تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 06-02-2014, 12:17 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

- فهرسة لابن حوط الله داود بن سليمان قاضي الجزيرة الخضراء ذكر فيها أسماء شيوخه وقد درس في سبتة ومراكش وسلا (»الإِعلام« للمراكشي، ج 7، ص. 108) (الطبعة الأولى).
- فهرسة لسعيد بن أبي القاسم العميري التادلي تلميذ اليوسي (1131هـ/1719م). اقتبس منها الناصري في »الاِستقصا« (ج 4، ص. 34).
- فهرسة السلطان المولى سليمان بن محمد بن عبد الله »جوهرة التيجان وفهرست الياقوت واللؤلؤ والمرجان في الملوك العلويين وأشياخ أمير المؤمنين مولانا سليمان« لأبي القاسم الزياني (خم 7159/ نسخة بخط المؤلف في الخزانة العباسية
(1/4671)
اختصرها تلميذه التهامي بن رحمون في »الدرر والعصيان فيما قيدته من جواهر التيجان« (يوجد بخط المؤلف في الخزانة الأحمدية السودية بفاس).

- فهرسة سليمان الحوات »ثمرة أنسي في التعريف بنفسي« استعرض فيها أشياخه وقارن الوسط الثقافي في الجبل المغربي بالبيئة الفاسية (خس) (لم يرد في »فهرس الفهارس«).
- فهرسة لابن ناصر سليمان بن يوسف بن محمد اسمها »إتحاف الخل المعاصر بأسانيد أبي المحاسن يوسف بن محمد بن ناصر« أو »البدور الطالعة السنية في الأحاديث المسلمة بالأولوية« ذكر فيها أشياخه وأشياخ والده يوسف (خم
(1/4672)
5263/الخزانة الناصرية بسلا).
- فهرست لصالح بن العربي أبي أيوب التدلاوي (1307هـ/1889م) (في كراستين لم ترد في »فهرس الفهارس«).
- فهرسة لعبد الرحمن بن إدريس المنجرة (1179هـ/1765م) اسمها »الإسناد للشفيع يوم التناد« (خع 471/خع 2285د (81 ص)).
- فهرسة لعبد الرحمن بن جعفر الكتاني (1334هـ/1916م) جمع فيها فهرسة والده المسماة »إعلام أئمة الأعلام وأسانيدها بما لنا من المرويات وأسانيدها«.
- فهرسة لعبد الرحمن بن محمد بن حميدة البريوسي الحمري (1215هـ/1800م) تسمى »سلسلة المشائخ« وقف عليها صاحب »الطبقات في
(1/4673)
مولاي العربي الدرقاوي« لم ترد في »فهرس الفهارس« (ف.ف).
- فهرسة عبد العزيز بن إبراهيم بن هلال (توجد بمكتبة الشيخ عبد الحي الكتاني).
- فهرسة لعبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي مختصرها هو »إجازة الممنوحة« لأبي سالم العياشي، وهي التي علق عليها ابن أبي شنب في المؤتمر الرابع عشر للمستشرقين.
- فهرسة عبد الكريم بن علي اليازغي الفاسي (1199هـ/1785م).
- فهرسة عبد الله بن إبراهيم بن موسى الوزاني شيخ الطريقة الوزانية ذكرها صاحب »التحفة القادرية« جمع فيها طرف أشياخه وأسانيده (نسخة بزاوية أهل وزان بالشرشور)
(1/4674)
(دم 1317).

- فهرسة أبي سالم عبد الله بن إدريس البدراوي (1316هـ/1898م) إجازة محمد بن خليفة المزني في »فهرستـ«ـه وكتبها له باسمه (لم ترد في ف.ف).
- فهرست لعبد الله المدعو الكامل بن محمد ابن سالم الأمراني جمعها له عبد الحفيظ الفاسي في كراسة (لم ترد في ف.ف).
- فهرسة عبد المجيد بن علي المثالي الزبادي الفاسي (نسخة بخزانة سيدي محمد إبراهيم الكتاني ربما بخط مؤلفها).
- فهرست عبد الملك بن محمد أبي الوليد التاجموعتي قاضي سجلماسة (1118هـ/1706م) (نسخة بالخزانة الفاسية).
(1/4675)
- فهرسة لعبد الواحد بن أحمد بن محمد العلوي السجلماسي (1003هـ/1595م) اسمها »الإِلمام ببعض من لقيته من علماء الإِسلام« (خزانة محمد إبراهيم الكتاني).
- فهرسة العربي بن محمد الدمناتي الفاسي (1253هـ/1873م): »سمط الجوهر في الأسانيد المتصلة بالفنون والأثر« (يوجد طرف منها بخزانة محمد إبراهيم الكتاني، وهي فهرسة جامعة).
- فهرسة العربي بن المهدي بن العربي العزوزي نزيل لبنان (1308هـ/1890م): »إتحاف ذوي العناية ببعض ما لي من المشيخة والرواية« (مطبعة الإِنصاف، بيروت، 1370هـ/1950م).
(1/4676)
- فهرسة علي بن أحمد بن علي الحريشي الفاسي (1143هـ/1730م) (يوجد طرف منها في مكتبة محمد إبراهيم الكتاني).
- فهرست علي بن أحمد الشريف اللنجري الصرصري (1037هـ/1627م).
- فهرست ابن هاشم علي بن زين العابدين المدعو زيان بن هاشم العراقي (1194هـ/1780م) (ف.ف، ج 1، ص. 346).
- فهرسة لعلي بن سليمان الدمناتي البوجمعاوي (1306هـ/1888م): »أجلى مساند على الرحمن في أعلى أسانيد علي بن سليمان« ذكر فيها أسانيده في الحديث والتفسير. (المطبعة الوهبية، مصر، 1298هـ/1880م) (لابن عتيق علي بن عيسى القرطبي ثلاثة فهارس: كبير
(1/4677)
ومتوسط وصغير).
- فهرست لعلي بن قاسم بن عمر اليطيوي الريفي قاضي الجماعة بفاس (1039/1629م) نسبها له صاحب »التحفة القادرية« (»فهرس الفهارس«، ص. 159) حيث ذكر غلطا أن اسمه قاسم.
- فهرست لعلي بن محمد العربي بن علي السقاط المصري الفاسي (1183هـ/1769م) جمع فيها أشياخه ومروياته الحديثية والصوفية. وقد أفرد أسانيدها فتح الفرغاني المصري (1210هـ/1795م) سماه »الضوابط الجالية في الأسانيد العالية« (ف.ف، ج 2، ص. 21).
(1/4678)
- فهرست اليوسي أبي الحسن (مات دون إتمامها في أربعة كراريس) (خع 1838د/الخزانة الأحمدية السودية بفاس/خم 1183-5470).
- فهرسة عمر السوسي الجراري (1360هـ/1940م)، وقف عليها محمد المختار السوسي (»سوس العالمة«).
- فهرسة عياض »الغنية« في اصطلاح الحديث وسماعه من الأشياخ ترجم فيها لمائة من شيوخه (مكتبة مدريد 307/الخزانة الأحمدية السودية بفاس/ خع 1807د (132ص)/خع 1732د (158هـ)/خق د 1732/مكتبة الكَلاوي).
- فهرسة فتح الله بن أبي بكر بناني (1353هـ/1934م) في مجلد ترجم فيها لأشياخه المغاربة والمشارقة اسمها
(1/4679)
»المجد الشامخ ممن اجتمعت به من أعيان المشائخ«.
- فهرست لأبي القاسم محمد بن أبي نعيم الغساني قتل بفاس (1032هـ/1623م) اعتمدها الإِفراني في »الصفوة«.
- فهرست كبيرة لابن جزي محمد بن أحمد صاحب »القوانين الفقهية«، اشتملت على كثير من رجال المشرق والمغرب.
- فهرست لابن غازي محمد بن أحمد تسمى »التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد« أجاز بها أربعة من أعلام تلمسان من بينهم ابن مرزوق (وله ذيل يوجد مع الأصل في خع 413/خع 2008د (م=471-484/ خع 425 (22 ص) وفي الخزانة الأحمدية السودية والأصل بخط
(1/4680)
المؤلف في الخزانة الزيدانية بمكناس (خم 7247/خم 5820/1203/ الإسكوريال 1725).
-فهرست لمحمد بن أحمد الجنان (1050هـ/1640م) (»فهرس الفهارس«، ج 1، ص.220 نقلا عن »إجازة المرغيثي« للحسن اليوسي).
- فهرست لابن مرزوق محمد بن أحمد الخطيب اسمه »عجالة المستوجز والمستجاز في ذكر من سمع من المشائخ دون من أجاز من أئمة المغرب والشام (الحجاز)« ضمت ألفي ترجمة نقلها عنها المقري في »النفح« بواسطة »الإحاطة« لابن الخطيب.
(1/4681)
- فهرسة محمد بن أحمد العبدي الكانوني (1357هـ/1938م) (ذكر فيها أشياخه أسماها »الهداية والإرشاد إلى معالي الرواية والإِسناد«، وله فهرسة أخرى سماها »مراقي الإِسعاد إلى سماء الرواية والإسناد« جمع فيها أسانيده ومروياته ومشائخ أستاذه عبد الرحمن بن محمد الهنتيفي.
- فهرسة »مدد التآليف في ترتيب المحفوظات والتقاييد محفوظة التكرار والأسانيد« لمحمد بن أحمد اليحمدي الوزير (ألفه عام 1153هـ (الخزانة الإسماعيلية المحتوية على نفائس المخطوطات).
(1/4682)
- فهرست لمحمد بن إدريس القادري نزيل الجديدة. (كتبها باسم أبي حامد المكي البطاوري). (نسخة عند محمد التطواني بسلا، وأخرى عند إدريس بن الماحي الإِدريسي بفاس).
- فهرست لمحمد الأمين بن جعفر العلوي الصوصي من أيت الرتب (1240هـ/1824م) يوجد طرف منها بخزانة محمد إبراهيم الكتاني).
- فهارس أربعة لمحمد بن مسعود بناني (1194هـ/1780م) في طرق الحديث ثم الفقه ثم التصوف (توجد ثلاثة في خزانة محمد بن عبد السلام بناني ضمن المجموع، والرابعة وهي الفهرسة الكبرى بالخزانة الأحمدية السودية بفاس ضمن مجموع نسخ منها في خم
(1/4683)
1189-5755-6778).

-فهرسة لمحمد بن الحسن الحجوي (1376هـ/1956م)، اسمها »العروة الوثقى في أسانيد أهل العلم والتقى«. طبع اختصاره بمطبعة الثقافة بسلا (1357هـ/1938م).
- فهرست محمد بن الحسن العرائشي المكناسي (1352هـ/1933م) سماها »عنوان السعادة والإِسعاد لطالب الرواية والإِسناد« (خس).
- فهرسة لابن خليفة محمد المسعودي المدني (895هـ/1313م) ألف محمد بن عبد الرحمن البْرِيبْرِي الرباطي فهرسة باسمه اسمها »إتحاف ودود بمقصد محمود«.
(1/4684)
- فهرست محمد بن زروا الصفريوي (1245هـ/1829م) تقع في ثلاثة كراريس (يوجد طرف منها بخزانة محمد إبراهيم الكتاني) (لم ترد في »ف.ف«).
- فهرسة لمحمد بن سعيد بن يحيى المرغيثي (1089هـ/1678م) اسمها »العوائد المزرية بالموائد«، وهي كشكول علم وأدب (خع 537د/خع 285 (272 ورقة).
- فهرست صغرى أجاز بها الشيخ محمد بن ناصر الدرعي (كراسة واحدة).
- فهرسة محمد بن عبد الرحمن البريبري قاضي الرباط (1326هـ/1908م)، له »إتحاف ودود بمقصد محمود« ألفها باسم محمد المسعودي المعروف بابن خليفة المدني (1313هـ/1895م).
(1/4685)
- فهرسة لمحمد بن عبد السلام بناني (1163هـ/1749م) (خس) (خع 414 (أطال فيها ترجمة شيخه ابن الحاج) خع 385 مكرر (14 ورقة)؛ وله أيضا »الفهرسة الصغرى« (خزانة الكتاني) ذكر فيها المولى اسماعيل.
- فهرسة محمد بن عبد القادر الفاسي جمعها ولده محمد الطيب سماها »أسهل المقاصد لحلبة المشائخ ورفع الأسانيد الواقعة في مرويات شيخنا الوالد«.
- فهرست محمد بن عبد الله السجلماسي الفاسي (1151هـ/1728م) (»فهرس الفهارس«، ج 2، ص. 225).
- فهرست لمحمد بن عبد الملك المنتوري (834هـ/1431م)، يوجد طرف منها في الخزانة الكتانية.
(1/4686)
- فهرست لابن عطية الزناتي محمد بن علي السلوي (1052هـ/1643م) نسبها له عبد السلام القادري في »التحفة القادرية«.
- فهرس »الدرر السنية بما علا من الأسانيد السنوانية« نسبه صاحب »فهرس الفهارس« لابن منصور محمد بن علي الفاسي (المتوفى 1232هـ/1817م).
- فهرس (مجلد) في شيوخ ابن موسى محمد بن علي أبي البركات المراكشي الأصل المكي الشافعي سبط العفيف اليافعي 823هـ/1420م).
- فهرسة محمد بن علي الورزازي المعروف بالورزازي الصغير (1179هـ/1766م) (»ف.ف«، ج 1، ص. 431). توجد نسخة بخزانة الكتاني في ثلاثة كراريس.
(1/4687)
- فهرسة وذيل لمحمد بن عمر بن أحمد الهشتولي أتمَّها عام 1212هـ (»الإِعلام« للمراكشي، ج 5، ص. 141).
- فهرسة لابن خير محمد بن عمر بن خليفة اللمتوني الأموي (نسبة إلى أمة جبل بالمغرب) الحافظ، وهي »فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف« (ط. كوديرا وربيرا، مدريد، 1893) (أعاد طبعه قاسم محمد رجب بالأوفسيت، بيروت، 1963).
- فهرست لمحمد بن عمر عاشور (1366هـ/1947م) خطيب القصر الملكي، ذكر فيها شيوخه.
(1/4688)
- فهرست لمحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم جسوس (1182هـ/1768م) نسبها له صاحب »نشر المثاني« الكبير في ترجمة عبد المجيد المنالي (لم ترد في »فهرس الفهارس«).
- فهرسة لابن زاكور محمد بن قاسم بن محمد الفاسي (1120هـ/1708م)، اسمها »نشر أزاهر البستان فيمن أجازني بالجزائر وتطوان من فضلاء الأكابر والأعيان« (ط. بالجزائر، عام 1319هـ) (نسخة بمكتبة الجزائر 1740).

- فهرست (مطبوع) لمحمد بن قاسم بن محمد الفاسي (1331هـ/1903م)، وله أيضا »إتحاف أهل الدراية بما لي من الأسانيد والرواية« (»ف.ف«، ج 2، ص. 292) (طبعت بفاس،
(1/4689)
1320هـ/1902م).
- فهرست لمحمد بن القاسم القادري (1331هـ/1912م).
- فهرست محمد بن قاسم القصار (خس) (نسختان في خم 3730-5164). (له فهرسة أخرى كبرى جمع فيها روايته في الفقه والحديث (»فهرس الفهارس«، ج 2، ص. 317).
- فهرست لمحمد بن محمد بن إبراهيم التكركسي السوسي (1167هـ/1753م) ترجم فيها أشياخه (نسخة بخزانة محمد المختار السوسي (لم ترد في »ف.ف«)).
- فهرسة لابن ريسون محمد بن محمد الصادق (المتوفى بوزان عام 1236هـ/1820م)، ألفها باسم أبي القاسم الزياني (خم 3399).
(1/4690)
- فهرست محمد بن محمد بن سليمان البوعناني (استفاد منها سليمان الحوات في »البدور الضاوية«).
- رحلة وفهرست لابن عمرو محمد بن محمد التهامي الرباطي ذكر فيها شيوخه التونسيين.
- فهرسة ابن ناصر محمد المدني بن محمد بن عبد السلام الدرعي (1238هـ/1822م) وقف عليها محمد الكانوني-تعرف مجموعة إجازته بكناشة ابن عبد السلام، وقف عليها الكتاني (»فهرس الفهارس«، ج 2، ص. 221).
- فهرسة محمد بن محمد الحجوجي الفاسي (1370هـ/1950م) اسمها »كنز اليواقيت الغالية في الأسانيد العالية«. وهي الفهرسة الصغرى؛ أما الكبرى، فهي »نيل
(1/4691)
المراد في معرفة رجال الإسناد«.
- فهرست محمد الفضيل بن محمد الفاطمي الشبيهي الزرهوني (1318هـ/1900م) جمعها تلميذه صاحب »فهرس الفهارس«.
- فهرست ابن ناصر محمد المكي بن موسى بن محمد الكبير الدرعي اسمها »فتح الملك الناصر في إجازة مرويات بني ناصر« (خس).
- فهرست لمحمد بن يحيى السوسي الأضاريفي (1164هـ/1750م) جمع فيها أسانيده ومروياته (»سوس العالمة«- نسخة عند الشيخ المختار السوسي).
- فهرسة لمحمد بن يعقوب الإيسي المراكشي أحد كتاب المنصور.
(1/4692)
- فهرسة للمكي بن عبد السلام بن أحمد الشرايبي (1245هـ/1829م) جمعها له تلميذه محمد بن محمد بن مسعود ابن عقبة. تقع في كراسة بخزانة محمد إبراهيم الكتاني (لم ترد في »ف.ف«).
II- الكناشة
أما الكناشة، فهي تشتمل على الأحداث التي شاهدها صاحب الكناشة وأشعاره ومساجلاته الأدبية وفوائده (توجد 40 كناشة لفحول العلماء بالخزانة الأحمدية بفاس).
ويسميها بعضهم الزمام والبطاقات. وهي أوراق كالدفتر تقيد فيها الفوائد والشوارد للضبط (»تاج العروس«، ج 4، ص. 347، مكتبة الحياة، بيروت). وهو أشبه بما عرف بالمشرق من تذكرات
(1/4693)
ك»ـتذكرة الصفدي« و»التذكرة التيمورية« أخيرا. وأقدم كناشة معروفة وهي للجادري عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المديوني الفاسي (818هـ/1415م). وقد ترجم أحمد زروق البرنسي لنفسه في »كناش«؛ كما خلف عبد الواحد الونشريسي عدة كنانيش. وأشار المنجور إلى كنانيشه في طالعة فهرسته الكبرى والصغرى. ثم توالى استعمال الكلمة في العصر العلوي ك»ـكناشة العربي القادري« والكناشات الفاسية والسودية واليحمدية والشرقاوية، وكناشات الحافي وبنيس وشطير والمعداني، إلخ. (»الكناشات المغربية«، محمد المنوني، المناهل، ج 2، ص. 196).
(1/4694)
- كناش أملاك المخزن:
سجل تثبت فيه أملاك الدولة الموجودة بكل مدينة والمناطق التابعة لها ويشرف على مراقبته »أمين المستفاد« المحلي الذي يحاسبه المخزن على أعماله في هذا المجال (راجع رسالة سلطانية تلقاها أمين مستفاد أزمور عام 1302هـ/1855م (خم 360، ص. 212) بسبب تعطيل السواني التي تحت عهدته ومطالبة ببيان السبب؛ وإلا عوقب.
توجد نسخة منه في وثائق السيد بناصر غنام عرضتها وزارة الثقافة في »المعرض الخامس« (مارس 1973) (الرقم الخاص 56).
- كناش الحاجب:
(1/4695)
كان السلطان يفض بنفسه المكاتيب الواردة على الحضرة باسم السلطان مختومة، إلى أن توعكت صحة المولى الحسن (عام 1304هـ/1886م) ففوض لحاجبه أحمد بن موسى في فتحها والاِستعانة بكاتبين من صدر الوزارة لتقييد مضمون كل كتاب ليرفع للجناب العالي فيراجع كل مضمون ثم يوقع عليه بما يراه ويقيد الحاجب في كناش خاص سائر تلك المضمنات بتواقيعها (»العز والصولة« لابن زيدان، ج 1، ص. 42).
- كناش الحساب لدى التجار:
كناش الدخل- كناش الخرج- اليومية- كناش الوسخ- كناش الكوبية (أي النسخ) (لوتورنو، »فاس في عهد الحماية«، ص. 398).
(1/4696)
- كناش الديون:
كانت تثبت فيه ديون الدولة في عهد الحسن الأول (توجد نسخة منه في اسم صاحبها (بناصر غنام) وأحرضان. عرضتها وزارة الثقافة ضمن وثائق ومحفوظات المعرض الخامس (مارس 1973) (الرقم الخاص هو 52-77) وكانت تسمى بكناش ما بالذمم للمخزن (راجع كناش ديون العرائش) (وثائق بناصر وأحرضان- المعرض الخامس- الرباط مارس 1973) (الرقم الخاص 88))؛ وكناش ديون تطوان (الرقم الخاص 96).
كناش شروط الأجناس في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (فيه الشروط المعقودة مع فرنسا (عام 1180هـ/1766م) مع عقود ومعاهدات اقتصادية
(1/4697)
وبحرية مع أوروبا (خع 1694د (63هـ)).

- كناش مكاتيب الطابع الشريف:
رسائل رسمية موجهة إلى القواد والعمال خلال عام واحد (1324هـ/1325هـ/1907م (في عهد المولى عبد العزيز) (مكتبة كلية ابن يوسف/خع 1695د).
والطابع السلطاني: خاتم مستدير كانت تختم به الرسائل والأوامر والظهائر السلطانية. وكان يوضع بأعلى المراسيم في العهد السعدي بخصوص المظالم أو رسائل الأشغال والعطاء، في حين كان السلطان يسجل »العلامة« بيده على الكتب والأجوبة والظهائر (»مناهل الصفا«، ص. 206).
(1/4698)
وصاحب الطابع كان قائدا للجيش (عام 1223هـ/ 1808م، وهو أحمد بن مبارك (»الاِستقصا«، ج 4، ص. 142).
والواقع أنه كان لكل قائد من قواد الحواضر أو القبائل الكبرى طابع (مثال ذلك الطابع الرسمي لقائد تطوان محمد عاشير، وهو بيضوي الشكل بأعلاه نتوء قليل قد كتبت في دائرته: »ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب«، وفي وسطه »خديم المقام العالي بالله محمد عاشير وفقه الله« (»تاريخ تطوان«، ج 2، ص. 270).
- كناشة أبي سالم إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البرنسي (1130هـ/1717م)، تحتوي على رسائل علمية وإجازات من أشياخه
(1/4699)
(خع 1056د).
- كناشة لأحمد بن الحسن اليحمدي الوزير (1132هـ/1719م)، وهي أكبر كناشة عرفت بالمغرب (نسخة في عشرة أجزاء، في خم تسعة منها رقم 1034، والعاشرة رقم 3985. والنسخة في ثمانية أجزاء في مجلدين (خع 330ك)، وهي غير كناشة اليحمدي محمد بن الحسن (الجزء الأول، خم 2272).
- كناشة لأحمد بن الطالب بن سودة (1321هـ/1903م) (خع 473ك).
- كناشة لأحمد بن عبد السلام السريفي الصفصافي (1343هـ/1925م) بها نقول وإجازات لأبي القاسم بن أحمد الفاسي.
(1/4700)
- كناشة لأحمد بن عبد الله التناني الصويري المهندس رئيس قواد الطبجية في العهد الحسني جمع فيها فوائد أشياخه ومؤلفات في الحساب والجبر والمقابلة وأغرتم (»الإِعلام« للمراكشي، ج 2، ص. 266).
- كناشة لأحمد بن القائد عمر بن أبي ستة المراكشي (1292هـ/1875م)، وهي إجازة الشيوخ. يوجد عند بعضهم بمراكش (»الإِعلام« للمراكشي، ج 2، ص. 227).
- كناشة لأحمد بن قاسم جسوس الرباطي (1331هـ/1912م)، ضمنها شيوخه (نسخة عند ابن أخيه الحاج قاسم جسوس بالرباط).
(1/4701)
- كناشة أحمد بن محمد بن السعيد الفلالي العلوي قاضي مقصورة المواسين (خم 10327).
- كناشة أحمد بن محمد بن عاشر السلوي الحافي (خع 1044ك).
- كناشة لأحمد بن محمد الرشيدي المكناسي (1319هـ/1902م) (خع 1068ك).
- كناشة للطيب بن محمد البياز عامل فاس (خم 3665).
- كناشات أربع للعباس بن محمد بن عبد الرحمن الفيلالي الحجرتي (1311هـ/1893م). وقد سجل فيها وفيات المتأخرين من أهل فاس (خع 3634د 685هـ/3747د/70ك).
- كناشة لعبد الرحمن ستين قيد فيها بخطه الفوائد الحديثية وغيرها (راجع فهرسة تلميذه المنجور).
(1/4702)
- كناشة عبد العزيز الغرديس (خع 1081ك)/2276ك/2848د).
- كناشة لعبد القادر بن محمد التطواني الهزروم حول وثائق سياسية ومستندات تاريخية ترجع لعصر السلطان محمد الثالث وكان كاتبا له (مكتبة العلامة محمد التطواني بسلا).
- كناشتان لابن المواهب سيدي العربي بن محمد بن محمد السائح (خع 147د/139د (الثانية مستخرجة من الأولى)).

- كناشتان للعربي بن عبد القادر بن علي المشرفي المعسكري نزيل فاس (1313هـ/1895م) (خع 204د/471د).
(1/4703)
- كناشة لعبد الله بن علي شطير التطواني (1215هـ/1800م) اسمها »نضار الأصيل على بساط الخليل«، أشار فيه إلى ابتكار طريقة جديدة للعبة الشطرنج ولعبة الكارطة (خزانة داود بتطوان) (»تاريخ تطوان«، ج 6، ص. 199).
- كناشة لعلال بن أحمد بن شقرون الكريمي الفاسي (1319هـ/1901م) ذكر فيها أشياخه (خع 469ك).
- كناشة لعلال (أوعلى) بن محمد التهامي بن أحمد الحمومي الفاسي (1259هـ/1843م) (خع 1531ك) (»السلوة«، ج 1، ص. 177).
(1/4704)
- كناشة لمحمد بن أحمد بن الطيب بناني (1317هـ/1899م) (ضمنها إجازات شيوخه) (راجع بعضها في »الأعلام« للمراكشي، ج 7، ص. 119، ط. الرباط).
- كناشة محمد بن أحمد بن العربي الصقلي (1316هـ/1898م) (خع 480ك).
- كناشة محمد بن أحمد الرافعي الأزموري الجديدي (1360هـ/1941م) (خع 1198 (خع 1198ك)).
- كناشة محمد الطالب بن حمدون بن الحاج (خم 3063).
- كناشة محمد بن الطاهر الزبدي الرباطي (»تاريخ تطوان«، ج 4، ص. 78).
- كناشة تاريخية لمحمد العربي بن الطيب بالقادري (خم 2389).
(1/4705)
- كناشة لمحمد بن عبد الرحمن (1343هـ/1925م) (نسخة عند أسرته تابع تقييدها ابنه عبد الكبير وحفيده).
- كناشة محمد الطيب بن عبد السلام الخياط قيم خزانة الرصيف بفاس في العهد الرحماني (خع 1574ك) فيها تقييد في الأنساب.

- كناشتان لمحمد بن عبد القادر فرفرة الرباطي (1371هـ/1952م) تحتويان على معلومات تاريخية نادرة حول القرنين الرابع عشر والثالث عشر (نسخة في خزانة محمد التطواني بسلا).
- كناشتان لمحمد بن عبد الله المراكشي تحتويان على تقاييد مقتبسة من نوادر المصنفات (خع ج 88/ج 91).
(1/4706)
- كناشة لمحمد بن العربي بن أحمد الفيلالي (خع 911ك).
- كناشة محمد بن العربي قصارة الفاسي (1257هـ/1841م) (وقد أشار إليها الطيب بن محمد البياز عامل فاس في كناشة خم 3665).
- كناشة لمحمد بن محمد بن علال النحول الفاسي. نسخة بالخزانة الأحمدية السودية بفاس تحتوي على فوائد نادرة.
- كناشتان لمحمد المدني بن علي بن جلون الكومي (1298هـ/1880م) (خع 29ك/خع 2676ك).
- كناشة لمحمد بن قاسم الزجالي الفاسي (1072هـ/1662م) ذكر فيها أساتذته ورحلته الدراسية إلى القاهرة (»نشر المثاني«، ج 1، ص. 242).
(1/4707)
- كناشة لمحمد بن محمد بن إدريس العمراوي الفاسي الوزير ترجم فيها لنفسه (نسخة في خس).
- كناشة ابن عبد السلام، فهرسة فيها مجموعة إجازات ابن ناصر محمد المدني بن محمد بن عبد السلام الدرعي وقف عليها الكتاني (»ف.ف«، ج 2، ص. 221).
- كناشة محمد المكي بن محمد بن علي البيطاوري (1355هـ/1936م) (خم 2857).
- كناشة محمد بن محمد بن علي الدكالي السلاوي مصورة على الشريط (خع 36).
- كناشة لمحمد بن محمد بن محمد بن العناية بن فقيرة (توفي بعد 1320هـ/1902م) (خع 3736د).
(1/4708)
- كناشة محمد بن محمد بن يحيى الطنجي (خم 2847) فيها إفادات وأشعار.
- كناشة محمد الصالح بن محمد المعطي الشرقي (خم 3425) فيها بعض إجازات.
- كناشة لمحمد بن ا لمعطي السرغيني (1296هـ/1878م) (خع 491ك).
- كناشتان لمحمد الطيب بن اليماني بوعشرين وزير محمد الرابع تتضمن إحداهما 114 ص حول البريد المغربي من عام 1276هـ إلى 1281هـ والذعيرة الإسبانية وأسماء قواد عصره.
- كناشة محمد السعيدي المنوني (1334هـ/1916م) (خع 2803ك).
- كناشة لمحمد الفاطمي الشرادي (1344هـ/1925م) (خع 1555ك).
(1/4709)
الفهرسة وعلم المخطوطات
الدكتور أحمد شوقي بنين
الخزانة الحسنية - الرباط

على الرغم من المحاولات العديدة التي عملت على تقنين قواعد فهرسة المخطوطات ورسم مناهجها، فإن الصورة النهائية لهذه العملية لم تتحدد حتى الآن في أذهان الممارسين لها في جميع الجهات. ولم تكن المشكلة وليدة اليوم، بل هي قديمة قدم الفهرسة ذاتها. وإذا استعرض الباحث في هذا المجال الفهارس التي عملت على توصيف المخطوطات بدءا بما بقي من شذرات فهرس الشاعر اليوناني كاليماخوس (
Callimacus)(1)
__________
(1) كاليماخوس: شاعر يوناني في القرن الثالث قبل الميلاد عينه البطالسة على رأس خزانة الإسكندرية. وقد وضع لها فهرسا مفصلا بعنوان "قوائم جميع المؤلفات الهامة في الثقافة اليونانية وأسماء مؤلفيها". يعتقد الأخصائيون أنه أول فهرس منهجي (
Pinakes) وضع في التاريخ باعتبار الطريقة العلمية التي لجأ إليها كاليماخوس في تقسيمه للمعرفة تقسيما علميا، وتتصنيف الكتب حسب هذا التقسيم. واعتبره البعض نوعا من الفهارس الموحدة وضعه كاليماخوس لجميع خزائن الإسكندرية. والححقيقة أن هذا الفهرس يمكن اعتباره تاريخا للأدب اليوناني باعتبار التعاليق التي خصه بها أريستوفانيس البيزنطي أحد أمناء مكتبة الإسكندرية بعد كاليماخوس. وقد احتفظ بشذرات من هذا الفهرس بخزائن المتحف البريطاني بلندن.
(1/4710)
لمخطوطات مكتبة الإسكندرية مرورا بما وضعه الغربيون من فهارس لمخطوطاتهم(1)
__________
(1) قد تجدر الإشارة إلى أن أول من اهتم بفهرسة الأرصدة العربية المحفوظة في الخزانات الأوربية هم العرب المشارقة. كان بطرس دياب الحلبي وباروت السوري ويوسف العسكري أول من فهرس مخطوطات المكتبة الوطنية الفرنسية بباريز. كما كانت أسرة السماعنة المارونة مثل يوسف شمعون السمعاني وشقيقه عواد أول من تصدى لفهرسة التراث العربي في مكتبات إيطاليا. وكذلك كان الأمر في إسبانيا: فإن ميخائيل الغزيري اللبناني كان قد وضع أول فهرسة للمخطوطات العربية بخزانة الإسكوريال.
(1/4711)
إلى الفهارس الحديثة التي وضعت للتراث العربي المخطوط، فإنه يلاحظ خلوها من أية أسس موحدة، وبالتالي فإنها تختلف اختلافا بينا في المنهج المتبع في
أساليب وصف المخطوطات. لم يقتصر الأمر إذن على التراث العربي، بل يشمل المخطوطات في جميع اللغات وفي مختلف العصور والأزمان.
فهل يرجع السبب في ذلك إلى عدم تحديد الفهرسة تحديدا علميا من شأنه أن يوحد هذه العملية في جميع الجهات وفي مختلف اللغات؟ تكاد كل التحديدات تتفق على أن الفهرسة تهدف إلى الضبط الببليوغرافي للمخطوطات وتوثيق وجودها والتعريف بها للمهتمين من
(1/4712)
القراء والباحثين. ولكن ما حدود هذا التعريف؟ وما مواصفاته؟ وما البيانات المختلفة والضرورية التي يجب أن نقف عندها ولا نتجاوزها في توصيفنا للمخطوطة؟ وما الطرق الكيفية التي يمكن المفهرسَ أن يعالج بها مخطوطته في عملية الفهرسة؟ أعتقد أن هذا لا يمكن أن يتم إلا إذا حاولنا أن نحدد الفهرسة تحديدا كوديكولوجيا، أي أن نبرز الحدود التي تفصل بين خصائص الفهرسة ومهام علم المخطوطات.
اختلف علماء الغرب في تحديد الفهرسة بالنسبة لعلم المخطوطات أو الكوديكولوجيا. فمنهم من جعلها عنصرا من عناصر هذا العلم(1)
__________
(1) .
Alphonse Dain, Les Manuscrits
(1/4713)
، ومنهم من اعتبرها فنا قائمة بذاته يتداخل ويتكامل مع علم المخطوطات. والحقيقة أن كثيرا من العناصر اللازمة لتوصيف المخطوط قد يشترك في الاهتمام بها كل من الكوديكولوجي والمفهرس يعمل كلاهما على التعريف بالمخطوط أو دراسته باعتباره قطعة مادية(1). ومن بين هذه العناصر قضية مصدر
__________
(1) طريقة الكوديكولوجي تشبه طريقة العالم الأثري الذي يحاول إعادة بناء القطعة الأثرية المكتشفة. لهذا اقترح بعض علماء الفيلولوجيا في ... فرنسا وفي بلجيكا عبارة "أثرية المخطوط"(
L’Archéologie du manuscrit) للتعبير عن علم المخطوطات.
(1/4714)
المخطوط التي يتكلف المفهرس بالبحث فيها كأن يقول مثلا: "جاء هذا الكتاب من خزانة كذا أو كان محفوظا في مسجد أو زاوية معينة" "جاء به وجيه من مجموعة وجيه آخر" على غرار ما نجد في مختلف الفهارس(1). فهذه ليست مهمة المفهرس بقدر ما هي مهمة الكوديكولوجي الذي يدخل في اختصاصه البحث عن مصادر المخطوط ورحلاته بين الخزائن والمكتبات عبر العصور، وذلك
__________
(1) ينظر "فهرس" المخطوطات العربية المحفوظة في الخزانة الوطنية بباريز؟
(1/4715)
ليدرس مجالات أخرى كتاريخ الخزانات وتاريخ المخطوطات. وهي كما نعلم من أخص عناصر علم المخطوطات الحديث.
وقد أوصى رمضان شش التركي في أحد أبحاثه بإعطاء لمحة عن تاريخ المكتبات التي مر منها المخطوط أثناء فهرسته، وهو - كما نلاحظ - تجاوز صريح المجال الكوديكولوجي من طرف المفهرس(1)
__________
(1) من الأمثلة على تتبع مصادر المخطوطات والبحث في رحلاتها وتاريخها تلكم الأعمال التي خص بها العالم المعربي محمد المنوني النسخة التي بقيت من مصاحف عثمان رضي الله عنه، حيث تتبعها منذ أن ذخلت المغرب في القرون الإسلامية الأولى وانتقلت في بوت الملوك والسلاطين إلى أن ضاعت في البحر في القرن الثامن الهججري على العهد المريني. وهي - حسب المختصين - آخر نسخة من نسخ القرآن التي نسخها هذا الخليفة الراشدي.
(1/4716)
.
وقد يعمل الرجلان على تأريخ المخطوط غير المؤرخ. فالمفهرس يؤرخه بالتقريب، اعتمادا على الحدس والتخمين والتجربة الشخصية في مجال الفهرسة. ولا ينكر أحد الجهود التي بذلها علماؤنا الأجلاء في هذا المجال(1).غير أنه قد يصيب كما أنه قد يخطئ.
__________
(1) التملكات والسماعات والإجازات لها أهمية بالغة لمن يأرخون للمخطوط العربي غير المؤرخ. وهي من الوسائل التي يعتمدها معظم العاملين في مجال الفهرسة. فإنها تساعد على تحديد تاريخ المخطوط في حالة عدم وجوده، وتكشف عن قيمته ومدى اهتمام الناس به في فترات معينة من التاريخ.
(1/4717)
ولا مجال هنا للتعرض للأخطاء التي وقع فيها كثير من المفهرسين في هذا الميدان. أما عالم المخطوطات، فإنه، بالإضافة إلى كفاءته وتجربته الفردية، يستعمل لتأريخ المخطوط غير المؤرخ مجموعة من الأدوات التقنية والعلمية استعيرت من النظريات الفيزيائية والكيماوية أتاحتها البحوث العلمية الحديثة(1)
__________
(1) يعمل الكوديكولوججي في مخبر الاِستفادة من النظريات الفيزيائية والكيماوية كالتححليل الكيميائي للمداد والأوعية والهولوغرافيا (
Hologrphie) للمقارنة بين الخطوط والبتارديوغرافيا (Bétardiographie) لمعرفة علامات الكاغد (Filigranes) ، خصوصا إذا كان الكاغد أوربيا؛ لأن الكاغد العربي لا يحمل هذه العلامات. والمعههد الوحيد في العالم الذي تطبق فيه هذه الأشياء هو معهد البحث وتاريخ النصوص ( I.R.H.T) التابع للمركز الوطني للبحث العلمي في باريز. يتكون هذا المعهد من شعب مختلفة، وهي الشعبة الإغريقية والشعبة ==اللاتينية والشعبة العبرية والشعبة العرربية. بالإضافة إلى هذه الأقسام، هناك قسم الكوديكولوجا. ينشر المعهد مجلة "تاريخ النصوص"، وهي الدورية الدولية الوحيدة المتخصصة في تاريخ النصوص. ...
(1/4718)
.
أما إذا كان المخطوط مؤرخا، فالمفهرس يحتفظ بالتاريخ المذكور في الكولوفون (
Colophon) أو حرد المتن؛ ولكن عالم المخطوطات يبحثه بحثا كوديكولوجيا ليتأكد من صحته. فقد يدرس الورق ليتحقق من عمر المخطوط، ولم يكن دائما قدم الورق دليلا على قدم المخطوط في الزمن. وقصة ابن البواب الذي أكمل الجزء الثلاثين من قرآن ابن مقلة في ورق شبيه بورق ابن مقلة أكبر دليل على ذلك(1)
__________
(1) انظر للمستشرق الدنمركي : يوهنس بدرسن (
Johans Pedersen) ، الكتاب العربي، Book The Arabic)) ، الترجمة العربية صيد رغيبة، ص. 113. في الثلاثينيات عرض في مكتبة القاهرة الكبرى ما يفترض أنه مخطوطة أصلية لابن ملة. وقد تبين فيما بعد أنها كانت من أعمال خطاط حديث.
(1/4719)
. ويعلم المختصون كم هي كثيرة تلكم المخطوطات التي يحتفظ الناسخ في نسخته بتاريخ النسخة المنسوخ منها. وقد يقصد الناسخ إلى ذلك قصدا، وقد يكون منه سهوا. وللتأكد من تاريخ المخطوط أهميتان أساسيتان للفيلولوجيين ولعلماء المخطوطات: أولاهما تعطي المقومات الأساسية لتاريخ النصوص، وهو الأساس لما نسميه نحن العرب بالتحقيق العلمي؛ وثانيتهما تساعد على تقدم الدراسات المتعلقة بالبالوغرافيا أو علم الخطوط القديمة(1)
__________
(1) لفظ باليوغرافيا (
Paléographie) من وضع العالم والراهب البندكتي Bénédictin) الفرنسي مونفكون (Montfaucon) (1741م). استعمله لأول مرة في اللغة الفرنسية بهذا الشكل في إحذى رسائله المؤرخة بتاريخ 14 دجنبر 1708. درس هذا الراهب اللغة الإغريقية واللغات الشرقية، وله كتاب في المنهجج بعنوان "علم الخطوط الإغريقية القديمة" .(Paleographia graeca)
ويجب الإشارة إلى أن علم المخطوطات كان يعتبر إلى وقت قريب جزءا من الباليوغرافيا أو علم الخطوط القديمة. وقد كان العلماء الألمان يقولون: "الباليوغرافيا التطبيقية" أو "التاريخية" (
Pala(graphie) للتعبير عن علم المخطوطات قبل أن يستعملوا لفظ هاند شغيفتن كونده (Handschriftenkunde) ، واحتفظوا بلفظ "باليوغرافيا" لعلم الخطوط القديمة.
(1/4720)
.

