تذكرني !

 





المذاهب الأدبية لدى الغرب

تأليف : عبد الرزاق الأصفر حمل الدراسة من المرفقات المذاهب الأدبية لدى الغرب - مع ترجمات ونصوص

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-19-2012, 09:59 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي المذاهب الأدبية لدى الغرب

تأليف :
عبد الرزاق الأصفر









حمل الدراسة من المرفقات


المذاهب الأدبية



لدى الغرب


- مع ترجمات ونصوص لأبرز أعلامها -







دراســــــــة







/////////////////


المحتويات
-------------

مُقـــــدّمــــة‏

المذهــــب الأدبيّ‏

المذهــب الكلاسّـــيكيّ‏

أعلام وملامح ونصوص‏

الرومانســـــــيَّة‏

أعلام وملامح ونصوص رومانسية‏

نصوص من الشّعر البرناسيّ‏

الفاتحون(1)‏

الرَّمزيّة Le Symbolisme‏

المرحلة الثانية (مرحلة النضج والقمة)‏

الواقعــــــيَّة Le realisme‏

الــــذَّهــــب(1)‏

الدَّادائية Dadaisme‏

المذهب الوجوديّ Existentialisme‏

ملامح الآداب الغربية



--------------------



مُقـــــدّمــــة


ما يزال موضوع "المذاهب الأدبيّة" حيّاً يستأثر باهتمام الأوساط الأدبية في مختلف أنحاء العالم، ويشكّل قاعدة أساسية لا غنى لأي مثقفٍ عنها، سواءٌ أكان من الاختصاصيين أم المبدعين أم المستنيرين الذين يلتمسون ضياء الثقافة وتكامل المعرفة. ونحن ما نفتأ نتحدث في معالجتنا أمور الأدب، عن الواقعية والرومانسية والرمزية والتقليد والتجديد والحداثة والمثاقفة وعلاقة الأدب بالفلسفة والفن والمجتمع والبيئة والأشكال والنماذج والتطور والاتجاهات، ونتحدث عن أعلام الأدب المتواصلة عبر الزمان والآفاق، كنهر تنعكس على صفحته الصافية كل ظلال الضفاف.. وهذا وسواه لا يخرج عن نطاق المذاهب ولا غَناء له عنها البتّة. فالمذاهب هي الحاضرة الغائبة، وهي تاريخٌ جوهري لأهم العطاءات الإنسانيّة الحضاريّة. وما التاريخ إلا سلسلة متواصلة وقوانين حركة، وتطوّر وتشابك، وماضٍ في الحاضر، وحاضرٌ في المستقبل.. وتتعاقب المذاهب كما تتعاقب الأمواج، كل موجة تدفع التي قبلها، وتدفعها التي خلفها. وكلّها في بحر واحد، ترتطم على شاطئ واحد، وتختلط أصداؤها وتتلاشى لتعود في أمواجٍ جديدة إلى الأبد، وما الأمواج إلاّ البحر في مظاهره وأسراره..
ولا يفْقَهُ الأدبَ ويقدّره حقّ قدْره من لم يكن ملّماً بمذاهبه وتطوّراته والعوامل المؤثرة فيه ومزايا كل مذهبٍ أو مرحلة، ومسوّغات نشوئها وتغيّرها.. إنها العموميات التي لا عِلْمَ إلاّ بها.
ولم تعد المذاهب الأدبيّة الغربية في القرون الخمسة الأخيرة مقتصرة على آداب الغرب بقدر ما أضحت معطياتها مائدة عالميّة مشتركة (فالأدب نتاج إنساني يخضع للشروط نفسها، ولئن اختلفت سماتها فهي تشترك حتماً في نواميس واحدة، وتتواصل فيما بينها وتتفاعل متبادلة التأثير والتأثر.
ونحن- العرب- أدنى شعوب العالم إلى أوربا، بحكم موقعنا الجغرافي وعلاقاتنا التاريخية والاقتصادية والثقافية، فلا مراء في أننا نشاركها التفاعل الأدبي أخذاً وعطاءً، وأن ما يجري هنا، أو هناك، سرعان ما تسري أصداؤه إلى الطرف الآخر..
وفي أدبنا الحديث معالم ومدارس تجد فيها الأصالة والاتباع إلى جانب التجديد المتأثر بما لدى الغرب من مذاهب، فقد قبسنا في العصر الحديث كثيراً من إشعاعات الآداب الغربية في جملة ما قبسنا من الأشكال الحضارية والثقافية والعلميّة، واطلع أدباؤنا ومفكرونا على الآداب الغربية، ومذاهبها وما كتب فيها من الدراسات إنْ بطريق الاتصال المباشر أو الترجمة والتأليف، وما تزال تدرّس في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا المدارس الأدبية الغربيّة ونوالي فيها التأليف والترجمة لتكون لنا عوناً في تفقه الأداب وضَوْءاً يكشف كثيراً من خصائص أدبنا الحديث والمعاصر والتيارات التي تجري ضمنه وتعمل فيه. فمما لا شك فيه أنا تأثرنا بالآداب الغربية تأثراً كبيراً دون إغفالنا معطياتِ الأصالة التراثيّة المستمرّة.
وما هذا الكتاب إلاّ محاولةٌ متواضعة في هذا المنحى التثاقفي إلى جانب المحاولات الأخرى التي سبقته. ولستُ أدعي فيه شيئاً من إبداعي وكشفي، ولكنه "تأليف" بين خلاصات أجنبيّة وعربيّة آلفُت به بين شتى المعارف المتحصلة، وأكملت بعضها ببعض متجاوزاً الحدود السابقة إلى حدود جديدة، وسلكتُ نهجاً بين الاختصار والتطويل، وجمعت بين النظر والتطبيق، وربطت بين المدارس وأعلامها ونتاجها مع الاهتمام بالمزايا الخصوصية ضمن المذهب العام، وأبرزت معالم الإنتاج الأدبي وإطاراته الزمانية والمكانية والاجتماعية، ومهدّت لكلّ مذهب بلمحة عن أسباب نشوئه وارتباطه بالمذاهب السابقة، فما من شيء يولد طفرة، ثم انتهيت بأسباب تلاشي المذهب وتمهيده لمذهب جديد، وبينت اختلاط المؤثرات المختلفة ضمن المذهب الواحد، وتباين ألوانه باختلاف أدبائه وهكذا جمعتُ في إطارٍ واحد بين التنظير النقدي والتاريخ الأدبي بشكل موجز رجوت منه أن يقنع ناشد الثقافة، ويوجّه سواه من الراغبين في الاتساع إلى طريق الاستزادة، وأحبّ الإشارة إلى أن معظم النصوص التي أوردتها هي من ترجمتي عن الفرنسية أما سواها فقد أشرتُ إلى المصدر الذي استعرْتها منه، وأني اعتمدت في المعلومات على كثير من الكتب العربية والفرنسية، وقد أشرت إلى المصدر فيما وجدت فيه خصوصية من الرأي، أما ما شاع وعرف فلم أجد داعياً إلى ذكر مصدره. وقد حاولت أن أضيف الجديد إلى المألوف واستدرك النقص وأقتطف قدر الإمكان ما جدّ من الكشوف والآراء.
وحرصتُ على أن أُصنّف كلّ بحث في فقرات وعنوانات واضحة المعالم، ولا تخفى على القارئ هذه الطريقة المناسبة للطرائق المدرسية الميسّرة.
وإنني إذ لا أدعي غيرَ جُهد الجمع والاختيار والتأليف والتنسيق لأرجو أن أكونَ قد وُفقت إلى صنع كتاب يجمع بين الفائدة والمتعة وبين النظر والتطبيق ويربط بين المراحل والمذاهب بسلسلة التطور المتواصلة ويكشف عن الأسباب والعلل والمؤثرات والنتائج بفكر مرتّبٍ وأسلوب واضح، ولعلّ القارئ يجدُ فيه نزهة ثقافية لطيفة في شِعاب المعرفة الأدبيّة، تزيد من وعْيه لطبيعة الأدب وآفاقه، فتكون للدارس خير معين وللمبدِع خير منوّر ودليل.
عـــــبد الــــرزاق الأصفــــر
1998




المصدر: ملتقى شذرات


hgl`hif hgH]fdm g]n hgyvf

الملفات المرفقة
نوع الملف: zip 261-A-A1.zip‏ (222.1 كيلوبايت, المشاهدات 14)
__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-19-2012, 10:01 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي


المذهــــب الأدبيّ


1-المصطلح:

المذهب الأدبيّ أو المدرسة الأدبيّة جملةٌ من الخصائص والمبادئ الأخلاقية والجمالية والفكريّة تشكّل في مجموعها المتناسق، لدى شعب من الشعوب، أو لدى مجموعةٍ من الشعوب في فترة معيّنة من الزمان، تيّاراً يصبغ النتاج الأدبيّ والفنيّ بصبغة غالبة تميّز ذلك النتاج عما قبله وما بعده في سياق التطوّر. ويشمل المذهبُ كلّ أنواع الإبداع الفنيّ كالأدب والموسيقا والرسم والنحت والزخرفة والأزياء والطرز المعماريّة فهو حصيلة فلسفيّة تبلور نظرة الأمة إلى العالم والإنسان، وموقفها وهدفها ومصيرها وبالتالي طرائق تعبيرها الفنيّة.
2-نشأة المذهب:

لا يجري الإنتاج الأدبي والفنيّ بمعزلٍ عن المجتمع والبيئة، والمبدع محكومٌ، إلى حدٍ بعيد، بمحيطه الذي يعيش فيه، ويكوّن جزءاً منه يبادله التفاعل أخذاً وعطاءً، وتأثّراً وتأثيراً، فهو يتأثر بالطبيعة التي تحيط به وتفعل في تكوين صوره ورؤاه ونشاطه وتختلف معطيات الطبيعة باختلافها وتنوعها: فهناك البحار الصاخبة والجبال الجبارة والغابات الغامضة والأنهار المتدفقة والسماء الغائمة الراعدة والرياح المزمجرة.. وهناك الصحارى الساكنة والرمال الممتدّة تحت لهيب الشمس الساطعة والسماء الصافية والليالي الساجية ذات النجوم البراقة.. وإنّ هذه البيئات تختلف حتى في الألوان والظلال والأحاسيس والروائح. ويستدعي اختلافها اختلافاً ضرورياً في الواقع البشريّ من حيث التكوين الجسديّ والطباع وضروب المعيشة والنواحي الذوقيّة والرؤى الفكرية والفنيّة، واللغة وضروب التعبير. وإنّ انتقال الإنسان من بيئةٍ إلى أخرى لا يمحو آثار الأولى بل يجعلها في حوار جديد مع معطيات الثانية تتكون منه رؤى وانعكاسات جديدة متميزة.
ولا يقف الأمر عند تأثيرات الطبيعة، فهنالك ما هو أكثر أهميّة، هنالك البيئة البشرية بكل ما تعنيه من السكون أو الاصطخاب، والتجانس أو التشعّب، والتنوع والتقلّب.. ولا يستطيع المبدع، وهو خليّة من المجتمع، أن يتملّص من آثاره أو يجمُدَ عند تغيُّره. إن البيئة البشرية تعني الثقافة والحضارة وطرق المعيشة والمسكن والملبس والحالة الطبقية والإنتاج الاقتصادي والتقاليد والعادات والأذواق والعلوم والفنون والعمران والحياة الفكرية والشرائع والأشكال السياسيّة. والتمازج بين الشعوب وتلاقح الحضارات والانتصارات والهزائم والاستقرار أو الاضطراب.. وما إلى ذلك من الظروف الاجتماعية ذات التأثير الأكيد على الإنسان عموماً والمبدعين ونتاجهم خصوصاً. وبالمقابل تخضع هذه البيئة لتأثير المبدعين فيها، فالتفاعل بينهما متبادل بل يُعَدّ العاملُ الفكريّ والفنّي من أبرز أسباب التغيير الاجتماعي.
ومن هنا انطلق المذهب التاريخي النقدي الذي عُني بدراسة البيئة ومدى تأثيرها في الآداب والفنون وتأثرها بها ودلالة هذه الإبداعات على ملامح البيئة وتصويرها لتياراتها الخفيّة والظاهرة وإرهاصاتها المستقبليّة. يقول طه حسين في دراسته الأولى للمعري "إن الرّجل وماله من آثار وأطوار نتيجةٌ لازمة وثمرة ناضجة لطائفةٍ من العلل اشتركتْ في تأليف مزاجه وتصوير نفسه.. والخطأ كلّ الخطأ أن ننظر إلى الإنسان نظرتنا إلى الشيء المستقل عما قبله وبعده، الذي لا يتصل بشيء مما حوله، ولا يتأثر بشيءٍ مما سبقه أو أحاط به".
وهذا لا يعني أن المبدعين يتماثلون في طبيعة موقفهم من البيئة تأثيراً وتأثراً، بل يعني طابعاً عاماً يشملهم، فيطبع معظم نتاجهم ونتاج معظهم بصبغةٍ معيّنة هي صبغة العصر، مع احتفاظ كل منهم بخصوصيته وفرادته. ومن هذا التأثير البيئي العام يتكوّن بشكل عفوي، على صعيدي الممارسة والإنتاج "مذهب" لا تتضح معالمه أول الأمر ولا تلحظ قواعده، بل يحتاج إلى مرور عشرات السنين حتى يأتي الدارسون والنقاد والمنظرون الذين يتأملون تلك الظاهرة وأسبابها وتجلياتها وتطورها ثم يخلصون إلى استخلاص قواعدها وفلسفتها وتحديد معالمها وأعلامها ومصطلحاتها وظروفها المكانية والزمانية، وتأثيرها وتأثرها.. فإذا بمدرسة نقدية كاملة تنشأ حول هذا المذهب أو ذاك..
إنّ "المذهب" تكوّنٌ جماعيّ لا يقتصر على فردٍ واحد بل يشمل عدداً كبيراً من المبدعين جمعت بينهم ذوقيّة واحدة وأمزجة متشابهة لوقوعهم تحت تأثير مناخ بيئي عامٍ.. ولهذا دُعيت الرومانسية "مرض العصر" تشبيهاً لها بالجائحة.
والمذهب لا يأتي فجأة فينسخ ما قبله، ولا يزول فجأة أمام موجة مذهبية جديدة، بل يتكون تدريجياً حيث تتعايش آثار المدرسة السابقة والمدرسة الراهنة، ثم تزول الآثار القديمة رويداً رويداً كما يضمحل ضوء النهار أمام زحف الليل، ثم لا يلبث المذهب أن يتلاشى تدريجياً أمام مدرسة لاحقة. وتتزامن آثار المدرستين لدى كاتب بعينه، في بعض الأحيان، أو لدى عددٍ من الكتاب والمبدعين في فترة واحدة. وقد يكون للمذهب بعد انطوائه عودة بملامح جديدة - بل قد توجد في وقت واحد ملامحُ لمدارسَ عديدة، كما هو الأمر في الأدب العربي الحديث حيث تشاهدُ معاً اتجاهات المدارس التقليدية والإبداعية والرمزية والواقعية. والسبب في ذلك اختلاف الشروط الخاصة التي يخضع لها كلٌ من الأدباء والمبدعين كتنوع الظروف والثقافات والأيديولوجيات والمستوى الحضاري والتفاعل مع التيارات الجديدة أو الغربية، وسرعة تطوّر الأديب أو تباطؤه في الاستجابة والتلاؤم واختلاف المواهب والمزايا الفردية. وأخيراً إنها سُنة التطور الطبيعي التي تنافي المفاجأة والطفرة، وتخضع لقانون الفعل وردّ الفعل.


