تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

الرَّمزيّة Le Symbolisme

عبد الرزاق الأصفر - الكذاهب الأدبية لدى الغرب نشأت الرمزية في أواخر القرن التاسع عشر نتيجة ردّ فعل على الرومانسية والبرناسيّة، واستمرت حتى أوائل القرن العشرين معايشةً البرناسيّة والواقعية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-19-2012, 10:52 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي الرَّمزيّة Le Symbolisme


عبد الرزاق الأصفر - الكذاهب الأدبية لدى الغرب


نشأت الرمزية في أواخر القرن التاسع عشر نتيجة ردّ فعل على الرومانسية والبرناسيّة، واستمرت حتى أوائل القرن العشرين معايشةً البرناسيّة والواقعية والطبيعيّة، ثم امتدت حتى شملت أمريكا وأوربا.
لم تكن الرمزية واضحة المعالم في البدء، فقد ذكرنا سابقاً أن جماعة (البرناسّ) انقسمت على نفسها وانفصل عنها فيرلين ومالارميه ليكوّنا اتجاهاً سيعرف بالرمزية ولم يعرف اصطلاح (الرمزية ورمزيّ) إلاّ في عام 1885. حتى إن فيرلين كان يكره هذه التسمية بعد ظهورها. وقد ورد هذا الاصطلاح للمرة الأولى في مقالة كتبها الشاعر الفرنسي جان موريس رداً على الذين اتهموه وأمثاله بأنهم شعراء الانحلال أو الانحدار. فقال: "إن الشعراء الذين يُسمّون بالمنحلين إنما يسعَون للمفهوم الصافي والرمز الأبدي في فنهم قبل أي شيء آخر" ثم اقترح استخدام كلمة رمزي بدلاً من كلمة منحدر أو منحل الخاطئة الدلالة. وفي عام 1886 أنشأ جريدة سماها (الرمزيّ) ونشر في العام نفسه، في جريدة الفيغارو، بيان الرمزية وفي عام 1891 أعلن أن الرمزية قد ماتت..! ولكنها خلافاً لما رآه استمرت وقويت وانتشرت وأصبحت ذات شأن عظيم في مجالات الأدب والفن بقيت آثاره خلال القرن العشرين على الرغم من تعرضها لكثير من الهجمات والتقطعات والتداخلات.. وبقيت معايشةً للمدارس الجديدة كالسرياليّة والمستقبلية والدّادائية والوجوديّة وغيرها من الحركات... ولئن مالت إلى التلاشي في فرنسا فقد قويت في غيرها ولقيتْ رواجاً كبيراً، حتى قيل إن الأدب الأمريكي في القرن العشرين كان كلّه رمزياً..!
كان رواد الرمزية الأوائل قد أخذوا على الرومانسية مبالغتها في الذاتية والانطواء على النفس بحيث غدت غير آبهة بما يجري خارج الذات، وإفراطها في التهاون اللغوي والصياغة الشكليّة. ثم أخذوا على البرناسية بالمقابل المبالغة في الاحتفاء بالشكل ولا سيما في الأوزان مما قد يحرم الشاعر من إمكانية التلوين والتنويع ومواءمة التموجات الانفعالية وأخذوا عليها أيضاً شدة الوضوح والدقّة بينما توجد في عالم الشعر مناطق ظليلة واهتزازات خفية يصعب التعبير عنها بدقة ووضوح فالوضوح والدقة والمنطق والوعي والقيود اللغوية والفنية كلّها شروط تخنق الإبداع وتكبح تيار الانفعال.. ولا بدّ من الانطلاق مع العفوية والحرية الكاملة ليجري الإبداع في أجواء خالية من القيود والسدود..! ولا بد من التماس أدوات لغوية جديدة هي الرموز للتعبير عن الحالات النفسية الغائمة بطريقة الإيماء لا بالطريقة المباشرة الواضحة.
فالرمزية إذن مدرسة جديدة عملت على محورين أولهما محاولة التقاط التجربة الشعرية في أقصى نعومتها وارتعاشها ورهافتها، وثانيهما التماس الإطار الفنّي الحرّ المرن الذي يستطيع التعبير عن التجربة الشعرية ونقل أحوالها إلى القارئ بخلق نوع من المغناطيسية التي تسري إليه من الشاعر، تماماً كما هو الأمر في الموسيقا والفنون التشكيلية.
ولئن كان الرمز عماد هذه المدرسة فالرمزية الفنية الجديدة تختلف عن الرمزية التي كانت معروفة في العصور السابقة، فالتعبير بالرمز كان مألوفاً في كثير من المدنيات، تجده في العصور الوسطى وأدب التصوّف وفي روائع الرواية الواقعية، وكان الرومانسيون والبرناسيون يستخدمون الرمز أحياناً ولنذكر مثلاً (بردوم وكوبيه..) فالرمز أداة تعبير عالمية قديمة. واللغة في حدّ ذاتها مجموعة من المنظومات الرمزية وكان الناس، ولا يزالون يعبرون بالرموز عن مقاصدهم سواءٌ بالإشارة أو بالرسم أو بالألفاظ.. وكان مألوفاً التعبير بالنار عن الإحراق وبالطير عن السرعة وبالريح عن القوة مع السرعة وبالصليب عن التخليص وبالبحر عن الإتساع وبالراية عن سيادة الأمة وبالجماعة عن السلام وبالمقصّ عن الرقابة الصحفيّة.. فهذه كلها رموز، لكن المدرسة الرمزية شيء آخر، لقد أصبحتْ منهجاً فنيّاً متكاملاً ذا مواصفات عديدة وأصبح الرمز فيها قيمة فنيّة وعضوية ودخلت في نطاقه الرموز التاريخية والأسطورية والطبيعية والأشياء ذات الدلالة الموحية كما تميّزت بالاستفادة من المقومات الموسيقية واللونيّة والحسيّة والمشابكة بينها في لغةٍ تعبيرية جديدة.
خصائص المدرسة الرمزيّة

