، وكانوا القوَّامين على الحياة العامة في الوطن الإسلامي كله من مشرقه إلى مغربه.

وأدَّاها كذلك حين انبعَثَت في الأوطان الإسلامية الحركاتُ الداخلية الهدامة، وحين داهمها الغزو من شرق ومن غرب، فمضى باللغة العربية إلى غايتها غير قاعدٍ بها عن عمل، في أدب أو علم أو فكر.

وأدَّاها على هذا النحو وذاك حين انتهى السلطان إلى غير العرب، لعصور طويلةٍ خَلَت، امتدَّت من سقوطِ (بغداد) في يد "المغول"، وزوال الدولة العباسية بذلك في سنة 656هـ، إلى عهدنا هذا الذي ما برح الصراع مشتدًّا فيه بين الأمة العربية والحلف الاستعماري اليهودي في عنفٍ بالغ الخطورة، على امتداد أديمِ الوطن العربي ما بين المحيط الأطلنطي والخليج العربي.

أقولُ: أدَّى هذا القانون وظائفَه خيرَ ما يكون الأداءُ في هذه الحقبة الطويلة، كما أدَّاها في الحقب التي سبقته، وأحسب أن أداءه هذه الوظائف حين صار السلطان إلى غير العرب أو حين عرَض له الشرُّ والغزو والعدوان، لم يُصَب بعجز، ولم يُخامِره فتورٌ أو ضعف؛ لأن القوة الدافعة التي تعمل في باطنه لا تغالب، ولا تنال منها المؤثرات أو تهزمها؛ لأنها تقبس أقباسها ودفعها من مصادر نفسية تتَّقد جَذواتها أبدًا ولا يخبو لها أُوار، وربَّما بدت لنا في هذه العصور - إذا لاحظنا الأعاصير التي تناوحت حوله من داخل ومن خارج فتثبت لها راسخة شامخةً - أشدَّ وقدًا، وأعلى سَنًا وسناءً ممَّا كانت عليه في دهرها القديم، وشأنُها هذا هو شأن النارِ حين تنكس، فيرتفع لهبها ويشتد وقده وضرامه، وما أكبر شبهها في هذا بما شبه به أسامة بن منقذ - الأمير الشاعر المجاهد - قوَّة عزيمته، وتأبِّيه أن يلينَ للأيام التي تحاول أن تنال منه، حين قال:
كم تَغُضُّ الأيامُ مني، وتأبى
همَّتي أن تنال مني مُنَاهَا
أنا في كفِّها كجَذْوةِ نارٍ
كلما نُكِّسَت تعالى سَنَاهَا

وكأنه إياها عنَى بهذا، ولم يعنِ نفسه؛ لأن القوة التي كان يستشعرها في نفسه، ويغالب بها عوادي البُغاة على الوطن العربي إبَّان حروب المائتين بين الشرق والغرب - هي قبسٌ من روح الأمة، وروح الأمة هذا هو روح أدبِها الحي الخالد، أفرغته فيه إفراغًا، وامتزجت به، فأصبحا متلازمَين بالضرورة، لا ينقصهم شيء منهما عن شيء.

والصورة التي أريد إبرازها لهذا القانون، تتوضَّح معانيه بتعزيزِها بالتمثيل لها، فهي بدونه تبقى صورةً غامضة مبهمة، غير أن هذا التمثيل يستغرق كتابًا ضخمًا، وموقفُنا يستدعي الاقتضاب و"الاستقطاب"، لو أمكن أن "تستقطب" سبعمائة سنةٍ في دقائق.

ومع هذا أراني مضطرًّا أن أقول في هذا شيئًا، وسأقف عند هذه السبعمائة سنة التي تلت العصر العباسي وقفةً قصيرة لا معدى لي عنها.

وننظر الآن كيف صوَّرت أقلام المؤرِّخين أدبَها الذي أجرت عليه هذا القانون الأوروبي عند كتابة تاريخه.

الصورة السياسية العامة لهذا العصر والأحداث العظمى التي حدثت فيه وتناوشته من شرق وغرب، كانت هي الإطار الذي وضع الأدب العربي في داخله.

وهي صورة - كما نعلم جميعًا - تتوثب فيها أشباح ذئاب بشرية يقال لها "مغول" و"تتار"، انثالت على الوطن الإسلامي والعربي من أواسط آسية شرِهةً نهمةً، تتحرَّق من جهل وخرق وغباوة ظمأ إلى الدم والتخريب والتدمير، وأشباح ذئابٍ بشرية أخرى يقال لهم "الصليبيون"، تتفصَّد عروقهم عصبية، وتتنزى نفوسهم حقدًا وطيشًا، بعضهم يغزون الوطن من أطرافه كما كان من الإسبان في الأندلس، فيطاردون أهله ويقتلونهم، ويفرضون على مَن استبقوا منهم الردَّة عن دينهم أو الجلاء، وآخرون منهم يغزون قلبه ويقيمون على ثراه سوق القتال قرنًا بعد قرن، وهم ينثالون عليه موجة إثر موجةٍ من البر ومن البحر، ليجروا دماء أهليه على ثراه أنهارًا، وليبيدوهم ويرِثوا ديارهم.

