تذكرني !

 





بحوث ودراسات تربوية واجتماعية تربية وتعليم , علم نفس ، علم اجتماع

تربية الشباب - الأهداف والوسائل

تربية الشباب - الأهداف والوسائل المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-18-2012, 07:25 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,419
افتراضي تربية الشباب - الأهداف والوسائل

تربية الشباب - الأهداف والوسائل
المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،أما بعد: فقد كان من إيجابيات الصحوة الإسلامية اليوم أن قامت بجهد تربوي، وقدَّمت برامج لإعداد الناشئة ورعايتهم. وهو جهد متميز، وتجربة فريدة تُسجَّل لجيل الصحوة، ونتائجه التي نراها في الواقع ناطقةٌ بذلك. وهو جهد يفوق الإمكانات والطاقات العاملة فيه. ومع تميز هذا الجهد إلا أنه لا يزال يعاني من قصور ومشكلات، أفرزتها عوامل عدة، منها: 1- أنه يعتمد على فضلة أوقات المربين والمتربين؛ إذ هو يتم فيما فضل مَنْ أوقات العمل والدراسة، والنوم والراحة، والارتباطات الاجتماعية والعائلية. 2- أن الهوة الواسعة بين المتطلبات والإمكانات، وبين أعداد من يفتقرون إلى التربية وأعداد المربين، أدت إلى الاعتماد على عناصر تملك خبرة وتأهيلاً أقل مما ينبغي لمثل هذه المواقع. 3- عدم وجود برامج أُعدت بطريقة علمية لإعداد المربين وتأهيلهم، يضاف لذلك ضعف اعتناء كثير من المربين بالرفع من مستوى تأهيلهم؛ مما زاد من الممارسات المعتمدة على المحاولة والخطأ، وتعميم التجارب الشخصية المحدودة. 4- الفقر الشديد في الدراسات والكتابات التربوية التي تجمع بين الخبرة العلمية والتخصص، وتبتعد عن اللغة العلمية المتخصصة التي قد تصعب على كثير من المربين. 5- أن التجربة التربوية لجيل الصحوة تجربة فريدة، وفيها جوانب من الخصوصية أفرزت إشكالات وتساؤلات لم تكن مطروحة في الأدبيات التربوية المتخصصة، ومن ثم يصعب على المربين أن يجدوا في المكتبة التربوية ما يجيب بعمق على بعض تساؤلاتهم. 6- أن محاضن الصحوة التربوية تسير ضد التيار؛ فكثير من مجتمعات المسلمين ونظم التعليم، وأجواء المدارس، والأسر، كل ذلك في أحيان كثيرة يفسد ما يبنيه المربون. 7- أن كثيراً من المشكلات ومظاهر القصور التربوي في مجتمعات المسلمين انعكست على الأفراد، كالسطحية في التفكير، والتخلف الحضاري، وضيق الأفق، وضعف الثقة بالنفس….إلخ، مما أضاف على المربين عبئاً هائلاً، ويزيد الأمر تعقيداً أن المربين أنفسهم من أبناء هذه المجتمعات، فورثوا هذه الأمراض كغيرهم وصارت جزءاً من تفكيرهم(1) ومن أبرز مظاهر هذا القصور - الذي كان نتاج تلك العوامل وغيرها-: الضعف التربوي الذي يبدو لدى فئات كثيرة، وضعف الفاعلية والإنتاجية، وغياب المبادرة، وبروز حالات التساقط والتراجع….إلخ. ومع ذلك يبقى الجهد التربوي لجيل الصحوة جهداً يستحق الإشادة، ومظاهر القصور والضعف ينبغي أن تدفعنا إلى التصحيح والإصلاح، لا إلى النقد اللاذع والاستهانة بجهود العاملين، فلأن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة. ومن ثم تجيء هذه المحاولة من الكاتب لوضع بعض الإشارات والإضاءات للمربين، علَّها تسهم في وضع لبنة في هذا البناء الشامخ بإذن الله تعالى، وقد سعيت أن يكون هذا الكتاب كافياً لما يحتاجه المربي حديث الخبرة من أهداف تربوية ووسائل تعين على تحقيقها، وتحدثت فيه بإيجاز عن الأهداف التربوية وصياغتها، ثم عن أهم خصائص المرحلة وسماتها، وبعد ذلك تناولت الأهداف التربوية مقسماً لها على مجالات رئيسة، فأذكر في كل مجال هدفاً عاماً، ثم أتبعه بوسائل عامة، ثم أختم بذكر أهداف فرعية، وأشير في ثنايا كل هدف إلى بعض الوسائل المعينة على تحقيقه، وقد تتكرر بعض الوسائل لارتباطها بأكثر من هدف، كالقدوة على سبيل المثال. وحرصت قدر الإمكان على الإيجاز وعدم الاستطراد، إلا فيما أرى أن له أهمية، كما تجاوزت الحديث عن القضايا التي أعتقد أنها بدهية بالنسبة لجمهور المخاطبين بهذا الكتاب، كالحديث عن المضامين التربوية ونحو ذلك، وسيبقى ما يحتاج إلى إجمال أو تفصيل، أو ذِكْر أو إهمال قضية نسبية تختلف فيها الآراء. ومع أن فكرة هذا الكتاب ومعظم مادته كانت لدي منذ مدة مضت، إلا أني ترددت كثيراً في إصداره، وآثرت الانتظار والتريث لأهمية مثل هذا الموضوع، وأخيراً استعنت بالله في إصداره، وكلي أمل أن يقرأه المربون بعين النقد لا بعين التلقي، وأن يتعاملوا معه على أنه رأي شخصي لا مسلمات علمية، وأنه مهما اجتهد الكاتب في تحريره والاعتناء به فلن يخرج من أسر التجارب والخبرة الشخصية المحدودة في إطار الزمان والمكان، ولن يخرج من أسر القصور البشري، فما كان فيه من حق فبتوفيق الله وعونه، وما كان من قصور فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله بريئان مما أقول. ولا أنسى هنا أن أسجل شكري وتقديري لكل الإخوة الذي تفضلوا بقراءة مسودة الكتاب ووافوني بملحوظاتهم، وعلى رأسهم الدكتور محسن المحسن أستاذ أصول التربية المساعد، والدكتور خالد العودة أستاذ أصول التربية المساعد، والدكتور عبدالله العثيم أستاذ المناهج وطرق التدريس المساعد، والدكتور خالد بازيد استشاري الطب النفسي، والأستاذ عبدالرحمن المزروع المشرف التربوي، والأستاذ عبد الله البريدي، وغيرهم. والله أسأل أن يكون في هذا الجهد فائدة وعونٌ للمربين، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه،،،، محمد بن عبدالله الدويش الرياض7/3/1422ه ص ب 52960 الرياض 11573 dweesh@dweesh.com

-------------------

حاشية:

(1)(يدور اليوم في أدبيات الصحوة نقد لاذع لهذه الأمراض والمظاهر، لكن زوالها يحتاج لكسر الحلقة المفرغة، ففاقد الشيء لايعطيه، وإدراك المشكلة ليس وحده كافياً في حلها، وإن كان خطوة مهمة.).

الفصل الأول: الأهداف التربوية

إن العمل المنتج هو العمل الذي ينطلق من أهداف واضحة محددة، يعيها العاملون، ويوظفون الإمكانات والوسائل المتاحة لهم لتحقيقها. والهدف في اللغة -كما قال ابن فارس-: "الهاء والدال والفاء أصيل يدل على نصب وارتفاع، والهدف: كل شيء عظيم مرتفع، ولذلك سمي الرجل الشَّخيص الجافي: هدفاً...والهدف: الغرض...وأهدف لك الشيء: انتصب"(1) ويمكن أن نحدد مفهوم الهدف التربوي -بعيداً عن الجدل المنطقي حول أزمة التعريف- بأنه: التغير المرغوب الذي تسعى العملية التربوية إلى تحقيقه لدى الفرد أو لدى المجتمع. وثمة أمور لابد من مراعاتها ونحن نتحدث عن الأهداف: الأول: التوازن بين إهمال الأهداف والإغراق فيها؛ فالعمل دون هدف واضح محدد مدعاة للتخبط والاضطراب، ولذا قيل: إذا خرجت من منزلك بدون هدف فكل الطرق توصلك إلى المكان الذي تريد، وأولئك الذين يعملون دون أهداف واضحة تتنوع اجتهاداتهم، وتختلف طرقهم وأساليبهم بين يوم وآخر. ومع ذلك فالاعتناء بالأهداف ينبغي أن لا يؤدي إلى التحول إلى آلة، بحيث يتطلع الإنسان إلى أن يكون هناك هدف واضح ومحدد لكل عمل صغير وكبير يقوم به، وتكون كل كلمة أو توجيه قد صدرت عن تخطيط واعتبار. فالإنسان بشر يعتريه ما يعتريه، ولو استطاع الالتزام الصارم بالتخطيط في الصغيرة والكبيرة مدة محددة، فإنه لن يستطيع ذلك على المدى الأوسع. ثم إنه تخطر للمربي خواطر، وتجدُّ له قضايا، والإغراق في التحديد الدقيق المسبق والمفصل للأهداف يحول دون الاستفادة مما يجد من ذلك. فالاعتدال والوسطية سنة الله في خلقه وشرعه. الثاني: المناداة والمطالبة بتحديد الأهداف والانطلاق في العمل منها جزء من التفاعل مع تطور الحياة المعاصرة وتعقدها، وقد كان من نتاج هذا التطور نشأة علوم وتفرع تخصصات، كعلم الإدارة والتربية والاجتماع وعلم النفس، وسائر فروع العلوم الإنسانية التي لم تكن معروفة من قبل، كما كان من نتاج ذلك التفرع الدقيق في التخصصات. ومن ذلك تغير برامج طلب العلم ووسائله، الذي كان في إطار المساجد والحلق، فنشأت الجامعات بأنظمتها وبرامجها. وكما أن الأخذ بأسباب القوة المادية مطلوب اليوم، فالأخذ بهذه الأسباب التي هي من الأسباب المعنوية أمر له أهميته. الثالث: السعي للتأصيل الشرعي، والاستدلال بالنصوص الشرعية، والاهتداء بعمل النبي صلى الله عليه وسلم أمر له أهميته، بل هو مطلب لابد منه لضمان السير على المنهج الشرعي في الدعوة والتغيير، لكن مما ينبغي أن يلحظ في هذا الإطار: أ - أن من الأهداف ما يدخل تحت أصول شرعية عامة، كتقديم الأولويات، ورعاية المصالح ودرء المفاسد، وسد الذرائع….إلخ. وليس بالضرورة أن يكون لكل هدف دليل أو نص خاص. ب - من الأهداف ما أملته ظروف العصر، وأفرزه القصور التربوي السائد في مجتمعات المسلمين، وهذا لا يفتقر إلى استدلال؛ إذ هو جزء من صفات الإنسان السوي المنتج، لكن الواقع المعاصر أسهم في فقدانه. ومن الأمثلة على ذلك: تنمية المبادرة الذاتية، وكثير من الأهداف في الجانب العقلي. ج - أن كثيراً من الوسائل تدخل في إطار الأصل العام للوسائل وهو الإباحة؛ فكل وسيلة تؤدي إلى غاية دعوية مشروعة - ما لم تكن محرمة في ذاتها- فهي مباحة، وتعاطيها سائغ، وليس شرطاً أن يكون قد ورد فيها نص يدل على مشروعيتها، والمطالب بالدليل هو من يَمنع لا من يبيح(2) د - كثيراً ما نستدل على بعض الوسائل الواردة في ثنايا هذا البحث بما ورد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم من باب تدعيم الحديث في ذلك والتأكيد عليه، لكنه لا يعني افتقار جواز إتيان تلك الوسيلة إلى النص عليها كما سبق بيانه، وإن كانت الوسائل النبوية - ما لم تكن أملتها ظروف العصر وطبيعته - أولى وأجدى من غيرها. وظيفة الأهداف التربوية: يعد تحديد الأهداف التربوية نقطة الارتكاز والمنطلق الأساس في العمل التربوي، وتكمن أهمية الأهداف ووظيفتها فيما يلي:- 1- أنها تشكل الأساس والمنطلق في العملية التربوية كلها؛ إذ هي تعني حشد الطاقات والإمكانات للوصول لهذه الأهداف. 2- أنها تسهم في اختيار المربين وتتحكم في ذلك؛ فالمربي الناجح هو الذي يستطيع تحقيق هذه الأهداف وتحويلها إلى واقع ملموس. 3- أنها تسهم في تحديد البرامج والوسائل التربوية، فهي إنما تقام لتحقيق هذه الأهداف. 4- أنها تسهم وتتحكم في تحديد مضمون ومحتوى ما يقدم من معارف ومعلومات. 5- أنها تسهم في الاستثمار الأمثل لأوقات العاملين وجهودهم؛ فعدم وضوح الأهداف يؤدي إلى ضياع أوقات وجهود كثيرة. 6- أنها تمثل الأساس والمنطلق في تقويم العمل التربوي، فالتقويم إنما يتم بناء على مستوى ما تحقق من الأهداف(3) شروط صياغة الأهداف: حتى تؤدي الأهداف وظيفتها المرادة لابد من أن تتحقق فيها شروط عدة، ما بين شروط تحقق لها الانضباط بضوابط الشرع، وشروط في صياغتها ولغتها، ومن ذلك: 1-أن تكون مشتقة من الثوابت والأصول الشرعية، متفقة مع منهج أهل السنة والجماعة، بمفهومه الواسع الشامل. 2- أن تراعى في أولوياتها المقاصد الشرعية؛ فتعطي كل جانب ما يستحقه دون إفراط ولا تفريط، فلا تقدم السلوك مثلاً على الاعتقاد. 3- الواقعية بحيث تكون ممكنة التطبيق، فلا تكون مثالية موغلة في الخيال. 4- لشمول بحيث تشمل الجوانب التربوية للفرد والمجتمع كلها، ولا تكون قاصرة على مجال دون غيره. 5- أن تصاغ بطريقة علمية سليمة. 6- الوضوح والدقة، بحيث لا يختلف اثنان في تفسيرها. 7- أن تكون محددة غير عائمة، وألا يشتمل الهدف على أكثر من عنصر(4) مستويات الأهداف: تقسم الأهداف التربوية إلى ثلاثة مستويات: (أعلى ومتوسط ومحدد)، ويقسمها بعض من كتب في التربية الإسلامية إلى مستويات أربع، وتبقى مستويات الأهداف مجالاً للأخذ والعطاء،لأن فيها قدرًا من النسبية ومن التقسيمات الشائعة، مايلي: 1 - الغاية العليا: وهي تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى، ويجب أن تكون هذه الغاية هي التي تحكم سائر الأهداف، بل أن تكون جميع الأهداف موصلة إليها ومحققة لها، وهي غاية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56) وعن ربيعة بن عباد قال: والله إني لأذكره يطوف على المنازل بمنى وأنا مع أبي غلام شاب ووراءه رجل حسن الوجه أحول ذو غديرتين، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم قال: "أنا رسول الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً" ويقول الذي خلفه: إن هذا يدعوكم إلى أن تفارقوا دين آبائكم، وأن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلال. قال: فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب(5). بل الدعوة لتوحيد الله وعبادته هي غاية دعوة سائر الأنبياء {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25). 2 - المستوى العام للأهداف: وهي التي تمثل الأهداف العامة لتربية الفرد والمجتمع المسلم وتكون مشتقة من الغاية وموصلة إليها. "والأهداف في هذا المستوى تفتقر إلى التحديد والواقعية، فهي عبارات عامة جداً يستريح لها القارئ فهماً وتنظيراً، ولكنه يجد صعوبة في ترجمتها لخبرات تربوية، كما أن المتربي لن يجد خطوات محددة يسير عليها، أو معالم بارزة ينتهي عندها"(6) لكنها ضرورية ولابد منها، وما يليها من الأهداف يشتق منها، ويوصل إليها، ومن أمثلة هذه الأهداف: - تحقيق البناء الإيماني في نفوس الطلاب. - رفع مستوى الصحة النفسية والاستقرار النفسي لدى الطلاب. 3 - المستوى المتوسط للأهداف: وهي الأهداف التي تختص بمرحلة دراسية أو عمرية أو مدة زمنية معينة، وهي تشتق من الأهداف العامة وتوصل إليها، وأغلب حديثنا في هذا الكتاب هو حول هذا المستوى. ومن أمثلة هذا المستوى: - تكوين الاعتزاز بالإسلام ومبادئه. - تنقية الدين من البدع والخرافات. - تعريف الطالب بقدراته وإمكاناته. 4 - المستوى المحدد للأهداف: وهي التي تكون خاصة بوحدة دراسية معينة، أو برنامج تربوي معين، وتشتق من المستوى المتوسط، وتكون أكثر تحديداً ودقة، ويجب أن تكون قابلة للقياس. ومن أمثلة هذا المستوى: - أن يستطيع الطالب تطبيق خطوات التفكير العلمي. - أن يفرق الطالب بين الركن والواجب في الصلاة. مثال يوضح مستويات الأهداف وتدرجها: ويوضح المثال الآتي تدرج الأهداف وفق المستويا ت المختلفة: فالإعداد الدعوي هدف عام اشتققنا منه أربعة أهداف متوسطة تؤدي إليه، وتحققه، ثم قمنا باختيار أحد الأهداف المتوسطة، واشتققنا منه أربعة أهداف محددة تؤدي إليه، كما يتضح من الشكل الآتي: وما سنذكره في هذا الكتاب حول الأهداف حديث عام، لا يغني المربي عن أن يضع خطة تفصيلية وأهدافاً محددة تتناسب مع طبيعة العمل الذي يقوم به، كما يتضح من الملحق.

----------------

الحاشية:

(1) (مقاييس اللغة 6/40.). (2) (انظر: لقاء الباب المفتوح للشيخ ابن عثيمن (15/49)، قواعد الوسائل (317)، مجلة المشكاة (ع1) حكم التمثيل في الدعوة إلى الله). (3) (انظر: أهداف التربية الإسلامية. علي خليل أبو العينين (13-14)). (4) (انظر: أهداف التربية الإسلامية وغاياتها. مقداد يالجن (34-35) أهداف التربية الإسلامية. علي خليل أبو العينين (15-16). التخطيط والمتابعة بين النظرية والممارسة. طلال الغرياني (112-122).). (5) (رواه أحمد (15597).). (6) (علم النفس الدعوي (21)).