1-مجافاة الأسلوب القائم على الوضوح والدقّة والمنطق والتفكير المجرّد والمعالجات الخطابية والمباشرة والشروح والتفصيلات.. لأن هذه الأمور ليست من طبيعة الفنّ بل من طبيعة النثر ولغةِ التواصل العاديّة..
2-بالمقابل يسعى الرمزيون إلى الدخول في عالم اللاّحدود، عالمِ الأطياف والاندياح والارتعاشات الرجراجة والحالات النفسية الغائمة أو الضبابيّة والمشاعر المرهفة الواسعة، والتغلغل إلى خفايا النفس وأسرارها ودقائقها ولُويْناتها.
3-من ناحية الأسلوب التعبيري عن التجارب النفسيّة. نهجت الرمزية منهجاً جديداً يختلف عن نهج الرومانسية والبرناسيّة ويوافق ما ذكرناه آنفاً في التجربة الشعرية فقد وجدَ الرمزيون أن معجم اللّغة بما في ذلك المجازات والتشبيهات قاصرٌ عن استيعاب هذه التجربة والتعبير عنها بشكل مناسب صادق، ولا بد من البحث عن أسلوب جديد ولغةٍ ذات علاقاتٍ جديدة تتيح التعبير عن أرجاء العالم الداخلي ونقلَ حالاته إلى المتلقيّ عن طريق إثارة الأحاسيس الكامنة وتحريك القوى التصوّرية والانفعالية لإحداث ما يشبه السيّالة المغنطيسية التي تشمل المبدع والمتلقي. هذا الأسلوب الجديد يقوم على اللمح والومض ونقل المشاعر جملةً بشكلٍ مكثفٍ غير مباشر..
ولذا لجؤوا إلى الرمز للتعبير عن الأفكار والعواطف والرؤى لأنه أقدر على الكشف عن الانطباعات المرهفة والعالم الكامن خلف الواقع والحقيقة. إن الرموز نوع من المعادل الموضوعي، وهي من طبيعة خارج التراث، أيْ إنها تُشتق من الواقع الخارجي، ولكنها تختلف عن الطرائق التصويرية التقليديّة: فالشاعر يتجنب معها عقد المماثلات والتشبيهات والتوازيات بين طرفي الصورة، ويجعل الرمز وحده يؤدي الدلالة أو الشيء المرموز إليه عن طريق النشاط الذهني للمتلقي. والرمز يوحي بالحالة ولا يصرّح بها، ويثير الصورة ثم يتركها تكتمل من تلقاء ذاتها كما تتسع الدوائر في الماء، وذلك عن طريق الفعّالية الذهنية للمتلقي إنّ وظيفة الرمز الإيحاءُ بالحالة لا التصريح بها والكشف التدريجيّ عن الحالة المزاجيّة لا الإفضاء بها جملة واحدة، وهو وسيلة قادرة على الإشعاع الطيفيّ كالأثار الموسيقية والتشكيليّة، ومنه يصبح القارئ مشاركاً للمبدع في إنجاز عملية الخلق الفنيّ. والرمز أقدر على التعبير عن المشاعر المبهمة والأحلام والنزوعات الخفية العميقة وترجمة السرّ الخفيّ في النفس الإنسانية، وهذه هي المملكة الحقيقية للشعر، ولا تستطيع اللغة العادية التعبير عنها تماماً كما يستطيع الرمز الذي يمكنه الكشف عن أدقّ اللوينات النفسية وفروقها الخفيّة.
4-العناية بالموسيقا الشعرية، موسيقا اللفظة والقصيدة، والاستفادة من الطاقات الصوتية الكامنة في الحروف والكلمات مفردةً ومركبة ومن التناغم الصوتي العام في مقاطع القصيدة، بحيث تصبح هذه الطاقة موظفة في التعبير عن الجو النفسيّ لدى المبدع ونقله إلى القارئ، أي أنها تصبح أداة تعبيرية تضاف إلىالمقدرة اللغوية والتصويرية بما تحدثه من الإيحاء بالجو النفسيّ.. فهي إذن تدخل في عضوية الفنّ ولا تأتي تجميلاً أو دغدغة لحاسة السمع.
لقد أصبح شعار الرمزيين قول فيرلين "مزيداً من الموسيقا والموسيقا قبل كل شيء.." وأرادوا أن يحمّلوا الموسيقا من الدلالات والتأثيرات ما عجزت عنه المدارس السابقة وأن يستعيدوا الخاصيّة الشعرية الحميمة للشعر التي انفصل عنها الشعراء طويلاً. ولذلك تمرّدوا على الأطر الموسيقية الشعرية في الأوزان والقوافي وتكوين المقطع والقصيدة ولم يحفلوا بالقواعد الكلاسيكية والرومانسية والبرناسيّة، وراحوا يبدعون موسيقاهم الشعرية الخاصة بكل منهم بل بكل قصيدةٍ على حدة. وكان رامبو أجرأهم في ذلك. ووصل بهم الأمر إلى الاستهانة بالقوافي وإلى تبني اللغة الشعرية النثرية المموسقة داخلياً، وقرّروا أنها خيرٌ من ذلك النثر الموزون المقفى وتجلى هذا النثر الشعري عند بودلير في (قصائد نثرية صغيرة) ورامبو في (إشراقات) وأوغل في هذا المجال وحرّص عليه الشاعر الرمزي غوستاف كاهن الذي كان يرى أن الرمزية هي مذهب الحريّة في الفنّ. وبهذا فتحت الرمزية باب التمرّد على القيود الذي دخلته فيما بعد حركات فنيّة وأدبية عديدة.
5-لغة الإحساس: تعوّلُ الرمزيّة في صورها على معطيات الحسّ بشتى أنواعها كأدوات تعبيريّة، كالألوان والأصوات والإحساس اللّمسيّ والحركيّ ومعطيات الشمّ والذوق.. وترى في كلّ من هذه المعطيات رمزاً معبراً موحياً. فالحواسّ نوافذ الإنسان على العالم الخارجي. وهذا العالم "غابة من الرموز" كل ما فيها ينطق. والطبيعة عند الرمزيين تختلف عنها لدى الرومانسيين إنهاهنا تتخاطب فيما بينها وتتراسل، وتؤلف لغةً متشابكة لا يفهمها إلاّ الشعراء.
الشاعر الرمزيّ مستوفز الإحساس، متيقظّ الجوارح، يَغْرق في الطبيعة فيصبحُ مصوّراً تلتقطُ عينه الألوان والظلال والأشكال بل اللوينات الدقيقة ثم يترجمها بمختلف صفاتها ودرجاتها ودلالاتها وينتبه لما يعنيه الملمس والشكلُ وما تؤدّيه الحركة من معنى، ولا يهملُ روائع الأشياء.. من هذه النوافذ الطبيعية يدخل، ومنها ينطلق ويسوح. وإنّ مظاهر العالم الطبيعي تشعره بالتماثل مع العالم البشريّ والتخاطب معه. وكلّ معطيات الحواسّ تتشابك وتتخاطب وتتبادلُ وتتراسل.. فالشّعر يُنْثَر والرمادُ يُسكب، وللنجوم حفيف، وللوهم ظل، والخضرة تثقب، والنهرُ يغنّي، والأشعة تزْبد، والأنوار تهطل، والانتحاب طويل، والصوت ناعم أو خشن، والسخرية صافية أو ثقيلة، والثقوب زرقاء، والـرنـين أزْرق، واللاّزورد يُغَنّي.. ولكل شيء محسوسٍ دلالة ومعنى. فالأحمر ثورة، والأسودُ عدم، والرمادي كآبة، والأخضر حياة.. الخ والأصوات لها ألوان، كما في قصيدة الحروف الصوتية لرامبو:
Aأسود، Eأبيض، Uأخضر، Oأزرق..
فهنالك -كما ترى- لغة جديدة تقوم على إسنادات وتركيبات جديدة وغريبة ولكنها ليست عابثة ولا مجانية، إن المعطيات الحسيّة، باجتماعها تغدو كيمياء تصنع دلالات جديدة بالغة البلاغة على ما فيها من إيجازٍ وتكثيف، وما تمنحه من شعورٍ بالجدة والدهشة والمفاجأة.
6-الغموض: إذا كانت المدرسة الرمزية قد فتحت باب الغموض في الشعر فمن الإنصاف القول بأن هذا الحكم ليس مطلقاً ولا عاماً، فالرمزيون الأوائل قاربوه ومارسوه ولكن دون مبالغة أو شطط أو تعمّد، وكانت أشعارهم تتراوح بين الوضوح والشفافية والغموض، وهم في ذلك على درجات. إنهم لم يخرجوا فجأة من الرومانسية والبرناسيّة، بل احتفظوا ببعض ملامح المدرستين، ولذا نجد بودلير وفيرلين أكثر وضوحاً من رامبو، والوضوح هنا يختلف عن المباشرة المرفوضة نهائياً. إنه يعني عدم التعقيد في الفكرة وعدم الأغراب في الصورة، بحيث يلتقط المتلقي المعنى بسهولة ويُسْر. أما الغموض -وهو غير الإبهام المحيّر- فيأتي من أسباب عديدة أبرزها:
1-التصرّف بمفردات اللغة وتراكيبها بشكلٍ غير مألوف
2-الرمز الذي بطبيعته لا يوضح المرموز إليه، بل يترك ذلك لخيال القارئ وتأويله
3-التعبير بمعطيات الحواسّ ومراسلاتها وتقاطعاتها
4-الإشارات والتلميحات والأعلام التي تحتاج إلى معرفة واسعة أو إلى شروح وتعليقات
5-التكثيف وشدة الإيجاز
6-الانطلاق من أفق الدقائق النفسية والحالات المبهمة التي يصعب تصويرها والتعبير عن لويناتها الدقيقة
7-الاقتراب من الموسيقا والفن التشكيلي حيث يكون التواصل من خلال الانطباع.