q



المذهــب الكلاسّـــيكيّ
"الاتباعـــي"



1-التعريف والاصطلاح:

المذهب الكلاسيكيّ classicisme أول مذهب أدبيّ نشأ في أوربا في القرن السادس عشر بعد حركة البعث العلميّ. وقوامه بعث الآداب اليونانية واللاتينية القديمة ومحاولة محاكاتها، لما فيها من خصائص فنية وقيمٍ إنسانية. ولدى العودة إلى هذه الآثار القديمة أخذ العلماء يحللونها ليستنبطوا مبادئها وخصائصها التي ضمنت لها الخلود، وذلك إمّا بالتذوق أو بالتحليل المباشر، أو بما كتبه المنظرون القدماء أمثال أرسطو في كتابيه "الخطابة" و"الشعر" وهوراس في قصيدته المطولة "فن الشعر".
أما لفظ "كلاسيّك" فهو مصطلح عائم المعنى، قليل التحديد، وعلى الرغم من شيوعه لا يمكن ربطه بزمن دقيق ومكان معيّن وخصائص حاسمة، لكنه يَعني بشكلٍ عام كلَّ عملٍ عظيم وجميل، خضع للتطوير والتكامل سنين طويلة حتى بلغ غاية الإتقان. وبتعبير آخر، يعني كلَّ عمل أجمعت العصور على جماليّته. وهذا التعريف، كما ترى، يوقع في كثير من الارتباك والتشويش والتعارض.. وإذا شئنا الاقتراب من المفهوم الشائع للمذهب قلنا: إن الكلاسيكية هي التعبير عن الأفكار العالية والعواطف الخالدة بأسلوب فنّيٍ متقنٍ روعي فيه النظام والدقة والابتعاد عن كل ما هو غريزي وبدائي وغير منضبطٍ بقواعد وقوانين.
ولم يظهر هذا الاصطلاح إلاّ في القرن التاسع عشر، فأول ما ظهر في إيطاليا عام 1818 ثم ما لبث أن شاع في أقطار أوربا خلال مدة لا تزيد عن عشرين عاماً. هذا في مجال الدراسات والنقد، أما في مجال الممارسة فقد كان الاتجاه موجوداً منذ القرن السادس عشر، بل قبله، لكنْ دون استعمال كلمة الكلاسيكيّة.
أما اشتقاق المصطلح فيعود إلى لفظ "كلاسّ Classe" ويعني الصّنف، أو الصفّ في المدرسة. وكان لفظ "كلاسيك" يعني الشيء المدرسيّ، أو يُطلق صفةً للأديب الذي تدرّس آثاره في الصفوف والكلّيات، كالأدباء المرموقين الذين كان ينظر إليهم في القرن الثامن عشر على أنهم نماذج عالية جديرة بأن يحتذيها الجيل الجديد. وبذلك تطورت دلالة كلمة "كلاسيك" فأصبحت تحمل معنى الأفضل والأكمل والممتاز، أي إن الأدباء المذكورين كانوا يعتبرون منتمين إلى طبقة كبار الشعراء اليونانيين واللاتينيين. ثم تطوّرت هذه الدلالة فأصبحت عَلَماً على مذهب معيّن، أو أسلوب، أو مدرسة لها سماتٌ شاملة، لكنها تسمح بوجود تنوعات واختلافات في داخلها وكانت مدام دوستايل M.me de staél الناقدة الفرنسية الألمانية من أوائل من أوضح سمات هذه المدرسة وذلك في كتابها: "من ألمانيا De l,allemagne"
ولا بد من الإشارة إلى أن الاتجاه الكلاسيكيّ كان في نشأته وتطوّره مرتبطاً بالأنظمة التقليدية والطبقة الأرستوقراطية والسلطة الملكية المطلقة، لأن هذه الجهات كانت، في أذواقها، تنشد الشيء الأكمل والأجمل. ولذلك كان الفرنسي العظيم فولتير المتوفى عام 1778 يعلن بصراحة انتماءه إلى عصر لويس الرابع عشر (1661-1685) وقد أكد في مؤلفاته أن الحضارة الارستوقراطية لا بد أن تستتبع نوعاً من الكلاسيكية بدرجة ما.
2-الجذور:

يمكن القول إن جذور الحركة الكلاسيكية ظهرت منذ القرن الثالث عشر في إيطاليا مع ظهور أدباء كبار منهم دانتي شاعر إيطاليا العظيم بل أشهر شعرائها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وهو مؤلف "الكوميديا الإلهية" التي بسط من خلالها نظريته الشعرية الاتباعيّة. ومنهم بترارك الشاعر الذي عاش في القرن الرابع عشر وكان أول من كتب باللغة الإيطالية، واشتهر بالدعوة إلى إحياء التراث والدراسة والتنقيب في آداب الأقدمين (اليونان واللاتين). ومنهم أيضاً الشاعر بوكاشيو (القرن الرابع عشر) الذي درس اللغة اليونانية وأتقنها وتفهّم آدابها ولكنّه آثر الكتابة باللغة الإيطالية، فأغناها، وجاءت على يديه لغةً للأدب الرفيع، وألّف منها كتابه (الديكاميرون) وهو مجموعة من الحكايات النثرية التي تصور المجتمع الإيطالي.
ولما سقطت القسطنطينية في يد السلطان محمد الفاتح عام 1453 فرّ العلماء اليونان بمخطوطاتهم إلى إيطاليا، وأخذوا يعلّمون في جامعاتها وينشرون ما حملوه من النفائس في العلوم والمعارف والآداب، وساعدهم في ذلك انتشار الطباعة التي يسرّت نشر المؤلفات.
3-الــــبزوغ:

بعد هذه الممهدات السالفة الذكر بدأت بوادر الاتجاه الكلاسيكي تظهر في القرن السادس عشر وبوجه التقريب فيما بين عامي 1515-1610.
هذه الفترة التي يطلق عليها في العادة اسم "عصر النهضة". وتعبّر هذه التسمية عن يقظة الآداب والفنون في القرن السادس عشر. وكانت النهضة أمراً ضرورياً لا بدّ منه. فقد أسفر القرنان الثاني عشر والثالث عشر عن حركة أدبية مزدهرة، ولكن هذا الازدهار ما لبث أن كمد ومال إلى الانحدار في القرن الرابع عشر، ومع الحروب الفرنسية الإيطالية جرى بين القطرين احتكاك حضاري أفضى بالفرنسيين إلى العودة لدراسة النصوص اليونانية واللاتينية وفهمها على نحو أفضل، وساعد على إنجاز هذه الحركة أمران: الطباعة والإصلاح البروتستانتي، مما شجع على تطور النزعة النقدية بسبب المناقشات الفلسفية والدينية.
وبدءاً من القرن السادس عشر ينتقل مركز النشاط الكلاسيكي من إيطاليا إلى فرنسا. صحيح أن الكلاسيكية عمت أوربا ولكنها كانت في فرنسا أكثر وضوحاً وبهاءً، وباللغة الفرنسية ظهر أشهر الأدباء الكلاسيكيين، ولذلك سنعمد إلى استقراء نتاجها في الأدب الفرنسي كنموذج بارز للاتجاه الكلاسيكي الأوربي، كان له إشعاعُه القويّ على مجمل الرقعة الأوربية والعالمّية.
4-بواكير الكلاسيكية الفرنسية:

يمكن تقسيم الشعر الكلاسيكي الفرنسي في القرن السادس عشر إلى ثلاثِ مراحل أو بالأحرى إلى ثلاث مدارس كانت كلٌ منها معلماً بارزاً أفضى إلى ما يليه في سلسلة متتابعة الحلقات.
آ-مدرسة الشاعر كليمان مارو: C.Marot(1407-1544):

وكانت آثاره جسر عبور من القرون الوسطى إلى النهضة. وكان هذا الشاعر في أول الأمر يُعنى بالبلاغة التقليدية، ثم ما لبث أن تحوّل شاعراً مؤرخاً لدى البلاط. وتتميز أشعاره بالتنوع والوضوح ودقة التعبير وكان مثله المفضل الشاعران فيرجيل وأوفيد، وقرأ بترارك باللغة الإيطالية، وكتب باللغة الفرنسية فأغناها بالمفردات واحترم نحوها فجاءت في أشعاره نقية رشيقة صالحة للتعبير اللطيف عن المشاعر المعتدلة. وتعدّ قصيدته التي أرسلها من السجن إلى صديقه ليون Lyon في عام 1526 نموذجاً لهذا الشعر. كانت منظومة شعرية لطيفة تتضمن قصة الأسد والجرذ التي أُثِرتْ عن الحكيم اليوناني إيسوب. وكان يرمي فيها بشكل غير مباشر إلى حث هذا الصديق ذي النفوذ للسعي لإطلاق سراحه. وهذا ما حصل فعلاً. وقد اقتبس لافونتين فيما بعد هذه القصة ليجعل منها حكاية من أجمل حكاياته الخرافية. وتتميز قصيدة مارو بالأسلوب القصصي الحواري البسيط والسّهل الممتع مع بعض التلاعبات اللفظية البلاغية كالتورية والجناس.
ب - مدرســـــة ليون:

كانت مدينة ليون في القرن السادس عشر عاصمةً ازدهرت فيها الآداب والفنون وانتشرت فيها الطباعة، فنافست باريس، وكانت أكثر تأثراً بإيطاليا لقربها منها، فبرز منها أدباء عديدون تركوا في الاتجاه الجديد أصداءً قوية مثل أ. هيروويه A Heroét وموريس سيف M. Sèeve والسيدة لويز لابيّه L.labbé وعاشوا جميعاً في أواسط القرن السادس عشر شعراء غير بلاطيين. وقد مهدوا بأساليبهم الطريق لرونسار وجماعة الثريا الذين كانوا يقدرونهم حق التقدير وتابعو الطريق من بعدهم، ولا سيّما في الابتعاد عن الطابع العلمي والقيود اللغوية والعروضية والبلاغية والميل إلى الفكر والعاطفة، وتفضيل اللغة المحليّة مع مراعاة البساطة والوضوح.
جـ- رونسار وجماعة الثريّا La Pléade:

برزت هذه الجماعة في أواسط القرن السادس عشر، واستمرّ نشاطها إلى نهايته. وأعضاؤها هم: (رونسار Ronsard ت 1585، ويواكيم دوبيلي ت 1560 وريمي بيللو ت 1577، وأنطوان دو باييف ت 1530 وبونتوس دوتيار ت 1603 وجوديل ت 1660 وجان دورا ، ت 1588) وتبعهم شعراء آخرون غير أن هذه المجموعة الشابّة المتحمسّة لم تأتِ بكشفٍ نقديٍ جديد ولا بتغيير منهجي مفاجئ يُحدِث تحولاً جذرياً في الشعر، بل تعتبر مرحلةً من النضج والجهد المنظم لاتجاهٍ شعريٍ عام وقد نجحوا في استيعاب المعطيات التطورية البطيئة التي جرت خلال نصف قرن مضى. ويمكن تلخيص مبادئ هذه الجماعة في النقاط الآتية:

1-إن اللغة الفرنسية أضحت قادرة على منافسة اللغات القديمة والتعبير عن شتى الأفكار والأحاسيس في شتّى الأنواع الأدبيّة والأساليب، ولاجل ذلك لا بدّ أن يعمل الشعراء لإغنائها بالمفردات والارتقاء بها، سواءٌ بالترجمة أو التقليد، أو بإدخال الأنواع الأدبية العظيمة القديمة إلى مجالها الإبداعي. وملاكُ الأمر الإيمان باللغة الفرنسية وإمكان استبدال مفرداتٍ فرنسية مكان الكلمات اللاتينية التي كان يلجأ إليها بعض الشعراء بحجة أن اللغة الفرنسية قاصرة عن إمدادهم بالكلمات البديلة. ولذلك كان رونسار يؤكد دوماً ضرورة نبذ الكلمات القديمة والبحث عن لغة فرنسية كاملة. يقول في مقدمة ملحمته "الفرنسياد": "إني أنصحك بالاستفادة من كلّ اللهجات على السّواء، وبعدم استعمال كلماتٍ قديمة". بينما كان ماليرب يدعو إلى الاقتصار على اللهجة الفرنسية السائدة في جزيرة فرنسا Ile de France ، وهي المناطق الواقعة في الوسط والشمال الغربي من فرنسا المحيطة بنهر السين: أما لافونتين وفينيلون ولابرويّير فكانوا منحازين إلى الكلمات الفرنسية، ولكن دون جدوى.
ودعا رونسار في كتابه (فن الشعر) إلى تبني الكلمات التي يستعملها الحرفيون كالحصّادين والحدادين والصاغة والبياطرة وعمال المناجم وإلى اختراع كلماتٍ جديدة سواءٌ بالمزج بين مفردتين لاستيلاد دالٍ جديد مثل كلمة (حلْومرّ Doux-amer) لما هو في المذاق بين بين، أو باشتقاق كلمات جديدة بإضافة بعض المقاطع إلى النعت أو بصيغة التصغير أو بتحوير الكلمات اللاتينية واليونانية وإخضاعها إلى اللفظ الفرنسي (الفرنسة).. وقد طبق رونسار هذه الوصايا في آثاره الأدبية، إلا في أحوالٍ نادرة معدودة.
2-التجديد في النحو، لأن لغةً جديدة لا بد لها من نحو جديد
3-إدخال الأجناس الأدبية العظيمة المعروفة في الآداب اليونانية واللاتينية كالترجيديا والكوميديا والملحمة والنقد إلى مجال اللغة الفرنسية
4-استخدام المعطيات الأسطورية التي بقيت في الشعر الفرنسي إلى عهد شاتوبريان.
5-تجديد إيقاعات الشعر الفرنسيّ وتطويرها ولا سيما الشعر الغنائي وابتكار أوزان جديدة.