ومن البيانات التي يشترك فيها المفهرس والكوديكولوجي وصف نوع الورق أو الجلد أو الطرس الذي كان المادة التي تم نسخ المخطوط عليها. ويقضي بعض المفهرسين وقتا طويلا في وصف المادة التي هي وعاء المخطوط باحثا عن نوعيتها ومصدرها، كأن يقول إذا كان المخطوط مكتوبا على الورق: وهو ورق عربي، أو أوربي إذا كان يحمل علامة (
Filigrane) (1)
__________
(1) يظهر هذا جليا في بعض الفهارس التي وضعها المستشرقون للمخطوطات العربية المحفوظة في الخزانات الأوربية. فإنهم يصفون العلامة ويحددون معالمها، كأن يقال مثلا: علامة على شكل رأس ثور أو شكل هلال. مثلا، انظر فهرس باريز.
(1/4721)
؛ وإذا كان
مكتوبا على الرق يقول: هو رق غزال أو جلد أو غير ذلك. أما إذا كانت المادة المستعملة للكتابة طرسا(1)
__________
(1) الطرس: ج. طروس، وهي رقاق. وقد جاء ذكرها هنا وهناك في النصوص الأدبية. أخبرنا ابن النديم في "الفهرست" بأن سلطات بغداد ... اضطرت إلىى استخدام الرقاق المستعملة لسنوات كثيرة ، لأن المكاتب سرقت ونهبت. ولما أصبح الكاغد يصنع في بغداد على عهد ... الرشيد، أمر البرمكي الكتاب ألا يكتبوا الرسائل الرسمية إلا على الورق، لأن الجلود تمحىى ويكتب فيها من جديد. (انظر: بدرسن ... (
Pedersen)، الكتاب العربي، التترجمة العربية، ص. 81). ويقال كذلك "طلس": ج: أطلاس، وهي الصحيفة الممحوة، كما يقال ... له: رق مبشور.
(1/4722)
(Palimpseste)، وهو الجلد الذي يكتب عليه ثم يمحى ويكتب عليه من جديد - وهذه الظاهرة عرفتها النساخة العربية في فترات تاريخية مختلفة -، فإن المفهرس يكتفي بكلمة "رق" أو "جلد" لنعت مادة الكتابة، لأنه لا يملك من الإمكانات العلمية ما يؤهله لتمييزه من الجلد الخام. إن الإسهاب في وصف مادة الكتابة من ورق وجلد وطرس هو من مهام عالم المخطوطات الذي يبحث فيها لتحقيق غايات أخرى يهدف إليها من خلال دراسته للمخطوط دراسة كوديكولوجية.
(1/4723)
فالبحث في نوع الورق(1) وفي مصدره وفي أماكن صنعه يهدف منه عالم المخطوطات إلى إبراز مظاهر التطور التي عرفتها هذه المادة عبر التاريخ منذ أن كان مادة عربية تصدر إلى أوربا حتى صار مادة أوربية تصدر إلى البلاد العربية والإسلامية(2)
__________
(1) في بعض النصوص القديمة كلمة "ورق" لا تعني الكاغد (وهي كلمة صينية) بمعناه الحديث (
Papier) ، بل يقصد بها أحيانا ورق البردي ... المصري (Papyrus). لهذا وجب الاحتياط وإمعان النظر عند قراءة النصوص القديمة المتعلقة بالورقق.
(2) كان الكاغد العربي يصدر إلى أوربا قبل أن تنشأ فيها مصانع لصنعه. وأكبر دليل على ذلك احتفاظ اللغات الأوربية بكلمة "رزمة" ... العربية التي هي خمسة كفوف؛ والكف يضم خمسا وعشرين صحيفة. يقال في اللغتين الإيطالية والإسبانية
Resma و ّرامّ (Rame) ... في الفرنسية و "رايز" (في الأصل رز) في الألمانية، و"ريز" في الدنماركية، و"ريم" طبعا في الإنجليزية. (انظر : بدرسن، الكتاب العربي، ... الترجمة العربية، ص. 92). وأصبح الكاغد الأوربي يستورد إلى الدول العربية بدءا من القرن الثالث عشر الميلادي، خاصة من مدينة ... البندقية الإيطالية التي كانت مشهورة بمصانع الورق. وكان الورق المصنوع فيها يحمل علامة (Filigrane) غالبا ما تكون رمزا من ... رموز المسيحية. ولكن الورق الذي يصدر للبلاد الإسلامية يحمل علامة ترمز إلى رمز من رموز الإسلام كالهلال وغيره. أما الطروس ... أو الطلوس، فهي ظاهرة قد عرفت في الغرب الإسلامي. عندما فتح العرب الأندلس وصقلية، محوا الكتب اللاتينية واليونانية بعد ... ترجمتها وكتبوا عليها ثانية. ولما خرد العرب من الأندلس، محا الإإفرنج كتب العرب وكتبوا عليها مع أنهم في غنى عن ذلك لوجود ==الكاغد الذي نشره العرب في أوربا,. وفي القرن الماضي، استخرج الأوربيون بوسائل كيماوية النصوص الغربية القديمة من الطروس ... العربية وبقيت الطلوس الإفرنجية محتفظة بسر الكتب العربية المطلوسة.
(1/4724)
. ويهدف من البحث في نوع الجلد الذي يمكن أن يكون خاما أو مدبوغا أو مصنعا أو ورقا (Parcheminn) أو طرسا (Palimpseste)
إلى رصد التطور الذي عرفته كذلك هذه الأداة من جهة، ثم إلى التنافس الذي عرفته المادتان معا - الورق والجلد(1)
__________
(1) هناك نماذج من المخطوطات كتبت علىى الجلد والورق معا. إن هذا التركيب المزدوجج يمثل التزامن الذي عرفته المادتان معا باعتبارهما وعاء للكتابة العربية، كما يرمز إلى الانتقال التدريجي من الجلد إلى الورق.والمثال على ذلك: المعجم اللاتيني - العربي المححفوظ بخزانة جامعة ليدن بهولندة تحت رقم 231 .
OR صفحات الوقاية من الرق وباقي صفحات المخطوط من الورق.
(1/4725)
- باعتبارهما أداتين أساسيتين للكتابة العربية من جهة أخرى.
وقد دأبت بعض فهارس المستشرقين على الإسهاب في وصف مادة الكتابة وصفا يكاد يخترق به مجال عالم المخطوطات. وقد يلاحظ هذا بالخصوص في توصيف الجلد الذي كان أداة للتجليد أو التسفير.
إن بعض الفهارس وكذلك بعض البطاقات التي اقترحها مكتبيُّن وعلماء لفهرسة المخطوط العربي تلح على الإشارة إلى مكان نسخ المخطوط مع ذكر اسم الناسخ إن ذكرا في حرد المتن أو الكولوفون. وذكر الناسخ أساسي في التعريف بالمخطوط. وقد تحدد قيمة الكتاب بحسب ناسخه. فالمخطوطة نسخة أصلية
(1/4726)
إذا كانت بخط مؤلفها، وهي مهمة إذا كانت بخط أحد العلماء المشهورين أو الخطاطين المعروفين. وإذا كان من مهام المفهرس الاكتفاء بذكر اسم الناسخ، فإن مهمة عالم المخطوطات استغلال وجود هذا الاسم لتحديد نوع النسخة - أصلية كانت أو عادية -، ولإبراز رسم الخط(1)
__________
(1) يحاول بعض المفهرسين التمييز بين المداد والحبر الذي نسخ به المخطوط، وهو كذلك تطاول على مهمة الكوديكولوجي الذي يحلل المداد أو الحبر في المختبر محاطا بالآلت والتجهيزات اللازمة لهذا التحليل بهدف الوصول إلى المواد التي تتركب منها هذه المادة وليتوصل إلى الأسباب التي دعت إلى انطماس المداد أو إلى بقائه.
(1/4727)
. كما يساعد البحث في هذا الموضوع على دراسة مسألة النساخة والنساخ بوجه عام في التراث العربي، وهي قضية من قضايا علم المخطوطات التي لم تحظ بعناية الباحثين حتى اليوم. وكم هي كثيرة المشاكل التي شوهت تشويها كبيرا نصوص
هذا التراث بسبب أيدي الناسخ الذي يجب تخصيصهم بكشافات(1)
__________
(1) هذا النوع من الكشافات قد يؤدي خدمة جليلة للمهتمين بالتوثيق والتحقيق العلمي. كما يجب علينا في عالمنا العربي أن نضع مونغرافيات للنساخ المشهورين مثل ابن مقلة وابن البواب والمستعصمي وسواهم من ألوف النساخ الذين عرفتهم البلدان الإسلامية في مختلف العصور.
(1/4728)
وأدلة ومونوغرافيات تساعد على القيام بالبحث في حيواتهم وسلوكهم ثم إخضاعهم لعملية الجرح والتعديل التي خضع لها رواة الحديث وخضع لها حتى الرواة من علماء اللغة والأدب. وقد يسفر مثل هذا البحث عن نتائج إيجابية تستفيد منها الكثير نصوص التراث العربي.
أما مكان نسخ المخطوط الذي نجده في كثير من الفهارس، فهو ليس مهما للمفهرس بقدر ما هو أساسي للباحث في علم المخطوطات. إن الإشارة إلى مراكز النسخ في خواتم المخطوطات قد تؤدي خدمة كبرى للكوديكولوجي: إذ تساعده على استجلاء الكثير من الغوامض والإجابة عن كثير من
(1/4729)
الأسئلة العلمية والتقنية المتعلقة بالمخطوط والتي لا تزال حتى اليوم تحير الباحثين في هذا المجال. وأقتصر هنا على قضية الكراس أو الكراسة في التراث العربي المخطوط. يبدو - حسب الكثير من المخطوطات - أن الكراسة لا تعدو عشر ورقات، وتكون الإشارة إليها بحرف الكاف وقد تكون الإشارة بالكلمة بكاملها(1). وقد أكد البحث في هذا المجال أن الكراسة(2)
__________
(1) وقد يكون الترقيم بالكراريس بالأرقام الهندية، وقد يكون كتابة كأن يقول: سابع، ثامن أو سابعة، ثامنة مع الضمير الذي يعود على الكراسة.
(2) لم يوجد حتى الآن تعريف نهائي متفق عليه لكلمة كراسة التي استعملت في العربية منذ بداية حركة التأليف ةوالتي اعتبرها بعض القدماء كتابا، واعتبرها البعض الآخر كتيبا. وقد تجدر الإإشارة إلى أن كثيرا من مخطوطاتها العربية المحفوظة في الخزانات الأوربية كخزانة برلين ... بألمانيا قد أدى ترميمها إلى قص الأوراق، مما أدى في غالب الأحيان إلىى تقزيم أو فقدان "كاف" الكراسة أو الكلمة نفسها، لأنها لم ... تعد مهمة بعدما عوضت بنوع آخر من الترقيم.
(1/4730)
قد تكون إحدى عشر ورقة، وقد تكون ثمانية(1) ، وقد تكون غير ذلك(2)
__________
(1) سحر البلاغة وسر البراعة، للثعالبي المحفوظ بمكتبة توبنجن(
Tubingen) بألمانيا بخط مغربي نسخ عام 582هـ. كراسته ثمان ورقات. وهو مرقم ترقيما هنديا.
(2) عثرت في أبحاثي الكوديكولوجية في ألمانيا عن مجموعة من المخطوطات القديمة المرقمة حسب الكراريس، أن الكراسة لا تتجاوز فيها ثمان ورقات كما كان عددها إحدى عشرة ورقة في مخطوطات أخرى. وقد أشار بدرسن (في كتابه: الكتاب العربي، ص. 92 من الترجمة العربية) إلىى أن الكراسة ثمان صفائح مطوية .وقد اعتبر أحد المحدثين وهو حسن حسني عبد الوهاب الكراسة عبارة عن كتيب حين ... قال في شأن كتاب "المختار من شعر شعراء الأندلس" لابن الصيروفي 542هـ: "يظهر أن أصل هذا الكتاب يخرج في ستة كراريس، أي نحو مائتي صحيفة. والصحيفة هي الورقة" (انظر مقدمة الكتاب بقلم محققه هلال ناجي، ص. 11).
(1/4731)
.
فهل يعني هذا أن عدد أوراق الكراسة يختلف باختلاف مراكز التنسيخ أو أن هذا الاختلاف يرجع في أصله إلى أسباب أخرى مجهولة لن يكشف عنها إلا البحث الكوديكولوجي للمجموعات الخطية المحفوظة في مختلف الخزانات الدولية، بدءا بوضع قوائم خاصة بالمخطوطات التي حظيت بذكر مركز النسخ ثم ترتيبها زمانيا ومكانيا؟
ومن البيانات التي تدخل في حقل الوصف المادي للمخطوط بيان نوع الخط الذي كتبت به النسخة المفهرسة. يكتفي المفهرس بأن الخط شرقي أو مغربي من دون أن يحدد نوعيته الشرقية أو المغربية(1)
__________
(1) الخط الشرقي أنواع والخط المغربي كذلك أنواع: منه الأندلسي والتونسي والفاسي والبدوي وما إلى ذلك.
(1/4732)
. وقد توحي المخطوطة المفهرسة بأنها كتبت بخطوط مختلفة، فيشير المفهرس في بيانه إلى هذا الاختلاف من دون بذل أي محاولة لمعرفة سبب ذلك، مكتفيا بقوله إنها نسخت بأقلام مختلفة. إن عالم المخطوطات يستطيع أن يثبت أنه ليس من الضرورة أن تكون المخطوطة قد نسخها نساخ مختلفون، بل هي من خط ناسخ واحد نسخها في حالات نفسية مختلفة أو في فترات زمنية متباعدة تغير معها خطه. وقد يستخلص هذا من دراسة مخطوطية معمقة لكل أثر من آثار المؤلف. ولن يتأتى هذا البحث المفهرس العاجل المحاط بآلاف النسخ التي تنتظر التعريف والفهرسة(1)
__________
(1) أثبت علماء المخطوطات أن النساخ يملكون أكثر من خط واحد بدليل أنهم يكتبون الشروح والهوامش بخط مغاير لخط النص، وأنهم يميلون في بعض الأحيان إلى تقليد خط النسخة التي ينقلون منها أو ليكون خطهم قريبا من خط النسخة الأم. وقد ثبت في التراث الأوربي المخطوط أن كثيرا من النصوص الدينية المقدسة المنسوخة في القرن 12 و 13م تذكرنا من حيث الخط بمخطوطات القرن العاشر الميلادي (انظر ألفونش دان (
Dain) ، كتاب المخطوطات، ص. 31 (بالفرنسية). ومما يبرز مهارة النساخ هو قدرتهم على تعويض ورقة أو جزء من أجزاء مخطوط ضاع مع الزمن بخط الأوراق أو الأججزاء الأخرى نفسه، ولا أدل على ذلك من قصة ابن البواب الذي كلفه بها الدولة حينما كان على رأس خزانته بشيراز بكتابة الجزء الذي ضاع من القرآنالذي نسخه ابن مقلة في ثلاثين جزءا، فكتبه وقدمه للأمير مع باقي الأجزاء، ففحصها بدقة دون أن يكتشف النسخة المكتوبة حديثا، فاحتفظ بها جميعا على أنها من أعمال ابن مقلة (انظر: ياقوت الححموري، معجم الأدباء؛ وبدرسن، الكتاب العربي، ص. 113 من الترجمة العربية).
(1/4733)
وعلى الرغم من هذه الأكداس من المخطوطات، فإن هذا المفهرس العابر قد يتوسع أحيانا في التفصيل؛ فيحاول المقارنة أو المقابلة بين نسخ المخطوط المفهرس. يكتفي تارة بمقارنة الكتاب بما هو محفوظ من نسخ أخرى بالخزانة المفهرسة ويتجاوزها تارة أخرى إلى مقابلة نسخته بما تيسر له ووقف عليه من نسخ المخطوط المحفوظة في مكتبات أخرى(1)، مستعينا في عمله هذا بالأدوات الببليوغرافية من كتب تراجم وأثبات
__________
(1) بعضهم - وهم كثير - يشير إلى طبعات الكتاب إذا كان قد طبع، معتبرا الطبعة نسخة أخرى يستأنس بها في المقابلة أو المقارنة.
(1/4734)
وقوائم وفهارس مثل كتاب "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان(1)
__________
(1) كثير من الفهارس تشير إلى وجود الكتاب أو عدم وجوده في كتاب بروكلمان (
Gal) . ولم تعد الإشارة إلى هذا الكتاب ضرورية، ما دامت الكتب التي يحصيها لا تتجاوز العشرين ألف كتاب في حين يقدر تراثنا المخطوط بالملايين. من المستحب أن يستشار الكتاب لا من طرف المفهرس، بل من طرف عالم النصوص الذي يكون بحاجة إلى النسخ المتعددة للمخطوط الواححد. وقد أصبح الكتاب اليوم متجاوزا بحيث ترجع آخر طبعاته إلى بداية الأرعينيات وقد صدرت منذ ذلك الوقت مئات الفهارس فهرست فيها آلاف المخطوطات العربية المكتشفة.
(1/4735)
(Brokelman) . وقد تدعو البيانات التوثيقية المفهرس إلى ما يسمى بالبيانات التلخيصية يعرف خلالها بموضوع الكتاب وأفكاره وأبوابه وفصوله، فيتجاوز الملخص أحيانا مرحلة التحليل الموجز للكتاب إلى مرحلة النقد وإبداء الرأي، فيصبح الفهرس ببليوغرافيا نقدية. بل ربما تجاوز المفهرس كل هذه المراحل ليقوم بتاريخ للنص المفهرس، مقتحما بذلك - دون أن يشعر - فضاء المختص في تاريخ النصوص أو مجال الكوديكولوجي الذي يعمل على البحث على مختلف نسخ المخطوط للمقارنة بينها، ولدراستها دراسة مخطوطية علمية يستفيد من نتائجها من
(1/4736)
تسميه بالمحقق.
رأينا - في ما سبق - بعض العناصر التي تعتبر - في رأي العلماء - أساسية في عملية ما اصطلح عليه بالفهرسة، وأبرزنا العلاقة التي تربط بين المفهرس والكوديكولوجي في معالجة كل منهما لهذه العناصر. فهل نكتفي في فهرسة المخطوط بهذا الوصف المادي السريع الذي لا يشفي غليل الباحث المدقق أو نرفع المخطوط للمختبر الذي كثيرا ما كانت نتائجه ونتائج الفهرسة العادية على طرفي نقيض.
إذن هل هناك طريقة علمية وخطة عملية يهتدي بها المفهرس في إطار علاقة الفهرسة بفضاء علم المخطوطات إلى النزوع إلى المعالجة
(1/4737)
الكيفية لعناصر الفهرسة وتعميق البحث فيها؟ إن
علم المخطوطات لا يقبل البيانات السطحية اليسيرة المكدسة في فهارس المخطوطات موجزة كانت أو مفصلة؛ إنه لا يستسيغ الأحكام المبنية على الحدس والتخمين في حين يمكن إثباتها بوسائل علمية حديثة. إن التداخل بين العلمين والتكامل لازب بينهما يدعوان إلى القيام بعمل مشترك قمين بالكتاب المخطوط، وذلك في معهد علمي على غرار معهد البحث وتاريخ النصوص الذي استحدث في باريز منذ الثلاثين من هذا القرن. هناك يمكن علمَ المخطوطات أن يتعامل مع الفهرسة التقليدية تعامل القاضي مع
(1/4738)
المحجور عليه حتى يتبين رشده(1). ورشد الفهرسة هو أن يؤكدها علم المخطوطات في بياناتها التاريخية والانتساخية والمادية وما إلى ذلك من معلومات قمينة بتمييز مخطوطة عن أخرى. وإذا ما تم هذا في إطار المعهد المقترح استحداثه وبآلات ووسائل علمية حديثة، انعدم السؤال الخالد المتعلق بقضية الاختصار والتفصيل؛ ولم تعد تطرح هذه المسألة في الفهرسة، بقدر ما تطرح الطرق الكيفية التي يعالج بها كل من المفهرس والكوديكولوجي مخطوطة
__________
(1) مدخل إلى الكوديكولوجيا، الترجمة العربية، "المقدمة"، ص. 79، مرقون بكلية الآداب بالرباط.
(1/4739)
معينة.
(1/4740)
الفوائد التاريخية لتصنيف النباتات بفاس من خلال كتاب "حديقة الأزهار" لأبي القاسم الغساني (ق 10 هـ/ 16 م)

الأستاذ عبد الأحد الرايس
... كلية الآداب ـ وجدة

... سبق لعدة باحثين مهتمين بتاريخ المدينة المغربية أن أثاروا الانتباه إلى الصعوبات الجمة التي تعترض الباحث وهو يسعى إلى تكوين صورة متكاملة وشاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحضارية للمدينة المغربية، وكيف أن ما تقدمه المصادر التاريخية التقليدية من معلومات لا تسمح بتاتاً بتقديم إجابات شافية للتساؤلات والإشكالات التي تطرحها المناهج
(1/4741)
والنظريات التاريخية الحديثة. وهي تساؤلات وإشكالات تهدف إلى الكشف عن واقع البناء الاجتماعي وضعية الفئات الدنيا في المجتمع الحضري، وتهدف أيضاً إلى دراسة البنى الاقتصادية والتخطيط العمراني للمدينة المغربية وتطوره عبر الحقب التاريخية المختلفة، إلى جانب البحث في النظم الحضارية والعادات والتقاليد، وإلى غير ذلك من القضايا التي تتناولها المناهج التاريخية الحديثة(1)
__________
(1) حول تطور مناهج البحث التاريخي في المغرب وطبيعة المشاكل التي تعترض الباحثين في هذا الميدان، انظر: أعمال ندوة البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1989؛ وانظر أيضاً: أعمال ندوة المدينة في تاريخ المغرب العربي، منشورات كلية الآداب ـ ابن مسيك، الدار البيضاء، 1990.
(1/4742)
.
... وتبعاً لطبيعة الانشغالات الجديدة التي أصبحت تؤرق الباحثين في تاريخ المدينة المغربية، اتجه اهتمام عدد من الباحثين المعاصرين إلى استغلال مصادر متنوعة ككتب النوازل والجغرافيا والرحلات والمناقب والحسبة والوثائق والعقود والحوالات الحبسية، وعدم الاكتفاء بكتب التاريخ التقليدي ذات الطابع السياسي والحدثي، وذلك أملاً في تحقيق الأهداف المرجوة(1)
__________
(1) إبراهيم القادري بوتشيش، »دور المصادر "الدفينة" في كشف الجوانب الحضارية المنسية للمدينة المغربية. دراسة تطبيقية حول مدينة مراكش من التأسيس حتى أواخر عصر الموحدين«، ضمن كتاب: تاريخ الغرب الإسلامي، دار الطليعة، بيروت، 1994، صص. 123 ـ 124؛ انظر أيضاً: محمد المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث، منشوارات كلية الآداب، الرباط، 1983، ج 1، صص. 8 ـ 9. يصنف المرحوم العلامة المنوني المصادر إلى نوعين: أولى موضوعية هي المؤلفات في تاريخ الدول والبلدان المغربية، وفي تراجم النابهين من سكانها… ومصادر أخرى دفينة ككتب الجغرافيا والرحلات والموسوعات القديمة، ومدونات النوازل، وكتب البدع والمناقب والأنساب وغيرها.
(1/4743)
.
... والواقع أن حصيلة البحث التاريخي في موضوع المدينة المغربية تبقى بعيدة إلى اليوم من الوفاء بطموحات الباحثين، لأن المقتحم لهذا الميدان لا تتوفر له، بالرغم من كل الجهود التي يبذلها في استغلال كافة المصادر، المادة الكافية للإحاطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحضارية لمدينة بعينها وفي فترة محددة، فكيف بفترات تاريخية مختلفة. إن الباحث في تاريخ المدن الكبرى التي كانت في فترات سابقة مراكز الثقل السياسي والثقافي والحضاري كمدينة فاس ومراكش، تعترضه هو أيضاً صعوبات على الرغم من أن تلك المدن كانت
(1/4744)
موضع اهتمام المؤرخين القدماء الرسميين، ونقطة لقاء العلماء والرحالة والأدباء من شتى الأصقاع. ومن هنا، فإن من يبحث في تاريخ مدن من الدرجة الثانية أو الثالثة تعترضه صعوبات أكبر(1). وبالرغم من هذه المثبطات، يبقى الأمل يحدو الباحثين في الكشف عن مصادر مغمورة، وتحقيق المزيد من المخطوطات التي ما زالت حبيسة بعض المكتبات العامة أو الخاصة، وكذا النهوض بالبحث
__________
(1) إبراهيم القادري بوتشيش، إسهامات في التاريخ الاقتصادي ـ الاجتماعي لمدينة مكناس خلال العصر الوسيط، منشورات عمادة جامعة مولاي إسماعيل، 1997، ص. 16.
(1/4745)
الأركيولوجي للحواضر المغربية القائمة والمندثرة.
... إن المهتم بتاريخ المدينة المغربية وهو في غمرة البحث والتنقيب وتصفح الكتب المخطوطة والمنشورة لعله يظفر ببعض المعلومات التي يمكن أن تساعده في فك بعض الألغاز أو سد بعض الثغرات يصاب في كثير من الأحيان بخيبة أمل، ولكن في أحيان أخرى تقع له مفاجآت سارة من خلال تصفح كتب يمكن أن تكون متداولة ولكن غلب على أصحابها الاهتمام بقضايا نظرية جافة فارغة من أي إشارات ملموسة للواقع التاريخي. هذه كانت نظرتنا الأولى للكتاب الذي نحن بصدد التعريف بقيمته التاريخية في
(1/4746)
هذا البحث حول جانب من تاريخ مدينة فاس في القرن 10 ـ 11 هـ/ 16 ـ 17 م، وهو كتاب "حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار" لأبي القاسم بن محمد بن إبراهيم الغساني الشهير بالوزير(1).

صاحب الكتاب
... ولد أبو القاسم بن محمد الأندلسي الغساني الشهير بالوزير عام 955 هـ/ 1548 م بفاس ونشأ وتلقى العلم بها، وأخذ علم الطب والعلم بالأعشاب من أبيه، وأخذ علوماً أخرى عن شيوخ آخرين ذكرهم المقري في كتابه "روضة الآس"(2)
__________
(1) الكتاب صدر بتحقيق محمد العربي الخطابي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1985.
(2) أبو العباس أحمد المقري، روضة الآس العاطرة الأنفاس، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، مطبوعات القصر الملكي، الرباط، 1964، ص. 222، حيث أخبره بذلك صاحب الترجمة نفسه؛ انظر أيضاً مقدمة تحقيق كتاب حديقة الأزهار، ص. ب، ج.
(1/4747)
.
... لا تقدم المصادر أخباراً دقيقة حول تاريخ استقرار أسرة الغساني الأندلسية بفاس ولا معلومات عن والد المؤلف. إنما يفهم من كلام الابن نفسه أن والده كان مولعاً بالتجوال في نواحي فاس بحثاً عن الأعشاب الطبية والكشف عن مواقعها، حيث يستند إليه الغساني في تحديد مواقع عدة نباتات. والظاهر أن أسرة الغساني من غرناطة نزحت إلى فاس بعد سقوطها في يد المسيحيين سنة 898 هـ/ 1492 م(1).
__________
(1) حديقة الأزهار، مقدمة التحقيق، ص. ج.
(1/4748)
... كما أنه لا تتوفر معلومات وافية حول سيرة أبي قاسم الغساني. فالمقري الذي كان له على ما يبدو اتصال وثيق بالمؤلف في فترة من الفترات، اكتفى في ترجمته له بالثناء على أصله ونسبه، مؤكداً سمو أخلاقه وكرم خصاله. ويذكر أنه »تفرد ـ حفظه الله ـ بعلم الطب بالحضرتين ـ يقصد فاس ومراكش ـ وشارك في سائر العلوم« (1).
... والظاهر أن الخبرة الكبيرة التي اكتسبها الغساني في مجال الطب والتداوي بالأعشاب هي التي جعلته من بين الأطباء المقربين إلى السلطان السعدي أبي العباس أحمد المنصور الذهبي
__________
(1) روضة الآس، ص. 217.
(1/4749)
(986 ـ 1012 هـ/ 1578 ـ 1604 م) (1)
__________
(1) تمثل فترة حكم هذا السلطان أوج الدولة السعدية، حيث شهد المغرب الأقصى قدراً من الاستقرار والازدهار العمراني والاقتصادي، خصوصاً بعد الحملة على بلاد السودان (999 هـ/ 1591 م) والتي سمحت بمضاعفة موارد الدولة من الذهب، وتم وضع حد للخطر الإسباني والبرتغالي الذي كان يهدد سواحل المغرب، وذلك بعد انتصار معركة وادي المخازن التي بويع على أثرها هذا السلطان بالخلافة. حول شخصية وعهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، انظر: محمد حجي، »أحمد المنصور الذهبي«، معلمة المغرب ، مطابع سلا، 1989، ج 1، صص. 173 ـ 175.
(1/4750)
. فالغساني في خطبة كتابه يصرح بأنه صنفه بقصد إرضاء السلطان السعدي: »فإن وقع من المولى ـ أيده الله ـ موقع القبول، فهو الغاية والمأمول« (1).
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 6. يذكر الغساني في خاتمة كتابه أنه ألفه »برسم خزانة السلطان المظفر المعان مولانا أمير المؤمنين أبي العباس المنصور«، المصدر نفسه، ص. 351. المشهور أن هذا السلطان كانت له بمراكش »أعظم مكتبة علمية في ذلك العصر الزاهر حوت نفائس مؤلفات القدماء والمحدثين...«، حيث كان العلماء يتنافسون لمدها بمصنفاتهم. (محمد حجي، مرجع سابق، ص. 174).
(1/4751)
... ويتضح من خلال بعض المصادر أن الغساني كان شاعراً مبرزاً، قام بنظم عدة قصائد وموشحات في مدح السلطان السعدي في مناسبات مختلفة، إحداها كانت بمناسبة تدشين سد »بوطوبة« في فاس سنة 1009 هـ/ 1600 م(1)
__________
(1) روضة الآس، صص. 219 ـ 221. يذكر محمد بن الطيب القادري أن الغساني كان من »أطباء السلطان أحمد المنصور (…) وإحدى خاصته«. (نشر المثاني، تحقيق محمد حجي، مكتبة الطالب، الرباط، 1982، ج 2، ص. 404). والظاهر أن هذا النص هو الذي حمل إبراهيم حركات على القول إن الغساني شغل »منصب الطبيب الرئيسي في الإدارة المركزية بمراكش، كما عين وزيراً« (السياسة والمجتمع في العصر السعدي، دار الرشاد الحديثة، الدارالبيضاء، 1987، ص. 442).
(1/4752)
.
... وهناك قرائن تدل على أنه قام أيضاً بدور المترجم في البلاط السعدي، وذلك في فترة شهدت ازدهاراً في العلاقات المغربية الأوربية وكثرت السفارات التي تفد على هذا البلاط. فالمصادر تنسب لصاحبنا كتاباً عنوانه "مغني الطبيب عن كتب أعداء ******" هو »عبارة عن ترجمة عربية موسعة لكتاب طبي محرر بالإسبانية أو البرتغالية أهداه بعض الأوروبيين إلى أحمد المنصور الذهبي، وقد أضاف المترجم إلى الأصل مقدمة وفصولاً من إنشائه«(1)
__________
(1) محمد رزوق، الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16 و17، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1991، ص. 283، حيث يعقد الباحث فصلاً للحديث عن إسهامات المهاجرين الأندلسيين في الميدان العلمي في تلك الفترة.
(1/4753)
.
... وقد شهد أحمد بن القاضي لصاحبنا بالمشاركة في فنون من العلم وقال عنه: »إنه اختص من بين الأطباء بسلامة الاعتقاد« (1). وهذه شهادة لها وزنها في ذلك الزمان للريبة التي كانت تطبع نظرة الفقهاء وفئات من المجتمع لطبقة الأطباء، لما كان يغلب على عدد منهم من اهتمام بكتب الفلاسفة القدماء وتأثر بمذاهب الفلاسفة الإغريق.
__________
(1) أحمد بن القاضي المكناسي، درة الحجال في أسماء الرجال، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة، ج 3، ص. 289.
(1/4754)
... يعود الفضل للعلامة محمد المنوني في الكشف عن تاريخ وفاة الغساني من خلال بعض المصادر الدفينة:
... أشهر طبيب مغربي في مطلع العصر الحديث، وهو أبو القاسم الوزير الغساني، حيث لم تحدد المصادر الموضوعية تاريخ وفاته، وإنما ورد تعيينها ـ في عام 1019 ـ بكتاب فقهي، وهو شرح محمد ميارة الفاسي على الأرجوزة التي تحمل اسم "تحفة الحكام" لابن عاصم، ج 1، ص. 275 من الطبعة المصرية (1).
__________
(1) محمد المنوني، مرجع سابق، ج 1، ص. 10.
(1/4755)
... والحقيقة أن الجانب الذي يهمنا أكثر في حياة وسيرة أبي القاسم الغساني هو أنه كان من أهل فاس، حيث ولد بها ونشأ بها. وهذا من دون شك يعطي وزناً كبيراً للمعلومات التي وردت حول مدينة فاس في كتابه الذي هو موضوع الدراسة. فبالرغم من أن أسرة الغساني لم يمر على استقرارها بفاس عهد طويل، فإن ما ورد في كتاب "حديقة الأزهار" من معلومات حول جوانب مختلفة من أوضاع المدينة تتصل بالعادات والتقاليد وأنشطة اقتصادية متنوعة ينم عن سرعة اندماج هذه الأسرة، وقوة ودقة حس الملاحظة عند صاحبنا. وهي خصال ضرورية في من يهتم
(1/4756)
بعلم الأعشاب والعقاقير، ويهتم بعلاج الأبدان؛ إذ لا تكفي الإحاطة بغريب الأعشاب والأدوية، بل يجب الإحاطة أيضاً ببيئة المريض ومعرفة مختلف العناصر النفسية والطبيعية والاجتماعية التي يمكن أن تكون سبباً في الإصابة بالمرض.
... صنف الغساني ثلاثة كتب كلها في الطب والأعشاب(1)، أهمها كتاب "حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار". وقد أنجزه في شهر محرم عام 994 هـ/ 1585 م وألفه برسم خزانة السلطان أحمد المنصور الذهبي.
__________
(1) انظر تفصيل ذلك في: روضة الآس، ص. 217؛ أو مقدمة تحقيق كتاب "حديقة الأزهار"، ص. د و هـ.
(1/4757)
ذكر المقري كتاب "حديقة الأزهار" فقال: »كتاب عجيب في بابه لم يؤلف مثله، يذكر سائر الأعشاب والعقاقير بما سميت به في الكتب، ثم يذكر اسمها بلسان عامة الوقت، ثم يذكر خواصها على وجه عجيب«. ولقد وضع الغساني مختصراً لهذا الكتاب ليكون في متناول الطلبة(1).

موضوع كتاب "حديقة الأزهار" ومنهجه
... يعتبر هذا الكتاب من ذخائر التراث الإسلامي في علم الأعشاب والعقاقير، صنفه طبيب مغربي متمرس في هذا الميدان، سلك في
__________
(1) هناك مخطوطات متعددة لهذا المختصر بالخزانة العامة بالرباط، (محمد رزوق، مرجع سابق، ص. 274).
(1/4758)
كتابته أسلوباً علمياً دقيقاً معتمداً في ذلك على المصادر العربية الرائدة في علمي الطب والنبات(1)
__________
(1) الملاحظ أن أبا القاسم الغساني اعتمد كثيراً على معرفته المباشرة بالأعشاب التي وقف عليها بنفسه بالمغرب. وأما أعشاب البلاد البعيدة أو التي تعذر عليه الوقوف عليها، فهو ينقل عن مصادر سابقة. ونبه المحقق الأستاذ الخطابي على أن أهمها كتاب "عمدة الطبيب في معرفة النبات" لأبي الخير الإشبيلي (ق. 6 هـ/ 12 م). هذا الكتاب نشر أيضاً بعناية الباحث نفسه، وصدر عن دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1995، في جزءين؛ حديقة الأزهار، مقدمة التحقيق، ص. ط.
(1/4759)
، ومعتمداً أيضاً على المعاينة والملاحظة المباشرة كلما تيسر له ذلك. فنجده في عدة مواضع يقول مثلاً: »ولقد رأيته كثيراً ووقفت عليه بجبال تاغيا وقطفته هنالك بيدي«…، و»قد رأيته ووقفت عليه«…، و»قد رأيت منه شجرة واحدة عندنا بفاس«…(1). كما أننا نجده في حالات أخرى ينقل عن مصادر موثوقة يتخيرها. من ذلك مثلاً: »ولقد حدثني والدي… أنه رآه ووقف عليه«…، وفي مكان آخر: »وحدثني والدي.. أنه رأى أخرى«…(2).
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 15 و53 و85.
(2) ... المصدر نفسه، ص. 170 و85.
(1/4760)
... ونجد الغساني في مواضع أخرى عندما يتعلق الأمر بمواد مستوردة من بلاد بعيدة، فهو لا يكتفي دائماً بالنقل عن كتب القدماء الموثوقة، بل يجتهد في تعرّف تلك المواد عند باعة العطور والأعشاب الذين كانوا بمثابة الصيادلة. كما أنه يلجأ إلى سؤال الرحالة والتجار لاستكمال معلوماته حول المواد النادرة والتي أغفلها القدماء. ومن ذلك ما يحكيه عند تعريفه بخروب السودان: »لم يذكره أحد من الأطباء القدماء والمتأخرين إلى هلم جراً، وإنما استخرج بعدهم. حدثني من أثق به من التجار المسافرين للسودان أن شجرته«…(1)
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 324. سنعود للحديث عن هذا النبات في موضع آخر من هذه الدراسة.
(1/4761)
.
... ولقد تناول المؤلف في كتابه قرابة 380 مادة مفردة، معظمها من النبات وسبع مفردات حيوانية ومعدنية، حيث قام بشرحها والتعريف بها. رتب المفردات على الحروف الأبجدية، فيذكر الاسم العلمي للمادة ثم يشرح ماهيتها ويصف شكلها وأجزاءها. وفي كثير من المواضيع يذكر الغساني البيئة التي تنبت فيها الأعشاب، ويذكر الاسم الشائع للمادة عند العامة بفاس أو المغرب عامة سواء بالدارجة العربية أو اللهجة الأمازيغية. وبعدها يبين المؤلف طبيعة المادة ويذكر خواصها ومنافعها الطبية(1)
__________
(1) ... امتاز أبو القاسم الغساني عن بعض من كتب قبله في موضوع النبات بدقة تصنيفه، ووضوح وصفه، واهتم بالأزهار والثمار والبزور والجذور والأوراق والنباتات الطفيلية، واهتم بتحديد البيئة الطبيعية التي تعيش فيها النباتات من حيث الرطوبة والجفاف، ونوعية التربة، والمستوى الارتفاعي، وذكر نماذج لمواقع عدة نباتات بفاس ونواحيها. حول مكانة الغساني بما هو عالم نبات وآراء بعض المستشرقين في أعماله، انظر: مقدمة تحقيق "حديقة الأزهار"، ص. ح و ط؛ وفي موضوع تطور علم النبات عند العرب: إبراهيم بن مراد، بحوث في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991، ص. 255 وما بعدها.
(1/4762)
.
قيمة الكتاب التاريخية
... يحتوي كتاب "حديقة الأزهار" على فوائد تاريخية مهمة تشمل جوانب مختلفة. فهو إلى جانب أهميته الأساسية في التعريف بالأعشاب ومنافعها الطبية، وأنواع الأمراض التي كانت موضع عناية الأطباء في تلك الحقبة التاريخية، فالكتاب يتضمن أيضاً معلومات تهم أنشطة اقتصادية وأوضاعاً اجتماعية ميزت بلاد المغرب على العموم ومدينة فاس على الخصوص. وعدد كبير من هذه المعلومات مهم ينفرد الغساني بإيرادها دون المصادر التقليدية، كما أن عدداً من هذه المعلومات فاتت عدة باحثين معاصرين اهتموا بالتأريخ
(1/4763)
للفترة السعدية. ومما يزيد في قيمة تلك المعلومات أن صاحبها اعتمد في جمع جزء كبير منها على مشاهداته الخاصة وخرجاته الاستكشافية الميدانية.
... إن قيمة الكتاب التاريخية لا تهم فاس فقط، بل تتعداها إلى جهات أخرى. من ذلك مثلاً المعلومات النادرة التي يقدمها الغساني حول القطاع الفلاحي والمحاصيل الزراعية التي ميزت بعض المناطق من بلاد المغرب. فهو عند حديثه عن »الفِصفِصة« (بكسر الفاءين) يذكر أن »منابته الجنات والعمارات وبين التخوم والزروع«، ويضيف: هي »كثيرة بمراكش يحرثها الناس بالجنات والعيون تسمن عليها
(1/4764)
الخيل جداً«(1).
... وفي مكان آخر يذكر الموز ويصف ثمر هذه الشجرة، فيقول إنه »كالخيار يجنى قبل نضجه ويترك في أزيار (جمع »زير« وهو الكتان) مغموماً حتى يأخذ في النضج. فإذا نضج، كان طعمه كعسل وسمن ممزوجين«(2)
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 220. يعرف هذا النبات عند العامة اليوم بـ»الفصَّة«.
(2) ... المصدر نفسه، ص. 173. معلوم أن الموز من الفواكه الدخيلة على منطقة البحر الأبيض المتوسط، ولا نعرف بالضبط تاريخ *** هذه الشجرة إلى المغرب الأقصى، ولكن هناك احتمالاً كبيراً أن يكون الفضل في ذلك يعود للجالية الأندلسية التي استقرت بمدينة سلا. فأبو الخير الإشبيلي (القرن 6 الهجري) يذكر أن شجر الموز »كثير بمالقة وقرطبة« (مصدر سابق، ج 1، ص. 379).
(1/4765)
. ثم يقرر: »ليس شيء منه بأرضنا في هذا الزمان«، أي في أواخر القرن العاشر الهجري، بينما يؤكد أنه »كان قبل هذا الوقت بمدينة سلا ودمر منها« (1)
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 173. تفيد هذه الإشارة أن ناحية سلا كانت تعرف قبل أواخر القرن العاشر الهجري زراعة الموز، وهو ما يؤكده الحسن الوزان (توفي بعد عام 957 هـ/ 1550 م، وألف كتابه حوالي 933 هـ/ 1526 م) بقوله: »وينبت الموز بكثرة في سلا... «(وصف إفريقيا، ترجمه عن الفرنسية محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 2، 1983، ج 2، ص. 282). والظاهر أن هذه الزراعة توقفت بعد ذلك لأسباب لا يفسرها الغساني بوضوح. فعبارته تفيد حصول نوع من الخراب والتدمير الذي يمكن أن يكون مرده إلى حملات تخريبية لبعض العناصر الأجنبية عن المنطقة، أو يحتمل أن يكون السبب عجز الفلاحين عن توفير العناية الضرورية لأشجار الموز وإهمالهم لها.
(1/4766)
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-02-2014, 12:18 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

. هذه الملاحظة الأخيرة ينفرد بها حسب علمنا الغساني، وفاتت بعض الدارسين المهتمين بالفترة السعدية، فقرروا استمرار زراعة الموز بسلا استناداً إلى إشارة الوزان في هذا الموضوع(1).
... ويشير الغساني إلى ازدهار زراعة قصب السكر، الذي »يعرف عند العامة بالمغرب بالقصب الحلو. وهو كثير بناحية سوس من المغرب الأقصى خارج مدينة تارودانت، يعتصر هنالك بمعاصر كثيرة الرجال والخدام«(2). ومما ينبه عليه الغساني إنتاج »عسل أبيض كالكافور« بناحية دبدو
__________
(1) إبراهيم حركات، مرجع سابق، ص. 278.
(2) حديقة الأزهار، ص. 244.
(1/4767)
بالمنطقة الشرقية من المغرب الأقصى، إذ أن النحل ترعى نبات الشيح الذي يكثر بهذه المنطقة، حيث »منابته الرمال وقرب البحر«(1).
... ومن جملة الفوائد التي يتضمنها الكتاب أيضاً، استعمالات بعض الأعشاب والمواد في المجال الغذائي والصناعي. من ذلك مثلاً لجوء الناس في زمان الجدب والغلاء إلى نبات يعرف تحت اسم »لوف«، وهو »من جنس الكفوف، ومن نوع البصل (…) ويسمى عندنا بالمغرب آيرنا«، حيث يصنع منها الخبز، بالرغم من »أنها تضر بالحلق وتنفطه«(2). وفي مكان آخر
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 338.
(2) المصدر نفسه، ص. 161.
(1/4768)
يشير الغساني إلى نبات يعرف عند العامة بالزوان »منابته مع الزرع، يطحن ويعتصد ويقتات منه، ويأكله الطير الصغير مثل العصافير واليمام والحمام، معروف عند الفلاحين« (1).
... ويطلعنا الغساني عند حديثه عن شجر العرعر على أن »خشبه أحمر ملزز صفيق يكل في قطعه الحديد (…)، عطر الرائحة، تصنع منه الأكواب والمشربات والغراريف«. ثم يضيف: »وهو كثير بناحية تازة، وبها تصنع هذه الأواني المحكمة الصنعة والإتقان وجميع أنواع القصع والأجفان«(2). ومن دون شك، فإن
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 340 ـ 341.
(2) المصدر نفسه، ص. 211.
(1/4769)
منتجات بهذه الجودة والتنوع والإتقان كانت تجد لها سوقاً رائجة بمدينة فاس وتنافس إنتاجها المحلي، إذ أن حاجة الناس لمثل هذه الأواني دائمة ومستمرة. وعند تعريفه لنبات يسميه العامة بالمغرب »القنب«، يذكر أن هذا النبات »كثيراً ما يزرع بناحية مكناسة الزيتون«، حيث »إذا يبس وجف، يمرس وينفض كما ينفض الكتان، ويصنع منه الشرائط والحبال«. ثم يشير الغساني إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة مرتبطة بأكل ورق هذا النبات الذي من خواصه الإسكار، ويسمى عند العامة بالحشيش، فيقول: »وقد عمت البلوى في هذا الزمان الكثير الفواحش
(1/4770)
والمناكر بكثرة أكله والاشتغال به عند الرجال والنسوان والشبان والصبيان، وفحش ذلك فيهم واتبعوا أهواءهم إلا من عصمه الله« (1).
... ويطلعنا الغساني عند شرحه لماهية نبات يعرف تحت اسم »أشتان«، أنه »كثيراً ما ينبت بناحية مراكش، ويسمى عندهم بالغاسول«، ثم يشرح سبب إطلاق العامة لذلك الاسم فيقول: »لأنه يغسل به الثياب فينقيها من درئها ويبيضها، وله رغوة كرغوة الصابون«. ثم يذكر فائدة أخرى: »وبه يغسل اللك(2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 336 ـ 337.
(2) اللك جمع ألكاك ولكوك: صمغ وعصارة نبات يحمل الاسم نفسه يستخرج منه صبغ أحمر تصبغ به الجلود ونحوها ويستعمل للكتابة.
(1/4771)
فينقيه من درئه وحثالته، ويحل به حتى تتمكن به الكتابة« (1).
... ويدلنا الغساني في كتابه على مكان استخراج بعض المعادن ووجوه استعمالها في عصره. فهو عند تعريفه للإثمد، يذكر أنه حجر صلب ثقيل ملمع براق كحليّ اللون »يخالطه الرصاص في جسمه. ولذلك، إذا جعل مع الفضة عند السبك، كسرها«. ثم يضيف: »وله معادن ومواضع بناحية ملوية بقرب أرض ميسور بأماكن هناك ومعادن تسمى ببني يسترى وبني تجت(2)
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 32.
(2) ما زال هذا الموقع قائماً إلى عصرنا. يعرف ـ حسب النطق المحلي ـ بـ»بني تجِّيتْ« (السكون على التاء والتشديد على جيم مع الكسرة)، وهو »اسم يطلق على قصر قديم يقع في قلب الأطلس الكبير الشرقي على الضفة اليسرى لوادي أيت عيسى، وهو عالية وادي بوعنان«. وبهذا الموقع مناجم للرصاص والزنك. (انظر: عبد الرحمان حرادجي، »بني تاجيت«، معلمة المغرب، ج 5، صص. 1514 ـ 1516).
(1/4772)
مشهورة معروفة فيها معادن الإثمد والرصاص والحديد« (1).
... إن الحديث يطول بنا لو أننا كلفنا أنفسنا تتبع الفوائد التاريخية التي يتضمنها الكتاب والتي تخص مناطق مختلفة من بلاد المغرب وبلاد الأندلس، ولكننا أردنا لهذا البحث أن يركز بالأساس على مدينة فاس وأحوازها. إن الكتاب يكتسي أهمية كبيرة بما يتضمنه من معلومات ولو أنها غير مباشرة، لأنها تسلط الضوء على بعض الجوانب الدقيقة من أوضاع المدينة الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً في فترة جاءت مباشرة بعد سلسلة من الأزمات المختلفة
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 37.
(1/4773)
التي مرت بها المدينة وكافة بلاد المغرب نتيجة انحطاط الدولة المرينية منذ أواخر القرن الثامن الهجري، حيث كانت فاس عاصمة لتلك الدولة. ولقد عجز خلفاؤهم من الوطاسيين عن وضع حد للفوضى التي كانت تعيشها البلاد، والتي كان من مظاهرها استفحال الصراعات القبلية، وتوالي سنين الجفاف والقحط، وانتشار الأوبئة، وتفشي المناكر والفواحش. وهذا مع نجاح حركة الغزو الصليبي في القضاء على آخر معاقل الوجود الإسلامي بالأندلس وانتقالها إلى الاستيلاء على عدة مواقع أو أراضي ساحلية مغربية، وذلك في غياب أي مقاومة جادة من الدولة
(1/4774)
المغربية.
... ولقد شكل قيام الدولة السعدية بارقة أمل في تدارك تلك الأوضاع، ولكن ذلك لم يكن بالأمر السهل. فبالرغم من الإصلاحات التي قامت بها السلطة السعدية والنصر الذي تحقق لها في معركة وادي المخازن على الإسبان والبرتغال، فحجم الأزمات التي مرت بها البلاد المغربية تركت آثاراً عميقة في النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي صعب تجاوزها في فترة وجيزة. إن ميزان القوى كان في صالح الأطراف الأوروبية التي كانت تعيش البدايات الأولى لعصر النهضة، وكان طموحها قوياً في تحقيق المزيد من النفوذ السياسي والاقتصادي
(1/4775)
في الجزء الغربي من حوض البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وبلاد السودان. وهزيمة وادي المخازن كانت مجرد عثرة نجحت إسبانيا والبرتغال تدريجياً في تداركها. وإبان العهد السعدي تراجعت مكانة مدينة فاس على المستوى السياسي، بعد أن جعلت الدولة الجديدة من مراكش عاصمة لها. هذا التحول دعم دور مراكش الاقتصادي وجعلها تنافس فاس على المستوى الثقافي والديني.
... إن أهمية كتاب "حديقة الأزهار" بما هو مصدر لجانب من تاريخ مدينة فاس في مطلع العصر الحديث تتأكد لكونه صنف من زاوية لها مميزات خاصة تميزه عن المصادر
(1/4776)
المتداولة والتي اعتمدتها الدراسات التي همت فاس في تلك الفترة. هاته المصادر التي غلب عليها الاهتمام بالأحداث أو بالترجمة للشخصيات العلمية أو الصوفية، أو الوقوف عند الظواهر الاجتماعية والاقتصادية من زاوية فقهية. إضافة إلى مصادر غلب عليها الطابع الجغرافي أو الاستكشافي حررها مغاربة أو أجانب. هذه الأخيرة تقترب في أسلوبها نسبياً من أسلوب الكتاب الذي هو موضوع دراستنا، لأن أصحابها اعتمدوا في الغالب أسلوب الملاحظة المباشرة والملموسة، ويمكن أن نذكر هنا نموذجاً هو كتاب "وصف إفريقيا" للحسن الوزان الفاسي
(1/4777)
المعروف بليون الإفريقي(1).
... لقد سبقت الإشارة إلى أن محور اهتمام الغساني في كتابه هو التعريف بالنباتات. والذي يجب أن ننبه عليه أنه لم يقتصر في عرضه على الأصناف الطبيعية والبرية، بل تعداها إلى ما اصطلح على تسميته في كتابه بالأصناف البستانية التي كان للإنسان دور في زراعتها والعناية بها. فالحبوب والقطاني والخضار والفواكه والثمار كانت موضع عنايته وإن بدرجات متفاوتة، لأنها
__________
(1) بحكم وجود قرابة نصف قرن تفصل بين هذا المؤلف والغساني، فإننا سنعمد إلى مقارنة المعلومات التي يقدمانها كلما كان ذلك ممكناً.
(1/4778)
هي أيضاً لا تخلو من منافع طبية حرص الأطباء وعلماء النبات القدماء منذ عهد الإغريق على حصرها. وهو أمر تراجع عنه علماء النبات المحدثون بعد استقلالهم عن علم الطب، إذ انصب اهتمامهم على حصر وصف النباتات الطبيعية والبرية والتعريف ببيئتها.
... إن الغساني في معرض شرحه ووصفه لتلك المواد وتحديده لخواصها ومنافعها الطبية، يستطرد في كثير من الأحيان ليحدد أسماء مواقع لعدد من تلك المواد، خصوصاً تلك التي وقف عليها بنفسه، فيصف البيئة الطبيعية التي تظهر فيها. وإذا كانت لتلك المواد استعمالات أخرى في حياة الناس غير
(1/4779)
الاستعمالات الطبية، فهو يذكرها. وبحكم أن عدداً كبيراً من الاستطرادات يهم موادّ توجد لها عينات بمدينة فاس أو أحوازها، فهي معلومات ذات أهمية لا يستهان بها، إذ تكشف عن جوانب أغفلتها المصادر الأخرى، أو أن بعض هذه المعلومات يكمل أو يعضد مثيلات لها في تلك المصادر. وسنبدأ في عرضنا لهذه المعلومات بتلك التي تخص المحيط والبيئة الطبيعية التي تميز موضع مدينة فاس وأحوازها القريبة.
...
تصنيف النباتات بفاس وأبعادها البيئية والطبيعية(1)
__________
(1) لقد أرفقنا هذه الدراسة بمجموعة من الجداول التي تعرف بشكل مفصل بأصناف النباتات بفاس وأحوازها.
(1/4780)
... إن هذا الجانب يكشف بدقة ووضوح عن الأسلوب العلمي الذي سلكه الغساني في تعريفه بمختلف النباتات، وهو أمر يعبر عن الخبرة التي اكتسبها من خلال رحلاته الاستكشافية المتكررة التي قام بها في الميدان. وهو بملاحظاته الملموسة والدقيقة التي قدمها يعتبر من علماء النبات الأوائل والقلائل الذين اكتشفوا أن هناك مجموعة من العوامل التي تتحكم في توزيع الغطاء النباتي الطبيعي، مثل طبيعة التربة ودرجة الرطوبة والتعرض لأشعة الشمس أو عدمه والمستوى الارتفاعي. ولقد نجحت العلوم الحديثة في الكشف عن المزيد من العوامل
(1/4781)
المؤثرة في ذلك التوزيع وتوضيح طبيعة التفاعلات بين مختلف العناصر الفيزيائية والعضوية والمناخية التي تتحكم في توزيع النبات. ويعود تقدم المعرفة الإنسانية في هذا المجال أولاً إلى ما جمعه علماء النبات ـ من أمثال الغساني ـ من ملاحظات ميدانية منذ القدم والتي تضاعفت في العصور الحديثة وأصبحت أكثر دقة وتنظيماً. ويعود الفضل في حصول ذلك التقدم المعرفي أيضاً إلى اكتشاف أدوات البحث المجهري واستعمالها، وتضافر جهود تخصصات علمية مختلفة للبحث في الميدان نفسه، واستقلال علم النبات عن علم الطب. وكانت النتيجة أن
(1/4782)
الباحثين المحدثين وضعوا خرائط بأنواع وأصناف النباتات التي تميز كل مجال جغرافي ومناخي وطبيعي على حدة من سطح الكرة الأرضية(1)
__________
(1) حول النباتات التي تميز مثلاً منطقة البحر الأبيض المتوسط والتي ينتمي إليها المغرب، انظر: عبد السلام تشاح، جغرافية النبات، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1990، ص. 149 وما بعدها. وحول الأسس التي يقوم عليها علم البيوجغرافيا ومختلف العوامل المؤثرة في توزيع الغطاء النباتي الطبيعي، انظر:

Alain Lacoste et Robert Salanon, Eléments de biogéographie et d’écologie, Collection Nathan Université, Paris, p. 65.
(1/4783)
.
... إن الإطار الطبيعي شكل عنصراً مهماً في نشأة المدينة ونموها وتطورها. فطبيعة الموضع الذي تقوم عنده المدينة، ونوعية التربة، وحجم الموارد المائية وطبيعتها، وطبيعة الموقع من حيث الغطاء النباتي والمناخ، كلها عناصر لها تأثير واضح في النمو العمراني والاقتصادي والديمغرافي للمدينة. الأمر الذي يفسر في كثير من الأحيان نمو واستمرار عدة مدن وزوال أخرى واندثارها. ولقد تنبه ابن خلدون لأهمية هذه العناصر في أوضاع المدن، فذكر منها:
(1/4784)
... حاجة الماء وهي ضرورية فيكون لهم في وجوده مرفقة عظيمة عامة. ومما يراعى من المرافق في المدن طيب المراعي لسائمتهم، إذ صاحب كل قرار لابد له من دواجن الحيوان للنتاج والضرع والركوب، ولابد لها من المرعى. فإذا كان قريباً طيباً، كان ذلك أرفق بحالهم (…). ومما يراعى أيضاً المزارع؛ فإن الزروع هي الأقوات. فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها، كان ذلك أسهل في اتخاذه وأقرب في تحصيله. ومن ذلك الشجر للحطب والبناء؛ فإن الحطب مما تعم البلوى في اتخاذه لوقود النيران للاصطلاء والطبخ. والخشب أيضاً ضروري لسقفهم وكثير
(1/4785)
ما يستعمل فيه الخشب من ضرورياتهم..(1).