مراحل الرمزيّة

المرحلة التمهيديّة أومرحلة بودلير (1867)

يعد بودلير من أعلام المدرستين البرناسية والرمزية في آن واحد، سواءٌ في الأوجه الإيجابيّة أو السلبيّة، فهو لا يمعن في عبادة الطبيعة ولا يُفْرط في العاطفة شأن الرومانسيين، وهو يمقت البساطة ويُعنى عناية فائقة بالشكل والإيقاع الموسيقي شأنَ البرناسيين، وهو يتميز بروحٍ شاعرية فذة، وحساسيّة تبلغ أحياناً درجة المرض، وإحساس بالغريب والنادر، ويهتم بالخيال الخلاق الذي يفضي إلى معنى ميتافيزيقي أو علاقة إيجابيّة مع اللانهائي، يغترف من الطبيعية ولكنه يعيد تشكيلها ويضفي عليها الطابع الإنساني، فلا توجد لديه مسافة بين الذات والموضوع وبين الإنسان والطبيعة.. والشعر عنده سحرٌ موحٍ يضمّ بين الذات والموضوع.. إنه الشاعر بكل معنى الكلمة الذي لا تستوعبه مدرسة واحدة، وقد قال فيه هوغو: "منح بودلير الفنّ رعشةً جديدة" وهو الذي بشرّ بقدوم الرمزية وبقي شعره متقناً كأقوى أشعار البرناسيين. برزت شهرة بودلير في ديوانه (أزهار الشرّ) (1857) الذي تطالعك فيه كآبة غير عادية ومعالجات لجوانب مستغربة من الواقع، تصدم القارئ، كما تبهرك فيه موسيقاه وأناقته التعبيرية العذبة.