وإذا شئنا تحديد الموقع الأدبي لرونسار كنموذج للشعر في هذه الفترة قلنا إنّه من الوجهة الكلاسيكية متعلق بالثقافة القديمة وتقليد القدماء في الموضوعات والصور والمعالجة إلى درجة انعدام فرديّته. فالحب في شعره ليس حبّه الخاص، ولا تجربته الفردية بل هو الحب العام كما يفهمه معاصروه وأسلافه الذين نسج على منوالهم ولا سيما الإيطاليون.
ومن جهة أخرى ظل رونسار محافظاً على نظرية الأجناس الأدبيّة والأسلوب الخطابي والتعليمي الذي يتجه إلى العقل ويؤثره على العاطفة.
ولكن رونسار لم يقف عند هذا الحدّ بل خطا في الشعر خطاً جديدة وذلك باتجاهه أحياناً نحو العاطفة والخيال والجوّ الحزين مما يذكرنا بلامارتين كما تميز أسلوبه بالغزارة والتنوع والتلوين والجرأة اللغوية والانسياق مع الحماسة الشعرية دون روّية وحسن اختيار.. مما يعدّ في نظر النقاد ومؤرخي الأدب جذوراً للمدرسة الرومانسية التي بزغت فيما بعد الكلاسيكيّة.
د - تجديد ماليرب F.Malherbe (1555-1628).

يُعَدُّ ماليرب أمّةً وحدَه. فقد كان بنفسه مدرسة واضحة المعالم أثّرت في تجديد الشعر وتحديد معالمه في مستهلّ القرن السابع عشر، وكان حلقة اتصال بين جماعة البلياد والأدب الكلاسيكي العظيم في القرن السابع عشر. لم يؤيّد اتجاهات رونسار وجماعة البلياد، بل انتقدهم بشدة في كتابه "الفن الشعريّ" وهو الذي سار بالشعر الفرنسي إلى الصفات الوطنية الفرنسية الأصيلة. وله في موسيقا الشعر آراء إيجابيّة، فقد سخر من طريقة رونسار، وجاء بشعرٍ جميل الإيقاعيّة. وكان يرفض التقليد المبالغ فيه للقدماء على الرغم من تضلّعه في الآداب القديمة وترجمته بعض الآثار اللاتينية إلى الفرنسيّة، ولم يكن يرى مانعاً من الاقتباس من أفكار القدماء، لا من تقنيات التعبير وأساليبه، لأن هذه -كما يقول- منوطةٌ بالزمن وكان يُجانب التراث اليوناني ويتجه صوب التراث اللاتيني، لأنه أكثر تعويلاً على الفكر، وأقرب إلى العبقرية الفرنسية، وباختصار: إن أدب ماليرب هو أدب العقل والفكر وموضوعات الساعة لا أدب الخيال والرمز. يؤثر السهولة والوضوح والمنطق ويعوّل فقط على اللغة الفرنسية كما هي لدى أعمق الطبقات الشعبية، لا على اللهجات البروفانسية، فحسب، وإنما كان يتجه صوب اللغة الشعبية لتمده بالمفردات الفرنسية أمّا القواعد فقد بقيت عنده أصيلة نقيّة.

أما أسلوبه فكان قدوةً لموليير وراسين مع احتفاظ مقلّديه بطابعهم الشخصيّ. ولشدّة تأثيره في المدرسة الكلاسيكية قال عنه بوالو: "وأخيراً جاء ماليرب..!" ويقول إميل فاكيه عن الأدب في الثلث الأول من القرن السابع عشر: "إنه كان أدباً رومانسياً ولا سيّما في الشعر حيث يسود الخيال والنزوة والفانتازيا.. وفي هذا الوسط يبدو ماليرب منعزلاً، ليس له من الأتباع إلاّ واحد أو إثنان، وهم بدورهم شديدو الاستقلال، ومن أغرب الأمور - وذلك يحدث في الأدب أحياناً- أن نرى ماليرب قد أصبح مدرسة ذات شهرة واتساع، ولكن بعد وفاته بأربعين عاماً"
العصر الذهبيّ للكلاسيكية

بلغت الكلاسيكية الفرنسية بعد ماليرب ذروتها في النصف الثاني من القرن السابع عشر. وتقسم هذه الفترة إلى قسمين: أولهما فترة الإزدهار من 1660-1688 والثاني فترة الانتقال من 1688-1715.
أولاً- فترة الازدهار:

وقد أسهمت فيها عوامل وظروف عديدة أبرزها:
1-رعاية لويس الرابع عشر الذي كان ملكاً قوياً، حصر السلطات كلها بيده. وهو الذي قال قولته المشتهرة: "أنا الدولة" وفي عهده ازدهرت الصناعة والزراعة والتجارة والنظم الإدارية والاقتصاد، واهتم بتقوية الجيش والبحرية، وخاض حروباً كثيرة مع جيرانه حاز فيها انتصارات كثيرة، ولكنها آلت في النهاية إلى إضعاف فرنسا وضعضعة اقتصادها وتبديد ثرواتها وألحقت المآسي والآلام بالشعب الفرنسيّ.
عرف لويس الرابع عشر برعايته الآداب والفنون والعلوم مادّياً ومعنوياً وتقريبه الأدباء الكبار ومنحهم المسكن والمرتبات، ولذلك بلغت الحركة الأدبية في عهده أوج الازدهار، فظهر في المسرح كوريني وراسين وموليير وفي الشعر والنقد بوالو وفي الحكايات لافونتين وفي النقد لابرويير، وفي الفلسفة ديكارت وباسكال، وفي الخطابة فينيلون وبوسوييه، وفي التاريخ سان سيمون، وغير هؤلاء عديدون، وبرز عددٌ من الفنانين والنحاتين والمعماريين والعلماء والممثلين. ورعى الأكاديمية وافتتح المعاهد والكليات وأنشأ المكتبات.. وأعادَ للعبقري اعتباره واحترامه.
2-جمهور النخبة المثقفة وكان يتألف من الحاشية الملكية ورجال الحكم والبلاط- ومن الطبقة البورجوازية:
آ- البلاط الملكي: كان لويس الرابع عشر يختار حاشيته من النبلاء. وكان هؤلاء يتنافسون في التقرب منه وخدمته وابتغاء رضاه ويبذّرون أموالهم للظهور بالمظهر اللائق، وسرعان ما يفضي بهم التبذير إلى الإفلاس والافتقار، فيعيشون منتظرين إحسان الملك وهكذا يزداد سلطانه رسوخاً بضعف نفوذ من دونه. وقد وجد الأدباء في البلاط والحاشية جمهوراً مشجِّعاً، فثّم الثقافة والذوق والتشجيع والكرم والتنافس في المظهر الثقافي الراقي. وتألقت في هذا المحيط سيداتٌ ذكيات على جانب من الثراء والثقافة والذوق، كن يشاركن في القضايا السياسية والمناقشات الدينية، ويفتتحن الصالونات الأدبية في بيوتهن.. وإليهن يُعزى تشجيع كثير من الأدباء والارتقاء بفن المحادثة الرقيقة التي تتميز بالذكاء والحساسية والإرهاف مع لطف الكناية والتورية والإيجاز مع العمق.
والحقيقة أن فرساي واللوفر وسواهما من القصور لم تشهد أفضل من هذا الجمهور برجاله ونسائه وسياسييه وأدبائه وعلمائه وفنانيه من حيث المستوى الثقافيّ والمقدرة على الفهم والنقد والتذوق، والتحلي برعاية المبدعين وتشجيعهم.
ب- الطبقة البورجوازية: انتشر العلم في هذه الطبقة التي برزت في مجتمعات المدن ولا سيما العاصمة. وبينما كان النبلاء يفلسون الواحد تلو الآخر، كان البورجوازيون يزدادون غنىً ويسراً، فكانوا يعلّمون أبناءهم في أفضل المدارس وعلى يد خيرة الأستاذة والمربين، فيتخرجون في الكليات الجامعية أو في معاهد اليسوعيين مزودين بالمعرفة العالية، ثم يبحثون عن منصب في الدولة، لائقٍ بهم يشترونه بالمبالغ الكبيرة، وقد كانت هذه الطبقة تجمع إلى جانب الثراء، الإقبال على الأدب وتشجيع الأدباء والتنافس في اجتذابهم، مما جعل منهم جمهوراً آخر يضاف إلى جمهور البلاط والنبلاء، يُحْسن تقدير الانتاج الكلاسيكي الرفيع، ويشجع أصحابه ويحرص على الظهور في الأوساط الأدبيّة وفي المقاعد العالية في صالات العروض المسرحيّة.

3-التأثيرات الخارجية:

تتلخص هذه المؤثرات بالعوامل الآتية:
1-المجادلات والمناظرات الدينية بين أصحاب الاتجاهات البروتستانتية والكاثوليكية والجانسينيّة والصوفية. وقد برز أثر ذلك في أدب الخطباء مثل بوسُّوييه وفينيلون ولدى أمثال راسين وبوالو.
2-الدمار والضعف في بنية الدولة في أواخر حكم لويس الرابع عشر من جراء الحروب والكوارث التي لحقت بالشعب، مما ترك أصداءً مأساوية عميقة لدى الكتاب أمثال فينيلون ولا برويير، ومهد بالتالي لظهور الرومانسية.
3-الآداب الأجنبية: أثرّ الأدب الإيطالي في الأدب الفرنسي الكلاسيكي، في النصف الأول من القرن السابع عشر (تأثير لاتاسّ) وقلّد كوريني ومعاصروه الأدب المسرحي الإسباني (تأثير سيرفانتس ولوبي دي فيغا وكالديرون) وبقي أدباء الملهاة الفرنسيون يقلدون الملهاة الإسبانية حتى نهاية القرن السابع عشر. ولكنهم سرعان ما تخلصوا من هذه المؤثرات التقليدية منذ عام 1660 إلاّ في القليل النادر، فموليير مثلاً بدأ بتقليد الطليان ثم قلد الإسبان في مسرحية (دون جوان) وفيما عدا ذلك كان فرنسياً بكلّ معنى الكلمة. أما لافونتين فقد قلّد خرافات الأقدمين (إيسوب).
أما الناثرون الكبار فلم يتأثروا بأي صدى خارجي.
خصائص الكلاسيكيّة

1-التعويل على الحقيقة أو ما يشببها:

وهذا يعني الاقتراب من الواقع والابتعاد عن نزوات الخيال والوهم وهذيان العقل مهما تعاظمت فينا مناطق القلق الخفيّ. فالحقيقيّ وحده هو الجميل، وهو الطبيعيّ. إنه الطبيعة النفسيّة العامة والمختارة في آن واحد. فالعمومية لأن العمل الفنيّ يتجه إلى جميع الناس القادرين على التفكير والتصوّر والإحساس، والاختيار لأن الاستثناء والعظمة اللذين يوجدان غالباً في الطبيعة مناقضان للحالة العامة. ونحن لا نصل إلى العام إلا عن طريق الواقع الخاصّ المنتقى وهو في أغلب أحواله نفسيّ نموذجيّ. والأدب الكلاسيكي سيكولوجي لأنه يهتم بداخل الإنسان، أما الإطار الخارجيّ فليس أكثر من زينة لا يُعطىَ وصفُها إلاّ أقل مقدار كما في تحليلات لافونتين. والغاية من هذه السيكولوجية البحث عن الملامح المشتركة التي يلتقي عندها البشر في كلّ العصور.
ومع ذلك لا ينفي الناقد بوالو الاهتمام بتصوير الطبيعة الخارجية تصويراً بديعاً إذا حذفت الملامح الخاصة جداً.
والحقيقيّ وحده هو الممتع والمحبوب، ولما كان هدف الشعر ليس التثقيف والتعليم والبرهنة، بل الإمتاع، فالطبيعة وحدها هي الشيء الممتع، وكل مصطنع مقيت. ولم يكن المجتمع المصطفى في القرن السابع عشر يحتمل الجليل الدائم ولا الواقع التافه المنحطّ بل كان يؤثر أن يشاهد نفسه في مرآة التحليلات والإبداعات الأدبية التي تقدم إليه، ولا يريد أن يقع تحت سيطرة الأمور الغريبة والنادرة والاستثنائية.
2-العقلانية:

إذا كان الأمر كذلك، فما معيار الحقيقيّ أو الطبيعي أو ما يشبههما؟ إن عقلنا وحده هو الحكم الموجّه، وبه نستطيع التمييز بين الحقيقي والمزيف والنسبيّ والمطلق والخاص والعام. وهو الذي يمنعنا من أن ننساق إلى نزوات الخيال والأمور غير الواقعية والمبالغة في التعبير عن آلامنا وأفراحنا. ومن هنا غابت الغنائية المعتمدة على الخيال والأحلام والعواطف القويّة.
إن العقل مرادفٌ للحسّ السليم تقريباً. وهو الملكية المشتركة بين كل الأشخاص في جميع الأزمنة والبلاد، التي تعتمد في أحكامها على ما هو شاملٌ وبسيط في الطبيعة الإنسانية.
3-تقليد القدماء:

رأينا أن الأدباء قبل القرن السابع عشر كانوا ينظرون إلى قدماء اليونان واللاتين نظرة احترام وتقديس، ويعدونهم الأساتذة الشرعيين في الأجناس الأدبية كلها. وقد أكد ذلك ماليرب وبلزاك وكتّاب المأساة الكبار، وبلغ تقديس القدماء أعلى درجاته عند راسين ولافونتين وبوالو. أما موليير فقد بقي أكثر استقلالاً منهم.


