تذكرني !

 





التنمية المستديمة .. دراسة نظرية في المفهوم والمحتوى

الدراسة كاملة في المرفقات -------------- التنمية المستديمة: دراسة نظرية في المفهوم والمحتوى تاريخ تسلم البحث: 12/1/2005م تاريخ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-13-2012, 06:46 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,328
افتراضي التنمية المستديمة .. دراسة نظرية في المفهوم والمحتوى


الدراسة كاملة في المرفقات


--------------


التنمية المستديمة:
دراسة نظرية في المفهوم والمحتوى
تاريخ تسلم البحث: 12/1/2005م تاريخ قبوله للنشر: 9/5/2005م

ماجدة أبو زنط * و عثمان غنيم**



ملخص
تهدف هذه الدراسة الى استعراض مفهوم التنمية المستديمة ومحتواها، وتحليلها، وتبين الفلسفة التنموية التي تشكل أرضية هذا المفهوم. ولتطبيق ذلك، فقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي، من خلال أسلوب الاستنباط الذي يقوم على استنتاج أفكار معينة من فكرة عامة مع تحليل واقعي يربط بين التشخيص والمعالجات من جهة والواقع من جهة أخرى. وقد توصلت الدراسة إلى أن التنمية المستديمة هي أسلوب حياة، ونمط معيشة، تحكمه أطر أخلاقية إنسانية، إلى جانب أنها نمط تنموي يمتاز بالعقلانية والرشد، ويسعى إلى خلق مجتمع أقل ميلاً للنزعة المادية من تغيير كثير من المفاهيم الثقافية السائدة التي تقوم على مبدأ الأكثر هو الأفضل في جوانب الحياة المختلفة.
Abstract

This study aims at reviewing and analyzing the concept and content of sustainable development and its theoretical background.
For this purpose, the study adopts a de******ive methodology through induction which is ****d on inducing certain ideas from a general idea, to gether with a realistic analysis which links diagnosis and treatments on one hand and reality on the other.
This study reveals the fact that continual development is a way of life style determined by human ethical frameworks. In addition, it is a developmental pattern, distinguished with rationality and seeks to create a society that is less materialistic through changing a lot of prevailing cultural concepts, which favors majority in all aspects of life.






