... كما أن ابن أبي زرع تنبه لوفرة هذه المرافق وتنوعها في موقع وموضع مدينة فاس، واعتبرها السبب الرئيس الذي حمل الإمام إدريس الأزهر على اختيار مكانها ليكون قاعدة لعاصمته الفتية. ثم إنه عد تلك العناصر من عوامل ازدهارها: »وقد جمعت مدينة فاس بين عذوبة الماء، واعتدال الهواء، وطيب التربة، وحسن الثمرة، وسعة المحرث وعظيم بركته، وقرب المحطب وكثرة عدده وشجره (…). وقد جمعت مدينة فاس هذه الخصال التي هي كمال المدن
__________
(1) كتاب المقدمة، دار القلم، بيروت، 1978، ص. 348.
(1/4786)
وشرفها...«(1).
... ولقد حفلت المصادر الجغرافية وكتب الرحلات الوسيطية بالإشارات إلى أصناف من النباتات التي ميزت منطقة فاس، ولكنها ركزت بالأساس على تلك التي لها اتصال مباشر بالنشاط الزراعي وبالحاجات الغذائية للسكان كأصناف الحبوب وأنواع الأشجار المثمرة. وحديثها عن هذه الأصناف كان مختصراً ومقتضباً في جمل قليلة متكررة. ويمكن اعتبار ابن أبي زرع من بين المؤرخين القلائل الذين ذكروا أصنافاً
__________
(1) الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة، الرباط، 1973، ص. 33.
(1/4787)
من الأعشاب والأشجار الطبيعية والبرية، وذلك عند حديثه بالخصوص عن موضع فاس قبل بنائها: »والموضع يومئذ شعراء بالطخش والبلوط والطرفاء وغير ذلك (…) وكان بعين علون شجر من طخش وعليق وكلخ وبسباس وأشجار برية« (1).
... إن الغساني يقدم في كتابه "حديقة الأزهار" معلومات أكثر تفصيلاً ودلالة عن المميزات الطبيعية والبيئية لمدينة فاس مما قدمته مصادر معاصرة له أو تعود للعصر الوسيط. من ذلك مثلاً ذكره لعدد من النباتات التي تظهر أساساً في الأماكن الرطبة والظليلة إشارة إلى المواضع
__________
(1) ... المصدر نفسه، صص. 38 ـ 39.
(1/4788)
التي تتميز بدرجة عالية من رطوبة التربة وكثافة الغطاء النباتي. وهذا من دون شك له صلة بما عرفت به مدينة فاس من وفرة الموارد المائية وتنوع مصادرها من عيون متدفقة كثيرة داخل أسوار المدينة وخارجها، وأنهار وجداول: واد فاس الذي يشق المدينة، وواد مصمودة اللذان تتفرع عنهما وعن العيون سواقٍ تتخلل كل دور المدينة وأحيائها، ونهر سبو الذي لا يبعد كثيراً عنها(1).
... يذكر الغساني نباتاً يعرف عند العامة بفاس باسم »السوسن الأزرق«: »وكثيراً ما ينبت عندنا بالمقابر وبالمواضع الرطبة
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 33 ـ 34.
(1/4789)
من الجبال (…) وفي تلك الزهرة سواد وبياض. وبالجملة، فإنها ذات ألوان من صنع الصانع العظيم القدرة والإتقان، لا إله غيره«(1). ويطلعنا أبو القاسم الغساني أيضاً على نبات يدعوه العامة بفاس بـ»العقربان«: »منابته الصخور وأماكن الماء والمغاثر التي يطرد منها الماء، وكثيراً ما ينبت عندنا بفاس بجبل صالغ« (2)
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 18.
(2) ... المصدر نفسه، ص. 36. المراد بجبل صالغ الجبل الذي يقع شمال المدينة والذي يعرف إلى اليوم باسم زالغ أو زلاغ، وهي كلمة تعني »التيس« أو (العتروس) (الحسن الوزان، مصدر سابق، ج 1، ص. 293؛ وانظر: محمد مزين، فاس وباديتها: مساهمة في تاريخ المغرب السعدي 1549 م ـ 1637 م، سلسلة الرسائل والأطروحات رقم 12، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1986، ج 1، ص. 48).
(1/4790)
.
... وهناك نبات يعرف عند العامة في فاس باسم »عشبة خير من ألف« من جنس الحشيش: »منابته المواضع الظليلة الحسنة والأماكن الرطبة وعلى شطوط الأنهار، وبالقرب من منابع المياه«. ثم يضيف صاحب الكتاب أنه ينبت كثيراً بجنات فاس(1).
... وفي الإطار نفسه يندرج نبات مشهور في فاس حسب الغساني، وهو الكرفس الذي يكثر في »الجنات والأماكن الرطبة والمروج والسياجات«(2)
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 60.
(2) المصدر نفسه، ص. 138. يؤكد ابن أبي زرع كثرة هذا النبات عند ضفاف وادي فاس: »فيجري في بسيط من الأرض على الكرفس والسعدا من منبعه حتى ينحدر على المدينة في مرج لا يزال كذلك صيفاً وشتاء... « (مصدر سابق، ص. 34).
(1/4791)
. ومن ذلك نبات اسمه عصا الراعي، يعرف لدى العامة باسم »بوعقاد«: »منابته الجنات والمواضع الرطبة والقيعان وقرب المياه«. وهذا النبات إلى جانب منافعه الطبية للإنسان كالنباتات السابقة، فهو غذاء مهم للدواب، فهي تأكله وتحبه، و»تربي عليه لحماً وشحما« (1). ...
... وهناك أصناف من النباتات يوردها الغساني تنبت بالأساس في الأماكن الصلبة والجبال، حيث توجد منها عينات بأحواز فاس. وهذا الأمر يدلنا على أن تنوع الأشكال التضاريسية الذي يميز منطقة فاس ساهم في تنوع أشكال التربة وفي تنوع
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 199.
(1/4792)
الغطاء النباتي وغناه(1). ومن أمثلة ذلك نبات يعرف باسم »بسبايج«: »ينبت بالصخور الندية (…) منابته عندنا بفاس على الصخور بجبل صالغ« (2).
__________
(1) من مظاهر التنوع التضاريسي الذي تعرفه فاس: أولاً موضع المدينة؛ فهو في منخفض يشقه نهر وتحفه مرتفعات، وغير بعيد من جهة الشمال يوجد جبل زالغ واتغات وزرهون ثم مرتفعات بني زروال ثم جبال غمارة، وإلى الجنوب جبال بني يازغة ثم جبال فازاز، وبين هذه المجموعات الجبلية المتفاوتة الارتفاع يقع سهل سايس. (محمد مزين، مرجع سابق، ص. 48 وما بعدها).
(2) حديقة الأزهار، ص. 49.
(1/4793)
ونبات يسمى »زوفا« من نوع الصعاتر: »منابته الجبال الصلبة، وهو كثير عندنا بفاس خارج باب الجيسة بإزاء الحصن العظيم المصون المعروف بحصن البستيون«(1).

تصنيف النباتات بفاس ودلالاتها الاقتصادية
1 ـ الفلاحة
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 105. المراد بحصن البستيون أحد البرجين العظيمين اللذين بناهما أحمد المنصور الذهبي على مشارف فاس البالي حوالي سنة 990 هـ. (انظر: أحمد بن القاضي، جذوة الاقتباس، دار المنصور للطباعة، الرباط، 1973، ج 1، ص. 50 و206).
(1/4794)
... تتعدد المعلومات ذات الطابع الاقتصادي التي يوردها الغساني في معرض حديثه وتمثيله لعينات النبات التي تحفل بها منطقة فاس. فهناك ما يتصل بالقطاع الفلاحي، وهناك ما يهم القطاع التجاري والقطاع الصناعي. فأما الفلاحة، فقد شكلت نشاطاً اقتصادياً مهما في تاريخ مدينة فاس. فاتساع الأراضي الخصبة المحيطة بها ووفرة الموارد المائية تم استغلالها بشكل مكثف منذ وقت مبكر من طرف سكانها الأوائل، وخصوصاً من جانب الوافدين عليها من بلاد الأندلس، بما حملوه من تقنيات وأساليب جديدة في السقي والحرث والعناية بالتربة
(1/4795)
وبالأشجار، وما ***وه من بذور وأشجار مثمرة متنوعة. ولقد شهد هذا القطاع تطوراً مهماً ابتداء من القرن السادس الهجري، بفعل العوامل السابقة الذكر، إضافة إلى الاستقرار السياسي النسبي الذي تحقق في عهد المرابطين والموحدين، فتضاعف الإنتاج الفلاحي، ووظف الفائض في مجال التصدير(1)
__________
(1) عز الدين عمر موسى، النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن 6 الهجري، دار الشروق، بيروت، 1983، ص. 195 وما بعدها؛ وانظر أيضاً: محمد حجاج الطويل، »دور الفلاحة في تأسيس المدن وتطورها«، ضمن أعمال ندوة: المدينة في تاريخ المغرب العربي، منشورات كلية الآداب/ بنمسيك، الدارالبيضاء، 1990، ص. 172.
(1/4796)
.
... وكما سبقت الإشارة، فإن كتب الرحلات والجغرافيا التي صنفت في العصر الوسيط، أولت هذا الجانب اهتماماً كبيراً في معرض وصفها وحديثها عن فضائل فاس. فعبرت عن إعجابها بما تحفل به المدينة من جنات وبساتين وسهول خصبة واسعة، تتميز بوفرة إنتاجها وتنوّعه.
... وينفرد الغساني بتقديم تفاصيل إضافية ودقيقة حول أصناف الثمار وأسمائها عند الفلاحين والعامة بفاس، وذكر تاريخ نضج بعض الفواكه وظهور بعض النباتات حسب فصول السنة، إلى جانب ذكر نباتات للزينة أو ذات رائحة طيبة ومنافع طبية يعتني بها أصحاب الجنات والبساتين.
(1/4797)
... تشغل زراعة الحبوب جانباً مهماً من النشاط الفلاحي بأحواز فاس، وذلك لوجود أراضٍ شاسعة وخصبة، أهمها سهل سايس. وعادة ما يكون الإنتاج غزيراً، خصوصاً في السنوات المطيرة. ولقد اشتهرت فاس بكثرة عدد الأرحي التي تطحن فيها كافة أصناف الحنطة، إذ تقارب حسب بعض الروايات عدد أيام السنة، كما أنها اشتهرت بجودة منتوجها من السميد(1). ولقد عرض
__________
(1) أبو عبيد الله بن عبد العزيز البكري (ت 487 هـ/ 1094 م)، كتاب المسالك والممالك، حققه وقدم له أدريان فان ليوفن وأندري فيري، دار الغرب الإسلامي، 1992، ج 2، ص. 796.
(1/4798)
الغساني لموضوع الحبوب في موضعين من كتابه: الأول عند مادة الحنطة، والثاني عند مادة الشعير. والملاحظ أن حديث الغساني كان مقتضباً جداً، وذلك باعتبار أن أصناف الحنطة من قمح وشعير وسلت وخندروش هي بحسب المؤلف كلها معروفة ولا حاجة للإطالة بذكرها. وهكذا يكتفي عند تعريفه بالحنطة بالوقوف عند الصنف المعروف بالقمح فيقول: »له أنواع باعتبار جودته أو رداءته. فالجيد منه هو الأصفر الذهبي الممتلئ، وفيه احديداب. وهذا النوع يعرف عندنا بفاس بصدر باز وهو أجودها، ومنه يصنع الدرمك والسميد... « (1)
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 123.
(1/4799)
.
... وأما في حديثه عن الشعير، فيقول: »وأنواعه كثيرة. فمنها الأملس والأحرش، ومنه شعير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو حب قصير ينعزل عن قشره سريعاً، ومنه الشعير الرومي ـ وهو الأشقاليا ـ وكلها معروفة«(1). هذا النص يحملنا على الاعتقاد أن الاستقرار النسبي الذي عرفه المغرب بعد استيلاء السعديين على السلطة ساهم في حدوث انتعاش في القطاع الفلاحي وازدهار في إنتاج الحبوب. كما أن انفتاح المغرب على بعض البلاد الأوروبية كان من نتائجه *** بذور جديدة وتجربتها في المغرب، وهو ما توحي
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 346.
(1/4800)
به إشارة الغساني للشعير الرومي(1). ولا نجد عند الحسن الوزان ـ ويا للأسف! ـ أي إشارات دقيقة لأصناف الحبوب المعروفة والمستهلكة في فاس يمكن أن تؤكد أو تنفي ما ذهبنا إليه. فهو عند تعريفه بسهل سايس، يذكر أن »أراضيه ممتازة، لكنها تنتج قمحاً أسود صغيراً«، ويعني بذلك على ما يبدو القمح الصلب(2)
__________
(1) يدلنا الحسن الوزان على نموذج آخر من النباتات التي ***ت من أوروبا في عهده، وهو نوع من الأزهار يعرف تحت اسم »الوزال« الذي يستحسنه المغاربة والذي يكثر بجنات فاس. (مصدر سابق، ج 1، ص. 248).
(2) المصدر نفسه، ج 1، ص. 299. خلص محمد مزين في دراسته حول إنتاج الحبوب بمنطقة فاس إلى أن سهل سايس تخصص في إنتاج القمح الصلب والطري، بينما الشعير انتشرت زراعته بالمناطق الفقيرة والتربة والمياه مثل منحدرات فازاز ومرتفعات مقدمة الريف، (مرجع سابق، ج 2، ص. 395).
(1/4801)
.
... ومن جملة الفواكه التي تنتج بفاس المشمش: »وهو من فاكهة الصيف، أولها نضجاً يظهر عندنا بفاس في العشر الأواخر من أبريل. له أنواع كثيرة وألوان عديدة«(1). ومن الفاكهة الرمان:
... له أنواع كثيرة، فمنه الحلو، والحامض والمر، والمائي والعظمي، وله ألقاب وأسماء عند العامة بفاس، مختلف باختلاف أصنافه وأنواعه، فمن ذلك: السلطان ـ وهو أجودها وأرفعها ـ ثم السفري ـ وهو دونه ـ ثم الكلخي ثم ميمونة ـ وهي أعظم ثمار الرمان ـ ثم العظمي وهو أردأ أنواع الرمان وأقله.
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 177.
(1/4802)
ثم يقارن الغساني بين أصناف الرمان في فاس ومراكش فيقول: »والرمان بمراكش كله جيد وليس فيه رديء، وهو نوع واحد: السفري، يعظم كثيراً كمثل ما يعظم صنف ميمونة عندنا بفاس« (1).
... ومن الأشجار المثمرة السفرجل: »وأنواعه كثيرة. فمنه الحلو، والحامض، والطويل، والمدحرج، والمنهّد لشبهه بنهود الأبكار، وهو معروف كثير عندنا بفاس بالجنات والبساتين«(2). ومن الفواكه التي اشتهرت بها
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 253. يكتفي ابن أبي زرع بذكر الرمان السفري على أنه أجودها بفاس. (مصدر سابق، ص. 44).
(2) حديقة الأزهار، ص. 275.
(1/4803)
مدينة فاس التين، إذ يكثر الإقبال عليه طريّاً ويابساً حتى أن أهل فاس لا يكتفون باستهلاك إنتاجهم المحلي بل يقبلون على استهلاك ما يرد عليهم من البلاد المجاورة خصوصاً من بلاد غمارة. والتين أنواع كثيرة:
... فمنه الأبيض والأسود والأحمر. فالأبيض له أصناف وأنواع منها الودناكسي يلد مرتين في السنة باكوراً وتيناً، وهو أجود أنواع التين وأحسنها. والأسود له أنواع وأجناس، فمنها ما يلد إلا مرة واحدة في السنة، ولا يلد باكوراً وإنما يلد تيناً ـ وهو التين الشعري ـ وهو أجود هذا النوع من الأسود وأطيبه وأحسنه.. (1)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 296. ما زالت هذه الأصناف من التين معروفة في فاس إلى اليوم. يذكر ابن أبي زرع صنفي الشعري والسبتي. (مصدر سابق، ص. 44). ووردت عند السقطي إشارة بوجود تين أسود مشهور بإشبيلية يعرف بالشعري، مما يتفق مع ما توصلت إليه عدة دراسات من أن ازدهار العلاقات بين العدوتين الأندلسية والمغربية كانت له آثار إيجابية على مختلف الأنشطة الاقتصادية، حيث أثمر ذلك تبادل الخبرات الزراعية. (أبو عبد الله محمد السقطي المالقي (ق. 6 هـ)، في آداب الحسبة، نشر ليفي بروفنسال، دار إيرنيست لرو، باريس، 1931، ص. 17).
(1/4804)
.

... ولعل أكثر الأشجار انتشاراً في أحواز فاس شجرة الزيتون، التي اتسع غرسها منذ قيام دولة المرابطين، وتضاعف إنتاجها في أواسط القرن السادس الهجري. وهذا النمو في المساحات المخصصة لشجرة الزيتون كان الغرض منه مواكبة تضاعف الطلب على الزيتون ومشتقاته بعد النمو الديمغرافي الكبير الذي شهدته مدينة فاس في تلك الفترة. كما كان لازدهار حركة المبادلات التجارية على نطاق واسع، وتحول فاس إلى محور ومحطة أساسية في التجارة المحلية والدولية أثر كبير في الزيادة على الطلب، خصوصاً زيت الزيتون(1)
__________
(1) عز الدين عمر موسى، مرجع سابق، ص. 196.
(1/4805)
. والظاهر أن مكانة الزيتون في اقتصاديات مدينة فاس استمر نسبياً على المستوى نفسه في العهود التالية، إذ أن بعض الحوالات الحبسية من الفترة السعدية تتحدث عن وجود غابات من شجر الزيتون في ملكية الأحباس(1).
... ويذكر الغساني أن الزيتون من الأشجار المعروفة في عامة بلاد المغرب وأنه نوعان: »بستاني وبري. فالبستاني يعظم كثيراً، وثمره أعظم من ثمر البري (…) وتسمى شجرة البري الزبوج«. ويميز أيضاً بين ثمر البستاني حسب درجة نضجه ولونه: فهناك الزيتون المدرك التام النضج،
__________
(1) محمد مزين، مرجع سابق، ج 2، ص. 397.
(1/4806)
والزيتون الفج والياقوتي وهو المتوسط بين الفجاجة والنضج(1).
... ويدلنا الغساني على بعض وسائل الري المستعملة في نواحي فاس. من ذلك استعمال النواعير والدواليب لسقي أحد أنواع الحناء الذي هو من جنس البقل النابت من بزره كل عام، وهو كثير بالجنات والولجات على ضفة نهر سبو، حيث يكثر استعمال هذه التقنية في السقي من الوادي(2). والناعورة هي عبارة عن دولاب دائري الشكل، يحمل أوعية ينزل بها إلى مستوى الماء عند بئر أو نهر ثم يرفع الماء ويقذف به في قناة توصل
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 103.
(2) المصدر نفسه، ص. 116.
(1/4807)
الماء إلى حوض حيث يتم توزيع الماء عبر قنوات للري. وعادة ما يحرك الدولاب حمار أو بغل(1).
... تتوزع الأراضي الزراعية بمنطقة فاس بين أراض في ملكية خواص وأراض تدخل في إطار الملكية العامة، جزء كبير منها أراضي الأحباس، وجميع هذه الأراضي تتفاوت في مساحتها. والصنف الأول من الأراضي يوجد في كثير من الأحيان في ملكية تجار وفقهاء من سكان المدينة، يعهدون لفلاحين باستغلال تلك البساتين والجنات طبقاً لشروط خاصة. وتعرف مثل هذه القطع الأرضية بالعرصة.
__________
(1) إبراهيم حركات، مرجع سابق، ص. 281.
(1/4808)
... ولقد كشف محمد مزين في دراسته لفاس وباديتها عن النظام الذي كان يميز استغلال هذه العرصات في العهد السعدي، ووقف على أسماء الأشخاص أو العائلات التي ينسب إليها عدد من تلك العرصات داخل المدينة وخارجها وفي المناطق المجاورة، وذلك اعتماداً على مجموعة من الوثائق والنوازل الفقهية(1).
... ونجد في ثنايا كتاب الغساني إشارة إلى عرصتين تقعان داخل المدينة لم يرد ذكر لهما في الدراسة السالفة الذكر. وجاءت هذه الإشارة عند تعريف الغساني لنبات يعرف تحت اسم »دادي«، وهو من جنس
__________
(1) مرجع سابق، ج 2، ص. 424 وما بعدها.
(1/4809)
الشجر العظام حيث يقرر قائلاً: »وقد رأيت منه شجرة واحدة عندنا بفاس بعرصة عائشة المرينية برحبة بني زناسن. وحدثني والدي ـ رحمه الله ـ أنه رأى أخرى بعرصة الطريفي من البلد المذكور« (1).
... والظاهر أن أصحاب القطع الأرضية الزراعية كانوا يلجأون إلى وسائل مختلفة لرسم حدود ممتلكاتهم وحمايتها. من ذلك استعمال نباتات شائكة تكون حدّاً فاصلاً لأراضيهم. ومن أكثر تلك النباتات استعمالاً حسب الغساني نبات العوسج ذو الأشواك الطويلة الحادة الأطراف: »يغرس في الحدود بين الجنات
__________
(1) حديقة الأزهار، صص. 84 ـ 85.
(1/4810)
والأرضين، وهو كثير عندنا بفاس بالمقابر والجبّانات« (1).
... ولما كانت البساتين والجنات تعتبر قبلة مفضلة من طرف أهل فاس للنزهة والترويح على النفس، فإن أصحابها كانوا يغرسون بها أنواعاً من النباتات تضفي عليها جمالاً وبهجة، وتفوح منها روائح طيبة وعطرة. يقدم لنا الحسن الوزان وصفاً رائعاً للبساتين التي تنتشر في القسم الجنوبي من فاس ويذكر أصناف النباتات التي تحتوي عليها:
... كالبرتقال والليمون الحامض والأترج، وبالأزهار الجميلة كالياسمين والورد الدمشقي والوزال المجلوب من
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 203.
(1/4811)
أوروبا الذي يستحسنه المغاربة كثيراً. وتزدان هذه البساتين بأروقة جميلة وصهاريج وأحواض يحيط بها الياسمين والورد وزهر الليمون. وعندما يمر المرء في فصل الربيع بجوار هذه الرياض، يشم نفحات عبقة منبعثة من كل جانب.
يطلعنا الوزان على أنه جرت العادة أن الأعيان »يقيموا بها (البساتين) من أوائل أبريل إلى نهاية شتنبر«(1).
... والظاهر أن أصنافاً متعددة من الأزهار والرياحين المغروسة بهذه الجنات كانت تقطف وتباع بدكاكين خاصة داخل المدينة، حيث يكثر الإقبال عليها، وهو ما يلمح إليه
__________
(1) مصدر سابق، ج 1، ص. 248.
(1/4812)
الوزان نفسه(1). ولعل أكثر تلك النباتات انتشاراً بفاس نبات الياسمين، المتخذ في البساتين وفي الدور أيضاً. ولما كان هذا النبات الذي هو من جنس التمنس(2)، »يأخذ في
__________
(1) يذكر الحسن الوزان أنه قريباً من الباب الرئيس لجامع القرويين في الجهة الغربية يوجد قرابة عشرين دكاناً لبائعي الأزهار: »يبيعون الليمون والحامض أيضاً. وعندما ترى كل هذه الأزهار الكثيرة الأنواع، تخالك تشاهد أجمل المروج وأكثرها نضرة في العالم«. (المصدر نفسه، ج 1، ص. 234).
(2) التمنس: لفظ يوناني معناه المتوسط من النبات بين الشجر والبقل.
(1/4813)
التدويح أكثر مما يأخذ في الارتفاع«، فإنه كانت تستعمل عدة أساليب لتسهيل وتوجيه امتداده، وذلك بتهييء الخشب والقصب كما يفعل بالنسبة لدوالي العنب، أو جعله يمتد على أغصان الشجر. والنوع الأكثر وجوداً بفاس هو »الأبيض ذو أربع شرافات أو خمس، عطر الرائحة وأعطر ما هو في زمن الصيف« (1).
... ومن جملة تلك النباتات أيضاً نبات يعرف لدى العامة بفاس بالحبق القرنفلي، له »رائحة ذكية عطرة، ينبت بالبساتين، يقوم على أغصان كثيرة متدوحة تفترش الأرض كالفسطاط في قدر شبر ونصف أو شبر، له زهر
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 132.
(1/4814)
أبيض وورق كورق المردقوش« (1).
... ويطلعنا الغساني على نبات آخر يتميز برائحته العطرة، وهو النسرين. وهو من أنواع »التمنس يتدوح كثيراً، وفيه شوك (…)، وزهره كزهر الورد الجبلي شكلاً وقدراً«. ويضيف الغساني أن هذا النبات »معروف ومشهور، منابته الجنات والعراص، زكي الرائحة طيب الشمة«(2).
... وهناك نباتات تضفي جمالاً وبهجة وتسر الناظرين، أحدها يعرف عند العامة بفاس بالقزقاز يكثر بالجنات والأماكن الرطبة والسياج، يتخذ في البساتين لجمال منظره(3)
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 52.
(2) ... المصدر نفسه، ص. 179.
(3) المصدر نفسه، ص. 234.
(1/4815)
.
... ومن الأنشطة المرتبطة بالفلاحة والتي ازدهرت بفاس ونواحيها تربية المواشي والأغنام والدواجن، وذلك لحاجة السكان الطبيعية للحوم والألبان ومختلف مشتقاتها. ويندرج ضمن النشاط نفسه العناية بالدواب الخاصة بالركوب والضرورية للنقل وحمل الأثقال. إن جزءاً كبيراً من هذه الأنشطة كان يقوم عند مشارف المدينة وجزء منه داخل المدينة. ولقد ساعد على ازدهار هذه الأنشطة توفر المراعي الجيدة قريباً من المدينة وفي الجبال المجاورة، وذلك عبر كل فصول السنة وحتى في فصل الصيف الحار والجاف. ونجد عند الغساني معلومات تؤكد
(1/4816)
هذا الأمر. من ذلك مثلاً نبات النَّفَل (حركة الفتحة على النون والفاء)، وهو من أنواع البقل المستأنف كل سنة. وجميعها حسب الغساني تعد غذاء ومرعى مفضلاً للدواب والبهائم. وهذا النبات »دقيق الورق ينبسط على الأرض كالطنافس والزرابي (…)، منابته المروج في زمن القيظ. وهو كثير عندنا بفاس في ضفة وادي الجواهر خارج مدينة الملك من حضرة فاس المحروسة« (1)
__________
(1) حديقة الأزهار، صص. 189 ـ 190. المراد بمدينة الملك فاس الجديد الذي بناه المرينيون في بداية دولتهم عند ضفتي وادي فاس قبل أن ينحدر ويدخل المدينة العتيقة، واتخذوا هنالك قصوراً لإقامتهم وإدارة دولتهم. (ابن أبي زرع، مصدر سابق، ص. 322).
(1/4817)
.
... ومن النباتات التي تقبل عليها الدواب النبات الذي أشرنا إليه سابقاً والمعروف لدى العامة بفاس ببوعقاد، إذ تأكله الدواب وتحبه وتربي عليه لحماً وشحماً. وهذا النبات يكثر بالجنات والمواضع الرطبة والقيعان وقرب المياه، وهي شروط تتوفر في جهات مختلفة من أحواز فاس لكثرة العيون والأنهار بها. كما أن هناك نباتاً كالزرع له سنابل يعرف بالبهمي عند العامة بفاس: »وهو في أول نباته يضر بالبهائم والإبل والدواب. فإذا جف ويبس، نفعها وسمنها... «(1). ومما يفيدنا في تأكيد حيوية هذا القطاع
__________
(1) حديقة الأزهار، ص. 67.
(1/4818)
إشارة غير مباشرة نجدها لدى الغساني تدل على كثرة الإسطبلات ومرابض الماشية بالمدينة وضواحيها، وذلك عند تعريفه بنبات يعرف بالخبازي وهو من أنواع البقل(1)، مشهور عند العامة، يسمونه البقول. هذا النبات »كثيراً ما ينبت بقرب الأنهار والسياجات وسواقي الماء ومرابض الغنم والبقر، وفي الخرب والدمن والمزابل«(2).
... ومن جملة النشاطات المرتبطة بالفلاحة التي ازدهرت بفاس في تلك الفترة تربية دود الحرير. ووجود هذا النشاط
__________
(1) البقل: كل نبات ينبت من بزره لا من أرومته الباقية تحت الأرض.
(2) المصدر نفسه، ص. 307.
(1/4819)
نستشفه من بعض الإشارات غير المباشرة من طرف الغساني. من ذلك مثلاً ذكره لوجود صناعة أطباق دود الحرير بفاس والتي تقوم على استغلال مادة القصب، خصوصاً منه الرقيق المعروف لدى العامة بالمدينة بقصب الريح، والموجود بكثرة في أحواز فاس(1). ثم نجد إشارة ثانية في مادة شجر التوت حيث يبين الغساني أن الصنف البستاني من هذه الشجرة هو المعروف لدى العامة بفاس بتوت دود الحرير، وهو أبيض وأسود(2).
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 240.
(2) المصدر نفسه، ص. 297.
(1/4820)
... إنه يصعب حصر النباتات التي يقوم الفلاحون بغراستها في البساتين والعراص التي توجد بفاس وأحوازها؛ كما أنه يصعب تحديد كافة الأسباب التي تدفع هؤلاء الفلاحين إلى اتخاذ نباتات وتعهدها دون أخرى.
... وواضح أن الرغبة في الربح عن طريق بيع فائض الإنتاج تأتي في المقام الأول، وتندرج في هذا الإطار كافة أصناف الحبوب والقطاني والفواكه والخضار التي ذكرنا نماذج منها. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن هناك من النباتات ما يمكن أن يجني منه الفلاح أرباحاً لا يستهان بها، خصوصاً تلك التي تستخلص منها مواد تستخدم في بعض
(1/4821)
الصناعات والحرف، أو مواد تستخدم للزينة والعناية بالشعر والبشرة أو توابل في تهييء الأطعمة أو حفظها، أو مواد ذات منافع طبية. وهذه الخاصية الأخيرة هي أصلاً تشمل جل المواد التي يوردها الغساني في كتابه.
...
2 ـ الصناعة
... لا يخلو كتاب "حديقة الأزهار" من معلومات طريفة ومهمة حول ارتباط الصناعة والحرف بفاس بمجالها الجغرافي. وهذا الأمر ليس بجديد: فلقد كانت مميزات هذا المجال منذ وقت مبكر مساعدة إلى أبعد الحدود على ازدهار النشاط الحرفي والتجاري بما يوفره من موارد ومواد أولية متنوعة، نجحت العناصر البشرية
(1/4822)
التي استوطنت المدينة في استغلالها والإبداع في تحويلها وتصنيعها. هذه الموارد تتمثل أساساً في وجود عنصر الماء بوفرة ممثلاً في وادي فاس والعيون المتعددة والمطردة التي تزخر بها المدينة. فعنصر الماء كان أساسياً في تحريك الرحى، وعاملاً مساعداً في نمو حرفة الدباغة والصباغة مثلاً. كما أن التنوع في التضاريس والتربة والغطاء النباتي سمح بتوافر مواد أولية مختلفة سهلة التناول، كالجبص والرمال والحجارة المستعملة في البناء، أو الصلصال المستعمل في صناعة الخزف. ثم الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي كان يستقطب أغلب
(1/4823)
خطوط التجارة المحلية والدولية والذي كان يسمح ب*** المواد المفقودة في عين المكان ويفتح آفاقاً كبيرة لتصدير المنتوجات المحلية(1). ومن دون شك إن كل هذه العناصر والمميزات لا يمكن إلا أن تدفع عجلة الصناعة والتجارة في فاس إلى الأمام، خصوصاً في فترات الاستقرار السياسي والاجتماعي، وانعدام الكوارث الطبيعية والأوبئة التي تؤثر سلباً في التوازن الديمغرافي.
__________
(1)
J. Cellerier, « Les conditions géographiques du développement de Fès », Hespéris, T. XIX, 1934, pp. 3-6.
(1/4824)
... إن المعلومات التي توفرها المصادر حول قطاع الصناعة بفاس منذ العصر الوسيط قليلة لا تسمح بمعرفة كافة المواد المعدنية المستعملة وطرق تصنيعها. وفي كثير من الأحيان، فإن تعرُّف بعض المصنوعات المعدنية يكون بطريقة عرضية. كما أن المعومات التي تقدمها المصادر تركز على المعادن النفيسة كالذهب والفضة أو معادن كانت استعمالاتها كثيرة كالحديد والنحاس وتغفل معادن أخرى ولا تذكرها إلا عرضاً. ولقد انعكست طبيعة هذه المعلومات على الدراسات التي اهتمت بالموضوع، فتميزت بالعمومية وحاولت سد الثغرات من خلال توظيف
(1/4825)
معلومات تخص القطاع نفسه، ولكن في مدن وبلاد أخرى كالأندلس مثلاً. ومن جملة المعادن التي كان اهتمام الباحثين بها قليلاً أو منعدماً مادة الرصاص والقصدير. فالغساني يشير إلى تصنيع هذين المعدنين بفاس، حيث كانت تشكل منهما صفائح يتم صباغتها بلحاء يستخرج من أصول شجرة تعرف باسم »أزرغنت« باللسان البربري، وهو شجر البرباريس من نوع العوسج. وهذه الشجرة تنبت كثيراً بجبال بني زينة، ومنها ي*** إلى مدينة فاس. ويذكر الغساني أن والده حدثه »أنه وقف عليه ورأى شجرته بموضع يقال له سليلجو على مقربة من ضريح الولي الصالح
(1/4826)
سيدي يحيى بن بكار ـ رحمه الله ـ من عمل فاس« (1).
... ووردت في كتاب "حديقة الأزهار" إشارة إلى صناعة تزويق الكتب مثل المصاحف والكتب الدينية القيمة أو غيرها، وهي صناعة عريقة شجعها الحكام والأمراء وكبار الأثرياء الذين كانوا يتنافسون في اقتناء نسخ جميلة من القرآن والكتب النفيسة من شتى العلوم والآداب ويودعونها في مكتباتهم الخاصة.
__________
(1) حديقة الأزهار، مصدر سابق، ص. 8. وردت أخبار في "القرطاس" تشير إلى اتساع استعمال الرصاص في صنع قواديس الماء. (مصدر سابق، ص. 64 و70).
(1/4827)
... ومنذ القرن السادس الهجري برزت أسماء في هذا الميدان بمدينة فاس، نذكر منها أبو الحسن يحيى بن محمد القيسي القرطبي ثم الفاسي مُسْتَوْطَناً المعروف بابن الإشبيلي حيث وصف بأنه من أهل الخط والتذهيب(1). ويدلنا الغساني على مادة تدعى: أُشَّق (ضم الهمزة، والشين مشددة مع الفتحة)، وهو »صمغ الكلخ (...) ويقال له لزاق الذهب، لأن به يلصق الذهب في القراطيس في فواتح سور القرآن والتراجم وأسماء الله تعالى وأسماء نبيه سيدنا محمد -
__________
(1) العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، ط 2، الرباط، 1977، صص. 267 ـ 268.
(1/4828)
صلى الله عليه وسلم -. ويعرف عندنا بفاس بفاسوخ الوشق« (1).
... ومن الصناعات التي شهدت تطوراً كبيراً بفاس منذ عهد المرابطين النجارة، وذلك لتوافر مادة أولية متنوعة في الغابات القريبة من فاس. فكانت هناك أصناف من الخشب تتميز بصلابتها لفترات زمنية طويلة تستعمل في تدعيم وبناء السقوف والأبواب. ولعل الصنف الذي كان أكثر استعمالاً: خشب الأرز. فابن أبي زرع يذكر أنه »على مسيرة ثلاثين ميلاً من فاس جبال بني يازغة حيث يقطع خشب الأرز في*** إلى المدينة منه في كل يوم ما لا
__________
(1) حديقة الأزهار، مصدر سابق، ص. 38.
(1/4829)
يحصى كثرة«(1). وهذا الخشب كان يستعمل في بناء سقوف الدور التي أكثرها من عدة طبقات و»يعمر العود منه في سقف البيت ألف سنة لا يعفن ولا يسوس ولا يعتريه شيء ما لم يصبه ماء« (2). وفي مكان آخر يدلنا هذا المؤرخ نفسه على أصناف أخرى من الخشب المستخدمة في صناعة النجارة بفاس، وذلك عند حديثه عن منبر جامع القرويين الذي تم تجديده في عهد المرابطين: »وصنع المنبر الذي به الآن من الأبنوس والصندل والعاج والنارنج والعناب وأصناف الخشب العظيم« (3)
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 35 ـ 36.
(2) المصدر نفسه، ص. 41.
(3) المصدر نفسه، ص. 62.
(1/4830)
.
... ويدلنا الغساني على استمرار استعمال المواد نفسها في الفترة السعدية، بل يعرفنا بأصناف أخرى لا تقل أهمية. فهو يذكر مثلاً خشباً يعرف عند العامة بفاس باسم »العرعر«، وهو من جنس الشجر المشوك ومن الشجر العظام، لون خشبه يميل إلى الحمرة كخشب العذاب، وهو »عطر الرائحة تصنع منه الأواني والجفان« (1). ويطلعنا الغساني أيضاً على بعض الاستعمالات الأخرى لخشب الأبنوس في مجال النجارة. وقبل ذلك، يدلنا على الاسم الذي تطلقه العامة على هذا الصنف من الخشب: »يعرف عند العامة بفاس
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 22.
(1/4831)
بـ"اليابنوز" (بياء وزاي). وبالعربية الفصيحة "الساسم"، وبالبربرية "ايسغارن انيسمشان"، معناه: حطب السودان، وبعضهم يقولون: "إيسغارن يزان"، أي العود الأسود«(1). إن هذه المعلومات اللغوية النادرة تدلنا على مدى حرص هذا العالم الأندلسي الأصل على الإحاطة بكافة العناصر المتعلقة بميدان تخصصه حتى اللغوية منها، لأنها تعبر عن تعدد العناصر المشكلة للثقافة السائدة وما تحمله من تعدد في الخبرات والتجارب. وحول الخشب نفسه يذكر الغساني معلومات إضافية تعبر عن دقة ملاحظاته وخبرته بدقائق
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 23.
(1/4832)
الأمور: »ولونه أسود شديد السواد، فيه ملامسة وبراقة يحسبه الناظر قرناً محكوكاً، أجوده ما كان رزيناً إذا وضع في ماء غاص فيه وغرق. يصنع من خشبه حقاق وأوعية، وترصع به المنابر والكراسي، يغش بخشب البطم إذا صبغ«(1).
... ومن جملة أصناف الخشب المتوافرة بمنطقة فاس والتي تستخدم لأغراض مختلفة: الطرفاء، وهو من الشجر العظام، ومن أنواعه الأثل:
... ولون خشبه أحمر كالبقم تصنع منه الأواني والقصع والجفان، ويسمى النضار؛ والنضار كل خشب أحمر تصنع منه الأواني. ويسمى عندنا بالمغرب ـ في فاس
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 24.
(1/4833)
ومراكش وما والاهما من القرى والمداشر ـ بتكاوت، تدبغ بثمره الجلود وتصنع منه الأمدة للكتابة (1).