الفصل الثاني: خصائص المرحلة

المرحلة التي نتحدث عنها هي مرحلة الشباب، ويقع جزء كبير منها في مرحلة المراهقة، وهي مرحلة متميزة لها سماتها وخصائصها. ومن ثم فمن المهم التعريف بخصائص هذه المرحلة وسماتها، والحديث المفصل عنها يطول، لذا سنتحدث هاهنا بإيجاز عن أهم خصائص المرحلة وسماتها، وهذا لا يغني المربي عن الرجوع إلى الكتب المتخصصة للاستزادة حول هذا الموضوع. هناك أمور يشترك فيها معظم الناس وتسود في أغلب المجتمعات، وثمة صفات مرتبطة بالإنسان من حيث هو إنسان، إلا أن ذلك لا يعني أن المجتمعات والناس سيصبحون نسخة واحدة، فليس ما يصدق على أحدهم يصدق على سائر الناس، وهذا له صلة كبيرة بموضوع حديثنا. لذا فالعوامل المختلفة في المجتمعات تترك أثرها في حياة المراهقين، فيختلفون من عصر لآخر، ففي العصور السابقة التي كان يدخل فيها المراهق ميدان العمل في وقت مبكر، ويتزوج وهو صغير، كان المراهق أسرع نضجاً وأقل مشكلات من هذا العصر الذي تطول فيه مدة التعليم والاعتماد على الأسرة، ويتأخر الزواج وتحمل المسؤولية. وهم يختلفون من مجتمع لآخر، ويختلفون في المجتمع الواحد من بيئة لأخرى؛ فالمراهق في الريف والبادية يختلف عن المراهق في الحاضرة، والمراهق في المجتمع الصناعي يختلف عنه في المجتمع الزراعي، كما يختلف في المجتمع القبلي المترابط عنه في المجتمع المدني المعاصر الذي تقل فيه الروابط الأسرية والقبلية. ولذا فالمراهق في المجتمعات الإسلامية التي كانت تعيش صفاء الإسلام ونقاءه، لا يمكن أن يقارن بالمراهق الذي يعيش في حضارة العصر المادية التي اتسعت فيها ألوان الفساد والمؤثرات، ومن يقرأ السيرة النبوية يرى كيف كان الشباب - الذين عاشوا هذه المرحلة - في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في ميادين الجهاد ونصرة الدين، ولم يكونوا يعانون من هذه المشكلات التي يعاني منها المراهق اليوم(1). وكما يحصل الاختلاف بين المجتمعات، فهو كذلك بين الأفراد أنفسهم في المجتمع الواحد، بل في الأسرة الواحدة، ومع ذلك تبقى سمات مشتركة يلتقي فيها معظم المراهقين. مصطلح المراهقة: قال ابن فارس: "الراء والهاء والقاف أصلان متقاربان، فأحدهما: غشيان الشيء الشيء، والآخر: العجلة والتأخير. فأما الأول فقولهم رهِقه الأمر: غشيه.... قال الله جل ثناؤه: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} (يونس:26). والمراهق: الغلام الذي دانى الحلم… وأرهق القوم الصلاة: أخروها حتى يدنو وقت الصلاة الأخرى. والرَّهَق: العجلة والظلم. قال الله تعالى:{فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا} (الجن:13) والرَّهَق: عجلة في كذب وعيب" (2). والأصلان اللذان تدور حولهما هذه المعاني لهما صلة بهذا المصطلح. وذكر في لسان العرب معاني عدة للرهق منها: الكذب، والخفة والحِدَّة، والسفه والنُّوك، والتهمة، وغشيان المحارم وما لا خير فيه، والعجلة، والهلاك(3). ومعظم هذه المعاني موجودة لدى المراهق. الفرق بين المراهقة والبلوغ: البلوغ عند علماء النفس يعني "بلوغ المراهق القدرة على الإنسال، أي اكتمال الوظائف الجنسية عنده، وذلك بنمو الغدد الجنسية عند الفتى والفتاة وقدرتها على أداء وظيفتها، أما المراهقة فتشير إلى التدرج نحو النضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي، وعلى ذلك فالبلوغ جانب واحد من جوانب المراهقة، كما أنه من الناحية الزمنية يسبقها، فهو أول دلائل دخول الطفل مرحلة المراهقة" (4). مراحل المراهقة: مع أن المراهقة مرحلة لها خصائصها التي تميزها عما قبلها وبعدها من المراحل، إلا أن بعض المختصين يقسمونها إلى مراحل فرعية: المراهقة المبكرة (12-14) وتقابل المرحلة الإعدادية (المتوسطة). المراهقة الوسطى (15-17) وتقابل المرحلة الثانوية. المراهقة المتأخرة (18-21) وتقابل المرحلة الجامعية، وهذا حسب التقسيم الدراسي في معظم الدول العربية (5). ونظراً لأننا لسنا بصدد دراسة مفصلة، سنتناول الخصائص العامة للمرحلة دون التفاصيل التي تميز مرحلة فرعية عن أخرى. وتبدو سمات المراهق في جوانب النمو الآتية: أ - النمو الجسمي: لما كانت المراهقة تعني بداية دخول الشاب عالم الرجال، ودخول الفتاة عالم النساء، فمن سنة الله في خلقه أن يتهيأ جسمه لذلك، فينمو بما يؤهله للانتقال إلى المرحلة الجديدة. ويشمل النمو الجسمي مظهرين: النمو الداخلي (الفسيولوجي)، وهو النمو في الأجهزة الداخلية غير الظاهرة للعيان، ويشمل ذلك بوجه خاص النمو في الغدد الجنسية. أما المظهر الثاني: فهو النمو العضوي، ويتمثل في نمو الأبعاد الخارجية للمراهق، فيزداد طوله ووزنه، وتبدو العلامات التي تميز الشاب عن الفتاة، فيخشن صوت الشاب، ويبدأ نمو الشعر في مواطن معينة من جسمه، وفي المقابل يبرز الثديان لدى الفتاة، وتبدو لديها مظاهر الأنوثة. ويتميز النمو الجسمي في مرحلة المراهقة بسرعته الكبيرة، وقد ينشأ عنها عدم تناسق بين أجزاء الجسم المختلفة مما قد يسبب الحرج له، كما أن النمو الجسمي لا يسير في توازن مع سائر المظاهر، فقد يسبق النمو الجسمي النمو العقلي أو الاجتماعي: فينتظر منه مَنْ حوله أن ينتقل إلى عالم الرجال وهو لما يزال طفلاً بعد، وقد يحدث العكس فيتأخر النمو الجسمي ويُعامل على أنه طفل بينما هو يشعر أنه قد تجاوز ذلك. ب - النمو العقلي: تشهد مرحلة المراهقة الطفرة في النمو العقلي، وأبرز جوانب النمو في هذه المرحلة ما يلي: 1- اطراد نمو الذكاء، في الوقت الذي اكتمل فيه نمو المخ العضوي، ويتوقف نمو الذكاء في المتوسط عند سن الثامنة عشرة، وتصبح الفروق بعد ذلك عائدة إلى الخبرة(6)، فلو وجهت أسئلة للذكاء لا تعتمد على الخبرة لمجموعتين، الأولى في العشرين من العمر والثانية في الثلاثين فلن تجد فرقاً. 2- بروز القدرات الخاصة، ويقصد بها: النشاط العقلي المقتصر على مجال معين، وهي متعددة، ومن أبرزها: القدرة الرياضية التي تتعلق بالتعامل مع الأرقام والمعادلات، والقدرة اللفظية، والقدرة اللغوية، والقدرة المكانية التي تتعلق بالقدرة على التعامل مع المسافات والأحجام والاتجاهات، ويشمل التغير في القدرات الخاصة في مرحلة المراهقة مايأتي: 2-1- اتضاحها فهي ضئيلة في مرحلة الطفولة، وتتضح غالباً في الخامسة عشرة. 2-2- الثبات النسبي، فلو أجري قياس لها في الخامسة عشرة، ثم في الثامنة عشرة لكانت النتائج متقاربة. 2-3- اتضاح الفروق الفردية. 2-4- اتضاح الفروق بين الجنسين، فيتميز الرجال بالتفوق في القدرات الرياضية، والمكانية، والميكانيكية، والمنطقية الاستدلالية. وتتفوق النساء في القدرات: اللغوية، وإدراك العلاقات الاجتماعية. 3- تكوُّن الاتجاهات وتبلورها، والاتجاه: موقف عقلي تجاه موضوع معين يجعله يسلك سلوكاً واحداً في المواقف المتشابهة. ومن مخاطر الاتجاهات استمرارها غالباً وصعوبة تعديلها بعد سن المراهقة، وأن الشخص يبدأ يتعامل مع المواقف من خلال هذا الاتجاه، فالذي يتعارض معه يقوم بتأويله بما يتفق مع هذا الاتجاه. ومن الأمثلة على ذلك: أن يتكون لدى الشاب من خلال مواقف عديدة اتجاه سلبي ضد المتدينين. وحين يقابل بعد ذلك أشخاصاً متدينين يتسمون بحسن الخلق واللباقة فإنه سيفسر ذلك بأن هذه الأخلاق لأجل مصالح، أو أنها مجاملة...إلخ. 4- يظهر التفكير المجرد لدى المراهق، وهذا من أبرز التغيرات العقلية، والمقصود بالتفكير المجرد: القدرة على القيام بالعمليات العقلية دون التقيد بالمحسوس، فالطفل لا يفهم إلا المحسوس، أو ما يقرب له بصورة المحسوس، فهو يفهم الحب على أنه تصرفات والده أو والدته تجاهه، أما المراهق فيفهم الحب على أنه أمر قلبي، ويفرق بين حقيقة الحب ومظاهره. ومن مظاهر التغير في التفكير لدى المراهق: 4-1- التفكير في أمور جديدة، لم يكن يفكر فيها من قبل، ومن هنا ينشأ التفكير في الكون والحياة والخلق. 4-2- إثارة أسئلة لم يكن يسألها من قبل. 4-3- المبالغة في تحليل الأمور، وقد يناقش كثيراً من الأمور التي كان يعدها مسلمات فيما مضى. 4-4- المقارنة بين الكائن والممكن، فهو يستطيع تصور واقع أفضل من الواقع الذي يعيشه، وينتقد واقعه وتصرفات الكبار، أما في مرحلة الطفولة فقد كان يأخذ الأمور على أنها مسلمات. 4-5- استخدام الرموز للتعبير عن رموز أخرى، فيستطيع أن يستخدم نظاماً رمزياً من الدرجة الثانية، ولهذا فهو يستطيع تعلم الجبر، ويفهم التعبير المجازي والصور البلاغية. 4-6- القدرة على افتراض الفروض لمشكلة معينة، واختبارها والاختيار بينها. وتؤدي قدرة المراهق على التفكير المجرد ونقص الخبرة لديه إلى مشكلتين رئيستين، الأولى: المثالية في التفكير، والثانية: الحيرة بين البدائل. 5- يصبح التعلم منطقياً لا آلياً، ويبتعد عن طريق المحاولة والخطأ. 6- تزداد القدرة على التذكر عند المراهق وتقوى حافظته، وثمة فرق بين الأطفال والمراهقين في الحفظ، فالأطفال يميلون إلى التذكر الآلي، بخلاف المراهقين فهم يميلون إلى تذكر الموضوعات التي حفظت بطريقة منطقية. 7- تزداد القابلية على إدراك مفهوم الزمن، فيتوقع المستقبل ويخطط له. 8- ينمو الانتباه في مداه ومدته ومستواه، فيستطيع المراهق استيعاب مشكلات طويلة معقدة في سهولة ويسر، ويستطيع التركيز لزمن أطول من مرحلة الطفولة. 9- تزداد القدرة على التعميم وفهم التعميمات والأفكار العامة، فهو يعمم فهماً معيناً من خلال حدث أو أحداث تمرُّ عليه. 10- يخرج من التفكير السلبي إلى التفكر الإيجابي فيبحث عن المسؤولية، ويتساءل عن نظرة الناس له، ويشعر بالهامشية حين يكون منبوذاً، وبالقيمة حين يكون مسؤولاً. ويمثل الجانب العقلي أكثر الجوانب التي يفتقر معظم المربين اليوم إلى معرفتها، وهو أكثرها غموضاً لديهم، ففئة كبيرة من المربين لا تعرف عن المراهقة إلا أنها مرحلة طيش وعناد وسفه، ومرحلةٌ تظهر فيها مشكلة الشهوة، ويجهلون هذه الجوانب المهمة. ولاشك أن إدراك هذه الجوانب له أثره الكبير في صياغة الأهداف والبرامج التربوية، وأثره على اللغة التي ينبغي أن تسود في التعليم، وفي الحوار والإقناع. ولا ينبغي أن يتصدى امرؤ للتربية ويتحمل مسؤوليتها وهو يجهل صفات من يقوم على تربيته وخصائصه. ومرحلة تعميم التجارب الشخصية، والنظر للآخرين من خلال ما مرَّ بالشخص في مرحلة المراهقة، والمحاولة والخطأ، هذه المرحلة ينبغي أن نتجاوزها. ج - النمو الانفعالي: من أبرز سمات النمو الانفعالي لدى الشاب في مرحلة المراهقة: 1- مفهوم الذات، ويقصد به: الفكرة التي يحملها الفرد عن نفسه، فقد تكون سلبية، وقد تكون إيجابية، وهي تنشأ من ردود أفعال الآخرين تجاه الشخص، وهو يبدأ في مرحلة الطفولة لكن هناك تغيرات تلحق به في مرحلة المراهقة، ومنها: 1-1- الاستقرار والتبلور، حتى يصبح تأثره بما يقوله الآخرون عنه أو ما يحدث له ضعيفاً. 1-2- الانخفاض النسبي في مفهوم الذات لدى كثير من المراهقين، بسبب التغيرات التي يحتاج إلى التكيف معها، والإحباطات التي تمرُّ به. 1-3- التغير الجذري عند بعض المراهقين، فقد يحصل لدى بعضهم تغير جذري ينعكس على سلوكه فيتحول من طالب مجد مؤدب إلى مهمل كسول مشاغب. أو العكس. ويستفاد من مفهوم الذات كثيراً في علاج بعض مشكلات المراهقين، من خلال السعي لتغييره وتعزيز الشعور الإيجابي للمراهق تجاه ذاته. ومن هنا فالإفراط كثيراً في لوم المراهق وتأنيبه وانتقاده محدود الجدوى في علاج مشكلاته، بل ربما يزيدها تعقيداً. 2- الشعور بالأنا، ذلك الكيان المستقل عن والديه، إرادة وأحاسيس ومشاعر، مما يكون له أثر في ظهور الانفعالات التالية، كما يضغط عليه بأسئلة ملحة عن ماهيته وماذا يريد؟ 3- غزارة الانفعال وقوته، فانفعالات المراهق قوية وشديدة، فهو إذا أحب أو كره بالغ في ذلك، وإذا غضب يحطم ما بيده، ويتصرف تصرفات غير متزنة. ويضعف تحكمه فيها فقد يضحك في مواقف لا يليق أن يضحك فيها. 4- التذبذب الانفعالي وتقلب المراهق بين سلوك الأطفال وتصرفات الكبار. 5- الذاتية والاعتداد بالنفس، لذا فهو يملك حساسية مفرطة لنقد الآخرين له، ويعتقد أن الآخرين ينظرون إليه دائماً، ومن ثم يبالغ في الاهتمام بمظهره. 6- تبدو ظاهرة أحلام اليقظة لدى المراهق، فينتقل فيها من عالم الواقع إلى عالم الخيال، وهي - ما لم تخرج عن حد الاعتدال - لا تمثل مشكلة. د - النمو الاجتماعي: من أهم مظاهر النمو الاجتماعي لدى المراهق: 1- الاهتمام بالمظهر الشخصي والاعتناء به. 2- تحقيق الذات والميل إلى الاستقلال الاجتماعي، والانتقال من الاعتماد على الغير إلى الاعتماد على النفس. 3- الميل إلى الأصدقاء والارتباط بهم والثقة الكبيرة بهم، ومن هنا تنشأ لدى المراهق ظاهرتان: 3-1- الظاهرة الأولى: الصديق الحميم، حيث يرتبط بأحد أصدقائه ارتباطاً قوياً، فيتحدثان سوياً، ويذهبان سوياً(7). 3-2- الظاهرة الثانية: مجموعة الرفاق، حيث يشكل المراهقون مجموعات صداقة، وتتسم هذه المجموعة بمحدودية عددها، وشدة تماسكها، وقوة ضغطها على أفرادها. 4- الميل إلى الزعامة والإعجاب بالشخصيات اللامعة ومحاولة محاكاتها. 5- زيادة الوعي بالمسؤولية الاجتماعية، والمكانة الاجتماعية والطبقة التي ينتمي إليها(8). حاجات المراهق: يختلف علماء النفس اختلافاً واسعاً في تصنيف حاجات المراهق وترتيبها، وجزء كبير من هذا الاختلاف أمر اصطلاحي يتعلق بالتصنيف والترتيب، ومن أبسط التصنيفات، تصنيف النغيمشي، حيث صنَّفها إلى: أ- حاجات نفسية، وتشمل: الحاجة للعبادة، الحاجة للأمن، الحاجة للقبول. ب- حاجات اجتماعية، وتشمل: الحاجة للرفقة، الحاجة للزواج، الحاجة للعمل والمسؤولية. ج- حاجات ثقافية، وتشمل: الحاجة للاستطلاع، الحاجة للهوية الثقافية. وسيأتي تناول الحاجات بشيء من التفصيل في الجانب النفسي، بمشيئة الله تعالى. المراهق والتدين: تشهد هذه المرحلة اتجاهاً قوياً لدى الشاب والفتاة نحو التدين، ويتمثل في التفكير والتأمل، وفي الاعتناء بممارسة الشعائر الدينية، وقد أثبتت ذلك دراسات نفسية عديدة، حتى في المجتمعات التي يعتبر الدين فيها أمراً هامشياً، كالمجتمعات الغربية اليوم، فكيف بالمجتمعات المتدينة؟ إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الروم:31). عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَّرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً". وبيَّن صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أن العوامل الطارئة هي التي تصرف المرء عن اتباع الدين، فقال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنهتربية الشباب الأهداف والوسائل smile.gifفِطْرَة اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (الآية ….(9). ولما كانت هذه المرحلة هي مرحلة التكليف الشرعي، كان من حكمة الله أن تتجه النفس فيها للتدين، وأن يقوى فيها هذا الجانب. "وإذا كان الطفل منذ نعومة أظفاره يدرك عدداً من المعاني الدينية بتأثير هذه الفطرة التي أودعه الله إياها، فإن هذا الإدراك هو شعور غير محدد، فهو يبدي عدداً من الانفعالات، ويثير جملة من الأسئلة عن الله خالق الكون…فإن المعاني الدينية تتضح أكثر عند المراهق، بسبب نضجه العقلي الذي وصل إليه، فلا تكاد المراهقة تبلغ أوجها - حوالي السادسة عشرة تقريباً - حتى تكون مستويات المراهق الإدراكية قد تفتحت وتسامت، وذكاؤه قد بلغ أوجه، كما تتحدد في هذه المرحلة اهتمامات المراهق، ويتحرر من الشطحات والخيال، ويميل إلى القراءة والاطلاع، ويصبح قادراً على التجريد وإدراك المعنويات، وتجاربه في البيت والمدرسة والمجتمع قد تنوعت، كل تلك العوامل العقلية والاجتماعية تتضافر في إيجاد وعي ديني عند المراهق، يختلف عن الاهتمام الديني عند الأطفال…والمراهق كغيره يجد في الدين أملاً مشرقاً بعد يأس مظلم، ويجد فيه أمناً من خوف، وفكراً يسد فراغه النفسي وقلقه الانفعالي، وهذا كله يدفع بالمراهق إلى المبالغة في العبادة والتعمق فيها أحياناً" (10). والاتجاه نحو التدين عند المراهق فرصة ينبغي الاعتناء بها واستثمارها الاستثمار الأمثل حتى تسهم في تربية الشاب وإصلاحه، وهي فرصة"يمكن أن يعاد فيها تشكيل النفس كلها إن كانت في حاجة إلى إعادة التشكيل، فإذا كانت فترة الطفولة قد أفلتت - لأي سبب من الأسباب - فستتهيأ في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها فرصتان هائلتان لإعادة التشكيل، إحداهما هذه السابقة للبلوغ، والأخرى التي تحدث في مرحلة البلوغ" (11). وحين ننظر إلى هذا الجانب، وننظر من زاوية أخرى في سمات المرحلة وخصائص النمو ندرك حكمة الباري جل وعلا حين اختار هذا السن للتكليف؛ فشخصية المرء بكافة جوانبها تقوده نحو الشعور بأنه دخل عالم الرجال؛ ومن ثم يعيد النظر في ذاته ويتأمل حاله؛ فيدرك الغاية من خلقه، ويسعى للالتزام بالعبودية لله عز وجل. وبعد أن تحدثنا عن سمات المرحلة وخصائصها آن لنا أن نشرع في الحديث عن الأهداف التربوية، ولنبدأ بأهمها وأولاها ألا وهو الجانب الإيماني.

----------------------------

الحاشية:

(1) إن تقرير هذه الحقيقة لا يعني أن المراهق في المجتمع المسلم المعاصر لا يعاني من مشكلات أفرزها الواقع التربوي والاجتماعي والحضارة المعاصرة. (2)مقاييس اللغة (2/451). (3) لسان العرب (10/128-131). (4) سيكيولوجية المراهق المسلم المعاصر. ص 14. (5) انظر علم نفس النمو. حامد زهران (293). (6) روى الرامهرمزي (188) بإسناده عن الثوري رحمه الله أنه قال:"يُثغِر الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة، ويكمل عقله لعشرين، ثم هو التجارب" قال: وقد رُوِي نحو من هذا عن علي. (7) يفسر كثير من المربين هذه الظاهرة تفسيراً سيئاً، ويرون أنها من مظاهر العشق، ويبالغون في التعامل معها، ومع أنها قد تؤدي لشيء من ذلك، لكنها سمة طبيعية في هذه المرحلة، وليست بالضرورة مَرَضية. (8) تم تلخيص سمات المرحلة من المراجع الآتية: النمو في مرحلة المراهقة. محمد عماد الدين إسماعيل/ المراهقون. عبدالعزيز النغيمشي/ المراهق. نوري الحافظ/محاضرات في سيكيولوجية النمو. جامعة الزقازيق/ سيكيولوجية المراهق المسلم المعاصر. عبدالرحمن العيسوي/ علم نفس النمو. حامد زهران. علم نفس المراحل العمرية.عمر المفدى. (9) رواه البخاري (1358) ومسلم (2658). (10) الشعور الديني عند المراهق. عثمان جمعة ضميرية. مجلة البيان ع37 ص59-60. (11) منهج التربية الإسلامية. محمد قطب 2/202.
المصدر: ملتقى شذرات


jvfdm hgafhf - hgHi]ht ,hg,shzg

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-18-2012, 07:26 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,419
افتراضي