*


*
[IMG]file:///C:/Users/user/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.gif[/IMG]أستاذ مساعد، كلية التخطيط والإدارة، جامعة البلقاء التطبيقية.
**
أستاذ مشارك، كلية التخطيط والإدارة، جامعة البلقاء التطبيقية.
مقدمة
يلاحظ المتتبع لتاريخ التنمية على الصعيد العالمي والإقليمي تطوراً مستمراً وواضحاً في مفهومها ومحتواها، وكان هذا التطور بمثابة استجابة واقعية لطبيعة المشكلات التي تواجهها المجتمعات، وانعكاساً حقيقياً للخبرات الدولية التي تراكمت عبر الزمن في هذا المجال، ويمكن تمييز أربع مراحل رئيسة لتطور مفهوم ومحتوى التنمية في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى وقتنا الحاضر وهذه المراحل هي:
1. التنمية رديفاً للنمو الاقتصادي:
تميزت هذه المرحلة التي امتدت تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف العقد السادس من القرن العشرين بالاعتماد على استراتيجية التصنيع وسيلة لزيادة الدخل القومي وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وسريعة، وقد تبنت بعض الدول استراتيجيات أخرى بديلة بعدما فشلت استراتيجية التصنيع في تحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب الذي يمكن ان يساعدها في التغلب على مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، ومن هذه الاستراتيجيات: استراتيجية المعونات الخارجية، والتجارة من خلال زيادة الصادرات([i]). ويعتبر نموذج وولت رستو W.Rostowالمعروف باسم "مراحل النمو الاقتصادي" أحد النماذج المشهورة التي تعكس مفهوم وعملية التنمية ومحتواها في هذه المرحلة([ii]).
2. التنمية وفكرة النمو والتوزيع:
غطت هذه المرحلة تقريباً الفترة من نهاية الستينات وحتى منتصف العقد السابع من القرن العشرين، وبدأ مفهوم التنمية فيها يشمل ابعاداً اجتماعية بعدما كان يقتصر في المرحلة السابقة على الجوانب الاقتصادية فحسب، فقد أخذت التنمية بالتركيز على معالجة مشاكل الفقر والبطالة واللامساواة من خلال تطبيق استراتيجيات الحاجات الأساسية والمشاركة الشعبية في إعداد خطط التنمية وتنفيذها ومتابعتها([iii]). وتتجسد هذه المرحلة بشكل واضح في نموذج سيرزSeers الشهير، الذي يعرف التنمية من خلال حجم مشكلات الفقر والبطالة واللامساواة في التوزيع Inequality، وكذلك تتجسد في نموذج تودارو Todaro، الذي يحدد عملية التنمية في ثلاثة أبعاد رئيسة هي: إشباع الحاجات الأساسية، واحترام الذات Self-esteem وحرية الاختيارTo be able to choose.([iv])
3. التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة/ المتكاملة:
امتدت هذه المرحلة تقريباً من منتصف السبعينات إلى منتصف ثمانينات القرن العشرين، وظهر فيها مفهوم التنمية الشاملة، التي تعني تلك التنمية التي تهتم بجميع جوانب المجتمع والحياة، وتصاغ أهدافها على أساس تحسين ظروف السكان العاديين وليس من أجل زيادة معدلات النمو الاقتصادي فحسب، بمعنى أنها تهتم أيضا بتركيب هذا النمو وتوزيعه على المناطق والسكان([v])، ولكن السمة التي غلبت على هذا النوع من التنمية تمثلت في معالجة كل جانب من جوانب المجتمع بشكل مستقل عن الجوانب الأخرى ووضعت الحلول لكل مشكلة على انفراد، الأمر الذي جعل هذه التنمية غير قادرة على تحقيق الأهداف المنشودة في كثير من المجتمعات،ودفع إلى تعزيز مفهوم التنمية المتكاملة التي تعنى بمختلف جوانب التنمية ضمن أطر التكامل القطاعي والمكاني.
4. التنمية المستديمة Sustainable Development:
منذ بداية ثمانينات القرن الماضي بدأ العالم يصحو على ضجيج العديد من المشكلات البيئية الخطيرة التي باتت تهدد أشكال الحياة فوق كوكب الارض، وكان هذا طبيعياً في ظل إهمال التنمية للجوانب البيئية طوال العقود الماضية، فكان لا بد من إيجاد فلسفة تنموية جديدة تساعد في التغلب على هذه المشكلات، وتمخضت الجهود الدولية عن مفهوم جديد للتنمية عرف باسم التنمية المستديمة، وكان هذا المفهوم قد تبلور لأول مرة في تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية الذي يحمل عنوان مستقبلنا المشترك Our Common Future ونشر لأول مرة عام 1987م([vi]).
انتشر مفهوم التنمية المستديمة بشكل سريع في أنحاء المعمورة، وأصبح الكثير من الناس يستخدمون المصطلح ولكن ليس بالضرورة استخداماً صحيحاً، لذلك جاءت هذه الدراسة النظرية في محاولة للإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ماذا يقصد بالتنمية المستديمة؟
- لماذا ظهر هذا المفهوم؟
- ما الفلسفة التنموية الكامنة خلف هذا المفهوم؟
- ما محتوى هذا النوع من التنمية وما المبادئ الرئيسة التي يقوم عليها؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة اشتملت الدراسة على الخطوات البحثية الآتية:
- التنمية المستديمة/ الأصل والمعنى اللغوي.
- التنمية المستديمة/ المفهوم العلمي.
- البيئة وإشكاليه الثقافة الاقتصادية السائدة.
- أبعاد عملية التنمية المستديمة.
- مبادئ التنمية المستديمة.
- نتائج وتوصيات.
· منهجية الدراسة:
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي من خلال أسلوب الاستنباط الذي يقوم على استنتاج أفكار معينة من فكرة عامة ويمزج ذلك بتحليل واقعي يربط بين التشخيص والمعالجات من جهة والواقع من جهة أخرى، وفي سبيل ذلك استعانت الدراسة بالعديد من الدراسات والأبحاث والتقارير المتخصصة ومن مصادر ومراجع مكتبية مختلفة ومواقع إلكترونية عديدة على شبكة الإنترنت. وقد حاول الباحث من هذه المصادر والمراجع تحليل الأفكار ومن ثم ربطها مع بعضها بعضاً بصورة علمية منطقية تساعد في الوصول إلى خلاصات ونتائج تفتح الباب أمام دراسات وبحوث متخصصة أخرى في المجال نفسه.
· الدراسات السابقة:
اعتمدت الدراسة على مجموعة من الدراسات السابقة التي أهمها:
1- دراسة الخولي: الإدارة والبيئية والتنمية المستدامة.
وهذه الدراسة عبارة عن ورقة عمل قدمت عام 2000م لمؤتمر الإدارة البيئية في الوطن العربي المنعقد في الرباط في الفترة 19-21 أكتوبر عام 2000م، وبحثت الدراسة مفاهيم التنمية المستديمة والإدارة البيئية وملامح استراتيجية العمل البيئي العربي، وقد توصلت الدراسة إلى أن هناك غياباً لأسس واستراتيجيات الإدارة البيئية السليمة في الكثير من الدول العربية سواء أكان ذلك على مستوى الدولة نفسها، أم على مستوى المشاريع والمنشآت، وأوصت الدراسة بضرورة وضع وتطبيق استراتيجية بيئية واضحة للحيلولة دون استفحال الكثير من المشكلات البيئية في الوطن العربي.
2- دراسة كودفين Goodwen.
Five Kinds of Capital: Useful Concepts for Sustainable Development
نشرت هذه الدراسة جامعةُ تفتس Tufts University عام 2003م، وعالجت الدراسة بشكل تفصيلي مصطلح رأس المال بمفهومه التقليدي وبمفهومه المستدام، وقسمت الدراسة رأس المال لأغراض التنمية المستديمة إلى خمسة أنواع، باعتبار مخزون رأس المال هو الأرضية الصلبة التي تستند إليها عملية التنمية المستديمة وبينت الدراسة أهمية تلك الأنواع ودورها في التنمية.