... والواضح أن صنعة النجارة كانت تعرف عدة تخصصات لها علاقة بطبيعة المادة المستعملة وطرق تصنيعها والأشياء المصنعة. ومن هنا نجد حرفاً تتفرع عن النجارة كالتزويق والخراطة. والغساني يحدثنا عن سوق بفاس للخراطين، من بين ما يختصون بصنعه »الحقاق ونواعير فتل الحرير وغزل الصوف وأفلاك المغازل«. وهم يعتمدون في ذلك على خشب الدفلى، خصوصاً النهري منه: »ينبت في الخنادق الرطبة من الجبال وغيرها
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 34.
(1/4834)
وعلى شطوط الأنهار، وهو كثير معروف عند الناس (...) وله خشب أبيض خوار...«(1).
... أما القصب، فهو أيضاً من المواد المتوافرة بكثرة في أحواز فاس. وهو أنواع تختلف من حيث رقتها أو قصرها، ومنها ما هو »كثير اللحم صلب متلزز يسمى بـ"القَشّ" (حركة الفتح على القاف) تصنع منه الأقلام والسهام، ومنها ما هو قليل اللحم رقيق سريع الانكسار يقال له "قصب الريح" عند العامة بفاس، تصنع منه الحصر وأطباق دود الحرير«(2). وهناك نبات آخر تتخذ منه الحصر أيضاً وهو
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 87 ـ 88.
(2) المصدر نفسه، ص. 240.
(1/4835)
»الأسل« والمعروف بـ»السمار« الذي ينبت بالمروج(1).
... يجب التنبيه على أن الغساني عرض لمجموعة من النباتات التي اشتهرت بها منطقة فاس دون أن يقوم بتحديد أماكن وجودها أو بعض وجوه استعمالاتها غير الطبية كما تعودنا منه ذلك في مواطن متعددة من كتابه. فهو في عدة مواضع يكتفي بالإشارة إلى شهرة النبات وأنه معروف لدى العامة، وذلك تجنباً منه للإطالة. والحقيقة أن هذا الاختصار يحرمنا من معلومات قلما نجدها في مصادر أخرى. ولكن من حسن الحظ أن الحسن الوزان يغطي جانباً من ذلك النقص بذكره
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 40.
(1/4836)
مثلاً للاستعمالات الصناعية لمجموعة من تلك النباتات التي كان حديث الغساني حولها مقتضباً. ونورد هنا نموذج شجر التوت والجوز والعناب والليمون. فالوزان عند وصفه لبعض أسواق فاس، ذكر أن:
... القباقب التي ينتعلها الأعيان عندما تكون الأزقة موحلة (...) تصنع هذه القباقب عادة من خشب التوت الأسود أو الأبيض، وقد تصنع من خشب الجوز والليمون والعناب. والقباقب المصنوعة من هذين النوعين الأخيرين من الخشب أكثر جمالاً وأناقة، لكن التي تصنع من التوت تدوم مدة أطول (1).
__________
(1) مصدر سابق، ج 1، صص. 243 ـ 244.
(1/4837)
... ومن الصناعات التي ازدهرت في فاس منذ العصر الوسيط صناعة الحياكة، حيث أحصيت بها في مطلع القرن السابع الهجري/ القرن الثالث عشر الميلادي قرابة ثلاثة آلاف موضع لهذه الحرفة(1). والظاهر أن هذه الحرفة تراجعت نتيجة الأزمات التي مرت بها المدينة في أواخر الدولة المرينية، حيث يذكر الحسن الوزان بخصوص مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي أن عدد دور النساجين بفاس كان عشرين وخمسمئة دينارٍ، ثم يقرر أن هذه هي الصناعة الرئيسة بفاس إذ أنها تكفل العمل لعشرين ألف
__________
(1) ابن أبي زرع، مصدر سابق، ص. 48.
(1/4838)
عامل(1). ولقد كانت الدور الخاصة بالحياكة تستقبل ما يرد عليها من صوف وقطن وكتان خام وحرير، وتقوم بتصنيعه بعد أن يمر بعمليات مختلفة إلى أن يأخذ شكل خيوط متعددة الألوان ومتفاوتة الجودة، قابلة لنسجها حسب رغبات التجار والزبناء. ومن أهم العمليات التي يمر بها الصوف الخام عملية التنظيف التي كانت تستعمل فيها مواد خاصة مضافة إلى الماء تساعد على إزالة الأوساخ العالقة بالصوف. ويذكر الغساني من بين تلك المواد نباتاً يعرف بسعوط الدواب، و»يسمى عند العامة بفاس وغيرها من مدن
__________
(1) مصدر سابق، ج 1، صص. 246 ـ 247.
(1/4839)
المغرب بـ"تغيغشت"، وهي العروق التي يغسل بها الصوف للتنقية والنظافة«(1).
... واستخدمت عدة مواد نباتية في صباغة الصوف منها مادة تستخلص من شجرة تعرف بـ»الصفيراء«: »وهو خشب ي*** إلينا يستعمل في صبغ الثياب والصوف، معلوم عند الصباغين، معروف مشهور بالصفيرا« (2).

3 ـ التجارة
... نشطت الحركة التجارية في فاس في الفترة السعدية، خصوصاً في عهد أحمد المنصور الذهبي الذي يمثل أوج الدولة السعدية وقمة نشاط العلاقات التجارية الداخلية والخارجية،
__________
(1) حديقة الأزهار، مصدر سابق، ص. 149.
(2) المصدر نفسه، ص. 196.
(1/4840)
وذلك نتيجة للإصلاحات التي قام بها، ورفعه لعدد كبير من المكوس والضرائب التي كانت تفرض على السلع في المراسي وعلى أبواب المدن(1). ولا يخلو كتاب "حديقة الأزهار" من معلومات حول واقع الحركة التجارية بفاس إبان هذه الفترة التي عاصرها الغساني. وهي معلومات تهم جوانب مختلفة، نذكر منها أولاً وجود صلات تجارية بين فاس وبلاد مختلفة، خصوصاً بلاد السودان وبلاد المشرق وحتى بلاد الروم. وهذه الإشارات هي بمثابة قرائن تدل على أنه بالرغم من التوتر الذي طبع العلاقات السعدية
__________
(1) محمد مزين، مرجع سابق، ج 2، ص. 497.
(1/4841)
بالأتراك في المغرب الأوسط أو العلاقات مع السودان في فترة من الفترات، فإن ذلك ـ على ما يبدو ـ لم تكن له آثار عميقة. ففاس ظلت تستقبل عدداً من المواد التي كانت تجد لها سواقاً رائجة خصوصاً في العطارين ولدى الصيادلة، وإن بكميات أقل في فترات التوتر الحادة، مما ينعكس على الأسعار ويجعلها ترتفع.
... ترد على فاس من بلاد السودان مواد متعددة، نذكر منها: »جوز الزنج«: » يؤتى من أرض السودان، ويسمى عند العامة بفاس وغيرها "جوزة الشَّرك" (التشديد والفتحة على الشين)، لها ثمرة في قدر جوزة الأكل، في داخلها بزر
(1/4842)
كالقاقلة الصغيرة، لونه أحمر إلى السواد وطعمه كالخلجان أو الزنجبيل، بل أمرّ منهما« (1). وفي مكان آخر يطلعنا الغساني على مادة تدعى بخروب السودان من جنس الشجر العظام التي لم يذكرها ـ حسب المؤلف ـ »أحد من الأطباء القدماء والمتأخرين إلى هلم جرا، وإنما استخرج بعدهم«. ولم يكتف صاحبنا بتعرُّف ثمرة هذه الشجرة عند باعة العطور، بل سأل عنها بعض التجار الثقات الذين يذهبون إلى السودان، فحدثه أحدهم بأن »شجرته تشبه شجرة النارنج شكلاً وورقاً، ولا تمتاز عنها إلا بثمرها (...) وهذا الثمر
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 77.
(1/4843)
هو الموجود عندنا بالمغرب، يعرف عند العامة بالكورو (بكاف تحته ثلاث نقط)«.
... ويضيف الغساني معلومات مهمة عن بعض الأساليب التي كان يستعملها أصحاب القوافل التجارية لحفظ المواد التي ينقلونها خلال المسافات الطويلة التي يقطعونها والظروف الشاقة التي يجتازونها، فيقول عن الكورو:
... منابته بالسودان بموضع هناك (...) ينطوي على معادن الذهب والتبر، ومنها ي*** إلينا في أوعية مشدودة بورق وسوافط محكمة الشدة والرباط لئلا يجف ذلك الثمر وييبس وتذهب رطوبته، ويعالج في تلك الأوعية بالماء، لا بقليله ولا بكثيره، حتى
(1/4844)
يصل إلينا ولأقطار البلاد غضاً رطباً كأنما قطف من يومه... (1).

... ومن المواد التي ترد على فاس الأسارون
... [و] هو من جنس اللبلاب، مشهور عند الأطباء معروف (...) أجوده ما *** من الصين وبعده الأندلسي، وخيره ما جمع بناحية الجزيرة الخضراء؛ ويعرف عندنا بفاس بآسرون (بهمزة ممدودة وألف بعدها) موجود عندنا بسوق العطارين بها مشهور معروف عند باعة العطر (2).
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 324 ـ 325.
(2) المصدر نفسه، ص. 28.
(1/4845)
... ومن مواد الطيب التي ترد على فاس أيضاً: الأذخر، وهو من جنس الديس ومن أنواع الأسل (...) كثيراً ما ينبت بأرض بابل ـ وهو أجوده ـ وبأرض الحجاز، وبمكة المشرفة وأرض العرب (...)، وعندنا بالمغرب بناحية مكناسة الزيتون؛ ويسمى عندنا بفاس باسمين: »أحدهما الأذخر، والآخر تبن مكة، بالإضافة إليها... « (1). ومن ذلك أيضاً: بلاذر وهو »ثمر شجرة تنبت بأرض الهند والصين، وقد توجد بصقلية عند جبل النار، وهو يشبه القسطل لوناً وشكلاً، (...) وقد شاهدته ورأيته بسوق العطارين في فاس«(2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 29.
(2) المصدر نفسه، ص. 65.
(1/4846)
.
... ويطلعنا الغساني على مادة كانت تصدر إلى بلاد الروم، إشارة من دون شك إلى بلاد أوروبا عموماً والمدن الإيطالية على الخصوص، وهذه المادة من جنس الفطر يعرف باسم أغاريقون. فالنوع الأبيض من هذا الفطر والأنثى بالتحديد، يذكر الغساني أن فيها رخواً و»هشاشة وتفرك بسرعة، وهو في قدر جمجمة الإنسان، مدحرج الشكل كأنه ثؤلول عظيم، ينبت في أعلى شجرة الأرز«. ثم يضيف »وكثيراً ما ينبت عندنا بالجبل الكبير(1)
__________
(1) الظاهر أن المراد بالجبل الكبير جبل بني بهلول الذي يقع في قبلة فاس والذي كان المصدر الرئيس لمادة الحطب والفحم لسكان المدينة. (انظر ابن أبي زرع، مصدر سابق، ص. 33).
(1/4847)
من جبال الفحامين خارج مدينة فاس، ومنه يحمل إلى سائر البلاد وإلى بلاد الروم«(1).
... وترتبط فاس بصلات تجارية وثيقة مع كافة جهات المغرب، وذلك أنها بموقعها الجغرافي المتميز كانت تعتبر قاعدة بلاد المغرب ومحطة أساسية في خطوط المواصلات التي تربط جنوب المغرب الأقصى بشماله، وغربه بمشرقه. ولقد اشتهرت مكناسة الزيتون في حياة الغساني بزراعة نبات القنب. وكانت كميات منه توجه إلى فاس حيث يستخدم في صنع الشرائط والحبال، وذلك بعد تجفيف القنب وتيبيسه ومرسه ونفضه كما ينفض الكتان(2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 35.
(2) المصدر نفسه، ص. 336.
(1/4848)
. ومن الجهة نفسها كان ي*** إلى فاس الأنيسون، ويعرف عند العامة بحبة حلاوة، و»كثيراً ما يستعمل منه بزره، وأجوده ما كان رزيناً كبير الحبة حديثاً لا يتقشر قشراً شبهاً بالنخالة«(1). ويطلعنا الغساني على مادة ترد على فاس من واحات سجلماسة، وتعرف تحت اسم »ترنجبيل«، ومعناه »"عسل الندى" (...) وأكثر ما ينزل من السماء على شجر النخل بناحية سجلماسة، ومنها ي*** إلينا، وأجوده الأبيض الشبيه بالجلاب«(2).
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 12.
(2) المصدر نفسه، ص. 294.
(1/4849)
... ومن جملة الفوائد ذات الطابع التجاري التي يتضمنهاكتاب "حديقة الأزهار"، وصفه الحي لأساليب بيع بعض الفواكه فور ظهورها ووصولها إلى أسواق فاس الخاصة بمثل هذه المواد. من ذلك إشارته إلى أنه عند ظهور الكمثرى والأجاص في زمن الصيف، فإن الباعة يضعونه على موائد تم تزيينها بورق نبات يعرف بالخطمي، وهو من البقل. وذلك الورق يشبه ورق الخبازى، يعرف عند العامة بفاس بورد الزوان. وبهذه الطريقة ي*** الباعة الزبناء، ويعملون على سرعة نفاد الفواكه المعروضة. ويشير الغساني إلى أن نبات الخطمي يتخذ في البساتين والجنات
(1/4850)
والعراص للزينة(1).
... ويطلعنا الغساني على ظاهرة أخرى تقع بأسواق الخضر والفواكه بفاس عند أواخر فصل الخريف من كل سنة، وهي قدوم بربر غمارة بأنواع الفاكهة. ومن ذلك السفرجل الذي يجينون به في أوعية مغطاة بورق السرخس. وهذا النبات ينمو بكثرة في الجبال الكثيرة المياه وقرب العيون، وهو كثير بجبال غمارة. ويقوم هؤلاء البدو بعرض بضاعتهم على موائد في إحدى رحاب المدينة المخصصة لذلك، وببيعها مباشرة للزبناء دون اللجوء إلى تجار وسطاء من أهل المدينة.
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 305.
(1/4851)
... واللاَّفت للنظر في هذا الأمر هو أن هؤلاء البربر إذا »قضوا مآربهم وباعوا ما في تلك الأوعية، نبذوه [ورق السرخس] وطرحوه وألقوه بالطرق وشوارع السوق يطأه الناس بأقدامهم«(1).

... ووردت في كتاب الغساني إشارة إلى أن هناك نباتاً »كثيراً ما يباع عندنا بالملاح عند باعة اليهود«(2)، وهو الترمس. وهو من جنس البقل أو
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 265.
(2) المصدر نفسه، ص. 291. يؤكد الحسن الوزان في وصفه لأحياء فاس الجديد أن اليهود »يشغلون شارعاً طويلاً وعريضاً جداً، فيه دكاكينهم ومعابدهم«. (مصدر سابق، ج 1، ص. 284).
(1/4852)
من نوع الكفوف، وأصنافه كثيرة. وهذا الخبر فيه ـ من دون شك ـ إشارة إلى اشتغال عدد من اليهود بمهنة الطب والصيدلة وبيع الأعشاب والعقاقير الطبية في الحي الخاص بهم بفاس الجديد. وهذا، إلى جانب سوق العطارين بفاس العتيقة والذي كان يضم دكاكين الأطباء والصيادلة وباعة الأعشاب والعقاقير أيضاً(1)
__________
(1) ... يتحدث الحسن الوزان في وصفه لسوق العطارين عن وجود نحو مائة وخمسين دكاناً: »وهناك تباع المواد المتعلقة بالعطارة والطب، ولكن لا تهيأ فيه الأشربة ولا المراهم ولا المعاجين، وذلك لأن الأطباء يعدون الأدوية في منازلهم، ثم يرسلونها إلى دكاكينهم، حيث يسلمها مستخدموهم مقابل وصفة طبية، ومعظم دكاكين الأطباء مجاورة لدكاكين العطارين«. (وصف إفريقيا، ج 1، صص. 242 ـ 243).
(1/4853)
.
... إن النشاط الاقتصادي الكبير الذي كانت تشهده مدينة فاس، كانت تحكمه عادة ضوابط وقيم يحرص المحتسب بتعاون مع أمناء الحرف والأسواق على أن تحترم ويعاقب من يخالفها. ولكن لم يمنع هذا من حدوث أنواع من التدليس والغش في بعض المعاملات التي تجري في خضم الحركة الدائبة التي تعرفها كافة الأسواق. وكان أكثر الناس تعرضاً لعمليات التدليس الغرباء والأشخاص الذين ليست لديهم الخبرة الكافية للتمييز بين الأشياء وتقدير القيمة الحقيقية لكل سلعة على حدة، ومعرفة درجة جودتها بالنظر إلى طبيعة المواد المستعملة في صناعتها.
(1/4854)
... ويدلنا الغساني على بعض طرق الغش التي كانت تعرفها حرفة النجارة. من ذلك أن خشب الأبنوس الذي هو من المواد النفيسة التي ترصع بها المنابر والكراسي، كان »يغش بخشب البطم إذا صبغ«. وينبه الغساني إلى طريقة معرفة الأبنوس الأصيل »بالرائحة والمذاق، لأن رائحة الأبنوس طيبة عطرة، ومذاقه يلذَعُ اللسان، وليس كذلك البطم« (1). ...
... ويذكر الغساني نموذجاً آخر للغش في مجال بيع الأعشاب، لا يمكن أن يتبينه إلا من له دراية كبيرة بالخواص الدقيقة للأعشاب. ويتعلق الأمر بنبات
__________
(1) حديقة الأزهار، مصدر سابق، ص. 24.
(1/4855)
اسمه السنا، وهو على ما يبدو من العطور المستوردة التي تنسب إلى الأماكن المقدسة بالحجاز فيقال: »سنا حرمي« و»سنا مكي«. وحسب المؤلف، فإن »السنا معروف عندنا بفاس، موجود عند باعة العطر والصيادلة، له ورق كورق السدر وبه يغش«(1)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 273. ولقد خصص السقطي في كتابه "في آداب الحسبة"، فصلاً كاملاً لعرض نماذج من تدليس العطارين والصيادلة، حيث قرر في مقدمة الفصل صعوبة حصر وكشف أساليب غشهم بقوله: »هؤلاء قوم شغلهم أوسع الأشغال، وأمورهم مختلفة الأحوال، والكشف عنهم صعب المرام، وغش مفسديهم لا يكاد يحصر ولا يرام... «. (مصدر سابق، ص. 41).
(1/4856)
.

الدلالات الاجتماعية
... من الخصائص الفريدة التي تميزت بها مدينة فاس تركيبتها السكانية المتعددة الأصول والعناصر. فإلى جانب سكانها الأوائل من البربر والعرب، فإنها في فترات مختلفة من تاريخها، منذ تأسيسها وإلى حدود ظهور دولة السعديين، كانت قبلة لعدة هجرات من إفريقية والأندلس ومن تلمسان ومن البدو، ومن عائلات تنتسب إلى مدن مغربية أخرى. وعلى العموم، فإن الهجرات الأولى كانت لها في كثير من الأحيان آثار إيجابيّة على المدينة، لأنها طعمتها بعناصر ذات خبرات علمية أو حرفية إلى جانب عادات وتقاليد في الملبس
(1/4857)
والمأكل أغنت تقاليد أهل فاس وتفاعلت مع المكونات الأخرى ذات الأصول البربرية والعربية. ومن دون شك أن مما ساعد على اندماج كافة تلك العناصر وبلورتها لحضارة وتقاليد متميزة أن أغلب تلك الهجرات حدثت في فترات كانت فيها المدينة تملك القدرة نسبياً على استيعاب جزء كبير من المهاجرين وإدماجهم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وجعلهم يساهمون في بناء وتدعيم موقع المدينة على شتى المستويات.
... والظاهر أن هذه القدرة ضعفت في أواخر عهد الدولة المرينية بفعل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية وتوالي
(1/4858)
سنوات الجفاف والأوبئة. وتراجع دور مدينة فاس على المستوى السياسي وضعفت مؤسساتها التعليمية واضطربت مؤسسة الأوقاف والأحباس وعجزت عن الأخذ بيد الفئات الفقيرة من سكان المدينة أو المستوطنين الجدد الذين لجأوا إليها هرباً من الجوع والمرض من البوادي المجاورة، أو من قمع المسيحيين في الأندلس. ولقد ترتب على هذه التحولات بروز اختلالات في المجتمع وبروز ظواهر اجتماعية تعبر عن الفقر والحرمان والجهل الذي أضحت تتخبط فيه فئات من المجتمع. وبعض هذه الظواهر السلبية سيظل قائماً، بالرغم من قيام الدولة السعدية وسنها
(1/4859)
لمجموعة من الإصلاحات، وذلك لأن فترات الاستقرار والقوة كعهد أحمد المنصور الذهبي لم تدم طويلاً، ولم تلبث أن عادت الصراعات والفوضى من جديد.
... وكما عكس الغساني في كتابه بعض مظاهر الانتعاش الذي شهدته بعض القطاعات الاقتصادية، والتي أشرنا في الفقرات السابقة إلى نماذج منها، فإنه من جهة أخرى عكس بعض الاختلالات الاجتماعية والظواهر السلبية التي برزت وتفشت في فاس أكثر من أي وقت مضى. ومن الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي يقرر الغساني انتشارها واستفحالها في القرن العاشر الهجري في مناطق مختلفة من المغرب
(1/4860)
ومدينة فاس أيضاً، ظاهرة التعاطي للحشيش والتي عمت شرائح اجتماعية من مختلف الأعمار وكلا الجنسين معاً. والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست بالجديدة، ولعلها انتقلت من المشرق إلى المغرب: فالبادسي يذكر قدوم أحد »الفقراء« من المشرق لزيارة أحد شيوخ التصوف بسبتة ومعه جراب من ورق القنب، فخاف أن يدخل على الشيخ بشيء محرم فأخفاه. وينقل البادسي أن الشيخ علم بمكان الجراب فأمر أحد خدامه بأخذه وقذفه في البحر(1)
__________
(1) عبد الحق بن إسماعيل البادسي (ولد حوالي 650 هـ، وتوفي بعد 722 هـ)، المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب، المطبعة الملكية، 1982، ص. 101؛ كما يذكر ابن الخطيب خبراً يفيد تفشي ظاهرة تعاطي الحشيش في غرناطة خلال القرن الثامن الهجري في كتابه: نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، تحقيق أحمد المختار العبادي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص. 183؛ وانظر أيضاً مقدمة التحقيق حيث يؤكد الباحث انتقال تلك الظاهرة من المشرق إلى المغرب، ص. 21.
(1/4861)
. ويصرح أحد الدارسين بأن تناول الحشيش انتشر منذ القرن السابع الهجري في أواسط بعض رجال التصوف الذين استعملوها لزيادة الحماس الذي تذكيه الأذكار الصوفية(1).
... ويوضح الغساني أن ورق القنب المأكول للإسكار يسمى عند العامة بالحشيش، ثم يستنكر قائلاً: »وقد عمت البلوى في هذا الزمان الكثير من الفواحش والمناكر بكثرة أكله والاشتغال به عند الرجال والنسوان والشبان والصبيان، وفحش ذلك فيهم
__________
(1) محمد الشريف، سبتة الإسلامية: دراسات في التاريخ الاقتصادي ـ الاجتماعي، منشورات جمعية تطاون أسمير، تطوان، 1995، ص. 152.
(1/4862)
واتبعوا أهواءهم إلا من عصمه الله« (1). ...
... ويؤكد الغساني تفشي ظاهرة مشينة لا تقل خطورة عن الأولى وهي ظاهرة البغاء و*****، وهو أمر سبق للوزان أن أشار إلى وجوده في أحياء وفنادق من مدينة فاس(2). وجاء ذكر الغساني لهذا الموضوع عند تعريفه لنبات الخطمي، وهو نوع من البقل الذي يكثر غرسه بالجنات والعراص بفاس بقصد الزينة. يطلق عليه بعض العامة اسم »ورد الزناة والزواني (جمع زانية)، لأن البغايا يستعملنه في أعمالهن من الإيلاف
__________
(1) حديقة الأزهار، مصدر سابق، ص. 337.
(2) وصف إفريقيا، مصدر سابق، ص. 232.
(1/4863)
والاختلاف على طريق *****« (1).
... كما يتطرق الغساني في كتابه "حديقة الأزهار" إلى بعض المعتقدات السائدة في أواسط العامة والتي تتصل ببعض الأعشاب أو الأشجار. من ذلك مثلاً: نبات يعرف باسم ذنب الخيل، »وهو من جنس الهدبات(2) له ورق طويل كالقضبان في رقة الحبل، وهو معروف عندنا بفاس مشهور. وتزعم العامة أن من استدبر شجرته وألقاها وراء ظهره وشد يديه من خلفه وعقد عقدة في هدباتها، فإن ذلك ينفعه من وجع ظهره« (3)
__________
(1) مصدر نفسه، ص. 305.
(2) هدب: كل ورق غير مستعرض كورق الأثل والطرفاء والسرو.
(3) المصدر نفسه، ص. 327.
(1/4864)
. وهناك نبات آخر ينمو في وسط فصل الخريف له نور أصفر يسمى عند أهل فاس بالمخبر والمديلكة، وهو »عند الناس سمة وعلامة على العام الخصيب الطيب يتفاءلون بكثرة زهره« (1).
... كما وردت عند الغساني أخبار تتصل ببعض أوضاع المرأة في تلك الفترة والتعريف ببعض اهتماماتها وهمومها. من ذلك اهتمامها بزينتها وقيامها بشؤون البيت كتهييء الطعام والسهر على نظافة المسكن وزينته. يذكر المؤلف استعمال النساء لزلائف العكر لزينتهن. وجرت العادة أن تلك الزلائف تصبغ بمادة تستخلص من نبات يزرع بجنات فاس
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 31.
(1/4865)
يعرف لدى عامتها بالعصفر، وهو القرطم البستاني(1).
... ويتحدث المؤلف عن نوع من البخور كانت النساء يستعملنه في بيوتهن. وأصل هذه البخور نبات دقيق الورق يعرف بـ»سرغينة«. ويذكر الغساني أن الأطباء اختلفوا فيه: »قيل هو بخور مريم وقيل بخور السودان، وقيل بخور البربر وهو الصحيح«. ثم يضيف المؤلف أن مادة البخور هذه تستخلص من أصل النبات »وهو على صورة الجزرة، أصهب، عطر الرائحة، فيه رطوبة لا يندق سريعاً إلا إذا جفف بالنار (...) ويعرف عند العامة بالمغرب بتاسرغنت، معروفة يتخذها
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 247 ـ 248.
(1/4866)
النساء للبخور«(1).
... ومن الأعمال التي تتسلى بها نسوة فاس العناية بمجموعة من النباتات التي يغرسنها في أشقاق الجرار والمراجل على سطح الدور، خصوصاً الأحباق وأنواع الخيري. فلقد كانت أغلب الدور تتألف من طابقين ولها سطوح مستوية ليسهل نشر الغسيل والنوم فيها صيفاً. كما جرت العادة أن يبنى في السطوح »منتَزَه يشتمل على عدة حجيرات فسيحة ومزخرفة جداً، تتسلى فيه النساء عندما يتعبهن العمل، إذ يستطعن من هناك أن يشرفن على المدينة كلها«(2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 289.
(2) الحسن الوزان، مصدر سابق، ج 1، صص. 222 ـ 223.
(1/4867)
.
... ومن أشهر الأحباق التي كانت النساء يغرسنها نبات »يعرف عند العامة بالمرددوش، له ورق كأذن الفأر ولون أخضر مائل إلى الغبرة، وله قضبان رقاق غبر... «(1). وعادة ما يغرس النساء نباتات تفوح منها روائح عطرة. من ذلك مثلاً الخيري الأزرق والأصفر، وهما يتميزان ببهاء نورهما وبطيب رائحتهما التي تنبعث منهما بالليل، خصوصاً عند هبوب نسيم *****، فسمي لذلك بنفسج الليل. وقد ذكر ابن الخطيب السلماني(2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 169.
(2) هو لسان الدين المشهور بابن الخطيب، له عدة مصنفات أكثرها في الأدب والتاريخ والطب (ت 776 هـ)، قضى عدة سنوات بفاس.
(1/4868)
هذا النبات في إحدى موشحاته الجميلة فقال:

... بنفسج الليل تذكى وفاح ووشى البطاح
... ... ... أظنه يسقى بمسك وراح

... ويذكر الغساني أن لهذا النبات أسماء أخرى غير هذه وأنه »يغرس بالجنات والعراص والبساتين لطيب رائحته« (1).
... ولعل أخطر اللحظات التي تمر بها عدد من النساء في حياتهن بعد الزواج، عملية وضع الجنين بعد الحمل. إذ كانت النساء يقدمن على تناول أي شيء أو فعل أي شيء يمكن أن يخفف آلام الوضع. ومما يذكره الغساني في هذا المجال نبات يعرف بشجرة الطلق، وهو عبارة عن دويح صغير
__________
(1) مصدر سابق، ص. 287.
(1/4869)
متشنج إذا ألقي في الماء لان، وكانت المرأة الحامل التي تسقى ماء نقع فيه ذلك النبات وهي »في حالة الطلق ولدت وأطلقت الولد سريعاً، ولذلك سميت شجرة الطلق« (1). ويطلعنا الغساني على نبات آخر يعرف عند العامة بفاس بالحبق القرنفلي، وهو »من نبات الصيف والخريف، يغرسه النساء في أشقاف الأواني على سطوح الدور لطيب رائحته وبهاء منظره، ويجعلنه تابلاً لطبخ اللحم« (2).
... ولقد برعت المرأة الفاسية في صنع ألوان من العطور التي تستعمل في المناسبات والأعياد الدينية وكذا صنع
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 348.
(2) نفسه، ص. 337.
(1/4870)
بعض التوابل التي تضاف إلى الأطعمة. من ذلك مثلاً ما يذكره الغساني بخصوص النارنج، وهو من أنواع شجر الأترج الذي يكثر وجوده بجنات فاس وبساتينها، و»يسمى عندنا بفاس: النرنج ـ بغير ألف ـ وله زهر عطر الرائحة تقطر منه المياه كمياه الورد يسمى بماء زهر...«. ومن أصناف الأترج أيضاً الليم: »ورقه وثمره أصغر. منه النارنج، والليم يكون مدحرجاً وطويلاً في قدر بيض الدجاج، يفوق بقليل وينقص بقليل، رقيق القشر كثير اللحم شديد الحموضة يصنع منه تابل يسمى عند العامة بفاس "ليما مسيرا"«(1).
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 21.
(1/4871)
... ومن الأطعمة المفضلة عند أهل فاس طعام الكسكسو، وهو طعام مشهور يصنع من البر، ويسقى بمرق يهيأ بعناصر مختلفة بحسب الخضار المتوافرة في كل فصل من السنة، وعادة مضافة إلى اللحم. ويشير الغساني إلى طريقة خاصة في تهييء كسكسو إبان فصل الربيع وتعتمد على استعمال عرق أبيض غائر في الأرض لنبات يحمل اسم الشبث، وهو من نوع البقل. وذلك العرق »يعرف عند العامة بفاس بأسليلي، من خضار أيام الربيع عندهم، يطبخ بالحليب، ويسقى به "كسكسو"، فيجيء في غاية اللذة والمطعم البنين. مشهور معروف« (1)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 342. حول الكسكسو وطرق تهييئه وتناوله، انظر الحسن الوزان، مصدر سابق، ج 1، ص. 253؛ وانظر أيضاً كتاباً في فن الطبخ يعود للقرن 7 هـ/ 13 م يذكر طرقاً في تهييء الكسكسو ليس منها ما يتفق مع الوصفة التي أوردها الغساني: ابن رزين التجيبيّ، فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان، تحقيق محمد بن شقرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1984، صص. 87 ـ 89.
(1/4872)
.
... ويحدثنا أيضاً عن الخرشف وهو بستاني وبري أنواعه كثيرة: »فالبستاني هو القنارية، والبري تحته أنواع منها "الخرشوف" المعروف الذي يطبخ به اللحم وتؤكل عسالجه ورؤوسه...«(1).
... أما مادة الزيتون، فقد شكلت غذاء مفضّلاً لدى شريحة عريضة من السكان، خصوصاً وأنه ساد اعتقاد راسخ بأن شجرة الزيتون شجرة مباركة وكذا ثمرها وزيتها. ولقد توارث أهل فاس أساليب مختلفة في حفظ الزيتون لفترات زمنية طويلة. وحسب الغساني، فإن كل أنواعه مقوية للأبدان ومنشطة للحركة. ويطلعنا على أن
__________
(1) حديقة الأزهار، مصدر سابق، ص. 111.
(1/4873)
البري من شجر الزيتون يسمى بالزبوج (بضم الزَّاي): »ويعتصر منها زيت يقال له "الركابي"، لكونه مركباً للأذهان والحشائش، والذي يعتصر من الزيتون الفج يقال له "زيت الإنفاق"«. فالزيت الأول يستعمل »كدهن الورد في كثير من المعاني وحفظ الشعر في منع سرعة الشيب إليه إذا استعمل كل يوم«. أما "زيت الإنفاق"، فهو جيد للمعدة، وهو أجود الزيت للأصحاء. وبين الزيت الذي اعتصر حديثاً وبين الزيت العتيق، فكل منهما له طعمه ومنافعه واستعمالاته الخاصة(1).
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 103.
(1/4874)
... أما في فترات الجفاف والمجاعة، فإن الناس يلجأون إلى وسائل شتى لتخفيف ما هو واقع بهم من شدة الجوع والضعف. من ذلك حب نبات البهمي: »وهو نبات كنبات الزرع ينبت على السطوح والطرق، وله سنبلة كسنبلة الشيلم (...) وتنقل حبه النمل إلى بيوتها. فإذا كانت السِّنُون الجدباء، حفر الناس بيوتها وأخرجوا منها ذلك الحب وأكلوه وتقوّتوا به. ويعرف عندنا بفاس بـ"البهميّ"«(1). وتحت ضغط الظروف نفسها، يلجأ الناس إلى نبات "الوف"، وهو من نوع البصل، ويعرف عند أهل المغرب بـ"آيَرْنا" (حركة الفتحة
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 67.
(1/4875)
على الياء والسكون على الراء). وهو معروف عندهم، إذ يصنعون منه الخبز في زمان الجدب والغلاء، بالرغم من أنه يضر بالحلق وينفطه(1).
... يتضمن كتاب "حدائق الأزهار" إشارات نادرة تخص جوانب من عمران مدينة فاس قلما نصادف حولها معلومات وافية في المصادر التقليدية. ويتعلق
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 161. حول التغذية بالمغرب في فترات القحط والجفاف، انظر: محمد استيتو، »أقوات وتغذية في تاريخ المغرب الحديث (ق 15 ـ ق 18 م) «،مجلة الأمل، عدد 17 (خاص حول التغذية والأزمة في تاريخ المغرب الحديث)، 1999، ص. 35 وما بعدها.
(1/4876)
الأمر بالأماكن التي كان بها عمران ثم لحقها الخراب والدمار بسبب عجز أصحابها عن ترميمها وهجرهم لها لسبب من الأسباب. ولقد خلصت إحدى الدراسات إلى أن عدداً مهماً من الدور وبعض المرافق العمومية والبساتين تعرضت للخراب بعد الأزمات والمجاعات التي تعرضت لها مدينة فاس في أواخر الدولة المرينية وإبان حكم الوطاسيين، حيث تراجع العمران بفعل الأزمة الديمغرافية التي شهدها المغرب الأقصى عقب توالي تلك الفترات العصيبة(1)
__________
(1) ... محمد مزين، مصدر سابق، ج 1، ص. 253 وما بعدها. خلص الباحث في دراسته إلى أن السعديين، بالرغم ممّا قاموا به من إنجازات عمرانية وترميمهم لمجموعة من المرافق العمومية دينية وعسكرية؛ فإن المدينة لم تسترجع كامل ازدهارها العمراني الذي شهدته إبان الفترة المرينية.
(1/4877)
.
... والظاهر أن عدداً من تلك الخرب المتناثرة داخل المدينة أو في أطرافها تحولت إلى مواضع تطرح فيها القاذورات، وذلك من دون شك نتيجة ضعف الوازع الديني والأخلاقي وفي غياب أي رادع أو مراقبة صارمة من طرف السلطة ومتولي الحسبة.
... ولقد قامت منازعات حول من تقع عليه مسؤولية كنس تلك الخرب التي ألحقت ضرراً كبيراً بمن جاورها من السكان، حيث وردت في "المعيار" نوازل في هذا الموضوع عرضت على أنظار المفتين بفاس(1)
__________
(1) ... أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت. 914 هـ)، المعيار المغرب، نشر بإشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف المغربية، بيروت، 1981، ج 8، ص. 20 وما بعدها.
(1/4878)
.
... يذكر الغساني في معرض وصفه وتعريفه للنباتات ذات المنافع الطبية أن بعضها ينبت وينمو في »الخرب والمزابل والدمن«، وهي إشارة إلى أماكن داخل أسوار المدينة أو خارجها كان بها عمران فهجر وتعرض للفساد والخراب، أو أماكن اعتاد الناس على إلقاء القاذورات والفضلات بها، أو أماكن خارج المدينة كانت تجمع فيها فضلات الحيوانات التي تعرف بالزبل لاستعمالها بعد ذلك في تخصيب التربة أو وقوداً للنيران. وبشأن هذا الصنف الأخير، يذكر الحسن الوزان: »ويعمل عند الحماميين غلمان وبغالون يجوبون أرجاء المدينة ليشتروا الزبل
(1/4879)
من الإسطبلات وينقلوه إلى خارج المدينة ثم يجعلوه أكداساً ويتركوه ليجف شهرين أو ثلاثة أشهر. وبعد ذلك، يستعمل كالحطب في تسخين القاعات وماء الحمامات«(1).
... ومن النباتات التي تنمو في مثل هذه المواضع بقل يعرف عند العامة بـ»الحريق« و»القريص«، وهي نوعان: حرشاء وملساء. وتتميز الحرشاء بأنها لذاعة لمن يلمسها(2). ومن ذلك أيضاً الخبازى، وهو من البقل الذي يعرف عند العامة بفاس بـ»البقول«، وهو يتميز بورقه المستدير(3).
__________
(1) مصدر سابق، ج 1، صص. 229 ـ 230.
(2) المصدر نفسه، ص. 10.
(3) المصدر نفسه، ص. 307.
(1/4880)
... ومن الإشارات الطريفة والمفيدة التي يذكرها الغساني في كتابه والتي تتصل بالعمران من بعض الوجوه، تلك التي تنبه على أصناف من العيوب التي تطرأ على بعض المباني داخل مدينة فاس. فصاحبنا يذكر أن من الأعشاب ما يظهر وينمو في شقوق البيوت والحيطان ومنها ما ينبت بالسطوح. من ذلك مثلاً نبات يعرف بـ»حيّ العالم« وهو كبير وصغير ومتوسط، يتميز بخضرته الدائمة عبر كل الفصول »لا يجف ولا يتغير عن رطوبته. إلا أنه يدركه القحط زمن الصيف من حر الشمس (...) منابتها على الجدارات (الجدران) وشقوق البيوت والحيطان والصخور،
(1/4881)
ويعرف عند العامة بفاس بـ"صحيفة الملوك"«(1).
... ومن النماذج الأخرى »نبات البهميّ« الذي سبق الإشارة إليه والذي ينبت على السطوح والطرق، ويعرف عند العامة بفاس بالاسم نفسه. ومن ذلك أيضاً »حشيشة الزجاج«، خصوصاً الصنف المعروف بـ»ـعشبة البرطال« المستخدم في غسل الزجاج وتجليته من الأدران العالقة به. فهذه الحشيشة »تنبت بالحيطان والسياجات، وتعرف عند العامة بـ"الحبيقة"«(2). ثم هناك نبات يعرف عند الأطباء بـ»كزبرة البير« ـ لأنها تنبت كثيراً بالآبار ـ
__________
(1) المصدر نفسه، صص. 118 ـ 119.
(2) المصدر نفسه، ص. 123.
(1/4882)
و»شعر الغول« إلى غير ذلك من الأسماء، وهو »نبات ينبت بالحيطان والسروب والآبار، له ورق كورق الكزبرة البستانية؛ إلا أنها أدق وأصغر، ولها أغصان دقاق سود كشعر الخنزير الذي تخرز به النعال والأخفاف وغيرها (...) ويسمى عندنا (أي بفاس) بقسبيرة البير (مصغراً بقاف وسين)«(1).
... إن هذه الإشارات إلى جوانب دقيقة من عمران مدينة فاس، بالرغم من اختصارها؛ لأن غرض الكاتب كان بالأساس التعريف بالنبات ومنافعه العلاجية. فهي تسمح بالوقوف على جملة من الآثار السلبية والعيوب المتمثلة في الشقوق
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 50.
(1/4883)
والرطوبة الكبيرة التي كانت تعرفها عدد من المباني داخل مدينة فاس نتيجة لعوامل مختلفة لها علاقة بطبيعة مواد البناء وارتفاع نسبة الرطوبة في فصل الشتاء وشدة الحرارة في فصل الصيف. إن انتشار العيون والجداول و»السواقي« التي هي عبارة عن قنوات تنقل الماء وتوزعه على دور ومساجد وحمامات المدينة ـ وهي القنوات التي عبر عنها الغساني بالسروب في النص الذي نقلناه عنه سابقاً ـ كثير منها كان يمر تحت الأرض ويخترق الحيطان. وهذا الأمر كان يسمح بتسرب الماء بدرجات متفاوتة إلى أساسات المباني والجدران، مما كان يلحق
(1/4884)
بالمباني ضرراً بليغاً مع مرور الزمن، خصوصاً المباني التي كان أصحابها عاجزين عن القيام بالإصلاحات اللاّزمة والمنتظمة لقنوات الماء وترميم ما أفسدته الرطوبة في أسس البناء والحيطان.
... كما أن ما أشار إليه الغساني من ظهور شقوق في الجدران ونمو نباتات بها وكذا في السطوح فيه دلالة على أن عدداً من المباني المتواضعة لم تبلط جدرانها وسطوحها بشكل يحد من نسبة تسرب الرطوبة وماء الأمطار إلى داخلها، وبالتالي فإنه نتيجة لعوامل فيزيائية وكميائية مترتبة على توالي ارتفاع نسبة الرطوبة والبرودة في فصل الشتاء
(1/4885)
والتعرض لأشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف تظهر تلك الشقوق.
... إن هذه الدراسة التي قمنا بها لكتاب "حديقة الأزهار" للغساني أظهرت الأهمية البالغة للمعلومات التاريخية التي قدمها صاحب الكتاب حول جوانب مختلفة من واقع مدينة فاس في مطلع العصر الحديث، حيث أن هذه المعلومات تهم الجانب الجغرافي والطبيعي؛ كما تهم الواقع الاقتصادي وجوانب أخرى لا تقل أهمية. وجميع المعلومات التي عرضنا لها في هذه الدراسة تؤكد أكثر من أي مصدر آخر أرخ لمدينة فاس من قريب أو بعيد ـ حسب ما نعتقد ـ ذلك التفاعل الكبير الذي كان للمدينة
(1/4886)
مع محيطها الطبيعي والجغرافي، حتى أنه ساهم وساعد في ازدهار المدينة وتوجيه مجموعة من أنشطتها التجارية والصناعية.
... وتزداد قيمة الكتاب التاريخية بما قدمه الغساني من معلومات لسانية دقيقة ونادرة حول أسماء عدد كبير من النباتات باللهجة العامية لأهل فاس، واستمرار استعمال جزء كبير من تلك الأسماء إلى يومنا هذا يفيد أن إنتاج عدداً من المواد لم يطرأ عليه تغيير كبير، كما يفيد أن استعمالات تلك المواد ما زالت تأخذ حيزاً مهمّاً في عادات أهل فاس وتقاليدهم إلى عهد قريب. وعلى العموم، فإن الكتاب بما يدّخر من
(1/4887)
معلومات ما زال بحاجة لمزيد من البحث والتحليل والآفاق التي يفتحها كما تتبعنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة تظل متعددة.

ملحق الجداول

1 ـ النباتات التي تنبت بالأماكن الرطبة

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس(1)
البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

إيرسا
(جنس السيوف)
السوس الأزرق
المواضع الرطبة من الجبال (كثير بالمقابر)
معنى الإيرسا قوس قزح لكثرة ألوان زهره
__________
(1) أوردنا الاسم عند العامة كلما كان ذلك ممكناً. وفي حالة غيابه، فذلك فيه إشارة إلى استعمال الاسم العلمي عند العامة وعند العطارين والصيادلة.
(1/4888)
"حديقة الأزهار"، ص. 18.

