تذكرني !

 





بحوث ودراسات تربوية واجتماعية تربية وتعليم , علم نفس ، علم اجتماع

التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي

أ.د. عباس محجوب* التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي باعتبارها لغة القرآن والإرث المشترك بين الشعوب الإسلامية 1/ المقدمة : لم تكن اللغة العربية للعرب وسيلة تخاطب يومي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-18-2012, 07:53 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي


أ.د. عباس محجوب*

التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي باعتبارها لغة القرآن والإرث المشترك بين الشعوب الإسلامية

1/ المقدمة :

لم تكن اللغة العربية للعرب وسيلة تخاطب يومي بل كانت صورة حياتهم الفكرية والعقلية التي مثلت مجدهم وثقافتهم و صورتهم ورسالتهم إلى غيرهم . وقد اكتسبت العربية مكانتها من غزارة كلماتها وتعدد أساليبها و وقوة أدائها وسعة صدرها وقابليتها للنماء والزيادة والتطور والرّقي ، ثم زاد من شرفها و خلودها و رسوخها نزول القرآن الكريم بها ، وتكريم الله لها دون اللغات الأخرى ، فأضاف إليها القرآن أبعاداً جديدة ومصطلحات مستحدثة وجعلها أوسع أفقا و أغزر عطاء وأقدر على استيعاب معطيات الحضارة كما منحها إظهار قدرتها في حمل الأفكار والمبادئ والنظريات السامية في الحياة.

وبفضل القرآن أصبحت اللغة العربية رمز الوحدة الثقافية والاجتماعية لأمة تحتل مساحة ما بين الخليج العربي شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً و من آسيا الصغرى والبحر المتوسط شمالا إلى أواسط إفريقيا والمحيط الهندي جنوباً بل أبعد من ذلك حيثما كان للمسلمين وجود(1) .

يقول القلقشندي(2) : " أما فضلها فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : تعلموا اللحن والفرائض فإنه من دينكم، قال يزيد بن هارون : " اللحن هو اللغة " و لاخفاء أنها أمتن اللغات وأوضحها بيانا ، وأذلقها لساناً وأمدها رواقا وأعذبها مذاقا و من ثم اختارها الله تعالى لأشرف رسله وخاتم أنبيائه وخيرته من خلقه وصفوته من بريّته ، وجعلها لغة أهل سمائه وسكان جنته وأنزل بها كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ".

برهنت اللغة العربية بنزول القرآن بها على قدرتها الواسعة ومرونتها الذاتية على الانتقال بالعربية من لغة تواصل وتخاطب وخطابة وشعر إلى لغة تشريع و علوم واستطاعت في القرنين الثاني والثالث ترجمة العلوم الإنسانية وهضمها وتمثلها والإضافة إليها وأصبحت بحق لغة العلم والحضارة التي تتطور بأساليبها الذاتية وقدراتها الإبداعية وإمكاناتها الاشتقاقية الواسعة والعوامل التي جعلت من العربية لغة العلوم والتعلّم هي التي تمنحها القدرة على أن تكون لغة العلوم والتعليم في الجامعات الإسلامية في عصرنا .

كانت إرادة الخالق عز وجل أن تبقى العربية معزولة في أنحاء الجزيرة العربية محافظة على أبنيتها وتراكيبها ومعانيها لا تتأثر بغيرها إلا في حدود ضيقة مرتبطة بالحجيج والتجار الذين يفدون إلى" مكة " بلهجاتهم وفي رحلة الشتاء والصيف حيث تضاف بعض التعابير الجديدة إلى اللغة ، وعندما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالإسلام ، وكرّم هذه اللغة بجعلها لغة الدين الجديد أحدث ثورة لغوية في لغة العرب حيث وجد العرب في لغة القرآن الكريم ما لم يعهدوه في استعمالاتهم اللغوية ولغة خطبائهم وشعرائهم حيث الجديد في الألفاظ والعبارات ، والجديد في المعاني والدلالات ، فأصبحت العربية بفضل القرآن الكريم لغة متطورة تتوسع فيها الدائرة الدلالية للألفاظ ، وتكتسب الألفاظ من السعة الدلالية والمرونة اللفظية ما يجعلها قادرة على التعبير عن كل جديد في الحياة وكل إبداع ومستحدث في العلم والحضارة وذلك عن طريق المعاني الدلالية الجديدة التي اكتسبتها ألفاظ العربية واستعمال الألفاظ في معان مختلفة ذات مصطلحات استطاعت العربية هضمها وتمثلها والتعامل خلال فترة وجيزة جعلتها قادرة بعد قرن من الإسلام وسيلة نقل العلوم المختلفة وظهور طبقة من المترجمين ثم بعدهم المؤلفين الذين استفادوا من حركة الترجمة في الإضافة إلى علوم الحضارة والعلم .

استوعبت العربية العلوم الإنسانية كلها حفظا ونقلا ثم أضافت إليها إبداعا وابتكارا وأصبحت لغة العلوم حتى القرن السابع عشر وكان كل من أراد أن يكتب علما يقرؤه الناس لجأ إلى اللغة العربية . فكتب بها وألف وظلت كتبهم في العلوم الطبيعية المراجع المعتمدة في جامعات أوربا حتى أواخر القرن السابع عشر إلى أن ترجمت إلى اللاتينية (3) .

والقرون الوسطى التي مثلت عهود الظلام في أوربا كانت منارات العلم عند المسلمين حيث كان لهم علم عربي تعهدوه قرونا بلغة قوية متينة ويمكننا أن نقرر أن هذه اللغة كانت في ذلك التاريخ لغة العلم الوحيدة في العالم بأسره فيما بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلادي، ثم انضمت إليها اللاتينية بعد ذلك ، أخذت عن العربية ، وأفادت منها فترجم اللاتين قدرا من كيمياء جابر بن حيان وأبي بكر الرازي ، وعنوا برياضيات الخوارزمي وبصريات ابن الهيثم وفلك الميتاني واليتروجي وطب ابن زهر وعلي بن رضوان ، شغلوا بالترجمة عن العربية نحو قرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي واستعاروا بعض الألفاظ العربية كما استعار المسلمون من قبل بعض الألفاظ الأجنبية ولا تزال الألفاظ العربية المستعارة باقية إلى اليوم في اللاتينية ومن بعدها في بعض اللغات الأوربية المعاصرة فأدت العربية رسالتها نحو العلم في الماضي ، ولا يعزّ عليها أن تؤديها في الحاضر وهي متهيأة لذلك تهيؤ اللغات العالمية الكبرى (4).

وكما يقول د. محي الدين صابر فان اللغة العربية أصبحت " لعدة قرون في التاريخ الوسيط هي اللغة العالمية الأولى لغة الفكر والعلم والاقتصاد ، وحرّر الحرف العربي عشرات اللغات غير المكتوبة وأدخلها عالم التدوين ، وتعايشت الثقافة العربية الإسلامية مع ثقافات الشعوب التي ارتبطت معها بالعقيدة ولم تحاول طمسها أو استلابها ، ولكنها تعاملت معها أخذا وعطاء فأغنتها واعتنت بها وقبلت دون تحيّز ولا تمييز من استطاع أن يضيف الي قدرتها بل إنها كرمت ذلك وشجعت عليه " (5).

و منذ قرن أو يزيد بدأت محاولات تعريب التعليم تمثل هاجسا للبلاد العربية تأكيدا لشخصية الأمة وإبرازا لهويتها الحضارية التي تجعل التعريب في حياتها وسيلة معرفية ومشاركة في حلبة السباق الحضاري مع الأمم التي هضمت معطيات الحضارة وأضافت إليها ثم شاركت بها في هذا العطاء الإنساني والتعريب ضرورة علمية لا تستجيب لسيطرة المادية لغيرنا ، ولا تنطوي على ضعف سياسي أو استبداد ثقافي يفرضه علينا الآخرون الذين سعوا لاحلال ألسنتهم محل لساننا وفكرهم مكان فكرنا والأمر متعلق بعملية التعارض الحضاري بين الأمم جميعا كما فعلت أوربا عندما اقترضت معطيات الحضارة الإسلامية قبل أن تكون لها حضارة مميزة. وقد أثارت هذه القضية جدلا واسعا لا زالت أصداؤه حتى اليوم بين مؤيد مؤمن به دون قيد ، ومعارض متشكك فيه ، ومتوسط يؤيد في جوانب ويعرض في جوانب .

ولما كانت الغاية التي تسعى إليها الجامعات تتمثل في إيجاد الفرد النافع لنفسه ومجتمعه ووطنه و دينه فان التفاعل بين هذه الشخصية التي تعدها الجامعة لخدمة مجتمعه الإنساني وبين المجتمع الذي تعد له هذه الشخصية – إنما يتم إذا كانت اللغة التي يتعلم بها تلك الشخصية هي اللغة التي يتعامل بها ذلك المجتمع ويفكر بها ويقدم نفسه للعالم على أساسها وهذا يفرض علينا أن نهتم بالبعد الاجتماعي في مشاكل التعريب فالأمة العربية متعددة الأوطان متمايزة الكيانات والنظم السياسية مترامية الأطراف تعاني مشكلات الأمية العلمية والحضارية على غير ما كانت عليه في الماضي فالمصطلح الواحد ينطلق من بغداد ثم ينتشر في القاهرة و دمشق وقرطبة بخلاف ما هو عليه الآن فالتعريب عند المشارقة هو " صياغة المصطلح الأجنبي على المقاييس الصرفية العربية بحيث يصبح قابلا للتعريف وأخذ الاسم منه والفعل واسم الفاعل واسم المفعول واسم الآلة " ، وعند المغاربة " إحلال اللغة العربية في التعليم محل اللغات الأجنبية وتوسيع اللغة العربية والعمل على أن تكون لغة التخاطب العربية وحدها والدعاية لها ومقاومة كل الذين يناهضون لغتهم للتفاهم فيما بينهم بلغة أجنبية وبالجملة فإن التعريب هو الذي جعل اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن كل ما يقع تحت الحس من العواطف والأفكار والمعاني التي تختلج في ضمير الإنسان الذي يعيش عصر الذرة و الصواريخ " فهذا التعريف الثقافي الشامل أملته الظروف الاجتماعية والسياسية والمنافحة عن هوية الأمة وخصوصيتها الحضارية والثقافية في ظل مواجهة الثقافة الأجنبية التي سيطرت فترة طويلة على بلاد المغرب العربي وهذا تعريف يتجاوز المفهوم الفني الذي ساد في المجامع العلمية واللغوية فترة من الزمن ، وفي هذا الموضوع يقول الدكتور "محي الدين صابر " المدير السابق للمنظمة العربية للثقافة والعلوم : " التعريب ليس قضية لغة بل هي قضية حضارية أساسية تواجهنا حاليا اللغة ليست ألفاظا بل فكرا وبالتالي لابد من تطوير المجتمع العربي واستيعاب حضارة العصر وذلك لا يتم إلا عبر اللغة كوسيلة وكأداة ، اليابان – مثلا – وهو مثل تقليدي أوجدت شخصيتها عبر لغتها الخاصة وقد أضحت اللغة اليابانية لغة تكنولوجيا حديثة ، أي لغة لها عمق تاريخي وتراث ضخم ، من حقها أن تكون مثل اللغات الأخرى. بالنسبة للغة العربية ارتبطت كثيرا بالتراث خاصة التراث الإسلامي ، هذا العامل أغرى الغرب على محاربة اللغة العربية ، الاستعمار حين أسس المدارس الحديثة حرص على إبعاد اللغة العربية وقد أقصيت عن المجالات الإدارية والاقتصادية والتقنية وبالتالي أصبحت معرفة اللغة العربية لا تجدي نفعا في المجتمع العربي ، وهذا وضع شاذ ، لقد حوربت اللغة العربية في عقر دارها ، أساتذة اللغات في الغرب هم أفضل الأساتذة ولا أود أن أتحدث عن وضع أستاذ اللغة العربية في المدارس العربية .