سيطرت أخيلة هذه الصورة الراعبة على أذهان المؤرِّخين الذين أرخوا الأدب العربي، فذهلوا عن سواها، ولم يكادوا يبصرون إلا سوادها القاتم وظلال أشباحها على الحياة، وكان أوَّلُ شيءٍ فعلوه أن سمَّوا هذا العصر كله - وفيه أجزاء مهمة اختلفت صورتها عن هذه الصورة - "العصر المظلم"، وهي تسمية أحسبهم نقلوها إلى تاريخنا عن المؤرخين الأوربيين الذين أطلقوا تعبير (Dark ages)، على حِقبة من تاريخ أوربة بين انهيار الإمبراطورية الرومانية في المائة الخامسة الميلادية وبداية عهد "الرينصانص" "Renaissance" في المائة الخامسة عشرة، ولكنَّ هذا العصر - آماده الطويلة التي تخالفت أحداثها وأحوالها وصورها السياسية - لم يكن كلُّه ظلامًا كما تخيَّلوه، وتحدثوا عن دوله المتابعة، وهي دول تركية في الغالب، حديثًا مجملاً متشابهًا أو يكاد يكون متشابهًا، ولم يحاولوا أن يميِّزوا بين صفاتها، ويتبيَّنوا مواقف الملوك والسلاطين من العرب والإسلام واللغة العربية ومن العلوم النقلية والعقلية والدخيلة.

وعرَضوا للأدب في الوطن العربي، دون الأوطان الإسلامية التي لم تتخلَّ عن الإسلام وعن لغته، بل خصُّوا بحديثهم أجزاءً منه، وأغفلوا أجزاءً أُخَر مهمَّة كانت مباءاتٍ له غنيةً كل الغنى بثرائها منه، وكانت النفوس فيها ريَّا من العربية.

فماذا نشأ من هذا؟ وما الأحكام التي انتهوا إلى استنتاجها ووسموا بها أدب هذا العصر؟
نشأ من هذا أخطاء جمَّة خطيرة، من أوضحها هذه الصفات المتشابهة المتماثلة التي أجرَوْها عليه، ما عرَفوه منه وما لم يعرِفوه، وهذا الطابع الشاحب الذي طبعوه به، وهو يصف ركودَه وركود اللغة ركود الموت، ويغفلُ الإشارة إلى قوَّته ومصادر هذه القوة إغفالاً يكاد يكون تامًّا.

وجملة الصورة التي رسموها له، أراها تمثِّل صورة إنسان خَدِيج دَمِيم مشوَّه، جامد النظرات، منطمِس القسمات، متغضِّن الأسرَّة، منكمش متقبض كـ: "أحدب نوتردام"، أو "أحدب بغداد"، عَنَيْتُ الأحدب الذي أدَّى صورته إلينا شاعر التصوير الابتداعي أبو الحسن بن الرومي في بيتيه المشهورين:
قَصُرَتْ أخادعُه وطال قَذَالُه
فكأنَّه متربصٌ أن يُصفَعا
وكأنما صُفِعَت قَفَاه مرةً
وأحَسَّ ثانيةً لها فتجمعَا

وهو إلى ذلك قابعٌ في قبوٍ بارد رطب مظلم، لا يلتمع فيه من بارق إلا مثل ما يكون من نار الحَباحِب تحت الحِندِس البهيم.

ذلك ما يرسمه هذا القانون الأوربي الذي ارتضاه مؤرِّخونا المحدَثون من صورةٍ لأدب هذا العصر وحياة اللغة العربية فيه، كما أتخيَّلها كلما أقرأ ما كتبوه في إيجازه أو تفصيله.

فهل هو كذلك حقًّا وصدقًا؟
القانون النفسي الحي الذي يحكم اللغة العربية ويقوم الأدب العربي به كما أسلفت، تنفي إجابته عن هذا التساؤل صدق هذه الصورة القاتمة على أدب هذا العصر وحياة اللغة العربية فيه، وتكاد ترسم له صورة أخرى مغايرةً لهذه الصورة في كثير من قسماتها وأوصافها، ولا أقول في كل قسماتها وأوصافها.

وهي تتسق ويتهيَّأ لها الاستقرار في نصابها التام كلما تناولت هذه الإجابة التاريخ من مختلف جوانبه، وجرت وراءه تتقصَّى كليات حوادثه وجزئياتها، والتمست الرغبات في الطبائع والميول فتدارستها، وفاءَت إلى القوانين النفسية التي تعمل عملها الدائب في روح الأمة وعقلها ولغتها وأدبها جميعًا، فجعلتها المحورَ والأساس لكل ذلك.