أسقولو فندريون
العقربان
الصخور وأماكن الماء والمغائر التي يطرد منها الماء (كثير بجبل زالغ)

"حديقة الأزهار"، ص. 36

بنطافلون
(من الحشيش من نوع الكفوف)
عشبة خير من ألف
المواضع الظليلة والأماكن الرطبة وعلى شطوط الأنهار والعيون (كثير بجنات فاس)

"حديقة الأزهار"،
ص. 60

باذورد (من الشوك)
العصفور البري
منابته الجبال الرطبة (خارج باب الجيسة)
عليه نور فرفيري إذا سقط فتح عن شيء كالصوف يتطاير عند هبوب الرياح
"حديقة الأزهار"،
ص. 53

بنتومة
الأنجبار
(1/4889)
ينبت على أشجار الزيتون والكمثرى واللوز من غير أصل له بالأض يتغذى من رطوبة الهواء

"حديقة الأزهار"، ص. 69

هندباء
(من البقول بستاني وبري)
تيفلت والهندبا
السياجات والمواضع الظليلة في الخريف والشتاء بأعلى الجدارات

"حديقة الأزهار"،
ص. 94

لسان الثور
(من جنس الألسن ومن نوع الجنبة)

الجنات وقرب المياه والأماكن الرطبة

"حديقة الأزهار"،
ص. 158

كرفس
(أنواع منها الجبلي والصخري والمائي)

الجنات والأماكن الرطبة. (في الأرض التي يجري فيها نهر فاس قبل دخوله المدينة)

"حديقة الأزهار"،
ص. 138؛
(1/4890)
"القرطاس"، ص, 34

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

لسان الحمل
من جنس الألسن)
المصاصة
له ورق كورق الأترج

"حديقة الأزهار"،
ص. 159

ماميران
حشيشة الخطاطيف
قليل بناحية فاس، وقف عليه أبو المؤلف بزواغة
نبات دقيق له أغصان بعضها يفترش على الأرض وبعضها يرتفع منها نحو شبر وله ورق طويل
"حديقة الأزهار"،
ص. 170
نعنع
(من الأحباق ومن نوع الصعاتر)

الأماكن الرطبة وقرب المياه
من أنواعه النمام الذي يتميز بقوة الرائحة
"حديقة الأزهار"، ص. 183
عصا الراعي
(من الجنبة ومن البقل)
(1/4891)
بوعقاد
الجنات والمواضع الرطبة والقيعان وقرب المياه
تأكله الدواب وتحبه، وتربي عليه لحماً وشحماً. له أغصان كثيرة يمتد على الأرض حبالاً طوالاً كثيرة العقد وله ورق
"حديقة الأزهار"، ص. 199
سعدى
(من الديس)

"
المروج وقرب الأنهار والجبال في المواضع الرطبة منها والرمل (كثير بواد الجواهر خارج فاس الجديد من منابعه برأس الماء إلى دخوله في المدينة)
أنواعه معروفة متشعب متشبك بعضه ببعض يدب تحت الأرض، أسود إلى الحمرة، طيب الرائحة.
"حديقة الأزهار"، ص. 263؛
"القرطاس"، ص, 34

سلق
(1/4892)
(من البقول المأكولة، وهو أبيض وأسود)

"
الأبيض منابته تحت الشجر والمواضع الرطبة؛ والأسود منابته السهل والأرض الخصبة
الأسود معروف عند العامة
"حديقة الأزهار"،
ص. 266
2 ـ النباتات التي تنبت بالأماكن الصلبة أو الجبال

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

أسطوخودوس
(من التمنس ومن ضروب الصعاتر)
الحلحال
الجبال والأرض الصلبة، (كثير بجبال تاغيا وقرب ضريح أبي يعزى)
كثير الأغصان وله ورق دقيق، عطر الرائحة
"حديقة الأزهار"، صص. 14 ـ 15

بسبايج
"
(1/4893)
ينبت بالصخور الندية (على الصخور بجبل صالغ)
المستعمل منه عروقه
"حديقة الأزهار"،
ص. 49

أغاريقون (من الفطر وهو أسود وأبيض: ذكر وأنثى)

من الفطر ينبت في أعلى شجرة الأرز، كثير بالجبل الكبير من جبال الفحامين خارج المدينة
يصدر ويحمل إلى سائر البلاد وإلى بلاد الروم
"حديقة الأزهار"،
ص. 35

زوفا
(من الصعاتر جبلي وبستاني)

"
الجبال الصلبة (كثير بفاس خارج باب الجيسة بإزاء حصن البتسيون)
الجبلي له رائحة طيبة وطعم مر
"حديقة الأزهار"،
ص. 105

3 ـ النباتات التي تغرس في الدور وفي السطوح

الاسم العلمي
(1/4894)
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

أفسنتين
(من التمنس)
شيب العجوز
كثير الأغصان وأوراقه كثيرة ومتكاثفة وبيض شهب
يغرسه النسوة بأشقاف الجرار والمراجل على سطح الدور
"حديقة الأزهار"،
ص. 11

مرزنجوش
(من الأحباق)
مرددوش
البستاني له ورق كأذن الفأر ولون أخضر إلى الغبرة، وقضبان رقاق
منابته الجنات وبأعلى السطوح يغرسه النساء مع الأحباق وأنواع الخيري
"حديقة الأزهار"،
ص. 169

سذاب
(من التمنس)
الروطة
(1/4895)
البستاني منه يعلو نحو القعدة من الأرض، له أغصان صلبة خضراء عليها ورق يشبه ما صغر من ورق الياسمين، وله زهر أصفر مشرف يطلع في زمن القيظ
له رائحة حادة منتنة
"حديقة الأزهار"،
ص. 262

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

شاهشبرم
(من الأحباق)
الحبق القرنفلي
وهو الحبق الصغير الورق جداً ونوره فرفيري اللون، وهو من نبات الصيف والخريف
يغرسه النساء في السطوح لطيب رائحته وبهاء منظره، ويجعلنه تابلاً لطبخ اللحم
"حديقة الأزهار"،
ص. 337

ياسمين
(من التمنس)
"
(1/4896)
يأخذ في التدويح أكثر مما يأخذ في الارتفاع ويمتد على الشجر وعلى ما يهيأ له من سائر الخشب والقصب كالعنب
النوع الأبيض هو الأكثر وجوداً بفاس، عطر الرائحة وخصوصاً في الصيف. مشهور يتخذ في البساتين والدور
"حديقة الأزهار"،
ص. 132

4 ـ الأعشاب والأشجار الموجودة بالبساتين والجنات

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

بنفسج
(من الجنبة)

البستاني له نور أسمانجوني يميل تارة إلى البياض وتارة إلى الحمرة. والبري له نور دقيق أسمانجوني. منابته الجنات والمواضع الظليلة والمروج وهو
(1/4897)
كثير بزواغة
له رائحة زكية عطرة، يدخل في صنع الطيب، وإليه تنسب البنفسجية المستعملة في مصر
"حديقة الأزهار"،
ص. 43 ـ 44

جلنار
"
ذكر الرمان، لا شوك له وينور ولا يثمر ونوره كنور الورد وهو شديد الحمرة
يتخذ بالبساتين ليس بكثير فيها ولكن بقدر كافٍ يستجيب للاستعمالات الطبية
"حديقة الأزهار"، ص. 71

النارنج
(من نوع الأترج)
النرنج
(بغير ألف)
منه سكري ومائي، ثمره مدحرج شديد الحموضة ولونه قانٍ
له زهر عطر الرائحة تقطر منه المياه كمياه الورد ويسمى بماء زهر
"حديقة الأزهار"،
ص. 21

الزنبوع
(من نوع الأترج)
"
(1/4898)
ورقه أعرض وثمره أعظم حسن المنظر ولونه أصفر وأحمر

"حديقة الأزهار"،
ص. 21

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

الليمون
"
لون ثمره شديد الصفرة مدحرج وشحمه حامض جداً

"حديقة الأزهار"،
ص. 21

الليم
"
ورقه وثمره أصغر من النارنج وهو مدحرج وطويل في قدر بيض الدجاج,
شديد الحموضة
يصنع منه تابل يسمى عند العامة بفاس»ليما مسيرا«
"حديقة الأزهار"،
ص. 21

بادرنجويه
(من الأحباق)
الحبق القرنفلي (صغير الورق) والحبق البربري (كبير الورق)
(1/4899)
يقوم على أغصان متدوحة تفترش على الأرض، وله زهر أبيض، ينبت بالبساتين
له رائحة عطرة
"حديقة الأزهار"،
ص. 52

باقلاء
الفول
وهو شامي ومصري ونبطي
يستعمل رطباً ويابساً، المختار منه الأبيض الذي لم يتسوس. والمراد به الغض الطري وإصلاحه جودة طبيخه بالأبازير والتوابل كالفلفل والملح والحلتيت والصعتر مع الأدهان
"حديقة الأزهار"،
ص. 54

بصل
"
البستاني منه أنواع: كبير وصغير ومدحرج وطويل وأبيض وأحمر
وهو معروف
"حديقة الأزهار"،
صص. 54 ـ 55

باذنجان
(بقل بستاني)
"
منه الأسود والمائل إلى الحمرة والمدحرج والطويل
(1/4900)
وهو معروف
"حديقة الأزهار"،
ص. 55

بطيخ
(من اليقطين)
"
وأنواعه كثيرة: مستدير وطويل وأبيض وأحمر، ومن أنواعه الدلاع.
وهو معروف
"حديقة الأزهار"،
ص. 56

جزر
(من الهدبات)
السفنارية
(بمراكش خيزو)
البستاني أنواع منها ما هو أصله أبيض وأصفر وأحمر

"حديقة الأزهار"،
ص. 72

***ان
(من القطنية)
"
البستاني له ورق طويل عريض شديد الخضرة ونوره بنفسجي تخلفه خرابيب تحوي الحَبّ

"حديقة الأزهار"،

__________________
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 06-02-2014, 12:20 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

ص. 79

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

الدردار
(من الشجر العظام)
"
(1/4901)
الجنات والأماكن الرطبة الكثيرة المياه
يتخذه الناس في البساتين لدوالي العنب
"حديقة الأزهار"،
ص. 89

زعفران
(من نوع البصل)
"
له ورق كورق السعدي، وسطها ساق في رأسها زهر بنفسجي اللون في داخله شعرات صفر، ومن بينها ثلاث شعرات حمر طيبة الرائحة، ويظهر الزهر في الخريف
قليل بجنات فاس، كثير بأرض الأندلس، وبالشام وخراسان، ويوجد بتادلا من أعمال مراكش
"حديقة الأزهار"، ص. 108

حناء
"
النوع الموجود بفاس هو من جنس البقل النابت من بزره كل عام
(1/4902)
كثير بالجنات والولجات الواقعة على ضفة وادي سبو حيث تسقى من الوادي بنواعير ودواليب
"حديقة الأزهار"،
صص. 116 ـ 117

طرخون
(من االبقل)
المعدنوس
وهو المقدونس يشبه الكرفس. يكثر بالجنات والأماكن الرطبة

"حديقة الأزهار"،
صص. 130 ـ 131

ياسمين
(من جنس التمنس)
"
البستاني الأبيض هو النوع الأكثر وجوداً بفاس، وهو ذو أربع شرافات أو خمس، وأعطر ما هو في زمن الصيف
معروف مشهور، يتخذ في البساتين والدور لرائحته العطرة
"حديقة الأزهار"،
ص. 132

كزبرة
القصبور
البستاني منه هو المشهور
يستعمل في الطعام
"حديقة الأزهار"،
(1/4903)
ص. 139

نسرين
(من جنس العليق ومن أنواع التمنس)
"
يتدوح كثيراً، له شوك كثير، زهره كزهر الورد الجبلي شكلاً وقدراً، وهذا النبات مشهور، منابته الجنات والعرصات
ذكيّ الرائحة
"حديقة الأزهار"،
ص. 179

قلقاص
(من جنس الكفوف)
القزقاز
له ورق عظيم يشبه الترس، في طول كل ورقة منها نحو ثلاثة أشبار وفي عرضها شبران، يانعة شديدة الخضرة، منابته الأماكن الرطبة والسياج
يتخذ في البساتين لجمال منظره، وتغطي بورقه موائد التين في البساتين زمن الخريف
"حديقة الأزهار"،
صص. 233 ـ 234

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس
(1/4904)
البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

رازيانج
(من جنس الهدبات ومن أنواع الجنبة)
"
وهو أنواع كثيرة: بستاني وبري. والبستاني يعرف عند العامة بالاسم نفسه، بينما البري بالبسباس
البستاني هو النافع، معروف عند العامة. كثير بالجنات والعراص وبناحية العباد من جبل زالغ
"حديقة الأزهار"،
ص. 252

ثوم
(من جنس البصل

أنواعه كثيرة، وهو بستاني وبري
والبستاني معروف ومشهور، يزرع بالبساتين، وهو من التوابل
"حديقة الأزهار"،
ص. 301

خطمي
(نوع من البقل، يسمى أيضاً ورد الزينة)
ورد الزناة والزواني
(1/4905)
البستاني ثلاثة أنواع: أبيض وكافوري وآزواردي غمامي يعلو على الأرض نحو القامة، له ورق كالخبازى، يتخذ في البساتين والعراص للزينة
تزين به في أسواق فاس موائد الكمثرى والإجاص في زمن الصيف ل*** مشتريها وسرعة نفادها. ويسمى بورد الزناة والزواني، لأن البغايا يستعملنه في *****...
"حديقة الأزهار"،
ص. 305

خس
(من البقل)

بري وبستاني
البستاني معروف من الخضار وطعمه تفه، يؤكل في الشتاء والربيع
"حديقة الأزهار"،
ص. 306

5 ـ الحبوب والقطاني

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر
(1/4906)
الحنطة
(المقصود هنا القمح)
الجيد يعرف بصدر باز
منها القمح، وهو أنواع باعتبار جودته. فالجيد منه هو الأصفر الذهبي المملتئ وفيه احديداب
من صدر باز يصنع الدرمك والسميذ.
(الحنطة أوفق حبة عمل منها الخبز وأحسنها ملاءمة لبدن الإنسان المعتدل)
"حديقة الأزهار"،
صص. 123 ـ 124

حمص
(من أنواع القطنية)

وهو أبيض وأحمر وأسود

"حديقة الأزهار"،
صص. 124 ـ 125

قرطمان
(من أصناف الشعير)
الخرطال
ومن أنواع الحب الذي له غلافان، له ساق غليظة وأنابيب طوال في أعلاها سنابل
منابته التخوم وبين الزروع
"حديقة الأزهار"،
(1/4907)
صص. 236 ـ 237

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

عدس
(من أنواع القطنية)
"
نوعان: مزدرع وغير مزدرع. األأول هو البستاني، والثاني هو العدس البري
البستاني معروف
"حديقة الأزهار"،
ص. 207

الشيلم
(من الحبوب)
الزوان
(كافة المغرب)
يشبه نبات الزرع، إلا أن ورقه مائل إلى البياض، وقصبه أصلب وأطول. منابته مع الزرع
يطحن ويخبز ويعتصد ويقتات منه، ويأكله الطير الصغير مثل العصافير واليمام والحمام، معروف عند الفلاحين
"حديقة الأزهار"،
صص. 340 ـ 341

أرز
(من الحبوب)
(1/4908)
الروز (بفتح الراء وسكون الواو سكوناً حياً) وبالبربرية (بضم الراء وسكون الواو سكوناً ميِّتاً)
مزارعه المياه والمروج والآجام
مشهور معروف. جلاء عاقل للبطن يغذي غذاء صالحاً. وإذا طبخ بدهن اللوز واللبن، غذى كثيراً، وأجودهما لو طبخ بغيرهما كالماء ـ مثلاً ـ ولكن يقسط منه تجفيفه وعقله.
"حديقة الأزهار"،
ص. 33

لوبيا
(من أنواع اللبلاب)
"
هي أنواع كثيرة معروفة

"حديقة الأزهار"،
ص. 163

شعير
(من نوع الحنطة)
"
(1/4909)
ورقة بين الخضرة والصفرة وأنواعه كثيرة: الأملس، والأحرش، وشعير النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنه الشعير الرومي وهو الأشقاليا
كلها معروفة
"حديقة الأزهار"،
ص. 346

6 ـ الخضار والفواكه

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

مشمش
(من جنس الشجر العظام)
مشماش
(كافة المغرب)
من فاكهة الصيف، أولها نضجاً يظهر بفاس في العشر الأواخر من أبريل، له أنواع كثيرة وألوان عديدة
مسكن للعطش، أوفق للمعدة من الخوخ، سريع العفونة
"حديقة الأزهار"،
ص. 177

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس
(1/4910)
البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

قراسيا
(من جنس الشجر العظام)
حب الملوك
البستاني: الياقوتي والأحمر القاني والأسود والأبلق. وثمره على شكل عناقيد
يتخذ في البساتين والعراص
"حديقة الأزهار"،
ص. 232

الرمان
(من الشجر)
السلطان هو أجودها ثم السفري ثم الكلخي ثم ميمونة وهي الأعظم ثم العظمي
المقصود هنا هو الأنثى، وهو أنواع. فمنه الحلو والحامض والمر والمائي والعظمي، وهو أرذلها

"حديقة الأزهار"،
صص. 253 ـ 254

قثاء
(من جنس اليقطين)
الفقوص
يمتد على الأرض ولا ساق له، ثمره طويل هلالي الشكل
(1/4911)
مسكن للعطش. ويذكر أبو الخير الإشبيلي أن أجوده وأحسنه للأكل: العناني. يباع كثيراً بفاس
"حديقة الأزهار"،
ص. 233؛
"عمدة الطبيب"،
ج 2، ص. 495

سلجم
(من جنس البقل)
اللفت البلدي واللفت المحفور
اللفت البلدي مدور، له أصل كأصل الجزرة. إلا أنه أقصر ولونه فيه بياض وحمرة. أما اللفت المحفور، فهو القلشر؛ له ورق كالسلجم، إلا أنها لاصقة
كلاهما معروف موجود بالمغرب كله
"حديقة الأزهار"،
ص. 267

سفرجل
(من الشجر الخشبي)
"
أنواعه كثيرة: فمنه الحلو، والحامض، والطويل والمدحرج، والمنهد
(1/4912)
وهو معروف وكثير بفاس بالجنات والبساتين
"حديقة الأزهار"،
ص. 275

التفاح
(من الشجر العظام)
تختلف ألقابه حسب أصنافه:
منه الحلو والحامض والمر: الحلو منه الأحمر ـ وهو البستاني والأصفر ـ وهو الصريح ـ والأبيض العاجي، الكبير يعرف بالرخامي والصغير بالغلالي. والمخطط بخطوط حمر وصفر نوعان: الحلو يدعى المريش والحامض هو الأيوبي. والحامض منه الكلخي والمشي والجبلي والبقسي. ومن أنواع الأحمر الحلو: العكري...
ذكر ابن أبي زرع الطرابلسي الحلو الأصفر والتفاح الليوبي (الأيوبي) والطلحي والكلخي
"حديقة الأزهار"،
ص.295؛
(1/4913)
"القرطاس"،
ص. 44

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

تين
تختلف ألقابه بحسب أصنافه
أنواعه كثيرة: منه الأحمر والأبيض والأسود، من أصناف الأبيض الودناكسي، ومن أجود أصناف الأسود الشعري...
التين أفضل الفواكه وأقلها مضرة وأكثرها منفعة...
"حديقة الأزهار"،
ص. 296

خيار

نوع من القثاء له ثمر أقصر وأعرض من القثاء، يظهر في آخر الربيع ويكثر في أول الصيف

"حديقة الأزهار"،
ص. 308
شبث
(من البقل ومن ذوي الجمم)
عرقه يعرف بأسليلي
(1/4914)
له ورق مهذب طويل، خضرته إلى الغبرة وله عرق أبيض غائر بالأرض
من خضار أيام الربيع عند أهل فاس، يطبخ بالحليب ويسقى به كسكسو فيجيء في غاية اللذة
"حديقة الأزهار"،
ص. 342

شقاقل
(من جنس اليقطين ومن نوع الجنبة)

له قضبان رقاق وزهر أصفر يظهر في آخر الربيع، وله أصول في غلظ السبابة في طعمها حلاوة...
منابته بالغياض والجبال المظللة، وهو كثير بفاس ونواحيها
"حديقة الأزهار"،
ص. 347

إجاص
البرقوق
منه البلنسي الأصفر اللون، وهو أبنها وأولها نضجاً، يظهر في آخر الربيع، ومنها المكناسي والخبزي واللقيم والشحمي، وفيه
(1/4915)
الأصفر والأسود والأحمر.

"حديقة الأزهار"،
ص. 19

بطيخ
(من جنس اليقطين)
"
نبات يمتد على الأرض ليس له ساق، منه المستدير والطويل والأبيض والأحمر. ومن أنواع الدلاع.
معروف
"حديقة الأزهار"،
ص. 56

توت
(من الشجر العظام)
"
("تازلت" بالبربرية)
البستاني هو توت دود الحرير وهو أبيض وأسود. والبري هو العليق والتوت الوحشي
هما معاً معروفان
"حديقة الأزهار"،
ص. 297

7 ـ النباتات المستعملة في الصناعة

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

البرباريس
(من نوع شجر العوسج)
(1/4916)
آرغيس بالبربرية (هو كذا اسم لحائه)
جبال بني زينة وبقرب ضريح يحيى بن بكار
يصبغ بلحائه صفائح الرصاص والقزدير
"حديقة الأزهار"،
ص. 8

أبهل
(من الشجر المشوك والعظام)
العرعر
وله أنواع كثيرة، لون خشبه أحمر عطر الرائحة
تصنع منه الأواني والجفان
"حديقة الأزهار"،
ص. 22

آبنوس
(من الشجر العظام)
اليابنوز

يصنع من خشبه الحقاق والأوعية وترصع به المنابر والكراسي. يغش بخشب البطم إذا صبغ ولكن يمتاز منه برائحته الطيبة
"حديقة الأزهار"،
ص. 24

أثل
(من الشجر العظام)
تكاوات
(في فاس ومراكش وما والاها من القرى)
(1/4917)
من أنواع الطرفاء
لون خشبه أحمر تصنع منه الأواني والقصع والجفون، وتدبغ بثمره الجلود وتصنع منه الأمدة للكتابة. ويسمى النضار وهو كل خشب أحمر تصنع منه الأواني

"حديقة الأزهار"،
ص. 34

أشق
فاسوخ الوشق، ويقال له لزاق الذهب
صمغ الكلخ وقيل صمغ الطراثيث
يلصق به الذهب في القراطيس عند كتابة الآيات القرآنية وأسماء الله تعالى وأسماء الرسول عليه السلام
"حديقة الأزهار"، ص. 38

أسل
(من جنس الديس)
السمار
منابته المروج وهو حاد الأطراف كالإبر يعلو من الأرض نحو الذراع والذراعين
تتخذ منه الحصر
(1/4918)
"حديقة الأزهار"، ص. 40

الفجل البري
نوع منه يدعى الشطبة
نبات خشن يعلو من الأرض نحو الذراع أو الذراعين، وله زهر أبيض تخلفه مزاود طوال فيها نوى
سميت الشطبة، لأن الناس يشطبون بها سرائر دود الحرير لكي ترقى الدودة إليها وتصنع فيها لوز الحرير
"حديقة الأزهار"،
صص. 72 ـ 73

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

دفلى
"
ورقه طويل ومتين وعريض، له خشب أبيض خوار يعلو من الأرض مثل شجر التفاح
(1/4919)
خشب هذه الشجرة مثير بفاس بسوق الخراطين تصنع منه الحقاق ونواعير فتل الحرير وغزل الصوف وأفلاك المغازل
"حديقة الأزهار"،
ص. 88

كندس
(من نوع الجنبة)
البقلة عند العامة
ذات أصول لها شعب رقاق سود داخلها أبيض يحفر عليها وتخرج الأصول
يؤخذ لحاء تلك الشعب فتدق وتعصر وتطبخ العصارة حتى تصير كالقار، فذلك هو السم الذي تطلى به السهام والسيوف
"حديقة الأزهار"،
ص. 149

سعوط الدواب
(من صنف الكندس)
تيغيغشت
(في فاس وباقي مدن المغرب)
يشبه الكنكر
عروقه تستعمل في غسل الصوف وتنظيفه
"حديقة الأزهار"،
ص. 149

صفيراء
(1/4920)
(من جنس الشجر العظام)

ي*** خشبه ويستعمل في صبغ الثياب والصوف
"حديقة الأزهار"،
ص. 196

عندم
(من جنس الشجر العظام)
"
هو شجر البقم، وصمغه: الشيان، وهو من نبات أرض الهند
تصبغ بصمغه الثياب والصوف وهو متوافر بكثرة بفاس
"حديقة الأزهار"،
ص. 208

عرعر
من الشجر العظام)

خشبه أحمر ملزز صفيق يكل في قطعه الحديد، يشبه خشب العناب، عطر الرائحة وهو كثير بناحية تازة
تصنع منه الأكواب والمشربات والغراريف، وتصنع به الأواني المحكمة وجميع أنواع القصع والأجفان، ومنه يتخذ أجود القطران
"حديقة الأزهار"،
ص. 211

فودنج
(1/4921)
(من الأحباق والصعاتر)
مشيشترو
أنواعه كثيرة، منابته الجنات والأماكن الرطبة وقرب المياه
تغطي به أوعية التفاح في زمن المصيف
"حديقة الأزهار"،
ص. 214

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

قصب
(هو جنبة)

أنواعه كثيرة منها ما هو طويل عريض كالرمح أو أطول، ومنها رقيق قصير، ومنها ما هو قليل اللحم صلب متلزز يسمى بالقش، ومنها ما هو قليل اللحم رقيق سريع الانكسار. يقال له قصب الريح
القش تصنع منه الأقلام والسهام، وقصب الريح تصنع منه الحصر وأطباق دود الحرير
"حديقة الأزهار"،
(1/4922)
ص. 240

قرطم
العصفر
البستاني نوعان: أحدهما مشوك جداً وزهره أحمر قانٍ، والآخر زهره أصفر وشوكه قليل
يزرع بجنات فاس، ويصبغ به زلائف العكر لزينة النسا. (ينقي الكلف من الوجه والبهق من البدن...)
"حديقة الأزهار"،
صص. 247 ـ 248

سماق
(من جنس الشجر)

وهو نوعان: أندلسي وشامي. الأندلسي له عود خوار، مجوف شديد القبض
تدبغ بورقه ودقيق خشبه الجلود، وهذا هو سماق الدباغة، ويستعمله الصباغون في تسميق الثياب، معروف عند الناس موجود بالعطارين وعند الصيادلة
"حديقة الأزهار"،
ص. 280

شهدانج
(من جنس الكفوف)
(1/4923)
القنب (عند العامة بالمغرب)
يزرع في البساتين ومنه الذكر والأنثى. وإذا يبس وجف يمرس وينفض كما ينفض الكتان. كثيراً ما يزرع بناحية مكناسة الزيتون
ويصنع منه الشرائط والحبال. يسمى ورقها المأكول للإسكار ـ عند العامة ـ بالحشيش، وقد عمت به البلوى في هذا الزمان...
"حديقة الأزهار"،
صص. 336 ـ 337

أشتان
الغاسول العشبي
مشهور وينبت كثيراً بناحية مراكش
يستعمل في غسل الثياب وتبييضها وله رغوة كرغوة الصابون، ويقال له أشتان القصارين. وإذا تبخر في المنزل بدخانه، فرت الهوام منه
"حديقة الأزهار"،
ص. 32
(1/4924)
حشيشة الزجاج أو عشبة البرطال
الحبيقة
تنبت بالحيطان والسياجات
يغسل به الزجاج ويجلوه ويغسله من أدرانه
"حديقة الأزهار"،
صص. 122 ـ 123

8 ـ نباتات مختلفة

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

إكليل الملك
(من البقل المستأنف في كل سنة)
حميدش ومكيدش (الكاف بثلاث نقط)
نوعان: أحدهما له ورق يشبه ورق الحمص وله زهر أصفر، والآخر يختلف عنه في الورق وعليه زغب أبيض
يسميه أهل البادية المجاورون لفاس بالعكيفية
"حديقة الأزهار"،
ص. 7 ـ 8

أنجرة
(من البقل)
الحريق والقريص
(1/4925)
نوعان: حرشاء وملساء. ينبتان بالخرب والمزابل
الحرشاء لذاعة للجسوم عند ملاقاتها بها
"حديقة الأزهار"،
ص. 10

باذورد
(من جنس الشوك)
العصفور البري
شجر يعلو على الأرض نحو الذراعين، له ورق أبيض وعليه زغب
قرب العباد خارج باب الجيسة
"حديقة الأزهار"،
ص. 53

البهمي
البهمي
كنبات الزرع ينبت على السطوح والطرق
اليابس منه ينفع البهائم
"حديقة الأزهار"،
ص. 67

أشقيل (بصل الفأر، من جنس البقل ومن أنواع البصل)
بصل الخنزير
(1/4926)
وهو أول نبات يقوم بالخريف، وإن لم تنزل على الأرض قطرة من السماء إلا بتغير الهواء من الحر إلى البرد

"حديقة الأزهار"،
ص. 31

المخبر والمديلكة
يظهر بعد أشقيل، له نور أصفر
هو عند الناس سمة على العام الخصيب يتفاءلون بكثرة زهره الأصفر
"حديقة الأزهار"،
ص. 31

بقلة حمقاء
الرجلة
تنبت على طرق الناس

"حديقة الأزهار"،
ص. 46

هليون
(من الهدبات)
السكوم
أنواع كثيرة: بستاني وبري وصخري. البستاني لا شوك له و ما عداه شوك كله، وهو كثير بفاس
(1/4927)
له عساليج تؤكل في زمن الربيع مستلذة، نافع من اليرقان وطبيخ. أصوله مدر للبول يزيد في الباءة نافع من عسر الحمل...
"حديقة الأزهار"،
ص. 96

زراوند
(من الجنبة)
برستم
مدحرج أو طويل ولون زهره أصفر، عطر الرائحة، منابته الجبال والسهول في التربة الرملية
كثير بفاس ومكناسة الزيتون
"حديقة الأزهار"،
ص. 104

الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

خرشف
القنارية الخرشوف
أنواعه كثيرة: البستاني هو القنارية، والبري منه الخرشف
(1/4928)
الخرشف هو المشهور بالمغرب، الذي يطبخ به اللحم وتؤكل عسالجه ورؤوسه
"حديقة الأزهار"،
ص. 111

حي العالم
صحيفة الملوك
نبات كبير وصغير ومتوسط دائم الخضرة صيفاَ وشتاء
منابته على الجدران وشقوق البيوت والحيطان والصخور
"حديقة الأزهار"، صص. 118 ـ 119

كمادريوس
بلوط الأرض
نبات له قضبان وورقه يشبه البلوط
يوجد بموضع يقال له الحبالات خارج باب المسافرين بفاس
"حديقة الأزهار"،
صص. 147 ـ 148

نرجس
(من جنس البصل)
النوع الأبيض منه يعرف بالبهار ويسميه بعض العامة بحنبق زنبق
(1/4929)
نوعان: أصفر وأبيض. الأبيض ورقه كأطراف الحلقة يمتد على الأرض وله ساق خضراء في أعلاها زهر أبيض
الأصفر قليل بناحية فاس. أما الأبيض، فكثير. له رائحة قوية تصدع الرأس، ويظهر في الشتاء بعد نزول المطر
"حديقة الأزهار"،
صص. 180 ـ 181

نفل
(من أنواع البقل المستأنف كل سنة)

أنواعه كثبيرة: منها الحمصي والكبري والحندقوقا التي تعرف عند العامة بالعنزرود، والأنجبار وكلها متشابهة
جميعها مرعى للدواب والبهائم. نوع بساط الملك (ينبسط في الأرض كالزرابي)، منابته المروج في زمن القيظ، كثير في ضفة وادي الجواهر
(1/4930)
"حديقة الأزهار"،
صص. 189 ـ 190

عوسج
(من جنس التمنس)

أبيض وأسود: الأبيض له أغصان بيض مشوكة وله زهر أبيض يظهر عليه في زمن الخريف. الأسود أغصانه حمر مائلة إلى السواد ومنابته الجبال
الأبيض يغرس في الحدود بين الجنات والأرضين وهو كثير بفاس بالمقابر والجبانات. أما الصنف الأسود إذا قدم خشبه أسود وصار كخشب الأبنوس
"حديقة الأزهار"،
صص. 203 ـ 204

عناب
(من جنس الشجر العظام)
الزفزوف
أنواعه كثيرة: بري وبستاني، وأحمر وأبيض. فالأحمر هو المقصود هنا
كثير بفاس ومكناسة الزيتون
"حديقة الأزهار"، صص. 206 ـ 207
(1/4931)
الاسم العلمي
الاسم عند العامة بفاس

البيئة والموضع

ملاحظات

المصدر

سرخس
أفرسيون
(عند العامة بفاس وبغمارة)
له قضبان كثيرة تخرج من أصل واحد عليها ورق متواز كأجنحة النسور، ولا ساق لهذا النبات ولا زهر ولا ثمر
منابته الجبال الكثيرة المياه وقرب العيون وهو كثير عندنا بجبال غمارة يجيئون به إلى فاس على أوعية السفرجل للتغطية
"حديقة الأزهار"،
ص. 265

ترمس
(من جنس البقل)

أنواعه كثيرة، بستاني وبري: فالبستاني نوعان: أحدهما له حب وزهر أبيض والآخر له زهر مائل إلى الفرفرية
(1/4932)
كلاهما معروفان عند أهل الفلاحة وعند عامة فاس، كثيراً ما يباع بالملاح عند باعة اليهود
"حديقة الأزهار"،
ص. 291

خبازي
(نوع من البقل)
البقول
له ورق مستدير
كثيراً ما ينبت بقرب السياجات وسواقي الماء ومرابض الغنم والبقر، وفي الخرب والدمن والمزابل
"حديقة الأزهار"،
صص. 307 ـ 308

الخشخاش الأحمر أو شقائق النعمان
أبو النعمان او طاكوك
ورقة رطبة، وهي كثيرة تخرج من أصل واحد، بعضها مفترش على الأرض وبعضها قائم إلى فوق، وله زهر أحمر قانٍ
منابته الزروع والسياجات والتخوم، وهو من نبات أول الصيف وآخر الربيع
(1/4933)
"حديقة الأزهار"،
صص. 318 ـ 319

ذنب الخيل
(من جنس الهدبات)

له ورق طويل كالقضبان في رقة الحبل
تزعم العامة أن من استدبر شجرته وألقاها وراء ظهره وشد يديه من خلفه وعقد عقدة في هدباتها، فإن ذلك ينفعه من وجع ظهره.
"حديقة الأزهار"،
ص. 327

المصادر والمراجع

المصادر

ابن أبي زرع الفاسي (ت حوالي 741 هـ)، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة، الرباط، 1973.
البكري، أبو عبيد الله بن عبد العزيز البكري (ت 487 هـ/ 1094 م)، كتاب المسالك والممالك، حققه وقدم له
(1/4934)
أدريان فان ليوفن وأندري فيري، دار الغرب الإسلامي، 1992، في جزءين.
البادسي، عبد الحق بن إسماعيل (ت بعد 722 هـ)، المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب، المطبعة الملكية، 1982.
التجيبي، ابن رزين (ق 7 هـ)، فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان، تحقيق محمد بن شقرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1984.
ابن الخطيب، لسان الدين ( ت. 776 هـ)، نفاضة الجراب في علالة الاغتراب، تحقيق أحمد المختار العبادي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء.
(1/4935)
ابن خلدون، عبد الرحمان (ت. 808 هـ)، كتاب المقدمة، دار القلم، بيروت، 1978.
أبو الخير الإشبيلي (ق. 6 هـ/ 12 م)، عمدة الطبيب في معرفة النبات، تحقيق محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1995، في جزءين.
السقطي، أبو عبد الله محمد المالقي (ق. 6 هـ)، في آداب الحسبة، نشر ليفي بروفنسال، دار إيرنيست لرو، باريس، 1931.
الغساني، أبو القاسم الوزير (ت. 1019 هـ)، حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار، محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985.
(1/4936)
ابن القاضي، أحمد المكناسي (ت. 1025 هـ)، درة الحجال في أسماء الرجال، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة، 3 أجزاء.
ــــــــ ــــــــ ، جذوة الاقتباس، دار المنصور للطباعة، الرباط، 1973، جزآن.
القادري، محمد بن الطيب (ت. 1187 هـ)، نشر المثاني، تحقيق محمد حجي، مكتبة الطالب، الرباط، 1982، ج. 2.
المقري، أحمد القرشي التلمساني (ت. 1041 هـ)، روضة الآس العاطرة الأنفاس، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، مطبوعات القصر الملكي، الرباط، 1964.
(1/4937)
الوزان، الحسن بن محمد (ت. 957 هـ)، وصف إفريقيا، ترجمه عن الفرنسية محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1983، جزآن.
الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى (ت. 914 هـ)، المعيار المغرب...، نشر بإشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف المغربية، بيروت، 1981، 13 جزءاً.

المراجع

استيتو، محمد، »أقوات وتغذية في تاريخ المغرب الحديث (ق 15 ـ ق 18 م)«، مجلة أمل، عدد 17 (خاص حول التغذية والأزمة في تاريخ المغرب الحديث)، 1999، صص. 22 ـ 52.
(1/4938)
أعمال ندوة: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1989.
الطويل، محمد حجاج، دور الفلاحة في تأسيس المدن وتطورها، ضمن أعمال ندوة: المدينة في تاريخ المغرب العربي، منشورات كلية الآداب/ ابن مسيك، الدار البيضاء، 1990، صص. 167 ـ 176.
تشاح، عبد السلام، جغرافية النبات، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1990.
حجي، محمد، »أحمد المنصور الذهبي «، معلمة المغرب، مطابع سلا، 1989، ج 1، صص. 173 ـ 175.
حرادجي، عبد الرحمان، »بني تاجيت«، معلمة المغرب، ج 5، صص. 1514 ـ 1516.
(1/4939)
حركات، إبراهيم، السياسة والمجتمع في العصر السعدي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، 1987.
رزوق، محمد، الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16 و17 م، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1991.
الشريف، محمد، سبتة الإسلامية: دراسات في التاريخ الاقتصادي ـ الاجتماعي، منشورات جمعية تطاون أسمير، تطوان، 1995.
عز الدين عمر موسى، النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن 6 الهجري، دار الشروق، بيروت، 1983.
(1/4940)
القادري بوتشيش، إبراهيم، »دور المصادر "الدفينة" في كشف الجوانب الحضارية المنسية للمدينة المغربية، دراسة تطبيقية حول مدينة مراكش من التأسيس حتى أواخر عصر الموحدين«، ضمن كتاب: تاريخ الغرب الإسلامي، دار الطليعة، بيروت، 1994.
ـــــــ ـــــــ ، إسهامات في التاريخ الاقتصادي ـ الاجتماعي لمدينة مكناس خلال العصر الوسيط، منشورات عمادة جامعة مولاي إسماعيل، 1997.
بن مراد، إبراهيم، بحوث في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991.
(1/4941)
مزين، محمد، فاس وباديتها: مساهمة في تاريخ المغرب السعدي (1549م ـ 1637 م)، منشورات كلية الآداب ـ الرباط، سلسلة الرسائل والأطروحات رقم 12، 1986، جزآن.
المنوني، محمد، المصادر العربية لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث، منشورات كلية الآداب بالرباط، 1983، ج 1.
ــــــ ــــــ ، العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، ط 2، الرباط، 1977.
Celerier, J., «Les conditions géographiques du développement de Fès», Hespéris, T. XIX, pp. 1-19.
(1/4942)
Lacoste, Alain et Robert Salanon, Eléments de biographie du développement et d’écologie, Collection Nathan Université, Paris, 1993.
(1/4943)
القدس عربية منذ خمسة آلاف عام
في ضوء النصوص الكتابية والاكتشافات الأثرية
... ... ... ... ... الدكتور شوقي شعث
... ... ... ... ... دبي ـ الإمارات العربية المتحدة