ويرى بوالو أن تكوين الملكة العقلية الصائبة لا يكون إلاّ بدراسة القدماء، لأنهم كانوا أقرب منا إلى الطبيعة، ولذلك حللوها بمزيد من البساطة، واستطاعت مؤلفاتهم التي أنجزوها في حضارتهم القديمة المغايرة لحضارتنا أن تصمد أمام الكثير من التغيرات السياسية والدينية والأخلاقية والفنّية، وما ذاك إلا لأنها تحتوي على الكونيّ الحقيقي والإنسانيّ الحقيقي. ففي مدارسهم نتعلم كيف نكتشف الإنسان من خلال الأفراد، وبتقليدهم تستحق مؤلفاتنا بدورها الحياة في الأجيال القادمة ويقول لافونتين: "إنك إذا اخترت طريقاً آخر غير طريق القدماء فسوف تضلّ" وإذا نظرنا إلى موضوعات راسين ألفيناها كلها مستقاة من الإطار القديم باستثناء (بايزيد).
4-التأثير المسيحي:

كان أدباء الكلاسيكية يلتمسون لدى القدماء مساحات مشتركة تاريخية وأخلاقية ليغنوها بما اكتسبته النفس الإنسانية من المسيحية، وأجناساً أدبية ليطوروها بما يوافق العالم المعاصر المهذّب: وإن المسيحية ذاتها تحث الإنسان المخرّب من الداخل إلى تزكية نفسه ومقاومة ميوله السيّئة، ولم يكن لديها مانع من إحياء الآداب القديمة على الرغم من كلّ ما قيل فيها. وقد اندفعت المسيحية إلى الجانسينية([1]) مع باسكال وبوالو وراسين، وكان أدب الخطباء مشبعاً بالمسيحية على نحوٍ من الأنحاء. أما الشعراء فقد بقوا يستخدمون الأساطير كعرفٍ وتقليد مع احترامهم للمسيحية.
5-الإتقان الفني:

لا مجال في الكلاسيكية إلى الجموح والخروج عن القواعد. ولا بدّ للكاتب من أن يتقن فنه ويصقله إلى درجة الكمال، ولكن بشرط المحافظة على البساطة وعدم التكلف والتصنّع. والجمال الفني يعني العمل الدؤوب والإخلاص في المهنة ومعاودة العمل بالتهذيب على أن لا تكبح القواعدُ وثباتِ الروح والموهبة. وأوضحُ مثال لهذه المعادلة فن التراجيديا الكلاسيكية التي تقيّدت بنظرية الأجناس والوحدات الثّلاث إطاراً للإبداع.

6-القيم الأخلاقية:

ينبغي ألاّ يغيب عن البال أن الجمال الفني لا يُبتغى لذاته أو لمجرد الإمتاع، بل لا بد معه من مثالٍ أخلاقي وروحيّ يرمي إلى رفع الإنسان إلى حالة أفضل، إن الجمال والخير صنوان لا يفترقان في المعيار المسيحي، ولذلك يجب أن يلتقي الإنساني والألهي في النص الأدبي، وإن الفصاحة هبة من السماء ينبغي أن تستخدم في حث الإنسان إلى الفضيلة. ولذلك اتجه الكتاب إلى معالجة المشكلات الإنسانية كالحبّ والبغض والهوى والغيرة والعقل والواجب والعاطفة والرياء والبخل.. وهكذا تبلور في الكلاسيكية اتجاه عام يرمي إلى صوغ مثال جماليّ وأخلاقي موحّد، ينطلق من وحدةٍ ذوقية في الشعر والنثر، كانت من أبرز سمات العصر التي عبّر عنها النقاد من بلزاك إلى بوالو.
7-أدب إنساني:

يقول بيير جانيه : "إن أَدبنا الكلاسيكيّ أدب إنسانيّ مطلقاً، نشأ من الإنساني وتوجّه لتلبية حاجات الإنسان" وهذا القول على تعميمه وإطلاقه فيه الكثير من الصحّة. فقد كان الأدباء على اختلاف أنواعهم الأدبية ينطلقون من النفس الإنسانية بعموميتها ويتجهون إلى النفس الإنسانية. ولنأخذ مثالاً على ذلك موضوع الحب الذي عولج بقالب غزلي ممتع، والملهاة التي راحت تصوّر مهازل المجتمع ونقائصه بأسلوبها الممتع بغية حماية المجتمع وإصلاحه. أما الشعر الغنائي فقد تحوّل إلى المحور الاجتماعي مع الحفاظ على تفتيح العواطف الفردّية، وأخذ الشعر التعليميّ والهجائي الصبغة الإنسانية، وحازت الخطابة مستوى عالياً من إقبال الجمهور والتأثير فيه، وغدت الحكاية والرواية أقرب إلى المثالية والمعالجة النفسيّة والمغازي الأخلاقية..
وقد اهتمت هذه الأنواع كلّها بالعواطف المشتركة والأخلاق العامة ونأت عن الحالات الشديدة الخصوصيّة أو الناشزة والنادرة. وكانت تحرص على تلبية الرغائب وإرضاء الأذواق لدى مجتمع مُغْلق صغير يتمتع بالمؤهلات والمستويات العالية إلى جانب المال والسلطة والوجاهة، مع استدراكنا بأن الأنواع التعليمية والخطابية والقصصية والهجائية اتجهت أيضاً إلى فئات أخرى من الشعب.


8-أدب غير شخصيّ:

فالكاتب لا يعبر مباشرة عن آرائه ومشاعره بل يتبع النهج التعليمي أو الدراميّ، وتبدو الذات وكأنها غائبة، ويبقى التعبير من خارج الذات أو بالأحرى، تندغم الذات في الموضوع، فشخوص المسرحية هي التي تتكلم وتعبر عن مقاصد الأديب بطريقة غير مباشرة وبشكل مشابه للواقع، لكن الذات لا تغيب تماماً بل قد تظهر من خلال الأشخاص، وكثيراً ما كانت أعمال موليير وراسين وبوسوييه وكورنيي تشف عن ذواتهم.
9-التعبير الكامل باللغة الوطنية:

رأينا سابقاً كيف أن طلائع الكلاسيكية عزفوا عن الكتابة باللاتينية ونفروا من استخدام مفرداتها ومصطلحاتها وأصروا على الكتابة باللغة المحلية ودأبوا على إغنائها بالمفردات بطرائق صَرْفيةَ متنوعة، حتى أصبحت لغة غنية متحررة قادرة على التعبير عن كل المقاصد. ولكن اللغة الوطنية تتنوع من كاتب إلى آخر، وتبقى لكل كاتب شخصيته اللغوية الخاصة على الرغم من نداءات فوجولا والأكاديمية والصالونات الأدبية.
أما الأسلوب فكانت له صفات عامة مشتركة، فقد تخلّص من النحو اللاتيني وأصبح يتحلى بالوضوح والبساطة مع الصقل والتهذيب لكنه احتفظ في التراجيديا والمراثي والخطابة بأبّهةٍ تتخللها بعض المقاطع البسيطة، وحتى في الأجناس الأخرى بقي الأسلوب حريصاً على الحوار المهذب ولم يتدنّ إلى المستوى العامّي.
ثانياً: فترة الانتقال: ( 1688-1715)

نشأ في نهاية القرن السابع عشر ردّ فعل نتج عنه صراعٌ بين القدماء والمحدثين. فقد انتهى الأمر بالمحدثين إلى تأليفهم أعمالاً لا يمكن أن تضاهى أعمال القدماء، وأصبح القوم في حضرة أدبٍ قوميّ جديد يمكن أن توصف نفائسه بأنها أخصب من مؤلفات الأقدمين، فلماذا يلهجون إذاً دوماً بتقدم الأقدم في الزمن؟ لقد آن الأوان للإقلاع عن هذا التواضع الذي بلغ حدّ الرياء، ولا بد من المجاهرة بأن عصر كورنيي وموليير وراسين يعادل من حيث الكيفية والكمية عصر بريكليس وأوغست وذهب مؤيدو هذه الفكرة الصحيحة في حد ذاتها إلى أبعد من ذلك، حين أعلنوا -دون حق في هذه المرة - تفوق المحدثين على القدماء لا معادلتهم فحسب. وبلغ بهم الأمر إلى ثلب القدماء إذا كانوا في معرض الثناء على المحدثين، وإلى الخلط بين الجيد والرديء من الكتاب المحدثين. وكان لا بدّ لهذا الموقف من أن يثير احتجاجاً متطرفاً أيضاً لدى أنصار القدماء إذ وقفوا متعصبين إلى من كانوا يعدّونهم نماذج عالية لا تضاهى.
وثمة أسباب أخرى عملت في ترجيح تيار الحداثة وهي:
1-تطورُ العلوم، ولا سيما التطبيقية، ممّا سوّغ فكرة ضرورة التطور في الآداب وشرعيتها قياساً على العلوم.
2-كانت الكنيسة والأفكار المسيحية إلى جانب أنصار الجديد من حيث إن التفوق الأخلاقي المسيحي لا بد أن يقتضي تفوقاً أدبياً
3-كان لا بد للفردية التي خنقتها الكلاسيكية من أن تجنح وتتمرد معلنة حقوقها في التخيل والإبداع الخيالي المتوثب والاعتراف بالعواطف الفردية في مقابل هيمنة الفكر والقواعد.
مقارنة بين الطرفين:

في الحقيقة أساء كلا الطرفين طرح قضيته والدفاع عنها. فقد وقفوا جميعاً إلى جانب أشخاص أكثر من وقوفهم إلى جانب قضية، وكثيراً ما أعوزتهم الحجج القوية والبراهين الدامغة، ولم يحالفهم الصواب أو الخطأ إلا في بعض الجزئيات. فقد كان بيرّو Perrault يسفّه الذين يريدون تقليد الأقدمين دون جدوى حسب زعمه، ويثني على المحدثين إطلاقاً ويرى أنهم كانوا ضحية بوالو، أما بوالو فقد كان يدافع عن القدماء مثل هوميروس وبندار دفاعاً أخرق، ولم يأت بنظرية صحيحة في تقليد القدماء إلاّ في القليل النادر

n نتيجة:

كان المعاصرون هم الفائزين في هذه المعركة. فالقرن الثامن عشر لم يعد يعرف القدماء. لقد انتصرت فكرة التقدم في مجتمع واثق بنفسه مؤمن بإمكاناته الإبداعيّة، كارهٍ للتقليد والعودة إلى الوراء. ولكن الروح الموسوعية بانصرافها عن المسيحية فقدت العنصر الأهم في أصالة المعاصرين. وكان يجب أن ننتظر مجيء شاتوبريان لينجز نظرية المعاصرين. فهذا الصراع كانت له في ذاته أهمية حقيقية. وعلى الرغم من احتوائه على بعض الرعونة في كثير من جزئياته كانت فيه كل موارد القرن الثامن عشر: هذا القرن الذي كان من جهة امتداداً للسابع عشر (في فرنسا على الأقل) ومن جهة ثانية استجابة وتحضيراً للثورة الفرنسية وعودة إلى عصور الوثنية اليونانية إنه في آن واحد انتماءٌ إلى الماضي وتجاوزٌ عصريّ له.


([1]) نسبة إلى جانسينيوس اللاهوتي المسيحي في القرن السابع عشر الذي شرح أفكار القديس أوغسطين وجاء بنظرية النعمة الإلهية والقدر الأزلي وحرية الاختيار.
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-19-2012, 10:02 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي


أعلام وملامح ونصوص


مارو Clement Marot - 1497-1544

كليمان مارو من شعراء البلاط. عاش في كنف فرنسوا الأول وأخته مرغريت وكان شعره من النوع السطحّي الخفيف المستوحى من الظروف والمناسبات عاش حياة يسرٍ وهناءة تخللتها منغّصات، فسجن مرات ونفي وفقد أمواله. وكان في كل مرة يلتمس من سادته وأصدقائه العون المادي والمعنويّ.
وقد أرسل القصيدة الآتية من السجن إلى صديق له ليسعى في فكاكه.