طائر البطريق([1])

بودلير (أزهار الشر)

"حين يريد البحارة أن يتسلّوا،
غالباً ما يمسكون بعض طيور البطريق البحريّة الضخمة،
التي تتبع المركب المنزلق فوق الأعماق المُرّة،
وكأنها رفاق الرحلةِ المطئنون .
وعندما يضعونها على ألواح السفينة،
تبسط ملوك السماء اللازوردية، خرقاءَ خجولةً،
أجنحتها الكبيرة البيضاء كالأشرعة
لتجرّها على جانبيها في حالٍ تثير الشفقة!

يا لهذا المسافر المجنّح..! ما أَعْسر حركته، وما أشد رخاوته..!
هذا الذي لم يكن طائرٌ أجمل منه، أضحى هُزْأةً قبيحا .
هذا بحارٌ يداعب بغليونه منقاره،
وذاك متعارجاً يقلد العاجز الذي كان يطير .
ما أشبه الشاعر بأمير السحاب!
يعيش مع العواصف ويسخر من الرماة،
لكنه حين يُنفى إلى الأرض
في ضجةٍ من الهزء، يعوقه جناحاه عن المسير"


تناغم المساء([2])

(بودلير - أزهار الشر)
"ها قد أقبلت الأوقات التي تفوح فيها كل زهرة
وهي ترتعش على ساقها وكأنها مجمر بخور .
الأصوات والعطور في هواء المساء تدور:
فالسٌ حزين ودُوار مرهق!
كلَّ زهرة تفوح كمجمر بخور،
الكمان يرتعد كقلبٍ مُرْهَق،
فالسٌ حزين ودُوارٌ مُتْعَب،
السماء كئيبة وجميلة كمذبحٍ كبير،
الكمان يرتعد كقلبٍ مُتْعَب،
قلبٌ حنون يكره العدم الواسعِ المُظلِم
السماء كئيبة وجميلة كمذبحٍ كبير،
الشمس غرقت في دمائها التي تجمَد،
قلبٌ حنون يكره العَدَم الواسع المظلم،
يجني من الماضي المتألق كلّ دُوار
الشمس غرقت في دمائها التي تجمد
وذكراكِ في خاطري تلمعُ كَتْحفةِ القربانِ المقدّسة"([3])



المرحلة الثانية (مرحلة النضج والقمة)

1-ستيفان مالارميه Stephane Mallarme(1842-1898)

كان مالارميه الرأس الحقيقي المنظر للمدرسة الرمزية. وتميّز بالموهبة والتواضع. تضلّع من اللغة الفرنسية وآدابها وعمل مدّرساً للغة الانجليزية. وكان يستقبل في بيته حلقة من الشبان المحبين للشعر. وكان زملاؤه وتلاميذه يحبونه ويعجبون بشعره ويعدونه أمير الشعراء بعد فيرلين. جمع أجمل آثاره في كتابه "شعر ونثر" وكان منها ما يتّسم بالرمزية الشفافة ومنها بالرمزية الغامضة المقبولة. وعلى العموم كان ينفر من السهولة والوضوح ولغة التفاهم العادية وكأنها أسوأ العيوب. علم أتباعه التركيب الغامض وجماليته، وبقي مخلصاً للقواعد الشعرية والإتقان البرناسيّ.
أصبحت اللغة عنده سحراً والكلمات أشياء، والأشياء رموزاً موحية لا تقصد لذاتها، ولذلك نعته بعضهم بالصوفيّة. أراد مالا رميه أن يسعى إلى الكمال وأن يحقق المستحيل وأن يعبّر عن سرّ الكون الغامض ولكنه لم يجد سوى العقم والعدم والخواء والصمت، فراح يبحث عن المطلق لكنه عجز عن الوصول إليه. ورأى الفن وحده الذي يدوم لينقذ شيئاً من حطام العالم..! وبهذه الفلسفة المتشائمة التي تذكرنا الرومانسية، انفصل شعره عن الواقع المجسّد وتغرّب عن الطبيعة والذات.
يصف تيودور وايزيوا شعره فيقول: "التزم أن يضمّن كل بيتٍ عدة معانٍ متراكبة، وتعمّد أن يجعل كل بيت صورة تشكيلية وتعبيراً عن عاطفة، ورمزاً فلسفياً ونغمة موسيقية تنسجم متكاملة مع الموسيقا العامة للقصيدة مع الحفاظ على قواعد النظم المعروفة، بحيث تبدو قصيدته كلاً متكاملاً ومكتملاً يجسّد بالفن حالة نفسية كاملة".
من أشهر قصائده: أمسية أحد الفونات([4]) والنوافذ،
واللازورد، وطائر التمّ..
اللازورد L,azur*

ستيفان مالارميه
"السُّخرية الصافية للاّزورد الأبديّ،
تُثْقِلُ بتراخٍ شديد، كما تثْقِلُ الأزهارَ،
الشاعرَ العاجز الذي يلعن قريحته
عبرْ صحراءَ عقيمةٍ من الآلام..!([5])
أحسُّه هارباً مُغْلق العينين،([6])
وفي ضميره توبيخٌ كثيف مذهل،
ينظر إلى روحي الفارغة، أين المفرّ؟
وأيُّ ليلٍ مذعور تلقيه خرقاً بالية على هذا المُفْجِعِ الكريه؟([7])
انهضْ أيّها الضباب، واسكبْ رمادك الرتيب،
مع قطعٍ من أَسْمال الظلام،
في السماءِ التي ستغرق في سبخةِ الخريف الداكنة([8])
وابنِ سقفاً كبيراً صامتاً..
وأنت أيها الضّجر العزيز، اخرُجْ من مستنقع النسيان،
وحين تأتي، اجمع الوحلَ والقصب الشاحب،
لتسدَّ بيدك التي لا تعرف الونى
الثقوبَ الكبيرة الزرقاء التي تحدِثها الطيور المتخابثة([9])
وفوق ذلك، لتقْذفِ المداخنُ الحزينةُ دخانَها دون إمهال،
ولتجعلْ من سُخامها سجناً هائماً،
تخنق في رهبة ذيوله السّوداء ،