الغرب أراد أن يدفعنا لاحتقار الذات ، لأننا للأسف احتقرنا لغتنا وكما ترى فإن قضية التعريب مرتبطة بمجموع الكبرياء القومي " (6) ، وعن هذا الجانب يقول " د. عبد الصبور شاهين " : " إن للفرد في المجتمع العربي ولا سيما المثقف محليا أو خارجيا جهتا ولاء متعددة ومصادر ثقافية شتى مع فقر الوعي الاجتماعي الذي يعكس الوعي الحضاري ويشد الفرد إلى الفرد بحبل المواطنة وهي هنا مواطنة على مستوى الأمة العربية ذات اللسان الواحد فإذا أضفنا إلى ذلك تفشي الأمية في نسبة كبيرة من المجموع العربي غيرا لمتحضر وتغير الحياة الاقتصادية إلى جانب القطاعات الجاهلة مما يهون لديها قيمة اللغة وأهمية العلم وأثره في تقرير مصير الفرد كل ذلك يقصي قضية اللغة الواحدة ويحرمها من الثراء الحضاري ويباعد بينها وبين هموم الفرد المثقف الممزق الولاء الشديد التعصب حتى ولو كان أعمى لرأيه ونوازعه والغة لا تتطور إلا على أيدي عاشقيها ولا توسع مقاييسها إلا طبقا لحاجات مجتمع يطالبها بهذا التوسيع "(7) .

2/ المصطلح العلمي :

إن المصطلح العلمي كلمة – كغيرها من الكلمات اللغوية – تشير الى شيء حسي و معنوي لابد من إيضاح مفهومه أول مرة ، حتى لابن اللغة نفسه لكي يدرك ذلك المفهوم .

وأيّة كلمة – مهما كانت – هي كلمة علمية ، فان لم تدخل تحت هذا العلم ، دخلت تحت علم آخر . فالبحث عن المصطلحات العلمية معناه – في الحقيقة – بحث في اللغة وإمكاناتها في التعبير عن المستحدثات العصرية .

والاصطلاحات من الأمور الوصفية الاعتبارية ، إذ الكلمات المصطلح عليها في المعاني العلمية ، لا تدل على تلك المعاني – من حيث اللغة – دلالة تامة ، إلا في بعض الأحوال الاستثنائية ، فلذلك ليس من الضروري أن تترجم الكلمة عنها ترجمة حرفية ، بل من الأوفق أن نتحرى الكلمة التي يمكنها أن تدل على المعنى المطلوب على أحسن الصور وأوضحها .

ولما كان يتعسر علينا – في معظم الأحوال – أن توجد الكلمة العربية التي تدل على المعنى المطلوب دلالة تامة – تحتم علينا أن نبحث عن أقرب الكلمات من المعنى المطلوب وأن نخصّصها به ، وإن كان معناها اللغوي الأصلي أعم أو أخص من هذا المعنى .

والمصطلحات وليدة الاحتياجات ، فإنها لا تكون إلا عندما يشعر الناس بالحاجة إليها ، ولا يشعر أحد بالحاجة إليها إلا عندما يفكر في مدلولاتها . واحتياج أمتنا العربية إلى المصطلحات العصرية اللغوية كاحتياجها إلى جميع وسائل التقدم الحضاري ، بل إن حاجتها لتلك المصطلحات تأتي في المقام الأول ، لأنها مرتبطة بأسباب وجودها ، إذ ما عسى أن يكون مستقبل أمة ليست لها لغة تستوعب موجودات الحياة ومعطياتها .

فالمصطلحات العلمية هي الرافد الأساسي للمعاجم والنهوض باللغة على وجه العموم وهي تشمل ألفاظ الحضارة الحديثة وشتى فروعها في المعرفة النظرية ، وفي التطبيقات العملية . ولأهمية المصطلح العلمي العربي أوصى مؤتمر التعريب السابع – الذي عقد "بالخرطوم" عام 1994م – بضرورة تدريس علم المصطلح في الكليات والمعاهد العليا ، إذ إن أهمية المصطلح العربي تكمن في أنه الوسيلة المباشرة للتعريب ، الذي أصبح في بلادنا سياسة واقعة مطبّقة في جميع مراحل التعليم ، ولا سيما التعليم العالي ، ذلك لأن التعريب قضية حضارية و ضرورة قومية و دعوة للاعتماد على الذات لما فيه من استنهاض للأمة ، وترسيخ لهويتها وتأصيل لانتمائها الحضاري .

هذا بالإضافة إلى فوائد التعريب الأخرى ، التي تتمثل في التيسير والتسهيل على الطلبة والدارسين ، وتمكينهم من تلقي العلوم ومتابعة المحاضرات بطريقة أوفى ، حيث إن قدرتهم على الاستيعاب باللغة العربية تفوق ما هي عليه باللغات الأجنبية الأخرى . وتتمثل في إتاحة العلوم الطبيعية والمعارف الإنسانية في جميع مجالاتها باللغة العربية ، لتكون في متناول الدارسين والمواطنين كافة ، مما يمكنهم من المشاركة الفاعلة في النهوض ببلادهم . وتتمثل –أيضا – في توثيق الروابط بين المشتغلين بالعلوم والبحوث والدراسات ، في المجالات التي تهم الوطن والمواطنين .

ولأهمية التعريب بالنسبة للأمة العربية جمعاء جاء في التوصية الثالثة ، من التوصيات المهمة لمؤتمر التعريب السابع ما يلي : " وبناء على ما تقدم يرى المؤتمر انه على الرغم مما حققته مسيرة التعريب حتى الآن من تقدم في الوطن العربي ، وتقديره لما أسهم به العلماء والمتخصصون والمؤسسات اللغوية والتعليمية ، فإنه لابد من أن نخطو خطوة أبعد ، لكي تؤتي هذه الجهود ثمارها ، وهي أن تتخذ الأمة العربية قرارها – على أعلى المستويات المسؤولة – بإلزام جميع الهيئات التعليمية ، من جامعات ومعاهد عليا وسواها ، باستعمال اللغة العربية تأليفا وبحثاً و تدريساً في جميع المراحل . كما ينبغي إلزام المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي ، باستعمال اللغة العربية الفصيحة ، في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية . وجاء في الفقرة الحادية عشرة من نتائج أعمال تطوير منهجية وضع المصطلح العربي وبحث سبل نشر للمصطلح الموحد وإشاعته المنعقدة في عمان سنة 1993م – ما يلي:-

" تفيد التجربة السورية والتجربة السودانية في تعريب التعليم في الكليات العلمية والتطبيقية ، على أساس التدرج سنة بسنة – نجاح هذا الأسلوب . وهذا مثال واضح على أن متطلبات التطبيق مواتية ، والأمر يحتاج إلى حسم والبدء في التطبيق تدريجيا ، ولا سيما بالاعتماد على كل ما وضعته المجامع والمؤسسات العربية المتخصصة من مصطلحات تعد الركيزة الأساسية لتطبيق التعريب " .



3/ مسيرة وضع المصطلح العربي :

ليس التعريب أمرا جديدا أو نزعة حديثة ، فقد عرف العرب التعريب منذ العصر الجاهلي ، حيث وجدت في لغتهم ألفاظ كثيرة ، استعيرت من اللغات المجاورة . وقد وردت هذه الألفاظ المعربة في أشعارهم كما وردت في القرآن الكريم .

وقد عرفوا وضع المصطلح ، عندما بدأت حركة الترجمة (8)، في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي ، حيث قام العلماء بوضع كثير من الألفاظ بطرق الاشتقاق والمجاز والتعريب وترجموا تعابير دقيقة ، حتى أصبحت اللغة العربية لغة العلم والحضارة إذ ذاك . كل ذلك يعني أننا لا نقف –الآن – أمام تجربة نخشى عليها الفشل ، فقد مرت اللغة العربية بهذه التجربة ، وبرهنت على حيويتها وقدرتها المتجددة على الاستيعاب .

فمن القدماء الذين عنوا بتسجيل المصطلحات نذكر " الخوارزمي " صاحب كتاب(مفاتيح العلوم ) و " الجرجاني " صاحب كتاب ( التعريفات ) و " الجواليقي " صاحب كتاب ( المعرب الأعجمي في لغة العرب ) و " الخفاجي " المصري جامع كتاب " شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ) و " النهاوندي " صاحب كتاب " كشف اصطلاحات الفنون والعلوم ) ... هذا ، وما أثبت في الكتب العربية الأخرى من أسماء المصطلحات أكثر مما ورد في هذا الكتب .

ومنذ مطلع القرن العشرين بذل بعض الباحثين مجهودهم في اختيار مصطلحات مفيدة . ولا شك أن للمجامع اللغوية التي أنشئت في القاهرة و دمشق و العراق – أثرها الفاعل في دفع تأصيل وضع المصطلح العربي ، وقد قامت بجهود وإنجازات مهمة في هذا الحقل .

ويطلع – الآن – بمهمة تأصيل المصطلح العربي وتوحيده مكتب تنسيق التعريب بالرباط التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . وقد أنشئ هذا المكتب بالرباط عام 1961م . وفي مايو 1972 تم إلحاق هذا المكتب بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . وترتكز وظيفته أساسا على :

1. تنسيق الجهود العربية في إيجاد المقابل العربي للمصطلح الحديث في مختلف فروع المعرفة وتحقيق توحيده .

2. تكريس استخدام العربية وإحلالها المكانة اللائقة والمشرفة في المناهج والتلقين ، بمختلف أقسام و حقول وشعب التكوين العلمي والتقني والمهني .

3. الإسهام في النشر والتعريب بجهود الباحثين –لغويين و مصطلحيين – في تحديث اللغة العربية علميا و حضاريا و تأكيد حضورها المتطور .

ويعني المكتب بإصدار مجلة " اللسان العربي" وهي مجلة سنوية تعنى بنشر الأبحاث اللغوية وقضايا الترجمة والتعريب ، كما يعني المكتب بإصدار المعاجم الموحدة والمصادق على مصطلحاتها في مؤتمرات التعريب .