مقدمة
... القدس مدينة مقدسة عند أصحاب الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية. وهي بهذا تنفرد وتتميز عن غيرها من المدن المقدسة في العالم. هذه القدسية كانت وما زالت سبباً في الصراع بين أصحاب الديانات التوحيدية. وعليه لا توجد مدينة في الدنيا لقيت اهتماماً كمدينة القدس؛ إذ حظيت بدراسات وأبحاث متنوعة بلغت حداً لا يمكن تصوره في آلاف
(1/4944)
الكتب والدراسات والخرائط. قامت القدس في البدء على الطرف الجنوبي الشرقي من جبل موريا، ويبدو أن سكانها الأوائل اختاروا هذا الموقع، لكونه موقعاً محصناً من ثلاث جهات ولكونه يضم عدداً من عيون المياه، وهو شرط حيوي لقيام أي مستوطنة بشرية(1).
... حملت القدس عبر تطورها التاريخي، وصولاً إلى عصرنا الحاضر، عدة أسماء منها: أورشليم (وتعني مدينة السلام)، ويبوس نسبة إلى سكانها اليبوسيين
__________
(1) القدس، المؤتمر الثالث لبلاد الشام (فلسطين)، ص. 225، 1983؛ الموسوعة الفلسطينية، القسم الأول، مادة »القدس«، ص. 508 ب.
(1/4945)
الأوائل، والمدينة، وإيليا كابيتولينا، وإيليا، وبيت المقدس، والقدس الشريف، ودار السلام، والقدس(1). ففي مطلع الألف الثاني قبل الميلاد ورد اسمها في نصوص "اللعنات المصرية" (Execration ****)(2)
__________
(1) شوقي شعث، القدس الشريف، المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، الرباط، 1983، ص. 15.
(2) وهي نصوص مصرية قديمة حيث كان ملوكهم يكتبون أسماء المدن أو الحكام التابعين أو المعادين لهم على تماثيل أو أوان، معتقدين أنهم إذا حطموا هذه التماثيل أو الأواني، حاق الشّرّ بالأشخاص أو الأشياء التي كتبت أسماؤهم عليها. فقد عثر عليها عام 1925 بمصر.
(1/4946)
باسم روشاليموم (Rushalimum)(1) وورد اسمها في مراسلات تل العمارنة، التي عثر عليها في مصر إبان التنقيبات الأثرية، والتي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد باسم: أورشاليم (Urusalim)(2). ونجدها في كتابات الملك الآشوري سنحاريب في القرن السابع قبل الميلاد ترد باسم أورشاليمو (Ursalimmu). وتأخذ في كتابات المؤرخين
__________
(1) شوقي شعث، المصدر السابق، ص. 15.
(2) المصدر نفسه، ص. 17؛ إسحاق الحسيني، ص. 43؛ الأب مرمرجي، بلدانية فلسطين (1948)؛ مادة »بيت القدس«، الموسوعة الفلسطينية، قسم 1، ص. 510 ب و ص. 1511.
(1/4947)
العرب المتأخرين عدة أسماء منها: يروسالم يروشالايم، ويبوس، وصهيون موريا، وإيليا، وبيت المقدس، والقدس، والقدس الشريف، والبلاط وغيرها.
... أسس العموريون (أول القادمين من العرب القدماء إلى بلاد الشام) (1) واليبوسيُّون الذين هم فرع من العموريين ـ الكنعانيين، وسادت ثقافتهم وديانتهم ولغتهم وأشكال حياتهم. وحينذاك لم يكن للإسرائيليين وجود إلا في الروايات التوراتية التي تتحدث في وقت
__________
(1) حول أصول العموريين ومواطنهم، انظر كتاب ألفرد هاليدار الذي عربه الدكتور شوقي شعث ونشرته دار الأبجدية بدمشق، 1993.
(1/4948)
متأخر، في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، عن تاريخ القدس حيث تزعم أن داوود الملك أخذ المدينة عنوة من اليبوسيين؛ والثابت أن المدينة استعصت على المهاجمين ولم يتمكنوا إلا من أخذ الحصن الذي كان يعرف بحصن صهيون فقط(1)، وظلت المدينة بسكانها ومؤسساتها يبوسية، ولم يصلنا أي علم بهجرهم المدنية؛ إلا أن الزمن ساعد على فقد المدينة تحصيناتها وربما وقع سلم بين الطرفين، وتدعي روايات التوراة أن المدينة أصبحت يهودية وعاصمة لمملكة يهوذا؛ إلا أن ذلك إن وقع، لم يدم
__________
(1) كامل العسلي (محرر)، القدس في التاريخ، ص. 19.
(1/4949)
أكثر من سبعين عاماً فقط.
...
النصوص الكتابية والروايات التاريخية
... أمدتنا التنقيبات الأثرية بنص أثري ورد فيه ذكر لبعض أسماء حكام مدينة القدس الأوائل، وهو من نصوص اللغات المصرية من بداية الألف الثاني قبل الميلاد، حيث ورد فيه اسمان لأميرين هما: ياقر عمو وساز عنو، وقام عالم الآثار واللغات القديمة الأستاذ أولبرايت بتحقيق هوية الاسمين فقال إنهما اسمان عموريان(1). ويعتبر ذلك متوافقاً مع الأحداث التاريخية التي كانت سائدة؛ فقد كان سكان سوريا فلسطين في تلك الفترة من العموريين
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 29.
(1/4950)
(العرب القدماء)، أي من سكان الجزيرة العربية القدماء. لقد بقى اسم العموريين متداولاً فترة طويلة من الزمن، وكانت اللغة السائدة آنذاك هي اللغة العمورية (الكنعانية). ويقول فيليب حتي حول الموضوع: »ما أن حل الألف الثاني قبل الميلاد حتى غدت سوريا الطبيعية عمورية بلغتها وسكانها وممالكها« (1).
... وهناك اسم »ملكي صادق« الذي تربطه الروايات التاريخية بالقدس وإبراهيم، ويعني هذا أن »ملكي صادق« كان يعاصر إبراهيم، وهو دون شك اسم عموري(2)
__________
(1) فيليب حتي، تاريخ سوريا وفلسطين ولبنان، ج 1، مؤسسة فرانكلين، بيروت.
(2) كامل العسلي، المصدر السابق، ص. 29.
(1/4951)
. واسم »عبدي حيبا« ملك القدس في فترة العمارنة (نصوص تل العمارنة) الذي كان ظاهرياً مخلصاً لفرعون مصر ورجلاً له في القدس. وهذا ما جعله ينجح في قتاله مع جيرانه في الجنوب اعتماداً على الدعم المصري له، هذه النجاحات جعلت عبدي حيبا في واجهة الأحداث. فنجد(1)»سوار داتا« من كيلتي (حربة كيلا في جنوب القدس)، يكتب إلى فرعون مصر شاكياً »لابايا من شكيم«: »استولى على المدن. لقد مات الآن لابايا، ولكن هناك عبدي حيبا آخر وهو يأخذ مدننا« (2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 29.
(2) المصدر نفسه. حيبا هو اسم لرب حوري، وهذا يدل على التأثير الحوري في المنطقة.
(1/4952)
. وفي "الكتاب المقدس" ورد اسمان لملكين هما »أدوني بازق«، ويعني سيدي هو بازق؛ و»أدوني صادق«، ويعني سيدي هو صادق. وهما ولاشك اسمان عموريان. وعليه، فإن الشعوب التي سكنت القدس في بداية عهدها كانت من العموريين(1). ونحن نعرف أن العموريين ظهروا على مسرح الأحداث التاريخية في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد في سوريا وبلاد ما بين النهرين، خاصة في نصوص سلالة أور الثالثة. وقد أطلق عليهم السومريون اسم »مارتو«؛ أما الأكاديون، فقد أطلقوا عليهم »عمورو«، وتعني بلاد الغرب أو الغربيون(2)
__________
(1) المصدر نفسه، ص. 30.
(2) المصدر نفسه؛ هاليدار، العموريون، ص. 3.
(1/4953)
.
... وتتحدث عالمة الآثار الإنجليزية السيدة كينيون أن شعباً جاء إلى فلسطين ابتداء من عام 2300 ق م هو العموريون، وكان شعباً بدوياً سرعان ما دخل المدن واستوطن فيها(1) تبعه شعب آخر من الأرومة نفسها هو الشعب الكنعاني نحو عام 1900 ق م وساعد على إنعاش وتطوير الحياة في المدن الفلسطينية وتحدث باللغة العمورية ـ الكنعانية. بعد ذلك بزمن طويل، أي في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، جاءت أقوام بدوية عرفت بالعبرانيين توطنت على هامش المدن الفلسطينية وفي الريف وعاشت عمّالاً في تلك المدن، ولم
__________
(1) المصدر نفسه.
(1/4954)
تكن لديهم صناعة أو حضارة فاستعاروا عناصر الحضارة من سكان المدن الفلسطينية، أي من العموريين والكنعانيين. ومع الزمن ومن خلال التسلل الطويل، توصلوا إلى إقامة تنظيم شبه عشائري تحكمه التقاليد ببعض مناطق فلسطين، لم يستمر ذلك طويلاً وتلاشى واندثر ثم جاء الفرس والهلينسيون (الاسكندر والسلوقيون) والرومان ثم البيزنطيون، وأخيراً العرب المسلمون.
...
التنقيبات الأثرية بمدينة القدس(1)
__________
(1) للاطلاع على ما نشر حول التنقيبات الأثرية بالقدس، انظر ما نشر في كتاب الأمريكية
E.K. Vogel المعنون Bibliography of Holyland Sites، خاصة الصفحات ما بين 44 و49، 1974.
(1/4955)
... في نهاية القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين الميلادي، حاول الصهاينة أو مؤيدوهم القيام ببعض أعمال كانت تهدف إلى تدمير الهوية التاريخية العربية للمدينة وحتى لفلسطين كلها، وكانت تلك الأعمال واضحة في أعمال التنقيب الأثري في القدس.
... بدأت الاستكشافات والتقيبات الأثرية في فلسطين في وقت مبكر، وتركزت بشكل خاص في مدينة القدس من أجل تعرّف تاريخها وآثارها. فأول تنقيبات أثريبة قامت فيها كانت بين أعوام 1865 و1887 برعاية صندوق الاستكشاف البريطاني بإدارة وارين (
Warren)(1)
__________
(1) نشر وارين نتائج أعماله البحثية التي بدأت في شباط 1867 واستمرت حتى عام 1880 في كتاب بعنوان
Recovery of Jerusalem، ثم نشر كتاباً آخر بعنوان Underground Jerusalem، ولكن أهم كتاب نشر حول أعمال وارين كان الكتاب الذي نشر عام 1884 من قبل صندوق الاستكشاف بعنوان Memoirs of the Survey of Western Palestine.
(1/4956)
، ذلك الصندوق الذي كان قد تأسس لتوه عام 1865 م. لقد تمكن وارين عن طريق الأنفاق والقنوات أن يتعرف أسوار مدينة القدس القديمة، على حد قوله. استأنفت جمعية »صندوق الاستكشافات«، الذي ورد ذكره آنفاً، أعمال التنقيب الأثري في الفترة الواقعة بين 1894 و1897 بإدارة بلس (F. S. Blis) وديكي (A. C. Dickie). وقد حاولا في تنقيباتهما تتبع الأسوار الجنوبية القديمة(1)
__________
(1) هناك بحث جيد حول صندوق الاستكشاف البريطاني ونشاطه بفلسطين قدمته الدكتورة خيرية قاسمية إلى المؤتمر الثالث لتاريخ بلاد الشام الذي عقد في رحاب الجامعة الأردنية ونشر بالمجلد الثاني "جغرافية فلسطين وحضارتها" من أعمال المؤتمر المذكور من ص. 393 إلى ص. 447.
(1/4957)
.
... وفي عامي 1909 و1911، قامت بعثة بريطانية بإدارة السيد ماكر (
Marker). ومع أن الأهداف التي وضعتها البعثة كانت أهدافاً استعراضية أكثر منها علمية، فإنها تمكنت من تتبع الأنفاق والقنوات والفتحات في وادي قدرون المتصلة بنبع جيحون. وقد قام السيد ل. هـ. فانسان (L. H. Vincent) بنشر نتائج تلك البعثة. وبمعونة البارون إدموند روتشيلد اليهودي، قام السيد ر. فايل (R. Weill) بإجراء تنقيبات أثرية واسعة في الطرف الجنوبي من الهضبة. كما جرت تنقيبات أخرى في الفترة ما بين 1923 و1925 برعاية صندوق الاستكشافات أيضاً
(1/4958)
وبإدارة السيدين ر. أ. س. مكاليسستر R.A.S. Macalister)) ودونكان ( (J. C. Duncan، ثم بإدارة السيد كروفوت (J. W. Crowfoot) في الفترة ما بين 1927 و1929.
... لقد نقب مكاليستر وزميله في قمة تلة الهضبة واكتشف أجزاء من دفاعات قوية في الطرف الشرقي كما قام كروفوت بالتنقيب في منطقة في السفح الغربي من الهضبة نفسها واكتشفت بوابة متصلة بدفاعات قوية(1). إلى جانب تلك التنقيبات، كانت تنقيبات السيد جونز (
C.N. Johns) في قلعة القدس بإشراف
__________
(1) انظر نتائج تلك التنقيبات في كتاب
Excavation of Jerusalem (1894-1897).
(1/4959)
دائرة الآثار الفلسطينية في الفترة ما بين 1935 و1940.
... وفي الفترة ما بين 1961 و1967 جرت تنقيبات أثرية بإدارة بعثة أثرية مشتركة مؤلفة من المدرسة البريطانية للآثار بالقدس وصندوق الاستكشافات البريطانية والأكاديمية البريطانية والمدرسة التوراتية الدومينكانية ومتحف أونتاريو الملكي الكندي بإدارة عالمة الآثار الإنجليزية كاثلين كينيون، كانت تلك التنقيبات الأثرية بالمدينة القديمة بالقرب من باب دمشق ومن السور الثالث (؟) وعلى جبل صهيون. وخلالها جرى فحص نتائج التنقيبات السابقة عن طريق تطبيق طرق ومناهج
(1/4960)
حديثة في التنقيب الأثري(1). وفي هذه التنقيبات وغير بعيد عن موقف التنقيبات التي كان قد أجراها كروفوت (Crowfoot) عثرت كاثلين كينيون في عام 1963 على بيوت بيزنطية بنيت في المقالع الرومانية وخزانات المياه التي لها أدراج، وكانت تلك البيوت كبيرة ومبنية بشكل جيد(2). هذا، وقد كان السيد ديمتري برامكة ـ عالم الآثار الفلسطيني ـ قد عثر على كنيسة صغيرة مرصوفة
__________
(1)
Encyclopedia of Excavations in the Holyland, Vol. II, Oxford, pp. 591- 593
Yadin Y. (ed.)
(2)
Kathleen Kenyon, Digging up Jerusalem, 1967.
(1/4961)
الأرضية بالفسيفساء في التنقيبات الأثرية التي أجراها عام 1937 باسم دائرة الآثار الفلسطينية بالقرب من السور الثالث. وقد بلغت أطوال هذه الكنيسة 1,6 × 3,5 م، وقد اعتبر المنقب الكنيسة تعود إلى العهد البيزنطي في القرن الخامس الميلادي(1). كما أجرى جونز عام 1937 باسم دائرة الآثار الفلسطينية أيضاً عدة تنقيبات في عدة مواضع تعود إلى فترة سيطرة الإفرنج على القدس العربية منها تنقيبات في إحدى الكنائس بوادي قدرون وفي القلعة العربية التي أصبحت مقراً لحاكم القدس
__________
(1)
Encyclopedia of Excavation, Oxford.
(1/4962)
الإفرنجي. ومن الأماكن الأخرى التي تم تعرُّفها وتعود إلى الفترة نفسها كنيسة القديس أنسطاس وكنيسة صغيرة بجانب كنيسة القديس اسطفان(1). وفي عامي 1956 و1962، قام الآباء البيض بالتنقيب الأثري في الأرض التي يملكونها بالحي الإسلامي بالمدينة القديمة بالقرب من كنيسة القديسة أنا (Anna) وعثروا على بعض اللقى التي تعود إلى العهد البيزنطي أيضاً(2). هذا، إلى جانب الكثير من التنقيبات الأثرية التي قامت بها المؤسسات الدولية.
...
التنقيبات الأثرية الإسرائيلية بالقدس
__________
(1)
Ibid., p. 619.
(2)
Ibid., p. 626.
(1/4963)
... بعد العدوان الإسرائيلي على القدس واغتصابها عام 1967، قامت السلطات الأثرية الإسرائيلية بإجراء تنقيبات أثرية في عام 1968 عند الجدار الجنوبي من المسجد الأقصى، مخالفة بذلك المواثيق والأعراف الدولية التي تنص على الامتناع عن قيام أيّ تنقيبات أثرية في المناطق المحتلة عسكرياً؛ كما قامت بعد ذلك بتوسيع تنقيباتها الأثرية لتشمل الجانب الغربي من السور بالقرب من القوس المعروف بقوس روبنسون. وقد تبين، نتيجة التنقيبات في الموسم الأول على طول الجدار الجنوبي، أنها آثار عربية إسلامية باكرة (من الأمويين حتى
(1/4964)
السلاجقة)، وقبله كان العصر البيزنطي، وقبله العصر الروماني. وعلى الرغم من أن المنقبين الإسرائيليين كانوا يحلمون بالعثور على آثار يهودية، فإن المكتشفات خيبت آمالهم؛ وكان أهمها المنشآت المعمارية الإسلامية الأموية في الزاوية الجنوبية الغربية من الحرم الشريف. فقد عثر هناك على ثلاثة أبنية ربما كانت قصوراً، لأنها تشبه القصور الأموية التي تنتشر في سوريا وفلسطين والأردن، وهي ذات أبراج مستديرة توضع في الزوايا. لقد تبين أن هذه القصور أعيد استخدامها مرة أخرى بعد ترميمها وتأهيلها للاستخدام الجديد للسكن بعد
(1/4965)
إعادة توضيبها في القرن التاسع، أي في العصر العباسي؛ إلا أنها تخربت في القرن الحادي عشر وأخذ الناس يستعملون حجارتها في بناء مساكنهم(1).
... وفي الفترة ما بين 1975 و1978 قامت السلطات الإسرائيلية بإجراء تنقيبات أثرية بالقلعة على طول السور الغربي، اكتشفت فيها قناة صرف على بعد 16 متراً من السور، وتبين أنها تنحدر نحو الغرب من نقطة تحت السور وقد بنيت جوانبها بالحجارة الغشيمة وغطيت برقائق حجرية ويبلغ طول القسم المكتشف من هذه القناة حوالي خمسة عشر متراً. وفي عام
__________
(1)
Encyclopedia Excavation, p. 612.
(1/4966)
1982 اكتشفت قسم جديد من تلك القناة إلى الشرق من سور المدينة. أما الجزء الذي يصل بين الجزءين المذكورين سابقاً، فهو ضيق يبلغ عمقه وعرضه حوالي 40 سم2.
... وبإشراف الجامعة العبرية بالقدس ودعم من الجمعية المسماة جمعية مدينة داوود، جرت تنقيبات أثرية عام 1981 في محاولة لتعرُّف التوضعات السكنية في المدينة من العصر الحجري النحاسي (الكالكوليتي) إلى عام 70 م. ومن خلال تلك التنقيبات، عثر على تحصينات المدينة التي تعود إلى العصر البرونزي الوسيط، أي إلى الفترة اليبوسية(1)
__________
(1)
B. Mazar, The Excavations in the Old City of Jerusalem Near the Temple Mount, Jerusalem, 1971, p. 1; and M. Bendou, The Area of the Temple Mount in
the Islamic Period, pp. 97-102;
... العابدي محمود، الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن، عمان، 1973، ص ص. 123 ـ 124.
(1/4967)
.
... هذا، إلى جانب تنقيبات أثرية قامت بها سلطات الاحتلال في عامي 82 و83 في المدينة القديمة وفي جبل سكوبس وفي جبل صهيون وفي المناطق المجاورة لمدينة القدس في خربة عين التوت والعيساوية. وفي عامي 81 و82 جرى مسح أثري عثر فيه على حد زعمهم على ثمانية وثمانين موقعاً أثرياً تشمل مستوطنات ومعاصر زيت ومزارع مسورة وأبراج مراقبة ومدافن ومحاجر وأفران كلس وتوضعات زراعية وحمامات. هذا، إلى جانب أدوات ولقى تعود إلى عهود ما قبل التاريخ من الدور الموستيري والدور الحجري القديم الأعلى وبقايا أبنية وأدوات من عصر ما
(1/4968)
قبل الفخار النيوليتي. وإلى الجنوب من تل الفول التي تقع على الحدود الشرقية من المنطقة الممسوحة، وإلى الجنوب من خربة الصومعة، عثر على كسر فخارية وأدوات من العصر الكالكوليتي ـ الحجري النحاسي. لقد سبق أن تعرف الأب نصر الله هذا الموقع عام 1936، حيث جمع حوالي ثلاثة آلاف أداة صوانية من الثقافة الغسولية، وبالقرب منها عثر على بيوت شبه دائرية قال عنها السيد نصر الله إنها تعود إلى العصرين الميغاليتي (Megalithic) والكالكوليتي (Chalculithic)؛ كما عثر على بقايا من العصور البرونزية والحديدية والفترة الهلنيسية
(1/4969)
والبيزنطية(1).
... ويندرج تحت هذا الأمر النفق الذي حفرته السلطات الإسرائيلية تحت الحرم القدسي الشريف؛ فهو يخدم التنقيبات الأثرية وأهدافها وبعدها السياحة. وكذلك مشروع النفق المزمع إقامته بدءاً من ساحة البراق. أما الأهداف التي من أجلها قامت تلك التنقيبات، فهي عديدة ومتشعبة وتختلف باختلاف الأشخاص والمؤسسات والأهداف التي دفعتها للقيام بتلك التنقيبات الأثرية.
__________
(1)
Excavations and Surveys, Vol. I, pp. 49-66.
(1/4970)
... إن بقاء مدينة القدس الشريف حية على الدوام في أذهان أصحاب الديانات السماوية الثلاث هو الذي دفع البعض للقيام بإجراء دراسات ومسوح وتنقيبات أثرية هدفها تعرُّف تاريخ المدينة عبر العصور وأهميتها الروحية والاستراتيجية. لقد سعى المسلمون والمسيحيون واليهود على الدوام لزيارة بيت المقدس والتبرك بزيارة المقدسات هناك ومشاهدتها. وبسبب ذلك، جرى التنافس بين أصحاب الديانات الثلاث على امتلاك القدس الشريف، ذلك التنافس الذي بلغ حد الحرب، في حروب مشهورة في التاريخ. كيف لا ومن يملك القدس يملك أقدس بقعة في
(1/4971)
العالم؛ كما اتخذ التنافس مظاهر أخرى، منها التنقيبات الأثرية التي قام بها الصهاينة ولا يزالون يقومون بها في محاولة منهم لدعم نظرية الحق التاريخي المزعوم الذي ينادي به ساستهم في محاولة تثبيت شرعية الكيان!! إلا أنهم فشلوا حتى الآن في العثور على شواهد تؤيد ذلك. وقد تسببت هذه النظرية القصرية الصهيونية للتراث الحضاري في القدس خاصة، وفي فلسطين عامة، في تخريب كثير منه وفي اعتماد تفسيرات تاريخية خاصة.
... واعتماداً على ما سبق عرضه من معلومات تاريخية وكتابية استقيت من المصادر التاريخية والتنقيبات
(1/4972)
الأثرية، نخلص إلى ما يلي:
إن القدس عربية النشأة والثقافة والسكان، أسسها وقام على تطويرها وتطوير مؤسساتها الثقافية والدينية العموريون والكنعانيون واليبوسيون، وهم من العرب القدماء الذين نزحوا من الجزيرة العربية أو من سورية. وهي لا تختلف في تطورها عن المدن السورية أو الفلسطينية الأخرى.
لم يسبق للعبريين أن أقاموا عاصمة خالصة بالقدس، حيث لم يثبت تاريخياً أنهم احتلوا القدس. تتحدث الروايات التاريخية عن احتلالهم لقلعة صهيون بالقدس فقط. وأكبر دليل على ذلك هو بقاء سكانها اليبوسيون فيها بكثافة في الأعمال
(1/4973)
التجارية أو في الجيش أو في المؤسسات الدينية. ويعني هذا أن المدينة ظلت عربية في مجتمعها وثقافتها ولغتها.
لم يتوصل المنقبون الأثريون إبان الحكم العثماني أو الانتداب البريطاني أو الاحتلال الإسرائيلي إلى العثور على بقايا عبرية خالصة. إلا أن كثيراً من تلك فسرت خطأ، وقد أظهر علماء الآثار المنهجيون بطلان تلك التفسيرات وخطأها.
إن أكثر المخلفات الحضارية الظاهرة في القدس الآن هي مخلفات حضارية عربية إسلامية ومسيحية مثل قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، إلى جانب ما في المدينة القديمة من
(1/4974)
خانات ومدارس وأسواق وجوامع وتكايا ومستشفيات وغيرها. وهذا يفسر سبب الهجمة الصهيونية على تغيير البيئة التاريخية للمدينة وطمس معالمها.
ثبت بالدليل التاريخي المؤكد أن العرب المسلمين حموا المقدسات الخاصة بدينهم وبالأديان الأخرى من العبث. وعليه، فمن حقهم استمرار هذه المهمة التاريخية، أي من حقهم الاستمرار في القيام بدورهم التاريخي في حماية المقدسات الدينية في مدينة القدس ودعوة العالم لتأييد ذلك الحق.
وحتى تظل القدس عربية إسلامية ومسيحية في بيئتها التاريخية، فإنه من الضروري تنشيط البحوث التاريخية
(1/4975)
والدراسات المعمارية التي كانت تقوم بها المؤسسات العربية والدولية، وتصحيح الأخطاء الفادحة التي وقعت.

المصادر والمراجع

أولاً: المراجع العربية والمعربة

أبو طالب، محمود، آثار الأردن وفلسطين في العصور القديمة. أضواء جديدة، عمان، 1978.
العابدي، محمود، الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن، 1973.
العسلي، كامل (محرر)، القدس في التاريخ، عمان، 1973. ...
طومسون، توماس، التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، تعريب صالح علي سوداح، بيروت، 1995.
(1/4976)
حتي، فيليب، تاريخ سوريا وفلسطين ولبنان، ج 1: العموريون، مؤسسة فرانكلين ودار الطليعة، بيروت.
شعث شوقي، أضواء على الأبحاث الأثرية بفلسطين، الندوة العالمية الأولى للآثار الفلسطينية، المجلد 2، جامعة حلب، 1983.
الموسوعة الفلسطينية، القسم الأول مادة »آثار« ومادة »علماء الآثار« (شوقي شعث). القسم الثاني، قسم التاريخ، »القدس« (كامل العسلي).
هاليدار، ألفرد، العموريُّون من هم؟ وما هي مواطنهم؟، تعريب د. شوقي شعث، دمشق، 1993.

ثانياً: المصادر والمراجع الأجنبية
(1/4977)
Kenyon, K. M., Archaeology in the Holyland, 1979.
- - ,
Digging up Jerusalem.
- - ,
Jerusalem Excavation, 3000 Years of History, London, 1967.
Yadin, Y. (ed) Jerusalem revealed.
Encyclopedia of Excavation, Vols. 1-4.
Moorey, Roger, Excavations in Palestine, 1981.
Warren, Memoirs of the Survey of Western Palestine (1867-1884).
- - ,
Underground Jerusalem.
Bliss, F. S. and Dickie, A. C., Excavations of Jerusalem (1894-1897).
Mazar. B., The Excavation in the Old Jerusalem Near the Temple Mount,
(1/4978)
Jerusalem, 1971.
Ben Dou, M., The Area of the Temple Mount in the Islamic Period. The Omayyed Structures Near Al Haram Al-Sharif, 1971, I-I.
Encyclopedia of Excavation the Holyland, Oxford, 1975.
Excavations and Surveys, Vol. 1, 1982.
(1/4979)
القدس والعرائش مقارنة بين موقفين من ضياع مدينتين

... ... ... ... ... الدكتور عبد الكريم غرايبة
... ... ... الجامعة الأردنية - كلية الآداب - عمان

جاء في رواية مسيحية قديمة جرت أحداثها قبل الهجرة، وصف دقيق للاحتلال الفارسي الساساني للقدس. فقد وصف الراهب أنبا أسطراط من المقيمين في دير القديس مارسابا. "خراب القدس وأخذ الصليب وسيبي الرعية" على يد الفرس "الأعداء الذين سلطهم الله على المسيحيين" حدث ذلك في السنة الرابعة من حكم هرقل. ثم بعد عشرين يوما "دخلوا المدينة فلما دخلوا كل من كانوا يلقونه كانوا
(1/4980)
يقتلوه" ووصف الراهب فرح اليهود الشديد بما حدث لأنهم كانوا باغضين للنصارى ومرتبة اليهود كانت عظيمة عند الفرس وأبناء النصارى اختاروا أن يهلكوا ولا يكون لهم مع اليهود نصيب ولا معاش واليهود كانوا يشترون النصارى في البركة بالدراهم ويذبحونهم قتل الخراف". وبعد ستة عشر سنة من خراب القدس وبعد عشرين سنة من ولاية هرقل أعيد الصليب إلى القدس بعد انتصار بيزنطه على الفرس.
بقيت القدس ساسانية من عام 614م إلى عام 8 هـ/629م، أي من العام الرابع للبعثة إلى العام الثامن للهجرة. ويتبين أن البيزنطيين لم يكونوا جيرانا
(1/4981)
للعرب والمسلمين خلال هذه الفترة الطويلة إلى أشهر قليلة قبل فتح مكة. يثير هذا التساؤل حول هوية خصوم العرب في مؤته. وبعد أربعة أعوام فقط من جلاء الفرس وعودة البيزنطيين وإعادة الصليب إلى القدس كانت جيوش العر المسلمين تجوب بلاد الشام محررة القدس ودمشق. أي أن الحكم البيزنطي لم يستقر في بلاد الشام منذ بداية حكم هرقل أو منذ السنة الرابعة للبعثة. وأصبحت القدس عربية مسلمة عام 17 هـ/638م ولم يضطهد أحد ولم يقتل إنسان.
(1/4982)
وبعد استقرار الحكم الإسلامي في بلاد الشام بسبعين سنة كان المسلمون قد مدوا سلطانهم غربا إلى المحيط الأطلسي وامتدوا شرقا إلى الصين والهند. وقطعوا بحر الزقاق، مضيق جبل طارق، إلى إسبانيا وتوغلوا في فرنسا ووصلوا ما يعرف الآن بسويسرا وإيطاليا. ولكن عدوهم التقليدي بقي مرابطا على بعد خمسمائة كيلومتر إلى الشمال من عاصمة الأمويين دمشق. وبقيت مدن الشمال مهددة رغم إفامة الثغور ثم العواصم.
وينبغي الإشارة إلى ظاهرتين مهمتين للتوسع الإسرمي. إذ لم يقض المسلمون في أي بلد دخلوها على دولة وطنية باستثناء الدولة
(1/4983)
الساسانية. وفي كل بلد عربي كانوا محررين من مستعمر. وأخرجوا الغوط الجرمان. أما الظاهرة الثانية فهي الأهم. فقد استمر وجود المسيحيين واليهود في البلاد المفتوحة على حاله ولم يغادر رجال الدين المسيحي البلاد فرار كما فعلواو زمن الاحتلال الساساني ولم يقاس أحد من اضطهاد أو سوء معاملة. وخير دليل على ذلك هو استمرار وجودهم في البلاد. وجاز للمسيحيين في بلادنا وحدها أن يفتخروا بأنهم أتباع الديانة الوحيدين الذين استمر وجودهم رغم انتشار دين جديد. وقد أبيد أتباع الديانات الأقدم في البلاد التي انتشر فيها دين
(1/4984)
جديد غير الإسلام. وإذا افتخر المسيحيون العرب بذلك فإن للمسلمين العرب أن يفتخروا بهذا البرهان القوي على عدالتهم. وإذا ادعى أحد المسيحيين شاكيا بأنه كان مواطنا من الدرجة الثانية فكلنا نشكو شكوى مماثلة وكلنا كنا مواطنين من الدرجة الثانية.
وتعرض البيزنطي لتهديد عربي شديد في عهد المعتصم، كان أقله أهمية احتلال المعتصم لعمورية. فقد عادت عمورية بيزنطية بعد عامين من احتلال المعتصم لها بينما استمر الوجود العربي في صقيلية وكريت. وقلقت بيونطة من انتصارات العرب في صقيلية وجنوب إيطاليا واحتلالهم كريت أكثر من
(1/4985)
قلقها من قوة الخلافة في بغداد.
وانتقل البيزنطيون إلى الهجوم والتوسع في بلاد الشام خلال النصف الثاني من
القرن العاشر ميلادي (4 هـ) فقد انتصروا على سيف الدولة واحتلوا عاصمته حلب،
كما احتلوا جزيرة كريت بعد أن استمر الوجود العربي الإسلامي منها قرنا وثلث
(282-961) واحتل البيزنطيون أنطاكيه في 28/10/996 أي زمن وصول
الفاطميين إلى بلاد الشام في عهد المعز لدين الله وقائده جوهر الصقلي. ولم تنجح محاولات الفاطميين لحماية البلاد من البيزنطيين الذين أرقوا حمص وأخذوا بعلبك وأخضعوا بيروت وصيدا وعكا. ودخل
(1/4986)
الإمبراطور البيزنطي طبريا ووقف على جبل طابور وهدد القدس.
تغيرت الصورة بعد قرن. فقد هدد النورمان الدول القائمة في الغرب على نطاق واسع واحتلوا مناطق كانت خاضعة للعرب والبيزنطيين في جنوب إيطاليا وصقيلية ومواقع على الساحل الإفريقي الشمالي. أقدم جيش نورماني بقيادة وليم الفاتح على احتلال إنجلترا عام 1066م. واستخدم البيزنطيون مرتزقة نورمان في جيوشهم لمحاربة المسلمين ولكن السلاجقة والمرابطين قلبوا الموازين. فقد انتصر ألب أرسلان السلجوقي التركي على جيش بيزنطة من مرتزقة نورمان وفرنجة وأتراك. واستعاد
(1/4987)
السلاجقة مدن أنطاكية واللاذقية بعد أن كانت خاضعة لبيزنطة أكثر من قرن، كذلك عمل جيش مسلم تألف من بربر على إنقاذ المسلمين في الأندلس في معركة الزلاقة عام 469/1086 ووحد المسلمين تحت راية السلطان المرابط أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الذي أسس مدينة مراكش عاصمة له ومدينة تمبكتو في مالي عام 493/1100 على نهر النيجر "التي لم تدنسها عبادة الأوثان قط ولا سجد على أديمها لغير الرحمن".
وساءت الأحوال أثناء ذلك في المشرق العربي. فقد وصل الإفرنج الصليبيون
(1/4988)
إلى بلاد الشام في صيف 490/1097 واحتلوا أنطاكية في الثالث من حزيران
1098 بعد حصار طويل استمر أكثر من نصف عام، ثم واصل الإفرنج تقديمهم
جنوبا على الطريق الساحلي إلى القدس ولكن عجزوا عن أخذ طرابلس ووصلت
الحملة إلى القدس في السابع من حزيران 491/1099 وأخذوها بعد حصار استمر
أربعين يوما ضحى الجمعة 22/23 شعبان 492/ منتصف تموز 1099. ودافع
الجند السوداني ببسالة عن المدينة. واستمر القتال في الشوارع أسبوعا"، فلما سمع
أهل بغداد هذا الأمر الفظيع هالهم وتباكوا. ونظم أبو يعد الهروي كلاما قرئ في
(1/4989)
الديوان وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس ..." وعلق الناس فقالوا "واختلف السلاطين
فتمكن الإفرنج من البلاد" وفشلت محاولات الوزير الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي
لاستعادة القدس، وكان يوسف بن تاشفين أثناء ذلك يقوم بعبوره الرابع إلى الأندلس
ليعود بعدها وينشغل ببناء تمبكتو بعد عام من ضياع القدس، أي أن النكسات الكبرى في المشرق قابلتها انتصارات في المغرب رغم أن العدو واحد.
فلماذا هذا التراجع الكبير في بلاد الشام رغم الانتصارات في الأندلس وقد يقال إن الأندلس والمغرب بعيدان عن بلاد الشام لذا يصعب إرسال المدد
(1/4990)
من مراكش إلى القدس، ولكن المسافة لم تكن سببا معقولا، فإن عددا من أمراء الإفرنج الذين برزوا في حرب المسلمين في بلاد الشام كانوا قد برزوا في حرب الأندلس فقد قاومت طرابلس الشام عشر سنوات محاولات صنجيل كونت تولوز الذي في حروبه الأندلسية. كذلك ساهم في الحربين دوق اللورين وشقيقه بلدوين، واشترك في الحرب عدد من نبلاء النورمان بينهم زوج ابنة وليم الفاتح ووالد ستتيفن ملك الإنجليز وبو همند ابن روبرت ملك صقلية النورماندي وشقيق روجر مصطحبا ابن أخيه طنكري، وروبرت كونت بروفسال ومعه محاربو القوط والجاكسون، أي
(1/4991)
أنهم جميعا تركوا قتال العرب في الأندلس وصقلية وجاؤوا لحربهم في فلسطين قاطعين مسافات لا تقل عن المسافة من المغرب إلى فلسطين.
وظهر في المشرق مفهوم جديد للقوة العسكرية، فقد اعتمد حكام أغراب على قوة عسكرية أفرادها غرباء مرتزقة أو مماليك وكاد أن ينتهي عهد الجنود الوطنيين والقبليين، وازدادت الهوة بين الحاكم والمحكوم اتساعا، ولم يعد غريبا أن يجهل الحاكم وجنده وأركان دولته لغة المواطنين الذين أطلقوا أحيانا على الجند اسم الخرس لأن كلامهم غير مفهوم. ودفع المواطنون الضرائب مكرهين بعد أن حملهم الحاكم على
(1/4992)
الاقتناع بأنهم رعية. ولم يبال الرعايا بمصير الحاكم ولم تقلقهم هزائمه أو انتصراته. ولم تعد قوة الحاكم مرتبطة بمساحة البلد أو عدد ساكنه بل على مقدار ما يجبيه الحاكم وينفقه على شراء الجنود والمماليك. لذا صمدت طرابلس وهي دولة مدينة عشر سنوات بينما سقطت المدن التابعة للفاطميين بسهولة، واستطاع حاكم صغير مثل المملوك طغتكين أن يحمي دمشق ورجاه الفاطمي أن يحمي صور، وشاهد الرعايا ما يحدث فاكتفوا بالمشاهدة والدعاء والهجرة.
(1/4993)
وبقيت القدس بيد الإفرنج تسعين سنة (15/7/1099-2/10/1187، 22 شعبان 492/27 رجب 583) أي حوالي 91 سنة قمرية أو 23200 يوما. وهب أكثر حكام المشرق لمساعدة صلاح الدين رغم مشاعر العداء والشك في نفوسهم ومخاوفهم من أطماعه، ولكن الواجب الديني علا على كل المشاعر، وحرم صلاح الدين نفسه من مساعدة سلطان المغرب القوي يعقوب المنصور الموحدي (1184-1199) لأن عامل صلاح الدين في طرابلس الغرب قراقوش الأرمني أيد ثورة ابن غانية. وانتصر الموحدي على ابن غانية وقراقوش عام معركة حطين، لذا لم يجد سفير صلاح الدين أذنا مصغية
(1/4994)
لاستغاثاته في مراكش وكل ما ناله "جنود من دعاء" من شيوخ الموحدين.
وتعرضت القدس للتهديد والاحتلال طوال الخمسين سنة التالية لتحريرها، فقد هددها الإفرنج في عهد صلاح الدين واقترب منها الملك النورماني ريكاردوس ملك إنجلترا ولكن أمكن صده، وتعرضت للخطر ثانية عام 618/1219 عندما احتل الإفرنج دمياط، وبذل المسلمون "بيت المقدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع ما فتحه صلاح الدين من الساحل ما عدا الكرك والشوبك ليسلموا دمياط ويرحلوا عن الديار المصرية، فلم يرضوا وطلبوا .. واضطر المسلمون إلى قتالهم لما يريده
(1/4995)
الله تعالى من النصرة عليهم وسلامة القدس والبلاد الساحلية منهم " وخاف صاحب دمشق الملك المعظم بن العادل على القدس فأمر بخراب أسوارها عام 616، وتم للمسلمين تحرير دمياط في 19 رجب 618 لعد احتلال دام ثلاثة سنين وشهورا.
وتعرضت القدس للخطر بعد ست سنوات من تحرير دمياط. وذكر ابن واصل أنه لما "تأكدت الوحشة بين الملك المعظم وأخويه أرسل الأمير فخر الدين بن صدر الدين شيخ الشيوخ إلى الإمبراطور فردريك صاحب ألمانيا وصقلية يطلب منه القدوم إلى عكا ووعده أن يعطيه البيت المقدس وبعض الفتوح الناصرية، وقصد بذلك إشغال
(1/4996)
أخيه الملك المعظم". وقدوم فردريك إلى عكا في صيف 625/1228.
وفردريك الثاني هو إمبراطور ألمانيا وملك صقلية. وهو ابن الإمبراطور هنري السادس وأمه ابنة روجر الثاني النورماندي ملك صقلية. تولى بعد وفاة الإمبراطور أوتو الرابع السكوني ابن أخت يكاردوس قلب الأسد، أي أن النسب مترابط يشدهم إلى غزو فلسطين ودار الإسلام. وتزوج فرديريك ابنة يوحنا الذي قاد حملة دمياط. ومع ذلك يردد المؤرخون العرب أنه كان محبا للإسلام والمسلمين وأن البابا قال عنه إنه قرصان محمدي. وليس فارسا صليبيا رغم أنه جاء إلى فلسطين إيفاء لنذر
(1/4997)
صليبي.
ورافق فردريك قوة فرسان صغيرة أكثرها ألماني. وينتمي كثير منهم إلى قوة
فرسان التيوتون التي أسسها فرديريك لتغزو الأقطار السلاقية لاسيما بروسيا التي
حولوها من سلافي بروسي إلى ألماني وجعلوا كلمة بروسيا رمزا للعنجهية الألمانية. ووفى الكامل بعهده وسلمه القدس وممرا إلى عكا. ودخل الإمبرطور القدس يوم السبت 17 آذار 1229.
وشرع الفرنج في عمارة صيدا. وكانت مناصقة وسورها خرابا فعمرها واستولوا عليها وأزالوا عنها حكم المسلمين كما يروي ابن واصل الذي رافق الأحداث. وكان هذا خرقا للاتفاق السابق وحدث قبيل
(1/4998)
توقيع الاتفاق الجديد. واشترط الكامل أن يبقى سور القدس خرابا لا يجدد "وأن لا يكون للفرنج شيء من ظاهره البتة بل يكون كل قراياه للمسلمين ... عليها وال مقامه بالبيرة وأن الحرم بما حواه يكون بأيدي المسلمين وشعار المسلمين فيه ظاهر ويتولاه قوام المسلمين ..."
ونادى منادي السلطان بخروج المسلمين من القدس. ووقع في أهل القدس "الضجيج البكاء وعظم ذلك على المسلمين وخزنوا الخروج القدس من أيديهم وأنكروا على الكامل هذا الفعل واستشنعوه، إذ كان فتح هذا البلد الشريف واستنقاذه من الكفار أعظم مآثر عمه". وهجر المدينة
(1/4999)
المسلمون والمسيحيون الشرقيون فغدت شبه مهجورة. وشاهد بعض الفضوليون فردريك وهو يضع التاج على رأسه في كنيسة القيامة بغياب كامل للقساوسة وقدروا ثمنه لو كان عبدا يباع في سوق الرقيق بمائتي درهم.
وشاعت الأخبار بتسليم القدس والكامل محاصر لابن أخيه الناصر داود صاحب دمشق. فقامت قيامة الناس. ووصل رسول صاحب أربل يشير بأن يسير الكامل "رسولا إلى الخليفة كي ينعي البيت المقدس والعذر عنه ... فجهز فخر الدين بن شيخ الشيوخ رسولا للخليفة"، وفخر الدين هو السقير المحرض للإمبراطور وهو الذي وقع معاهدة التسليم. واشتد
(1/5000)
البكاء "وعظم الصراخ وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم الكامل وأذنوا على بابه في غير وقت الآذان، فعظم على أهل الإسلام هذا البلاء واشتد الإنكار وكثرت الشناعات عليه في سائر الأقطار ... وقامت القيامة في جميع بلاد الإسلام واشتدت العظايم بحيث أقيمت المآتم".
واستغل صاحب دمشق المحاصر هذه الواقعة لينال عطف الناس وتأييدهم له
ضد عمه. وتقدم الناصر إلى الشيوخ شمس الدين يوسف سبط الشيخ جمال الدين
بن الجوزي الواعظ وكان له قبول عند الناس في الوعظ، في أن يجلس في جامع دمشق
(1/5001)
للوعظ ويذكر فضائل القدس وما ورد فيه من الأخبار والآثار وأن يحزن الناس ويذكر ما في تسليمه إلى الكفار من الصغار للمسلمين والعار. وقصد بذلك تغيير الناس من عمه ليناصحوه في قتاله. فجلس شمس الدين للوعظ كما أمره وحضر الناس لاستماع وعظه وكان يوما مشهودا وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم. وحضرت أنا - ابن واصل- هذا المجلس ومما سمعته يومئذ قصيدة تائية وازن بها قصيدة دعبل الخزاعي :
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ... ... ومنزل وحي مقفر العرصات
(1/5002)
على قبة المعراج والصخرة التي ... ... ... تفاخر ما في الأرض من صخرات
وروى شمس الدين سبط ابن الجوزي الحادثة بشكل مماثل فقال:
"وأشار الملك الناصر دواد بأن أجلس بجامع دمشق وأذكر ما جرى على بيت المقدس فما أمكنني مخالفته. فرأيت من جملة الديانة والحمية للإسلام موافقته. فجلست بجامع دمشق وحضر الناصر دواد على باب مشهد علي وكان يوما مشهودا لم يتخلف من أهل دمشق أحد. وكان من جملة الكلام : انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين يا وحشة المجاورين كم كانت لهم في تلك الأماكن من ركعة. ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت.
(1/5003)
أحسن الله عزاء المؤمنين. يا خجلة ملوك المسلمين لمثل هذه الحادثة، تسكي العبرات لمثلها وتنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات".
وفوجئ الكامل بوفد من مسلمي صقلية يشكو له ما فعله صديقه بهم. فقد قصده الحاج أحمد بن أبي القاسم المعروف بالرمان من مشايخ غلو من جبال صقلية. وذكر له أن الجزيرة كلها بيد الإمبراطور إلا الجبال التي اعتصم بها المسلمون. وقد غدر الإمبراطور بأصحاب الجبال الأحد عشر فنقل مائة وسبعين ألفا إلى البر الكبير "وأخرجهم من أوطانهم وأخذ أموالهم وقتل من الشطار مثلهم" وخلت هذه الجبال
(1/5004)
من المسلمين. وطلب الحاج أحمد من السلطان الكامل التوسع للسماح لهم بالهجرة إلى مصر أو غيرها بأمان. وتحدث كثيرا عن العذاب الذي أوقعه الإمبراطور بزعمائهم.
وقام بتحرير القدس ثانية ثم تسليمها مرة أخرى الملك الناصر داود. فقد
حاصر الناصر الفرنج في القدس عام 637/1239 وصابر حتى سلمت إليه بالأمان.
فهدم القلعة وبرج داود واستولى على القدس الشريف وطهره من الفرنج
ومضى من كان فيه إلى بلادهم. واتفق عند هذا الفتح وصول رسول الخليفة وصحبته جمال الدين بن مطروح. ونظم جمال الدين قصيدة في مدح الناصر داود ذكر فيها
(1/5005)
اشتراكه مع عمه صلاح الدين بلقب الناصر.
المسجد الأقصى له عادة ... ... سارت فصارت مثلا سائدا
إذا غدا بالكفر مستوطنا ... ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصر طهره أولا ... ... وناصر طهره أخرا
وما زلنا وأواخر القرن العشرين نأمل ببروز هذا الناصر إنه قادر على كل شيء ولكن ناصر الذي حرر القدس سلمها ثانية للإفرنج بدون قتال عام 641/1243. سلمها "على أن يكون الحرم بما فيه من المزارات لهم، وعلى تسليم طبرية وعسقلان وكوكب ... فيتسلم الإفرنج ذاك كله، وعمروا قلعتي طبرية وعسقلان وحصنوهما ... ودخل الفرنج القدس وتسلموا
(1/5006)
__________________
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-02-2014, 12:21 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,445
افتراضي

الصخرة المقدسة والأقصى وما في الحرم الشريف من مزارات". وعدهم الناصر صاحب الكرك والصالح صاحب دمشق والمنصور صاحب حمص بجزء من مصر عندما يتم التغلب على الملك الصالح نجم الدين. ولكن عسكر نجم الدين بمساعدة الخوارزميين هزم الفرنج ومن حالفهم "وأخدت الفرنج سيوف المسلمين فأفنوهم قتلا وسبيا ولم يفلت منهم إلا الشارد والنادر ... ووصل أسرى الفرنج راكبين الجمال والمقدمون على خيولهم" وأبى الخليفة المستعصم، آخر بني العباس في بغداد، أن يؤيد ملوك الأيوبيين في حلفهم مع الإفرنج. وروى المنصور صاحب حمص "أوقع الله في
(1/5007)
قبي أنا لا ننتصر لا نتصرانا بالكفار على المسلمين".
ووصف ابن واصل تسليم القدس للفرنج عندما مر بها في طريقه إلى مصر فقال"وسافرت في أواخر هذه السنة (651 - ربيع 1244) إلى الديار المصرية. ودخلت بيت المقدس ورأيت الرهبان والقسوس على الصخرة المقدسة وعليه قناني الخمر برسم القربان. ودخلت الجامع الأقصى وفيه جرس معلق. وأبطل بالحرم الشريف الآذان والإقامة وأعلن فيه الكفر. وقدم الملك الناصر داود القدس في ذلك اليوم الذي زرت فيه المقدس، ونزل عزيي القدس فلم أجتمع به خفية أن يصدني عن الوصول إلى الديار المصرية".
(1/5008)
وكان ابن واصل محبا مخلصا للناصر لولا هذا الحادث الرهيب. ولكن الاحتلال الجديد لم يدم أكثر من سنة. إذ اجتاح الخوارزميون القدس وذبحوا الفرنج عن بكرة أبيهم.
هكذا كان الحكام. قال المؤرخون عنهم "ولا يستغرب في حقهم أن يهدموا أساس الشريعة ليبنوا منارة رياستهم. فشراع أفئدتهم تلعب بها رياح الشهوات فتلقي سفينة قلوبهم على بحر القنوط من رحمة الله". وسيتبين أن ما فعله الملوك الأيوبيون في المشرق مماثل لما فعله السادة السعديون في المغرب عندما تخلوا عن مدينة العارئش.
(1/5009)
فقد أصدر السلطان المولى إسماعيل العلوي مرسوما غريبا موجها إلى أهل تمبكتو في مالي. وتمبكتو مدينة أسسها المرابطون بعد سنة من ضياع القدس الأول. أما المرسوم السلطاني فقد صدر بعد ذلك بستة قرون - في 22 ربيع أول 1103 الموافق الثالث عشر من كانون الأول 1691، وينص على منع "لبس السباط الأسود" ويأمر بلبس السباط الأصفر "ما قيل من أن الناس اتخدوا النعال السود منذ استولى النصارى على العرائش على يد المأمون السعدي" حدادا على المدينة. واستمر الحداد ثمانين عاما.
(1/5010)
وكانت العارئش مدينة خربة من 668/1269 - 910/1473، حينما استولى عليها البرتغاليون وعمروها. فأخرجهم المنصور السعدي عام 986/1578 بعد نصره في المخازن. وأقدم ابنه المأمون الشيخ على تسليمها للإسبان في 4 رمضان 1019/20 تشرين الثاني 1610، مثيرا بذلك فتنة وتساؤلات خطيرة. فقد أراد المأمون من الفقهاء أن يفتوا بأن فداء المسلمين لا سيما أولاد أمير المؤمنين من يد العدو الكافر يجيز إعطاء الكافر بلدا من بلاد المسلمين. ورفض الفقهاء بأشكال مختلفة إصدار الفتوى باستثناء محمد بن قاسم بن القاضي. واختفى إمام القرويين
(1/5011)
وخطيبها المفتي أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد المقري (1041/1631) صاحب "نفح الطيب" وهاجر إلى المشرق 28 رمضان 1027. ومات في مصر رجب 1041.
ورفض الشيخ أبو عبد الله بن الشيخ أبي الحسن على الحاج الأغصاوي من بلدة غصاوة، أن يفتي لأمير المؤنين بما أراد. وقال الشيخ الأغصاوي للسلطان "لو حمل أهل الغرب خراجا يدفعونه للنصارى في فكاك المأسورين لكان أهون". فخالفه السلطان بأنه لابد من بيع المدائن المذكورة. فصرح الأغصاوي بأن المأمون "تنقض بيعته بهذا السبب". فأنفذ السلطان إليه قوة أتت به وقتل صبرا وضربا
(1/5012)
وشهيدا "وقبره شهير بطالعة فاس يزار ويتبرك به". وفر عدد من العلماء إلى البادية واختفى آخرون.
وكان ممن أفتى يجواز تسليم العرائش، الفقيه محمد بن قاسم ابن القاضي واختفى بعد الحادثة خوفا ثم ظهر. وهجم عليه العامة في الجامع "عند العشاء يوم الإثنين 21 حجة 1140/ وقتلوه ضربا. نقموا عليه وحقدوا بسبب تعلقه "بأغراض فاسدة وأمور واهية لم يقبلها أحد".
وبدأ السلطان الشيخ المأمون بن المنصور جولة تعسفية في المناطق الشمالية. واستولى على تطاوين وأخرج منها "كبيرها المقدم المجاهد أبا العباس أحمد النقيس". ولم يزل يجول
(1/5013)
ويعسف أهلها إلى أن ملته القلوب وتمالا أشياخ على قتله لما رأوا من انحلال عقيدته ورقة ديانته وتمليكه ثغر الإسلام للكفار، ففقتك به المقدم أبو الليف في وسط محلته بموضع يعرف بفج الفرس وبقي صريعا مكشوف العورة أياما حتى خرج جماعة ... "فحملوه مع من قتل من أصحابه وبعض أولاده ودفونهم" ... خامس رجب سنة 1022.
وبقيت العرائش بيد الإسبان إلى أن تم تحريرها في عهد المولى إسماعيل العلوي. واستسلمت الحامية الإسبانية يوم الأربعاء الثامن عشر من المحرم سنة إحدى ومائة وألف. ونشر المولى إسماعيل بيانا وزعه على نطاق واسع
(1/5014)
للإعلان عن تحرير العرائش. وتلقى التهانى من كثيرين كان من أبرزهم أول شيخ للأزهر "الشيخ الكبير العالم الشهير الفقيه المشارك العلامة ملحق الأحفاد بالأجداد أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي من آل صباح الخير ..."، الذي أهدى السلطان شرحه على صغرى الشيخ السنوسي بعد الفراغ من تأليفه "يتحفه به ويهنئه بفتح العرائش ويذكر له فرحه بذلك - ويمدحه ...". وأجابه السلطان "بمكتوب بديع من إنشاء بعض أدباء دولته" اختتمه بقوله "وأنا أيها الماجد الدار والقطب الذي عليه بين أفاضل وقته المدار منذ ولانا الله تعالى أمور
(1/5015)
عباده وأقامنا فضلا منه لحياطة دينه وكلاء بلاده، لم نزل نجتهد في جمع الكلمة بحسب الإمكان ونجد في حسم مادة البغي بكل محل من هذه الآفاق الغريبة ونحتفل بطهارة أديم الأرض من ردى الشرك ونبتهل في استئصال شأفة أهل الضلالة".
يستنتج من كل هذا أن الرأي العام في المشرق والمغرب استنكر تسليم المدن.
ولكن طريقة الاستنكار كانت مختلفة. ففي المشرق بكى الناس وأذنوا في غير أوقات
الأذان وألقوا المواعظ دون أن يتهموا الحاكم بكفر أو بخيانة. قبلوا الأمر الواقع محتجين مستنكرين مطيعين. أما في المغرب فقد استنكر الناس
(1/5016)
وتحركوا بعنف. فقد أفتى
الفقهاء بإسقاط بيعة الحاكم المتخاذل مما اتاح لنا قمين أن يقتلوه بشكل مهين. ورفض المصلون غض الطرف عن فقيه أفتى بما يخالف آراء الناس وقتلوه في الجامع بعد عشر سنوات من جرمه، ولم يواجه قتل الفقيه في الجامع اعتراضا من الفقهاء ولا اعتراض أحد على قتل أمير المؤمنين ضربا بالصخور وتركه ملقى بالعراء. وأثنى الناس على عمل المولى إسماعيل وتحريره العرائش وطنجة وغيرها رغم اعتراضهم على كثير من تصرفاته الأخرى. والأغرب من ذلك أن مؤرخي المغاربة لم يسقطوا كلمة "رحمه الله" عن أي من المقتولين
(1/5017)
رغم عدم اعتراضهم على القتل. وحمل سلطان المغرب لقب إمام وأمير المؤمنين وأعلن لنفسه نسبا هاشميا حسنيا بينما لم يحمل السلطان المشرقي أيا من هذه الصفات. ومع ذلك أفتى المغاربة بجواز تجاهل الإمام إذا ما تقاعس عن القيام بواجباته وألزموا الناس بما تخلى عنه الإمام على أساس أن الأمة تقوم مقام الإمام. أما في المشرق فلم يصل التحدي إلى هذا المستوى ولم يبخلوا على الحاكم، مهما رأيهم فيه، بالولاء والطاعة والانقياد.
(1/5018)
والآن وقد ضاعت القدس للمرة الخامسة منذ تحريرها على يد عمر بن الخطاب، يترتب علينا أن نراجع حساباتنا ونقرر أسلوبا يضمن بقاء مبدأ تحرير القدس حيا في فكر العرب والمسلمين إلى أن يتم التحرير الفعلي. وقد وضع اليهود من قبل دعاء لتذكيرهم بالقدس التي لم تكن لهم. وابتدع العرب في المغرب أسلوبا لطيفا طريفا لتذكيرهم بالعرائش يصلح أن يكون نموذجا لمدينة لها وضع خاص في نفوس الجميع. وقد يكون ارتداء شعار مميز يذكر العرب والمسلمين بالقدس أمرا مفيدا. وأقترح صنع قطعة ذهبية أو فضية أو معدنية لا تصدأ، عليها صورة عرق
(1/5019)
زيتون وكلمة يا قدس، ويحمله كل عربي ومسلم.
(1/5020)
القدس؛ أسماؤها بين الحقائق التاريخية وتحديد الهوية العربية