الشمسَ المحتضرة الصفراءَ في الأفق .
إن السماء ميْتَة! ولذا أتوجّهُ إليكِ أيّتها المادة،
راجياً أن تقدّمي نسيانَ الخطيئةِ والمثلِ الأعلى القاسي،
إلى هذا الشهيد، الذي أَتى ليقاسِم قُطعانَ البشر السّعداء،
الحظائرَ التي ترقد فيها([10])
هذا ما أريد، ما دامتْ جمجمتي أَضْحت خاوية،
كإناءِ زينةٍ فارغ قابع عند أسفل جدار،
ليس لديها فنّ تجميل الفكرة الباكية
ولا تفتأ تتثاءب منتظرةً مصيرها المشؤوم في مرقدها المظلم
لا جَدوى! فالّلازورد ينتصر، وإنّي لأسمعه،
يغني في ألحان النواقيس،
إنّه يُصوّت ليزيدنا رعباً بظفره الخبيث،
ومن المعدنِ الحيّ يخرُج لنا في رنّاتٍ زرقاء..([11])
أَزليَّاً يسير بالضّباب
ويخترق احتضارَكَ الولاديّ كسيفٍ مُصمِّم،
فأين المفرّ وما جدوى التمرّد الأخرق،
إني مَسْكون: الّلازورد، الّلازورد، الّلازورد، الّلازورد!
***
2-بول فيرلين: P.Verlaine(1844-1896)

بدأت شهرة فيرلين عام 1881 عندما عمل في الصّحافة وأخذ يرتاد الحيّ اللاتيني والتف حوله جماعة من الشعراء الشبان المعجبين به. وكان أوّل الأمر برناسيّاً ثم تطور شعره تدريجياً وبشكل عفوي نحو فنٍ أكثر تحرّراً، ولكن دون نظريات ومدارس، حتى إنه أصبح رمزياً بل مؤسساً للرمزية دون قصدٍ أو وعي لشيء اسمه الرمزيّة، بل كان يكره هذه التسمية..! وكانت حياته مأساةً غريبة بسبب انسياقه مع نزواته. تنقل بين باريس وبروكسل ولندن، وسجن عامين لإطلاقه النار على صديقه رامبو. وتلقى من هذه التجربة درساً في السلوك العاقل، فعاد إلى زوجته وكاثوليكيته، وكتب أشعار مجموعته (حِكْمة) لكنه سرعان ما عاد بعد وفاة أمه إلى الخمرة والتشرد والبؤس واعتراه المرض فقضى سنواته الأخيرة بين المقاهي والمستشفيات وفي عام 1884 انتخبه الشعراء أميراً لهم. ولكن هذه الإمارة لم تطل إذ اختطفته المنية بعد عامين.
وكانت أشعاره صدى إحساسه وتجاربه. فهو يعيش شعره ويندفع من بواعث شعورية ولا شعوريّة. قال عنه جول لوميتر: إنه شاعر بوهيميّ وبربري وطفل، لكن لهذا الطفل موسيقاه الروحية. وهو يسمع أحياناً أصواتاً لم يسمعها أحدٌ قبله" وكان جرسُ أشعاره وإيقاعها يتطابق مع إلهامه ويمتلك المضمون والشكل معاً في تدفق شعري واحد يصدر دائماً عن الفطرة والعفوية حتى لكأنه الشاعر البدائي أو الطفل إضافة إلى كل الإرهافات العصرية والتقليديّة في الشعر. وكان يتميز دون غيره من شعراء الرمز بالشفافية والسهولة والتناغم الموسيقي العذب.
ويمكن أن نستشف معالم منهجه من قصيدته "فن الشعر" 1874 التي أرسلها إلى صديقه الشاعر شارل موريس، والتي تعدّ دستوراً للرمزية يقابل في الكلاسيكية "الفن الشعري" لبوالو. وهو يوصى فيها قبل كل شيء بمزيد من الموسيقا، لأن بها يمكن التعبير عن الأحاسيس المرهفة الدقيقة التي لا تسعها الكلمات! ولهذا السبب كان يؤثر الأوزان ذات المقاطع الفرديّة خمسة مقاطع أو سبعة أو تسعة أو أحد عشر، ولا يفضل الاثني عشري المزدوج. وهذه الأوزان التي كان يفضلها ليست جديدة بل كانت موجودة في القرن السادس عشر وفي بعض أشعار رونسار.
ثم يوصي باستعمال الكلمات في غير معناها الدقيق وبعدم المبالغة في الاهتمام بالقافية (تلك الحلية الجوفاء) وبليّ عنق الفصاحة وبشيءٍ من الغموض يتزاوج مع الدقة والوضوح، وهذا ما عبّر عنه بالأغنية الرمادية التي هي أصل الأغاني والتي كأنما تنظر من خلف أسداف، وأخيراً بأن تكون القصيدة مغامرة مشتّتة تطوف مع أنسام الفجر الباردة لتشمّ عبق النعنع والسعتر..