ونتيجة لاستمرار الجهود في ترقية المصطلح العلمي العربي وتنفيذه تم إنشاء الهيئة العليا للتعريب في السودان ، استجابة لتوصية الندوة القومية المنعقدة حول تدريس المواد العلمية باللغة العربية في المدة من 22 يوليو إلى 26 منه سنة 1990م .

وقد خطت الهيئة لعملها سياسات عامة نذكر منها فيما يلي (9):-

1. وضع خطة التعريب وسياساته العامة ومتابعتها .

2. دعم الجامعات فيما يختص بإنجاز سياسات التعريب ، وتأمين الكتاب العلمي العربي للمواد الدراسية .

3. العمل على عقد ندوات للمصطلحات العلمية ، في المواد المتخصصة في الجامعات على أن تتولى الجامعة هذا العمل بالتنسيق مع الهيئة .

4. عقد ندوات متخصصة في علم اللغة العربية وفقهها ، بما يعين المختص على التأليف والترجمة والتدريس .

5. العمل على إقامة معارض الكتاب العلمي العربي بمشاركة دور النشر المتخصصة .

6. إنشاء علاقات مع مكاتب تنسيق التعريب والمجامع اللغوية في البلاد العربية و غيرها .

7. وضع ضوابط للتأليف والترجمة والنشر العلمي .

8. *** أهم المراجع الأساسية والأجنبية التي تخدم التعريب .

9. إدخال قسم خاص بالحاسوب ، ووضع برامج لمصطلحات للتنسيق والتصحيح وتسهيل استخراج المصطلح العلمي للباحثين والدارسين .

10. تأكيد جودة المادة العلمية وسلامة اللغة العربية في الكتب المترجمة والمؤلفة قبل إجازتها للنشر .



وتضم مكتبة الهيئة ما يقارب عشرة آلاف عنوان . وما زالت تتلقى إضافات عديدة من الكتب العلمية ، لتلبي حاجة المؤلفين والمترجمين في التخصصات العلمية المختلفة . وتشمل عناوين المكتبة المجالات التالية :

1-المعاجم والموسوعات العلمية والفهارس .

2- كتب الأساس في اللغة وعلومها .

3- الكتب العلمية العربية وتشمل :-

أ‌- الكتب المنهجية الدراسية .

ب‌- الكتب المترجمة .

ت‌- الدوريات .



4- كتب التراث العلمي العربي .



وتقوم وحدة توحيد المصطلح بالهيئة بمتابعة مشاريع المعاجم العلمية لتوحيد المصطلح العلمي، وذلك بالتنسيق مع الجامعات وجميع أهل التخصص العلمي ، والمؤسسات الأخرى ذات الصلة . ولتحقيق ذلك تتبع الوحدة منهجا يضمن اشتراك أكبر عدد من أهل الاختصاص في إعداد المعجم حيث تنعقد لكل تخصص ندوة علمية تنظر في حصر مفردات المعجم الخاص به و تعريبها و توحيده ثم تعمل على نشره .

ولقد صدرت مشاريع المعاجم التالية :

1- معجم الفيزياء الموحد .

2- المعجم الهندسي الموحد .

3- معجم الكيمياء الموحد .

4- معجم المصطلحات الرياضية الموحد .

ويتواصل برنامج إعداد مشاريع المعاجم المتخصصة في العلوم الأخرى ، مثل : علوم الحاسوب ، وطبقات الأرض ، والآثار ، وغيرها . وقد روعي في سلسلة مشاريع المعاجم العلمية الموحدة أن تكون متوافقة مع ما أجمعت عليه المعاجم الأخرى ، الصادرة من مجامع اللغة العربية بالوطن العربي .

وتعمل وحدة التأليف والترجمة على إصدار الكتاب العلمي المعرّب عن طريق التأليف أو الترجمة . وتضع لائحة للتأليف والترجمة والنشر تتضمن البنود الرئيسية لخطة هذا العمل .

وتتأكد الوحدة من التزام المتعاملين معها – من المؤلفين والمترجمين – بالمصطلحات العلمية الواردة في المعاجم الموحدة كل في تخصصه . وكذلك مراعاة نظم الكتابة العلمية العربية المجازة لهذا الغرض .

هذا وتتعاون هيئة التعريب العليا بالسودان مع الجهات التالية :

1- المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم .

2- لجنة إنجاز الكتاب الجامعي في الجمهورية العربية السورية .

3- منظمة الصحة العالمية .

4- المكتب الإقليمي للعلوم والتكنولوجيا للدول العربية .

5- معهد الترجمة الإسلامي بالخرطوم .

6- المعهد العالي للفكر الإسلامي بواشنطون .

7- مجمع اللغة العربية في السودان .

8- مجامع اللغة العربية في الوطن العربي .

9- مكتب تنسيق التعريب بالرباط .

4/ طرق وضع المصطلح :

يكاد الباحثون في المصطلح العربي يجمعون على أن المصطلحات ينقب عنها أولا في كتب اللغة القديمة فإذا وجدت اعتمدت وإذا لم توجد لجيء إلى واحد مما يلي : الاشتقاق ، أو المجاز ، أو النحت ، أو التعريب .

ويمكن أن نوضّح هذه الطرق فيما يلي :

أ/ الاشتقاق :

إن كثيرا من المصطلحات العلمية وجدت المعنى المطابق لها تماما سواء بلفظ قديم وضع للغرض نفسه أو لقريب منه . وإذا لم يوجد للكلمة الأعجمية مقابل في اللغة العربية فأمامنا طرق أخرى – كما ذكرنا – أهمها وأولها الاشتقاق ، وهو أخذ كلمة من أخرى مع تناسب بينهما في المعنى وتغيير في اللفظ .

والاشتقاق قياسي في لغة العرب قال احمد بن فارس : " أجمع أهل اللغة – إلا من شذ منهم – أن للغة العرب قياسا ، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض ،والأصل فيه أن يكون من المصادر ، ويقل من أسماء الأجناس والجامدة ، : كأورقت الأشجار ، وأسبعت الأرض ، وفلفلت الطعام ، ونرجست الدواء . من الورق والسبع والفلفل والنرجس .

وقد وقف كثير من اللغويين بالاشتقاق من أسماء الأجناس عند حد السماع . ولا شك أن القياس في هذا الباب يفتح المجال واسعا أمام اللغة ، في استيعاب معاني الكلمات الحضارية الحديثة ، التي تدخل في حياة الإنسان بالعشرات والمئات كل يوم . فالاشتقاق من أسماء الأجناس ضروري لا بد منه ، ولا يجوز أن يكون عدم السماع حجة في منع قياسه و اطراده.

وبالرغم من أن الأقدمين جروا على الاشتقاق من الاسم المعرّب فقالوا : هَنْدَسَ و دَرْهَم وخَنْدَق ، وجرى العصريون على اشتقاق كهرب و كهربائية من الكهرباء ، ومغنط ومغناطيسية من المغناطيس ، واشتقاق أكسد من المعرب أكسيد ، نقول : بالرغم من ذلك قد وجد في العصر الحديث من يمنع إعطاء ما عرّبته العرب حكم كلامها فيشتق ويشتق منه ، وهذا مفهوم خاطئ فضلا عن جموده و إعاقته لحيوية اللغة ، إذ العرب كانوا يتناولون اللفظ الأعجمي فيصقلونه ويهذبونه على حسب أوزان لغتهم ومنطق لسانهم فيخرج من ألسنتهم كأنه عربي صميم ، وهكذا فإن هذه الألفاظ تعد فصيحة فكيف يمكن بعد ذلك أن تعدّ لغات مستقلة ؟! الواقع أنها ألفاظ عربية تخضع لقواعد اللغة العربية و نحوها و صرفها دون أي تمييز إلا ما حكم به الذوق السليم في عذوبة الجرس وسهولة اللفظ .

فهم قد اشتقوا من لفظ " هندسة " المعرب عن الفارسية : اسم الفاعل ( مهندس ) والفعل (هندس ) والمنسوب (هندسي ) كما فعلوا في معنى " الصفر " فاشتقوا منه الجمع (أصفار) والفعل (صفر ) والمصدر (تصفير ) وهذه هي الفكرة الأساس التي يمكن أن نستوفيها ويمكن أن تهتدي بها خطانا اليوم .

فعبقرية اللغة العربية متأتية من توالدها بالاشتقاق وكل لكمة تلد فيها بطونا والمولودة بدورها تلد بطونا أخرى ، فحياتها منبثقة من داخلها , وهذا التوالد يجري بحسب قوانين وصيغ وأوزان وقوالب هي غاية في السهولة .

إن من المصطلحات ما يكون جامدا من حيث المعنى فلا يحتاج إلى مشتقات ، في حين أن منها ما يكون متصرفا من حيث المعنى فيحتاج إلى عدد قليل أو كثير من المشتقات . فعلينا أن نلاحظ هذه النقطة ، فلا نختار مقابل المصطلحات التي هي من الصنف الثاني إلا ما يقبل التصريف .

ومن المشتقات اسم الآلة ، وهو اسم مصوغ من مصدر الفعل الثلاثي المتعدي ، لما وقع الفعل بواسطته . وتقول كتب الصرف : إن له ثلاثة أوزان هي : مِفْعَل ، كمبرد ، ومِفْعَال ، كمنشار و مِفْعَلة كمكنسة .

والرأي عندي أن نسير على القول الراجح القاضي بقياسية اسم الآلة في هذه الصيغ الثلاث لاستفاضتها في الاستعمال وشهرتها ولا سيما ونحن في أوج معركة التعريب .

والملاحظ أن جميع أجهزة القياس التي كانت معروفة قد انحصرت في وزن " مِفْعَال " مثل : ميزان و مكيال ومثقال ومعيار و مسبار و...الخ . لذلك يجدر بنا أن نخصص هذا الوزن للجهاز الذي ينفع للقياس ، فنقول : مِطْياف لمقياس الطيف ، و مِمْطار لقياس المطر ومِضْغاط لقياس الضغط ..الخ .

وغير ذلك ، حيث يكون هذا الوزن لأجهزة القياس كافة و نحصرها فيه . ونترك الكلمات القديمة التي على هذا الوزن ، دون أن نتعرض لها حتى ولو لم تعن وظيفة القياس ، مثل : مِفْتاح ومنشار و سواهما .

و من هذا نرى أنه بمجرد تعرفنا القصد من وضع صيغة " مِفْعَال " يتيسر لنا إيجاد تسميات كثيرة دون تردد أو التباس . وقد ترك لنا الباب مفتوحا لإدخال مسميات جديدة قد لا تكون في وقتنا الحاضر لكن المكان لها ممهّد سلفا لتحتله في المستقبل .

وإذا استعرضنا أسماء الآلة التي على وزن "مِفْعَل " مثل : مبرد و مسرد و مثقب و منقش ومبضع و محجم وغير هذا ، نجد أنها أدوات تقوم بعمل مباشر فنتركها لمثل هذه الوظيفة .