الفصل الثالث: الجانب الإيماني

حين نتحدث عن الإيمان بمفهومه الشرعي فنحن نتحدث عن الدين كله بكافة جوانبه، فالإيمان شعب أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فالتربية الإيمانية بهذا المفهوم تشمل كافة جوانب التربية، بدءاً بتصحيح الاعتقاد والصلة بالله عز وجل، وانتهاءً بغرس الآداب العامة والخاصة، وتشمل كل ما يعين على القيام بواجبات الإيمان من علم ودعوة، وإعداد للإنسان للقيام بهذه المهام. لكنها تطلق باصطلاح أخص، يشمل جوانب الصلة بالله عز وجل وتحقيق التقوى والإيمان، وهو الاصطلاح السائد في الأدبيات التربوية اليوم بديلاً لاصطلاح (التربية الروحية) الذي يمثل تأثراً بالمصطلحات النصرانية والصوفية، وقد شاع هذا الاصطلاح وغيره نتيجة للاحتكاك الفكري بطوائف شتى من أهل الملل الأخرى والفرق الضالة، ونتيجة لضعف العلم الشرعي لدى كثير ممن يكتب في التربية الإسلامية والفكر الإسلامي. قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومعلوم أن لفظ ********ة، وهذه البلاد فيها روحانية، وهذه المجالس فيها روحانية، وهكذا كلها مصطلحات صوفية لا عهد للشريعة بها، فعلى المسلمين تجنبها، وإن كان لها بريق، فعند تأمل البصير لها يجدها خواء، أو تشتمل على منابذة للشريعة بوجه ما" (1). والأولى الالتزام بالأسماء الشرعية (الإيمان، الإسلام، الصلاح، التقوى، الإحسان، الطاعة، المعصية، الفسوق....وغير ذلك). ففي غيرها من الألفاظ الطارئة محاذير عدة منها: 1- التشبه بأهل الملل الأخرى والطوائف الضالة. 2- أن هذه الألفاظ والأسماء لا تتلقى مجردة عن دلالاتها ومعانيها، ومن ثم يتسرب الانحراف إلى المعاني بعد أن كان في الألفاظ والأسماء. 3- أن الأسماء الشرعية لها معان ودلالات لا يفي بها أي اسم أو لفظ آخر. 4- أن الأسماء الشرعية تترتب عليها أحكام دنيوية كالعدالة التي تعد شرطاً لتولي التربية والتعليم، وقبول الشهادة والرواية…إلخ، وتترتب عليها أحكام أخروية، فالبعد عنها ينشأ عنه الخلط في هذه الأحكام. وسيكون حديثنا عن الجانب الأخص في التربية الإيمانية، والفصل إنما هو لضرورة البحث، وإلا فالكائن البشري كل لا يتجزأ، والإيمان هو الأصل وهو المبتدأ وإليه المنتهى. أهمية التربية الإيمانية: تبدو أهمية التربية الإيمانية وضرورة الاعتناء بها من خلال أمور عدة، من أهمها ما يلي: الأول: الإيمان هو أفضل الأعمال: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" (2). وعن أبي ذر- رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله" قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أعلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها" (3). وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال(4). الثاني: الإيمان مناط النجاة يوم القيامة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (5). الثالث: تفاوت الناس يوم القيامة على أساس الإيمان: وهذا التفاوت له ميادين منها: أ - تفاضل أهل الجنة فيما بينهم؛ فعن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (6). ب - تفاوت العصاة من الموحدين في النار؛ فعن معبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك -رضي الله عنه- وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، فقال: يا أبا حمزة، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاءوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم...الحديث، وفيه: فأقول يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجداً، فيقال يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل" (7). وفي حديث الشفاعة الطويل: "...فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبيَّن لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا.. " (8) الرابع: الإيمان هو الأساس والأصل في التربية الإسلامية، وسائر الأمور إنما هي فروع وثمرات لهذا الأصل العظيم، فالسلوك والعلم الشرعي والجهاد والدعوة والكف عن الحرمات إنما هو ثمرة ونتيجة من نتائج تحقق الإيمان. وحين نعنى بتربية الإيمان في النفوس، ويأخذ الجانب الإيماني نصيبه وحظه نختصر خطوات عدة، ونوفر الجهد في ميدان ومجال واحد. الخامس: الإيمان هو الزاد للمرء في مواجهة الشهوات التي عصفت بشباب المسلمين اليوم، وهي مسؤولة عن حالات كثيرة من الإخفاق والتراجع. السادس: قوة الإيمان هي العلاج الأنجع لكثير من المشكلات التي يشتكي منها الشباب اليوم (قسوة القلب، ضعف العناية بالعبادات، الفتور...) والاعتناء بتقوية الإيمان والتقوى في النفوس خير من التداعي لعلاج هذه الأمراض بعد وقوعها. السابع: قوة الإيمان هي أهم ما يعين المرء على الثبات على دين الله، خاصة ونحن اليوم نعاني من كثير من حالات التقهقر والتراجع؛ لذا فحين سأل هرقل أبا سفيان -رضي الله عنه- عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب" (9). الثامن: قوة الإيمان هي أعظم حاجز بين المرء وبين مواقعة الحرام والمعاصي، قال تعالى عن الشيطان: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (النحل:99). وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" (10)، فالذي يحول بينه وبين الوقوع في هذه المعاصي وغيرها هو الإيمان. وحتى حين يواقعها العبد فالمؤمن هو أقدر الناس على الإقلاع والتوبة {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (الأعراف:201). هذه الأمور وغيرها تؤكد على المربين ضرورة إعادة النظر في مدى الاعتناء بالجانب الإيماني في تربيتهم، وأين موقعه ضمن أولوياتهم؟ والنظر السريع اليوم في واقع جيل الصحوة يدعونا إلى إعطاء الجانب الإيماني مزيداً من الرعاية والعناية. ويمكن أن يتمثل الهدف العام في الجانب الإيماني فيما يلي: الهدف العام في الجانب الإيماني: غرس الإيمان وتقويته: وهو يعني تعاهد الإيمان في نفوس الناشئة، والسعي لتنميته وزيادته. وسائل عامة في البناء الإيماني: إن الوسائل التي تعين على تحقيق التربية الإيمانية وعلى زيادة الإيمان في نفوس الناشئة لا تخفى على الشباب العاملين في الميادين التربوية، لكن نشير إلى أهمها هنا لما يرتبط في بعضها من تفصيلات ربما تكون مهمة. ومن هذه الوسائل: 1 - الاعتناء بالقرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتدبراً: القرآن الكريم له أثره العظيم في إصلاح النفوس وتزكيتها، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، لذا فقد رأينا أثر الاجتماع على تلاوة القرآن الكريم وحفظه وتدارسه لدى شباب الصحوة اليوم، وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (11). ونحمد الله تبارك وتعالى أن وفَّق جيل الصحوة اليوم للاعتناء بالقرآن والتربية عليه، حتى صار حفظه وإتقانه هدفاً يتطلع إليه الشاب ويصرف زهرة وقته في تحصيله، وهذا أمارة تأس بالسلف الذين كانت لهم عناية بالغة بتعلم القرآن وحفظه. عن جندب بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة(12) فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً(13). وقال ابن عبدالبر: "طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضلَّ، ومن تعداه مجتهداً زلَّ، فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه... " (14). وقال محمد بن الفضل بن محمد: سمعت جدي - يعني ابن خزيمة- يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك، فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت فلما عيدنا أذن لي. وقال الإمام النووي: "كان السلف لا يعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن " (15). ويحكي ذلك ابن خلدون فيقول: "اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات " (16). ومما ينبغي أن يضاف للاعتناء بحفظ القرآن ما يلي: 1- الاعتناء بتلاوته والتلذذ بسماعه، وما أجمل أن يطلب الشباب من أحدهم حين يجتمعون في مجلس من مجالسهم أن يتلو آيات من كتاب الله عز وجل، وكذا كان يصنع عمر -رضي الله عنه-، فعن أبي سلمة أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا رأى أبا موسى -رضي الله عنه- قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى؛ فيقرأ عنده(17). 2- الاعتناء بالتدبر، وتعويد الشباب عليه، وتدارس معاني القرآن الكريم. 3- الاعتناء بدراسة كتب التفسير، وعلوم القرآن وأسباب النزول… وغير ذلك مما له صلة بكلام الله عز وجل. 2- التفكر في المخلوقات: لقد أرشد القرآن الكريم في مواطن عدة إلى التفكر في مخلوقات الله تعالى، والاستدلال بعظمتها على عظمة خالقها عز وجل، وجعل ذلك من صفات أهل العقل والحكمة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأولِي الأَلْبَابِ} (آل عمران:190). والتفكر الحقيقي في مخلوقات الله يؤدي بصاحبه إلى الإيمان والتقوى واللجوء لخالقه عز وجل؛ ذلك أن آيات الله إنما يعقلها العالمون من عباده، ويتفكر فيها أولو الألباب. لذا فعلى المربي الاعتناء بهذا الجانب والاهتمام به، ومن الوسائل المحققة لذلك ما يلي: 1- دراسة آيات القرآن الكريم التي فيها الحديث عن عظمة الله عز وجل، ودراسة تفسيرها، وربطها بالواقع. 2- ربط العلوم المادية التي يدرسها الطلاب -وتتناول جانباً من عظمة خلق الله- بالإيمان، والحديث عن مظاهر عظمة هذا الخلق التي تدل على عظمة الخالق عز وجل، وألا تعرض مادة جافة. 3- حين يخرج الأب مع ابنه، أو المعلم مع تلامذته إلى الخلاء فيرى جمال المخلوقات وتناسقها فليذكرهم بالله عز وجل، وليربطهم بآياته سبحانه. 4- دراسة جوانب من نتاج العلم المعاصر التي اكتشفت حقائق تدل على عظمة خلق الله عز وجل(18). 3 - جلسات الذكر: لقد كان صلى الله عليه وسلم يعنى بمجالس الوعظ والتذكير، وكان أصحابه يجدون أثر ذلك في نفوسهم، ويفتقدونه حين يغدون إلى بيوتهم ويخالطون أهليهم. عن حنظلة الأسيدي- وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات(19). وأثنى صلى الله عليه وسلم على الذين يجتمعون على ذكر الله وطاعته، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم؛ إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (20). وكان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اعتناء بمجالس الذكر، كما سيأتي في الحديث عن التعاون على أداء العبادة. 4 - المواعظ: الموعظة تحرك القلوب وتثير كوامن النفوس، وكثير من العصاة والمعرضين ارتدعوا عما وقعوا فيه من فسق وفجور بسبب موعظة استمعوا إليها. لذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعنى بالموعظة لأصحابه، يحكي أحد أصحابه وهو العرباض بن سارية -رضي الله عنه- عن موعظة وعظها إياهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي؛ فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ " (21). وحتى تترك الموعظة أثرها ينبغي أن تكون تخولاً (بين الحين والآخر)، وألا تكون بصفة دائمة. عن أبي وائل قال: كان عبدالله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا(22). ومن المواطن التي تناسب الوعظ المواقف المؤثرة؛ فهي تهيئ النفوس، وتزيل قسوتها؛ فتكون أقرب للتأثر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين وعظ أصحابه في جنازة أحد الأنصار. ومنها رؤية المربي للتقصير والإعراض من الناس، وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" قال: فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، قال: غطوا رءوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً….(23). 5- التعاون المشروع على أداء العبادات: النفس تضعف ويصيبها الفتور والتقصير، لكن المسلم حين يرى ما عليه إخوانه الصالحون يزداد همة ونشاطاً للعمل والاجتهاد فيه، لذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أتقى الناس وأقربهم لله تبارك وتعالى يزداد طاعة وهمة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة(24).قال النووي عند ذكره لفوائد هذا الحديث:"ومنها زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم" (25). ومن صور التعاون المشروع على أداء العبادة: أ - الأمر بها والحث عليها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فإذا أوتر قال: "قومي فأوتري يا عائشة" (26). بل خرج صلى الله عليه وسلم من بيته ذات ليلة لابنته وصهره آمراً إياهما بالصلاة والتهجد، فعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة فقال: "ألا تصليان؟ " فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إلي شيئاً ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: {وَكَانَ الأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف: 54) (27). ويوصي صلى الله عليه وسلم بهذا التعاون بين الرجل وزوجته مثنياً على من يفعله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" (28). ب - الاجتماع المشروع على العبادة، كالاجتماع على الذكر، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون ذلك؛ فعن معاذ -رضي الله عنه- أنه قال: "اجلسوا بنا نؤمن ساعة"، يعني نذكر الله تعالى(29). وعن الأسود بن هلال قال: كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه (30). وعن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزدد إيماناً(31). ومن ذلك الاجتماع أحياناً على أداء النافلة وصلاة الليل، على ألا يكون راتباً ودائماً. وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع في جماعة فصلى معه ابن عباس، وصلى معه حذيفة، وصلى معه جابر، وصلى بأصحابه جماعة في بيت رجل من الأنصار. وبوَّب البخاري على هذا الحديث (باب صلاة النوافل جماعة)، قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث: "وفيه ما ترجم له هنا وهو صلاة النوافل جماعة , وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة , فأما أن يكون مشتهراً ويجمع له الناس فلا, وهذا بناه على قاعدته في سد الذرائع لما يخشى من أن يظن من لا علم له أن ذلك فريضة" (32). وقيَّدنا الاجتماع بأن يكون مشروعاً حذراً من الاجتماع غير المشروع، كالاجتماع على الذكر الجماعي، أو اتخاذ صلاة النافلة جماعة هدياً راتباً وجمع الناس لها. 6 - الاعتناء بمعرفة الأسماء والصفات: إن من يقرأ كتاب الله تعالى يدرك كثرة الحديث عن الأسماء والصفات والإشارة إليها، ويرد ذلك في مواطن عدة: في الحديث عن عظمة الله تعالى وعن مخلوقاته، وعند الحديث عن الأحكام، والخوف والرجاء، والقصص والأخبار... وسائر المواطن، وكثرة إيرادها وتنوعه في القرآن يدل على عظيم أثرها. قال ابن القيم رحمه الله: "فالإيمان بالصفات ومعرفتها وإثبات حقائقها وتعلق القلب بها وشهوده لها هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته، وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول، ومحرك عزماتهم إذا فتروا، ومثير هممهم إذا قصروا، فإن سيرهم إنما هو على الشواهد، فمن كان لا شاهد له فلا سير له ولا طلب ولا سلوك له، وأعظم الشواهد صفات محبوبهم ونهاية مطلوبهم، وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه".(33) قال العز بن عبد السلام رحمه الله: "فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم، من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، ولأن ثماره أفضل الثمرات؛ فإن معرفة كل صفة من الصفات توجب حالاً عليه، وينشأ عن تلك الحال ملابسة أخلاق سنية، ومجانبة أخلاق دنية، فمن عرف سعة الرحمة أثمرت معرفته سعة الرجاء، ومن عرف شدة النعمة أثمرت معرفته شدة الخوف، وأثمر خوفه الكف عن الإثم والفسوق والعصيان، مع البكاء والأحزان والورع وحسن الانقياد والإذعان…." (34). ولا شك أن الإثبات للأسماء والصفات كما يليق بجلال الله وعظمته دليل على تعظيم العبد لله، وأمارة على سلامة معتقده، وأن الزلل في ذلك جسيم، ومن ثم كان الضلال في هذا الباب واسعاً، وولج فيه طوائف عدة، حمانا الله من الزيغ، ووفقنا لسلوك سبيل أهل الحق. لذا فعلى المربي الاعتناء بتدارس هذا العلم الشريف مع طلابه، وألا يكون مجرد حديث جاف، بل يربط بعظمة الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله، ويربط ذلك بآثارها السلوكية في حياة الإنسان. 7 - تذكر الموت والدار الآخرة: إن تذكر الموت والدار الآخرة مما يدفع الإنسان للعمل الصالح، ويزيده إقبالاً على الآخرة وبعداً عن الدنيا، لذا فقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على تذكر الموت والدار الآخرة، ودعا إلى ذلك؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكثروا ذكر هاذم اللذات -يعني الموت-" (35). ومن الوسائل التي تحقق ذلك: التذكير به، والحديث عن الدار الآخرة، والاعتناء بتلاوة آيات القرآن، وقراءة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها الحديث عن الآخرة ووصف حال أهلها. ومن ذلك الصلاة على الجنائز وشهودها، واتباع السنة في اتباعها إلى المقبرة، وتذكر حال أهلها. ومن الوسائل التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم زيارة القبور؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي؛ فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" (36). وعن ابن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها …." (37). 8 - التنافس والتسابق في الخير: لقد أثنى الله تعالى على عباده الذين يتسابقون بالخيرات ويتنافسون فيها، فقال تبارك وتعالى:{خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26) وقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران:133) وقال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} (الحديد: 21) ووصف عباده المرسلين بهذه الصفة فقال:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} (الأنبياء: 90). وجاء في السنة الثناء على الذين يتسابقون إلى الخير ويتنافسون فيه، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً"(38). وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى الخيرات ويتنافسون فيها؛ فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالاً فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً(39). 9- القدوة الحسنة: القدوة الحسنة من أهم وسائل التربية الإيمانية وأعظمها تأثيراً، لذا فمن الأمور المهمة التي ينبغي أن يتصف بها المربي: السمت والهدي الحسن، وقد كان السلف يعنون بهذا الجانب كثيراً، ويرون أن من لايتسم بذلك لاينبغي أن يؤخذ عنه العلم أو يتلقى عنه. ومن أعظم الأدلة على أهمية القدوة وتأثيرها حديث الذين وفدوا المدينة مجتابي النمار، فعن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثَّ الناس على الصدقة فأبطؤوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصُرَّة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" (40). فقد ترك هذا الموقف أثراً في نفوس الناس ودفعهم إلى الصدقة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حثهم على ذلك. ومن المواقف التي تتجلى فيها أهمية القدوة ودورها في التربية، ماحصل أثناء حفر الخندق، حين اشتكى له أصحابه صلى الله عليه وسلم الجوع فكشف عن حجرين على بطنه. "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم ببنت شفة، لأن القدوة في مثل هذا الموطن هي التي تتحدث، لقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رداءه، فإذا مقابل كل حجر يربطه الصحابي على بطنه حجرين على بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لسان الحال يقول: إن كنتم تربطون حجراً فأنا أربط حجرين اثنين. ترى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً على أريكته يأكل ويشرب والناس في الخندق يحفرون، في جوع وبرد شديدين، أكان هذا الأمر هيناً على النفوس؟ حتى وإن لم تنطق بكلمة" (41). وقد نصَّ أهل العلم على أنه حين تكون المصلحة في إظهار العمل ليقتدى به فهو أفضل، قال الحافظ ابن كثير: "وقوله "وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم" فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به فيكون أفضل من هذه الحيثية" (42). وينبغي للمربي السعي للوقوف في موقف وسط بين إهمال القدوة، وبين تكلف فعل العمل الصالح وإظهار التخشع لأجل أن يقتدى به، فهذا قد يقوده إلى الرياء، وذلك مسلك خفي. وحين تصلح حاله، وتتحقق التقوى لديه، فلن يحتاج للتكلف، بل سيكون العمل والهدي الصالح سمتاً له. 10- الاعتناء بدراسة سير السلف: إن في سير السلف وأخبارهم من العبر والقدوة الشيء الكثير، لذا فالاعتناء بها وإبرازها، وربط الناشئة بهذا الجيل ورجاله يترك أثراً له أهميته في ميدان التربية. ومما ينبغي أن يُعنى به في هذا الميدان أن أقوال وأفعال آحاد السلف ليست حجة، بل لابد أن توافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وينبغي للمربين التنبيه على هذا الجانب، ومن ذلك ما يروى أن أحدهم صلى كذا وكذا سنة الفجر بوضوء العشاء، أو كان يقوم الليل كله، أو عاقب نفسه حين وقعت في خطيئة بصيام سنة….وغير ذلك، كل هذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. لكن لا يُسوِّغ ذلك الطعن فيمن نقل عنه شيء من ذلك، بل لابد من تربية الناشئة على توقير رجالات السلف والتأدب معهم، ومع ذلك حين يرون منهم ما يخالف الحق لا يتأسون به ويعتذرون لصاحبه، والطريقة التي يعلق بها المربي على مثل هذه الروايات لها أثر كبير غير مباشر في غرس هذه النظرة وهذا المنهج في التعامل مع سير السلف وأخبارهم، الذي يجمع بين توقيرهم واحترامهم، وبين قصر التلقي على ما يؤيده الوحي والنص الشرعي. أهداف فرعية في الجانب الإيماني: 1 - تقوية تعظيم الله في النفوس: وهذا هو الأساس الذي تتفرع منه سائر فروع الاعتقاد، وقد عاب تبارك وتعالى على أهل الزيغ والضلال أنهم لم يقدروه حق قدره فقال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67). وحين يستقر تعظيم الله تبارك وتعالى في النفس، ويملك صاحبه العلم الصحيح فإنه يسلم له اعتقاده، وتنضبط حياته بشرع الله تبارك وتعالى. فالذي يعظم الله تعالى لا يقدم بين يدي قوله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتردد في تصديق الأخبار والتزام الأوامر وترك المنهيات، ولا يتعلق قلبه بغير الله، ولا يتجه لمخلوق؛ فيصفو اعتقاده ويستقيم عمله، ويضع للمخلوقين منزلتهم التي يستحقونها. ومن الوسائل التي تعين على تحقيق ذلك: 1- الاعتناء بتلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته. 2- التفكر في مخلوقات الله عز وجل؛ فيدرك من خلال ذلك عظمة خالقها عز وجل، وقد سبق الحديث عن هاتين الوسيلتين. 3- الاعتناء بتحقيق توحيد الأسماء والصفات ومعرفة الله عز وجل وسبقت الإشارة لذلك. 4- ترك تعظيم المخلوقين ورفعهم فوق منزلتهم، سواء أكانوا من أهل السلطان في الدنيا، أم كانوا من الأولياء والصالحين. 2 - تحرير القلب من التعلق بغير الله: إن كثيراً من أمراض الشبهات والشهوات ترتبط بتعلق القلب بغير الله، فأولئك الذين يلجؤون للسحرة والكهنة ويصدقون المشعوذين، وأولئك الذين يسيطر عليهم التطير والتشاؤم وسائر الأساطير إنما أتوا من تعلق قلوبهم بغير الله تعالى. وأصحاب الشهوات الذين فتنوا بها كذلك، فقلوبهم قد تعلقت بها واتجهت إليها وصارت هي قبلتهم. لذا كان لابد في التربية من تنقية القلوب وتخليصها من التعلق بغير الله والتوجه لسواه، سواء كان دافع ذلك شهوة أم شبهة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكل من علَّق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبرا لهم متصرفاً بهم ; فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر; فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيراً لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد; وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها. وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ; فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور ; الذي لا يستطيع الخلاص منه.... وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبياً فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنباً ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه، وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين " (43). وقال ابن القيم رحمه الله -حول حديث "من مات لايشرك بالله شيئاً.."-: "فاعلم أن هذا النفي العام للشرك -أن لا يشرك بالله شيئاً البتة- لا يصدر من مُصر على معصية أبداً، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمُصر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئاً، هذا من أعظم المحال ولا يلتفت إلى جدلي لا حظَّ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فرض ذلك واقعاً لم يلزم منه محال لذاته، فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمساً في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل، فإن ذُلَّ المعصية لابد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفاً من غير الله وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره من الأسباب التي توصله إلى غرضه؛ فيكون عمله لا بالله ولا لله، وهذا حقيقة الشرك، نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعباد الأصنام، وهو توحيد الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله، ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عُبَّاد الأصنام، والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين، والمقصود أن من لم يشرك بالله شيئاً يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصرّاً عليها غير تائب منها، مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب والخضوع والذل والخوف والرجاء للرب تعالى" (44). 3 - تقوية التقوى في النفس: التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين {ولقد وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} (النساء:131)، وقد تكرر الأمر بتقوى الله تعالى في كتابه، ورُبطت التقوى بأركان الإسلام وشعائره العظام، ففي الصيام يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183) وفي الحج يقول تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (البقرة:197). ومما يعين على تحقيق التقوى: 1 - الاعتناء بالأمر بها والحثُّ عليها، وقد كان هذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في خطبه كثيراً ما يأمر بتقوى الله، ويتلو الآيات التي ورد فيها الأمر بذلك (آية آل عمران، وآية النساء، وآية الحشر). وحين سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: "تقوى الله وحسن الخلق" (45). 2 - تدارس صفات المتقين في كتاب الله تبارك وتعالى، والسعي لتطبيقها وتمثلها. 4 - تقوية المراقبة لله تبارك وتعالى: "المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه" (46)، وهي منزلة عالية جعلها النبي صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب الدين، فقال في حديث جبريل المشهور: "والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". وعن عبد الله بن معاوية الغاضري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ثلاث من فعلهن فقد طعم طَعْمَ الإيمان، مَنْ عبد الله وحده؛ فإنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدةً عليه كلَّ عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة، ولا الشَّرط اللائمة ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم؛ فإن الله عز وجل لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره، وزكى عبد نفسه"، فقال رجل: ما تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: "يعلم أن الله معه حيثما كان" (47). ومما يعين المربي على تحقيق ذلك: 1 - الوعظ والاعتناء به؛ وإنما تعظم ثمرته حين يخرج من قلب صادق، قال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري: إذا جلست للناس فكن واعظاً لقلبك ونفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك(48). ب - الاعتذار عما قد يطلبه المتربي - مما فيه مخالفة لأمر الله أو تقصير- بمراقبة الله واطلاعه. ج - كثيراً ما يحدث الابن أباه أو معلمه عن بعض ما يراه من مواقف فيها مخالفة شرعية، كالغش والاحتيال ونحو ذلك، وهو في الأغلب يسوقها خبراً عادياً أثاره فيه غرابته، فيجدر أن يعلق المربي على مثل هذه المواقف بأن أولئك الذين لا يراقبون الله تعالى لو كان لديهم أحد من البشر يخافونه لما اجترؤوا على المخالفة، وبأنهم سيدفعون ثمناً باهظاً بعد ذلك. د - الحذر من مراقبة الشاب بالصورة التي تجعله يترك المعصية إرضاء لمن يربيه، بل ربطه بالله عز وجل في هذا الجانب، وتنمية الرقابة الذاتية، حتى لو علم المربي بوقوع الشاب في معصية. 5 - العناية بأعمال القلوب: إن مناط النجاة يوم القيامة هو صلاح القلب واستقامته {يومَ لاينفعُ مالٌ ولابنونَ إلا مَنْ أتى الَله بقلبٍ سليمٍ}، ولذا فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن القلب هو ميدان الصلاح والفساد الحقيقي، وسائر الجسد إنما هو تبعٌ له، فقال: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (49). ومن ثم كانت "التربية الإسلامية تولي الاهتمام الأكبر في تقويم السلوك إلى إصلاح القلب وتثبيت الإيمان فيه، فإذا استقام السلوك الداخلي استقام تبعاً له الخارجي لا محالة، بخلاف العناية بتقويم السلوك الظاهر فقط؛ فإنه يعتبر بناء على غير أساس، وكل بناء على غير أساس عرضة للانهيار" (50). قال ابن رجب رحمه الله:" فأفضل الناس من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية؛ فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان" (51). وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"والدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان" (52). وقال ابن القيم رحمه الله: "ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟ وهل يمكن أحداً الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت" (53). 6 - العناية بالفرائض: الفرائض هي الأساس والأصل، وأعظم ما يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى كما أخبرنا بذلك عنه أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم فقال: فيما يرويه عن ربه: "وما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه " (54). ومن الأمور التي ينبغي أن يعنى بها المربي: الحرص على غرس تعظيم الفرائض والاعتناء بها ورعايتها لدى من يربيهم، وضرورة تقديمها على النوافل والتطوعات. واهتمام المربي بالفرائض والاعتناء بها لا ينبغي أن يقف عند مجرد تأكيد الإتيان بها وفعلها، بل الاعتناء بأدائها وإقامتها على الوجه الأكمل، وإتقانها وإحسانها، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها. عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" (55). ومن ذلك الاعتناء بتعليم المتربين أحكامها، والسعي لإتقانهم ما يتوقف عليه صحة الفرائض وبطلانها، ثم الاعتناء بتعليم آدابها وسننها وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها. 7 - تعظيم حرمات الله واجتناب المعاصي: إن من أمارات صدق الإيمان وقوته بُعْد العبد عن معصية الله تبارك وتعالى وتعظيمه لمحارمه. قال ابن مسعود -رضي الله عنه-:" إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا - قال أبو شهاب بيده فوق أنفه-" (56). ومن ثم كان من أهم ما ينبغي أن يعنى به المربي غرس تعظيم حرمات الله ومعاصيه في نفوس من يربيهم. ومن الوسائل التي تعينه على ذلك: أ - تذكيرهم بشأن الذنوب والمعاصي وخطورتها، وأثرها على النفس(57). ب - ابتعاده هو عنها، ومجانبته إياها. ج - أن يروا منه تعظيمها واستنكاف إتيانها، وتأثره حين يرى أحداً يواقعها، وهو سلوك لا يستطيع أن يتكلفه من لم يستقر تعظيم حرمات الله في قلبه. د - أن يجنبهم المواطن التي تظهر فيها المعاصي، ويعوِّدهم على هجرها إن لم يستطيعوا إنكارها؛ لذا فقد عظَّم الشرع عقوبة المجاهر بالمعصية، ونهى عن مجالسة أهل العصيان إن لم يرتدعوا عن ذلك {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}(النساء:140). ه - ألا يتساهل بمجاهرة أحد بها، وأن يناصحه حين يراه وقع فيها محذراً إياه من شؤمها وأثرها. 8 - الورع واجتناب الشبهات: الورع واجتناب الشبهات طريق لتحقيق الابتعاد عن الحرام؛ لأن من يواقع الشبهات يوشك أن يواقع الحرام، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحلال بيِّن والحرام بين وبينهما مُشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (58). والذين يُعدُّون للدعوة إلى الله تعالى وتوجيه الناس يتأكد في حقهم اجتناب الشبهات والورع عنها؛ إذ هم المرآة أمام الناس ينظرون إليهم ويتأسون بهم. وهذا يفرض على المربي الاعتناء بتحقيق ذلك في نفسه، والاعتناء بإبعاد المحاضن التربوية عن كل ما فيه شبهة شرعية، أو يوحي بشيء من الاستهانة بحدود الشرع وآدابه. ومما يؤسف له أننا نرى اليوم إهمالاً للورع الشرعي، فيتساهل بعض المربين في كثير من الأمور بحجة عدم النص على تحريمها، أو أن فيها خلافاً بين أهل العلم، ومن تأمل أحوال السلف وسيرهم رأى خلاف ذلك. وثمة فرق بين سلوك الشخص في ذات نفسه، وبين البرامج التي تقدم ليتربى عليها الشباب، وينتظر منها أن تغرس الورع والتقوى في نفوسهم. وثمة فرق أيضاً بين أن يمتنع الإنسان عن أمر تورعاً وبين أن يحرمه ويُؤثِّم من فعله. 9 - العناية بالنوافل: بعد تحقيق الإتيان بالفرائض لابد من الاعتناء بالنوافل؛ إذ هي سبب لتحقيق محبة الله تعالى: "...وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه... " (59). كما أن بها يكمل ما انتقص من فريضة العبد "...فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة... " (60). واعتناء الشاب بالنوافل والعبادة لله مما يزيده إيماناً وتقوى لله عزوجل، ومما يصلح كثيراً من أحواله. ومن الوسائل التي تعين المربي على تحقيق هذا الجانب: أ - اعتناء المربي نفسه بأداء النوافل والمحافظة عليها حتى حين يضيق به الوقت. وتطبيق المربي للسنة في أداء النوافل في المنزل مما يربي أولاده على الاعتناء بها، وهذه السنة قد غفل عنها كثير من طلبة العلم، حتى صار الناس يظنون بالذي يؤدي النوافل في البيت أنه لا يصليها. ب - توجيه المتربين وبيان منزلة النوافل وفضلها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه إلى الاعتناء بالنوافل، كما ورد في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- حين قصت أخته حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا التي رآها، فقال لها:" نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" فكان بَعْدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً(61). ووجَّه عبدالله بن عمرو للاعتناء بقيام الليل، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عبدالله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل" (62). ج - أن يراعى في أوقات البرامج العامة التي تقدم للطلاب ترك وقت لأداء النوافل، وبيان ذلك للطلاب وحثهم عليها. د - أن يراعى المربي ذلك حين تكليفه لمن يربيه بأمر أو مهمة، فحين يطلب الأب من ابنه أداء مهمة عاجلة فليس من المستحسن أن يأمره بترك الراتبة، وحين يكون الأمر عاجلاً يوجهه إلى أن يؤديها في المنزل، أو بعد فراغه من المهمة إن كانت لا تطول.