أصدر فيرلين مجموعات عديدة منها: أشعارٌ زُحَلية، وأعياد زاهية، وفي هاتين المجموعتين يغلب الطابع البرناسيّ. وله أيضاً: الأغنية الجيدة، وغزلٌ دون كلام، والحكمة، والمدائح، والأناشيد الدينية الحميمة، وبالتوازي، وقديماً وبالأمس القريب، وأغانٍ إليها، وسعادة.. كما أن له بعض الآثار النثريّة.
أغنية الخريف (1866)([12])

فيرلين (أشعار زُحَليّة)
الانتحابات الطويلة،
لكمنجاتِ الخريف،
تجرَحُ قلبي بِوَنىً رتيب،
كل شيءٍ خانقٌ وشاحب
عندما تدقّ الساعة،
أتذكر الأيام السالفة،
وأبكي
وأمضي في ريحٍ سيّئة
تحملني من هنا وهناك
شبيهاً بالورقة الميْتة .
السماء فوق السّطح([13])

فيرلين: "حكمة" 1881
كتبها في السجن
السماء فوق السّطح
شديدة الزرقة والهدوء .
شجرة فوق السطح
تؤرجح بلحَها
الناقوس في السماء التي تُشاهَد،
يدقّ بنعومة
عصفور على الشجرة التي تُشاهد،
يغني أشجانه
آلهي، آلهي، إن الحياة هناك
بسيطة هادئة
وهذه الضوضاء الهادئة
تأتي من المدينة .
ماذا فعلتَ يا من تديم النحيب؟
ماذا فعلت يا هذا في شبابك؟
3-أرتور رامبو Arthur Rimbaud (1854-1891)

وُلِدَ رامبو لأبٍ صارمٍ وأمّ شديدة، وشعر وهو تلميذ برغبة جامحة في الهرب. وشاءت الظروف أن تجمع بينه وبين الشاعر فيرلين إثر أبيات أرسلها إليه، وتوثقت الصلة بينهما، حتى أسكنه فيرلين في بيته وقدّمه إلى المنتديات الأدبيّة، واصطحبه في أسفاره إلى بلجيكا وانجلترا، ولكن الفتى قرّر أن يتحرّر منه، ولما استقل القطار اطلق عليه فيرلين النار فجرحه ونقل إلى المستشفى ودخل الجاني السجن..
ثم تجول رامبو في أنحاء العالم فزار دول أوربا من الشمال إلى الجنوب وسافر إلى جزائر السوند ومصر وعدن والحبشة، وعمل جندياً ومترجماً وعامل سيرك وموظفاً تجارياً.. ولم تطل حياته فقد توفي في أحد مستشفيات مرسيليا في السابعة والثلاثين دون أن يدري أحد أن شاعراً عظيماً قد مات..
دخل رامبو عالم الشعر كعاصفة مفاجئة سريعة بحيث لم تكتشف منزلته إلا بعد وفاته بزمن طويل. بدأ نظم الشعر في الخامسة عشرة وأقلع عنه في العشرين، لكن أشعاره طبعت مرات عديدة وأهمّها: فصلٌ في الجحيم، وأشعار، وإضاءات.
كان رامبو من طليعة الشعراء الرمزيين الذين تركوا أثراً عميقاً في الحركة الشعرية الشابّة، موهبةٌ متوقدة ومخيلةٌ خلاقة ذات صور غريبة وعنيفة وشباب مشردٌ محموم وانطلاق مغامرٌ مبكر.. وإعجابٌ ببودلير وفيرلين.. كل ذلك جعل منه الشاعر المتمرد المبتكر الذي لا يحفل بالقيود التقليدية بل ينساق مع الموهبة العفويّة. تتراوح أشعاره بين الوضوح والغموض وبين البساطة والتعقيد والسهولة والصعوبة. وقد عرف كيف يوفق في بعض الأحيان بين الشعر والواقعيّة، ولكن بعض رموزه عسير على الفهم كقوله في وصف جندي ميْت:
شاحبٌ في سريرهِ الأخضر حيث يهطلُ النور..
وقوله:
نُزُلي في الدبّ الأكبر ونجومي لها في السماء حفيفٌ لطيف..

النائم في الوادي([14])

رامبو
نظمها عام 1870 يصف جنديّاً قتيلا

إنّه ثُقْبٌ في الخضرة حيث يُغَنّي نهرٌ ،
معلّقاً على الأعشاب عشوائياً أسمالاً فضّية .
وتسطع الشمس من الجبل الأرعن،
إنه وادٍ صغير يزبد بالأشعّة .
ثمّ جنديٌ شابٌ، فاغر الفم حاسرُ الرأس،
قذاله يغوص في الجرجير الرطب الأزرق،
ينام مستلقياً على العشب تحت السماء،
شاحباً في سريره الأخضر حيث يهطل النور .
قدماه بين الزنابق، ينامُ مبتسماً ،
مثلَ طفلٍ مريض، أخذَتْه غفوة،
أيتها الطبيعة هدهديه بحرارة، إنه بردان!
لم تُرْعِشْ أنفَه الروائح الزكيّة،
يرقد وادعاً في ضوء الشمس ويده على صدره ،
وثقبانِ أحمران في جنبه الأيمن..



بوهيميّتي*

رامبو، من ديوان (أشعار)
"هذه القصيدة من وحي حياة رامبو بين السادسة عشرة والعشرين من عمره، في أثناء فترة التشرد وفورة العبقرية.. حين كان يعيش مثل البوهيميين أوالغجر، دأبه التنقّل ومزاولة الأعمال العديدة والعيش ليومه فقط.."