أما إذا استعرضنا الأوزان التي على وزن " مِفْعَلة " مثل : محبرة و ومكنسة و ملعقة و مطرقة ، وغيرها فنجد أنها تقوم بعمل غير مباشر ، فهي بالأحرى وسيلة ، فالمحبرة وسيلة لحفظ الحبر وليست هي التي تصنع الحبر والمغسلة وسيلة للغسل ... وهكذا . بهذا نرى أن مصفاة و مشواة ومطواة قد خضعت للقاعدة وعبرت عن وظيفتها .

فالوزن – كما يتراءى لنا – هو العامل المسيطر في التعبير عن الوظيفة ، قبل الأخذ بأية اعتبارات أخرى . ولدينا وزن آخر جدير بالعناية وقلما يذكر في اسم الآلة ، هو وزن " فِعَال " الذي يأتي على وزنه أسماء كثيرة للآلة ، مثل : حزام ، ولجام ، وزحام ، و خطام ، و زناد ، وغيرها : وهذه الأدوات تقوم بعمل مباشر أيضاً ،كالأدوات التي على وزن " مِفْعَل " لكن هناك – مع ذلك – فارقا بين المجموعتين، فما كان على " مِفْعَل " لا يزول أثره فالمبرد يبقى أثره بعد البرد ، وكذلك المبضع والمنقر وغيرها . أما ما كان على وزن " فِعَال " فلا يبقى أثره ، مثل حزام ولجام .



وفي لغتنا أوزان أخرى حملها المحدثون معنى اسم الآلة ، فأدته بكل يسر وسهولة مثل :

فاعل وفاعلة كنا بض و باخرة .

و فَعَّال وفَعّالة كجرّار و طيّارة .

و مفعل و مفعلة كمحرض و منوبة .



وقد جاء اسم الآلة جامدا على غير هذه الأوزان : كالإبرة والقلم والسكين والفأس والناي والقدوم والهراوة و الرّمح والسيف و غير ذلك .

و من الاشتقاق الزيادة في الكلمة ، فنقل المجرد إلى أوزان المزيد ، يغطي أغراضا كثيرة ومختلفة ، كالتعدية و التكثير والسلب والمشاركة والصيرورة و المطاوعة و الطلب والانتساب و غيرها . فالمشتقات من المصدر والأوزان الأخرى يجب ألا تبقى محدودة العطاء ، إذ قد نفتش أحيانا عن جملة لترجمة مصطلح ، مع أن وزنا مجهولا لا يمكن أن يؤدي المعنى بدقة .

ولنضرب مثلا لتعدد الوزان بالزيادة في المادة الواحدة ، ف " الصبغ" هو المجرّد وهو الأصل، وفوق ذلك نجد : الصباغة " و هي الحرفة ، و" الصبّاغ " وهو محترف الصباغة و " المِصْبَغ " وهو الجهاز في الآلة (إن وجد ) الذي يطبع اللون على النسيج ، و" المِصْبَاغ " وهو الجهاز الذي تقاس به دقة الصباغة ، و" المِصْبّغَة " مكان الصبغ ، وهكذا .

وإذا كان الاشتقاق هو أهم وسائل وضع المصطلح ، إلا أنه لا يكفي وحده لتوليد الكلمات التي يحتاج إليها التفكير البشري ، لأن عمله مقصور على أوزان وقوالب معيّنة . وهذه الأوزان والقوالب – مهما كانت كثيرة و ولودة – لا تستطيع أن تستوعب جميع المعاني العقلية ، فلا بد إذن من الاستعانة بطرق أخرى أبرزها النحت والتعريب .



ب/ النّحت :

النحت نوع من الاختصار والتركيب، يمزج فيه لفظان أو عدة ألفاظ أو أهم حروفها ، فيتولد عنها لفظ واحد جديد . ومعناه في أصل اللغة البري . وهو ليس اشتقاقا بالفعل وإنما من قبيلة ، لأن الاشتقاق أن تنزع كلمة من كلمة . والنحت أن تنزع كلمة من كلمتين أو أكثر .

ويرى البعض أن النحت والتركيب أمر واحد . وكان القدماء يطلقون التركيب على النحت كما هو رأي الخليل . وجاء في كتاب الصاحبي : " العرب تنحت من الكلمتين كلمة واحدة . وهو جنس من الاختصار : كعبشمي منسوب إلى اسمين ، أنشد الخليل :

أقول لها ودمع العين جار***********ألم تحزنك حيعلة المنادي

من قوله : " حي على "

وأقرّ مجمع اللغة العربية بالقاهرة في جلسته المؤرخة بالحادي والعشرين من فبراير سنة 1948 مبدأ العمل بالنحت إذا اقتضى الأمر ذلك . وهو بذلك يجدد ما قام به النقلة في العصر العباسي ، خاصة في ميدان الطب والأدوية .

وقال جرجي زيدان :" النحت ناموس فاعل على الألفاظ ، وغاية ما يفعله فيها إنما هو الاختصار في نطقها تسهيلاً للفظها، واقتصاراً في الوقت بقدر الإمكان "(10) .

وقال محمد شكري الألوسي : " مما يدل على أنّ اللغة العربية أحسن اللغات صيغة وأساليب ... وأكملها نسقاً وتأليفاً ، تسويغ استعمال النحت عند اقتضاء الضرورة ، ولو أن العرب شاهدوا البواخر وسكك الحديد ... الخ ، لوضعوا لذلك أسماء خاصة ناصعة ،فهم على ذلك عير ملومين ، وإنما اللوم علينا حالة كوننا قد ورثنا لغتهم وشاهدنا هذه الأمور ، ولم نتنبه لوضع أسماء على النسق الذي ألفه العرب وهو الاختصار.

وقد خصص الشيخ عبد القادر المغربي بحثا وافيا للنحت في كتابه " الاشتقاق و التعريب" . واستفاد السابقون من النحت في تكوين المصطلحات العلمية عند الضرورة حتى إنهم اقترحوا _ أحيانا _ بصراحة . ونحن نعتقد أن الضرورة ماسة لذلك ، حيث إننا نعبر عن كثير من المعاني العلمية بتراكيب متنوعة .

ومن المعلوم أن " لا " النافية أعطتنا كثيراً من الاصطلاحات العلمية الرشيقة ، فقد استعمل المتقدمون : " لا متناهي" و "لا ضروري" و "لا دائمي" و" لاإرادية " وقد استفاد العصريون - أيضا – من هذه الصيغة مثل " لاسلكي" و " لا مركزية" و"لا شعوري" و "لا إرادي" .

إننا نرى استعمال النحت لأجل الاصطلاحات العلمية ، وهذه الاصطلاحات محدودة بطبيعة الحال، فلا تصعب مراعاة التناسق في تكوينها ، ولا يمكن نشر العلم بالتراكيب المطولة فإذا لم نقبل النحت فسنضطر إلى استعمال الاصطلاحات الإفرنجية نفسها . كما أن المصطلحات العلمية المركبة من عدة كلمات ثقيلة الاستعمال ، وتتجه جميع اللغات الحية إلى جعلها قصيرة مستساغة(11) .

ج/ التعريب (12):

ونذكر في النهاية طريقة هي الأخيرة – في رأينا- وضعا واعتباراً ، وهي طريقة التعريب ، أي نقل المفردات الأجنبية بلحمها ودمها . والمعرب ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان من غير لغتها . وفي اللغة العربية من اللغات : اليونانية ، والفارسية ، و السريانية، والرومانية، والحبشية، والعبرانية، والهندية- الشيء الكثير. وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة الالتجاء إلى هذه الطريقة، إذا دعت إلى ذلك الحاجة الماسة ، بأن لا يوجد لفظ متداول في اللغة أو مهجور ، يؤدي بدقة المعنى المصطلح عليه. والتعريب ضروري لحياة العلم ، ولا خوف معه على كيان اللغة ، إذ يكون أخر ما يلجأ إليه في النقل ، عندما لا توجد كلمة عربية تترجم لها الكلمة الأجنبية ، أو يشتق منها اسم أو فعل أو يتجوز منها مجازاً ، أو ينحت لفظ .

واللفظ المعرّب يتبع قواعد التعريب في بنائه وتركيبه ، سواء أشبه العربي من كل وجه ، أو حافظ على ما يدل على أعجميته . وهناك فريقان في أمر التعريب ، ففريق يذهب الى وجوب اتباع الكلمة المعرّبة وزنا عربيا ، فليس يكفي أن نتكلم باللفظة الأعجمية حتى تغدو معربة . وفريق آخر – فيه سيبويه و جمهور أهل اللغة – يذهب إلى أن التعريب أن تتكلم العرب بالكلمة العجمية مطلقا ، يلحقونها بأبنية كلامهم حينا ، وحينا لا يلحقونها . بل قد ذهب بعضهم إلى : إذا عربت الألفاظ الأعجمية وتمكنت لدى العرب صرفها العرب واشتقوا منها ، مثل : ديباج ، فرند ، زنجبيل ، لجام ... الخ .

و نحن نرى ألفاظا كثيرة عربت وشاع استعمالها مع وجود نظيرها في اللغة ، مما يدل على مرونة هذه اللغة ، وقدرتها على الاستيعاب والنقل من اللغات الأخرى دون حرج ، فلم يصبها الفساد ، ولم تفقد هويتها ، بل على الضد من ذلك ، ازدادت غنى وخصوبة ، وأصبحت لغة عالمية للحضارة والفكر لمدة طويلة .

إن العلوم التطبيقية الحديثة وما تضيفه في كل يوم من الأدوات والمخترعات الجديدة ، تتطلب ألفاظا كثيرة لهذه الأدوات و الآلات . كما أن طبيعة بعض العلوم مثل الكيمياء والفيزياء الحديثة وبما تتميز به مصطلحاتها من حيث ارتباط ألفاظها بعضها ببعض ، كل ذلك يبرر لنا اللجوء إلى تعريب الألفاظ ، وإلا اختلط الأمر علينا وضاع الهدف ، وبقينا متخلفين عن اللحاق بالركب المتقدم ، والبدء في سلم المشاركة والإبداع .
المصدر: ملتقى شذرات


hgj~Wugdl fhggym hguvfdm td hg[hlud ]vhshj jvf,dm K fp,e jvf,dm

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-18-2012, 07:53 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

فالتعريب يغني اللغة بذخيرة من الكلمات التي تعبّر عن كل ظلال المعاني الإنسانية ، كما أنه يمدنا بفيض من المصطلحات العلمية الحديثة ، التي لا نستغني عنها في نهضتنا العلمية . فلا بد من إباحة التعريب بأوجهه المختلفة ، ونقل الأسماء الأعجمية إلى اللغة العربية بحروفها وذلك مثل أسماء العلام الأعجمية ، واللباس والطعام و الشراب و الأثاث والعقاقير الطبية و أسماء الحيوانات و النبات ، مما لم يعرفه العرب وليست في بلادهم .