----------------

الحاشية:

(1) معجم المناهي اللفظية ص 285. (2) رواه البخاري (26) ومسلم (83). (3) رواه البخاري (2518) ومسلم (84). (4) رواه مسلم (1885). (5) رواه مسلم (54). (6) رواه مسلم (2831) وأصله في البخاري دون موضع الشاهد. (7) رواه البخاري (7510). (8) رواه البخاري (7440) ومسلم (182). (9) رواه البخاري (71) ومسلم (1773). (10) رواه البخاري (2475) ومسلم (57). (11) رواه مسلم (2699). (12) الحَزَوَّر هو الغلام إذا اشتد وقوي وخدم، وهو الذي قارب البلوغ (اللسان 4/187). (13) رواه ابن ماجه (61). (14) جامع بيان العلم وفضله (2/166). (15) المجموع (1/38). (16) مقدمة ابن خلدون (537-538). (17) رواه الدارمي (3493). (18) انظر: مفتاح دار السعادة/ النحلة تسبح الله لمحمد حسن الحمصي/ غريزة أم تقدير إلهي لشوقي أبي خليل/ العلم يدعو إلى الإيمان/شريط وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً لأحمد الدعيج. (19) رواه مسلم (2750). (20) رواه البخاري (6408) ومسلم (2689). (21) رواه الترمذي (2676) وابن ماجه (42). (22) رواه البخاري (70) ومسلم (2821). (23) متفق عليه واللفظ لمسلم (2359). (24) رواه البخاري (3220) ومسلم (2308). (25) صحيح مسلم بشرح النووي (15/75-76). (26) رواه مسلم (744). (27) رواه البخاري (1127) ومسلم (775). (28) رواه أحمد (7362) وأبو داود (1308) والنسائي (1610) وابن ماجه (1336). (29) رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (105). (30)رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (107) وأبو عبيد في الإيمان (20). (31)رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (104). (32) فتح الباري (3/79-80). (33) مدارج السالكين (3/350). (34) فتاوى العز ابن عبدالسلام 240-241. وانظر للاستزادة: مفتاح دار السعادة 2/90/ معارج القبول 1/126/ الأسماء والصفات لعمر الأشقر 18-38. (35) رواه أحمد (7865) والترمذي (2307) والنسائي (1824) وابن ماجه (4258). (36) رواه مسلم (976). (37) رواه مسلم (977). (38) رواه البخاري (615) ومسلم (437). (39) رواه الترمذي (3675) وأبو داود (1678) والدارمي (1660). (40) رواه مسلم (1017). (41) التربية الوقائية في الإسلام ومدى استفادة المدرسة الثانوية منها. خليل الحدري ص216-217. (42) تفسير ابن كثير (1/482). (43) مجموع الفتاوى (10/186-187). (44) مدارج السالكين (1/354-355). (45) رواه أحمد (7847) والترمذي (2004) وابن ماجه (4246). (46) مدارج السالكين 2/68. (47) رواه البيهقي (4/95)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1046). (48) مدارج السالكين 2/68. (49) رواه البخاري (52) ومسلم (1599). (50) الأهداف التربوية السلوكية عند شيخ الإسلام ابن تيمية (113). (51) المحجة في سير الدلجة (56). (52) مجموع الفتاوى (10/355). (53) بدائع الفوائد (3/710). (54) رواه البخاري (6502). (55) رواه مسلم (245). (56) رواه البخاري (6308). (57) من المراجع المفيدة في ذلك: مفتاح دار السعادة، وشعب الإيمان للبيهقي، ومدارج السالكين (منزلة التوبة). (58) رواه البخاري (52) ومسلم (1599). (59) رواه البخاري (6502). (60) رواه الترمذي (413) وابن ماجه (1426). (61) رواه البخاري (1122) ومسلم (2479). (62) رواه البخاري (1152) ومسلم (1159).
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-18-2012, 07:26 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,419
افتراضي