كنت أمضي ويداي في جيبيَّ المخروقين،
وقد أضحى معطفي أيضاً مثالياً([15])
كنتُ أمضي تحت السماء ، يا ربَّة إلهامي، مؤمناً بك،
آه، اطمئنّي، فكم عشقٍ رائع حلمتُ به..!
سروالي الوحيد كان فيه خرقٌ واسع،
كعقلة الإصبع الحالم، كنت أنثر أشعاري في أثناء تجوالي([16])
كان مثواي في الدبّ الأكبر، ولنجومي في السماء حفيف لطيف..!
كنت أصغي إليها جالساً على حافة الطُرْق،
في تلك الأماسي الجميلة من سبتمبر،
وأحسُّ قطراتِ الندى على جبيني وكأنها خمرة الروح .
هناك، في ظلال الوهم، كنت أنظم أشعاري
وأشد خيوط حذائي الجريح،
وكانه قيثارة.. قدمٌ على قلبي..!([17])



المرحلة الثالثة، ما بعد العمالقة

منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت المدرسة الرمزية تتغيّر وتميل إلى الانحدار فأولئك الشعراء الشبان الذين كانوا يلتفون حول مالارميه، لم يكونوا يمتلكون ذكاءه ومعارفه وموهبته، ولذا مضوا في مذهبه إلى حد المبالغة، فبحجة الحرص على المرونة الشعرية والتحرّر من القيود الثقيلة جردوا الشعر من الإيقاع والجرس الموسيقيّ والقافية، فأصبح لديهم شبيهاً بالنثر المصطنع المتقطع في أسطرٍ متفاوتة الطول. وبدعوى الارتفاع عن العاديّة سقطوا في الغموض الذي لا طائل تحته. أما معجمهم اللغوي فكان مملوءاً بالأغلاط التي لا يقع فيها إلا الأجنبي الذي يجهل اللغة وأصبحت تراكيبهم خارجة عن المنطق والحسّ السليم، والواقع أن عدداً منهم كانوا ينتمون إلى أصول أجنبية، وتذكر من هذه الفئة فرديناند غريغ وأفراييم ميخائيل وغوستاف، كاهن..
ولكن يجب أن نميز بين أولئك الرمزيين الذين يمتلكون المهارة والمعرفة والذين يحاولون الإغراب، وبين الفنانين الحقيقيين الذين مرّوا بفترة من المحاولة والتدريب ثم ما لبثوا أن أصبحوا شعراء حقيقيين مفهومين، محتفظين بمزايا الرمزية ومبتعدين عن مثالبها ومزالقها.
ومن الرمزيين الشبان أناسٌ موهوبون لكنهم يحبون الإيغال في الصور الغامضة ويبتعدون عن التناغم الموسيقي.. مما حدا ببعض النقاد لأن يصنفوهم ضمن اللاشعوريين أحياناً وضمن الدجالين المخادعين أحياناً أخرى.
ومنهم من تحاشى المبالغة الرمزية وحافظ على الإيقاع والوضوح وتمتع بقسط من الحريّة وسلمتْ أشعارُه من الإبهام والتنافر والعَرَج واستطاع شق طريقته بقوةٍ وأصالة موازناً بين شتى معطيات المدارس الشعرية، ومن هؤلاء البارزين نذكر:
1-ألبير سامان: Albert Samain (1858-1900)

لم يكن سامان رومانسياً ولا برناسياً ولا رمزياً بل تجمعت لديه تأثيرات شتّى من المدارس القديمة والحديثة بشكل عفوي غير مقصود. وكان ينظم الشعر لنفسه يبثه أحلامه وأحزانه الخاصة. فقد عاش حياةً شاقة ذاق فيها اليتم والحاجة. ولما حلّ باريس انضم إلى بعض المجموعات الأدبية المؤلفة ممن كانوا يدعونهم "الشعراء المنحلين" وأخذ يلقي منظوماته وينثرها، ثم بدأت شهرته حين نال جائزة من الأكاديمية وقدمه الناقد برونتيير إلى جريدة (العالَميْن) يتميز شعره بواقعية ملوّنةٍ خلابة وتعبير عن الألم والحزن بصدق. استفاد من صور الرمزية دون أن يفقد الوضوح. ويعد حقاً من بين أفضل الشعراء الفرنسيين. من مجموعاته (في بستان الوريث، على جوانب الإناء، العربة الذهبية).
2-هنري دو رينييه Henri de Regnier (1864-1936)

شغف رنييه أولاً بالشعر الحرّ الواضح، الذي رأى أنه يوافق موضوعات معينة، ثم مال إلى البرناسية والرمزية متأثراً بسولي برودوم وفيرلين وجماعة الشعر الحرّ، وعبر عن شجونه بالرموز وكان يحب جمال الطبيعة وجمال الأشياء ويجد فيها سحراً أخاذاً، ومن ذلك إعجابه بجمال الخريف، كما أولع بالأساطير القديمة. نال رينييه إعجاب كبار الشعراء مثل سولي برودوم ولو كنت دوليل وهوغو ودفينيي وهيريديا الذي أسكنه عنده وزوجه ابنته من أشهر. مجموعاته الشعرية (الوسام الخزفيّ، ومدينة المياه والحذاء المجنح ومرآة الساعات..) وله مؤلفات قصصية كثيرة
3-فرنسيس جامّ Francis Jammes(1868-1938)

ينتمي إلى الرمزية من حيث الموسيقا الحرة، ويخالفها بوضوحه وبساطته ولغته العفوية القريبة إلى روح الطفولة. وكان لا يصف إلاّ الأشياء العاديّة البسيطة ويعرضها ببساطة وبشكل واقعي صادق. وإن القارئ ليبتسم أمام بعض أوصافه كما يبتسم أمام صورة خرقاء ولكنها قوية التأثير. وقد عرّف نفسه بقوله:
"إلهي، لقد ناديتني من بين البشر، فلبيك! إنني أتألم وأحب، وقد تكلمتُ بالصوت الذي منحتني، وكتبت باللغة التي علمتها أمي وأبي اللّذين نقلاها إليّ. أمشي في الطريق كحمار محمّل، يضحك منه الأطفال فيخفض رأسه. سأمضي حيث تريد، وحين تريد، ها هي النواقيس تقرع..!"
4-بول فاليري: paul Valery (1871-1945)