3- دراسة غنايم: دمج البعد البيئي في التخطيط الإنمائي.
نشر هذه الدراسة معهد الأبحاث التطبيقية (أريج) في القدس عام 2001م، وركزت الدراسة على دمج البعد البيئي في عملية التخطيط الإنمائي عبر محاور الاقتصاد البيئي والاقتصاد التقليدي، النمو الاقتصادي وتدهور البيئة، وقد حددت الدراسة مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لتطبيق التنمية المستديمة وقدّمت أنموذجاً لكيفية أخذ البعد
البيئي في عملية التخطيط الاقتصادي.
4- دراسة النيش: الطاقة والبيئة والتنمية المستدامة.
نشر هذه الدراسة المعهد العربي للتخطيط في الكويت عام 2001م، وهدفت الدراسة إلى إبراز سبل التوفيق بين الطاقة والبيئة والتنمية المستديمة وذلك من أجل التخفيف من حدة المشكلات البيئية الناجمة عن الاستهلاك المتسارع لمصادر الطاقة وبالذات الأحفوري منها، وفي سبيل ذلك أوصت الدراسة بضرورة الاستعانة بطاقات بديلة مختلفة.
5- دراسة مهران:
العوامل المؤثرة في التنمية العمرانية المتواصلة / دولة الكويت – حالة تطبيقية، هذه ورقة عمل مقدمة لمؤتمر نظم المعلومات الجغرافية وتطبيقاتها في التخطيط والتنمية المستدامة المنعقد في القاهرة في الفترة 19-21 شباط 2001م، وهدفت الدراسة إلى تحديد عناصر التنمية العمرانية المتواصلة وكيفية تطبيق نظم المعلومات الجغرافية باستخدام هذه العناصر لتحقيق منظومة عمرانية متوازنة وظيفياً وجمالياً، وقد توصلت الدراسة إلى أن تحقيق تنمية عمرانية متواصلة يتطلب بشكل أساسي استخدام تقنيات حديثة في هذا المجال، التي من أهمها تقنية نظم المعلومات الجغرافية.
1- التنمية المستديمة/ الأصل والمعنى اللغوي:
يعود أصل مصطلح الاستدامة Sustainableإلى علم الايكولوجي Ecologyحيث استخدمت الاستدامة للتعبير عن تشكل وتطور النظم الديناميكية التي تكون عرضة نتيجة ديناميكيتها إلى تغيرات هيكلية تؤدي إلى حدوث تغير في خصائصها وعناصرها وعلاقات هذه العناصر مع بعضها بعضاً، وفي المفهوم التنموي استخدم مصطلح الاستدامة للتعبير عن طبيعة العلاقة بين علم الاقتصاد Economy وعلم الايكولوجي Ecologyعلى اعتبار أن العلمين مشتقين من نفس الأصل الإغريقي، حيث يبدأ كل منهما بالجذرEco، الذي يعني في العربية البيت أو المنزل، والمعنى العام لمصطلح Ecologyهو دراسة مكونات البيت، أما مصطلح Economyفيعني إدارة مكونات البيت([vii]). ولو افترضنا أن البيت هنا يقصد به مدينة أو إقليم أو حتى الكرة الأرضية، فإن الاستدامة بذلك تكون مفهوماً يتناول بالدراسة والتحليل العلاقة بين أنواع وخصائص مكونات المدينة أو الإقليم أو الكرة الأرضية وبين إدارة هذه المكونات.
أما في اللغة العربية وبالرجوع إلى المعنى اللغوي الذي هو المدخل الرئيس الذي يساعد على سبر أغوار هذا المفهوم ويساعد في تحديد المعنى الاصطلاحي الدقيق الذي على أساسه يتم فهم المصطلح، فقد جاء الفعل استدام الذي جذره (دوم) بمعنى المواظبة على الأمر، وبالتالي يشير إلى طلب الاستمرار في الأمر والمحافظة عليه([viii]).
والتنمية المستديمة هي تلك التنمية التي يديم استمراريتها الناس أو السكان، أما التنمية المستدامة فهي التنمية المستمرة أو المتواصلة بشكل تلقائي غير متكلف وفي العديد من الدراسات العربية المتخصصة استخدم المصطحان مترادفين، فبعض الدارسين قال بالتنمية المستدامة وبعضهم الآخر يقول التنمية المستديمة ترجمة للمصطلح الإنجليزي Sustainable Development ([ix]).
وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح التنمية المستديمة (صيغة اسم المفعول) هي أكثر دقة من مصطلح التنمية المستدامة (صيغة اسم الفاعل) وذلك من منظور ما يعكسه المعنى اللغوي في كلا الحالين، واستخدام مصطلح التنمية المستدامة أي المستمرة لا يقدم شيئاً جديداً في هذا المجال، على اعتبار أن عملية التنمية – التي تعكس البحث عن الأفضل – هي عملية مستمرة بطبيعتها، على صعيد آخر فإن واضعي مصطلح Sustainable Developmentقالوا بوجود الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في عالمنا المعاصر التي أصبحت تحول دون استمرارية عملية التنمية([x]). وبالتالي لا بد من قوى دفع ذاتي تديم هذه العملية وفق آلية معينة، وبناء على ذلك يمكننا القول بان مصطلح التنمية المستدامة يعكس فقط مبدأ استمرارية عملية التنمية، بينما يشتمل مصطلح التنمية المستديمة على مبدأ الاستمرارية ويشير بشكل واضح إلى قوى الدفع الذاتي لهذه التنمية والتي تضمن استمراريتها ونعني بذلك الجهود الإنسانية المتمثلة في المشاركة الشعبية من جهة والاعتماد على الذات في كل جانب من جوانب عملية التنمية من جهة أخرى.
2. التنمية المستديمة/ المفهوم العلمي:
تتعدد تعريفات التنمية المستديمة، فهناك أكثر من 60 تعريفاً لهذا النوع من التنمية([xi]ولكن اللافت للنظر أنه ليس بالضرورة أن تستخدم هذه التعريفات بشكل صحيح في جميع الأحوال، وعموماً ورد مفهوم التنمية المستديمة لأول مرة في تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية عام 1987م، وعرفت هذه التنمية في هذا التقرير على أنها: "تلك التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة فيتلبية حاجياتهم"([xii]). وعرّف قاموس ويبستر***sterهذه التنمية على أنها تلك التنمية التي تستخدم الموارد الطبيعية دون أن تسمح باستنزافها أو تدميرها جزئياً أو كلياً([xiii]). وعرفها وليم رولكز هاوسW.Ruckelshausمدير حماية البيئة الأمريكية على أنها تلك العملية التي تقر بضرورة تحقيق نمو اقتصادي يتلاءم مع قدرات البيئة وذلك من منطلق أن التنمية الاقتصادية والمحافظة على البيئة هما عمليات متكاملة وليست متناقضة([xiv]).
وفي ظل تلك التعريفات يمكن القول إن التنمية المستديمة تسعى لتحسين نوعية حياة الإنسان ولكن ليس على حساب البيئة وهي في معناها العام لا تخرج عن كونها عملية استغلال الموارد الطبيعية بطريقة عقلانية بحيث لا يتجاوز هذا الاستغلال للموارد معدلات تجددها الطبيعة وبالذات في حالة الموارد غير المتجددة، ويجب أن يكون هذا الاستغلال بطرق وأساليب لا تفضي إلى إنتاج نفايات بكميات تعجز البيئة عن امتصاصها وتحويلها وتمثيلها، على اعتبار أن مستقبل السكان وأمنهم في أي منطقة في العالم مرهون بمدى صحة البيئة التي يعيشون فيها، وهنا تبرز أهمية التنمية المستديمة للأجيال الحالية والمستقبلية في ظل ظروف الموازنة بين معدلات الاستهلاك والموارد المتجددة دون إلحاق الأذى بالبيئة، وفي هذا الصدد فإن أحد أهم إنجازات مؤتمر عام 1994م للسكان والتنمية يتمثل في توسيع مفهوم التنمية من مجاله الاقتصادي الضيق إلى مفهوم واسع شامل لنوعية الحياة سواء في الحاضر أو المستقبل([xv]).