ولعل من الواجب أن تتعاون جميع المؤسسات اللغوية على أصول يمكن اتخاذها قواعد للتعريب ، يقاس عليها ويجري على نسقها ، لكي تتوحد المصطلحات ، فيسهل العلم ويعمَّ نشره في جميع الأقطار العربية .

د/ النقل المجازي :

وهو طريقة في التوسع اللغوي ، إذ قد يستعمل لفظ في معنى على سبيل المجاز ، حتى يصير المجازي هو الذي ينصرف إليه الذهن عند الإطلاق . و من هنا يمكن بعث الكلمات القديمة للدلالة على معان حديثة بطرق النقل المجازي . ولا يلبث اللفظ – لكثرة استعمال المجازي – ألا يفهم منه إلا هذا المعنى المجازي .

5/ لماذا التعليم باللغة العربية :

تعمل الجامعات في العالم العربي والإسلامي لاعداد القدرات الفكرية والعلمية للحاجة المتزايدة لذلك وهذا يقتضي أن تهدف الجامعات و مراكز البحوث العلمية إلى استنبات القدرات الذاتية وتكوين الباحثين العلميين ، وإيجاد التجانس الفكري تحقيقا لمتطلبات التنمية ، وتأصيلا للقيم الحياتية ولما كان معظم أعضاء الهيئات التدريسية قد تلقت تأهيلها في الجامعات الأجنبية فقد نتج عن ذلك تعدد المدارس الفكرية والاتجاهات المنهجية التي أورثت الطالب الجامعي بلبلة فكرية ، وتنازعا نفسيا وتعددا في الرؤى و الاتجاهات مما جعل تعريب التعليم الجامعي والدراسات العليا أمرا ضروريا نادت به المنظمات العربية وقادة التعليم والفكر لأن تكوين القيادات في مجالات الحياة المختلفة لا تتم إلا بتأصيل العلم والتقنية في اللغة العربية في مجال التعليم والبحث والإنتاج العلمي وذلك بتنمية اللغة العربية باعتبارها لغة عالمية معاصرة وتنميتها تكون بتطوير أساليب تعليمها ، وتحسين قدراتها وتجديد طاقاتها وإبراز عبقريتها الإبداعية .

إن أبرز مقومات الشخصية الإسلامية بجانب قيمها الإنسانية والروحية نظامها اللغوي فحول اللغة تقوم الحضارة وباللغة تبلغ الأمة رسالتها الخاتمة وتنشر ثقافتها وتراثها الذي لم تبلغه أمة في التاريخ الإنساني نوعا وحجما وكما وكيفا وانفعالا وتفاعلا وتأثرا وتأثيرا في المعرفة الإنسانية .

اللغة إبداع إنساني يلبي الحاجات الطبيعية والروحية والاجتماعية وهي قابلة دائما لاستيعاب الجديد وهي منهج فكر وأسلوب تصوّر لأننا نفكر بلغتنا التي تعبر عن هويتنا وحكتنا وتجارب حياتنا وفلسفتنا وتراثنا وبصيرتنا مما يؤكد قدرتها على مواصلة دورها الحضاري واستيعابها للمعرفة البشرية في كل زمان.

والذي جعل العربية لغة العلم والتكنولوجيا في الماضي وقابليتها لذلك في المستقبل ما تنفرد به من إمكانات وسمات قلّ أن تتوفر في لغة أخرى منها :

1- مرونة اللغة العربية وقدرتها على التفاعل مع غيرها حيث استوعبت العلوم الإنسانية كلها ترجمة ثم حفظا وإضافة وابتكارا ، وعندما نزل القرآن الكريم كان سببا في توسيع دائرة الألفاظ ومدلولاتها واكتسبت الألفاظ مرونة كبيرة وصلاحيات واسعة لتعبر عن المعاني الجديدة والحياة الجديدة ثم تستوعب بعد ذلك كل مستحدث في العلم أو جديد في الفكر وأصبحت اللغة العربية تحمل المعاني اللغوية التي كانت عليها والمعاني الاصطلاحية التي طرأت عليها وثبتت فيها فكان القران بذلك إضافة ضخمة و ثروة هائلة أثرت العربية كما أن اللغة النبوية والبلاغة المحمدية في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عززت المصطلحات الجديدة والمعاني المستحدثة للألفاظ والتراكيب العربية .

وتتمثل هذه المرونة في بروز ظاهرتي اللغة الأدبية واللغة العلمية فالعربية عاشت لغة أدبية برز فيها الخطباء والشعراء حيث كان الشعر ديوان العرب وإن قواعدها أسست على مستوى اللغة الأدبية واستمرت طرائق التعبير معتمدة على المقاييس الأدبية المتعارفة بين الشعراء والكتّاب والتي ظلت عن طريق الرواية حتى نهاية القرن الثالث الهجري حيث بدأت اللغة العلمية تبرز باعتبارها مستوى خاصا في التعبير عن وصف الأشياء لتعيين ماهيتها على اعتبار أن يراد ب " الأشياء كل ما يدخل في نطاق الحواس الإنسانية من مخلوقات ويراد بالوصف كل جهد يأخذ شكل التقرير أو التحليل أو التركيب العلمي " (13).

وإذا كان الأسلوب الأدبي يتميز بالذوق والجمال فإن الأسلوب العلمي لا يخلو من جانب جمالي لا يطغى على تميزه بالدقة في استعمال الكلمات والجمل والرحابة والمرونة وتجنب الصور البلاغية والمحسنات البديعية .

2- قدرة اللغة على الابتكار والتوسع في المصطلحات العلمية فلغة العلم في الإسلام تطورت عبر أزمنة حيث كان القرن الأول عصر المصطلحات الفقهية والتشريعية ومصطلحات علوم التفسير والحديث وعلم الكلام ثم جاء القرن الثاني ليكون عصر المصطلحات اللغوية والأدبية والتاريخية والسياسية ثم استكملت العلوم لغتها ومصطلحاتها التي عمت العالم الإسلامي ونمت في القرن الرابع الهجري وظهرت المصطلحات في معاجم " واستعان المسلمون على وضع هذه المصطلحات بوسيلتين هامتين : أولهما (النقل ) وهو منهج مألوف في اللغات جميعها فتنقل الكلمة من مدلولها الأصلي إلى مدلول جديد له به صلة وتستقر فيه بحيث تصبح حقيقة عرفية وقد ينسى المدلول القديم ويحل محله المدلول الجديد وحده ، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر من بينها الصلاة والصيام والزكاة في الفقه ، والتمييز والاستثناء في النحو والجامد والمشتق في علم الصرف . والفرق بين الدلالة اللفظية والدلالة الاصطلاحية لهذه الكلمات واضح و معروف .

والوسيلة الثانية من وسائل تكوين المصطلح العلمي هي الوضع ، ويراد به خلق لفظ جديد لأداء معنى خاص بالنحت والاختراع أو التركيب والجمع وأوضح صوره الاشتقاق والعربية ولا شك لغة اشتقاقية "(14) .

3- التعليم الجامعي باللغة العربية يتناسب مع القدرات المعرفية وطاقات الإدراك لدى الطالب الجامعي لأنها اللغة التي يتعامل بها في حياته اليومية ويعبر بها عن حاجاته و مشاعره وهي قبل ذلك مرتبطة بدينه وعقيدته والقناعة العقلية والنفسية بأهمية التعليم باللغة العربية يحقق عملية التفاعل بين الطالب والأستاذ ويسهل عملية الفهم والإفهام " لأن من أهم مقومات النجاح وأعمقها قبول التعريب نفسيا من المجتمع والطالب والأستاذ وخلق الاستعداد النفسي والاجتماعي في تقبل الدراسة باللغة العربية ضرورة من ضرورات الإبداع وخلق الثقة بقابلية العرب في استيعاب العلوم الحديثة وهضم الحضارة الجديدة لتكون وحدة روحية تزرع الثقة العميقة بأصالة العربية والاعتداد بالتراث الإسلامي وبالتالي إعادة الثقة بقابلية الطالب العربي والاعتداد بالمستوى العلمي للأستاذ "(15) .

وبما أن اللغة – كما ذكرنا – هي أداة التواصل الإنساني فإن البعد النفسي للتدريس بالعربية يساعد على الإبداع والأصالة العلمية والقضاء على الحواجز النفسية التي تنشأ عن التعلم بلغة أجنبية لأن التعليم بها يفقد الطالب البعد النفسي المطلوب في العملية التعليمية ويضيع الإحساس بهوية الطالب وذاتيته المعززين بلغة دينه وأمته ، كما أن التعليم باللغة الأجنبية يعمق لدى الطالب الإحساس بالتبعية الفكرية ، والدونية بل إنه يعمم هذا الإحساس على أساتذته الذي يتعاملون معه بلغة غريبة على مجتمعه و دينه وهويته الأمر الذي قد تكون له آثاره السالبة في مجالات التفكير والإبداع .

وعندما ننظر إلى الأمم المعاصرة كاليابان و كوريا وغيرهما ممن حققوا وجودا لهم في الحياة العلمية المعاصرة فإننا نجد أن سرّ نهضتها أنها نقلت العلوم والتكنولوجيا إلى لغاتها التي بها استوعبت وتمثلت وأنتجت في الحضارة الإنسانية المعاصرة ، وما بنى المسلمون حضارتهم التي أسست الحضارة المعاصرة إلا باللغة العربية .

واليهود أحيوا لغتهم العبرية و جعلوها لغة التعليم الجامعي منذ أن أنشئوا الجامعة العبرية عام 1918م ولم ينتظروا حتى تكتمل الجامعة وتنمو بل جعلوا العبرية لغة التدريس في الطب والهندسة والعلوم وغيرها وقد ذكر الأستاذ اسحق موسى الحسيني تفاصيل ذلك في بحثه الذي قدمه لمجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1985م حيث ذكر أن الجامعات التي أنشئت في إسرائيل كلها مع مراكز البحوث العلمية والتاريخية تتخذ العبرية لغة للتدريس ليس للطلبة اليهود فحسب بل حتى للعرب الذين يدرسون فيها فاليهودي يتطوّر في مجال العلوم والفنون والآداب بلغته التي يراها لغة العلم والتقنية والآداب بينما يظن بعض العرب والمسلمين أنهم لن يتطوروا بالعربية التي فرضوا حضارتهم بها وأثبتوا بها وجودهم في العالم القديم .

فاليهود خططوا لاحياء لغتهم بفكر ديني ربط بين البعث الحضاري اليهودي والوسيلة التي يعتمد عليها وهي اللغة العبرية التي نظروا إليها باعتبارها أداة بعث و عنوان نهضة لليهودية العالمية وليست مجرد أداة تواصل إنساني لغوي بين الناس بل اعتبروها ضرورة دينية ذات تأثير مباشر على الأمة أولاً و الآخرين ثانيا ، فاليهود بعد شتاتهم وفقدان هويتهم أوجدوا هويتهم وبعثوا وجودهم باللغة العبرية التي أصبحت لغة التعليم في المراحل المختلفة ولغة المنتديات والأنشطة الثقافية والاجتماعية .