الفصل الرابع: الجانب العلمي والعقلي

إن أي تربية تتجاوز البناء العلمي الشرعي، أو تعطيه مرتبة متأخرة بين المتطلبات التربوية،هي بعيدة عن المنهج النبوي؛ ذلك أن الجيل الذي يعاني من الضعف العلمي لن يقوم بالواجبات الشرعية في نفسه كما ينبغي، فضلاً عن أن يقوم بواجب الإصلاح والدعوة للناس. ويحتاج جيل الصحوة اليوم إلى أن يعطي الجانب العلمي القدر الذي يستحقه من الأوقات والجهود، أما حين يكون نصيبه فضلة الوقت والجهد، فسوف ينشأ جيل يعاني من البنيان الهش الذي سرعان ما ينهار، أو يأخذ ذات اليمين أو الشمال. ومما ينبغي مراعاته في هذا الجانب: 1- إعطاء الجانب العلمي الاهتمام اللائق به كما سبق، دون إفراط أو تفريط. 2- الاعتناء بتعليم كافة الشباب - بغض النظر عن تخصصاتهم العلمية والعملية - الحد الأدنى من العلم الشرعي، الذي يمكنهم من فهم المسائل الشرعية العلمية، والتعامل مع مصادر المعلومات بالطريقة التي تتناسب مع مستوياتهم. 3- ينبغي أن تسعى المحاضن التربوية إلى غرس الاهتمام العلمي في نفوس الناشئة، لا أن تكون البرامج العلمية مجرد استجابة لمطالب أو ضغوط ذوي الاهتمام العلمي. 4- هذا الميدان من أكثر الميادين التي يبدو فيها تفاوت القدرات والإمكانات، ومن ثم فلابد من مراعاة ذلك واعتباره؛ إذ يغلب على كثير من المحاضن والمؤسسات التربوية إعطاء برامج موحدة لجميع الطلاب في الميدان العلمي، وهي قضية يجب أن يعاد فيها النظر. ولئن كانت هناك معوقات كثيرة ترتبط بالمؤسسات التعليمية الرسمية، فالمؤسسات التعليمية الخاصة، والمحاضن التربوية تملك من المرونة والحرية ما يعينها على تصميم برامج تراعي فيها الفروق الفردية، وتفاوت الإمكانات والقدرات وتفاوت الحرص والاهتمام العلمي، وألا تقدم لطلابها نسخة مكررة من البرامج التعليمية. 5- ينبغي أن تمتد أهدافنا لتعنى بالتربية العقلية، وألا تقف عند حدود إعطاء الجانب العلمي والمعرفي، خاصة وأن "مرحلة الشباب تعتبر أحسن فترات حياة الفرد للتربية العقلية" (1). فمن خلال التربية العقلية الصحيحة يمكن تهيئة الأرضية المناسبة للتلقي العلمي، ومن خلالها يملك الشاب الآلية التي تعينه على التعامل الصحيح مع المعلومات والمعارف التي يتلقاها. كما يتجاوز أثر التربية العقلية الجانب العلمي إلى سائر مجالات حياة الشاب فلها نتائج مهمة "في حياة الفرد، وفي مشاعره وقيمه وأهدافه وتعامله وتعايشه وتصرفاته" (2). و"عن طريق التربية العقلية يكون الفرد قادراً على إصدار أحكامه الصائبة على الأشياء، واستفادته من أخطائه وأخطاء غيره، والانتفاع بتجاربه وتجارب الآخرين، وقدرته على حل المشكلات ومواجهة المواقف"(3). الهدف العام في الجانب العقلي والعلمي: تقوية البناء العقلي والعلمي. ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال الوسائل الآتية: وسائل عامة في البناء العلمي والعقلي: هناك وسائل عامة تعين على تحقيق البناء العلمي والعقلي لا يمكن إدراجها تحت هدف واحد، ومن هذه الوسائل: 1 - تطوير طرق التعليم والبرامج الثقافية: رغم تطور الفكر التربوي، وكثرة المختصين والمهتمين في هذا الجانب، فإن الطرق التقليدية في التعليم هي التي تسود اليوم في مدارسنا، وحتى التعليم الشرعي خارج نطاق التعليم الرسمي يتسم إلى حد كبير بهذه السمة. ولأجل الارتقاء بمستوى القدرات العلمية وتجاوز ما يعانيه الجيل اليوم من سطحية وضيق أفق، كان لابد من تطوير طرق التعليم، سواء من خلال الفصل الدراسي، أو من خلال الدروس العلمية والمحاضرات الثقافية والفكرية التي تقدم للناس في المسجد وخارج المسجد. ومن ملامح هذا التطوير الذي يمكن أن يسهم في الارتقاء بمستوى الشباب اليوم: 1- البعد عن الطرق الإلقائية الرتيبة، والاعتناء بالطرق الحديثة في التعليم. 2- البعد عن الطرق التي تركز على اتجاه واحد في الاتصال، ويكون دور المعلم فيها هو الملقي، ودور الطالب هو التلقي والاستماع. 3- مع أهمية الحفظ وحاجتنا إليه في العلم الشرعي، إلا أنه ينبغي ألا نعتمد عليه وحده، وألا يكون دور الطالب قاصراً على التذكر والاستدعاء فقط، بل لابد من الارتقاء إلى المستويات الأعلى منه في التحصيل (كالفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والتقويم)(4). فحين يُقدَّم للطالب درس في تعليم صفة الوضوء، فليطلب منه التطبيق بعد ذلك، وليُقدم المعلم لهم فيلماً يسجل فيه مواقف عدة ويطلب منهم بناء على ذلك اكتشاف الأخطاء التي وقعت في الوضوء. ومثله معلم العقيدة، حين يتناول موضوع القضاء والقدر، فليطلب من الطلاب مثلاً قراءة سورة الأنفال واستخراج ما يتعلق بهذا الركن العظيم، وليطلب منهم بيان آثار الإيمان بالقضاء والقدر على حياة المسلم، وذكر صور الانحراف والأخطاء في مفهوم القضاء والقدر لدى المسلمين اليوم. 4- تطوير أساليب التقويم وطرقه، فبدلاً من أن يكون الواجب المنزلي يتعلق بأسئلة مباشرة يبحث الطالب عن إجابتها في الكتاب يُكلف المعلمُ الطالبَ مثلاً أن ينظر إلى المصلين الذين يقضون الصلاة، ويذكر عدداً من الأخطاء التي وقعوا فيها، وأن يقدم المعلم مقالة مكتوبة للطالب ويطلب منه نقدها وبيان ما فيها من سلبيات وإيجابيات. 5- إعطاء فرصة للطالب في تقويم ما يسمع ونقده، بل تشجيعه على ذلك ودفعه له، بدلاً من أن تكون مهمته منحصرة في السؤال عما أشكل عليه، وأحياناً يدعو المعلم لذلك بقوله، لكن غضبه وانفعاله ونقاشه الحاد لما يقوله الطالب مخالفاً لرأيه يسهم في وأد روح النقد والتقويم لدى الطالب. وينبغي مع ذلك أن يراعى الاعتدال؛ فالإفراط في ذلك قد يؤدي إلى مناقشة البدهيات والمسلَّمات، أو تخريج طلاب يجيدون فن الجدل والخصومة، أو يسيئون الأدب مع الأكابر. 2 - تطوير أساليب الخطاب ومضمونه: إن الاعتناء بمضمون ما يقدم للناشئة في الدروس العلمية والملتقيات الفكرية أمر له أهميته وأثره في بناء شخصية الطالب، ومن المقترح في ذلك: 1- الاعتناء باختيار الموضوع الذي يتحدث فيه المتحدث أو الكاتب، والبعد عن الموضوعات التقليدية التي ملَّ الناس منها وسئموها. 2- الاعتناء بمحتوى ما يقدِّم للناس، والإعداد الجيد له، وتقديم الجديد المفيد، حتى في تناول الموضوعات التي يتكرر طرقها يمكن للكاتب أو المتحدث أن يقدم الجديد في محتواها. 3- البعد عن تقديم النتائج المباشرة، والسعي للإقناع من خلال الأدلة العلمية الموضوعية، والوصول للنتائج من خلال المقدمات. 4- الاعتدال في الحماس للرأي والفكرة الشخصية، والتفريق بين الحكم الذي جاء بنص الشرع، وبين فهم فرد معين لمسألة أو نص شرعي(5). 3 - زيادة دور الطالب في التعلم: تعتمد الاتجاهات التربوية الحديثة على تفعيل دور الطالب في التعلم والتلقي، وألا يكون دوره قاصراً على مجرد الاستماع. ومما يعين على ذلك: 1- الاعتماد على الطرق الحديثة في التعليم وعدم التركيز على الطرق الإلقائية. 2- الاعتناء بالبحوث مع مراعاة أن تكون مناسبة لمستوى الطالب، وكلما كانت قصيرة، وتتطلب الوصول إلى نتائج معينة - دون أن تعتمد على مجرد النقل والجمع- أمكن أن تؤدي دورها. 3- تعويد الطالب الوصول إلى المعلومات بنفسه من خلال السؤال والمناقشة، مع مراعاة أن يكون النقاش معيناً للوصول إلى المعلومة، دون أن يكون استظهاراً لما سبق، أو سؤالاً لا يعرف إجابته إلا من سبق له إدراك هذه المعلومة، ومن تأمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجد العناية بهذا الجانب، كما في حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار فقال: "إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم" فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم فسكت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة" (6). قال ابن حجر: "قوله: (ووقع في نفسي) بيَّن أبو عوانة في صحيحه من طريق مجاهد عن ابن عمر وجه ذلك قال: فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتى به , وفيه إشارة إلى أن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال , وأن الملغز ينبغي له ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للملغز باباً يدخل منه , بل كلما قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه" (7). 4 - المحافظة على الطاقة العقلية: طاقات الإنسان مهما بلغت وعظمت فهي محدودة، وذلك لا يصدق على الطاقة البدنية فحسب، فالطاقة العقلية والنفسية تحكمها السنة نفسها، وحتى تستثمر هذه الطاقة وتوظف في ميادينها المناسبة لابد من حمايتها من أن تبدد فيما لا طائل من ورائه. لذا فإشغال العقل بالتساؤل والبحث في أمور الغيب، أو بما لا فائدة فيه من أبواب العلم، أو بالتفاصيل التي لا ضرورة لها ولا حاجة، ولا يترتب عليها خير ومنفعة في دين ودنيا، هذا الإشغال سيكون على حساب أمور أخرى هي أهم وأحوج، إذا افترضنا أن هذا المتسائل أدرك من وراء تحصيله شيئاً. لذا فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بربه من علم لا يتحقق من ورائه نفع ولا فائدة؛ فعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها؛ أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها" (8). ووجَّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى سؤال الله ذلك، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع" (9)، والدعاء يقتضي من المرء -مع الاستعانة بالله- سلوك الأسباب الموصلة إليه. ولا يقف الأمر عند حد تحصيل المرء لعلم لا ينفعه يأخذ حيزاً من ذهنه، بل يولِّد لديه اتجاهاً للتساؤل والبحث عن مثل هذه القضايا، ويصبح الانشغال بها ديدناً له. ويزداد تأكد الأمر في هذه المرحلة المهمة من العمر، التي تعد مرحلة البناء والإعداد، وتزداد الخسارة حين تبدد هذه الطاقة فيما لا طائل وراءه. 5 - التعويد على القراءة الواسعة: تمثل القراءة عاملاً مهماً في توسيع أفق الشخص وتنمية قدراته ومهاراته، ومن ثَمَّ فغرس حُبِّ القراءة لدى الناشئة يترك أثره في نموهم العلمي والفكري. ويمكن أن يتم التعويد على حُبِّ القراءة بطرق عدة، منها: 1- الإحالة إلى أحد الكتب المهمة والشيقة عند الحديث عن قضية من القضايا، وكلما كان الكتاب متوفراً وقريباً من الطلاب كان أقرب إلى تحقق هذا الهدف. 2- وصف الكتاب والحديث عنه وطريقة مؤلفه ومزاياه. 3- المسابقات العلمية ومن أفضلها في غرس القراءة الواعية المدركة: أن يطلب من الطلاب قراءة كتاب أو جزء منه، ثم يطلب منهم الإجابة على أسئلة محددة، وذلك بعد فراغهم من قراءته، أما الأسئلة التي تُعطى سلفاً فالغالب أن يبحث الطالب عن الإجابة في الكتاب دون أن يقرأه ويستوعب ما فيه. 4- اقتراح برامج متدرجة في القراءة، وذلك بأن تحدد للطلاب فئات (أ، ب، ج، د) مثلاً، وكل مجموعة تحوي كتابين أو ثلاثة، وتكون هذه الفئات متدرجة في الصعوبة وحجم الكتاب، فحين يتم الطالب قراءة فئة (د) ينتقل إلى فئة (ج) وحين يتمها ينتقل إلى فئة (ب) وإذا أشيع روح التنافس والمسابقة في ذلك ازداد الدافع لدى الطلاب. 5- الإهداء الخاص، وذلك بأن يقدم المعلم للطالب هدية خاصة تتمثل في كتاب مناسب لمستوى تحصيله وإدراكه. 6- تخصيص أوقات للقراءة، ويمكن أن يكون ذلك في حصص الانتظار، أو في برامج الأنشطة المدرسية، فيبقى الطلاب في المكتبة وعلى كل طالب أن يختار كتاباً مناسباً ليقرأ فيه. 7- تأمين الكتب المناسبة والشيقة في المنزل والمدرسة، ومواطن تجمعات الشباب ولقاءاتهم. 8- كتاب الشهر أو كتاب الأسبوع، وهو كتاب يُختار بعناية مما يناسب مستوى الطلاب، ويُعلن عنه مع صورة غلافه، وإذا أمِّن بسعر مخفض فهذا حسن. 9- زيارة المكتبات ودور النشر ومعارض الكتب، وإطلاع الشاب على محتوياتها وحثه على الشراء. 10- فاقد الشيء لا يعطيه، فحين يكون المعلم والمربي قارئاً، ويلمس تلامذته أثر ذلك في شخصيته، ويعتادون رؤية الكتب معه، واهتمامه بها، فإنهم سينشؤون على حُبِّ القراءة. وبدون البرامج العملية التي تربط الطلاب بالقراءة وتدعوهم لها، لن يكون كثرة الحديث عن أهمية القراءة ودورها ذا أثر فاعل. 6 - الربط بالمصادر العلمية والفكرية المناسبة: يحتاج الناشئ في البداية أن يوجَّه إلى اختيار المناسب في خضم الكم الهائل المتاح من مصادر التعلم، ومن ثم فتوجيهه للكتب المناسبة، والكتَّاب المناسبين، والدوريات الموثقة الرصينة، والأشرطة العلمية الفكرية، مما يعينه على توسيع أفقه، ويسهم في تحقيق البناء العلمي والعقلي لديه بشكل أشمل. ومع الحاجة إلى الانفتاح وزيادة دائرة اتصال الشاب بالمصادر العلمية إلا أنه لا يستغني عن الإرشاد والتوجيه مما يختصر عليه خطوات كثيرة. وهذا إنما يجيده المربي الناضج الذي يتسم بسعة الاطلاع والقراءة الواسعة، أما أولئك الذين دعت الضرورة إلى الاعتماد عليهم فعليهم أن يعرفوا قدرهم، وألا يجعلوا الشباب ضحية تفكيرهم المحدود، واطلاعهم القاصر؛ فيمارسوا في حقهم الاسترقاق الفكري وقد ولدوا أحراراً. 7 - تنويع مصادر التعلم: مهما بلغت قدرات المربي وطاقاته يبقى يمثل تجربة محدودة، وهو بشر يحمل من القصور والسلبيات ما يحمله غيره من البشر. لذا كان لابد لتوسيع أفق المتربي، وتنمية قدراته، وبناء شخصيته العلمية والفكرية من فتح قنوات أخرى غير هذه، ومن ذلك: 1- تنويع قراءاته وعدم الاقتصار على شريحة معينة من الكتَّاب في إطار زمني أو مكاني محدد. 2- اتصاله الفكري واستفادته من عدد كبير من الأشخاص، من خلال استضافة بعض المتحدثين بين آونة وأخرى، وزيارتهم واللقاء معهم، وكلما تنوعت تجارب هؤلاء واتسعت خبراتهم أسهم في استفادة الطالب منهم. 3- التخلص من الممارسة غير المقبولة التي يفرضها بعض المربين-بحسن نية- من خلال طول أمد بقاء تلميذه مرتبطاً به دون سواه، وفرض حصار فكري عليه، ورفض كل مالم يرد عن قناته التي يتحكم فيها، وما أصدق مقولة الفاروق هاهنا: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" وقديماً قيل: "لا تعرف خطأ أستاذك حتى تصاحب غيره". وينبغي التأكيد هاهنا على التعامل المعتدل مع مثل هذه المقترحات، وعدم التطرف في استخدامها، ومراعاة التدرج، وأن القفزات المحطمة قد تحول التلميذ الناشئ إلى أتون فوضى فكرية قبل أن يدرك، وثمة تجارب جنى أصحابها ثمرة التطرف في الانفتاح غير المتزن. إلا أن هذا التطرف والتسيب لا يعالج من خلال ممارسة الحصار والاسترقاق الفكري للأحرار من الناس. 8 - الاعتناء بطرق التعليم الفردي: توفر التربية المعاصرة نماذج من أساليب التعليم الفردي، التي يستطيع من خلالها الطالب أن يواصل التعلم بمفرده، دون الحاجة إلى معلم(10). والاستفادة من هذه التجارب واستثمارها، بعد تطبيعها بما يتناسب مع الأوضاع التربوية، مما يعين على الوصول إلى أهداف قد نرى أن قدراتنا تعجز عنها. والدعوة إلى استثمار طرق وأساليب التعلم الفردي لا تعني اعتبارها البديل الوحيد، فلا غنى للطالب عن الارتباط بمعلمه والاستفادة من كثير من خبراته. أهداف فرعية في البناء العلمي والعقلي: ثمة أهداف فرعية تؤدي إلى الهدف العام وهو تحقيق البناء العلمي والعقلي، وتتمثل أهم هذه الأهداف فيما يأتي: 1 - غرس الشعور بالحاجة للتعلم: قبل أن نبدأ بالتعليم أو تناول البرامج العلمية لابد من تهيئة الأرضية المناسبة لذلك، وإعداد المتربي ليقبل على العلم والتعلم، ويشعر بحاجته إليه، وأهميته له. ومما يعين على تحقيق هذا الهدف: 1- بيان فضل العلم وأهله، ومنزلته من بين سائر مايتقرب به العبد إلى ربه عز وجل، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعنى بذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حاثاً لهم: "من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر" (11). ومن المفيد والمهم دوام التذكير بفضائل العلم وأهله بين آونة وأخرى، ودراسة بعض الكتب المفيدة في ذلك(12). 2- استثمار المواقف التي يمر بها المتربي لإشعاره بالحاجة للعلم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء المسيء صلاته وصلى فقال له: "ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل". فأعاده صلى الله عليه وسلم مراراً حتى أحس- رضي الله عنه - بالحاجة للتعلم فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلِّمني(13). 3- تناول بعض الموضوعات، وتقديم بعض البرامج العلمية التي تتناول جوانب يحتاج إليها الشاب بطريقة سهلة ومشوقة، تشعره بقيمة ما تعلمه، وأهمية الإقبال على العلم الشرعي. 4- وضع برامج لتداول وتوزيع الكتب والأشرطة العلمية المناسبة لمستوى الشاب والاعتناء بسماعها(14). 5- الاعتناء بإبراز سير العلماء ودراستها، والتركيز على أثر الجانب العلمي في شخصياتهم. 6- زيارة العلماء وطلاب العلم، وحضور مجالسهم وغشيانها، فلذلك الأثر القوي في إبراز شخصياتهم أمام الشباب، وفي تطلعهم إلى أن يسيروا على طريقهم. 2 - تعليم العلوم الضرورية: إن المسلم -بغض النظر عن موقعه في سلم الثقافة- يحتاج إلى قدر ضروري من العلوم الشرعية، يعرف بها ما يستقيم به دينه، ويسلم فيه اعتقاده، وتصح به عبادته. والشباب الذين يُعدُّون لتحمل المسؤولية والأمانة، ويهيؤون لحمل الدعوة، يحتاجون قدراً من العلوم الضرورية أكثر مما يحتاجه الآخرون. ومن ثم كان لابد من أن تعنى المحاضن التربوية بأن تقدم لأبنائها العلوم الضرورية التي لا يسع مسلم جهلها، وأن تسعى إلى تيسير هذه العلوم ليدركها ويعيها الجميع(15). ولما كانت الدول المعاصرة اليوم تضع حداً أدنى للتعليم الإلزامي لابد أن يصل إليه كافة مواطنيها، وهو السبيل لتوحيد الأطر المرجعية، وتكوين قدر مشترك من الثقافة لأبناء هذه الدول، فنحن أولى وأحرى أن نقدم لأبنائنا الحد الأدنى من العلم الشرعي والثقافة الشرعية، ليكون قدراً مشتركاً بين جيل الصحوة، وهذا القدر الضروري لن يُحوِّل جيل الصحوة إلى طلبة علم متخصصين، بل هو يسعى إلى محو الأمية الشرعية بينهم. 3 - تحقيق الفقه في دين الله تعالى: لقد عاب الله تعالى في كتابه -في غير ما موضع- الذين لا يفقهون فقال عز وجل:{فَمَالِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} (النساء: 78 (وأثنى صلى الله عليه وسلم على من فقه في الدين، وقدمه على غيره ممن لم يزد على مجرد الحفظ والجمع للنصوص، وفي كل خير. عن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (16). وأخبر صلى الله عليه وسلم أن مِنْ إرادة الله الخير بالعبد أن يفقهه في الدين، فعن حميد ابن عبدالرحمن قال: سمعت معاوية - رضي الله عنه- خطيباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (17). وأوصى طائفةٌ من أهل العلم طالب العلم بالاعتناء بالفقه، قال ابن جماعة: " ولا يقنع بمجرد السماع كغالب محدثي هذا الزمان، بل يعتني بالدراية أشد من عنايته بالرواية، قال الشافعي رضي الله عنه: من نظر في الحديث قويت حجته. ولأن الدراية هي المقصود بنقل الحديث وتبليغه" (18). وهذا يعني ألا يركز على الحفظ وحده -مع أهميته- بل لابد من الاعتناء بتناول فقه نصوص القرآن والسنة والاستنباط منهما، والاعتناء بدراسة القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة وفقهها، وحكمة التشريع، بالقدر الذي يتناسب مع إدراك الشاب وعقله في هذه المرحلة. 4 - تعليم مراتب العلم الشرعي: العلم ليس باباً واحداً، بل هو مراتب ودرجات، فعلوم المقاصد ليست كعلوم الوسائل، وصلب العلم وأسسه ليست كملحه ومتينه، قال الشاطبي رحمه الله: "من العلم ما هو من صلب العلم، ومنه ما هو من ملح العلم، لا من صلبه؛ ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه" (19). بل من العلم ما يكون وبالاً على صاحبه وغير نافع له، لذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من هذا العلم، فعن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (20). ولا يسوغ أن يكون الشاب ضحية اهتمامات شخصية غير متزنة لأحد معلميه ومربيه، يضخم جوانب من الجزئيات، ويجيد تشقيق المسائل وتفريعها والغوص في بعض الدقائق مقابل إهمالٍ لأسس من العلم لا غنى عنها. ومرحلة الشباب فيها قدر من التطلع إلى مثل هذا والبحث عن الغرائب، فما لم توجه التوجيه الصحيح وتستثمر فإنها تصبح داء معوقاً عن المنهج السليم في طلب العلم وتلقيه. 5 - تعظيم النصوص الشرعية: النصوص الشرعية مصدر لتلقي العلم الشرعي، وتعظيمها والوقوف عندها أمارة على صدق الإيمان، وسلامة المنهج. لذا فالاعتناء بغرس هذا الجانب أمر له أهميته، ولما كان الرعيل الأول يعرفون منزلة الوحي وأثره في النفوس تألموا لفقده وانقطاعه. عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال أبو بكر -رضي الله عنه- بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها(21). ومما يعين على تحقيق هذا الجانب: 1- أن يعتني المربي بالاستدلال على ما يعرضه بنصوص الكتاب والسنة. 2- التأدب مع نصوص الكتاب والسنة حين الحديث عمَّا ظاهره التعارض من النصوص. 3- عدم الاعتراض على النصوص الشرعية بأقوال العلماء وآرائهم، والتنبيه على خطأ من يعترض عليها بمثل ذلك، ورحم الله الإمام الشافعي حين ذكر حديثاً فسأله أحد أصحابه هل تقول به، فغضب وقال: "هل رأيت في وسطي زناراً؟ هل رأيتني خرجت من كنيسة؟ إذا حدثتكم بحديث ولم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب". إن هذا الموقف منه رحمه الله يغرس لدى تلامذته قدراً من تعظيم النصوص والوقوف عندها، وإنك لتعجب من طائفة يعظم عليهم ردّ قول شيخ من الشيوخ، ويجتهدون في الاعتذار له، ويهون عليهم كلام الله ورسوله، فحين يعترض عليهم معترض بنص من الوحي يجيبك أحدهم أن الشيخ أعلم منا بالنصوص، ولم يخالف هذا النص إلا لدليل آخر. وأسوأ من ذلك التعصب الحزبي، واتخاذ رأي جماعة من الجماعات مذهباً فقهياً جديراً بالاتباع(22). 4- حين يعترض التلميذ على رأي معلمه بنص شرعي، فإن كان لم يقف عليه فليتوقف عن رأيه، وإلا فليتأدب في توجيه دلالة النص. أما أولئك الذي يُغلِظُون على من يعترض عليهم بالنص فهم ينشئون تلامذتهم على الاستهانة بالنصوص وقلة تعظيمها. 6 - تحقيق التكامل العلمي: إن أسس العلوم الشرعية تمثل منظومة متكاملة، يرتبط بعضها ببعض ويكمله، فأصول الفقه لا غنى عنه لمستدل في باب الاعتقاد أو الأحكام، واللغة لا غنى عنها لكل طالب علم، وأسس علم الحديث يحتاجها كل مستدل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أيا كان مجال دراسته…إلخ. والمنتظر أن يتحقق لدى الشاب الحد الأدنى الذي لا يستغني عنه طالب للعلم من فروع العلوم الشرعية، لا أن يصبح متخصصاً وبارعاً في كل العلوم. نعم لابد من التخصص لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب التكامل في تحصيل العلوم الشرعية الأخرى. 7 - تنمية المهارات العقلية: العقل هو الأداة التي يتم من خلالها التحصيل العلمي السليم، ومن المشكلات التي نعاني منها اليوم في تربيتنا الأسرية والمدرسية إهمال المهارات العقلية وعدم الاعتناء بها. وتبدو أهمية الاعتناء بتنمية هذه المهارات فيما يأتي: 1 - أنها ضرورية للبناء العلمي السليم. 2 - أنها تؤثر على كافة جوانب الشخصية؛ فالمرء يستخدم المهارات العقلية في التحصيل العلمي، وفي التعليم، وفي الجوانب الاجتماعية، وفي دعوته للآخرين، وفي حواره والتعبير عن فكرته. 3 - أنها ضرورية لمن يتصدون للدعوة والتغيير في المجتمعات. وقد تعامل بعض طلبة العلم بردة فعل مع الانحراف العقدي الذي انطلق من تقديم العقل على النقل، وأدى ذلك إلى التحسس من لفظة العقل، وإلى إهمال البناء العقلي وتهميش دوره، وحين نعود إلى كتاب الله تعالى نجد تكرار استخدام لفظ العقل ومشتقاته، والدعوة إلى تحكيم العقول وعيب الذين عطلوا عقولهم وأهملوها. إننا بحاجة إلى الاعتناء بالبناء العقلي وتنمية المهارات العقلية وتوظيفها مع وضع العقل في إطاره الطبيعي، تابعاً للشرع وخاضعاً له. ومن المهارات العقلية المهمة مايأتي(23): 7-1 القراءة الذكية: سبق الحديث عن القراءة وأهميتها في بناء الشخصية، وسبقت الإشارة إلى بعض الوسائل المقترحة لتنمية الرغبة في القراءة، ولارتباط هذا الحديث بالمهارة العقلية تم تأجيله إلى هنا. وحتى تكون القراءة أكثر ثمرة وأبلغ أثراً في بناء شخصية الشاب، لابد من تنمية مهارة القراءة الذكية لديه، ومما تشمله: 1 - القدرة على الاختيار المناسب لما يقرؤه. 2 - تعلم مهارات القراءة السريعة. 3 - تنمية القدرة على فهم المقروء، وبالأخص استيعاب الفكرة العامة التي يريد المؤلف إيصالها، والتفريق بين الفكرة العامة وبين الشواهد والأمثلة والتفريعات. 4 - تنمية القراءة الناقدة، التي تجعل الشاب يفكر ويقوِّم ما يقرؤه دون التلقي المجرد، وينبغي أن يلحظ هنا التدرج، ومراعاة قدرات الشاب وثقافته، وأنه يحتاج إلى مرحلة يعتاد فيها القراءة، ومرحلة يفهم فيها وتُبنى ملكاته العلمية، ومرحلة ينتقل فيها إلى القراءة الناقدة. ومن المناسب أن يوجه في بداية المرحلة إلى كتابات مناسبة وكُتَّاب مناسبين - كما سبق عند الحديث عن الربط بالمصادر العلمية والفكرية المناسبة-. لكن هناك قدر طبيعي من النقد والتقويم للأفكار يمكن أن ينمى لدى الشاب باعتدال وتدرج. وهذه المهارات يمكن أن تعلم للشاب من خلال برامج منظمة للقراءة، أما مجرد إلقاء دروس وتوجيهات حول القراءة وأساليبها فهذا محدود الجدوى والفائدة. 