... ... ... ... ... ... الدكتور أحمد محمود صابون
... ... ... كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
... ... ... ... ... جامعة أم القرى ـ مكة المكرمة

... تقع القدس على خط عرض 31° ـ 46° شمال خط الاستواء، وعلى خط طول 35° ـ 13° شرق جرينتش، وعلى مبعدة اثنين وعشرين كيلا إلى الغرب من البحر الميت، واثنين وخمسين كيلاً إلى الشرق من البحر المتوسط، وسبعة أكيال إلى الشمال الشرقي من بيت لحم(1)
__________
(1) عبد الحميد زايد، القدس الخالدة، القاهرة، 1974، ص. 13؛ وكذا:

M. F. Unger, Unger’s Bible Dictionary, Chicago, 1970, p. 576; Dictionary of
the Bible, Ed. by J. Hastings, 2nd. ed., Edinburgh, 1963, pp. 471-472.
(1/5021)
.
... وتقع القدس القديمة على تلين يمتدان جنوباً ليكونا شوكة ذات ثلاث شعب على رأس وادٍ صغير. والثلاث الشعب، التي تتحد عند الركن الجنوبي الشرقي للمدينة كونت حلقة من الانحدار تفصل المدينة عن التلال المجاورة من جميع الجهات فيما عدا الجانب الشمالي. وقد قسمت بعض الوديان الصغيرة التلين الرئيسَيْن إلى تلال صغرى؛ فالتل الغربي انقسم إلى: التل الجنوبي الغربي (جبل صهيون)، والتل الشمالي الغربي، وكما انقسم التل الشرقي إلى التل الشمالي الشرقي، ومنطقة وسطى، وتل جنوبي شرقي، وهذا الأخير (أوفيل) عبارة عن نتوء ضيق
(1/5022)
يبلغ اتساعه حوالي 100 ياردة (91 متراً)، وهو المكان الأصلي للمدينة القديمة. وبمرور الوقت، امتدت المدينة نحو الشمال ونحو الغرب(1).
... ارتبطت القدس بشعب فلسطين(2)
__________
(1) الموسوعة الأثرية العالمية، إشراف ليوناردو كوتريل، ترجمة د. محمد عبد القادر محمد، ود. زكي إسكندر، مراجعة د. عبد المنعم أبو بكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977، ص. 188.
(2) التعبير التوراتي »أرض كنعان« إنما يغطي كل فلسطين غرب الأردن. (انظر: إسحاق الحسيني، "أسماء فلسطين"، مجلة مجمع اللغة العربية، مؤتمر الدورة السابعة والثلاثين ـ القسم الثاني ـ البحوث، القاهرة، 1391 هـ/ 1976 م، ص ص. 9 ـ 19؛ وكذا محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم (8) إسرائيل، الكتاب الثاني، التاريخ، الإسكندرية، 1398 هـ/ 1978 م، ص ص. 514 ـ 522 وكذا:
A. Lods, Israel, From its Begining to the Middle of the Eighth Century, London,
1962,
p. 56; R. Giveon, « Palastina », LA, IV, sps, 642-644.
(1/5023)
منذ أقدم العصور. فقد سكن الإنسان في منطقتها مند عصور ما قبل التاريخ، وهناك آثار اكتشفت له فيها تعود إلى العصر البلستوسيني، وآثار العهد الباليوليتي. وقد استقر المناخ فيها وأصبح كما هو اليوم في العهد الميسوليثي. وهناك موقعان في المدينة يرتبط وجودهما بتلك الفترة. ويشار إلى ستة عشر موقعاً تعود إلى العهد النيوليتي، الذي لاشك في أن الإنسان قد مر فيه بمرحلة انتقال مهدت إلى إحداث ثورة اقتصادية هامة في حياته، والتي أدت إلى نقلته نحو إنشاء القرى الأولى والاستقرار فيها ومواصلة تقدمه الجديد في كافة
(1/5024)
المجالات المادية والفكرية، وبادئاً بذلك المرحلة الحاسمة، وهي مرحلة العصر الحجري الحديث(1)
__________
(1) رشيد الناضوري، المدخل في التحليل الموضوعي المقارن للتاريخ الحضاري والسياسي في جنوب غربي آسيا وشمال إفريقيا، الكتاب الأول، دار النهضة العربية، بيروت، 1968، ص. 117؛ وكذا أحمد صدقي الدجاني، »القدس وفلسطين في التاريخ«، مجلة الأكاديمية، العدد الثاني، المملكة المغربية، جمادى الأول 1405 هـ/ فبراير 1985 م، ص. 39؛ وكذا:
M.K. Kenyon, Archaeology in the Holy Land, London, 1965, pp. 41-43; M. Grant,

The History of Ancient Israel, New York, 1984, pp. 11-17; W. Bray and D. Trump,
The Penguin Dictionary of Archaeology, Penguin Reference Books, 2nd., 1984,
p. 125.
(1/5025)
.
... ظهرت القدس بصفتها مدينة في بدايات العصر البرونزي، حيث كان بناؤها، تقريباً، حوالي الألف الرابع قبل الميلاد (3300 ق. م) لتخدم غرضين: أحدهما دفاعيٌّ والآخر دينيٌّ(1).
... لقد تعددت أسماء مدينة القدس، حيث وردت في النصوص المصرية القديمة والآشورية والكتابات اليهودية والمسيحية، وأيضاً كتابات المؤرخين الإغريق والرومان
__________
(1) محمود العابدي، »الحفريات حول العالم«، حولية دائرة الآثار العامة، السابع عشر، عمان 1972، ص. 23؛ وكذا:
Dictionary of the Bible, pp. 472-473; M. Grant, op. cit., pp. 19, 58.
(1/5026)
والمسلمين.
...
أولاً: النصوص المصرية القديمة
... 1 ـ أوش ـ أمم 3
W ? 3 m m
... لقد ورد هذا الاسم في بعض النصوص المصرية بأشكال ثلاثة لكتابة هذا الاسم: ورد ذكر اسم المدينة في نصوص اللعنة(1)
__________
(1) عُرفت بين علماء المصريات باسمي
Execration ****s و ****es d’envoutement ؛ وكتبت بالخط الهيراطيقي على أواني من الفخار وتماثيل من الطين لأسرى موثوقين، وكانت تكسر هذه الأشياء وتدفن بجوار الميت في طيبة وسقارة، وهي عبارة عن قوائم بأسماء أشخاص، وأشياء أخرى كان ينظر إليها على أنها ربما تضر المتوفّى ومليكه، وتضم إلى جانب مختلف الأضرار العامة، أسماء المتوفين من المصريين، التي كانت أرواحهم الشريرة الخالدة، ربما تسبب ضرراً، وكذلك أسماء كثير من الأمراء الأجانب، والناس الذين لم يوضعوا تحت الرقابة، يحتمل أن يشكلوا تهديداً لأمن مصر وتقدمها. (انظر: عبد الحميد زايد، مصر الخالدة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1966، ص. 388؛ وكذا: عبد الحميد زايد، القدس الخالدة، ص, 41؛ وكذا: (W. A. Ward, « Egypt and the East Mediterranean in the Early Second Millennium B. C. », Orientalla, Vol. 30, Roma, 1961, p. 32).
(1/5027)
، والتي ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر قبل الميلاد، أي إلى نهايات الدولة الوسطى، حوالي 1850 ق. م ـ 1800 ق. م(1)، وذلك ضمن ما ورد من الأقاليم المراد تدميرها(2)
__________
(1) هناك من يرى أن هذا النص إنما يرجع إلى أيام سنوسرت الثالث (1878 ـ 1843 ق, م) من الأسرة الثانية عشر أو بعده بقليل وربما قبله بقليل. (انظر:
J. A. Wilson, « Egyptian Rituals and Incantations-The Execration of Asiatic Princes », ANET, p. 328, n. I).
(2)
G. Posener, « Achtungs****e », LAI, SP, 69. ؛ وانظر: عصام محمد السعيد، نصوص التدمير والهلاك لأعداء مصر. دراسة لغوية ـ أثرية ـ تاريخية، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 1993، ص ص. 202 ـ 203.
(1/5028)
على أواني برلين مرتين بالصيغة المعتادة، التي تذكر اسم المدينة وحاكمها وكل التابعين له، كما يلي:

أ: ... ... ... ... ... ... ... ... ... (1)
__________
(1)
K. Sethe, Die Achtung Feindlicher Fursten, Volker, und Dinge auf Alt,
Agyptischen tong Fassacher ben des Mittleren Reiches, Berlin, 1926, p. 53;
J. H. Breasted, Ancient Record of Egypt, Vol. 4, Chicago, 1927, par. 724 A;
W. Helck, Die Beziehungen Agyptens zu Vorderasiem in 3. und 2. Jahrtausend v.

Chr., AA5, 1962 (2nd ed., 1971, s.s. 48, 58; J. A. Wilson, op. cit., p. 329;
S. Ahituv, Canaanite Toponyms in Ancient Egyptian ********s, Jerusalem,
p. 122.
(1/5029)
... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ...
H K 3 n 3 W? 3 mm Iy - K 3 - mw skryw ntyw hnc .f
»حكام أوشامم، "إي ـ قاع ـ مو"، وكل توابعه الذين كانوا معه،..«
ب: 3
W - ? 3m m ... ... ... ... ... (1)

جـ: أو بزيادة حرف الياء 4:
(2) ... ... ... ... ... ... 3
W? 3m m i ... ...
... إن الاسم أوش ـ أمم، هو بالنطق المصري القديم للمدينة، بينما يرى البعض أن الاسم ينطق يورشاليم(3)
__________
(1)
S. Ahituv, Canaanite Toponyms in Ancient Egyptian ********s, Jerusalem,
1984,
p. 122.
(2)
Ibid.
(3) إسحق موسى الحسيني، عروبة بيت المقدس، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1969، ص. 30؛ وكذا:
Lexicon in Vetris Testamenti Libros, Leiden, 1951, p. 403; .
(1/5030)
، حيث يرى كَوتييه ((Gauthier(1) أن »شالم« التي وردت في سجلات رعمسيس الثاني في معبد الرمسيوم، تعني القدس. وإن كان Ahituv(2) وHelck(3) لم يطابقاها بالقدس، وإن أقرَّا أنها تعني بالعبرية Salam، أي »سلام«، ولكنهما لم يستطيعا تحديد ومعرفة هذه المدينة.

... 2 ـ يوروسالم ((
Urusalim
__________
(1)
H. Gauthier, Dictionnaire des noms géographiques, V, Caire, 1929, p. 104.
(2)
Ahituv, op. cit., p. 122.
(3)
Heleck, op. cit., pp. 208-209.
(1/5031)
... ورد ذكر هذا الاسم في رسائل العمارنة(1)، حيث في بعضها كتب عبدى خيبا(2) في رسائله أن مدينة
__________
(1) انظر عن رسائل العمارنة وعصرها: محمد بيومي مهران، أخناتون، الإسكندرية، 1979، ص ص. 233 ـ 245؛ وكذا:
S. A. B. Mercer, The Tell El-Amarna Tablets, 2 vols., Toronto, 1939;
W. F. Albright, « Akkadian Letters-The Amarna Letters », ANET, pp. 487-
489;
J. Kemp Barry, « Tell El-Amarna », La, VI, sps. 309-319; W. Helck,
«
Amarna-Brief », LA, I, sps. 173-174.
(2)
W. Helck, « Abdi-Hepa », LA, I, sps. 2-3.
(1/5032)
القدس كانت باسم يوروسالم ((Urusalim(1)، إلى الفرعون إخناتون (1367 ـ 1350 ق. م) من ملوك الأسرة الثامنة عشرة، ومنها على سبيل المثال (وإن كانت أسطر رسائل العمارنة باللغة الأكدية، لغة المراسلات الدبلوماسية آنذاك)(2): »تأمل! لم يضعني والدي ووالدتي في هذا المكان، بل لقد أقامني في هذا البيت ملك والدي (أي
__________
(1) -
S. A. B. Mercer, op. cit., II, 711-721; W. F. Albright, « Akkadian Letters The Amarna Letters-EANOS. 286-290 », ANET, pp. 487-489.
(2)
Cf. C. Aldred, Akhenaten, Great Britain, 1972, p. 142.
(1/5033)
نصبني في الإمارة) ساعد الملك« (1).

ثانياً: النصوص الآشورية
... ورد اسم المدينة في النصوص الآشورية باسم: أوروسليمو (أورشاليمو)
Ur-Sa-Li-im-mu

... جاء في حوليات الملك الآشوري سنحريب (705 ـ 681 ق. م) في حملته الثالثة على سورية وفلسطين وحصاره لمدينة القدس:

... المواطنون (العامة) الذين أذنبوا في جرائم غير خطيرة، اعتبرتهم أسرى حرب. أما البقية منهم، والذين لم يتهموا في الجرائم وسوء السلوك، أعتقهم. جعلت
__________
(1) أحمد فخري، مصر الفرعونية، القاهرة، 1971، ص. 235؛ وكذا:
S. A. B. Mercer, op. cit., 286-289.
(1/5034)
"بادئ"، مليكهم يأتي من أورساليمو Ur-Sa-Lim-mu (أورشليم) ونصبتهم كأسيادهم على العرش، فارضاً عليه جزية (واجبة الأداء) لي (كـ) سيد أعلى(1)
__________
(1) عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم، الجزء الأول، مصر والعراق، الطبعة الثالثة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1979، ج 1، ص. 525؛ وكذا:
D. D. Luckenbiolle, Ancient Records of Assyria and Babylonia (Sennacherib; The
Historical ****s) , Vol. II, Chicago, 1927, Chap. V, Paris, 240, 312, pp. 120-143;

A. Leo Oppenheim, « Babylonian and Assyrian Historical ****s-8-Sennacherib
(681-704) (
a) The Siege of Jerusalem », ANET, p. 288; M. F. Unger, op. cit., p. 576.
(1/5035)
.

... إن ورود الاسم ـ بحرف السين حيناً، وبحرف الشين حيناً آخر ـ مألوف في اللغات السامية، فهذان الصوتان يتبادلان، ولهما أمثلة كثيرة أقربها سلام وشلوم وسم وشم في العربية والعبرية.

ثالثاً: الكتابات اليهودية:
... 1 ـ شاليم (
Shulman) Shalem
... جاء ذكر هذا الاسم للمدينة، بمناسبة قدوم إبراهيم(1)
__________
(1) انظر دراسة تاريخيّة تفصيلية عن إبراهيم عليه السلام: محمد بيومي مهران، دراسات تاريخية من القرآن الكريم (1) في بلاد العرب، (5) لجنة البحوث والتأليف والترجمة والنشر، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1400 هـ/ 1980 م، ص ص. 113 ـ 138,
(1/5036)
(أبرام)، عليه السلام، إلى أر ض كنعان، منتصراً على أعدائه. إذ خرج الملوك لاستقباله، ومنهم: »ملكي صادق(1)
__________
(1) اسم ملكي صادق مكون في اللغة الفينيقية من مقطعين: "ملك" و"صادق" أو "عظيم" و"مقدس". وقد بقي اسم صادق في تاريخ أورشليم. ففي أيام داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ نجد طائفة من الكهنة تحمل اسمه وتسمى طائفة الصدوقيين، وهم مميزون عن اللاويين. كما أن اسم »ملكي صادق« كان يشكل جزءاً من اسم حكام أورشليم من الكهنة، مما يدل على أهمية المدينة الدينية قبل العهد اليهودي، لأن عَجُزَ الكلمة يعني الصدق والصلاح والاستقامة. (انظر: عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص. 40؛ وكذا: محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم (8) إسرائيل، الكتاب الثاني، التاريخ، ص. 836 (1)).
(1/5037)
، ملك شاليم أخرج خبزاً وخمراً. وكان كاهناً لله العلي«(1).
... 2 ـ أورشليم(2)
... »فلما سمع أدوني صادق(3)
__________
(1) سفر التكوين، 18: 14؛ وكذا:
Josephus, p. 151; S. Yeivin, « The Sepulchers
of the Kings of the House of David », JNES, 7, 1948, p. 40; H. Cattan,
Jerusalem, London, 1981, p. 19.

(2) انظر عنها:
Ebach, « Jerusalem », LA, III, SPS. 267-268 . J
(3) أدوني صادق: اسم كنعاني، ومعناه « سيد البر » أو « سيد العدل ». وكان ملكاً على أورشليم قبل أن يفتتحها داود عليه السلام. (انظر: قاموس الكتاب المقدّس، ج 1، ص. 41).
(1/5038)
ملك أورشليم أن يشوع(1) قد أخذ عاي وحرَّمها« (2)
__________
(1) يكاد ينعقد الإجماع الإسرائيلي حول يشوع بن نون، على أنه واحد من كبار أنبياء بني إسرائيل، ويضعونه في الأهمية والترتيب، كما هو في الأسفار، بعد موسى عليه السلام، وخليفة له. (انظر:
... صابر عبد الرحمن طعيمة، التراث الإسرائيلي في العهد القديم وموقف القرآن الكريم منه، بيروت، دار الجيل، 1399 هـ/ 1979 م، ص ص. 43 ـ 44، ص ص. 486 ـ 4910؛ وكذا: محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص ص. 201 ـ 202؛ وكذا:
Grant, op. cit., p. 490 . (M.
(2) سفر يسوع، 10: 1، 3، 5.
(1/5039)
.
... يذكر "قاموس الكتاب المقدس" أن أرض هذه المدينة، في بدايتها، صحراوية بين أودية وتلال، وأن ملكي صادق نزل بأرضها وسكن كهفاً من جبالها للعبادة، واشتهر أمره فجاءه ملوك الأرض، الذين بالقرب من أرض المدينة وعدتهم اثنا عشر ملكاً، فسمعوا كلامه وأحبوه، وأعطوه مالاً يعمر به المدينة، حيث اختطها وعمرها. ولما انتهى من ذلك، عينه الملوك ملكاً عليهم وسموه أبا الملوك، وأنه سماها باسم روشلم، بمعنى بيت السلام(1).
__________
(1) قاموس الكتاب المقدس، ج 2، ص. 922.
(1/5040)
... يقول مجير الدين الحنبلي(1):

... إن سفينة نوح(2) سارت حتى بلغت بيت المقدس. وقالت: يا نوح! هذا موضع بيت المقدس الذي يسكنه الأنبياء من
__________
(1) مجير الدين الحنبلي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، الجزء الأول، القاهرة، 1283 هـ، صص. 6 ـ 9؛ وكذا: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت الحمويّ، معجم البلدان، الجزء الأول، بيروت، 1986، ص. 25.
(2) انظر: محمد بيومي مهران، »قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة«، مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، العدد السادس، الرياض، 1396 هـ/ 1976 م، ص ص. 383 ـ 457.
(1/5041)
أولائك. وقوله: إن سام بن نوح هو أول من بناها، وكان ملكاً عليها، وكان يلقب (ملكيا صادق) وأنه سماها بروشلم بمعنى بيت السلام.

... إن ما سبق يحتاج إلى تصحيح. فملكي صادق، ليس هو سام بن نوح. كما أن بناة المدينة هم الكنعانيون الساميون العرب. ثم إن بروشلم ليس معناها بيت السلام(1).
... وتشير "التوراة" إلى مقاومة أهل المدينة الكنعانية أورشليم، حين حاربهم بنو إسرائيل: »وحارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوها بحد السيف وأشعلوا المدينة بالنار«(2)
__________
(1) مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، بيروت، 1975، ص. 25.
(2) سفر القضاة، 1: 8.
(1/5042)
.
... يزعم المؤرخ اليهودي يوسف بن متى في مجادلاته "ضد أيبون"(1)، أنه يروي طبقاً لما جاء في تاريخ مانيتو(2):

... قام ملوك طيبة وسائر مصر(3)
__________
(1) «
Against Apion », I, pp. 74-90. English Transalation by H. St. J. Thackery, London, 1926.
(2) انظر عن مانيتو: محمد بيومي مهران، مصر، الكتاب الأول، الإسكندرية، 1982، ص ص. 52 ـ 55.
(3) حرب التحرير التي قام بها ملوك الأسرة السابعة عشر في طيبة. (انظر: محمد بيومي مهران، مصر، الجزء الثاني، الإسكندرية، 1409 هـ/ 1988 م، صص. 467 ــ 476؛ وكذا: أحمد محمود صابون، دراسة تاريخية للإقليم الثالث (نخن ـ نخب) ودوره السياسي والحضاري حتى بداية الدولة الحديثة، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 1404 هـ/ 1984 م، صص. 122 ـ 137).
(1/5043)
بثورة ضد الرعاة(1)
__________
(1) الرعاة المقصود بهم الهكسوس الذين حكموا مصر فترة الانتقال الثاني في مصر القديمة. ولقد اختلف الباحثون في تفسير اسم الهكسوس، فذهب رأي إلى أنه بمعنى ملوك الرعاة، لأن »هيك« تعني في اللغة المقدسة »ملك«، و»سوس« تعني في اللغة الدارجة »راع«. وذهب رأي آخر إلى أنه بمعنى الملوك الأسرى، لأن كلمة »هيك« المصرية تعني »أسير«. وأرجح الآراء أن كلمة »هكسوس« مشتقة من اصطلاح »حقا ـ خست«، وتجمع »حقاو ـ خسوت« بمعنى »رئيس البلد الأجنبية الجبلية«، كما أنها تشير إلى الحكام وحدهم، وليس إلى الجنس كله. (انظر: محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 455 (7)؛ وكذا:
T. Save - Soderbergh, « The Hyksos Rule in Egypt », JEA, 37, 1951, pp. 59 ff; D. Alt, Die Herkunft der Hyksos in Newer Sicht, Munchen, 1961, p. 15; J. Von Seters, The Hyksos. A New Investigation, New Haven and London, 1966, pp. 87 ff; D. B. Redford, « The Hyksos Invasion in History and Iradition », Orientalia, 39, 1970, pp. 1 ff; W. Helck, Die Beziehungen Aegyptens zu Vorderaslen im 3. und 2. Jahrestausend V. Chr., 2nd ed. 1971, pp. 89 ff; Manfred Bietak, « Hyksos », LA, III, sps. 93-103).
(1/5044)
، واندلعت نار حرب عظمى طالت مدتها، بواسطة ملك يدعى مسفراجموثيس ((Misphragmuthosis هزم الرعاة وطردوا من مصر كلها، وحاصرهم في مكان يدعى أواريس، مساحتها عشرة آلاف أرورة. وطبقاً لمانيتو، كان الرعاة قد أحاطوا كل هذه المساحة بجدران عظيمة مبنية حماية لكل متاعهم وغنائمهم. توموسيس (Thummosis)، ابن مسفراجموثيس حصاراً (مستمراً)، محاولاً محاصرة الجدران بجيش يبلغ 480.000 رجل، وحاول أن يجعلهم يستسلمون بالحصار. ولكنه لما يئس من بلوغ غرضه، عقد معهم معاهدة تقضي بأن يخلوا كل أرض مصر، وأن يذهبوا حيث شاءوا دون أن
(1/5045)
يضيق عليهم. وبمقتضى هذه الشروط، غادر مصر لا يقل عن 240.000 من الأسرى، ومخترقين الصحراء إلى سورية. ولما كان الرعب قد أخذ منهم كل مأخذ خوفاً من بطش الآشوريين، الذين كانوا في خلال هذه الفترة أصحاب السيادة في آسيا، فإنهم أقاموا مدينة في الأرض، التي تسمى يوديا (Judaea) صالحة لإيواء الآلاف من الناس، وقد أطلقوا عليها اسم أورشليم(1).
__________
(1)
Manetho, with an English Translation by W. G. Waddell, London, 1971, pp. 87-89.
(1/5046)
... ويذكر سليم حسن بأنه يجب أن نشك ـ في الحال ـ في قوة أشور في تلك الفترة من التاريخ(1)، كما نتشكك في مساحة مدينة أواريس وفي عدد الرجال، الذين كانوا فيها وقتئذ. يضاف إلى ذلك أنه ليس من المعقول أن الهكسوس بعد طردهم ـ وهذا ثابت من مقبرة أحمس بن إبانا(2) ـ بأن هناك ما يشير إلى أن القتال حول أواريس كان عنيفاً، وربما دام عدة سنوات، حتى تم إخضاعها. على
__________
(1) انظر عن الفترات التاريخية لعصور آشور: عبد العزيز صالح، المرجع السابق، ص ص. 494 ـ 530.
(2) انظر: أحمد محمود صابون، المرجع السابق، ص ص. 123 ـ 130.
(1/5047)
أن يوسف بن متى اليهودي إنما يزعم ـ نقلاً عن مانيتو ـ أن الهكسوس قد عقدوا معاهدة مع أحمس الأول، على أن يخرجوا بأمتعتهم وقواتهم (240 ألف) دون أن ينالهم أي أذى؛ وإن كذبت الأحداث التاريخية هذه الرواية.
... ويضيف يوسف بن متى ـ في زعمه ـ أن هؤلاء الرعاة (الهكسوس) بعد طردهم من مصر، قد استوطنوا بلدة جديدة هي أورشليم؛ ولكن لا يخفى ما لهذه الحقيقة من قيمة في نظر يوسف بن متى هذا اليهودي.
... إن النطق العبري هو يروشاليم. ويبدو أن اليهود حرفوا الاسم أو حولوه إلى العبرية، حتى يتوهم الناس أن المدينة عبرانية
(1/5048)
الأصل(1). وقد تكون اللاحقة »يم« (Yim) للتثنية، كقولهم مصرايم ـ أي المدينتان ـ في العبرية، وقد تكون للمكان أيضاً. ويبدو أن هذه العبرنة لم توجد عند جميع اليهود. فكعب الأحبار، مثلاً، يسميها »أوري شَلَمَ« في حديثه عنها إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حسب رواية ابن جرير الطبري(2). ويذكر الزركشي أن اسمها أورشليم حسب رواية أبي عبيدة
__________
(1)
Yeivin, G. E., Op. cit., p. 40.
(2) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك المعروف بتاريخ الطبري، الجزء الرابع، القاهرة، دار المعارف، 1969، ص. 161.
(1/5049)
معمر بن المثنى، كما أنشد للأعشى:

وقد طغت للمال آفاقه عمان فحمص فأورشلم(1)

... لا نجد في أيّ من الروايتين ذكراً للاحقة »يم« العبرية، لكي تصبح عبرية النطق. ويدعم هذا الرأي أن النطق اليوناني القديم هيروسوليما ـ كما سيأتي بعد ـ وما تبعه في اللغات الأوروبية (
Jerusalem) يخلو من هذه اللاحقة. إن اللاحقة »يم« اختارها رجال المازورة، الذين أثبتوا نص العهد القديم في ما بين القرن السادس والعاشر الميلادي. والاسم الكنعاني
__________
(1) محمد بن عبد الله الزركشي، إعلام الساجد بأحكام المساجد، القاهرة، 1385 هـ، ص. 278.
(1/5050)
قديم، والمدينة كنعانية قديمة. وبداية الاسم بالياء بالعبرية مطابق للنطق الكنعاني، وبدايته بالهمزة على وفق النطق الآشوري والسرياني والعربي(1).
... أما معنى أورشليم، فمختلف فيه. وأرجح الآراء من الناحية العلمية أنها مركبة من »أور« بمعنى مدينة، ومن »شالم«، الذي هو معبود وثني لسكان فلسطين الأصليين. وهو معبود السلام. ومن ثم، فإن المدينة إذن كانت مكرسة لمعبود السلام، حتى وصل العبرانيون(2)
__________
(1)
Encyclopedia Biblica, II, London, 1899, p. 2407.
(2) حسن ظاظا، مدينة الله أم مدينة داود؟، الإسكندرية، 1970، ص. 9.
(1/5051)
.
... وهناك من يقول إن كلمة »أور« معناها »الميراث«، فتكون أورشليم بمعنى »ميراث السلام«، وإن أحبار اليهود يدعون أن سام بن نوح قد سماها »شلم«، أي السلام. وإن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد سماها »يرأة«، وهو بمعنى »الخوف« باللغة العبرية، فقرر الرب أن يسميها بالاسمين جميعاً »يرأة ـ شلم«، أي أورشليم؛ بمعنى الخوف والسلام، وبنوا على هذه التخريجات الفولكلورية عقائد رهيبة حول السلام المتوالد عن الرعب، وقيل أيضاً إن »يرو« يمكن أن تكون في اللغات السامية بمعنى »معبود«، ويكون اسم المدينة بكل بساطة »معبود
(1/5052)
السلام« (1). غير أن هناك رأياً آخر يذهب إلى أن معناها »مدينة السلام«، غير دقيق؛ لا مِنْ ناحية الاشتقاق ولا من الناحية التاريخية(2). كما أن هناك من يضيف أنه من الواضح أن الاسم ليس اسماً دينياً، وإنما هو اسم دنيوي، أطلقه أحد الملوك اليبوسيين، فأخذه
__________
(1) حسن ظاظا، المرجع السابق، ص. 9؛ وكذا: محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم (8) إسرائيل، الكتاب الثاني، التاريخ، ص. 822.
(2) فيليب حتى، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الأول، ترجمة جورج حداد وعبد الكريم رافق، بيروت، 1958، ص. 72.
(1/5053)
اليهود وحشروه في "توراتـ"ـهم المحرفة(1).

... 3 ـ يبوس
... لقد جاء اسم يبوس (
Yapus) أو مدينة اليبوسيين(2) في "العهد القديم": »ذهب داود وكل إسرائيل إلى أورشليم أي يبوس. وهناك اليبوسيون سكان الأرض. وقال سكان يبوس لداود: لا تدخل إلى هنا« (3).
__________
(1) المزامير، 128: 6، 187: 2؛ وكذا: شفيق جاسر أحمد محمود، تاريخ القدس، عمان، 1404 هـ/ 1984 م، ص. 17.
(2)
Dictionary of the Bible, pp. 461-472.
(3) صموئيل الثاني 5: 6؛ أخبار الأيام الأول، 11: 4 ـ 5؛ القضاة 19: 1، 11.
(1/5054)
... هكذا، لقد ظلت مدينة القدس تعرف بتلك الأسماء السابقة في مصر ومناطق الشرق الأدنى القديم. غير أن اليبوسيين سكنوا هذه المدينة، وهم أحد الشعوب السبعة، التي تزعم التقاليد العبرية في سفر التثنية أن رب إسرائيل قد أعطى أرضهم لشعبه إسرائيل، وأنهم ـ في رأي "التوراة" ـ من سكان الجبال.
... اليبوسيون هم قبيلة كنعانية على رأي(1)، بل هم بطن من بطون العرب الأوائل، نشأوا في صميم شبه الجزيرة العربية، وترعرعوا في أرجائها، واستوطنوا
__________
(1) قاموس الكتاب المقدس، ج 2، ص. 1053؛ وكذا:
M. F. Unger, op. cit., p. 557.
(1/5055)
ديارها، وكان ذلك حوالي عام 3000 ق. م، ثم نزحوا منها مع من نزح من القبائل الكنعانية(1).
... غير أن هناك من يرى أن اليبوسيين ليسوا ساميين، اعتماداً على أن الاسم »يبوس« غير سامي. بل لقد ذهب صاحب هذا الرأي إلى أن الجزء الأكبر من سكان فلسطين ـ فيما قبل العهد الإسرائيلي ـ غير سامي، وإنما هو من القبائل الحورية(2). وبديهي أن تلك مبالغة غير مقبولة(3)
__________
(1) عبد الحميد السايح، بيت المقدس، القاهرة، 1969، ص. 49؛ وكذا حسن ظاظا، الساميون ولغاتهم، الإسكندرية، 1970، ص. 24.
(2)
S. Yeivins, op. cit., p. 41.
(3) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص ص. 562 ـ 563.
(1/5056)
، والأمر كذلك في ما ذهب إليه آخر من أن اليبوسيين قوم من أصل حبشي(1).
... لقد استقل اليبوسيون بمدينتهم، بعد فترة الضعف التي انتابت الإمبراطورية المصرية في أخريات عصر الدولة الحديثة في آسيا، أي في سوريا وفلسطين. ومن ذلك يتضح أن المدينة كانت غريبة عن اليهود، بل وفي أيدي أصحابها اليبوسيين(2). ذلك لأن يشوع لم يستطع الاستيلاء عليها والانتصار على ملكها
__________
(1)
S. Abramsky, Ancient Town in Israel, Jerusalem, 1963, p. 122.
(2)
Josephus, p. 150; Dictionary of the Bible, p. 461; M. Grant, op. cit., p. 19.
(1/5057)
أدوني صادق. ومن ثم لم يقدر بنو يهوذا على طردهم منها، بل نجدهم يسكنون مدينة يبوس مع اليبوسيين.
... ويذكر "العهد القديم": »وأمّا اليبوسيون الساكنون في أورشليم، فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم. فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم«(1).
... »وصعد التخم في وادي ابن هِنُّوم إلى جانب اليبوس من الجنوب« (2).
__________
(1) صموئيل الثاني 5: 6، أخبار الأيام الأول 11: 4 ـ 5؛ القضاة 19: 10، 11.
(2) سفر يشوع 15: 8، 63.
(1/5058)
... ومن هذا يتضح أن داود ـ عليه السلام ـ وبني يهوذا حاولوا الاستيلاء على المدينة وانتزاعها من أيدي اليبوسيين. وقد اتفق شراح "العهد القديم" على أن أورشليم كانت في أيدي اليبوسيّين في حوالي خمسين ومائتي سنة ما بين يشوع وداود(1)
__________
(1) هناك اتجاهات مختلفة لفترة حكم داود عليه السلام، فهي في الفترة 1010 ـ 955 ق. م أو (1004 ـ 963 ق. م أو1000 ـ 960 ق. م أو 975 ـ 963 ق. م أو 1012 ـ 972 ق, م. (انظر: فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الأول، ترجمة جورج حداد وعبد الكريم رافق، بيروت، 1958، ص. 203؛ وكذا: محمد بيومي مهران، مصر والشرق الأدنى القديم، بلاد الشام، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1410 هـ/ 1990 م، صص. 249 ـ 255).
(1/5059)
عليه السلام(1).
... وذلك ما يُبيِّنه "العهد القديم" جلياً: »وبنو بنيامين(2) لم يطردوا اليبوسيين سكان أورشليم، فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين في أورشليم إلى هذا اليوم« (3).
... ومن ثم، فإنه لم يكن بنو بنيامين، أي اليهود، قادرين على طرد اليبوسيين، كما فهم ذلك صراحة من نصوص
__________
(1) عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص ص. 44 ـ 45.
(2) حينما قسمت كنعان بين الأسباط الاثني عشر، كانت أورشليم تقع ضمن سبط بنيامين، ويفصلها عن يهوذا واد ضيق. (انظر: عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص. 44).
(3) سفر القضاة 1: 21.
(1/5060)
"العهد القديم".
... كما تذكر "الموسوعة اليهودية" أن مدينة أورشليم كانت تدعى »المدينة الأجنبية«، وأنها لا تخص الإسرائيليين، وأن اليبوسيين كانوا يعيشون فيها لسنوات كثيرة مع بني بنيامين(1).
... ويؤكد "العهد القديم" أجنبية هذه المدينة حين يذكر قول رجل إسرائيلي وامرأته وغلامه، كانوا على سفر فأدركهم الليل: »وفيما هم عند يبوس، والنهار قد انحدر جداً، قال الغلام لسيده: تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها. فقال له سيده: لا نميل إلى مدينة غريبة، حيث ليس أحد
__________
(1)
Jewish Encyclopedia, VII, p. 120.
(1/5061)
من بني إسرائيل هنا«(1).
... ومن ثم يتضح في هذا النص أنها مدينة غريبة على بني إسرائيل، إذ لا توجد سكنى لأي من بني إسرائيل فيها.
... هناك من يرى أن اسم مدينة يبوس أطلقه عليها يشوع بن نون، عندما أغار على أرض كنعان(2). ويبوس اسم لزعيم القبيلة الكنعانية السامية العربية، التي استقرت في أرض فلسطين منذ فجر تاريخها(3)
__________
(1) سفر القضاة 19، 11 ـ 12.
(2)
J. H. Hayes and M. J. Muller (ed), Israelit and Judaic History, 2 nd, Bungay,
Suffolk, 1984, pp. 238-350.
(3) شفيق جاسر أحمد محمود، المرجع السابق، ص, 18.
(1/5062)
. ويبدو أن اسم يبوس، الذي سُمي اليبوسيون باسمه(1)، هو أحد أولاد كنعان، »وكنعان وَلَدَ صيدون بكرة وحِثَّا واليبوس... «(2)، وأن حفائر هذه المدينة الكنعانية تعود إلى حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وأحيطت بالأسوار مما زاد في منعتها(3)
__________
(1)
G. E. Yeivin, op. cit., p. 41.
(2) سفر التكوين 10: 15 ـ 16.
(3) المعتقد أن السور اليبوسي الذي حال دون وقوع المدينة في أيدي بني إسرائيل. ولهذا فقد اعتقد البعض أن المدينة اليبوسية كانت شرقي أسوار الحرم، وليس على جبل المريا. (انظر: محمود العبادي، قدسنا، القاهرة، 1973، صص. 169 ـ 170؛ وكذا مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، ص ص. 22 ـ 23؛ وكذا:
Crown Prince Hassan bin Talal, A Study on Jerusalem, Amonan, 1974, p. 79; M. Kenyon Kath Leen, Digging up Jerusalem (Emest Benn, London, 1974), p. 79; M. A. Aamir, Jerusalem, Arab Origin and Heritage, London, 1978, p. 1; Jerusalem, The Key to World Peace, ed. by Islamic Council of Europe, London, 1980, p. 123; H. Cattan, op. cit., p. 19).
(1/5063)
. بل هناك من يرى أنها أسست حوالي ما بين 1800 ق. م و1550 ق. م، وأن هذه المدينة كانت من المدن العديدة المحمية بوسط فلسطين(1)، وأنها كانت مدينة ذات حضارة، حيث اشتملت على منازل كبيرة بها الكثير من أسباب الراحة، وكانت بها حكومة وصناعة وتجارة(2).

... 4 ـ صهيون
__________
(1)
R. Vaux, Histoire ancienne d’Israel (Gabaldu), Paris, 1971, p. 72; H. Cattan,
op. cit., p. 19.
(2) سيد فراج راشد، القدس، عربية إسلامية، الرياض، دار المريخ للنشر، 1406 هـ/ 1986 م، ص. 56؛ وكذا: شفيق جاسر أحمد محمود، المرجع السابق، ص. 18.
(1/5064)
... ورد هذا الاسم، في "العهد القديم"، بمسمى »صهيون« (1) (Zion)، وهو اسم جبل يشرف على المدينة(2)، جاء ذكره للمرة الأولى في "العهد القديم" موقعاً لحصن يبوسي الذي استولى عليه داود عليه
__________
(1) سفر صموئيل الثاني 5: 6 ـ 10، سفر أخبار الأيام الأول 11: 5.
(2) أما عن جبل صهيون، الذي جاء ذكره في "العهد القديم"، فهو غير ذلك الذي يعرف الآن. إن حقيقة الجبل الأصلي هي أنه يقع إلى الشرق من الحالي والمسمى بهذا الاسم. (انظر: عبد الحميد زايد، المرجع السابق، صص. 56 ـ 75؛ وكذا:
G. E. Yeivin, op. cit., p. 40 ).
(1/5065)
السلام(1)، حين انتزع المدينة من اليبوسيين(2).
... يبدو أن اسم حصن »صهيون« مسمى من اسم جبل صهيون، وهو جبل معروف بهذا الاسم قبل استيلاء داود ـ عليه السلام ـ وظلت بعده(3). وكانت عليه قلعة أمامية لليبوسيين يدافعون منها عن المدينة. وكانوا يسمون جبل صهيون
__________
(1) انظر محمد بيومي مهران، »داود عليه السلام والفلسطينيّون«، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم (8) إسرائيل، الكتاب الثاني، التاريخ، صص. 710 ـ 713.
(2)
Interpreter’s Dictionary of the Bible, Vol. II, p. 807.
(3)
G. E. Yeivins, op. cit., p. 41.
(1/5066)
بكل منشآته »المدينة الفوقانية«؛ أما اسم »المدينة التحتانية«، فقد أطلقوه على هضبة الحرم(1).
... وتُذكر صهيون بأنها العاصمة الدينية، والمكان الذي يمتحن به الرب عباده المؤمنين: »لذلك هكذا يقول السيد الرب. هأنذا أؤسِّس في صهيون حجراً، حجر امتحان حجر زاوية كريماً أساساً مؤسساً. من آمن لا يهرب«(2).
__________
(1) محمود العابدي، المرجع السابق، ص. 23؛ وكذا: سيد فراج راشد، المرجع السابق، ص. 55؛ وكذا:
Josephus, p. 151; M. Grant, op. cit., p. 78.
(2) سفر أشعياء 28: 16.
(1/5067)
... كما يقارن سكان صهيون بسكان مدينة السامرة: »ويل للمستريحين في صهيون والمطمئنين في جبل السامرة نقباء أول الأمم«(1).
... ولقد ورد هذا الاسم كثيراً في "العهد القديم"، حتى أصبح رمزاً إلى ما يرجوه شعب بني إسرائيل من الرب من الحماية والعناية في خدمته(2). وقد أشاد اليهود بذكره، حيث جاء: »والرب أحب أبواب صهيون أكثر من جميع مساكن يعقوب(3)
__________
(1) سفر عاموس 6: 1.
(2) قاموس الكتاب المقدس، ج 1، ص. 23؛ وكذا:
M. Grant, op. cit., p. 84.
(3) انظر دراسة جيدة عن يعقوب عليه السلام: محمد بيومي مهران، دراسات الشرق الأدنى القديم (7) إسرائيل، الكتاب الأول، التاريخ، الإسكندرية، 1398 هـ، 1978 م، صص. 191 ـ 210؛ وكذا: صابر عبد الرحمن طعيمة، المرجع السابق، ص. 5 (1)، 29 ـ 30؛ وكذا:
M. G. Unger, Israel and Aramaeans of Damascus, London, 1957, p. 541; A. Lods, op. cit., p. 155.
(1/5068)
، قد قيل بك أمجاد يا مدينة الله سلاه« (1).
... وصار مسكن الرب: »والرب من صهيون يزمجر، ومن أورشليم يعطي صورته فترجف السماء والأرض... فتعرفون أني أنا الرب إلهكم في صهيون جبل قدسي، وتكون أورشليم مقدسة، ولا يجتاز فيها الأعاجم في ما بعد«(2).
... هناك من يذكر أن كلمة »صهيون«، لم نجد لها أصلاً متفقاً عليه في اللغة العربية، وأكثر الشراح يرجحون أنها عربية الأصل، لها نظير في اللغة الحبشية، وأنها من مادة الصون والتحصين، وكانت فعلاً من حصون الروابي العالية(3)
__________
(1) المزامير 87: 2.
(2) سفر يوئيل 3: 16 ـ 17.
(3) عباس العقاد، الصهيونية العالمية، القاهرة، 1968، ص. 11.
(1/5069)
. وهناك من يفترض أنها كلمة مستعارة من العيلاميين ـ عن طريق البابليين ـ بمعنى »معبد«. إلا أن هذا الفرض إنما يصطدم بصعوبات عدة، منها: (أولاً) أنه لا توجد أية أدلة تشير إلى قيام علاقات خاصة بين فلسطين وبابل وعيلام في تلك الفترة؛ ومنها (ثانياً) أنه لا يوجد أي دليل على استعمال هذه الكلمة في اللغة البابلية أو الآشورية في ذلك الوقت المبكر، الذي كانتا قد انفصلتا فيه عن السومرية(1)؛ ومنها (ثالثاً) أن الكلمة العيلامية تعني »معبد«، بينما تعني كلمة »صهيون« أصلاً »القلعة
__________
(1)
Yeivins, op. cit., p. 40. G. E.
(1/5070)
أو الحصن«، ثم اتسع مفهومها الجغرافي فيما بعد ليضم تل المعبد، ثم أصبح الاسم في زمن متأخر نسبياً يطلق على كل التل في جنوب شرق القدس. ومن جهة أخرى، فإن كلمة »صهيون« ـ على ما يبدو ـ ترجع إلى ما قبل الإسرائيليين، حيث أن الحصن كان معروفاً بهذا الاسم قبل أن يستولي عليه داود ـ عليه السلام ـ ويطلق عليه اسمه(1). (وأخيراً)، فهناك من يذهب إلى أن الكلمة »حورية«، ومن ثم فقد فسر »حصن صهيون« بمعنى »حصن الماء«، أي الحصن الذي يحمي مورد ماء القدس(2).
__________
(1)
Ibid., pp. 40-41.
(2)
Ibid., p. 41.
(1/5071)
... وعلى أية حال، نسب اليهود السياسيون الداعون إلى إقامة دولة لهم في فلسطين العربية حركتهم إلى صهيون(1)
__________
(1) لقد كان لصهيون هذه عند يهود الأسر البابلي شأن عظيم، حتى أصبح الحنين إلى صهيون رمزاً للحنين إلى عودة المملكة الغابرة، وتحولت الوعود الإلهية في كتبهم تحولاً جديداً مع السياسة، فانحصرت في ذُرية داود، عليه السلام، ليخرج منها من غير ذوي الذُّرية من اليهود. (انظر: عباس العقاد، المرجع السابق، ص. 11؛ وكذا:

L. T. Brandies, On Zionism, New York, 1942, pp. 24-26; N. Bentwich, Palestine, London, 1934, p. 60.
... وللمزيد عن الحركة الصهيونية، انظر: محمد بيومي مهران، المرجع السابق، صص. 38 ـ 47.
(1/5072)
، وذلك بعد مضي نحو ثلاثة آلاف سنة على حكم داود عليه السلام. كما أن علماء الآثار يبحثون عن جبل صهيون والمدينة والهيكل. والمؤكد عندهم أن جبل صهيون لا يقوم في الجهة الجنوبية والغربية من بيت المقدس، كما كان يعتقد المسيحيون منذ القرن الرابع الميلاديّ، وإنما على قمة التلة الشرقية(1).
... وعلى كل، فإن الرومان في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد هدموا المدينة والهيكل، حتى أصبحا أطلالاً، والبحث عنهما بقصد إعادتهما يدعو إلى قلب الأرض رأساً على
__________
(1)
Interpreter's Dictionary of the Bible, Vol. IV, p. 959.
(1/5073)
عقب، حقيقة ومجازاً.