إنهم كما خططوا لإنشاء دولتهم خططوا لاحياء لغتهم لتكون لغة قومية تعبر عن دولتهم وكيانهم السياسي فشجعوا الحديث بها في بيوتهم وكتبوا بها صحفهم ونشراتهم وجعلوها لغة منتدياتهم وتجمعاتهم ووصفوا معجمهم اللغوي العبري كل ذلك قبل قيام دولتهم التي وجدتهم جاهزين بلغتهم.

5- تعمل التربية الإسلامية لإيجاد الإنسان الصالح المتعلم الحاصل على معرفة منظمة والقادر على تطوير مهاراته الفكرية وبصيرته و ذوقه الحسي والجمالي ووسيلة التربية في تحقيق تلك الأهداف هي اللغة السهلة التي يفهمها الطالب العربي المسلم وهذه لا تتوافر إلا في اللغة العربية التي كرّمها الله سبحانه وتعالى بالقران الكريم الذي جعل علاقة المسلم بها علاقة تعبدية إيمانية تجعل العالم المسلم يتعامل مع العلوم الطبيعية والإنسانية باعتبارها من علوم الدين الاستدلالية وأن تعليم العلوم باللغة العربية من فروض الكفاية التي قد ترقى لفروض العين أحياناً لأن الطالب عندما يتعلم بلغته والمعلم عندما يعلّم بلغته يتحقق لهما معا التواؤم النفسي والديني لأنهما يتعاملان بلغة القرآن الكريم الذي حقق بها المسلمون مشروعهم الحضاري الإسلامي في الماضي وبها يستطيعون تقديم مشروعهم للعالم المعاصر، ولارتباط العربية بالدين قال ابن سيرين : " إن العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " .

ولما كانت اللغة هي أداة التواصل والوصل بين الأستاذ والطالب فإن ثقتهما وتعاملهما باللغة التي يعرفانها ويعتزان بها ستقضي على كل جوانب القصور والضعف في عملية التواصل والتفاعل بينهما ، بالإضافة إلى تحقيق الأصالة العلمية وتذويب الفارق النفسي والعقلي عند التعامل بلغة غير العربية لأن " أهم مقومات النجاح وأعمقها قبول التعريب نفسيا من المجتمع والطالب والأستاذ وخلق الاستعداد النفسي والاجتماعي في تقبل الدراسة باللغة العربية ضرورة من ضرورات الإبداع وخلق الثقة بقابلية العربية في استيعاب العلوم الحديثة وهضم الحضارة الجديدة لتكون وحدة روحية تزرع الثقة العميقة بأصالة العربية والاعتداد بالتراث الإسلامي وبالتالي إعادة الثقة بقابلية الطالب العربي والاعتداد بالمستوى العلمي للأستاذ " (16) .

13- إن تطوير الأداء للأستاذ الجامعي يتطلب أولا إجادته للغته العربية وإيمانه به دينا وقناعته وحرصا على التعليم بها لأنها الوسيلة الوحيدة لإحداث التفاعل بينه وبين طلابه " لأنه لا سبيل لقيام حركة علمية حقيقية في بلد إلا إن اعتمدت على اللغة الوطنية وبودّنا أن يعرب العلم والتكنولوجيا في الدرس والمحاضرة في قاعة البحث والمعمل في المصنع والمزرعة " (17)، والذي يحقق ذلك هو الاستعداد النفسي لدى الأستاذ بالإيمان بالتدريس بالعربية والإيمان بقدرتها على تسهيل عملية الاستيعاب لدى الطلاب وإسقاط الحاجز العقلي والنفسي واللغوي بينه وبين طلابه عندما يدرسهم باللغة التي درسوا بها في المراحل الدراسية السابقة ، والتدريس بالعربية وسيلة أيضا إلى الإبداع العلمي ورفع المستوى الثقافي والعلمي للأمة وتقوية الصلة بين التفكير والتعبير وتقوية الصلة أيضا بين الجامعة والمجتمع وذلك مع مضاعفة الاهتمام باللغات الأجنبية لأنها وسيلتنا لتواصل العلمي والتفاعل الحضاري .

إن العربية استوعبت – كما ذكرنا – ثقافات الشعوب كلها عن طريق الترجمة وتمثلتها و هضمتها ثم تجاوزتها فأضافت إليها وأبدعت فأصبحت لغة العلوم الحيوية " فالقضية المثارة حول تعريب التعليم الجامعي والبحوث العلمية اليوم كانت مثارة في أوربا قبل ثلاثة قرون بصورة عكسية فقد كانت كتب الطب العربية هي التي تدرس في الجامعات الأوربية وكان هناك من العلماء الأوربيين من يرى أنه لا يمكن دراسة العلوم والرياضيات والفلك والطب إلا باللغة العربية لأنها لغة العلوم وكانوا يطلبون ذلك في الجامعات العربية في غرناطة و قرطبة وسالرنو كما يحدث اليوم بالنسبة إلى العرب الذين يطلبون العلم في الخارج وهم الذين يرون استحالة دراسة العلوم باللغة العربية لأنهم تعلموا في بلاد أخرى ولقنوا ما لقنوا بلغة أجنبية "(18).

6/ تجربة تعريب التعليم العالي :

قضية تعريب التعليم الجامعي من القضايا التي شغلت العلماء والباحثين في العالم العربي والإسلامي حيث عقدت مؤتمرات و ندوات متعددة حول التعريب وأهميته بدءا من مؤتمر بغداد عام 1978 حيث ركزت البحوث على أهمية تعريب التعليم الجامعي وحيث أثبتت التجارب في الجامعات العربية أن التدريس باللغة العربية أكثر نفعا وأعم فائدة للطلبة والأساتذة في استيعاب العلوم وتعليمها . وكانت الدعوة لتعريب التعليم مرتبطة بالتحرر من العقلية الاستعمارية التي روجت لعجز العربية أن تكون لغة علم وحضارة وبحيث روّج الكثيرون لهذه الفكرة الكثيرون ممن رفضوا التعريب وحاربوه والمعروف أن اللغة التي يتعلم بها المرء يفكر بها والتعليم الجامعي بغير اللغة الأم فصل بين التفكير واللسان وتعزيز للتبعية الثقافية والسياسية وتكريس للتخلف والعزلة بين أبناء الأمة ولغتهم وحضارتهم وتاريخهم . وقد أوضحت نتائج الاستفتاء المتعددة لمكتب تنسيق التعريب أن اللغة العربية هي الأداة الطبيعية للتعليم الجامعي في مختلف المواد ضرورة قومية و دعامة لوحدة الأمة.

الإيمان بحتمية التعريب للتعليم العالي جعل التفكير منصبا على تذليل المشكلات التي تحول دون تحقيقه من حيث المصطلح العربي الموحد والكتاب الجامعي المترجم أو المؤلف والأستاذ المؤهل القادر على التدريس بالعربية . ومع ذلك فقد كان رأي اتحاد الجامعات العربية في مؤتمرهم الرابع في مايو 1982م " أن تعريب التعليم الجامعي قد تأخر كثيرا من الأقطار العربية ولابد من قرار سياسي و خطوة حازمة تتجاوز عوامل التردد والقصور " (19) .

وعن أهمية تعريب التعليم الجامعي في مواكبة العصر ومواجهة سيل المعلومات المتسارع يقول الأستاذ نبيل علي " يصعب تصور إمكان لحاقنا بعصر المعلومات .. عصر انفجار المعرفة دون ترسيخ العلم في وجدان الإنسان العربي وعقله وهو هدف دون تحقيقه تقاعسنا في تعريب العلوم والحجة القائلة بأن تعريب العلوم يقطع صلة طلبتنا بالمراجع الأصلية لهذه العلوم يتعارض مع تعدد مصادر المعرفة في عصر المعلومات "(20) .

والمعروف تاريخيا أن أول كلية طب أنشأها محمد علي باشا في مصر عام 1826 كان التدريس فيها باللغة العربية واستمرت على ذلك حتى خضوع الحكومة المصرية للضغوط السياسية من المحتلين حيث غيرت لغة التعليم إلى الإنجليزية عام 1887 بعد أن كانت حركة التعريب للعلوم المختلفة قد سارت بخطى ثابتة حيث ألف عدد من العلماء في مجال النبات والحيوان والفيزياء والجيولوجيا والرياضيات والصيدلة والنجوم والفلك (21) .

أ- التجربة السورية :

تعتبر الجامعات السورية صاحبة الريادة في تعريب التعليم الجامعي حيث تم تطبيق التعريب في كلية الطب بجامعة دمشق عام 1919م حيث اشترطوا على عضو هيئة التدريس إتقان اللغة العربية للالتحاق بها ونتيجة للدروس الخاصة في اللغة استطاع عدد كبير منهم إتقان اللغة واستخدامها بدلا من اللغة التركية وتواصلت عملية التعريب في الكليات الأخرى كالصيدلة والهندسة والزراعة و غيرها وتبع ذلك حركة تأليف وترجمة لمصادر وتصنيف عدد كبير من المصطلحات وتأهيل الأساتذة في مجال التعريب حيث ظلت حركة التعريب مستمرة وألّفت كمية كبيرة من المصادر التي تعتمد عليها بعض الجامعات اليوم .

وفي رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بعنوان (تعريب الكليات العلمية في جامعات الدول العربية ) للباحثة "رجاء محمود أبو بكر" أجرت مقارنة بين الجامعات السورية والسودانية من خلال استبانة تناولت عددا من الأسئلة وجهت إلى 208 من الطلبة السودانيين الذين استجابوا للفحص وعدد 1023 طالبا سوريا ثم 57 أستاذا سودانيا في مقابلة 62 أستاذا سوريا فكانت النتائج في خلاصتها كالآتي :



المؤيدون للتعريب

أساتذة سودانيون 75.3 %

أساتذة سوريون 100 %

أسباب المعارضة لا ترجع إلى عدم كفاءة اللغة العربية ولا صعوبة التدريس بها وانما ترجع إلى عدم وجود المراجع العربية 91.3 % عدم وجود الكتاب الدراسي المعرب 49.1% عدم توافر المصطلح العربي 24.6 % أما بالنسبة للغة التي يفضل الطالب إن يدرس بها فان النسبة كاملة لدى السوريين بينما هي 70.1% لدى السودانيين والسبب في نزول تلك النسبة أن بعض الطلاب ممن درسوا في المدارس الأجنبية وبعضهم من أبناء الجنوب لذلك يفضلون الإنجليزية التي درسوا بها على العربية .

وإذا كان التعريب في سوريا يتم وفق ضوابط و معايير لغوية صرفية استعانة بالقواميس ومعاجم اللغة العربية فان التعريب في السودان يعتمد على المصطلح والكتاب المعرب في البلاد العربية الأخرى .

أما أوضح السلبيات في واقع التعريب فتتمثل في أن الملخصات و المذكرات في الجامعات السودانية تكتب باللغة العربية الفصحى المتيسرة مع بعض المصطلحات الأجنبية بنسبة 93.% بينما بالعربية الفصحى المتيسرة هي بنسبة 100% في الجامعات السورية .