إلى ليون جاميه L. Jamet([1])

.. أودّ أن أقُصّ عليك حكاية جميلة،
عن الأسد والجرذ:
كان ذلك الأسد أقوى من خنزير عجوز،
ومرةً وجد جرذاً حبيساً في مَصْيدة، عاجزاً عن الخروج،
لكثرة ما التهم من الشحم واللحم
ولم يكن ذلك الأسد وغداً
فقد وجد وسيلةً وطريقة لإنقاذه
بمخالبه وأنيابه حطّم المصيدة،
فانطلق الجرذ مسرعاً،


وركع أمامه باحترام وحياه برفع قبّعته،
شاكراً ألفَ مرة لذلك الحيوان الكبير،
وأقسمَ بربّ الفئران والجرذان
أن يردّ له الجميل!
ومرةً خرج الأسد من عرينه ليبحث عن فريسة،
ولسوء حظه وقع في مَصيدة
وألفى نفسه مقيداً إلى حجر راسخ
وفي الحال وافى الجرذُ فرحاً ومندهشاً،
لا مقْطعةَ معه ولا سكّين
فلم يسخر منه ولا شمت به،
بل شتم القطط والقطّات والقطيْطات
واثنى على الجرذان والجرذات والجريذات
ووجد الفرصة المناسبة لذلك الأسد المنكوب
قال: صهْ أيها الأسد المقيّد فالآن أنقذك
إنك تستحق مني هذا الجميل، لأني عرفت قلبك الطيب،
حين خلصتني وأنجدتني بشهامتك الأسديّة،
والآن سأنجدك بشهامتي الجرذية..
***
فتح الأسد عينيه وأجالهما نحو الجرذ قائلاً:
يا آكل الحشرات المسكين،
ليس في وسعك حيلة،
ما لديك موسى ولا سكين،
لتقطع أي حبل أو حُبيلة،
فتطلقني من هذا الأسر
خيرٌ لك أن تختبئ
حتى لا يراك الهرّ
***
قال سليل الفئران: سيدي العظيم!
حقاً إني ابتسم من كلامك هذا
لا تقلق لأن لي كثيراً من السكاكين!
إنّ أسناني العظيمة البيضاء الجميلة
أشد قطعاً من المناشير
غمدها لثتي وفمي
وبها أستطيع في الحال،
قَطْعَ ما يكبلك من الحبال!
وبدأ السيد جرذ بالقضم
ولما انتهى انطلق الأسد الأسير،
قائلاً في نفسه: حقاً لا يضيع الجميل،
حيثما صُنِع وأنّى زُرع"
***
هذه هي الحكاية بنظمها البديع
إنها قصة طويلة وقديمة
شهدها إيسوب وأكثر من مليون من الناس
فتعال لتراني وتفعل مثل ذلك الأسد
وسأبذل جهدي في فكري واجتهادي،
لأكون حافظاً للجميل مثل ذلك الجرذ!
وأنا أعلم أن الله أعطاك كثيراً من المزايا
لم يمنحها ذلك الأسد العظيم..
n تعليق:

يلاحظ في هذه القصيدة السهولة والوضوح والإمتاع، والاغتراف من أمثال اليونان والترتيب المنطقي في العرض والنتيجة. كما أن النص الأصلي بلغته الفرنسية يتميز بوجود بعض الكلمات اللاتينية والمدلولات القديمة والزخرفة اللفظية البديعة وجمال الإيقاع الموسيقي.
رونسار Ronsard - 1524-1585

نشأ رونسار في بيئة أرستوقراطية، ولازم البلاط الملكي ثم سافر إلى انجلترا وألمانيا وإيطاليا ودرس اللاتينية واليونانية وكوّن حوله جماعة (الثريا) عام 1540 بدأ بكتابة ملحمة الفرنسياد ولم يكملها، وألهمته الحروب الكثيرة المدمّرة نغمات الألم والحزن التي لقيت القبول والرضا في الأوساط الشعبية الفرنسية.
كاسندرا([2])

هيّا يا عزيزتي، لننظر
إن كانت الوردة التي فتحت ثوبها الأرجواني لشمس الصباح
لم تفقد عند المساء طيات ثوبها
الذي لونه يشبه لونكِ
***
واأسفاه، انظري يا عزيزتي،
كيف أنها في برهة قصيرة
أسقطت جمالها الذاوي في مكانها
واأسفاه، واأسفاه..!
أيتها الطبيعة، حقاً إنك أمٌّ قاسية!
ما دامت هذه الوردة وأمثالها
لا تعيش إلاّ من الصباح إلى المساء!
****
إذن، يا عزيزتي، إنْ كنتِ تصدقينني،
فما دمتِ في زهوة العمر وأوج النضارة
اغتنمي، اغتنمي شبابك،
لأن الشيخوخة ستذهب بجمالك
كما فعلتْ بهذه الوردة..!
n تعليق:

1-كان تشبيه الشباب بعمر الورد مألوفاً في الشعر الكلاسيكيّ ولكن رونسار عقد هذه المقارنة من خلال الحوار والحركة
2-يلاحظ العرض المنطقيّ ذو المقدمة والنتيجة على الرغم من الملامح العاطفية
3-في هذا النص وأمثاله بوادر للرومانسيّة
هروب الشباب([3])

.. أيتها الصخور، على الرغم من أن عمرك
يبلغ ثلاثة آلاف عام،
لم تتغيري حالةً وشكلاً .
أما شبابي فقد انقضى .
وهاهي الشيخوخة التي ما تفتأ تطاردني
قد حولتني من الشباب إلى الشيخوخة..!
***
أيتها الغابات، على الرغم من أنك تخلعين كل شتاء
حُلتك المتموجة،
فإن العام الجديد سيكسو هامتك وشاحاً جديداً
أما هامتي فلن تجد مرةً أخرى شعراً جديداً
***
أيتها الأمواج؟ التي لا ينقضي ترحالها
أنت تقودين، المرة بعد الأخرى، دفقاتك
في حركة لا تعرف التوقف
أما أنا فأمضي، مع مرور الليل والنهار،
دون تريّث ولو لبرهة قصيرة،
إلى حيث لا عودة

n تعليق:

لاحظ مناجاة الطبيعة والمقارنة بينها وبين الإنسان، ونغمة الحزن والمسحة الغنائية التي تشبه غنائية لامارتين.. إنها بوادر للرومانسية.
كورنيّ Corneille- 1606-1684

تعلّم بيير كورنيّ في معاهد اليسوعيين في روان، ثم أصبح محامياً، لكنه آثر المسرح، فاتجه أولاً إلى الكوميديا وكتب في عام 1635 أولى ملاهيه (ميليت Melite) ثم التفت إلى المأساة فكتب ميديا والسّيد التي لقيت نجاحاً باهراً ثم ألّف هوراس وسينّا وبوليوكت وبومبي ورودوغون ونيكوميد وأوديب وغادر المسرح نهائياً في عام 1674

خصائص مسرحه:

1-تقيّد بالوحدات المسرحيّة الثلاث في مسرحيّة السيّد، ثم بدأ يتململ من قيودها دون تمرد أو تصريح، فجعل يخضع لها أحياناً ويتسامح بها أحياناً أخرى، ويوسّع من حدودها لتتيح له بعض الحريّة وكان على يقين أن التقيّد بها إنما هو استجابة لرغبة جمهور مثقف محدود. وحين أصبح جمهوره كبيراً ومكوناً من مختلف الأصناف، ولا سيّما البرجوازية المتعلّمة التي تريد محاكاة الواقع مدّد المساحة الزمنية للمسرحية إلى عدّة أيام.
2-استمد بعض موضوعاته من الأساطير ولكنه اتجّه إلى التاريخ فاخذ يقتبس منه بعض موضوعاته ولكن بعد إغنائها بالحوادث وتعقيدها بالصراع.
3-لغته عالية فخمة ذات أسلوب خطابي بليغ مرهف
4-كان يحرص على الكشف عن المواقف النفسية والصراعات المعقدة التي تحتاج إلى خلق عوائق وصعوبات وإلى نضال عظيم وإرادة قوية مظفّرة، ولكن ضمن حدود الطبيعة البشرية. فعنده لا توجد هزائم.
5-هيمنة الفكر والمنطق على العواطف والغرائز فكل شيء عنده يجري بشكل منطقي ومعقول، ولا مجال للمصادفات والمفاجآت والمعجزات.

6-كان يرسم الأشخاص كما يجب أن يكونوا، أي يبث فيهم الإرادة القوية والشجاعة ومقاومة الأهواء تحقيقاً لهدفه الأخلاقي. ولذلك قال عنه فولتير: "إنه مدرسة لعظمة الروح".

نصّ من مسرحيّة "السيّد"([4])
الفــصــــل الرابــــــع


إضاءة:
دون رودْريغ هو ابن دون دييغو يحب شيمين بنت دون غورما. وحدث أن أهان هذا الأخير دون دييغو بصفعة، فانتقم رودريغ لوالده بقتل والد حبيبته: ثم اعتذر إليها بأنه- على الرغم من حبه إياها- إنما قام بواجبه. فقالت: وأنا أيضاً أريد أن يعاقب قاتل والدي. ورفعت قضيتها إلى فرديناند ملك إشبيلية. ولكنّ رودريغ سارع إلى قتال الأعداء المسلمين الذين حاصروا إشبيلية مفاجأة وانتصر عليهم وجاء إلى الملك ليروي له قصة المعركة ويعتذر لإسراعه إليها دون إذن منه.
المعركة
دون رودريغ : سيدي، لقد علمتَ أَنّهُ حين داهم المدينة
هذا الخطر، ونشر فيها الذعر،
كان عند والدي جماعة من أصدقائه الخُلّص،
الذين طلبوا مني أن أبذل روحي ولمّا تزل مضطربة
فسامحني يا سيدي على جرأتي
حين مضيت دون مشورتكم،
فلقد كان الخطر شديداً، وكانت الكتيبة جاهزة!
وحين خرجتُ إلى ساحة القتال كنتُ أغامر برأسي
ولئن وجب أن أُقتل فأحببْ إليّ بأن أموت
مقاتلاً دونكم!
دون فرديناند : إنني أسامحك لحماستك في الانتقام من ذلك العدو المهاجم؟
وأشعرُ أن الدولة التي دافعت عنها هي التي تخاطبني
من خلال دفاعك
وتأكدْ أنني بعد الآن لن أصغي إلى كلام شيمين
إلاّ لأعزّيها.. فتابع حديثك!
"يتابع وصف المعركة من أولها إلى آخرها، فيعرض قوة الأعداء وكيفية تسللهم، وكيف كمن بجنوده منتظراً اللحظة الحاسمة المناسبة للانقضاض وهي وقت نزولهم من المراكب. ثم يذكر نتيجة المعركة وهي هرب قسم من جنود العدو وقتل قسم آخر وأسر الكثيرين ومن بينهم ملكان.." ويتميز هذا الخطاب بطوله وتصويره المفصّل الدقيق وبالوضوح مع الترتيب المنطقي للحوادث وتحليل نفسية الأعداء بأسلوب تتجلى فيه الأبّهة والخطابة الشعرية.
راســـــين J,Racine - 1639-1699

تعلّم جان راسين في صباه اللاتينية واليونانية ثم قصد باريس ليكمل تعليمه، وهناك مال إلى كتابة المأساة، وحاز نجاحاً باهراً في اندروماك، ثم كتب بريتانيكوس وبيرينيس وبايزيد ومتريدات وايفجينيا وفيدر وأتالي وإستر.
خصائص مسرحه:

1-البحث عن الحقيقة والطبيعة أو ما يشبه الطبيعة أكثر من بحثه عن العظمة والبطولة، ويحلل بنفوذ الفيلسوف بواعث الأعمال والعواطف.
2-كان يستقي موضوعاته من الشعر التراجيدي والأساطير اليونانية أو من التاريخ أو من الكتاب المقدس، ويضيف من عنده المكتسبات النفسية العصرية، وربما وقع في الارتباك من جراء هذا التعارض والمزج.
3-اهتم بتصوير الحب وعرضه بلغة الغزل العصري، وألحّ على قضية الغيرة في الحب حتى جعلها دافعاً رئيساً في مسرحه، بينما كانت الإرادة القوية هي الباعث الأول في مسرح كورنيّ.

4-بدلاً من تمجيد القوة والكبرياء كانت مسرحياته تبدو في حُلَّةٍ حزينة تشعرنا بضعفنا.
5-يتميز أسلوبه بالتناغم والصدق والطبيعية. وهو أكثر اندفاعاً من أسلوب كورنيّ. فيه تتكلم كل شخصية بلسانها ولغتها وبحسب نموذجها ومواقفها ويتألق أسلوبه في مواقف الحب، ويصبح أنيقاً.
نصّ من بريتانيكوس -الفصل الرابع([5])
نرسيس يدفع نيرون إلى الجريمة


إضاءة
تزوجت الأرملة أغريبين والدة نيرون الامبراطور كلود. وزوجت ابنها نيرون بنت زوجها هذا. وكان لكلود ولد يدعى بريتانيكوس. وحين مات كلود عملت أغريبين لتنصيب ابنها مكانه، لتمارس نفوذها وحكمها من خلاله ولما شعرت أن نيرون يريد التحرر من وصايتها ونفوذها هددته بتنصيب الوارث الشرعي بريتانيكوس. وكان نيرون ينافسه على الحكم وعلى حب جونيا.
وهنا يفكر نيرون بالتخلص من بريتانيكوس بالسمّ واقعاً تحت تأثير نرسيس الذي كان يريد الثأر لأخيه وقد قتله بريتانيكوس..
نرسيس : سيدي، لقد أعددتُ كلّ ما يلزم لموتٍ عادل:
السمّ جاهز، لقد ضاعفت لوكوستا المشتهرة
عنايتها المخلصة لي..
وقد قتلتْ به عبداً أمام عينيّ.
إنّ ذلك السمّ الذي وضعته بين يدي
أمضى من السيف في اختطاف الحياة
نيرون : كفى يا نرسيس، إنني معترفٌ بهذه العناية
ولا أريدك أن تمضي أبعد من ذلك
نرسيس : ماذا؟ أرى أن كرهك لبريتانيكوس قد بات ضعيفاً يمنعني من أن..