وحسبي الآن - وقد طال بي نفس الكلام - أن أدلَّ على هذا في هذا الموقف، أما تفاصيل ملامح هذه الصورة التي ستتناولها هذه الإجابة، وهي تقتضينا متسعًا من الوقت لا نملكه في هذه اللحظات، فأدعُها إلى وقت آخر، وأكِلُ أمرَ ما قدمت إلى أنظاركم، ورأيكم الموفَّق.
---------------------------------------------------
[1] ومن جملتها شكوى الفارو: كاهن قرطبة في أواسط المائة التاسعة الميلادية 3/هـ من انكباب أبناء جنسه على قراءة أشعار العرب، وهيامهم بدراسة كتابات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم، لا يقصد تفنيدها، بل رغبة في التعبير عن خوالجهم بأسلوب عربي وثيق وصحيح.
قال المستشرق الإنكليزي نيكلسون، وترجمه الأديب كامل كيلاني: "وكان الفارو يتساءل قائلاً: أنَّى يتاح لإنسان في هذه الأيام أن يقال واحد من أبناء جنسنا يقرأ التفاسير اللاتينية للكتب المقدسة؟ ومن ذا الذي يدرس منهم فصول الأناجيل وسير الأنبياء والحواريين؟ واحسرتاه! إن كل الشبان المسيحيين ذوي المواهب لا يعرفون إلا العربية وكتابات العرب؛ فهم يقرؤونها ويدرسونها بحماس بالغ منتهاه، كما أنهم ينفقون المبالغ الطائلة من النقود لاقتنائها في مكاتبهم، وتراهم - أنى وجدوا - يذيعون أن تلك الآداب جديرة بالإعجاب، فإذا تجاوزت عن ذلك، وأخذت تحدِّثهم عن الكتب المسيحية، ازورَّ جانبهم، وأجابوك باحتقار: "إنها أسفار لا تستحق الذكر!"، واحسرتاه عليهم! لقد نسي المسيحيون لغتهم، حتى ليندر العثور - بين آلاف منا - على فرد يستطيع أن يحرِّر إلى أصدقائه رسالة لاتينية بأسلوب لا بأس به، على حين ترى العدد الجم قادرًا على الإبانة عمَّا في نفسه بأسلوب عربي خلاَّب، وعلى حين ترى حذقهم في قرض الشعر العربي قد وصل إلى حد فاقوا معه العرب أنفسهم".
[2] وجملةُ كلامِ أبي الريحان البيروني في كتابه هذا، الذي ما يزال مخطوطًا لم يطبع، وفي بعض عباراته غموض: "فصل: ديننا والدولة عربيان، وتوأمان: يرفرف على أحدهما القوة الإلهية، وعلى الآخر اليد السماوية، وكم احتشد طوائف من التوابع، وخاصة منهم الجيل والديلم، في لباس الدولة جلابيب العجمة، فلم ينفق لهم في المراد سوق، وما دام الأذان يقرع آذانهم كل يوم خمسًا، وتقاوم الصلوات بالقرآن العربي المبين خلف الأئمة صفًّا صفًّا، ويخطب في الجوامع بالإصلاح كانوا لليدين وللفم، وحبل الإسلام غير منفصم، وحصنه غير متثلم، وإلى لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم، فإن دانت وحلت في الأفئدة، سرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة، وإن كانت كل أمة تستحيي لغتها التي ألِفتها واعتادتها واستعملتها في مآربها مع أُلاَّفها وأشكالها، وأقيس هذا بنفسي، وهي مطبوعة على لغة، لو خلد بها علم لاستغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في الكراب! ثم منتقلة إلى العربية والفارسية، فأنا في كل واحدة دخيل، ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إليَّ من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي مَن تأمَّل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسود وجهه، وزال الانتفاع به؛ إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية".


------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« لا تقل هكذا | أندلسيات حسناوات جدا »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أثر الشيعة في الأدب العربي عبدالناصر محمود دراسات وبحوث أدبية ولغوية 1 07-27-2013 04:21 PM
تاريخ الترجمة من الأدب العربي Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 06-24-2013 11:40 AM
توماس مان واحداً من أعظم كتّاب الرواية في تاريخ الأدب Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 09-11-2012 12:17 PM
مأساة مسلمي بورما‏..‏ فصل جديد في تاريخ المجازر يقيني بالله يقيني المسلمون حول العالم 0 07-11-2012 04:07 AM
مقتطفات من الأدب العربي مهند أخبار ومختارات أدبية 2 01-17-2012 11:01 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:49 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68