وبينما تجاوزت الجامعات السورية الصعوبات في مجال التعريب فان التعريب في السودان يواجه ضعف الاعتمادات المالية المتعلقة بتوفير الموسوعات والمصادر والمعاجم العربية والحوافز المشجعة للعمل .

أما بالنسبة للفرضية القائلة بضرورة التعريب في التعليم الجامعي فيؤكد ذلك أن نسبة 96% من السوريين و 94% من السودانيين قد تلقوا تعليمهم في المرحلة الثانوية في بلادهم باللغة العربية ويعزّز هذه الفرضية الإجابة عن كيفية استيعاب للمواد باللغة العربية إجماع الطلاب في القطرين على أنها جيدة أو جيدة جدا .

واهم السلبيات التي تواجه التعريب في السودان دون سوريا تتمثل في عدم توافر المراجع العلمية العربية بصورة مرضية بالإضافة إلى عدم توافر الكتاب الجامعي لارتباطه بالسلبية السابقة ولقصور أساليب التعريب وضعف الاقتناع بالتعريب وبخاصة في وضع المصطلح فحين يجد قلة من الطلاب السوريين 0.3% صعوبة في حفظ المصطلح العربي نجد أن 96.6% السودانيين يجدون صعوبة في ذلك ولعل ذلك راجع إلى أن الأساتذة لا يذكرون المصطلح بالعربية إلاّ نادرا و مع المصطلح الإنجليزي وبالنسبة للغة التي يفضلها لدراسة المصطلح بالعربية 1005 بالنسبة للسوريين في حين يفضل 92% من الطلبة السودانيين دراسة المصطلح باللغة الإنجليزية وهذه من سلبيات واقع التعريب في الجامعات السودانية لأن الطالب السوداني يجد أن المصطلح الأجنبي أكثر دقة وأيسر فهما وان المصطلح العربي معقد لعدم توافر المراجع بالعربية وسهولة الحصول عليها باللغة الإنجليزية.

ب - التجربة السودانية :

المعروف أن الاحتلال البريطاني قد فرض لغته على التعليم العام والجامعي بحيث يدرس الطالب العلوم كلها في المرحلة الثانوية باللغة الإنجليزية حيث كانت امتحانات الثانوية مرتبطة بجامعتي "كمبردج و أكسفورد" حيث تصحح الامتحانات هناك ثم ظهرت الدعوة إلى جعل اللغة العربية لغة التعليم بعد الاستقلال حيث انتهى تعريب التعليم الثانوي في عام 1970م غير أن الأمر كان متعسرا في التعليم الجامعي حيث لا زالت بعض المواد في كليات الطب والهندسة تدرس باللغة الإنجليزية التي تعلم بها أساتذة الجامعات الذين لا زال البعض يناهض عملية التعريب ولا يؤمن بها .

وقد انعكست آراء الأساتذة على الطلاب الذين يفضلون الدراسة باللغة الإنجليزية لأنها الوسيلة للانفتاح على العالم الخارجي وأن التعريب قد يقف دون ذلك زيادة على أنهم يعتبرون اللغة العربية لغتهم الأصلية التي يعرفونها ويجيدونها وأن التعريب يعيقه ندرة الكتاب الدراسي والمصطلح العلمي العربي مع اعترافهم بأن العربية هي لغة القرآن الكريم واللغة القومية الممثلة لهويتهم وذاتيتهم .

ولأن الأساتذة السودانيين تلقوا تعليمهم الجامعي والعالي باللغة الإنجليزية فإنهم يعتمدون على المراجع الأجنبية ولا يطلبون العربية إلا بنسبة 20% بينما يطلب 83% من الأساتذة السوريين المراجع العربية من المكتبات .

ومن السلبيات التي تشكل ضعفا في أساليب التعريب أن الجامعات السودانية والسورية لا تستخدم أجهزة الحاسوب وبنوك المصطلحات بصورة واسعة ومفيدة مع توافرها بكثرة في الجامعات حيث تستغل في تصنيف الكتب وبرامج الاختبارات وفي أقسام التخصص في الحاسوب وكلية الهندسة أحيانا وفي الغالب تقوم هذه الجامعات بتعريف طلابها بالحاسوب واستخداماته دون تفعيله في معرفة المصطلحات العلمية المعربة والمعلومات المعينة على ذلك فهناك قصور في الاستفادة من معطيات التقانة الحديثة في التعريب وخلافه .

كانت المشكلة الأولى في طريق التعريب هو الأستاذ الجامعي الذي درس بالإنجليزية واعتمد علي المصادر الأجنبية غير إن هذه الظاهرة بدأت تتلاشى بعد عشر سنوات من التجربة التي اعتمدت في البداية منهجا سهلا يقوم على التدريس باللغة الفصحى الميسرة ودراسة بعض المواد بالإنجليزية والإبقاء على الرموز والصيغ الرياضية في صورتها الأجنبية وقد اكتمل التعريب في عدد من المواد في العلوم الطبية والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء والهندسة وغيرها ولا زالت اللجان تعمل على المستوى القومي ومستوى الجامعات وتأخذ التجربة طريقها في تحقيق أهداف التعريب .

ج - التجربة الليبية :

في بحث للدكتور "نوفل الأحمد" الأستاذ في جامعة تشرين السورية قدم تجربة في الجامعات الليبية تستحق الدراسة والاستفادة منها في تعريب التدريس في الجامعات ، نشرة مجلة " التعريب " العد السادس كانون أول ديسمبر 1993م وبعد أن وصف المراحل التي مرت بها التجربة حتى مرحلة التعريب الشامل يقول : " لقد ظهرت بوادر الارتياح والانفراج على الطالب وأصبحت ثقته بنفسه كبيرة وتفاؤله بالمستقبل كبيراً ، لأنه بدأ يستوعب المحاضرات ويناقش بها ويشعر بتحسن مستواه العلمي ، ومن الجدير بالذكر أن التغير كان فجائياً أي أن الطالب الذي كان يتلقى علومه باللغة الإنجليزية في الفصل الماضي أصبح الآن يتلقاها باللغة العربية وقد أجرينا استبانة آراء الطلبة حول هذه العملية فطرحنا عليهم أسئلة كانت كما يلي :

س1: هل ازداد حجم المعلومات أثناء المحاضرة أكثر مما كان عليه باللغة الإنجليزية ؟

الجواب: 88% نعم ، 12 % لا .

س2 : هل أصبح الاستيعاب والفهم أكثر مما كان عليه ؟

الجواب : 85 % نعم ، 15 % لا .

س3 : هل ازدادت مشاركة الطلاب في عمليات التدريس من خلال المناقشة ؟

الجواب : 80 % نعم ، 20% لا .

س4 : هل قلت زيارتك للمكتبة ؟

الجواب : 65% نعم 35% لا .

وطلب في نهاية الاستبانة أن يكتب كل طالب رأيه حول التعريب وملاحظاته واقتراحاته التي من شأنها دفع عملية التعريب إلى الأمام وأخذت (100) ورقة عشوائية فكانت الاقتراحات كما يلي :

70 % يطالبون بتعميق هذه الخطوة القومية والاستمرار بها .

33 % يطالبون بالمراجع العلمية المعرّبة .

20% يطالبون بتوفير المصطلحات واعطائها أثناء المحاضرة .

18% يطالبون بتوفير الكتاب العلمي العربي .

8 % يطالبون بالأستاذ الجامعي الكفي .

7 % يطالبون بتنفيذ التعريب على مراحل .

5 % يطالبون بإلقاء المحاضرات باللغة العربية و كتابتها باللغة الإنجليزية .

4 % خائفون من الصعوبات التي سوف تعترضهم عند الالتحاق بالشركات لأن هذه الشركات معظمها أجنبية .

3 % مشككون بالتعريب و لا يحبذونه ويطالبون بالرجوع إلى الإنجليزية(22) .

أما في مصر فالتجارب كثيرة نذكر منها تجربة الدكتور "عبد الملك أبو عوف" الأستاذ بكلية الصيدلة والذي انتدب للتدريس في جامعة دمشق إذ يقول : " وما أحب أن أركز عليه هو حسن النتائج التي أحرزها الطلاب بالنسبة لنتائج أقرانهم طلاب كلية الصيدلة بالقاهرة وكثافة التحصيل وحسن الاستيعاب الذي توصلوا إليه لن نفهم الطالب للغة المحاضرة وشرحها كان يعفيه من بذل مجهود مضاعف ينصرف نصفه لفهم اللغة والتعرّف على المفردات الصعبة في اللغة الأجنبية التي يدرس بها وينصرف النصف الآخر من الجهد لاستيعاب المادة العلمية نفسها فضلا عما يعتور ذهن الطالب أحيانا من غموض في المعنى أو نقص فيه يختل معه بناء المعلومات أو تنتقل إليه بغير الصورة المقصودة من المحاضرة " (23).

7/ اللغة العربية في الدول الإسلامية الناطقة بغيرها

الحرب التي وجهت للغة العربية و عدم صلاحيتها لاستيعاب علوم العصر كانت معركة موجهة للإسلام وللأمم الأفريقية والآسيوية التي تتطلع للكتابة بالحروف العربية حتى تبتعد هذه الأمم عن عقيدتها واللغة التي تمثلها وهي لغة القرآن الكريم وإيهامهم بان العربية عاجزة عن أن تكون لغة علم وثقافة تستوعب معطيات العصر ومستجدات العلوم . وحمل لواء هذه الدعوات كتاب عرب نصارى ومسلمون رأوا أن البديل هو التوجه نحو الغرب بلغته وثقافته و جعل العربية لغة شعائر دينية وليست لغة فكر وعلوم لأن كثيرا من الأمم لها لغتها التي تفكر بها ولغتها الدينية التي تتعبد بها وتقرأ بها كتابها المقدّس كاللاتينية واليونانية والقبطية والسوريانية . وتذكر الدراسات أن ستين لغة آسيوية وأفريقية لأمم إسلامية كانت تكتب بالحرف العربي حتى جاء الاحتلال وأنهاها " إن الحرف العربي الذي نكتب به لغة إسلامية من شانه أن يكون حلقة الوصل بينهم وبين القرآن الكريم المكتوب بالحرف ذاته ، وهو مدخل سهل لتعلم القرآن ولغته ، فالذي يتعلم كيف يكتب لغته بالحرف العربي يستطيع قراءة القرآن بأقل جهد ، أما إذا كتبت اللغة بالحرف غير عربي انقطعت الصلة بين متكلميها ، وبين قراءة القرآن " (24).

و قد حارب المحتل اللغة السواحيلية التي يتكلم بها شعوب شرقي إفريقيا ولغة الهوسا التي يتكلم بها شعوب غرب إفريقيا ومع ذلك انتشرت العربية في هذه البلاد ويتقنها معظم المتعلمين الذين درسوا في الجامعات العربية في الأزهر والسودان والسعودية وغيرها وهم الذين يدعون للعودة بالكتابة بالحرف العربي الذي" كريم توري " الهدف من الكتابة به في النقاط الآتية :

1- المحافظة على التراث الحضاري في إفريقيا واستمراره .