نيرون : نعم يا نرسيس سنتصالح..
نرسيس : سأحترسُ من تحوّلك يا سيدي
ولكن، ألم يكن منذ مدة قريبة سجيناً؟
إن هجومه سيبقى جديداً في قلبه مدة طويلة
ولا يوجد سرّ لا يكشفه الزمان.
وسيعلم أن يدي سوف تقدم له السمّ،
الذي تمّ تحضيره حسب أوامرك.
ربما تغفله الآلهة عن هذه الخطة،
ولكنه قد يفعل ما لا تجرؤ أنت على فعله.
نيرون : الأمر لا يتجاوز قلبه، وأنا سأكبح جماع قلبي .
نرسيس : وجونيا؟ هل سيحظى بالزواج منها؟
هل ستقدم له أيضاً هذه التضحية يا سيدي؟
نيرون : لا.. هذا كثير، ومهما يكن من أمرٍ يا نرسيس
فأنا لن أعدّه بعد اليوم من أعدائي
نرسيس : وأغربين يا سيدي؟ هل أخذت على عاتقها ذلك
وقد استردت له سلطانه المطلق عليك؟
نيرون : ماذا؟ ماذا قالت؟ ما الذي تعنيه؟
نرسيس : طالما افتخرت بذلك أمام الناس.
نيرون : بأي شيء؟
نرسيس : بأنه لم تبق إلا برهة قصيرة
ويحلّ صمتك المتواضع مكان هذا البهاء العظيم وهذا الغضب المشؤوم .
وأنك كنت أول من اختار المسالمة.
سعيداً بأن قلبه الطيب تفضّل بنسيان كل شيء.
نيرون : ولكن، يا نرسيس، قل لي ماذا يجب أن أفعل؟
إني ضعيف الميل إلى عقابها على هذه الجرأة .
وإذا صدق ظني فإن هذا النصر سيعقبه ندمٌ دائم.
ولكن ماذا سيقول الناس في كل مكان؟

أتريدني أن أمضي على سَنن الطغاة .
وأن تمحو روما كل أسمائي المشرفة؟
وتبقى لي فقط اسم دسّاس السمّ؟
وأن لا يرى الناس في انتقامي إلا جريمة قتل أبويّ؟
نرسيس : وهل تتخذ يا سيدي من طياشتهم موجهاً لك؟
وهل تتوقع أن يبقوا ساكتين إلى الأبد؟
وهل من طبعك أن تصغي إلى أحاديثهم؟
هل يمكنك أن تتناسى رغباتك الخاصة؟
وهل تكون الوحيد الذي لا يجرؤ على تحقيقها؟
ولكنك، يا سيدي، لا تعرف الشعب الروماني،
لا، لا، إنهم مستمرون في كلامهم،
وإن حذرك الشديد هذا سيضعف سلطانك .
وفي الحقيقة إنهم يعتقدون أنهم جديرون بأن يهابهم الحاكم .
لقد ألفوا النير على رقابهم منذ زمن طويل
وهم يقدسون اليد التي تبقيهم في القيد .
وسوف تراهم متحمسين في إرضائك..
***
هل تخاف عاقبة جرعةٍ من السمّ؟
اقتل الأخ واهجر الأخت!
فإن روما حين تجد الضحايا لا بد أن تعثر لهم على جرائم
مهما كانوا أبرياء .
وسترى أنها ستعدّ أشأمَ الأيام،
أيامَ ولد ذانك الأخ والأخت.. الخ

***
"ويمضي الحوار هكذا حتى يقتنع نيرون بقتل برتيا نيكوس"

n تعليق:

1-الاقتباس من التاريخ الروماني مع إدخال كثير من التعديلات والتعقيدات 2-التقيد بالطبيعة البشرية أو محاكاتها
3-التعمق في تحليل النفس البشرية
4-دور العاطفة أقوى من دور العقل.. فحجج نرسيس تبدو شبيهة بالمنطقية ولكنها حجج مزيفة لأنها تنطلق من النوازع والرغبات
5-ليس الأسلوب خطابياً بل هو حديث عادي بين شخصين يتكلم كلٌ منهما باللغة التي تناسب طبعه.
موليير Moliere - 1600-1673

ولد جان بابتيست موليير في باريس لوالد يعمل في صناعة السجاد ويقدّمه للقصر. فعلّم ولده تعليماً حسناً وأراد أن يجعله يعمل معه ثم يخلفه في خدمة القصر، لكن الابن ألّف مع بعض أصدقائه فرقة مسرحية كوميدية قدمت عروضها في باريس ومناطق فرنسا ثم استقرّ بها المقام في باريس ليقدّم مسرحياته في قصر اللوفر والقصر الملكي، وكان يؤلف مسرحياته لهذه الفرقة أحياناً يقدم مسرحيات من تأليف معاصريه. أشهر مؤلفاته المسرحية: المتحذلقات، النساء العالمات، دون جوان، كاره البشر، أمغتريون، البخيل، طرطوف، البورجوازي النبيل، مريض الوهم.
مميزات مسرحه:

1-صور موليير مجتمع القرن السابع عشر بجميع شرائحه تصويراً كاملاً، وأعطى كل نموذج الخصائص والحالات التي تناسبه وتناسب ظروفه.
2-كان همه الوصول إلى الحقيقة العامة للبشر في كل الأزمنة وتشخيص ما تنطوي عليه من مثالب كالحسد والرياء والبخل والكراهية والأنانية والتعاظم..
3-يقوم مسرحه الكوميدي على الذوق السليم والقواعد الاجتماعية الجوهرية، وكل النقائض تعاقب إذا زادت عن حدها، كما كان يشير إلى خطورة بعض النقائص التي تعدّ غير ذات ضرر عام ولكنها تنعكس بصورة سيئة على العائلة كالتعالم والتحذلق وسوء المزاج والإفراط في مداراة الصحة.
4-كان يحرص على أن يعطي شخوصه الحياة والحركة ليمنحها وهم الحقيقة
5-أما أسلوبه، فقد كان يكتب مسرحياته بسرعة، شعراً ونثراً على حد سواء ولا يفكر إلاّ في التأثير المسرحي وليس بتأثُّر القارئ، وفي بعض الأحيان كان يقع في الإهمال والضعف والتشويش ولكن هذا الانطباع سرعان ما يزول على خشبة المسرح. إنه الأول بين كتاب المسرح الفرنسي الذين اهتموا بالتنوع والطبيعي والبارز.
استعمل موليير في مسرحه اللغة الشعبية ونزل إلى مستوى الشعب وبذلك استطاع تطوير لغة المسرح النبيلة فأسلوبه أسلوب أشخاصه.
وإجمالاً كان موليير "شاهد عصره" كتب عن الناس، وكان جمهوره من كل فئات المجتمع من البلاط إلى العامّة. وكان هدفه الإمتاع مع تقويم النفس البشرية عن طريق الإضحاك وفي داخل الإضحاك توجد المأساة، وشر البليّة ما يضحك!
نص من "البورجوازي النبيل"([6])
الخِطْبة


كليونت : سيّدي، لم أشأ أن أرسل أيّ شخص لأطلب منك حاجة طالما فكرت فيها. ولأنها تخصّني كثيراً آثرت أن أقوم بها بنفسي. وبدون أي مواربة، أقول لكم: إن شرف أن أكون صهركم إنعامٌ عظيم أرجو أن تمنحوني إياه.
السيد جوردان : قبل أن أجيبك يا سيدي، أرجو أن تعلمني: هل أنت نبيل؟.
كليونت : يا سيدي، إن معظم الناس لا يترددون كثيراً حول هذه النقطة، إنهم يحذفون هذه الكلمة بسهولة. إنها تسمية لا تستحق أيّ اهتمام. ويبدو أن الاستعمال في هذه الأيام يسمح بانتحالها. أما أنا فأعترف أن لدي حولها بعض الأحاسيس الأكثر رهافة. إني أرى أن الخداع لا يليق برجل شريف. ومن الجبن أن نخفي ما خلقنا الله عليه. وأن نتجمل أمام الناس بلقب مسروق وأن ندّعي ما ليس فينا.
لقد ولدتُ من دون شكٍ من آباء حملوا مسؤولياتٍ مشرّفة وكان لي شرف الخدمة العسكرية مدة ست سنوات. ولدي من المال ما يكفي لأن أحصل على مركز جيد في هذا العالم. ومع هذا كلّه لا أريد أن أنتحل اسماً يعتقد غيري من الناس أنهم يستطيعون الطموح إليه لو كانوا في مكاني. وبصراحة أقول لك: إني لست نبيلاً.
السيد جوردان : هات يدك، لقد اتفقنا يا سيدي. إن ابنتي ليست لك!
كليونت : كيف؟
السيد جوردان : بما أنك لست نبيلاً فلن تحظى بابنتي
السيدة جوردان: ماذا تعني بنبيلك هذا؟ هل نحن الأخريات من ضلع القديس لويس؟([7])
السيد جوردان : إخرسي يا امرأة، أراك جئتِ..
السيدة جوردان: هل أنت وأنا إلاّ من الطبقة البورجوازية الطيبة؟
السيد جوردان : اسمعوا هذا الكلام!
السيدة ج : وأبوك؟ ألم يكن بائعاً مثل والدي؟
السيد ج : يا لهذه المرأة! إنها لاتُغفِلُ شيئاً.. إذا كان أبوك بائعاً فهذا من سوء حظه. أما والدي فلا يقول فيه ذلك إلا الجهلة. كل ما أريد أن أقوله لك أني أريد صهراً نبيلاً.
السيدة ج : إن ابنتك بحاجة إلى زوج يكون خاصاً بها ومن الأفضل لها أن يكون شريفاً وغنياً ومهذباً من أن يكون نبيلاً شحاذاً وسيّء التربية.
نيكول : هذا صحيح. إن أحد النبلاء في ضيعتنا أشد فظاظة وحمقاً من جميع الشبان الذين رأيتهم في حياتي.
السيد ج (لنيكول): اخرسي أيتها الوقحة أنت تقحمين نفسك دوماً في المحادثة إن لديّ من المال ما يكفي ابنتي. ولست بحاجة إلى النبالة. وأريد أن أجعلها ماركيزة.
السيدة ج : ماركيزة؟
السيد ج : نعم ماركيزة...!
السيدة ج : واأسفاه، ليحفظني اللّه من ذلك
السيد ج : إنه أمرٌ عزمت عليه
السيدة ج : هذا أمرٌ لا أقبله. إن الزواج بمن هو أعلى طبقةً معرضٌ دوماً لانتكاسات مفجعة. وأنا لا أريد لابنتي إلا صهراً يقارب أبويها. وأن تنجب منه أطفالاً لا يخجلون من أن ينادونني جدتهم، وإذا جاؤوا لزيارتي يوماً بصحبة السيدة العظيمة وتغافلت هذه عن إلقاء التحية على بعض أهل الحي فإننا سنتعرض لكثير من الأقوال اللاذعة: سيقال مثلاً: "انظروا إلى هذه السيدة المركيزة المتعاظمة، أليست ابنة السيد جوردان التي كانت وهي صغيرة تجد نفسها سعيدة إذا لعبت معنا لعبة السيدة؟ إنها لم تكن قط متعالية كما هي الآن. جدّاها كانا يبيعان الأغطية عند باب المقبرة فجمعا لأولادهما مالاً ربما يلقيان من أجله الآن عقاباً شديداً وهما في ديار الآخرة. إن المرء لا يمكن أن يكون ثرياً وشريفاً في وقت واحد". إنني لا أريد أمثال أولئك الحمقى. أريد صهراً يعتز بابنتي وأستطيع أن أناديه قائلة: اجلس هنا يا صهري وتغدَّ معنا..!
السيد ج : إنها لأفكار تصدر عن نفس صغيرة أن يطلب المرء البقاء في الوضاعة. لا تزيدي على ما قلت شيئاً. إن ابنتي ستكون ماركيزة بالرغم من كل الناس. وإذا مضيتِ في إثارة غضبي فسأجعلها دوقة..!
n تعليق:

1-كتب موليير هذه المسرحية بأسلوب النثر وهو أقرب إلى الكلام الطبيعي.
2-استمد موضوعها من الوسط الاجتماعي الشعبي واختار شخوصه من هذه الطبقة فعبرت من خلال الحوار عما يدور في خلدها ونفسها من الأفكار والمشاعر لتكشف عن نفسها ونفسية الوسط الاجتماعي العام.

3-ينتقد موليير الطباع المنحرفة والأفكار والعادات الخاطئة كالتعاظم والتزييف وعدم إقامة وزن للشرف الحقيقي.
4-يجري الصراع بين طرفين أحدهما مخطئ وهو الأب والثاني مصيب وهو الخاطب والأم والخادم وهم الأكثرية الطيبة.
5-يجمع موليير بين الإمتاع والفائدة الأخلاقية.

([1]) ترجمة المؤلف عن:
Des Granges... La Litterature EXPliquée P46
Librairie Hatier

([2]) ترجمة المؤلف عن: la litterature expliquée دي غرانج وشارّييه ص51

([3]) المصدر السابق ص53 والترجمة للمؤلف

([4]) ترجمة المؤلّف عن المَصْدر السابق ص89

([5]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص89

([6]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص113

([7]) هذا يشابه قولهم: من ضلع آدم
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-19-2012, 10:04 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

لافونتين J.de la fontaine- 1621-1695

جان دولافونتين هو كاتب الخرافات الشهير les fables وهو من آصَل كتاب القرن السابع عشر. استمد موضوعاته من الآداب القديمة ومن آداب القرون الوسطى، ولكنه طورها في شكل لم يستطع أحدٌ أن يضاهيه فيه. أعطى كل خرافةٍ شكلها الدرامي، وجعل من مجموعها ملهاةً كبيرة ذات مئةٍ من الفصول المتنوعة. مثّل الحيوانات طبقاً للتقاليد الشعبية، وإن لم يكن ذلك بالدقة العلمّية والطبيعية، وصور كلّ عواطف البشر وأهواءهم وظروفهم الاجتماعية وحِرَفهم، وبرز لديه حسُّ الطبيعة وصور البيئة الفرنسية كإطار لحيواناته.
تقوم أخلاقيته على التجربة وأحياناً على النفعيّة والشكّلية، ولكنها في كل الأحوال تقوم على الحسّ السليم. إننا لا نتعلم الفضيلة من خرافاته، ولكننا نفهم من خلالها، بشكل أفضل، فكرة الاتحاد والتعاون.
أسلوبه متنوع مثل موضوعاته، فهو يتقلب بين قاصّ وشاعرٍ وناقدٍ وشاعر ملحميّ، وشاعر غنائي. ومعجمه اللغوي أغنى من معجم موليير، وأشعاره المرنة والقوية تتبع خُطا تحركاتِ فكره.
1-موت الحطّاب([1])

كان حطّاب فقير، يحمل حُزمة من الأغصان تغطّي كلِ جسْمه.
وكان ينوء بحملها كما ينوء بعبءِ السنين.
يسير منحني الظهر، متثاقل الخطا، ويئن من ثقل ذلك الحِمْل، ليبلغ كوخه الذي تغلفه سحابة من الدخان.