7-2 التعبير اللغوي السليم: التعبير اللغوي السليم مهارة مهمة تحتاج أن تبنى عند الشاب وتقوى عنده، ومما تشمله: 1 - القدرة على صياغة أفكاره والتعبير عنها تعبيراً سليماً. 2 - القدرة على استخدام اللغة الفصيحة في الحديث والبعد عن الألفاظ العامية. 3 - القدرة على استخدام المترادفات، لتهيئ له التعبير السليم بالقدر الذي يتناسب مع الموقف، فعبارة: أعتقد أني أستحق درجة أكثر من هذه الدرجة، أفضل من عبارة: لقد أخطأت في حقي يا أستاذ حين أعطيتني هذه الدرجة. ويحتاج الشاب لهذه القدرة في الحوار ودعوة الآخرين والتأثير عليهم، ومن استمع لبعض أحاديث الوعاظ والخطباء الذين يفتقدون هذه المهارة أدرك أهمية ذلك. ومن الوسائل المعينة على ذلك: 1 - إتاحة الفرصة للطلاب ليعلقوا في الدروس ويُبدوا مداخلاتهم، مع الحرص على تعويدهم على أن يكون حديثهم بلغة فصيحة. 2 - أن يرتقي المربي بأسلوبه وطريقته في حواره معهم حتى عند الحديث الفردي عن مشكلات شخصية، بدلاً من أن يكون حديثاً بلهجة عامية هابطة. 3 - تنظيم أنشطة تتيح فرصاً للشباب في الحديث الارتجالي أمام زملائهم، ويمكن أن تشمل: إلقاء خطب قصيرة، حوارات بين طالبين حول فكرة محددة...إلخ. 4 - تنظيم أنشطة تعوِّد الشاب على كتابة أفكاره، كالكتابة حول موضوع معين، أو وصف موقف، أو الحديث عن ظاهرة في المجتمع، مع مراعاة ألا يسيطر التركيز على الجانب الأدبي والبلاغي -رغم أهميته- على التعبير السليم والصحيح عن الفكرة. 7-3 الاستماع الناقد: كما أن الشاب يحتاج إلى القراءة السليمة الناقدة، فهو كذلك يحتاج إلى الاستماع السليم الناقد، بحيث يستطيع حين يستمع إلى متحدث أن يلخص الفكرة الأساسية التي أراد المتحدث إيصالها ويستطيع أن يصدر أحكاماً نقدية على ما سمع. ومن الشواهد التي تمرُّ بنا كثيراً وتعطي دلالة على افتقاد هذه المهارة، أنك حين تسأل جمهورا ممن صلى الجمعة عند خطيب معين عن موضوع خطبته وفكرتها العامة فإنهم يختلفون في تحديد ذلك، ويخلط كثير منهم بين الأفكار الفرعية والاستطرادات، وبين الموضوع الرئيس والفكرة العامة(24). وحتى تنمو هذه المهارة يحتاج الأمر إلى أن تتاح فرص منظمة للاستماع، من خلال: حضور خطبة، أومحاضرة عامة، استضافة أحد المتحدثين، استماع إلى شريط. ويقوم المربي بتلخيص الفكرة العامة، والإشارة إلى الأفكار الجزئية والشواهد، والتفريق بينها، وهذا ينجح أكثر في الاستماع للحديث المسجل إذ يقوم المربي بالاستماع له والإعداد المسبق حتى تكون أحكامه وتحليلاته أكثر دقة. ومن الأساليب التي يمكن أن يستخدمها المربي في التدريب على هذه المهارة: 1 - المطالبة بالاستماع إلى شريط في المنزل، وتلخيص الفكرة العامة للموضوع والأفكار الجزئية، وإبداء الرأي عموماً في طريقة تناول الفكرة. 2 - مطالبة الطلاب بعد حضور الخطبة أو المحاضرة بذلك. 3 - إجراء مسابقات في تلخيص الفكرة المسموعة ونقدها(25). 7-4 الاستنباط السليم: القدرة على الاستنباط والاستنتاج مهارة مهمة، تمكِّن الشاب من استخدام المعارف والمعلومات في مواقف جديدة. وثمة مجالات يمكن أن تعود على تقوية هذه المهارة، ومنها: 1 - تعويد الشاب على استنباط الفوائد والعبر من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، مع مراعاة العمق والبعد عن الفوائد المكررة التي اعتاد الشاب عليها(26). 2 - الاعتناء باستنباط الدروس والفوائد العملية عند دراسة السيرة النبوية والأحداث التاريخية، وسيأتي حديث مفصل عن ذلك في الجانب الدعوي. 3 - توظيف المواد الدراسية التي يتلقاها الطالب في المدرسة في تنمية القدرة على الاستنباط، كالرياضيات، والتاريخ، واللغة العربية. 4 - الاستفادة من الألعاب التعليمية؛ فكثير منها تنمي المهارات العقلية، ومن بينها مهارة الاستنباط، ويمكن للمربي أن ينظم بعض الألعاب والمسابقات التعليمية، التي تجمع بين تحصيل فوائد علمية، وتحقيق التسلية، وتنمية المهارات. 8 - تعليم أسس التفكير العلمي وطرق حل المشكلات: إن مجتمعات المسلمين اليوم تعاني من الفوضى والتخبط في طريقة التفكير، وجيل الصحوة جزء لا يتجزأ من هذه المجتمعات، يرث منها الأمراض التربوية السائدة. ومما يزيد الأمر تعقيداً في هذه المجتمعات أن المؤسسات التعليمية التي ينتظر منها الناس أن تقوم بالتربية السليمة أصبحت تركز بشكل أساس على مجرد شحن المعلومات وإعطائها بطريقة مباشرة دون بناء للشخصية العلمية، مما أسهم في تخريج جيل يفتقد البناء العقلي الصحيح. لذا كان لابد لكل مربٍّ من السعي لبناء العقلية الصحيحة لمن يتولى تربيته، ومن أهم ما ينبغي الاعتناء به: بناء أسس التفكير العلمي وطرق حل المشكلات. وتشمل خطوات التفكير العلمي: تحديد المشكلة، ثم فرض الفروض، ثم اختبارها، ثم الاختيار بينها. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم من خلال السرد التقليدي لهذه الخطوات، أو تناول موضوعات نظرية حول أسس التفكير العلمي- وإن كان ذلك خطوة لابد منها -، ومن الوسائل المعينة على تحقيق ذلك ما يأتي: 1 - طريقة تناول المعلم للمعلومات وتقديمها للطلاب؛ فهي تسهم إلى حد كبير في بناء منهج التفكير العلمي لدى طلابه، فحين يتحدث عن ظاهرة أو مشكلة تواجه الطلاب في حياتهم اليومية، ينبغي أن يتناولها مستخدماً الخطوات المنطقية للتفكير العلمي، فيفترض الفروض ويناقشها ويختار بينها بطريقة علمية موضوعية. 2 - طريقة المعلم في الحوار والإجابة على تساؤلات تلامذته ومشكلاتهم لها دور فاعل في ذلك، فحين يأتي الطالب يشكو لمعلمه أن والده لا يأذن له بالمشاركة في حلقة القرآن التي في المسجد، فبدلاً من أن يعطيه الحل المباشر يسأله: ما الأسباب التي تظنها وراء هذا القرار؟ التلميذ: لا أدري. المعلم: افترض الأسباب الممكنة. التلميذ: تأثيرها على المستوى الدراسي، عدم ثقته بطلاب الحلقة، عدم معرفته لأهداف الحلقة. المعلم: هل تستطيع من خلال حواراتك السابقة معه أن تستنبط ما يقوي فرضية معينة؟….إلخ. 3 - التدريب على هذه المهارات أمر له أهميته، ف"كما أن المرء لا يستطيع أن يتعلم السباحة إلا بممارستها، كذلك فإنه لا يستطيع أن يتعلم التفكير وحل المشكلات إلا بممارستها وقتاً طويلاً". (27) 4 - صياغة البرامج بما يسهم في إعطاء الفرصة لممارسة التفكير العلمي، سواء في المحتوى كالتقليل من الاعتماد على العطاء المعرفي المباشر، والحفظ والاستظهار وحده، أو في الوسائل وطرق التعليم والتوجيه. 5 - أن تتضمن التكاليف والواجبات التي يعطيها المعلم لطلابه ما يعين الطالب على ممارسة خطوات التفكير العلمي، دون التركيز على الأسئلة التي يبحث فيها الطالب عن الإجابة من الكتاب مباشرة، أو على بحوث يكون دور الطالب فيها النقل بطريقة القص واللصق. 9 - تنمية الاتجاهات العقلية السليمة: وتتضمن الاتجاهات العقلية التي يحتاج إليها الشاب في هذه المرحلة، ما يأتي(28): 9-1 الحيدة والموضوعية: تعد الموضوعية والبعد عن الذاتية من أهم سمات التفكير العلمي السليم، ويمكن تعريف التفكير الموضوعي بأنه:" مجموعة الأساليب والخطوات والأدوات التي تمكننا من الوقوف على الحقيقة، والتعامل معها على ما هي عليه بعيداً عن الذاتية والمؤثرات الخارجية" (29). إن كثيراً من الأحكام التي نصدرها على الأشخاص والظواهر والأشياء هي أحكام ذاتية، فهي نتاج انطباع ورأي شخصي، وليس نتاج أسس ومنطلقات موضوعية. ومن أهم الوسائل المعينة على تنمية التفكير الموضوعي لدى الشاب: 1 - الاعتناء بالموضوعية فيما يقدم للشاب من معارف وأحكام على الظواهر والأشياء والأشخاص. 2 - تعويد الشاب على التفريق بين الانطباع الشخصي الذاتي وبين الحكم الموضوعي. 3 - تكوين جو يسمح بالحوار البناء، والتعود على ضبط الحوار بالأسس الموضوعية، والبعد قدر الإمكان عند الحوارات عن إطلاق الأقوال دون مستندات علمية موضوعية. 4 - إتاحة الفرصة للشاب لسماع آراء أخرى-بما يتناسب مع قدراته ومستواه العلمي والفكري- ومناقشتها وتقويمها في ضوء أسس علمية موضوعية. 9-2 الدقة عند ممارسة الأنشطة العلمية والعقلية: من أهم الاتجاهات العقلية السليمة التي تعين على البناء العلمي: التعويد على الدقة عند تحليل الحقائق وفحص الأدلة (30) وإصدار الأحكام، وإطلاق التعميمات. ويشمل ذلك التمييز بين الحقائق المختلفة والتفريق بينها، والدقة عند الاستدلال، والقدرة على تمييز الأدلة الصحيحة من الباطلة، ومناقشة الأدلة. وغياب الدقة يؤدي إلى عدم الاستيعاب للفكرة، والخلط بين الحقائق والأحكام والتعميمات، والاستدلال على الحقائق بأدلة غير صحيحة. والنقاش المتأني للأفكار والأحكام التي يصدرها الشاب، وتوسيع الحوار معه فيها يزيد من قدرته وتمكنه من الدقة والتأني. 9-3 احترام آراء الآخرين وأفكارهم: من الاتجاهات العقلية السليمة التي يحتاجها الشاب؛ احترامه آراء الآخرين وأفكارهم. ومن احترام أفكار الآخرين وآرائهم: القبول بالرأي المخالف، والتعبير الموضوعي عند سياق آراء الآخرين، والفصل عند التعبير عنها بين الآراء والحكم الشخصي عليها. ومن احترامها: الاعتدال والموضوعية في نقاشها، والفصل قدر الإمكان بين الرأي والفكرة وبين صاحبها، فلا يذم الشخص نتيجة رفض فكرته أو نقدها، ولا يكون من معايير قبولها كونها فكرة فلان أو رأيه. ومن الوسائل المعينة على تحقيق ذلك: 1 - إتاحة الفرصة للشاب لسماع الآراء الأخرى، بالقدر الذي يتناسب مع نموه العلمي والفكري. 2 - تخلي المربي عن الاستبداد الفكري، والحماس لآرائه، واعتياده عرض آرائه بصورة معتدلة. 3 - مراعاة المربي لتطبيق هذه المبادئ عند عرضه أفكار الآخرين وآراءهم، وهذا من أهم العوامل وأكثرها تأثيراً، سلباً أو إيجاباً، ولذا نرى أن أولئك الذين ينشؤون في مدارس فكرية تتسم بتبني آراء متطرفة، ولا تتقبل الرأي الآخر، نرى أمثال هؤلاء يتسمون بالقسوة والفضاضة في التعامل مع آراء الآخرين. 4 - تهيئة بيئة تسمح بآراء أخرى مخالفة، والبعد عن الإصرار على رأي واحد فيما يستوعب أكثر من رأي. 10 - التخلص من معوقات التفكير السليم: ثمة معوقات عدة تحول دون التفكير السليم، وتشكل حاجزاً يشل القدرات والإمكانات العقلية ويختزلها، وفيما يلي نشير إلى أهم هذه المعوقات مراعين الإيجاز قدر الإمكان، تاركين المجال أمام المربي للتفكير في الوسائل والأساليب التي تعينه على تحقيق هذا الهدف. 10-1التعصب: التعصب من أكبر المعوقات التي تشل التفكير وتحول دون وصوله إلى النتائج بشكل سليم، وله صور عدة، منها: 1 - التعصب لآراء الآباء والأجداد ومعتقداتهم، وهذا قد عاق كثيراً من الأمم عن الاستجابة لدعوة الأنبياء، وكان منطق هؤلاء {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (الزخرف:22). 2 - التعصب المذهبي، ومن أبرز صوره في الأمة التعصب لآراء الأئمة المتبوعين ومدارسهم الفقهية. 3 - التعصب الحزبي، وهي صورة نشأت حديثاً مع انتشار الحركات والجماعات الإسلامية، وهو من أخطر أنواع التعصب نظراً لارتباطه بالمدارس التربوية. والمؤمل من المربين المخلصين اليوم أن يكسروا هذه الحلقة المفرغة التي أضحت تدور فيها فئات واسعة من جيل الصحوة، وأن يتجاوزوا في تربيتهم التعصب الحزبي، ليبنوا لنا جيلاً يتجرد ويستعلي على الولاءات الضيقة، ويجيد التفريق بين العمل المؤسسي الذي يستثمر الطاقات ويوجهها وبين الحزبية والتعصب. 4 - التعصب للآراء والمواقف الشخصية والإصرار عليها والتمسك بها. 10-2 المبالغة والغلو: المبالغة والغلو مظهران من مظاهر فقدان الموضوعية والاعتدال في التفكير، والمبالغة لها صور عدة، منها: 1 - المبالغة في الحماس للفكرة، وإعطاؤها أكبر من حجمها(31). 2 - القطع في الأمور الظنية(32)، وتحويل الآراء في المسائل الاجتهادية إلى أحكام شرعية يضلل من يخالف فيها. 3 - تضخيم الأمور وإعطاؤها أكبر من حجمها، وهذا يقع فيه بعض المربين كثيراً عند الحديث عن الأخطاء ومحاولة علاجها، فيحول الصغيرة إلى كبيرة، ويجعل وقوع الشاب في معصية من المعاصي هو الخطوة نحو الانحراف والضلال. ولاشك أن استعظام المعصية وعدم الاستخفاف بالذنب كل ذلك أمر لابد من أن يسعى المربون إلى تحقيقه، لكن مع الحذر من آثار المبالغة في ذلك، فهي تقود إلى اليأس والإحباط، بل إلى الاستسلام للانحراف(33). واتباع المنهج الشرعي النبوي في الجمع بين الترهيب والترغيب، والخوف والرجاء والتوازن بينهما أمر لابد من الاعتناء به واستحضاره. 10-3 التعميم الخاطئ: من الأعمال والممارسات العقلية التعميم، وهو يعني إلحاق الحكم على موقف أو ظاهرة من الظواهر بموقف آخر. ومن أبسط بدهيات التعميم اتفاق الموقفين في منطلقات الحكم وأسبابه. حين تتحدث عن العلاقة بين تعليم الوالدين والتربية الصحيحة للأطفال قد يعترض عليك معترض بأن فلاناً أميّ ومع ذلك استطاع تربية أولاده تربية صحيحة، وحين يتحدث متحدث عن مشروع أو فكرة، فقد يستشهد على جدواها وصحتها بأنه يعرف من طبقها. وهو أسلوب نمارسه كثيراً في تفكيرنا، وأسوأ صوره ما يحصل من بعض الدعاة والمتحدثين، إذ كثيراً ما يرد في أمثلتهم واستشهاداتهم تعميم لنموذج شاذ. وهذا الأسلوب يمارس نتيجة افتراض سبب واحد للظاهرة هو المؤثر فيها، وهذا يعني التلازم بين وجوده ووجودها، ويغفل كثير منا عن أن الظواهر الاجتماعية نادراً ما ترتبط بسبب واحد أو عامل واحد، بل هي ترتبط بعوامل ومؤثرات عدة، والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هذه العوامل تختلف درجة تأثيرها في الظاهرة، بل ينتج عن تفاعل عاملين فأكثر تأثير من نوع آخر. وحتى تتضح الصورة أكثر، فإنا نفترض أن تربية الطفل تتأثر بمؤثرات منها: مستوى تعليم الوالدين، والعلاقة بينهما، وأسلوب التنشئة الذي يمارسانه، والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها الطفل، والمدرسة التي يتلقى تعليمه فيها...إلخ. فكل هذه العوامل تؤثر في تربيته، ثم إن درجة تأثير تعليم الوالدين تختلف عن درجة تأثير البيئة الاجتماعية..وهكذا، وينتج من تفاعل درجة تعليم الوالدين مع طبيعة العلاقة بينهما مؤثر آخر؛ فتأثير الأب الأمي الذي يختلف كثيراً مع زوجته، ليس كتأثير الأب المتعلم الذي يختلف مع زوجته..وهكذا. لكننا نتجاوز كل هذا التعقيد في الظاهرة ونختزله من خلال عامل واحد يبدو لنا. 10-4الالتزام بالأفكار الذائعة:(34) يميل كثير من الناس إلى التسليم بالأفكار الذائعة والمنتشرة، ولايكلفون أنفسهم عناء التفكير فيها أو مناقشتها. وقد يعود ذلك إلى الكسل الفكري، أو إلى ضعف القدرات العقلية والفكرية، أو إلى الخوف والحذر من مخالفة الآخرين. وتسهم أجواء التسلط والاستبداد الفكري في وأد الأفكار المخالفة أو الواعدة. إن إتاحة الحرية في التفكير، وفي التعبير عن الرأي المخالف، وإعطاء آرائنا وأفكارنا حجمها وقدرها الطبيعي، وعدم تحويلها إلى أحكام وثوابت، أمرٌ يسهم في إيجاد بيئة وجيل لايحمل الأفكار لمجرد أن الآخرين قالوها أو تحمسوا لها. ومن الأمور المهمة في ذلك التفريق بين الأفكار وبين الفتاوي العلمية في النوازل، وبين الأحكام الشرعية، ووضع كل في إطاره الصحيح. 10-5 نظرية المؤامرة:(35) يسود عند الشعوب الإسلامية، وعند المتدينين بوجه أخص الاعتقاد بنظرية المؤامرة، ويبالغون في تصور المؤامرات التي تحاك في الظلام، ويعطون الأعداء وأصحاب القرار أكبر من حجمهم، فيتصورون أن كل صغيرة وكبيرة من تصرفاتهم محسوبة الخطوات، وأن الشغل الشاغل لهؤلاء هو حرب الإسلام وأهله. وهذا التفكير نتاج مؤثرات عدة، منها: 1 - كثرة حديث الإسلاميين عن الأعداء ومؤامراتهم، وكثرة استماع الناس لهذا الحديث. 2 - العقلية البسيطة التي تتسم بها المجتمعات الإسلامية اليوم، والتي تفهم الأحداث فهماً بسيطاً وساذجاً، فالاعتقاد بالمؤامرة يريح من افتراض خلفيات ودوافع متداخلة وراء الأحداث. 3 - ضعف الثقافة السياسية وقلة الوعي بالواقع(36). 4 - ضعف الفاعلية وغياب فرص العمل المنتج؛ وهذا يجعل التفكير بالمؤامرة مهربا نفسياً ومخلصاً من العبء والشعور بالمسؤولية. ولاشك أن الأمة مستهدفة، وأن المسلمين محاربون، لكن حين نتكلم عن أحداث محددة ومواقف معينة ونفترض التآمر، فالواجب أن يكون منطقنا علمياً موضوعياً يستند إلى أدلة وبراهين واضحة. إن الاعتدال في عرض كيد الأعداء، والتركيز على أن الداء هو في داخلنا، والتعود على الحديث العلمي المنطقي سيعين على تخليص عقول طلابنا من التعلق بعقدة المؤامرة. 11- التدريب على أشكال التفكير السليم: مع الالتزام بالمنهج العلمي في التفكير يحتاج الشاب إلى أن يربى ويدرب على أشكال التفكير السليم(37)، وتشمل: 11-1 النقد الذاتي بدل التبريري: ويعني الأسلوب الذي يُحمِّل فيه صاحبه نفسه المسؤولية عما يحدث له ولايرميها على كاهل الآخرين. وحتى حينما يصيبه ما يصيبه من جراء ظلم الآخرين أو تآمرهم، فإنه المسؤول في النهاية عن النهوض بنفسه، وعن التفاعل مع الموقف بما يتناسب معه، فيسيطر عليه التفكير العملي؛ فهو أمام الأمر الواقع الآن فماذا عليه أن يفعل؟!. وفي غزوة أُحد جاء التعقيب في كلام الله على الشعور الذي سيطر على المؤمنين، وجاء التأكيد بأنهم هم المسؤولون عما أصابهم {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:165). 11-2التفكير الشامل بدل الجزئي: من أشكال التفكير السليم أن ينظر الشاب إلى الظواهر نظرة شاملة، وأن يتعامل مع الموقف من جميع جوانبه، دون أن يسيطر عليه جانب واحد أو جزئية من الجزئيات. وهذا مما نفتقده كثيراً، فتعاملنا مع الظواهر والمواقف في الأغلب تعامل جزئي، وتتحكم خلفياتنا المرجعية في اختيار محتوى ما ننظر إليه وما نهمله. ولعل الأحكام التي نصدرها على الأفراد أو الجمعيات أو المشروعات الإسلامية اليوم تمثل هذا الجانب. 11-3 التفكير التجديدي بدل التقليدي: والتفكير التجديدي هو الذي يتطلع للتجديد ويتجاوز المجالات والأنماط التقليدية. وثمة اهتمام جيد في الأوساط الدعوية اليوم بالتجديد، لكنه يحتاج إلى دعم وتسديد، وإلى توجيه صحيح وترشيد؛ فالتجديد في مواقف كثيرة يدور في قوالب نمطية، أو يتجه إلى المظاهر، وأحياناً يغيب الهدف فيتحول التجديد إلى غاية في حد ذاته. وحتى ينمو الفكر التجديدي يحتاج إلى دعم ومساندة، ويحتاج إلى أن تشجع الأفكار الجديدة، وأن يتعامل باعتدال مع ما لا يناسب منها حتى لا يؤدي إلى الإحباط والفشل. 11-4 التفكير الجماعي بدل الفردي: ويشمل ذلك التفكير في مصالح الجماعة أكثر من مصالح الفرد؛ فيفكر الشاب في مصالح الأمة، وفي مصالح مجتمعه الواسع والمحدود دون أن يقتصر تفكيره على إطاره الفردي المحدد. كما يشمل ذلك ممارسة التفكير بصورة جماعية، والاستنارة بآراء الآخرين والاستعانة بأفكارهم. وقد أرشد الله تبارك وتعالى إلى ذلك فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سبأ:46). والتفكير الجماعي ليس مجرد إضافة أفكار الآخرين إلى فكرته بل إن النقاش المشترك، والبناء على أفكار الآخرين وتطويرها يولد فكرة جديدة لايمكن أن يوصل إليها بدون ذلك، أو بمجرد جمع الأفكار المتناثرة. ومما يسهم في ذلك تهيئة مجالات في الأجواء التربوية للنقاش والتفكير الجماعي، وتطوير الأفكار، وهذا ينمي أيضاً عند الشاب احترام أفكار الآخرين والاعتدال في التعامل معها، ومن أفضل الموضوعات التي يمكن أن تكون ميداناً للتفكير الجماعي المشترك الأساليب والتجارب الدعوية، ووسائل الخروج من المشكلات الشخصية؛ إذ طبيعة هذه المجالات ترتبط بالأفكار أكثر من ارتباطها بالحقائق والقطعيات العلمية. 11-5 التفكير السنني: من سنة الله تبارك وتعالى في خلقه أن جعل أمور الناس وحياتهم تسير وفق سنن ثابتة، وحتى الخوارق والمعجزات لا تنفك عن العمل والجهد البشري، فانظر إلى قصة نوح كيف أمره الله أن يصنع السفينة ويركبها مع المؤمنين، وإلى قصة مريم كيف أمرها الله أن تهز الجذع، وإلى قصة موسى كيف أمره الله أن يضرب بعصاه البحر، وإلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، إن هذه المواقف رغم ما فيها من خوارق فإن الله تبارك وتعالى أمر البشر أن يأخذوا بالسبب. وانظر إلى أهل الكهف كيف أن الله حفظهم بأن ناموا في كهف لا تدخله الشمس وكان يمكن أن يتم ذلك ولو ناموا في الشمس والعراء. لقد غاب هذا التفكير عن كثير من المسلمين اليوم، وربما أسهمنا في مزيد من الوأد له، وثمة عوامل تؤدي إلى الارتقاء بالتفكير السنني، منها: 1 - الاعتناء بدراسة سنن الله في خلقه، ومصادرها كثيرة ومتاحة(38). 2 - الاعتناء بدراسة القصص القرآني دراسة عميقة، وتحليل المواقف فيها، دون الاكتفاء بالسرد أو مجرد الوعظ والحديث العام. 3 - دراسة المواقف التاريخية بدءاً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تاريخ الأمة. 4 - عند الحديث عن النصر والتمكين للإسلام، وعن تأييد الله لعباده، لابد من التركيز على أن ذلك إنما يتم بفعل السبب وبذل الجهد. 5 - عند تناول المشكلات التي تمر بالفرد ينبغي -مع التأكيد على الإيمان والتسليم بالقضاء والقدر- التركيز على مسؤولية الفرد عما يصيبه وعن النهوض بنفسه وتجاوز المشكلات. 12 - تعليم مهارات البحث العلمي: كما أن التعليم يعطي المرء ما يحتاجه من علوم، فإن المتعلم كثيراً ما تطرأ لديه مسائل وقضايا جديدة، فلا يسوغ أن يبقى عالة على الآخرين، ولا أن يقتصر دوره على السؤال عن كل قضية تجِدُّ لديه. لذا كان من الأهداف التي ينبغي أن يعنى بها في هذا الجانب أن يُعلَّم الطالب مهارات البحث العلمي التي تتناسب مع مستواه وقدراته، فيُعلَّم كيف يبحث عن تفسير آية في كتاب الله؟ وإلى أي كتاب من كتب التفسير يتجه حين يريد معرفة سبب النزول، أو معنى له ارتباط بالإعراب، أو بكلمة غريبة؟ وكيف يبحث عن حكم أهل العلم على حديث ما بالصحة أو الضعف، وما الكتب التي تعينه على ذلك حين يكون الحديث في الأحكام، أو في الأذكار أو في الآداب؟ وكيف يعرف معنى كلمة غريبة في السنة أو في لغة العرب؟ أو يجد تعريفاً بطائفة من الطوائف المشتهرة، أو عَلَمٌ من الأعلام؟ وكيف يتعامل مع كتب الفقه والتفسير…؟ إلخ. ويُعَلَّم كيف يكتب بحثاً يتناسب مع قدراته؟ وما طريقة التعامل مع المصادر والمراجع…؟إلخ. وهذا الهدف لابد أن يتم في المكتبة، ويُركَّز في تحقيقه على التدريب العملي إلى أن يتقن الطالب هذه المهارات، وأن يقتصر في الجانب النظري قدر الإمكان على ما يعينه على الأداء العملي. ويضاف لذلك ضرورة تعلم الموضوعية في التفكير والبحث، والتفريق بين الآراء والانطباعات الشخصية، وبين الأحكام الموضوعية المستندة للدليل والبرهان. 13 - تنمية القدرة على التعلم الذاتي: مهما طالت المدة التي يقضيها الشاب في تلقيه وتعلمه فلابد أن يصل لمرحلة الفطام العلمي والفكري، واعتماده على مجرد التلقي والتفاعل مع البرامج المقدمة له غير كاف في نمو شخصيته. ومما يعين على استمراره في ميدان النمو والتحصيل: أن تُنمَّى قدرته على التحصيل الذاتي وبناء نفسه بنفسه. ويمكن أن يتم ذلك من خلال وسائل عدة، منها: 1- القراءة والتعويد عليها، وسبق الحديث عن ذلك. 2- أن تضمن الواجبات والتكاليف التي تعطى للطالب ما يعينه على التعلم الذاتي، دون أن تكون وسيلة لتقويم التحصيل فقط، ومن ذلك أن يكلف بقراءة صفحات محدودة من كتاب معين والإجابة بعد فهمها على أسئلة محددة، لا تعتمد على التذكر والاستدعاء وحده. 3- إعداد برامج ومصادر علمية تعين على التعلم الذاتي، والاستفادة من الوسائل العلمية الحديثة في تفريد التعليم: كالتعلم الإتقاني، والتعليم المبرمج…وغيرها. 14 - تنمية الإبداع والابتكار: يمثل الاعتناء بالجوانب الإبداعية والابتكارية جانباً مهماً من جوانب اهتمامات التربية المعاصرة اليوم. ولئن كانت التحديات المعاصرة تتطلب الاعتناء بتربية الجانب الإبداعي والابتكاري، فالذين يُعدون للقيام بأعباء الدعوة والإصلاح هم أحوج الناس إلى ذلك، ومن ثم فلا غنى للمربين عن الاعتناء بهذا الجانب. ومن الأمور التي تعين على تحقيق التربية الإبداعية ما يأتي: 1- تشجيع الإبداع والابتكار، ودعم الأفكار الإبداعية. 2- تطوير أساليب التعليم والعرض بما يسهم في زيادة القدرات الإبداعية والابتكارية. 3- التدريب على التفكير الإبداعي والابتكاري. 15 - ال تربية على التفكير العميق والتحليل: تعد السذاجة والسطحية في النظرة للأمور وتقويمها سمة من سمات مجتمعات المسلمين اليوم. والتربية التي تقتصر على إعطاء المعلومات والمعارف لا تتجاوز بالمتربي هذه المشكلة بل ربما أسهمت في تكريسها. ومن الوسائل التي تعين على تنمية هذا الجانب لدى المتربي: 1- العمق في شخصية المربي، فالمربي السطحي الساذج يكرس هذا النمط من التفكير لدى تلامذته، لذا لابد من الاعتناء بهذا الجانب عند تحديد معايير من يختار للتربية، وحين يُضطر إلى الاعتماد على عناصر تعاني قصوراً في ذلك فلابد أن تُتاح الفرص للطلاب للاستفادة من غير هؤلاء المربين من خلال قنوات أخرى. 2- العمق في تناول القضايا العلمية والفكرية، والابتعاد عن التناول السطحي الساذج.