2- التعبير عن أغراض الحياة المعاصرة التعليمية والدينية و الثقافية وأغراض الحياة اليومية .

3- الاتصال بمصادر الحضارة العربية الإسلامية .

4- محو الأمية الحضارية والمساعدة على التنمية المحلية .

و مع الحرب التي وجهت للحرف العربي إلا أن اللغة العربية تمثل اللغة الثانية في البلاد الإسلامية ، وإذا كان العالم كله يتعلم الإنجليزية والفرنسية وغيرهما ويجعلانهما لغة تعلم وثقافة فيمكن للبلاد الإسلامية أن تجعل العربية لغة دينها وثقافتها وتعليمها في ظل الجهود المبذولة لتسهيل تعلم العربية وتحديث الأساليب والطرق والاستفادة من معطيات التقنية المعاصرة .

8/ و أخيراً ..

لقد أصبح التعريب في عدد من الجامعات واقعا معيشا يتطور ويتكيّف مع المستجدات ويستجيب للحاجات وأصبحت لهذه التجربة نتائج تشجع على تعميمها والعمل بها في الجامعات الإسلامية والعربية وأبرز هذه النتائج تتمثل فيما يلي :

أولاً : اللغة هي وسيلة التأصيل للأمة ، تأصيل فكرها وروح الإبداع فيها ووسيلتها لتمكين هويتها والمحافظة على شخصيتها ومقومات وجودها ثم هي وسيلة الأمة في توحيد أفرادها وتسهيل التواصل بين الماضي والحاضر وبها تتحقق عملية التقدم والرّقي فإذا كانت اللغة العربية قد سايرت النهضة العلمية العالمية التي قادها المسلمون في العصور الوسطى فهي في طريقها لاعادة ذلك الدور اهتماما بالعلم وعناية بالبحث وحملا لمفاهيم الحضارة والتعبير عنها.

ثانياً : أصبح المستوى العلمي للطلاب في تقدم مستمر لأن التدريس بالعربية ربطهم بأصولهم اللغوية وسهل لهم المادة التي يتعلمونها وأصبحت ثقتهم في أنفسهم ولغتهم قوية فهم يتقنون المادة التي يتعلمونها واللغة التي بها يتعلمون .

ثالثاً : التعليم باللغة العربية جعل ارتباطهم بدينهم ووطنهم أقوى وأعمق لأن قرار التعريب قرار سياسي تربوي يحقق مصلحة الأمة ويدعم وجودها ويجعلها أكثر استشرافا للمستقبل ، وتطلعا إلى الحسن والأفضل واعتزازا بالنفس .

رابعاً : أصبح استيعاب الطالب للمادة العلمية مرضيا من حيث الكم والكيف لأنه يتلقى المادة بلغته التي يفهمها ومن أستاذه العربي الذي يمثل حضارته ولا يضيع وقته في معالجة مفردات اللغة الأجنبية التي يتعلم بها .

خامساً : أحس الطالب بأنه متحرر من التبعية الثقافية والهيمنة الفكرية التي يحس بها من يتلقى تعليما بلغة أجنبية فهو مستعل بإيمانه ولغته و حضارته وليس مستجديا لحضارة غيره ولغة غيره مما يعمق إحساسه بالدونية أمام استعلاء الآخرين بحضارتهم ولغتهم .

سادساً : التعريب وسيلة الأمة لتنمية الشخصية المبدعة المتميزة القادرة عن طريق اللغة – على التفاعل والمشاركة والوفاء بمطالب التواصل الحضاري والإبداع العلمي والرّقي الاجتماعي – لأن اللغة العربية تحمل الخصائص الإبداعية من خلال طرائق نموها المتمثلة في القياس اللغوي و مجالاته والاشتقاق وأنواعه وطريقة صوغ المصطلح العلمي عن طريق الإلصاق المعتمد على السوابق واللواحق والدواخل الى جانب طرائق النحت والتركيب والاختصار ثم المعرّب والمولد والمحدث وغير ذلك .

سابعاً : لم يعد المصطلح العلمي مشكلة ، حيث توافرت المعاجم وتنوعت وارتبطت بحركة التنسيق والاختبار وأصبح الكتاب العلمي الجامعي والمصطلح العلمي ملبيا لمطلوبات العلوم والتقنية ووجدت الحلول لكثير من المشكلات التي كانت تعوق مسيرة التعريب عن طريق المجامع اللغوية والجهود العلمية في الجامعات العربية والمنظمة العربية للتربية والعلوم ومكتب تنسيق التعريب .

ثامناً : الأستاذ الجامعي لم يعد عائقا بل أصبح فاعلا مفيدا باعتباره العنصر الذي يحقق نجاح التجربة أو فشلها فقد أصبح كثير من الأساتذة الذي تلقوا دراستهم وكتبوا بحوثهم في جامعات الغرب يقدمون أعمالا مفيدة في مجال التعريب حيث تغلبوا على كثير من الصعوبات بقناعتهم وارادتهم القوية وإيمانهم بدورهم الريادي والقيادي في هذا المجال .

تاسعا : الكتاب الجامعي لم يعد مشكلة بعد أن شجعت وزارة التعليم العالي تأليف الكتاب الجامعي بدل الكتاب الأجنبي بالتشجيع المادي والمعنوي سواء أكان التأليف جماعيا أو فرديا وإن كان التأليف الجماعي أكثر فائدة وأشمل لمفردات المنهج .

عاشراً : لم يكن من أهداف التعريب إهمال اللغات العالمية التي بها يحقق الطالب عملية التواصل الإنساني والانفتاح على العلوم والثقافات لدى الأمم المتقدمة في مجال التطور العلمي والتقني واللغات الأجنبية هي التي تساعد على مواكبة التسارع الرهيب في مجال المعلومات لذلك تهتم الجامعات بأن يتقن الطالب لغة من اللغات العالمية .

المراجع :

1- د. إبراهيم مدكور-مجلة مجمع اللغة العربية – ج 33 – مايو 1974م .

2- الأمير مصطفى الشهابي – المصطلحات العلمية في اللغة العربية – دمشق 1988م .

3- رجاء محمود أبو بكر – تعريب الكليات العلمية في جامعات الدول العربية " رسالة دكتوراه " 1997م .

4- د. السيد احمد فرج – تعريب التعليم الجامعي فريضة علمية و إسلامية – دار الصحوة القاهرة 1993م .

5- د. عبد الحليم منتصر – أثر العرب والإسلام في النهضة الأوربية .

6- د. عبد الصبور شاهين – العربية لغة العلوم والتقنية – دار الاعتصام القاهرة – ط2 –1986م .

7- احمد بن علي القلقشندي – صبح الأعشى في صناعة الإنشاء –دار الكتب العلمية –بيروت 1987 – طبعة أولى .

8- د. عبد النبي محمد علي و د. عباس محجوب – المهارات اللغوية – طبعة أولى –الخرطوم 1995م .

9- د. عباس محجوب – مشكلات تعليم اللغة العربية – قطر 1986م – دار الثقافة .

10- مجلة اللسان العربي – العد 20 – 1982م .

11- نبيل علي – العرب وعصر المعلومات – سلسلة عالم المعرفة – الكويت 1994م .

12- د. نوفل احمد – مجلة التعريب – العدد الثامن – ديسمبر 1999م .

(1) د. عباس محجوب – مشكلات تعليم اللغة العربية – ص11 – قطر ، الدوحة 1986- دار الثقافة .

(2) القلقشندي – صبح الأعشى ص 183 –ج1 – دار الكتب العلمية –بيروت – 1987 – طبعة أولى .

(3) د. عبد الحليم منتصر – أثر العرب والإسلام في النهضة الأوربية – ص 195 .

(4) د. إبراهيم مدكور – مجلة مجمع اللغة العربية –ص19-20 – ج33 مايو 1974 .

(5) د. محي الدين صابر – من قضايا الثقافة العربية المعاصرة – ص 30 – المكتبة العصرية 1987 –ط ثانية – بيروت .

(6) نقلا عن د. عبد الصبور شاهين – العربية لغة العلوم والتقنية ص328-329 .

(7) المصدر السابق – ص 329 .

(8) راجع مجلة " لسان العرب " المجلد الثاني عشر ص 54-55 .

(9) راجع الكتيب بعنوان " الهيئة العليا للتعريب " يناير 1994م .

(10) نقلا عن كتاب (المهارات اللغوية ) د. عبد النبي محمد علي و د. عباس محجوب – ص 216-219 .

(11) المصدر السابق .

راجع مجلة " لسان العرب " المجلد الثاني عشر ص 57-58 .(12)

(13) د. عبد الصبور شاهين-العربية لغة العلوم والتقنية – ص 78 – دار الاعتصام .

(14) د. إبراهيم مدكور –مجلة مجمع اللغة العربية – ص 17-ج33 مايو 1974 .

(15) د. يوسف عز الدين – الأثر النفسي والاجتماعي من تعريب التعليم – مجلة مجمع اللغة العربية – ص 146-147-ج51 .

(16) د. يوسف عز الدين – مجلة مجمع اللغة العربية ص 146-147- ج 51 .

(17) د. إبراهيم مدكور – مجلة مجمع اللغة العربية – ص 20 ج33 – مايو 1974م .

(18) د. محي الدين صابر – من قضايا الثقافة العربية المعاصرة – ص 67 .

(19) مجلة اللسان العربي ص 205 العدد 20 1982م .

(20) العرب وعصر المعلومات – ص 292 سلسلة عالم المعرفة الكويت 1994م .

(21) راجع الأمير مصطفى الشهابي – المصطلحات العلمية في اللغة العربية – ص 63 – دمشق 1988م .

(22) التعريب – العدد السادس – ديسمبر 1993 ص 24 –25 .

(23) نقلا عن د. السيد احمد فرج – تعريب التعليم الجامعي ضرورة علمية وإسلامية – ص 82 .

(24) د. يوسف الخليفة أبوبكر –الحرف العربي واللغات الإفريقية .

* رئيس قسم الدراسات العليا بجامعة القرآن الكريم

المصدر: شبكة المشكاة الإسلامية
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
دراسات تربوية ، بحوث تربوية

« المعلم و أساليب التدريس | الدافعية ( تعريفها _ أساليب استثارتها) »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حمّل كتاب الأمير باللغة العربية من هنا Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 11-21-2016 09:12 PM
اعتداء بسبب تحدثه باللغة العربية عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 02-02-2016 07:51 AM
تلاوة قسم الولاء باللغة العربية عبدالناصر محمود الملتقى العام 0 03-22-2015 07:44 AM
التلمود البابلي باللغة العربية عبدالناصر محمود أخبار الكيان الصهيوني 2 06-30-2012 06:04 PM
ظاهرة الرسوب في التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 03-18-2012 02:13 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:07 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68