وأخيراً لما وجد نفسه عاجزاً أمام أعبائه وألمه، أنزل الحزمة، وراح يفكّر في شقائه:
أيّةَ مَسَرةٍ ذاقَ منذ وُلد؟
أليسَ أفقر إنسان على هذه الأرض؟
فأحياناً يُعوزه الخبز وأحياناً يفتقر إلى الراحة،
زوجُهُ وأولاده والجنود والضرائب والدائنون والسُّخْرة، كل هؤلاء يجعلون منه الصورة الكاملة لأتعسِ مخلوق.
فياموت أقبِلْ..!
وعلى الفور، أتى ملك الموت قائلاً: "ما تريدني أن أفعل"؟
أجابه: "أظنك لا تتردّد في مساعدتي برفع هذا الحطب"..!
***
إنّ الموتَ يأتي ليشفي كل الآلام
ولكنْ، لنبق حيث نحن،
الألم خيرٌ من الموت؛
هذا هو شعار البشر.
2-العربة والذُّبابة([2])

كانت ستّةُ جياد تجرُّ عربةً،
في طريق صاعدٍ رمليّ عسير السلوك،
كانت أشعة الشمس تحيط بها من كل الجهات،
وقد ترجّل منها كاهنٌ وعددٌ من النساء والشيوخ
وفيما كانت الجياد تسبح في عرقها ويتعالى زفيرها
جاءت ذبابة واقتربت من الجياد
تريد أن تشحذ عزمها بطنينها


أخذت تلسع هذا ثم ذاك معتقدةً أنها هي التي تُسيِّر العربة
تحطّ على العريش، وعلى أنف السائق..
ولما سارت العربة، ورأت الركب يتابع المسير
نسبت إلى نفسها وحدها هذا الفوز
أخذت تذهب وتجيء كالمستعجلة،
كأنها قائد في معركة يذهب في كل اتجاه،
حاثّاً جنوده مستعجلاً النصر
وعلى الرغم من هذا العمل المشترك،
اشتكت الذبابة من أنها كانت وحدها تعمل،
وأنها بجهودها حالت دون أن يساعدَ أحدٌ
الجياد على الانسحاب من العمل!
كان الكاهن يتلو صلواته في كتابه،
إنها أحسن طريقة للاستفادة من الزمن
وكانت إحدى النساء تغنّي عدداً من الأغاني
والسيّدة الذبابة أيضاً أخذت تغني عند آذانهم،
وتقوم بمائةٍ من الحماقات الأخرى
وبعد جهد جهيد وصلت العربة إلى القمّة،
فقالت الذبابة: الآن، لنلتقط أنفاسنا،
لقد عملتُ كثيراً حتى أوصلتُ القومَ إلى السَّهل
فهيّا، يا سادتي الخيول، ادفعوا لي أجور جهودي!
***
هكذا يتظاهر بعض الناس بالاستعجال،
فيتدخلون في شؤون الآخرين
ويفرضون وجودهم في كل مكان
ومن كل مكان يجب أن يطردوا خائبين!


باسكال B.pascale - 1623-1662

عالمٌ وفيلسوف من فلاسفة بور رويال وخطيب مفوّه. ألّفَ كتابه: الرسائل البروفانسية les provinciales في أواسط القرن السابع عشر. وضمّنه ثماني عشرة رسالة في الدفاع عن أستاذه وصديقه أرنولد الذي أقيل من السوربون بسبب اعتناقه أفكار جانسينيوس المخالفة لفكرة الكنيسة الكاثوليكية حول النعمة الإلهيّة والقدر...
وقد بلغ باسكال في هذه الرسائل أقصى درجات البلاغة والحماسة والقوة ووضوح الفكرة مع لباقة الدفاع ولطافة السخرية والحسّ الطبيعيّ ولذا يقول فولتير في هذا الكتاب: "إنه أوّل كتابٍ عبقريّ يُشاهَد في النثر". ويضيف: "يجب أن نربط بين هذا الكتاب وحقبة الترسيخ اللغويّ".
ثم ألفّ باسكال كتابه: "الأفكار les pensèes" الذي يثير الإعجاب بأسلوبه الأدبي، فقد كتبه في الردّ على المتحرّرين من الدين، المجاهرين بالتجديف. ولأجل التأثير فيهم استخدم المنهج العلمي المنطقي. وكان أسلوبه النثري يلامس في بعض مقاطعه الروح الشاعرية من حيث روعة التصوير والحماسة في الخطاب، فكأنما هو شاعر غنائي.

اللاّمتناهيان([3])

"هذا النصّ من (الأفكار) طبع عام 1670. ويريد باسكال من خلاله أن يصوّر الإنسان على نحو أفضل، تلك القضية المرعبة حين يتساءل عن أصوله ومصيره، وأن يبرهن على عظمته وضآلته في وقت واحد"..

« ليتأمّلِ المرء الطبيعة بكاملها في أوج عظمتها، ولينأَ بنظرة عن الأشياء الصغيرة التي تحيط به، ولينظر إلى هذه الشمس الساطعة التي جُعلت مصباحاً أبدياً لإضاءة الكون، حيث تبدو الأرضُ نقطة صغيرة إذا قورنت بالمدار الواسع الذي يرسمه ذلك الكوكب العظيم. وليتعجّب من أنّ هذا المدار نفسه ليس إلاّ حيزاً بالغ الصغر بجانب المدارات التي تسلكها الأجرام الدائرة في قبة السماء. ولكنْ إذا ما توقف نظرنا عند هذه الحدود فليجاوزها الخيال.. إنه سيكلُّ من التخيّل أكثر من كلَلِهِ أمام الطبيعة. إنّ كلّ هذا العالم المرئيّ ليس إلاّ خطّاً يكاد لا يبين ضمن ملكوت الطبيعة الفسيح، وإن أية فكرة لا يمكن أن تحيط به، ولا يجدي أن نضخّم تصورّنا فيما وراء الفراغات التي يمكن تخيلها. إننا إذ ذاك لن نظفر إلا بالنزر إزاء حقيقة الأشياء إنه فراغٌ مركزُه في كل مكان، ولا محيطَ يحدُّه، وفي النهاية إن ضياع خيالنا في هذه الفكرة هو أقصى ما يمكن أن نستشعره عن القدرة الإلهيّة غير المتناهية.
وليعُدِ الإنسان إلى نفسه، فليفكرّ فيما هو عليه بالنسبة إلى الكون. إنه سيجد نفسه ضائعاً في هذه المنطقة المحوّرة من الطبيعة، ويتعلّم من هذا المأوى الصغير الذي يسكنه، وأعنى الكون، أن يقدّر الأرض والممالك والمدن وذاته قدْرَها الحقيقي: ما قدْرُ إنسانٍ في اللامتناهي؟ ولو شاء أن أُقدّم له معجزة أخرى أكثر إدهاشاً فليبحث فيما حوله من الأشياء التي يعرفها عن أصغر حشرة متناهية في الصغر، فإنه - على الرغم من ضآلة جسمها- سيجد لها أعضاء أصغر منها بكثير: أرْجلاً ذات مفاصل، وعروقاً في هذه الأرجل، ودماً في هذه العروق، وسوائل في هذا الدم، وقطراتٍ في هذه السوائل، وأبخرةً في هذه القطرات، فإذا استمرّ في هذا التقسيم فإنه سيُنفد طاقته في تلك التطوّرات!..
والآن، ليكن آخرُ شيءٍ يستطيع التوصل إليه موضوعَ حديثنا، إنه يفكر بأن هذا الشيء ربما كان أصغر شيء في الطبيعة، ولا أريد أن أصوّر له العالم المرئيّ فقط، بل الاتساع الذي يمكن تصوّره في نطاق هذا الجزيء الصغير: إن فيه عوالم لا نهائية، لكل منها سماؤه وسياراته وأرضه.. كما هو الأمر في الكون المرئي.. وفي هذه الأرض توجد حيوانات وحشرات وحشيرات، وسيجد فيها ما وجده في الأولى، دون توقّفٍ ولا نهاية. وسوف يضيع في هذه العجائب المدهشة بصغرها أكثر من ضياعه في السّماوات واتساعها..! ومنذا الذي لا يتعجّب من أن جسمنا الذي رأينا منذ قليل أنه لا يكاد يُلحظ في الكون العظيم، هو الآن عملاقٌ وعالم، بل كلُّ شامل بالنسبة إلى القدم الذي لا يمكن الوصول إليه؟
إن من يفكر في نفسه على هذا النحو سيرتعد خوفاً من ذاته، عندما يرى نفسه قائماً في حجمه الذي منحته إياه الطبيعة، بين هوّتيْ اللامتناهي والعدم. إنه سيرتعد لمشاهدته هذه العجائب. وأعتقد أنّه، وقد تحوّل فضوله تعجّباً، سيكون أكثر استعداداً لتأمّل ذيْنكَ الطرفين صامتاً أكثر من استعداده للبحث فيهما مزهوّاً.
أخيراً، ما الإنسان في الطبيعة؟ إنه عدمٌ في مقابل اللاّنهائي وكلٌّ في مقابل العدم، ووسطٌ بين اللاشيء والكلّ، ولما كان بعيداً جداً عن فهم النهايتين فإن بداية الأشياء ومنتهاها بالنسبة إليه أمران محجوبان حتماً في سرّ لا يمكن هتكه. وهكذا يرى المرء نفسه عاجزاً عن رؤية العدم الذي منه أتى واللانهائي الذي فيه يغيب!
بوسّوييه J. Bossuet - 1627-1704

كان جاك بوسّوييه خطيباً مسيحيّاً، اشتهر بكتابيه: المواعظ والمراثي. وكان أسلوبه في "المواعظ" يتصف بالخطابيّة والبساطة والمرونة مع الشدة وقوة التأثير، يستقي كثيراً من أفكاره وشواهده من الكتاب المقدّس، ويتبع أسلوب الأنبياء وآباء الكنيسة، ويُعدُّ علاوةً على نهجه الديني - أخلاقياً عميقاً ومستقيماً، أما مواعظه فكانت لوحاتٍ آخاذة، بارعة في تصوير مجتمع القرن السابع عشر. وإذا أضيف إلى ما تقدم عمقُ إيمانه وتضلّعه العلمي استطعنا أن نلمح من خلال نثره شاعراً غنائياً حقيقياً.
أما المراثي فهي اثنتا عشرة مَرْثاةً نثريّة تتحدث عن فضائل بعض المتوفَّين العظماء وانجازاتهم. وقد جدّد هذا الفن وأدخل فيه الوعظ والتاريخ. ويبدو أسلوبه فيها أكثر رويَّةً وصنعةً منه في المواعظ، وهو هنا حادّ اللهجة، متسامي العبارة بصورة عامة، إلى جانب البساطة والعبارة العاديّة المألوفة في بعض الأحيان.
رثاء هَنْرييت أميرة بريطانيا([4])

"ماتت هذه الأميرة عام 1676 مفاجأةً وهي في سن الشباب. وكانت تُعدُّ الملكة الحقيقية لما تتميز به من اللطف والذكاء والمكانة"
.... فكِّروا أيها السادة في ذوي السلطان هؤلاء، الذين ننظر إليهم من تحت بينما نرتعد في حضرتهم. إن اللّه ينزل بهم ضرباته ليعلّمنا. وإن ارتفاع شأنهم هو السبب في ذلك. وهو إنما يؤجلهم قليلاً ريثما يضحي بهم ليعلّم بقية أبناء البشر.
أيها المسيحيون، لا يغمغمْ أحدكم متسائلاً: هل حقاً اختيرت هذه الأميرة لتقدّم لنا مثل هذا التعليم؟ ليس في هذا الأمر أيَّةُ صعوبة بالنسبة إليها. مادام الله - كما سترون أخيراً- ينقذها في الوقت الذي يُعلّمنا فيه. إننا يجب أن نكون على ثقةٍ من فنائنا، وإذا كان لا بد من نازلةٍ تفاجئ قلوبنا المولعة بحب الدنيا فإن فاجعتنا هذه عظيمة ورهيبة.
أيها الليل المدّمر! أيّها الليل الرهيب! الذي ذاع فيه مفاجأة ذلك النبأ العجيب وكأنه قصف الرعد: السيّدة تحتضر.. السيدة ماتت. من منا لم يصعقه هذا النبأ حتى كأنما حلَّ في أسرته حادثٌ مروّع أليم؟
وفور وصول النبأ هرع الناس من كل مكان إلى سان كلود([5]). كلّهم ذاهل إلاّ قلب هذه الأميرة. في كل مكانٍ عويل، وعلى كل مكان يخيم الألم واليأس وشبح الموت..! الملكُ والملكةُ وشقيق الملك والبلاط كلّه صرعى يائسون. وإخال أني أرى تحقّق قول النبيّ: "الملك ينوح، والأمير يحزن، وأيدي الشعب تهبط من الألم والدهشة"([6]).
ولكن الأمراء وأبناء الشعب عبثاً يئنّون، وعبثاً يضم الملك وشقيقة الأميرة المحتضرة بين أذرعهما ضماً شديداً، لقد كان ممكناً أن يقول أحدهما للآخر ما قاله القديس أمبرواز: "كنتُ أشُدُّ بذراعيّ ولكنّي فقدتُ على الفور ما كنت أمسكه" لقد أفلتت تلك الأميرة من هذه العناقات الحنونة، واختطفها الموت الأقوى من بين ذراعي الملك!
ماذا؟ هل كان عليها أن تهلك بهذه السرعة؟ إن التغيرات تأتي لدى معظم الناس رويداً رويداً، وكأنما يُعدُّهم الموتُ لاستقبال ضربته الأخيرة، ولكن السيدة لم تلبث إلا من الصباح حتى المساء، وكأنها عشب الحقول: في الصباح ترونه مزهراً ناضراً، وفي المساء يغدو هشيماً. ولا شكّ أن هذه العبارات القويّة التي تعبِّر بها النصوص المقدسة عن هشاشة الإنسان تبدو دقيقةً ومنطبقةً انطباقاً على هذه الأميرة.
هاهي تلك الأميرة المثيرة للإعجاب والعزيزة على كل قلب -على الرغم من قلبها الكبير - كما أبداها لنا الموت.
سيغيب هذا الجثمان، وسيتلاشى ظلّ هذا المجد، وسنراها مجردة حتى من هذه الزينة الحزينة؛ وستنزل إلى هذه الأمكنة المظلمة وتلك المساكن القابعة تحت سطح الأرض، لترقد في الغبار مع عظماء العالم، كما يقول النبيّ أيوب، مع أولئك الملوك والأمراء الراحلين، حيث لا يكادون يجدون لها مكاناً عندهم، لأن صفوفهم هناك مرصوصة والموت العاجل يملأ كل تلك الأمكنة. ولكنّ خيالنا يخدعنا هنا أيضاً، فالموت لا يبقي أجساداً كثيرة لتملأ بعض الأمكنة، وهنالك لا نشاهد إلا هياكل القبور. هناك تتغير طبيعة لحمنا بسرعة، وسيكون لجسدنا اسمٌ آخر غير الجيفة. لأنه يحتفظ ببعض الأشكال البشرية، التي لا تبقى طويلاً، ثم لا يلبث أن يُصبحَ شيئاً آخر، لا أدري ما هو، شيئاً ليست له تسمية في أية لغة. حقاً كل شيء يموت في ذاته، حتى هذه المفردات المأتميّة التي نعبّر بها عن رُفاته البائس.
n تعليق :