---------------------

الحاشية:

(1) الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب. عمر الشيباني ص458. (2) دور الأسرة في تربية أولادها في مرحلة البلوغ. عبدالرحمن عبدالخالق الغامدي. ص271. (3)دور الأسرة في تربية أولادها في مرحلة البلوغ. عبدالرحمن عبدالخالق الغامدي. ص271. (4) انظر للاستزادة:الأهداف السلوكية لهدى محمود سالم، علم النفس الدعوي ص29فما بعدها. (5) هذه المسألة نعاني منها كثيراً؛ إذ نبالغ في الحماس لأراء وأفكار شخصية نسبية، ونتناولها بصورة قطعيات تتوافر عليها دلائل المعقول والمنقول، ومن شأن هذا المسلك أن يسهم في تربية جيل لا يجيد الاعتدال والإنصاف للمخالف. (6) رواه البخاري (72) ومسلم (2811). (7) فتح الباري (1/ 194). (8) رواه مسلم (2722). (9) رواه ابن ماجه (3843). (10) انظر على سبيل المثال: الاحتياجات الفردية وإتقان التعلم. (11) رواه الترمذي (2682) وأبو داود (3641) وأحمد (21208) وابن ماجه (223). (12) من المراجع المفيدة في ذلك:جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع لابن جماعة،أخلاق العلماء للآجري، المجموع شرح المهذب للنووي. (13) رواه البخاري (303) ومسلم (397). (14) المقصود بذلك ليست أشرطة الخطب والمحاضرات، إنما أشرطة الدروس العلمية، وهي مع أهميتها لا تلقى الإقبال الكافي من الشباب، مع أنها من أهم أسباب التحصيل العلمي التي تيسرت في هذا العصر. (15) مع أهمية هذا الجانب إلا أنه لا يحظى بالاهتمام، وهو حري بأن تتجه إليه جهود جماعية مشتركة، بدلاً من الكم غير المُرشَّد من النشرات والكتيبات والبحوث غير العملية. (16) رواه البخاري (79) ومسلم (2282). (17) رواه البخاري (71) ومسلم (1037). (18) تذكرة السامع والمتكلم ص 187، ومما ينبغي الاعتناء به أن الفقه في الاصطلاح الشرعي أوسع من معناه الاصطلاحي السائد اليوم والذي يعني معرفة الأحكام الشرعية الفرعية، والأصل أن لا تحمل نصوص الكتاب والسنة على اصطلاح حادث. (19) الموافقات 1/53. (20) رواه مسلم (2722). (21) رواه مسلم (2454). (22) انظر كلاماً نفيساً للشنقيطي في أضواء البيان حول تفسير قوله تعالى في سورة محمد: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}. (23) انظر: الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب، عمر محمد التومي الشيباني. ص464. (24) ربما تكون بعض صور هذه المشكلة تعود إلى الخطيب نفسه الذي لا يركز على فكرته، بل ربما يعطي الاستطرادات والموضوعات الجانبية قدراً أكبر من الفكرة الرئيسة التي يريد إيصالها. (25) يلاحظ الاعتدال في موضوع النقد، فإن المبالغة فيه تؤدي بالشاب إلى الجرأة غير الموزونة في إصدار الأحكام على الآخرين، وإلى احتقارهم، والحرمان من الاستفادة مما لديهم. (26) كان للكاتب تجربة في هذا المجال أثناء تدريسه لمقرر التفسير في المعهد العلمي، فكان يطالب الطلاب باستنباط الفوائد والأحكام من الآيات، ويعزز الفوائد التي يأتي بها الطالب من خارج الكتاب، وقد واجه صعوبة في البداية إذا كانت معظم الفوائد التي يأتي بها الطلاب تقليدية وبنص الكتاب، وبعد مدة ارتقت قدرتهم على الاستنباط، وقدرتهم على نقاش المعلم في ذلك. (27) الوعي التربوي. جورج شهلا وآخرون. 167. (28) انظر كتاب: التفكير العلمي لدى طلاب التعليم العام في المملكة العربية السعودية. محمد شحات الخطيب وآخرون. (29) فصول في التفكير الموضوعي. عبدالكريم بكار. ص(45). (30) المقصود بالأدلة هنا جميع البراهين الموصلة إلى أحكام معينة، فهي أعم من الأدلة على الأحكام الشرعية. (31) انظر: مجلة البيان عدد (154). (32) انظر: من أجل انطلاقة حضارية شاملة. عبدالكريم بكار ص(64). (33) واجهت الكاتب مواقف ومشكلات عدة يفسرها بأنها نتيجة الغلو في التعامل مع الأخطاء، ومن ذلك حالات كثيرة من الإحباط نتيجة وقوع الشاب في العادة السرية، أو شعوره بالنفاق والازدواجية، وقد يسعى للقضاء على ذلك بالاستسلام للانحراف واختيار طريق الضلال. (34) انظر: البحث العلمي مفهومه وأدواته وأساليبه ص(57). (35) انظر: أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة للقرضاوي ص(89) وفصول في التفكير الموضوعي لبكار ص (228). (36) من المشكلات اليوم أن مسألة هل نكون واعين أم مغفلين تحتاج إلى نقاش أو استدلال، وأن من صفات طالب العلم أن يكون بعيداً عن الوعي بالواقع حتى لاينشغل عن العلم (أي مغفلاً ساذجاً) وأن يترك الأمور المعاصرة من سياسية واقتصادية لأهلها. (37) انظر: أهداف التربية الإسلامية لماجد عرسان الكيلاني (64-72). (38) انظر على سبيل المثال: منهج كتابة التاريخ الإسلامي لمحمد السلمي، حتى يغيروا ما بأنفسهم لجودت سعيد، من أجل انطلاقة حضارية شاملة لعبدالكريم بكار، السنن الإلهية د.محمد الأشقر.
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-18-2012, 07:26 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,419
افتراضي