واللافت للنظر أن الكثير من الناس بمن فيهم بعض المتخصصين والباحثين يفترض أن التنمية المستديمة ظهرت كرد فعل للمشكلات البيئية الكثيرة والخطيرة التي بدأ العالم يواجهها نتيجة سياسات واستراتيجيات التنمية المطبقة، ومع أن هذا إلى حد ما صحيح ويشكل جزءاً من مفهوم التنمية المستديمة إلا أنه لا يعكس محتوى المفهوم كاملاً فالأوضاع البيئية في أي منطقة ليست فقط نتائج ولا يمكن التعامل معها كذلك بمعزل عن أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك كشفت التنمية المستديمة ممثلة بما تطرحه وتعالجه من قضايا بيئية قائمة في أنحاء العالم عن خلل كبير في السياسات والاستراتيجيات التنموية المطبقة وفي كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية ودون استثناء، وأصبحت هذه المشكلات البيئية أسبابا رئيسة للفقر واللامساواة، وهذا ما تؤكده اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة في تقريرها حيث تقول: "إن الكثير من اتجاهات التنمية الحالية تؤدي إلى إفقار أعداد متزايدة من البشر وتجعلهم أكثر عرضة للأذى، بينما تؤدي في الوقت نفسه إلى تدهور البيئة([xvi])، وبالتالي فالقضية ليست مجرد وجود مشكلات بيئية يواجهها العالم كما يتصور الكثيرون بقدر ما هي قضية مرتبطة بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة في مناطق العالم المختلفة والتي اصطلح على تسميتها في الأدب التنموي الحديث باسم ظروف التنمية Development Circumstances، ذلك أن الحديث عن وقف التدهور البيئي والحد من استنزاف الموارد الطبيعية من خلال استغلالها بشكل عقلانيRational Utilization([xvii]) يتطلب معرفة تفصيلية بالبيئة الجغرافية للمنطقة المستهدفة بالتنمية، لان هذه المعرفة هي التي يجب أن تقرر خصائص عملية التنمية من خلال أبعادها الرئيسة الأربعة وهي([xviii]):
- مكان التنمية Territorial.
- كم التنمية Quantitative.
- نوع التنمية Qualitative.
- مدة التنميةTemporal.
وفي نظم التخطيط السائدة في معظم دول العالم فإن هذه الأبعاد يقررها صناع القرار من سياسيين وإداريين، بغض النظر عن خصائص البيئة الجغرافية في أغلب الأحوال، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث آثار ومشكلات بيئية سالبة مختلفة في أنواعها ودرجات خطورتها. والاستغلال العقلاني للموارد يعتمد بشكل رئيس ليس فقط على الخصائص الجغرافية لبيئة المنطقة المستهدفة بالتنمية وإنما أيضا على ظروف التنمية الأخرى وهي([xix]):
* الوضع الاقتصادي القائم State of economy.
* المستوى التكنولوجي السائد Technology.
* تركيب وتنظيم المجتمعOrganization of the community.
* القيم والعادات والتقاليد السائدةHuman values of the community.
* الطاقة الفكرية في المجتمع Intellectual capacity.
* البيئة السياسيةPolitical environment.
وفي ضوء ما سبق فإن اقتصار بعض الباحثين على الجوانب البيئية عند مناقشة مفهوم التنمية المستديمة يعتبر اختزالاً مشوهاً لهذا المفهوم، فالكثير من أنواع التنمية تستنزف الموارد الطبيعية، وهذا الاستنزاف يمكن أن يقود إلى فشل عملية التنمية نفسها لذلك لا بد أن تعالج المشاكل البيئية من خلال منظور واسع يشمل الأسباب الكامنة وراء أوضاع الفقر واللامساواة في كل منطقة في العالم([xx]).
3. البيئة وإشكالية الثقافة الاقتصادية السائدة:
تميزت الثقافة الاقتصادية التي سادت في دول العالم بشقيه النامي والصناعي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بمجموعة من القيم والقناعات التي أسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في زيادة حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئـية في هذه الـدول،
ومن هذه القيم على سبيل المثال لا الحصر:
‌أ- الاعتقاد بأن الموارد موجودة بشكل غير محدود في الطبيعة: وأصحاب هذا الاعتقاد يقولون بأنه يمكن استغلال الموارد في إنتاج البضائع والسلع المختلفة، وقد تعامل أصحاب هذا الاعتقاد مع قسم كبير وهام من الموارد على أنها بضائع حرةFree goodsأي ليس لها قيمة أو أن قيمتها صفر، الأمر الذي شجع على استغلال هذه الموارد وإهدارها أكثر وأكثر([xxi]).
‌ب- الاعتقاد بأن ليس هناك حدود للنمو الاقتصادي: ومعروف أن اقتصاد السوق الحر لا يأخذ بعين الاعتبار ذلك ويؤمن أصحاب هذا الاعتقاد بأن النمو يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية([xxii]).
‌ج- الاعتقاد بأنه الأكثر هو الأفضلMore is better: ويبدو هذا في سلوك كثير من الشركات والدول على حد سواء، فتحقيق معدلات نمو اقتصادي أو أرباح عالية يعني في نظر الكثيرين أن الأوضاع على ما يرام، وهذا غالباً ليس صحيحاً بدليل ما يشهده العالم اليوم من مشكلات بيئية تجمعت بفعل هذه القناعات، ولأن الكم لا يعكس بالضرورة الكيف والنوعية، فكثير من الدول تحقق سنوياً معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، لكن هذه الدول ما زالت تعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية خطيرة مثل، الفوارق الاقتصادية والاجتماعية المكانية والإقليمية داخل هذه الدول، العجز في الميزان التجاري، الفقر والبطالة... الخ([xxiii]).
الاعتقاد أن العملية الصناعية هي عملية خطية تبدأ عند نقطة وتنتهي عند أخرى، وهذا الاعتقاد لا يأخذ بعين الاعتبار المضاعفات الدائرية للعملية الصناعية، لذلك فإننا نندهش عندما ينجم عن نشاطاتنا الصناعية نتائج وآثار بيئية واجتماعية خطيرة، فالإنتاج الذي تنتجه الشركات بعشرات الملايين من الدولارات سيكلفنا لاحقاً مئات الملايين من الدولارات للتخلص من آثاره البيئية ومعالجة آثاره الاجتماعية([xxiv]).
‌د- الاعتقاد بان النظام الاقتصادي هو نظام مغلق ومتكامل وقائم بذاته: وأصحاب هذا
الاعتقاد تناسوا بأن العوائد الاقتصادية المختلفة هي حصيلة استغلال الموارد الطبيعية، ويتجاهل هؤلاء أيضا التكلفة الاجتماعية والبيئية التي تنجم عن النشاطات الاقتصادية المختلفة للإنسان لأنها لا تظهر في قوائم الموازنات العامة للشركات والدول، ولو أخذت هذه التكلفة بالحسبان لتبين أن كثيراً من هذه الشركات سيخرج خاسراً رغم أنه يظهر في قوائم الموازنات رابحاً([xxv]).
إن مثل هذه القيم التي شكلت النسيج الأساسي للثقافة الاقتصادية في القرن العشرين تذكرنا بمقولة دوجلاس موسشيتD.Muschettالتي يقول فيها بأن الدول الصناعية الغنية لا تعرف شيئاً عن الاستدامة في الوقت الذي لا تعرف فيه غالبية دول العالم الأخرى شيئاً عن التنمية([xxvi]).
4. أبعاد التنمية المستدامة:
التنمية المستديمة لا تركز على الجانب البيئي فقط بل تشمل أيضا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي فهي تنمية ثلاثية الأبعاد مترابطة متكاملة ومتداخلة في إطار تفاعل يتسم بالضبط والتنظير والترشيد للموارد كما يتضح من الأشكال ذوات الأرقام 1،3.
‌أ- رأس المال المادي Financial Capitalويقصد به راس المال المادي أو النقدي.
‌ب-رأس المال الطبيعيNatural Capitalويعني الموارد الطبيعية والنظم البيئية.
‌ج- رأس المال الإنتاجي Produced capital ويشمل الأصول المادية القادرة على إنتاج السلع والخدمات.
‌د- رأس المال البشريHuman Capitalويقصد به القدرات الإنتاجية للأفراد سواء الموروثة أو المكتسبة.
‌ه- رأس المال الاجتماعيSocial Capitalويشمل الثقافة الاجتماعية السائدة بكل قيمها وعاداتها وتقاليدها.