يلاحظ الأطناب في تعظيم المتوفاة والمبالغة في وصف تأثير الكارثة على المتحدّث وعامة الشعب. والتقسيم المنطقي والممازجة بين التفكير والخيال والعاطفة وفخامة الأسلوب مع الاستشهاد بالنصوص المقدسة وربط الموضوع بالحكمة الإلهية والقناعة المسيحية.
ويتصف أسلوب بوسوييه إجمالاً بالوضوح ونقاء اللغة وقوة التأثير.
فينيلون Fenelon - 1651-1715

نشأ فينيلون نشأة مسيحية، وكان يود الانخراط في سلك الإرساليات إلى الشرق، ولكن تردّي صحته حال دون ذلك. فعيّن رئيساً لمدرسة تعنى بتربية البنات المنتقلات من البروتستانتية إلى الكاثوليكية. وفي أثناء ذلك كتب "تربية البنات" وضمنه آراءه التربوية. التي ربما سبق فيها روسّو. وفي عام 1693 انضم إلى الاكاديمية. وفي عام 1699 ألف "تيليماك" وله أيضاً كتاب "الخرافات": و"محاورات الموتى" وكلها ذات أهداف تربويّة. ولذلك اختير لتربية نجل لويس الرابع عشر.
تميز أسلوبه بالسهولة والعفوية والبساطة
النّساء وحب التبُّرج([7])

"لا تخشوا على البنات شيئاً أكثر من حب الظهور. فهنّ يُولدن وقد رُكّب فيهن ميل شيديد لإثارة إعجاب الآخرين. ولما كانت قد سدّت في وجوههن السبل التي تفضي بالرجال إلى السلطة والمجد فقد عُوِّضن عن ذلك عذوبةَ الروح وجمال الجسد. ومن هنا تأتي طلاوة حديثهن وجاذبيته، وتطلعهن الشديد إلى الجمال وكل أشكال اللطافة الخارجية، والولع الشديد بالتزيّن: فغطاء رأسٍ، وعقدة شريط، وملقط شعر يكون أعلى قليلاً أو أخفض، واختيار الألوان.. كل ذلك بالنسبة إليهن على جانب كبير من الأهميّة.

وأريد أن أعرِّفَ الشابّات قيمة البساطة المترفعة التي تبدو في التماثيل والأشكال الأخرى التي بقيت لنا عن النساء اليونانيات والرومانيات: لكمْ كنَّ يريْن من الملاحة والأُبهة في شعرٍ عقد من خلف الرأس كيفما اتفق، أو في ثيابٍ يضيق أعلاها ممتلئاً، ثم تنسدل فضفاضة بثنياتها الطويلة. ويحسن أن يستمعن إلى أقوال الرسامين وغيرهم ممن يتمتعون بهذا الذوق الرفيع فيما يخص العصور القديمة.
فإذا ترفعت نفوسُهنَّ قليلاً عن الاهتمام بالمستحدثات فسيشعرن على الفور بكرهٍ شديد لتجعيدات الشعر البعيدة عن الطبيعة وللثياب التي تبدو شديدة التصنّع. إنني أدرك جيداً أننا يجب ألا نطمح إلى أن يظهرن بمظهر النساء القديمات، ومن المستغرب أن نريد ذلك، ولكنهن يستطعن دون أية غرابة أن يتحلّين بذوق البساطة في أزيائهن الجميلة الفاضلة التي تلائم الأخلاق المسيحية...!
فإذا جرين في مظهرهن خلف الأمور المستحدثة فسيعلمن على الأقل ما سيقال عن هذا التصرف: إنهن يستسلمن إلى (المودة) في ضربٍ من العبودية المخزية..! ولا يعطينها إلاّ ما يقدرن على رفضه منها.
فعلموهن دائماً وفي وقت مبكر أن حبَّ الظهور وطياشة الروح هما السبب في تقلّب (المودات). وإنّه لأمرٌ غير مستساغ أن تضخِّم المرأة رأسها بما لا يحصى من الأغطية المكدّسة.
إن الجمال الحقيقي هو الذي يوافق الطبيعة ولا يقاومها أبداً.
n تعليق: تبدو في هذا النص الخصائص الكلاسيكية الآتية:
1- الاهتمام بالتربية والأخلاق والمثل المسيحية
2-محاولة الإقناع العقليّ ومقاومة الانسياق مع النزوة والمزاج.
3- عدم الاحتفاء بالصور الخيالية.
4- الاعجاب بذوق القدماء وتهجين المستحدثات.
5- الميل إلى موافقة الطبيعة والنفور من المصطنع.
6- البساطة والوضوح في الأسلوب.

بوالو N.Boileau - 1636-1711

وُلد نيقولا بوالو في باريس، وعاش حياة حرةً مستقلةً مكتفياً بما ورث من ثروة، وكان يعمل محامياً ثم تفرغ للشعر. وتتألف حياته الأدبية من ثلاث مراحل:
1- المرحلة الأولى، كتب فيها "الأهاجي" Les Satires وتمتد من 1660-1669. وكان يهاجم فيها الشعراء الضعاف الشاعرية والمدعين ويدافع عن الشعراء الذين شهد لهم الأسلاف بالتفوق.
2- المرحلة الثانية: 1669-1677 وفيها كتب "الرسائل" Epitres "والفن الشعري" L’art poétique وقسماً من "المقرأ" Lutrin وكانن يستقبل في بيته أصدقاءه الأدباء الكبار مثل موليير وراسين ولافونتين وكان يحظى بمحبة الملك لويس الرابع عشر وإيثاره. ولكن دون أن ينال منه مُرتباً كغيره من الأدباء إلى أن عيّنة مؤرخاً في القصر بجانب راسين
3- المرحلة الثالثة: 1677-1711 وكتب فيها آخر أعماله الشعرية مكملاً مؤلفاته السابقة. ولم توله الأكاديمية أي اهتمام لأنها كانت تغصّ بالكتاب الذين سخر منهم. ولكن الملك فرض عضويته فيها عام 1684 فانهمك في معاركه النقدية بين القدماء والمحدثين.
ثم قضى آخر أعوامه في المرض فلزم البيت في جو من الكآبة والحزن حتى توفي.
نصّ من "الأهاجي"([8])
حقوق النقد (1667)


"الأهاجي قصائد سخر فيها بوالو من أخلاق البورجوازيين ومن أخلاق أهل عصره ومن مدعي الأدب. وكان بوالو يؤثر العبقرية الخالدة على المواهب الحديثة.
وفي النص التالي يعلن أن أي أديب يعرض أدبه للجمهور يجب أن ينتظر التجريح أكثر من المديح. فإذا كان للمشاهد حق التصفير إذا لم تعجبه المسرحية، وكان لكل إنسان حق الحكم الناقد حسب قناعته فلماذا لا يحق للناقد أن يبدي رأيه في أي عملٍ مطبوع، إذا انصب نقده على المؤلف من حيث هو كاتب؛ أما الشخص فيجب أن يبقى محترماً. وبهذا يكون للنقد دور أخلاقي بقدر ما هو ضروري.."
***
"يوجد في البلاط دوماً ناقدٌ أحمق من الدرجة الأولى،
بإمكانه أن يسفّه الآخرين بوقاحة،
فيفضل تيوفيل([9])على ماليرب أو راكان([10])
ويرجّح زيف تاس على كل ذهب فيرجيل([11])
وراهبٌ يستطيع، دون أن يمنعه أحد
ولقاء خمسة عشر فلساً، أن يقف بين العامّة،
ليهاجم أتيلا([12]
وإذا لم يطرب ملك الهون مسمعيه
ينعت كل أشعار كورنيي بأنها فيزيغوتيّة!
وما من خادمٍ عند أديب أو ناسخ في باريس
إلاّ ويحمل في يده الميزان لينقد الآثار الأدبية.
ومنذ أن تظهر المطابع شاعراً
يصبح، منذ الولادة، عبداً لمن يشتري كتابه.
ويخضع هو بشخصه لنزوات الآخرين.
وكتاباته وحدها يجب أن تدافع عنه.
وذاك كاتبٌ يجثو في مقدمته المتواضعة،
ضارعاً إلى قارئه، ومضجراً إياه باستعطافه

ولكن دون طائل؛ فلن يحظى بأي تأثير على ذلك القاضي المحّنَق،
الذي يفصل في قضيته بسلطانه المطلق...
وأنا وحدي لا أملك حق الكلام..!
وأمام تلك المساخر لا أملك حتى الابتسام...!
إنهم ينقبون في أشعاري عن كل مثلبة،
ليسلحوا بها ضدي كثيراً من الكتاب المغيظين،
الذين لم أتعرض لهم بأية إساءة لما كتبتها.
والذين، في معظم الأحيان، لولا أشعاري التي أشهرتهم
لبقيت مواهبهم مغمورة في طي النسيان..!
من كان سيدري لولاي أن كوتان كان واعظاً؟([13])
إن السخرية الناقدة لا تفعل شيئاً سوى أن تجعل المغمور مشتهراً.
إنها ظلّ يضاف إلى اللوحة فيمنحها البهاء.
وأخيراً، إنما قلتُ، حين انتقدته ما اعتقدته.
ومن يلومني على ذلك يقول مثلي:
أحدهم يقول: "لقد أخطأ، كان يجب ألاَّ يسمّي،
هاجم شابلان وهو رجل طيب جداً،
أثنى عليه بلزاك في كثير من المواطن ،
صحيح أنه لم ينظم شعراً،
ومادام بالشعر ينتحر فلماذا لا يكتب نثراً؟"
هذا ما يقال. وهل قلتُ شيئاً غيره؟
وحين انتقدت كتاباته، هل سكبت بأسلوبٍ لاذع
على حياته سمّاً خطيراً؟
لقد كانت عروس شعري، حين هاجمته متسامحة جداً ومحسنة،
تميّز بين الرجل المحترم والشاعر.
فليُثنِ الناس على إيمانه وشرفه ونزاهته،

وليُطروا طهارته وتهذيبه،
وليكن لطيفاً ومجاملاً وخدوماً ومخلصاً؟
هذا ما يُراد، وأنا موافق عليه، ومستعد لأن ألزم الصمت.
ولكنْ، أن يجعلوا من كتاباته نموذجاً،
وأن يمنح أكثر مما يستحق بين رجال الأدب،
وكأنه ملك المؤلفين الذين أنجبتهم الدنيا،
فهذا ما يثير حنقي ويجعلني أتحرّق للكتابة.
وإذا لم أستطع قوله على الورق،
فسأحفر في الأرض، وكما فعل ذلك الحلاّق،
سأقول لقصب الغاب، بحاسّة جديدة:
"ميداس، الملك ميداس([14])، له أذنا حمار"!
وأخيراً، هل أسأت إليه بما كتبت؟
أتراني أوقفت قلبه أو أزهقت روحه؟
وإذا كان أحد الكتب يباع في القصر وينفُق،
فليحكم كل امرئٍ بعينيه على جدارته...
***
إن الهجاء الغنيّ بالدروس والكشوف الجديدة،
يعرف، وحده، كيف يقدّم الممتع والمفيد،
وبشعره المصفّى في ضوء الحسّ السليم،
يعرف كيف يبرز للفكر أخطاءَ العصر.
إنه وحده حيثما يدين الغرور والظلم
إنما يدين النقائص حتى تحت القبّة المقدسة.
ودون أن يخشى أحداً، وبفضل كلمته الطيبة

ينتقم للحقيقة من عدوان رجل أحمق.
أنه وحده الذي يفتح لي الطريق التي يجب أن تُسلك،
وهو الذي ألهمني منذ خمسة عشر عاماً كره الكتاب الأحمق.
وثبّتَ خُطاي، وعلمني السَّير على هذه القمة الشهيرة([15])
التي تجرأتُ أن أنشده فيها.
وبكلمة واحدة، لأجله وحده نذرت أن أكتب.

([1]) المصدر السابق ص124 والترجمة للمؤلّف

([2]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص126

([3]) ترجمة المؤلّف المصدر السابق 151

([4]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 158

([5]) المكان الذي ماتت فيه.

([6]) الكتاب المقدس. حزقيال 7-27.

([7]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 189

([8]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 133.

([9]) تيوفل شاعر غنائي (1626) وهو خصم ماليرب.

([10]) راكان شاعر فرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

([11]) تاس شاعر درامي وملحمي في القرن السادس عشر. وفيرجيل صاحب الإنيادة.

([12]) مسرحية لكورنيي.

([13]) كوتان كاتب ورجل دين في القرن السابع عشر.

([14]) ميداس: ملك أسطوري فضّل صوت (بان) على صوت زيوس في الغناء، فجعل هذا أذنيه أذني حمار، ولم يكن يعرف هذا السرّ إلا حلاقه، الذي لم يستطع أن يبوح به للناس، فحفر حفرة وباح فيها بالسرّ، فنبتت غابة قصبٍ كانت كلما حركتها الريح تقول: ميداس له أذنا حمار.

([15]) قمة البرناس حيث تجتمع الملهمات.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« الـمـرأة فـي الشعر الأموي | أبو الطيب المتنبي في الشـعر العربي المعاصر »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحميل كتاب المذاهب الادبية و النقدية عند العرب و الغربيين Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 02-21-2016 01:16 AM
أردوغان يتهم الغرب بمحاربة العرب عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 06-12-2015 05:52 AM
تعرف على قصص العرب ونوادرهم وطرائفهم وحكمهم مع كتاب قصص العرب Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-23-2013 10:00 PM
الجمهورية الليبية Eng.Jordan الملتقى العام 1 04-05-2012 12:41 PM
دليـل العقول الحائرة في كشف المذاهب المعاصرة Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 02-07-2012 02:51 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:47 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68