الفصل السادس: الجانب الخلقي والسلوكي

تبدو أهمية الاعتناء بالجانب الخلقي والسلوكي من خلال أمور: الأول: أن حسن الخلق منزلة عالية في الدين، ويكفي في ذلك أن الله تبارك وتعالى عدَّه من صفات المتقين {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران:133) وأثنى تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4). وأعلت السنة النبوية من منزلة حسن الخلق، ومما ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم"(1)، وجعل صلى الله عليه وسلم أحاسن الناس أخلاقاً أحبهم إليه وأقربهم منه مجلساً فقال: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً…" (2)، وجعل صلى الله عليه وسلم حسن الخلق شأن خيار الأمة فقال: "إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً" (3). وقد عني السلف بهذا الجانب عناية تليق به، وتناوله مَنْ كَتَبَ في أدب العالم والمتعلم، وعقد طائفة من مصنفي كتب الحديث أبواباً في ذلك، بل صنَّفوا مصنفات مستقلة فيه، وكان هذا التصنيف في مرحلة مبكرة، مما يعني أنه لم يكن من باب الترف الفكري، أو من فضول العلم، بل عدُّوه مما ينبغي أن يبدأ به طالب العلم. الثاني: أن مرحلة الطفولة والشباب هي المرحلة التي تتأصل فيها الجوانب الأخلاقية والسلوكية بشكل يصعب تغييره فيما بعد، فالأخلاق الحسنة أو السيئة التي تتأصل في النفس في هذه المرحلة تصحب الإنسان في الأغلب بقيةَ عمره. الثالث: أن الحياة والأوضاع الاجتماعية المعاصرة تشهد خللاً في الميدان الخلقي والسلوكي، والمؤسسات التعليمية لا تولي هذا الجانب القدر اللائق به. الرابع: أن الخلق مرآة تنعكس فيها شخصية المرء، ويقيسه الناس بها، وكثير من الناس يجد القبول والمكانة لدى الآخرين بل ربما أعطوه فوق منزلته لخلقه الحسن، وفي المقابل كثيرٌ ممن يرفضه الناس وينفرون منه يكون الباعث على ذلك سوء خلقه، وربما كان فيه صلاح وعلم وخير. لذا فأولئك الذين يُعدَّون لقيادة الناس وتوجيههم ودعوتهم هم أول من يحتاج للتخلق بالخلق الحسن، حتى يربوا الناس على ذلك ويصبحوا قدوة لهم، وقبل ذلك حتى يقبل الناس عليهم ويسمعوا منهم، وقد امتن الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن رزقه الرحمة واللين، وأخبر أنه لو فقد ذلك لتركه الناس وأعرضوا عنه فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159). لهذه الاعتبارات وغيرها كان الجانب الخلقي والسلوكي ميداناً مهماً من ميادين التربية. الهدف العام في الجانب الخلقي: تنمية الأخلاق الحسنة. يعدُّ هذا الهدف عنواناً جامعاً شاملاً لجوانب التربية السلوكية والخلقية، وسائر الأهداف إنما هي فرع له وتفصيل. ولقد جاء الشرع بالحثِّ على محاسن الأخلاق والنهي عن مساوئها مطلقاً، ونصَّ على جوانب من الخلق الحسن، وجوانب من الخلق السيئ، وترك جوانب من تفصيل ذلك وضوابطه لأعراف الناس التي تختلف باختلاف الزمان والمكان. فالمروءة ومعاليها من محاسن الأخلاق، بل هي مرتبطة بالعدالة وقبول الشهادة والرواية، لكن تفاصيل ما يخرم المروءة وما لا يخرمها تختلف باختلاف الزمان والمكان، والكرم خصلة كريمة محمودة باتفاق العقلاء، وقد حضَّ عليها الشرع بل ربطها بالإيمان "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، لكن أساليب الكرم وتطبيقاته تحكمها أعراف الناس من عصر لآخر. ومع أهمية تفاصيل جوانب التربية الخلقية، إلا أن ذلك لا يغني عن النظرة المجملة التي تسعى لغرس الخلق الحسن لدى المتربي في الجملة، بحيث يصبح هذا الخلق سجية له وطبيعة، ويسعى لتمثل معالي الأخلاق والبعد عن سفاسفها. وسائل للتربية الخلقية والسلوكية: تدور معظم جوانب التربية الخلقية والسلوكية حول هدف واحد هو غرس محاسن الأخلاق، وتنقية النفس من ضدِّها، وما ذُكر إنما هو تفريع وتفصيل لهذا الهدف. ومن ثم فالوسائل المعينة على تحقيق الجوانب الأخلاقية تملك قدراً من الاشتراك، ومن هذه الوسائل: 1 - القدوة الحسنة: يمثل سلوك الأب والمعلم عاملاً مهماً في بناء الجانب الخلقي، وحين لا يتمثل المربي الخلق الحسن، تكون نهاية كثير مما يقوله مع مَنْ يربيه عندما يتلفظ به. إن الأب أو المعلم الذي يكون سريع الغضب والانفعال، أو الذي يعطي المواقف أكثر مما تحتمل، لا يمكن أن ينتج جيلاً يتسم بالحلم والأناة. وكذا حين يكثر المربي من تذكير من يربيه بسلبيات الماضي وأخطائه، فلن يغرس لديه العفو والتسامح. ومن ثم يتأكد في حق المربي مراجعة سلوكه وخلقه مراجعة هادئة بين آونة وأخرى، ويحزم مع نفسه في التخلق والتأدب بما يريد أن يغرسه لدى من يربيهم، والعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، كما قال صلى الله عليه وسلم. وقد كان المربي الأول صلى الله عليه وسلم قدوة للمربين من بعده في تعامله، يحكي ذلك عنه خادمه أنس -رضي الله عنه- حين يقول: "فخدمته في السفر والحضر ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا؟ "(4). 2 - الاعتناء بشمائل النبي صلى الله عليه وسلم: لقد اختار الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم واصطفاه لحمل الرسالة،وها هو عبد الله بن مسعود صاحبه رضوان الله عليه يشهد على ذلك ويقول: " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه؛ فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ"(5). وقد وصفه عز وجل بذلك فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) وقال أيضا:ً{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159). ويصفه أنس بن مالك -رضي الله عنه- بقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير -قال: أحسبه فطيماً- وكان إذا جاء قال:"يا أبا عمير، ما فعل النغير؟" نغر كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا(6). وسئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن(7). وقد اعتنى طائفة من أهل العلم بجمع شمائله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، وأُلِّفت في ذلك مؤلفات خاصة. فيجدر أن تكون هذه الموضوعات ميداناً مهماً يتدارسه الشباب ويعتنون به. وينبغي ألا يقتصر الأمر على مجرد الدراسة النظرية بل يتجاوز ذلك فيسعى المربي لاستخدام وظائف التفكير العليا، والسعي للمقارنة واستخلاص النتائج وتطبيق ذلك على الواقع. 3 - مجالسة العلماء الربانيين: العلماء هم ورثة الأنبياء، وهم حملة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله، ومن ثَمَّ كان لا غنى لطالب العلم عن صحبتهم ومجالستهم والتأدب بأدبهم، وقد اعتنى السلف بذلك وأكدوا على أن مهمة العالم لا تقف عند مجرد التحديث وسماع المرويات، بل تتجاوز ذلك إلى تعلم السمت والأدب والهدي. قال ابن المبارك: أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد فاكتسب حلماً وعلماً ثم قيده بقيد ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد قال أبو العالية:"كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء لم نأخذ عنه"(8). وقال إبراهيم:"كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه ودله"(9). وأوصى حبيب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال:"يابني، اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم؛ فإنه أحب إلي من كثير من الحديث"(9). وقال ابن وهب: ما استفدت من أدب مالك أكثر مما استفدت من علمه. ومن ثم فلا غنى للشاب عن مجالسة أهل العلم الربانيين والاستفادة من علمهم وسمتهم وخلقهم، وحري بالمربي أن يسعى لتعزيز هذا الجانب، ومن وسائله: 1- الالتزام بحضور دروسهم ومجالسهم. 2- زيارتهم واللقاء بهم بين آونة وأخرى. 3- استقبالهم ودعوتهم لزيارة أنشطة الطلاب وبرامجهم. وحري بالذين مَنَّ الله عليهم بقدر من العلم أن يعطوا الناشئة من أوقاتهم ويحتسبوا ذلك في صالح ما يقدمون. 4 - دراسة أبواب الأدب والسلوك: لقد اعتنى السلف في مرحلة مبكرة بالآداب والسلوك، وكان من مظاهر هذه العناية: 1- تصنيف كتب خاصة بالأدب والسلوك بعامة، وبأدب طالب العلم والمعلم بخاصة، ومن ذلك: الأدب المفرد للبخاري، أخلاق العلماء للآجري، جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله لابن عبد البر، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، والفقيه والمتفقه وغيرها. 2- أن كثيراً من المصنفين في الحديث عقدوا أبواباً في كتبهم للأدب والزهد. 3- اعتبارهم الأدب والسلوك باباً من أبواب العلم يُتعلم ويُعتنى به، بل يُرحل من أجله. إن الاعتناء بهذه الدراسات، واختيار مواد مناسبة منها تعرض للناشئة في برامجهم ومناهجهم العلمية يمكن أن يسهم في بناء الجانب الخلقي وتربيته لديهم. ومن نتائج الاعتناء بهذه الدراسات ربط الناشئة بحياة السلف وكتبهم، وهو أمر تفتقده كثير من المناهج التربوية المقدمة للناشئة اليوم. 5 - الثناء على المواقف الإيجابية: كما أن نقد المظاهر السلبية مطلب تربوي يسهم في تصحيحها وتقويمها، فالثناء على المواقف الإيجابية يسهم في تعزيزها. والثناء قد يكون ثناء على صفة أو سلوك معين، وقد يكون ثناء على فرد أو طائفة. وقد كان صلى الله عليه وسلم يستخدم هذا الأسلوب، فمن ثنائه على الصفات قوله صلى الله عليه وسلم:"الحياء خير كله"(10). ومن ثنائه على الطوائف قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية؛ فهم مني وأنا منهم"(11). ومن ثنائه على الأفراد قوله لأشج عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" (12). أهداف فرعية في التربية الخلقية والسلوكية: وهذه الأهداف الفرعية تؤدي إلى تحقيق الهدف العام المتمثل في بناء الخلق الحسن: 1 - تنقية النفس من الأخلاق السيئة: إن بناء الخلق الحسن في النفس لابد أن يصاحبه تنقيتها مما ترسب لديها من الأخلاق السيئة، أو ما يسمى ب(التخلية ثم التحلية)؛ ذلك أن الشاب قد ينشأ في بيئة يغلب عليها الخلق السيئ أو يصحب صحبة غير صالحة فيألف الخلق السيئ ويصبح جزءاً من طبيعته، ومن ثم لابد من جهد يُبذل في اقتلاع هذه الصفات وتنقية النفس منها. وحين جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يوصيه أوصاه بقوله: "لا تغضب" فاستقلَّ هذا الرجل هذه الوصية وكرر سؤاله، فكرر عليه النبي صلى الله عليه وسلم الوصية نفسها: "لا تغضب" ورددها مرراً (13). 2 - تحقيق العفة والبعد عن الفواحش: وهو هدف له أهميته وخطورته، فقد حذَّر صلى الله عليه وسلم من شأن الفواحش، وبيَّن خطورتها على الأمة، وأنها أشد الفتن التي تركها بعده، فعن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"(14). ولعظم شأن حفظ الفرج، جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مما تُضمن به الجنة، فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة"(15). ويتأكد هذا الجانب والعناية به في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن وأشرعت أبوابها، وصارت وسائل الإغراء والإثارة تلاحق الشباب والفتيات في كل موطن. ولما كانت هذه المشكلة من أكثر ما يتساءل عنه المربون، رأيت أن أبسط الحديث فيها وأتوسع أكثر من غيرها. إن نقطة البداية الصحيحة في التعامل مع هذه المشكلة تتمثل في سلوك أسباب الوقاية منها قبل وقوعها، ومن أسباب الوقاية: 1- التوعية بمخاطر الانسياق وراء دواعي الشهوة المحرمة، وخطورة الفواحش وآثارها، وقد حذَّر من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، حين أخبر أن هذه الفتنة من أخطر الفتن التي تواجه أمته. وأخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك من أكثر ما يدخل الناس النار، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: "تقوى الله وحسن الخلق"، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: "الفم والفرج"(16). 2- تيسير فرص الزواج المبكر، كما أوصى بذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"(17). وقد عُني سلف الأمة بذلك الأمر، روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً (18). وفي رواية لأحمد بن منيع: وذلك قبل أن يخرج وجهي (أي يلتحي). وقال طاوس: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج (19). ولقد اهتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بتزويج الشباب، فكانوا يحثون الآباء على تزويج أبنائهم، فيقول عمر رضي الله عنه: "زوجوا أولادكم إذا بلغوا، ولا تحملوا آثامهم" (20).وقد نادى عقلاء الغرب بالزواج المبكر ورأوا فيه حلاً للمشكلات التي يعانون منها، يقول ول ديورانت: "كان البشر في الماضي يتزوجون باكراً، وكان ذلك حلاً صحيحاً للمشكلة الجنسية، أما اليوم فقد أخذ سن الزواج يتأخر، كما أن هناك أشخاصاً لا يتوانون عن تبديل خواتم الخطبة مراراً عديدة، فالحكومات التي ستنجح في نص القوانين التي تسهل الزواج الباكر ستكون جديرة بالتقدير؛ لأنها تكشف بذلك أعظم حل لمشكلة الجنس في عصرنا هذا". وينبغي السعي لتذليل العقبات المادية التي تقف دون الزواج، من خلال الدعم والمساعدة، وإقناع الشباب بأن الزواج لن يكون بوابة للفقر والفاقة، قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} (النور:32). وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النكاح سبب لعون الله وتوفيقه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله "(21). وينبغي كذلك تذليل العقبات النفسية والاجتماعية التي قد تكون عائقاً عن المبادرة بالزواج. 3- سد الذرائع التي توصل وتقود إلى مقارفة الفاحشة، وقد عني الشرع بذلك، ومعظم آيات سورة النور تتحدث حول هذا الجانب. ومما ينبغي أن يراعى في ذلك: 3-1- التفريق بين الأبناء والبنات، وبين الأبناء مع بعضهم في المضاجع، وقد أمر بذلك صلى الله عليه وسلم فقال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع" (22)، وينبغي مراعاة ذلك في الدور والمدارس التي يبيت الطلاب فيها. 3-2- غض البصر، وقد أمر الله تعالى به، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بغض أبصارهم، ونهاهم عن إطلاقه، والنظر الحرام هو البداية الأولى، وهو الشرارة التي توقد نار الشهوة. بل إن الأعداء الذين لا يحكمهم دين ولا خلق بدؤوا يدركون أهمية غض البصر وأثره في العفة، يقول أحد العلماء الألمان: "لقد درست علم الجنس وأدوية الجنس فلم أجد دواء أنجح وأنجع من القول في الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...} (النور:30)". 3-3- الابتعاد بالمتربين عن الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط والتبرج، ويتعرضون فيها للنظر الحرام، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من ذلك فقال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها، فقال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقَّه" قالوا:وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (23). فلما كان الجلوس في الطريق سبباً للوقوع في المخالفة والمعصية نهاهم عن الجلوس في الطريق ابتداءً. 3-4- الابتعاد بهم عن المجالس التي يكثر فيها الحديث عن أمور النساء وأخبارهن، كما يجري في مجالس بعض كبار السن الذين يتساهلون كثيراً في الحديث في ذلك، وأقل ما في هذا أنه مخل بالمروءة والأدب، إن سلم صاحبه من الإثم(24). 3-5- الابتعاد عن الخلوة بالأمرد، وقد حذَّر السلف من ذلك مع أنهم أهل الورع والتقى، ومن ذلك ما رواه البيهقي في الشعب عن بعض التابعين قال: "كانوا يكرهون أن يحدَّ الرجل النظر إلى الغلام الجميل" (25). وروى أيضاً عن بعض التابعين: "ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضارٍ من الغلام الأمرد يقعد إليه" (26). وروى عن الحسن بن ذكوان قال: "لا تجالسوا أولاد الأغنياء؛ فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى" (27). وروى عن عبد الله بن المبارك أنه قال:دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح، فقال: "أخرجوه؛ فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل غلام بضعة عشر شيطاناً" (28). وقد اقتضى الواقع التربوي اليوم ضرورة مخالطة هؤلاء ومعاشرتهم، ومما يزيد المشكلة كون كثير من المربين غير متزوجين، فالدعوة إلى المنع من اللقاء بهم غير واقعية، والحاجة لمخالطتهم ينبغي ألا تشغل المربين عن مراعاة الضوابط الشرعية في معاشرتهم، والبعد قدر الإمكان عن الخلوة وما في حكمها. 3-6- إبعاد الفتيان عن التشبه بالنساء، أو المبالغة في التزين والعناية بالمظاهر، ولذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال(29). هذه بعض الذرائع التي يمكن أن تكون طريقاً للوقوع في هذه الشهوة المحرمة. ومهمة المربي فيها تتمثل في إبعاد هذه الذرائع عن البيئة التربوية وتنقيتها منها، وتوجيه المتربين إلى البعد عنها، وإغلاق الأبواب التي تقودهم إلى الحرام. 4- إبراز النماذج والقدوات في العفة والتسامي، ومن أعظم هذه النماذج ما ذكره الله تبارك وتعالى من قصة يوسف عليه السلام، والعناية بهذه القصة ودراستها ومقارنة ذلك بالواقع وإغراءاته مما ينبغي أن يكون له نصيب مهم في المناهج والبرامج التي تقدم للشباب والفتيات اليوم. 5- تقوية الإرادة والعزيمة في النفس، والأخذ بزمامها، وتعويدها ألا يستجيب لها في كل ما تدعو إليه وتأمر به، وسيأتي الحديث عن عوامل تقوية الإرادة في الجانب النفسي بمشيئة الله. 6- تنمية دافع الحياء: والحياء له أثره الكبير في حماية صاحبه من مواقعة الرذائل، ولذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم مقولة العرب: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" مما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى(30). وحين اجتمع الحياء مع خشية الله لدى امرأة من المسلمين غاب عنها زوجها التزمت طريق العفة، وهاهي تعبر عن ذلك بقولها: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرّقني ألا خليل أداعبه فلولا خشية الله والحياء لحُرِّك من هذا السرير جوانبه "ومن فضل الله أن درجة الحياء تزداد لدى البالغ أكثر من المراحل السابقة؛ لتكون وقاية للشاب البالغ" (31). 7- إشغال الشاب بمعالي الأمور وملء اهتماماته ووقته بالأعمال الجادة المثمرة، فهي تصرف طاقته، وتشغله عن التفكير في الشهوات، وتبعده عن مواطنها. 3 - حفظ اللسان والمنطق: لقد أعلى الشرع منزلة حفظ اللسان، ويكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" (32)، قال ابن حجر رحمه الله: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه، وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال وكفه عن الحرام…وقال ابن بطال: دلَّ الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه, فمن وُقي شرهما وُقي أعظم الشر" (33). وحفظ اللسان والمنطق يشمل البعد عن الألفاظ المحرمة شرعاً، سواء كانت متعلقة بحق الله، أم بحق المخلوق كالسبِّ والشتم والسخرية، ويشمل بذاءة اللسان، والتصريح بما يستحيا منه، وهذا الأمر مما شاع للأسف واعتاده طائفة من الناس، وأهل الصلاح والتقى أولى بأن يبتعدوا عنه، فهو مظهر من مظاهر قلة الحياء، وخلق من أخلاق السوقة وأهل السوء. ومن الأدب الشرعي أن يكنى عما يستحيا منه، فجاءت التكنية في نصوص الكتاب والسنة عن الجماع بإتيان الرجل زوجته، {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (البقرة:222) "إذا أتى أحدكم أهله"، بل كنَّى العرب عما يخرج من الإنسان باسم موضعه الغالب وهو المكان المنخفض، ثم جاءت الألفاظ الشرعية بالتكنية عنه ب(قضاء الحاجة)، ولا يأتي التصريح إلا حين الحاجة إليه لبيان حكم لا يُبين إلا به، أو لإقامة حدٍّ وحكم شرعي. وحفظ اللسان يحتاج إلى ترويض ومجاهدة للنفس، وتعويد لها على المنطق الحسن، واختيار الألفاظ والبعد عن الفحش، وهذا مما يشق ويحتاج لمجاهدة، قال ابن القيم رحمه الله: "ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار، ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة، يطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكه في أعراض الخلق، وربما خصَّ أهل الصلاح والعلم بالله والدين والقول على الله ما لا يعلم، وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام، والقطرة من الخمر، ومثل رأس الإبرة من النجاسة؛ لا يبالي بارتكاب الحرام" (34). 4 - التربية على الجدية: إن من يعد للدعوة إلى الله تبارك وتعالى ونصرة الدين يعد لمهمة عالية لا يقوم بها إلا الجادون الصادقون من الناس، ومن ثم كان لابد من الاعتناء بتنشئة جيل جاد يكون أهلاً لتحمل المسؤولية والقيام بتبعة نصر الدين والذبِّ عنه. ومن الأمور التي تعين على غرس الجدية: 1- أن يكون المربي شخصية جادة، يرى فيه تلامذته القدوة الحسنة والنموذج الصادق. 2- التعامل بجد مع الأمور الجادة، فالبرامج الجادة، والمقترحات والأفكار الجادة لا ينبغي أن يكون فيها مجال للهزل. 3- الانضباط في المزاح فهو البوابة للتربية الهزيلة، ومن صور الانضباط في ذلك: 3-1 قلة المزاح وعدم الإكثار منه؛ فإن من كثر كلامه كثر سقطه. 3-2 ألا يخرج المزاح عن الوقار والهيبة التي ينبغي أن يتسم بها طالب العلم، وله أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يخرجه المزاح عن وقاره وسمته. 3-3 ألا يكون المزاح في غير المواطن المناسبة له. 4- الاقتصاد في برامج الترويح والتعامل معها باعتدال(35). 5 - التربية على العزة والشجاعة: من الصفات التي تمثل أهمية بالغة في بناء شخصية الداعية إلى الله عز وجل: العزة والشجاعة. العزة التي تدفعه إلى الاستغناء عما في أيدي الناس، أو التطلع إلى نوالهم وتوقيرهم، والشجاعة التي تدعوه إلى اتخاذ القرار المناسب حين يحتاج إليه، وتدعوه للانتصار على نفسه حين تدعوه بداعي العجز أو الهوى، ثم هي بعد ذلك تهيئ المرء للمهام العظام حين تُراد منه، من قول كلمة الحق والجهاد في سبيل الله حين ترفع الأمة رايته. ويتأكد هذا المعنى اليوم؛ إذ إن معظم مجتمعات المسلمين لا تغرس هذه المعاني في نفوس الناشئة؛ بل هي تعودهم الاستكانة والخضوع، والخوف والخور حتى من الأشباح. وهذه الأخلاق ميدان للتفريط والإفراط، ومن ثم فهي تفتقر إلى الاتزان، فالغلو في العزة يحولها إلى أنفة وكبر واعتداد بالنفس وتمسك بحظوظها، والغلو في الشجاعة يحولها إلى تهور وطيش وسفه. وقد أمر الشرع بخفض الجناح للوالدين، ووصف من نالوا منزلة حبهم لله وحبه لهم بالذلة على المؤمنين. ومما يعين على تحقيق هذا الجانب: 1- الاعتدال في أسلوب تعامل التلميذ مع أستاذه، والبعد عن الغلو في الخضوع والتعظيم، كما يفعل جهلة أهل البدع. 2- الاعتدال في العقوبة وترك الإغلاظ فيها، فكثير ممن يُقسى معه في العقوبة تنشأ لديه عقد من الخوف والخور. 3- عدم التحقير والإهانة، والبعد عن الألفاظ التي تنبئ عن قلة الاحترام والتوقير، والخطأ يعالج باعتدال، وليس مبرراً لاستخدام أساليب التحقير والمهانة؛ فإن اعتياد الشاب على سماعها من معلمه ووالده يضعف العزة لديه، ويهيئه لتقبل الهوان. 4- التعويد على تحمل المخاوف الطبيعية، وعدم المبالغة في التخوف عليه من الانفراد والخروج في المكان المظلم ونحو ذلك، كما تفعل كثير من الأمهات. 6 - التربية على الوقار ومعالي المروءة: من شروط تحقق العدالة: البعد عما يخل بالمروءة، ومن ثم كان مما ينبغي أن يُتعاهد في الناشئ غرس معالي المروءة ورعايتها. لذا فقد اعتنى من كتب في أدب المتعلم بهذا الجانب، ذكر ابن جماعة في آداب الساكن بالمدرسة "ولا يتمشى في المدرسة، أو يرفع صوته بقراءة أو تكرار أو بحث رفعاً منكراً، أو يغلق بابه أو يفتحه بصوت…ونحو ذلك، لما في ذلك كله من إساءة الأدب على الحاضرين والحمق عليهم" (36). وذكر منها "ويتجنب ما يُعاب؛ كالأكل ماشياً، وكلام الهزل غالباً، والبسط بالنعل، وفرط التمطي والتمايل على الجنب والقفا، والضحك الفاحش بالقهقهة" (37). لذا على المربي الحرص على أن يبعد عن البيئة التربوية كل ما يخل بالمروءة، وأن يبتعد هو عن ذلك ليكون قدوة حسنة لطلابه، وأن يتدارس معهم هذه الآداب والأخلاق. 7 - التربية على السمت والهدي الحسن: كان السلف رضوان الله عليهم يعنون بالسمت والهدي والأدب، ويعدونه باباً من أبواب العلم لا ينفصل عنه. قال مالك: "إن حقاً على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى من قبله" (38). وقال إبراهيم: "كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه ودله" (39) وقال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" (39) وروى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن: "نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث" (39) وأوصى حبيب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال: "يا بني، اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم؛ فإنه أحب إلي من كثير من الحديث" (39) 8 - التربية على الأدب مع الأكابر: من محاسن الأخلاق رعاية الأكابر وإنزال الناس منازلهم، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم منزلة هذا الخلق فقال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا"(40). وارتباط الطالب مع معلمه وطول لقائه معه يقود إلى التبسط ورفع الكلفة، مما يدفع ببعضهم إلى إساءة التعامل مع الأكابر والجفاء بحقهم. ونحن بحاجة إلى أن يحضر الشاب مجالس الكبار، ويشاركهم أحاديثهم وحوارهم، وفي الوقت نفسه يرعى الأدب معهم وينزل الناس منازلهم. ومما يسهم في تحقيق هذا الجانب - بالإضافة إلى التأكيد عليه والتناول المعرفي-: 1- تنبيه الشاب بصورة مناسبة حين يتجاوز حدود الأدب مع غيره، مع مراعاة ألا يولد ذلك لديه النفرة من مجالسة الكبار ومشاركتهم أحاديثهم. 2- احتفاظ المربي بقدر من الاتزان في التعامل مع مَنْ يربيه، بحيث تبقى الصلة صلةً بين معلم وطالب، وبين أب وابنه، ولا تتحول إلى صلة زمالة وصداقة؛ فلا يفرط في المزاح، ولا يتعامل معه بما ينافي وقار الكبار. 3- عند وقوع بعض التجاوزات من الطالب ينبغي على معلمه أن يتعامل معها بطريقة مناسبة، فتقبلها يعزز هذا التصرف لديه، ويشعره بأنه تصرف مقبول، والإغلاظ معه يولد آثاراً غير حميدة، ومن ثم فتجاهل التصرف بطريقة لبقة تشعره بأن هذه الكلمة وهذا الموقف غير مناسب، وتغني عن التصريح. هذه الطريقة في التعامل مع هذه المواقف - التي كثيراً ما تقع- تسهم في وضوح الصورة بين ما ينبغي فعله مع الأكابر وما لا ينبغي. 4- أن يلمس ممن يربيه رعايته هو لهذا الجانب، بتوقير معلميه واحترامهم، والاعتراف لهم بالفضل والسابقة، ولو صار الآن زميلاً لهم، بل لو فاقهم في بعض المجالات، وهذا دأب أهل العلم الذين تربوا عليه، نراهم يقدرون شيوخهم ويلهجون بالثناء عليهم والدعاء لهم، مع أن بعضهم قد يكون ممن فاق شيخه علماً وشهرة. وأن يلمس التلميذ من معلمه الأدب مع الكبار وأهل العلم والرأي ولو خالفهم في بعض آرائهم؛ فحين يرى الطالب ذلك كله من معلمه يترك فيه أثره بإذن الله عز وجل. 9 - التربية على رعاية آداب المجالس: للمجالس آداب لابد من رعايتها والاعتناء بها، وورود هذا التوجيه في القرآن الكريم دليل على أهمية ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا} (المجادلة11)، وورد الأمر برعايتها في السنة النبوية، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم - وفي حديث أبي عوانة: من قام- من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به"(41). وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه"(42). ومهما قام المربي بتوجيه من يربيه وتعليمه آداب المجالس، فإنه ما لم يشارك في هذه المجالس، فيحضر فيها، ويقول رأيه، ويشارك في الحديث…، ما لم يُوضع أمام التجربة العملية فلن يكفي البناء المعرفي المجرد. ولذا كان الصغار والشباب يحضرون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، بل ويقتربون منه، ولم يُعدَّ ذلك سوء أدب أو مدعاة له. فقد أكل عمرو بن سلمة وهو غلام صغير في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وطاشت يده في الصحفة، وكانت هذه المشاركة فرصة ليعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أدباً من آداب الطعام، وبقي هذا النص يستدل به المسلمون على مدى الزمان، فعنه - رضي الله عنه - قال: أكلت يوماً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فجعلت آكل من نواحي الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مما يليك" (43). وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: "يا غلام، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ " قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله، فأعطاه إياه(44)، والاستدلال بهذا النص لا يقف عند حدود حضور هذا الشاب مجلسه صلى الله عليه وسلم، بل كان عن يمينه وبجواره، ولم يعد أحد من الحاضرين ذلك من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من وصية عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده: " وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم، وجنِّبهم السفلة والخدم فإنهم أسوأ الناس أدباً…". ومما يعين على ذلك أيضاً تدارس آداب المجالس والتعرف عليها، والاعتناء بالمجالس التي يجلسها الطالب ولو مع زملائه وأقرانه؛ فتراعى فيها آداب المجالس ليكون ذلك سلوكاً وسمتاً لهم لا يحتاجون إلى تكلُّفه. وربما أدت الخلطة وزوال الكلفة بينهم إلى الإخلال ببعض هذه الآداب، فلا بد حينئذ من تصحيح ذلك، والتأكيد على أن الأدب لا ينبغي أن يتجاوز بحجة ذلك. 10 - التربية على الرجولة والخشونة والبعد عن الترف: إن من إفرازات الحضارة المعاصرة اليوم أن غدت بعض مجتمعات المسلمين تعاني من انتشار مظاهر الترف، مما ولَّد جيلاً من المترفين لا يطيق حياة العزيمة والجد، وهو جيل يبحث عن الراحة والكسل، ويتقاعس عن معالي الأمور. ومن ثم أصبح على التربية اليوم عبءٌ أكثر من ذي قبل، وصارت بحاجة إلى أن تجعل غرس معاني الرجولة والبعد عن حياة الترف والترهل هدفاً من أهدافها التربوية. ومن وسائل الوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه: 1- غرس مفهوم الجدية، وبيان مساوئ حياة الترف والبطالة. 2- التقليل من مظاهر الترف في البرامج المقدمة للشباب، مع مراعاة الاعتدال والتدرج في ذلك، ولتكن البداية في إيجاد فرق بين حياة الشاب في المنزل، وحياته في مثل هذه البرامج، بل الواجب على الأب أن يخفف من مظاهر الترف في تربيته لأبنائه. 3- تنظيم بعض البرامج الجادة كالرحلات والبرامج العلمية التي تعوِّد الشباب والأبناء على الجدية والرجولة، وعلى التخلي عن بعض ما اعتادوه من حياة مترفة منعمة(45). 11 - التربية على العزيمة والبعد عن الكسل: العجز والكسل داءان ينخران في الإنسان، ويقعدان به عن مصالح دينه ودنياه، وحين يعتاده المرء يصبح سجية له؛ فتثقل نفسه، وتضعف همته، وتفوته مجالات الخير في الدنيا والآخرة، والعاجز الكسول هو الذي "لا يزال في حضيض طبعه محبوساً، وقلبه عن كماله الذي خُلق له مصدوداً منكوساً، قد أسام نفسه مع الأنعام راعياً مع الهمل، واستطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رفع له علم فشمَّر إليه، وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله" (46). ولسوء هذين الداءين كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منهما؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر" (47). وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالبعد عن العجز فقال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (48). ولا بد من المبادرة بتخليص الشاب من هذه الخصلة الذميمة في وقت مبكر قبل أن تستفحل وتتحول إلى خلق يصعب اقتلاعه. ومما يعين على ذلك تعويده على الاستيقاظ المبكر، وعدم طول البقاء في الفراش، وتعويده على المبادرة إلى إنجاز الأعمال وترك التسويف، والاتزان في أوقات الراحة وترك الإطالة فيها. كما أن المرء يحتمل في حياة الجماعة ما لا يحتمله لوحده، فمعيشته أجواءً جادة مع صحبته وممارسته لأنشطة تحيي العزيمة، مما يعينه على التحمل وترك الإخلاد إلى الراحة. 12 - التربية على اغتنام الأوقات: الوقت هو عمر الإنسان وهو حياته؛ فالمرء أيام كلما مضى يوم مضى بعضه كما قال الحسن رحمه الله. والمسلمون اليوم يعانون من إهمال الوقت وتضييعه، ويديرون أوقاتهم بطريقة سيئة، وللصالحين وطلبة العلم نصيب من ذلك. إننا قد لا نبالغ إذا قلنا: إن الرجل الجاد في تعامله مع وقته ينتج أضعاف ما ينتج أقرانه، ومن ثم فالتربية التي تعنى بغرس احترام الوقت وحسن اغتنامه ستخرج جيلاً يؤدي أضعاف ما يؤديه غيره. ومما يعين على ذلك: 1- معرفة أحوال السلف في حرصهم على أوقاتهم واغتنامهم لها، ففيها عبر عظيمة؛ فهي تعلي الهمة وتزيد العزيمة، وتجعل المرء يحتقر نفسه وجهده(49). 2- الاستفادة من الأساليب الحديثة في إدارة الوقت والتعامل معه(50). 3- التعويد على استغلال أوقات الانتظار، وعدم بقائه في المنزل ينتظر صاحبه وهو فارغ غير مستفيد من وقته. 4- التعويد على القراءة؛ لتصبح سجية وطبيعة له، فمن لا يقرأ يصعب عليه أن يستفيد من وقته. 5- الانضباط قدر الإمكان في المواعيد والأوقات، وتعويد الشاب على احترام أوقات غيره. 6- ترك أوقات فراغ للشاب؛ وعدم إشغاله طيلة الوقت، وتوجيهه إلى أنشطة يمكن أن يستثمر فيها وقته؛ فمن لم يكن لديه وقت فراغ يتعامل فيه بمفرده فلن يعتد على اغتنام وقته(51). 13 - التربية على النظام في الحياة والتفكير: تسود الفوضوية اليوم في حياة المسلمين، وتسيطر على جوانب كثيرة من حياتهم، فحياة المنزل، والعلاقات الاجتماعية، والمؤسسات الإدارية…كلها تتسم بالفوضوية. ويبدو أثرها على نمط تفكيرهم، فأفكارهم تبدو غير مركزة ولا محددة، وكذا حديثهم وحوارهم. وهذه السمة العامة في المجتمع لابد أن تترك أثرها على الدعاة والمربين - كما سبق في أكثر من موضع- ومن ثَمَّ كان لابد من الاعتناء بالتربية على النظام في الحياة والتفكير. ومن وسائل تحقيق ذلك: 1- اعتناء المعلم بتنظيم أفكاره وخواطره حين يعرضها. 2- تنظيم الحوار والنقاش الذي يدار في الفصل، من خلال تركيز المعلم على تحديد جوانب الاتفاق والخلاف، وحصر دائرة النقاش، وإجادة الاستماع للآخرين….إلخ. 3- التنظيم غير المتكلف في البيئة المنزلية والمدرسية وسائر المؤسسات التربوية، ووجود أنظمة واضحة محددة يعتاد الجميع على الالتزام بها.

-------------------

الحاشية:

(1)رواه أحمد (24492) وأبو داؤود (4798). (2) رواه الترمذي (2018). (3) رواه البخاري (6035) ومسلم (2321). (4) رواه البخاري (2768) ومسلم (2309). (5) رواه أحمد (3589). (6) رواه البخاري (6203) ومسلم (659). (7) رواه مسلم (746). (8)رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (409). (9)جامع بيان العلم وفضله(1/127). (10)رواه مسلم (37). (11)رواه البخاري (2486) ومسلم (2500). (12)رواه مسلم (18). (13)رواه البخاري(6116). (14)رواه البخاري (5096). (15)رواه البخاري(6474). (16) رواه أحمد (7847) والترمذي (2004) وابن ماجة (4246). (17) رواه البخاري (5066) ومسلم (1400). (18) رواه البخاري (5096). (19) رواه ابن أبي شيبة (4/127). (20) أورده ابن الجوزي في مناقب عمر (208) وانظر: بدير محمد بدير، منهج السنة النبوية في تربية الإنسان، مكتبة الدعوة الإسلامية بالمنصورة، الطبعة الثانية، 1413ه ص(120). (21) رواه الترمذي (1655) والنسائي (3218) وابن ماجه (2518). (22) رواه أحمد (6650) وأبو داود (495). (23) رواه البخاري (6229) ومسلم (2121). (24) مما يؤسف له أن بعضاً من المنتسبين للصلاح والعلم الشرعي يكثر حديثهم في ذلك بصورة لا تليق. (25) شعب الإيمان (5395) 4/358. (26) شعب الإيمان (5396) 4/358. (27) شعب الإيمان (5397) 4/358. (28) شعب الإيمان (5405) 4/360. (29) رواه البخاري (5885). (30) رواه البخاري (3483). (31) دور الأسرة في تربية أولادها في مرحلة البلوغ. ص377. (32) رواه البخاري (6474). (33) فتح الباري (11/315). (34) عدة الصابرين ص 70. (35) سيأتي الحديث عن الترويح بشيء من التفصيل في الجانب الاجتماعي. (36) تذكرة السامع والمتكلم (282). (37) تذكرة السامع والمتكلم (299). (38) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/165). (39) جامع بيان العلم وفضله (1/127). (40) رواه الترمذي (1920) وأبو داود (4943) وأحمد (6896). (41) رواه مسلم (2179). (42) رواه البخاري (6269) ومسلم (2177). (43) رواه البخاري (5377) ومسلم (2022). (44) رواه البخاري (2351) ومسلم (2030). (45) انظر حول موضوع الترف مجلة البيان، ع 85، 86. (46) مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية (1/46). (47) رواه البخاري (2823) ومسلم (2706). (48) رواه مسلم (2664). (49) انظر في ذلك: قيمة الزمن عند العلماء لعبد الفتاح أبي غدة. (50) انظر: إدارة الوقت لنادر أبي شيخه. (51)يعمد بعض المربين إلى إشغال معظم وقت الشاب حفاظاً عليه، ولا شك أن المقصد خير، لكن ذلك يعوده على انتظار أن يشغل الآخرون وقته، وحين يتهيأ له فراغ فقد لا يتعامل معه بصورة صحيحة، إضافة إلى أن ذلك يشغله عن القيام بواجباته المدرسية، ويعزله عن ارتباطاته الاجتماعية، وربما تضايق بعض الآباء من هذا المسلك.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« التعليم والجامعات في إسلام القرون الوسطى | مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إسهام مراكز الشباب في تدعيم قيم المواطنة لدى الشباب Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 3 12-27-2015 12:02 AM
goals_setting.ppt عرض عن وضع الأهداف Eng.Jordan عروض تقدمية 1 04-07-2013 10:21 PM
الأهداف السلوكية Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 10-30-2012 01:51 PM
العقول بين الأهداف والأمنيات... صباح الورد الملتقى العام 2 07-12-2012 08:02 AM
التنصير في إفريقيا الأهداف والوسائل وسبل المواجهة Eng.Jordan شؤون الدعوة 0 04-19-2012 09:55 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:33 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68