البعد الاقتصادي

([i])Nohlen and Nuschler, 1982, P.48.

([ii])الحداد، 1993م، ص36.

([iii])Nohlen and Nuschler, 1982, P.55.

([iv])غنيم، 1999م، ص26، ص55.

([v])زكي، 1984م، ص435.

([vi])يعرف هذا التقرير أحياناً بتقرير برونتلاند Brundtland Report نسبة إلى رئيسة اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التي قامت بإعداد هذا التقرير وهي غرو هارليم برونتلاند وهي رئيسة وزراء سابقة في النرويج، وتجدر الإشارة إلىأن هذا التقرير تم ترجمته إلى العربية ونشر في العدد 142 من مجلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت

([vii])Schely and laur, 1997, P.1

([viii])لسان العرب، 1972م، ص213.

([ix]) انظر على سبيل المثال لا الحصر: محمد مصطفى، تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات الاستشعار عن بعد في التنمية المتواصلة – دراسة حالة إقليم القاهرة الكبرى، ورقة عمل مقدمة لورشة عمل تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية في التخطيط والتنمية المستدامة القاهرة، 13-15/2/2001م. علي مهران هشام، العوامل المؤثرة في التنمية العمرانية المتواصلة-دولة الكويت حالة تطبيقية، ورقة مقدمة لورشة عمل تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية في التخطيط والتنمية المستدامة، القاهرة، 13-15/2/2001م. أسامة الخولي، الإدارة البيئية والتنمية المستدامة، ورقة عمل مقدمة للمؤتمر العربي الأول للإدارة البيئية في الوطن العربي، الرباط، 19-21 أكتوبر، 2000م. أحمد ناصيف، دور الإدارة البيئية في تنظيم المردود الاقتصادي للتنمية المستدامة، ورقة عمل مقدمة للمؤتمر العربي الأول للإدارة البيئية في الوطن العربي، الرباط، 19-21 أكتوبر، 2000م.

([x])اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989م.

([xi])Kozlowski and Hill, 1998, P.6.

([xii])اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989م، ص83.

([xiii])Geis and Kutzmark, 1997, P.2.

([xiv])Church, 1991, P.3.

([xv])Samha, 1997, p.281.

([xvi])اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989م، ص29، ص84.

([xvii])يستخدم كثير من الباحثين مصطلح الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، ونفضل هنا مصطلح الاستغلال العقلاني على اعتبار أن الاستخدام الأمثل هو مفهوم نسبي، فما هو أمثل في منطقة قد لا يكون كذلك في منطقة أخرى، بينما الاستغلال العقلاني يعني أن استغلال الموارد يخضع لظروف ومعطيات الواقع ومنطقه ويسعى لتحقيق أقصى منفعة بأقل تكلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية ممكنة.

([xviii])Kozlowski and Hill 1998. P.11.

([xix]) Kozlowski and Hill, 1998, P.16-17.

([xx])اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989م، ص28-29.

([xxi])Kozlowski and Hill, 1998, P.5.

([xxii])Kozlowski and Hill 1998, P.6.

([xxiii])Northwest Report, 1996, P.5.

([xxiv])Schley and Laur, 1997, P.6.

([xxv])Schley and Laur, 1997. P.6.

([xxvi])موسشيت، 1997م، ص12.
المصدر: ملتقى شذرات


hgjkldm hglsj]dlm >> ]vhsm k/vdm td hglti,l ,hglpj,n hgjkldm K ]vhshj

الملفات المرفقة
نوع الملف: doc التنمية المستدامة.doc‏ (165.0 كيلوبايت, المشاهدات 25)
__________________
----------
حين يباغت النسيان هياكل الذكريات
المترامية على سفوح الوجدان
تنساب دمعة حزن على مهجة الحروف
ويتدثر الإحساس في صمت الأمكنة
ليداري وجع الفراق >>>>
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
التنمية ، دراسات

« دراسة عن التنمية المستدامة من منظور القيم الإسلامية وخصوصيات العالم الإسلامي | الأثر الاقتصادي للأعمال التطوعية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دراسة عن التنمية المستدامة من منظور القيم الإسلامية وخصوصيات العالم الإسلامي Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 02-13-2012 06:40 PM
المؤسسة المصغرة ودورها في التنمية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-29-2012 07:20 PM
التنمية الإقتصادية الشاملة من منظور إسلامى احمد ادريس بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-23-2012 09:51 PM
دراسة عن المرابحة كأهم الأساليب المستخدمة في المصارف الإسلامية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-21-2012 05:57 PM
التنمية الاقتصادية بين الدولة والقطاع الخاص Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-10-2012 12:50 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:44 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73