... 5 ـ مدينة داود
... قاوم الكنعانيون وحدة بني إسرائيل بقيادة داود ـ عليه السلام ـ الذي شعر بخطرهم. ولذلك خطط للقضاء عليهم وهزمهم في معركتين فاصلتين في وادي الرفائين جنوب القدس، حيث طاردهم حتى المنطقة الساحلية. وبذلك انحصر خطر الكنعانيين على بني إسرائيل فترة من الزمن. وفي أعقاب ذلك فكر داود ـ عليه السلام ـ في تغيير عاصمته حبرون ـ وهي مدينة الخليل، على مبعدة 190 ميل (306 متر) إلى الجنوب الغربي من أورشليم ـ في الشمال، واتجه نظره إلى مدينة يبوس في الجنوب(1)
__________
(1) ... انظر عن أسباب اختيار القدس عاصمة لمملكة يهوذا: محمد بيومي مهران، دراسات الشرق الأدنى القديم (8) إسرائيل، الكتاب الثاني، التاريخ، صص. 829 ــ 830؛ وكذا: سيد فرج راشد، المرجع السابق، ص. 48؛ وكذا:
W. Bray, and D. Trump, op. cit., p. 251.
(1/5074)
، وكانت في أيدي اليبوسيين العرب، فخطط للزحف عليها. وقام بحصارها(1)؛ إلا أنه واجه مقاومة عنيفة من اليبوسيين، ولكنه كرر هجومه، حيث مارس ضغوطاً على سكان المدينة، حتى استولى عليها(2).
... جاء في "العهد القديم": »وأخذ داود حصن صهيون. هي مدينة داود«(3)
__________
(1)
Atlas of the Bible, p. 98; J. H. Hayes and M. J. Miller, op. cit., p. 251.
(2) سفر صموئيل الثاني 5: 17 ــ 25؛ 8: 10؛ وكذا: محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 828؛ وكذا:
Josephus, pp. 150-151.
(3) سفر صموئيل الثاني 5: 7؛ أخبار الأيام الأول 11: 5؛ الملوك الأول 8: 1.
(1/5075)
.
... ولم يلبث أن سُمي ذلك الجزء باسم »مدينة داود«، وربما لأن اسمها القديم إنما كان غريباً على آذان العبريين، وربما أراد داود ـ عليه السلام ـ أن يُطلق عليها اسماً عبرياً، لأن فيه تخليداً للاهوتهم(1). وربما ـ وهذا هو الأرجح ـ لأن داود ـ عليه السلام ـ إنما أراد أن يخلد اسمه بإطلاقه على المدينة القديمة، أو حتى على جزء منها(2)
__________
(1)
G. E. Yeivin, op. cit., p. 40; M. Grant, op. cit., p. 84.
(2) حسن ظاظا، إسرائيل ركيزة للاستعمار بين المسلمين، القاهرة، مجمع البحوث الإسلامية، 1973، ص. 88؛ وكذا:

Atlas of the Bible, p. 98; Dictionary of the Bible, p. 473; J. H. Hayes and
M. J. Miller, op. cit., p. 350.
(1/5076)
. ومن ثم فقد أصبح يطلق هذا الاسم على المدينة كلها عندما جعلها داود ـ عليه السلام ـ مقراً لحكمه.
... وأياً ما كان الأمر، وسواء أكان داود ـ عليه السلام ـ قد أطلق على المدينة اسماً عبرياً، أو أراد أن يخلد اسمه، فهو في ذلك إنما كان مقلداً لغيره من الحكام الذين كانوا ـ ولا يزالون ـ يطلقون أسماء جديدة على أماكن قديمة، كما أن الاسم الجديد الذي أطلقه داود ـ عليه السلام ـ على المدينة (مدينة داود) لم يحل محل الاسم القديم؛ ربما لأنها حالة من حالات كثيرة في التاريخ القديم والحديث، اختفت فيها الأسماء
(1/5077)
الجديدة، التي فرضتها السلطات الحاكمة في القضاء على الأسماء القديمة التي لها جذور عميقة في الوعي الشعبي(1).

... 6 ـ أَرِيئِيلَ:
... ورِد في "العهد القديم": »ويل لأريئيل قرية نزل عليها داود« (2). ومعنى الاسم »أسد الله« أو »مسكن الله« (3).

... 7 ـ »موريا«:
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 821؛ وكذا:
G. E. Yeivin, op. cit., p. 40.
(2) سفر أشعياء 29: 1.
(3)
Interpreter’s Dictionary of the Bible, Vol. VI, p. 218.
(1/5078)
... جاء هذا الاسم في "العهد القديم": »وشرع سلميان(1) في بناء بيت الرب، في أورشليم، في جبل المرايا(2)
__________
(1) انظر دراسة جيدة عن سليمان عليه السلام: محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص ص. 744 ـ 811.
(2) جبل المرايا يقوم بين جبل سكوبس، والذي يُسميه "التلمود" »جبل المراقبين«، وبين هضبة الحرم الشريف. ذكره يوسف بن متى في كتابه "حرب اليهود" ( الجزء الأول ـ الباب الخامس)، وسماه »بزيتا« (أي بيت الزيتون أو منبت الزيتون). وهو يقع بالقرب من »باب الساهرة«، وهو الجبل الذي بنى سليمان ـ عليه السلام ـ عليه الهيكل في أورشليم. وكان في القسم الشرقي من المدينة الحاضرة يشرف على وادي قدرون كان عليه بيدر أرونة (أرنان) اليبوسي وكان إلى الشمال من صهيون. ولما بنى الهيكل على قمة هذه الأكمة بنيت أسوار من جوانب الأودية إلى الجهات الأربع حوله. (انظر: صموئيل الثاني، 24: 16، 24؛ قاموس الكتاب المقدس، ج 2، ص. 859؛ وكذا عبد الحميد زايد، المرجع السابق، صص. 13 ـ 14).
(1/5079)
، حيث تراءى لداود أبيه الذي هيأ مكاناً في بيدر أرنان اليبوسي(1). وقد جرى العرب على القول بأن هذا المكان هو جبل الموريا، الذي يعتقد اليهود أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ شرع في ذبح(2)
__________
(1) أخبار الأيام الثاني 3: 1.
(2) جاء اسم»المرايا« في "العهد القديم"، على أنه المكان الذي قدم فيه إبراهيم ولده إسحاق ـ عليهما السلام ـ قرباناً لله، والموضوع لا يزال حتى الآن محل خلاف كبير في هذه القضية بين الباحثين، بل بين اليهود أنفسهم. فاليهود السامريون يرون أن الحادث إنما كان على جبل جرزيم القريب من نابلس، حيث قام أقدم هيكل لبني إسرائيل، حتى جاء داود ـ عليه السلام ـ فأبطله وعطله بعد أن نقل عاصمته إلى القدس. هذا، فضلاً عن أن الذبيح إنما هو إسماعيل ـ عليه السلام ـ، وأن الحادث كان بمكة المكرمة.(انظر: سفر التكوين 22: 2؛ وكذا حسن ظاظا، القدس: مدينة الله ـ أم مدينة داود؟، ص. 14؛ وانظر عن الذبيح من وجهات النظر اليهودية والمسيحية والإسلامية: محمد بيومي مهران، دراسات تاريخية من القرآن الكريم، ج 1، في بلاد العرب، صص. 159 ـ 177).
(1/5080)
ولده إسحق عليه(1). ويحتمل أن يكون اشتقاق الاسم من مادة »رأى« العبرية والعربية ـ فيكون المعنى »أرض الرؤية« (2). ويطلق أحياناً على هضبة الحرم (جبل الموريا) »المدينة التحتانية« (3).
... لقد وردت في العهد القديم أسماء عدة أخرى، ولكنها كانت قليلة الأهمية والشيوع منها:

... 8 ـ المدينة
__________
(1) عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص. 62.
(2)
Interpreter’s Dictionary of the Bible, Vol. VI, p. 438.
(3) سيد فرج راشد، المرجع السابق، ص. 55.
(1/5081)
... »تكون حفنة بُرٍّ في الأرض في رؤوس الجبال. تتمايل مثل لبنان ثمرتها، ويزهرون من المدينة مثل عُشب الأرض« (1).

... 9 ـ مدينة الله
... »نهرٌ سواقية تُفرح مدينة الله مقدس مساكن العلى« (2). وأيضاً: »عظيم هو الرب وحميد جداً في مدينة إلهنا جبل قدسه«(3).

... 10 ـ مدينة العدل
... »بعد ذلك تُدعين مدينة العدل القرية الأمينة« (4).

... 11 ـ مدينة الحق
__________
(1) مزمور 72: 16.
(2) مزمور 46: 4.
(3) مزمور 48: 1.
(4) سفر إشعياء 1: 26.
(1/5082)
... »هكذا قال الرب. قد رجعت إلى صهيون وأسكن في وسط أورشليم فتدعى أورشليم مدينة الحق« (1).

... 12 ـ مدينة القدس
... »فإنهم يُسَمَّون من مدينة القدس ويسندون إلى إله إسرائيل« (2). وأيضاً: »وسكن رؤساء الشعب في أورشليم. والتقى سائر الشعب قُرعا ليأتوا بواحد من عشرة للسكنى في أورشليم مدينة القدس« (3).

... 13 ـ الجبل المقدس
... »ويكون في ذلك اليوم أنه يضرب ببوق عظيم، فيأتي التائهون في أرض أشور والمنفيون في أرض مصر ويسجدون للرب في الجبل
__________
(1) زكريا: 8: 3.
(2) سفرإشعياء 48: 2.
(3) سفر نحميا 11: 1.
(1/5083)
المقدس في أورشليم«(1).

... 14 ـ القرية الأمينة
... »وبعد ذلك تُدعين مدينة العدل القرية الأمينة« (2).

رابعاً: الكتابات المسيحية
... لقد وردت إشارة باسم:

... 1 ـ المدينة المقدسة
... »ثم أخذه إيليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل« (3). وأيضاً: »وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين«(4).
* * *
__________
(1) سفر إشعياء 27: 13.
(2) سفر إشعياء 1: 26.
(3) إنجيل متى 4: 5.
(4) إنجيل متى 27: 53.
(1/5084)
... هذه هي الأسماء التي وردت في "الكتاب المقدس"، على أن اسم أورشليم هو الأكثر شيوعاً، منذ فتح داود ـ عليه السلام ـ المدينة حتى منتصف القرن الثاني الميلادي. وقد تكرر ذلك في ثلثي أسفار "العهد القديم" ونصف أناجيل "العهد الجديد". وهو الاسم، الذي قدسه اليهود ودار على ألسنتهم وترنموا به:
... كيف ترنم ترنيمة الرب في أرض غريبة؟
... ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك
... إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحي (1).
__________
(1) مزمور 37: 1.
(1/5085)
... ويذكر أحد الباحثين اليهود أن فكرة دولة إسرائيل بقيت حية في كلمات هذا المزمور، وأن منها نبتت بذور الصهيونية الوطنية مع أن أنبياءهم عاموس وأمريا وميخا وأشعياء، لم يوجهوا اهتمامهم إلى استعادة السلطة الزمنية، وإنما حصروه في دفع الظلم عن بني قومهم، وحثهم على عبادة الله والتمسك بالفضيلة(1). وأرشليم التاريخية قد اندثرت، وحلت محلها القدس المسيحية، ثم بيت المقدس الإسلامية.
...
خامساً: كتابات المؤرخين الإغريق والرومان
... 1 ـ سوليما
__________
(1) ألفرد ليلنيتال، ثمن إسرائيل، بيروت، 1954، صص. 7 ـ 8.
(1/5086)
... كما يذكر يوسف بن متى أن هومر (Homer) ذكرها باسم سوليما (Solyma)، لأنه سمى المعبد سوليما، وتعني ـ حسب اللغة العبرية ـ السلام، بينما في بعض النسخ للمؤرخ يوسف بن متى يذكرها باسم هيروسوليما (Hirosolyma) وأورشليم (Jerusalem). والأخيرة من المؤكد أن يوسف بن متى ذكرها في نسخ أخرى بأن المدينة كانت تسمى سالم أو سوليما قبل زمن ملكي صادق، ولكن هو الذي سماها هيروسولميا أو أورشليم. واعتقد (المترجم) أنها سميت كذلك بعد نزول الوحي (يهوه) على إبراهيم (1)
__________
(1)
Josephus, p. 151 and no.*; M. F. Unger, op. cit., p. 576.
(1/5087)
.

... 2 ـ إيلياء
... هو اسم لها مشتق من اسم الإمبراطور الروماني إيليا هادريان (
Aelius Hadrianus) الذي هدم مدينة أورشليم للمرة الثانية في عام 135 م، بعد تيتوس الروماني الذي هدمها سنة 70 م، حتى تكون ختاماً نهائياً لليهود في فلسطين بوجه عام، والقدس بوجه خاص، سياسياً وسكانياً. وبنى هادريان مكانها سنة 135 م مدينة أسماها إيليا كابيتولينا (Aelia Capitolina)، أي إيليا العظمى، أو إيليا (Aelia)، فقط، ليمحو من الوجود كل أثر يهودي فيها (1)
__________
(1)
M. Grant, op. cit., p. 246; Crown Prince Hassan bin Tolal, op. cit., p. 8. ؛
(1/5088)
. وظلت المدينة لا يسكنها اليهود حتى القرن السابع الميلادي والفتح العربي الإسلامي لها.
... حاول المؤرخون الإسلاميون أن يفسروا معنى الاسم، فيرى البكري (1) أن معناها »بيت الله«، ويرى ياقوت الحموي (2) المعنى نفسه، بل يزيد بإيراد أنها
__________
(1) عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، ج 1، تحقيق مصطفى السقا، ط 1، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1364 هـ/ 1945 م، ص. 217.
(2) شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، ج 1، ص. 293.
(1/5089)
»بيت الله«، »الأرض الحزن«، وأن الذي بناها هو إيلياء بن أرم بن سام بن نوح. ومن ثم فقد سُميت باسمه. غير أن هذا اجتهاد من ياقوت الحموي، حيث أراد أن يفسر معنى الاسم فيكون بدايته بمقطع »إيل«، ومعناها الله. ومن ثم فلم يفطن إلى أن إيليا اسم روماني أصلاً، غير أنه ربطه بـ »إيلياء بن أرم بن سام بن نوح«.
... ظل اسم إيلياء سائداً نحو مائتي سنة، إلى أن جاء الإمبراطور قسطنطين (306 ـ 337 م) ـ وهو أول من تنصر (1)
__________
(1) وهناك رأي بأنه بقي وثنياً طوال حياته، ولم يتقبل النصرانية إلا على فراش المرض. (انظر: عمر كمال توفيق، تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، الإسكندرية، 1967، ص. 29).
(1/5090)
من الأباطرة الرومان في عام 312 م ـ فألغى اسم إيلياء، وأعاد محله اسم أورشليم، سنة 324 م. إلاَّ أن العرب ظلوا يعرفونها باسم »إيليا«، حتى بعد الفتح الإسلامي لها، لأن هذا الاسم تضمنته العهدة العمرية، التي حررها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لأهل القدس، عندما تسلمها عام 15 هـ/ 637 م، حيث أن العهدة العمرية صُدرت بعبارة: »هذا ما أعطى عبد الله عمر أهل إيلياء من الأمان«. ولكن اليهود، كعادتهم، أخذوا اسم »إيلياء« وحشروه في "توراتـ"ـهم. فقد وردت إشارة مع أواخر سفر الملوك الأول، إلى اسم »إيليا«، وهو اسم
(1/5091)
أحد الملوك اليهود (1). ومع ذلك، لم يفضل اليهود استعمال هذا الاسم على استعمال اسمي »أورشليم« أو »صهيون«(2).

سادساً: كتابات المؤرخين المسلمين
... هو الاسم الذي أُطلق على المدينة بدءاً من الفتح الإسلامي لها، محل إيليا وأورشليم. على أن اسم »بيت المقدس« كان أكثر وروداً في مختلف المصادر(3). ومن ثم فهو
__________
(1) سفر الملوك الأول 17: 1 ـ 18؛ وكذا: بطرس البستاني، دائرة معارف البستاني، بيروت، 1900، مادة »إيليا«.
(2) شفيق جاسر أحمد محمود، المرجع السابق، ص. 19.
(3) مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، ص. 96.
(1/5092)
اسم يعيد ما عُرفت به قديماً. والاسم مشتق من القُدُس ـ بضم القاف والدال ـ، وهي الطهارة والبركة. ومن ثم، فإنه يعني بيت المقدس، المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب، ويقال المنزه عن الشرك والمرتفع. والبيت المُقَدَّس ـ بضم الميم وفتح الدال المشددة ـ، أي المطهر، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام. وقد جعلت مسكناً للأنبياء والمؤمنين(1). وهي مدينة
__________
(1) شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1923، ج 1، ص. 325؛ وكذا: مجير الدين الحنبلي، المرجع السابق، ص. 4.
(1/5093)
أنبياء الله ومعجزاتهم ابتداء بإبراهيم الخليل إلى عيسى بن مريم حتى معراج محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقد أشار إلى ذلك بأسلوب بليغ من خطب من المسلمين في المسجد الأقصى على أثر الفتح العربي الإسلامي، القاضي محيي الدين محمد بن زكي الدين علي القرشي، حين قال: »هو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل ينزل فيه الأمر والنهي«(1). ومن ثم فإن كلمة »قدس« منها »مقدس«؛ فهي ـ حسب القواميس المعروفة ـ واحد من المعاني الثلاثة التالية: ما هو مكرس لخدمة الله
__________
(1) المرجع نفسه، صص. 296 ـ 297.
(1/5094)
ولعبادته، ما هو مكرس أو مزعوم أنه مكرس لهدف غير ذاتي ولمقصد روحاني، وما هو مرتبط بشخص أو بشيء له قداسته، وأخيراً هو الذي تعتبره أو تعترف به سلطة أو تقليدٌ دينيٌّ ما أنه مقدس. فالمعنى، إذن، له مدلول تاريخي وليس مجرد نتيجة نظرية جامدة. والعالم مقسوم، في الأديان المعروفة، إلى قسمين لأحدهما وزن خاص، وهو القسم المقدس. وما يميزه عن القسم الآخر، غير المقدس، هو الطقوس والعبادة والمحرمات وغيرها من الإجراءات الدينية، وبإمكان الشيء أن يكون مقدساً بالاستمرار أو الارتباط (1)
__________
(1) حسن سعيد الكومي، »قدسية فلسطين عند المسلمين«، شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، رقم 11، تموز (يوليو) 1972، ص. 144.
(1/5095)
. والقدس، وقدس الأقداس، ألفاظ شائعة في "العهد القديم". وهي بلاشك مشتقة أصلاً من مادة »قادس« السامية بمعنى »طهر« أو »حرُم« (1). وهي ذات دلالة دينية. فالقدس هو مكان في الهيكل يتعبد فيه الكائن، ويفصل بينه وبين قدس الأقداس حجاب. وقدس الأقداس هو المذبح؛ وهو متعبد كبير الأحبار. وفي سفر اللاويين ينهى الرب هارون ـ عليه السلام ـ عن دخول القدس كل وقت داخل الحجاب أمام الغطاء الذي على التابوت لئلا يموت (2)
__________
(1)
Thesaurus, Linguae Hebraecae et Chaldacae, Tom. II, Lipsiae, 1840, p. 1195.
(2) سفر اللاويين 16: 1.
(1/5096)
. والمَقْدِس مكان القُدس، جاء في "سفر العدد": »وقال الرب لهارون: أنت وبنوك وبيت أبيك معك تحملون ذَنْب المَقْدِسِ« (1).
... وعلى أية حال، فقد عرفت المدينة منذ بداية تاريخها باسم »القدس«(2)، عندما أقيمت فيها أماكن مقدسة للعبادة. ومن الجلي أن هيرودوت (484 ـ 425 ق. م) لم يذكر اسم أورشليم، ولكنه ذكر كلمة »قديتس« مرتين في الجزء الثاني والثالث من تاريخه. وقد حاول بعض الباحثين الوصول إلى تفسير العلاقة بين القدس وكلمة »قديتس«، فجاء التفسير
__________
(1) سفر العدد 18: 1.
(2) سفر أشعياء 48: 2؛ نحميا 11: 13.
(1/5097)
لافتاً للنظر: فاسم القدس محرف من اليونانية عن النطق الآرامي »قديشتا« (1). ومما يثير في النفس ريبة أن اليهود أطلقوا عليها أحياناً اسم »مدينة القدس« (2). وفي "إنجيل متى" ورد في النص العربي باسم »المدينة المقدسة« (3)، ويقابله في النص السرياني »بيت مقديشيو«، أي بيت المقدس.
__________
(1) حسن ظاظا، المرجع السابق، ص. 8؛ وكذا: سيد فرج راشد، المرجع السابق، ص. 28.
(2) قاموس الكتاب المقدس، ج 1، ص. 129.
(3) إنجيل متى 27: 53.
(1/5098)
... كانت الأديان، في كل مراحل تطورها، تبني أماكن العبادة وصروح التقديس بالقرب من الأماكن المقدسة أو فيها، وكانت هذه المباني، تكتسب، أحياناً، قداسة بحد ذاتها. إذ ليس كل معبد أو كنيسة أو مسجد مبنياً على مكان كان مقدساً من قبل، بل إن مجرد تشييد المبني يُعطي المكان صبغة دينية، ربما لم تكن موجودة من قبل. إلاَّ أن عدداً كبيراً من المباني المقدسة إنما أقيم على أراضٍ كانت، بالفعل، مقدسة عند طائفة ما؛ كأن يكون المكان موقع مولد مؤسس الطائفة، أو موقع عمل أو اعمال خارقة له، أو محل حصول حدث تاريخي مهم
(1/5099)
للطائفة. والقدس، المعروفة باسم المدينة المقدسة عند اليهود والنصارى والمسلمين، مثال ممتاز على ذلك (1). فقد أمدت القدس فلسطين كلها بالقداسة، بالارتباط والجوار. لم يكن للرسول موسى عليه السلام، أي ارتباط بالقدس، ولكن نظراً لأنه كان رسولاً لليهودية، ولأن داود ـ عليه السلام ـ اختار القدس عاصمة له واختارها أيضاً لبناء الهيكل الذي بناه سليمان ـ عليه السلام ـ، ونظراً للعلاقة بين هؤلاء الثلاثة؛ لذلك كله كانت القدس مدينة مقدسة عند اليهود طيلة تاريخهم القديم.
__________
(1) حسن سعيد الكرمي، المرجع السابق، ص. 144.
(1/5100)
وقد يهب الربط التاريخي أو الديني مكاناً أو موقعاً أو مدينة أو ربما مناطق مقدسة مماثلة. ولا نحتاج إلى أمثلة على ذلك. فهو أمر شائع في أمم وأديان كثيرة. ولذلك كانت أرض كنعان (فلسطين)، بما هي أرض ميعاد، مقدسة عند يهود، لأن اليهود القدامى آمنوا أن الله وعد أرض كنعان لإبراهيم وإسحق ويعقوب (1)
__________
(1) سفر العدد 34: 1 ـ 12. وانظر هذه الوعود: محمد بيومي مهران، »قصة أرض الميعاد بين الحقيقة والأسطورة«، في مقالين بمجلة الأسطول، العدد 66، 67، الإسكندرية، 1971؛ وكذا: رشاد محمود بغدادي، حول الأرض المقدسة عند اليهود، الإسكندرية، 1416 هـ/ 1996 م.
(1/5101)
. ولا تتطلب قدسية كهذه وجود مبان أو آثار قديمة، وحتى بقايا ومخلفات دينية. وفلسطين، الأرض المقدسة، »مقدسة« لليهود، مع أنهم انقطعوا عن إقامة أيّ صلة مادية ملموسة بها منذ القرن الأول الميلادي، ولفترة طويلة جداً. فقد زال وجودهم الديني بها تماماً؛ بينما يختلف الوضع في حالة الوجود الديني الإسلامي أو المسيحي، فقد احتفظ الدينان بارتباطاتهما التاريخية والدينية باستمرار؛ وهي ارتباطات دعمها وقواها الوجود الفعلي الإسلامي والمسيحي، ووجود الآثار والمباني الدينية. وإن اعتبار القدس مدينة مقدسة عند الأديان
(1/5102)
الثلاثة لا يضعف من موقف المسلمين، بل بالعكس، يزيده قوة: فالإسلام يؤمن باليهودية والمسيحية(1).
... ويذكر مجير الدين أن »بيت المقدس« يطلق على الصخرة والمسجد الأقصى خاصة، بينما يطلق اسم »القدس« على المدينة بعامة(2). أما أسماؤها العربية، فهي بيت المقدس والبيت المقدس والمقدس والقدس والقدس الشريف والأرض المقدسة. أما الاسم الغالب، فهو »القدس«، والذي يبدو أنه رافق المدينة منذ بداية تاريخها (3)
__________
(1) حسن سعيد الكرمي، المرجع السابق، ص ص. 144 ـ 147.
(2) مجير الدين، المرجع السابق، ج 1، ص. 6.
(3) محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم (8)، إسرائيل، الكتاب الثاني، التاريخ، ص. 821.
(1/5103)
. كما أن كلمة »شريف« لا تضاف إلاَّ إلى الأسماء التي لها قدسية خاصة. وهكذا فإن الحرم، حيث يقوم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، يسمى »الحرم الشريف« (1)
__________
(1) حسن سعيد الكرمي، المرجع السابق، ص. 147. إن الكنعانيين العرب هم أقدم من قدس بقعة الحرم الشريف، حيث اتخذ ملكهم ملكي صادق فيه معبداً قبل أن يقوم سليمان ـ عليه السلام ـ ببناء هيكله بحوالي ألف سنة. لذلك فليس غريباً أن يقول الأقدمون إن بناء سليمان ـ عليه السلام ـ كان على أساس قديم. (انظر: مجير الدين، المرجع السابق، ص. 5؛ وكذا: مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، صص. 26 ـ 27).
(1/5104)
.
... جاء في الخبر (1) أن أهل القدس اشترطوا ألاَّ تُسلم مدينتهم إلاَّ للخليفة عمر بن الخطاب
__________
(1) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1968، ج 3، صص. 607 ـ 613؛ وكذا: محمد الخضري، تاريخ الأمم الإسلامية، القاهرة، 1370 هـ، ج 2، صص. 5 ـ 7؛ وكذا محمد حسين هيكل، الفاروق عمر، القاهرة، 1962، ج 1، صص. 246 ـ 263؛ وكذا عبد المنعم ماجد، التاريخ السياسي للدولة العربية، القاهرة، 1967، ج 1، ص. 188؛ وكذا محمد علي، ملف وثائق القضية الفلسطينية، القاهرة، 1970، ج 1، صص. 3 ـ 4.
(1/5105)
(13 ـ 22 هـ = 624 ـ 644 م) ـ رضي الله عنه ـ نفسه، وأن يمنحهم الأمان لدينهم وكنائسهم، ويقبل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ويأتي إلى القدس في عام 15 هـ (637 م)، فيدخل المدينة التي يسلمها له بطريرك أورشليم »صفرونيوس« (Sophronius)، ويمنح أهلها النصارى الأمان في دينهم وأموالهم وأعراضهم، لا يضار أحد منهم بسبب دينه، ولا يكره على شيء في أمره. ولا يسكن بإيليا أحد من اليهود (1)
__________
(1) هناك رواية أخرى تذهب إلى أن الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رفض الموافقة على استمرار القرار الروماني القديم بمنع اليهود من النزول بالمدينة، معتذراً بأن القرآن الكريم قد حدد ما لأهل الكتاب وما عليهم، وليس فيه شيء يسمح بهذا. ولكنه تعهد لنصارى القدس بألاّ يدخل أحد من اليهود إلى مقدساتهم أو يسكن في حارتهم. (انظر: حسن ظاظا، المرجع السابق، ص. 30؛ وكذا محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 823. (1)).
(1/5106)
.
... إن العهد العمرية، اشترطت ألاَّ يقيم في القدس يهود، وذلك بناء على طلب صفرونيوس، الذي كان يمنعهم من السكن في المدينة المقدسة. أما عن وجود اليهود في فلسطين العربية طوال حكم المسلمين الذي استمر قرابة أربعة عشر قرناً، كان سببه هو سماحة الإسلام والمسلمين، الذين تغاضوا عن تسللهم وسمحوا لهم بتأدية شعائرهم والبكاء عند الحائط. أما وجودهم قبل الإسلام، فكان وجوداً همجياً، حافلاً بالقسوة والعنف والحقد. ومنذ أن قادهم موسى، عليه السلام، إلى أرض فلسطين ـ والتي لم يدخلوها في عهده ـ اعتبروا شعبها من
(1/5107)
الفلسطينيين عدواً لهم وصمموا على إبادة ذلك الشعب (1).
... هناك أسماء عربية أخرى للقدس ورد ذكرها في القرآن الكريم: {والتين والزيتون، وطور سنين، وهذا البلد الأمين} (2). وهذا يعني أن »التين« بلاد الشام، و»الزيتون« (3)
__________
(1) عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص. 178.
(2) سورة التين: آية: 1 ـ 3.
(3) من أهم جبال القدس، جبل الزيتون، ويسميه العرب »جبل الطور«، ويقع إلى الشرق من القدس، مواجهاً لأسوار الحرم الشريف في مواجهة الجبل من الجهة الشرقية، ويفصله عنه وادي قدرون. ويسميه التلمود باسم »جبل المسيح«، أي جبل التتويج، لأنهم كانوا يستخلصون من زيتونه الزيت المقدس المستخدم في تتويج ملوكهم. (انظر: سيد فرج راشد، المرجع السابق، ص. 30).
(1/5108)
بلاد القدس، و»طور سينين« هو الجبل الذي كلم الله منه موسى، عليه السلام، و»هذا البلد الأمين« هو مكة المكرمة. ومن أسمائها »القرية«، وإلى ذلك تشير الآيات: {ادخلوا هذه القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغداً، وادخلوا الباب سجداً، وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم} (1). ومنها »الأرض المباركة«، وإلى ذلك تشير الآية: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} (2). ومنها »الساهرة«، وجاء في الآية: {فإذا هم بالساهرة} (3).
__________
(1) سورة الأعراف، الآيات 7.
(2) سورة الأنبياء، أية 21.
(3) سورة النازعات، آية 79.
(1/5109)
... من الملاحظ أن أسماء القدس كلها عربية الأصول كنعانية أو يبوسية؛ إلاَّ عندما سماها داود، عليه السلام، والإمبراطور الروماني هادريان باسميهما، اللذين ذهبا مع الأيام. حتى الاسم »أورشليم« اسم كنعاني، وكذلك الاسم »يورشاليم« تعبير أرامي عربي. كما نلاحظ أن قدسية المدينة عربية الأساس، فقد دشن البيوسيون العرب هذه القدسية قبل مرور، إبراهيم، عليه السلام، بالقدس، أكثر من ألف سنة. وهي مدنية عربية قبل أن يفتحها داود، عليه السلام، بأكثر من ألفي سنة(1)
__________
(1) فايز فهد جابر، القدس، ماضيها، حاضرها، مستقبلها، عمان، دار الجيل للنشر، 1985، ص. 14.
(1/5110)
.
... وقد حملت هذه الأسماء في أذهان الناس دلالة على قدسية المدينة وكونها بيتاً مقدساً(1). وأن شعب فلسطين الكنعاني العربي، هو الذي أسس المدينة في زمان بعيد في الماضي، وهو الذي أطلق عليها أسماءها(2)
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 819.
(2) ومهما قيل في أسمائها، فإنها تستحق القول الذي قال فيها أمير الشعراء أحمد شوقي:
... ... بلد على أرض الهدى وسمائه ... المجد حائطه ورأس بنائه
... ... بلد بنوه الأكرمون قبورهم ... وقصورهم وقف على نزلائه

... انظر: أحمد صدقي الدجاني، المرجع السابق، صص. 41 ــ 42.
(1/5111)
.

التسلسل السياسي لمدينة القدس
... هذا وظلت القدس (أورشالم) في أيدي أهلها اليبوسيين حتى استولى داود عليها في العام السابع من حكمه، وغير اسمها إلى »مدينة داود« واتخذها عاصمة جديدة لمملكته الموحدة، وقد بقي اليبوسيون في مدينتهم »يبوس« (أورشالم) حتى بعد أن استولى داود عليها(1). وقد أصبحت منذ هذا التاريخ مدينة مقدسة عند اليهود.
... وبعد وفاة داود ـ عليه السلام ـ في عام 960 ق. م، حكم من بعده ابنه سليمان، فاستمرت عاصمة للمملكة الموحدة ما يقرب من أربعين عاماً، حتى وفاته
__________
(1) صموئيل الثاني 24: 16 ـ 25.
(1/5112)
في عام 922 ق. م(1). وقد دلت الحفريات الحديثة على أن القدس بقيت في عهد داود كما هي دون أي توسع أو تطوير، في حين أثبتت هذه الحفريات ـ أيضاً ـ أنها قد اتسعت وتطورت في عهد سليمان لتبلغ مساحتها حوالي 155 فدَّانٍ(2). ولعل أعظم الإنشاءات التي قام بها سليمان في القدس
__________
(1)
W. F. Albright, The Biblical Period, from Albraham to Ezra, New York,
1963,
pp. 120-123.
(2) عبد الحميد زايد، المرجع السابق، صص. 67 ـ 75؛ وكذا:
M. K. Kenyon, « Palestine in the Middle Bronze Age », CAH, Vol. II, I 98-104, 116-118.
(1/5113)
كانت المعبد أو ما يعرف باسم »هيكل سليمان« الذي استغرق بناؤه حوالي سبع سنوات (956 ـ 949 ق. م) (1).
... وبعد موت سليمان، بدأ الصراع القبلي بين الإسرائيليين، وانقسمت المملكة التي وحدها داود إلى مملكتين منفصلتين: مملكة الشمال وتدعى »إسرائيل«، والأخرى في الجنوب وتدعى »يهوذا«. وقد اتخذت الأخيرة من القدس (أورشاليم) عاصمة لها؛ وتعرضت عاصمة مملكة »يهوذا« خلال عصر هذه المملكة (922 ـ 587 ق. م) للعديد من
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص ص. 840 ـ 860؛ وكذا:
M. K. Kenyon, op. cit., pp. 119-123.
(1/5114)
الاعتداءات وواجهت الكثير من المصائب والمحن (1): فقد هاجمها ملك مصر »شيشنق« في عام 917 ق. م (2)، كما تعرضت لهجوم الفلسطينيين في عام 850 ق. م، واحتلها ملك دويلة إسرائيل » يهواش« (796 ـ 781 ق. م) (3)، وكذا خلال فترة حكم ملك يهوذا »احاز« (734 ـ 720 ق. م) (4)
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 869، 951، 993؛ وكذا:
H. Cattan, Jerusalem, London, 1981.
(2) أحمد فخري، مصر الفرعونية، القاهرة، 1971، ص. 398.
(3)
Dictionary of the Bible, p. 473.
(4) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 969، قارن:
Dictionary of the Bible, p. 473.
(1/5115)
. ولكنه عندما غزا الآشوريون مملكة يهوذا أثناء حكم الملك »حزقيا« (715 ـ 687 ق. م) سلمت القدس من الاحتلال الآشوري (1)، وقد ظلت بمنأى من الاحتلال حتى جاء الملك البابلي »نبو خذ نصر« واحتلها في عام 592 ق. م. بيد أنها ظلت تحت حكم ملوك يهوذا حتى عام 586 ق. م، عندما محت يد السبي البابلي مملكة يهوذا من الوجود ودمرت عاصمتها القدس (أورشليم) (2)
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 970، 973 ـ 975، الملوك الثاني 19: 35.
(2) الملوك الثاني: 25: 12، محمد بيومي مهران، المرجع السابق، صص. 989 ـ 993؛ وكذا:
Dictionary of the Bible, p. 474.
(1/5116)
. ...
... وقد بقيت أورشليم (القدس) تحت الحكم البابلي حتى جاء الملك الفارسي »كيروش الثاني« (558 ـ 530 ق. م)، فقضى على الإمبراطورية البابلية في عام 539 ق. م. ومن ثم أصبحت أورشليم خاضعة لحكم الإمبراطورية الفارسية(1). وقد سمح »كيروش« لليهود المنفيين في بابل بالعودة إلى ورشليم وإعادة بناء معبدها الذي كان »نبوخذ نصر« قد دمره في عام 587 ق. م(2).
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص ص. 1032 ـ 1033.
(2) المرجع نفسه، صص. 1034 ـ 1043.
(1/5117)
... وحين أفل نجم الفرس وسقطت دولتهم على يد الإسكندر المقدوني، أظهر اليهود ولاءهم وخضوعهم وترحيبهم بالإسكندر المقدوني عندما استولى على أورشليم في عام 332 ق. م. فأصبحت منذ ذلك التاريخ خاضعة لحكم الإغريق. وبعد وفاة الإسكندر المقدوني، تقاسم قواده إمبراطوريته فيما بينهم؛ فآلت مصر إلى بطليموس (Ptolemy) وخضعت ولايات الشمال إلى سلوقس (Selecus). وبعد صراع بين بطليموس وسلوقس، انتصر بطليموس بانيون عام 199 ق. م(1)
__________
(1) المرجع نفسه، ص. 1105؛ عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص. 109؛ مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، ج 9، صص. 55 ـ 56؛ وكذا:
Josephus, BK. XI, ch. VIII, pp. 3-7.
(1/5118)
.
... وفي عام 198 ق. م. استولى ملك سورية »أنتيخوس «(
Antiochus) على أورشليم، فأصبحت بذلك خاضعة لحكم السلوقيين. وقد تعرضت أورشليم بعد ذلك للعديد من الفتن والثورات والحروب الدامية(1)، حتى جاء القائد الروماني »بومبي« (Pompy)، فاحتل أورشليم في عام 63 ق. م. ودخلت بذلك تحت حكم
__________
(1) عن الثورات والحروب والفتن التي عمت فلسطين خلال هذه الفترة بالتفصيل، انظر: محمد بيومي مهران، المرجع السابق، صص. 1105 ـ 1136؛ عبد الحميد زايد، المرجع السابق، صص. 110 ـ 115؛ مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، صص. 55 ـ 58.
(1/5119)
الرومان (1). وقد ظل الرومان يتحكمون في مقاليد الأمور في أورشليم حتى جعلوها ولاية رومانية. وتعاقب بعد ذلك الولاة الرومان على حكم أورشليم. وخلال هذه الفترة التاريخية كانت ولادة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في مدينة »بيت لحم«، وذلك في أواخر حكم »هيرودوس« (37 ـ 4 ق. م). وقد عاش عليه السلام حياته في مدينة »الناصرة« و»الجليل«. وكانت أورشليم مكان تبشيره بدعوة التوحيد(2)
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، ص. 1137؛ عبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص. 116؛ وكذا:
H. Cattan, op. cit., pp. 23-24.
(2) كذب الله سبحانه وتعالى دعوى اليهود والنصارى بأن عيسى بن مريم عليه السلام قتل وصلب. فيقول عز وجل في القرآن الكريم: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيما} (سورة النساء، آية: 157 ـ 158).
(1/5120)
؛ وقد أصبحت أورشليم منذ ذلك الوقت مدينة مقدسة عند المسيحيين.
... وعندما قام اليهود بالعصيان والثورة على الحاكم الروماني، أرسل الإمبراطور الروماني »فسباسيان« ابنه »تيتوس« (
Titus) للقضاء على هذه الثورة. فهاجم »تيتوس« أورشليم في عام 70 م، وقتل الكثير من اليهود(1). وبقيت
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، صص. 1140 ـ 1155؛ وعبد الحميد زايد، المرجع السابق، ص ص. 141 ـ 147؛ مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، ج 9، ص. 59، 68 ـ 70؛ وكذا:
H. Cattan, op. cit., p. 24; Dictionary of the Bible, p. 475.
(1/5121)
أورشليم مدينة خربة مدة طويلة لا يسكنها سوى حامية رومانية. ويبدو أن »تيتوس« لم يسحق اليهود نهائياً. فقد ثار اليهود على الرومان مرة أخرى، واستقلوا بأورشليم في ما بين عامي 132 م و135 م (ثورة باركوخيا). ولكن الإمبراطور الروماني »هادريان« أخمد تلك الثورة ومحا أورشليم من الوجود، وبنى فوقها مدينة جديدة سماها »إيليا كبيتولينا « (Aeilia Capitolina). وقام الرومان بمذبحة خدمت مصير اليهود في فلسطين بما هي دولة قومية، ولم يسمح لليهود أن تطأ أقدامهم مدينة »إيليا« إطلاقاً منذ عام 135 م(1)
__________
(1) محمد بيومي مهران، المرجع السابق، صص. 1155 ـ 1157؛ وكذا: عبد الحميد زايد، المرجع السابق، صص. 153 ـ 157؛ وكذا:
Cattan, op. cit., p. 24.
(1/5122)
.
... وعندما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين، كانت فلسطين تابعة للإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية)؛ فأصبحت »إيليا« تحت حكمها منذ القرن الرابع الميلادي حتى عام 614 م، عندما احتلها الملك الساساني »كسرى ابرويز«. وظلت كذلك حتى استعادها منه الإمبراطور البيزنطي »هرقل« في عام 627 م. ولم يدم انتصار »هرقل« طويلاً؛ فقد أعقبه مباشرة الفتح الإسلامي لمدينة »إيليا« في السنة الخامسة عشرة من الهجرة النبوية (636 م)، وذلك في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن ثم، فقد سمح
(1/5123)
المسلمون لليهود بالعودة إلى القدس (1).
... وفي حقيقة الأمر، فقد احتلت القدس مكانة دينية فريدة بين مدن العالم، القديم منها والحديث. فهي المدينة الوحيدة في العالم أجمع، التي يجمع أصحاب الديانات السماوية الثلاث ـ اليهودية والمسيحية والإسلام ـ على قدسيتها. ومن ثم، فقد كانت ولا تزال ـ وستظل أبداً إن شاء الله ـ رمزاً للبشرية المتدينة على اختلاف مللها ورسلها ومذاهبها. وهكذا، فإن اليهود يقدسونها، لأن لهم فيها ذكريات دينية (2)
__________
(1) مصطفى مراد الدباغ، المرجع السابق، ج 9، صص. 74 ـ 77.
(2) أما عن البراق الشريف، والذي يسميه اليهود بحائط المبكى، والذي يدعون أنه البقية الباقية من الهيكل القديم، فهو أثر إسلامي. وقد أثيرت القضية دولياً عام 1930 م. وشكلت لجنة دولية للتحقيق كان أعضاؤها من الدول المسيحية، ووافق مجلس الأمم في 5 أيار (مايو) عام 1930 م على تأليفها، وأقر اليهود صلاحيتها، وأصدرت قرارها 14 كانون الثاني (يناير) 1931 كما يلي: »للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف. وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لكونه موقوفاً ـ حسب =
= ... أحكام الشرع الإسلامي ـ لجهات البر والخير«. وعلى ذلك، فمدينة القدس تشمل شطري المدينة قديمها وجديدها، وهي عربية صرف. كذلك القرى العربية التي تجاورها، والتي اغتصبها اليهود بعد عدوان 5 حزيران (يونيه) 1967، وعمدوا إلى تغيير الوضع الراهن منذ عام 1931. وكان الانتداب البريطاني في هذا الوضع يعترف بأن للمسلمين وحدهم الحق العيني في ملكية هذا الحائط، مع إباحة سلوك اليهود إليه للعبادة. وقد نظم القرار الشروط الخاصة بالسلوك إلى الحائط: عدم *** الخزانة المحتوية على أسفار "التوراة" والمائدة التي توضع عليها عند الحائط إلاَّ في الصوم أو الصلاة الجماعية وما شابه ذلك؛ منع *** المقاعد والسجاجيد والكراسي، إلخ. على أن يحترم حق المسلمين في الذهاب والإياب على الإفريز بالطريقة المعتادة؛ ويحرم على اليهود نفخ البوق (الشوفار) بالقرب من الحائط... إلى آخره من الشروط التي يجب أن يراعيها اليهود والمسلمون. (انظر: الحق العربي في حائط المبكى، منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1968، صص. 105 ـ 109؛ وكذا عبد الحميد زايد، المرجع السابق، صص. 189 ـ 190، 206 ـ 257).
(1/5124)
وسياسية: ففيها كان هيكلهم المشهور؛ كما أنها كانت عاصمة لدولتهم حيناً من الدهر. ويقدسها المسيحيون، لأنها موطن المسيح ـ عليه السلام ـ ومبعث هدايته، ومن ثم فقد اتخذوا عادة الحج إليها. ولعل الأرجح أن المسيح ـ عليه السلام ـ، طبقاً لرواية "إنجيل لوقا" ـ قد حج إليها في صباه؛ ولما كان في الثانية عشرة من عمره، بقي فيها حيناً من الدهر يتعلم ويسأل ويعظ (1). ثم زاد الحجيج من المسيحيين إلى القدس، بعد أن بنت »هيلانة« أم الأمبراطور الروماني قسطنطين في عام 326 م كنيسة القيامة؛ فسعى إليها
__________
(1) لوقا 2: 41 ـ 52.
(1/5125)
الحجيج من كل حدب وصوب (1). ويقدس المسلمون هذه المدينة، لأن الله تعالى شاءت إرادته أن يخصها بالعديد من الأنبياء ابتداء من أبيهم آدم حتى عيسى ابن مريم ـ عليهم السلام ـ ولأن فيها أولى القبلتين (2) وثالث الحرمين الشريفين، ولأن بها مسرى النبي الأعظم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وصدق الله العظيم حيث يقول: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي
__________
(1) عمر كمال توفيق، المرجع السابق، ص. 29؛ وكذا: فيليب حتي، المرجع السابق، ص. 387.
(2) انظر: سورة البقرة، آية 142 ـ 144.
(1/5126)
باركنا حوله}(1).
__________
(1) سورة الإسراء، آية 1.
(1/5127)
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مجلة, مقتطفات, التاريخ, العربى

« تعليم تصميم المواقع عن طريق الفرونت بيج للمبتدئين | بحث حول حركة العصر الجديد »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حركات وشخصيات أدبية وفكرية مشبوهة في التاريخ العربي الحديث Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 2 11-29-2013 08:19 PM
قصة أشهر مجلة تنصيرية مسيحية وهي مجلة (العالم الإسلامي The Muslim World) Eng.Jordan شذرات إسلامية 0 04-19-2012 09:06 PM
التاريخ العربي الاسلامي في ظل الزمن القطري محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 0 02-08-2012 07:59 PM
«الربيع العربي» والغرب: سبعة دروس من التاريخ تراتيل أخبار عربية وعالمية 4 02-03-2012 10:09 PM
مقتطفات من الأدب العربي مهند أخبار ومختارات أدبية 2 01-17-2012 11:01 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:52 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68