من الشعراء الشبان الذين تتلمذوا على مالارميه. وكان في شبابه شديد التأثر به والافتتان بموضوعاته والولع بالمناظر الجميلة والأشياء النفيسة وقد جعل أشعار الشباب في مجموعته (الأشعار القديمة) وبعد فترة من الصمت درس خلالها الرياضيات وقويت ملكته اللغوية عاد إلى الشعر بنفسٍ جديد قوامه الإتقان اللغوي والبحث عن الكلمات الدقيقة المعنى والتزام الأطر الموسيقية التقليدية مع قليل من التسامح- والتأمل في العالم الداخليّ وكدّ الذهن والتصوير الرمزي والأداء المكثف المختصر الذي يكثر فيه التلميح والحذف.. ولذا اعترى أشعاره بعض الغموض وعسر الفهم والبرودة العاطفيّة، وأصبح شعره وقفاً على الخاصّة المثقفة، ولكنه نجا مما شاع في القرن العشرين من فساد الصورة وتشويشات اللاشعور في السريالية، وكانت رمزيته نهجاً خاصاً تصالح فيه مع التقاليد الشعرية والواقع المحسوس.
قال في قصيدته "المقبرة البحريّة 1920":

.." كما تذوب الفاكهة معطية لذة،
كما تُمتصّ وتتحول إلى متعة،
في الفم الذي تنتهي فيه حياتها،
هكذا أنا هنا، أشم وأتذوق التراب
والرماد الذي سأصير مستقبلاً..!"
وقال في قصيدته "ربة القدر الصغرى 1912":
"دَعْ جسدي يكسر قيود الفكر،
دعني استنشق الهواء الوليد،
نسيم منعشٌ يهبّ من البحر فينعش روحي،
دعني أقذف بنفسي في وسط الأمواج،
ثم أخرج منها كائناً حياً مرة أخرى.."([18])
ومن أشهر قصائده الأخرى: نرسيس، والأفعى، والغزّالة النائمة.
امتداد الرمزيّة:

لا شكّ أن الشعر كان الجنس الأدبيّ الأَوْلى بالرمزيّة، لأنها مدرسةٌ فنيّة. ولكنّ هذا لم يمنع انتقال آثارها إلى أجناس أدبية أخرى:

فقد جرت محاولاتٌ مبكرة لنقلها إلى المسْرح. ومنها محاولة الشاعر مالارميه في مسرحيته "أمسيّة أحد الفونات"([19])
وفي الرواية انصرف بعض الكتاب الدراميين عن الواقعية لإيجاد نوع من اللغة الرمزية غير الواقعية. ومنهم: فيلارز دي ليزيل آدم وموريس ماتيرلنك وبول كلوديل. ومنهم أيضاً مارسيل بروست في رواية (البحث عن الزمن المفقود (1913-1922)، على الرغم من أنه كان ينكر وجود جمالية رمزيّة. وقد اتضحت آثارها لديه في رواية (الزمن المستعاد 1926)([20])
ولكن الرمزية في المسرح والرواية لم تنل من النقاد ومؤرخي الأدب حظّاً وافراً كما في الشعر.
وفي خارج فرنسا، انتقلت آثار الرمزية إلى بلدان أوربا وأمريكا بسرعة وفي إطار من الإعجاب
ففي انجلترا التي لم تُفهم فيها الرمزية الفرنسية جيداً، ظهر من ممثليها سيمنز الذي زار فرنسا وألمانيا والتقى أعلام الرمزية، كما تأثر و.ب ييتس باعمال فيلارز وتأثر أكسيلي بأعمال بودلير ورامبو.
وفي ألمانيا ظهر في النصف الأول من القرن العشرين ريلك واستيفان جورج متأثرين بكتابات فاليري وطريقة الشعر الحرّ.([21])
وفي أمريكا نحا إزرا باوند (حوالي 1908) منحىً رمزياً يختلف عن المنحى الفرنسيّ. ولكن زعيم الرمزيين كان ت.س إيليوت (في الربع الأول من القرن العشرين) وكان شعره ذا طابع تشاؤمي كئيب (الأرض اليباب) متبعاً في ذلك خطا بودلير ولكن بطريقة جديدة مبالغة في الرمز. وهو الذي نقل أسلوب الشعر المنثور إلى الإنجليزية. وظهر بعده ستيفنز وكرين وفوكتر وأونيل وملفيل، ولكن بطرق مختلفة، حتى لقد قيل: "إن الأدب الأمريكي كله رمزي!"
وفي روسيا ظهرت الرمزية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد أمثال بريسوف وفولونسكي وبيلي...

وامتدت أثار الرمزية أيضاً إلى إيطاليا واسبانيا وغيرها من الأقطار الأوربية.
أما في الأدب العربي فقد ظهرت في أعقاب الحرب العالمية في شعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأدونيس وخليل حاوي وشعراء الأرض المحتلة وغيرهم...
ولا تزال أصداء الرمزيّة تتردّد في أزمنة متعاقبة وبلدانٍ كثيرة وفي أشكالٍ مختلفة، وكل هذه الأصداء إنما تعود مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى المحور الرمزي الفرنسيّ في القرن التاسع عشر.



qqq





([1]) ترجمة المؤلف: المصدر السابق 405

([2]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق 407

([3]) هي تحفة فنّية مصوغة ومجوهرة،، شديدة البهاء، تشبه شمساً ذات أشعة، توضع على المذبح حيث تقدّم القرابين. وكانت في الأصل حاملة للقنديل أو الشموع.

([4]) الفون Faune كائن خرافيّ عند الرومان يعدّونه إله الحقول

* ترجمة المؤلف عن: les Grands Ecrivains de France
Grouzet leger p 1752

([5]) الصحراء العقيمة رمز لجفاف قريحة الشاعر وعجزه عن الكتابة

([6]) الضمير يعود إلى اللازورد أي زرقة السماء قبيل الغروب.

([7]) الليل المذعور هو الشاعر الكئيب المذعور.

([8]) في الخريف يمتزج الضباب بالظلام وكأنهما مستنقع داكن

([9]) ربما قصد نفوذ الطيور من الضباب إلى صفاء السماء أو رمز بالطيور إلى السماء وهذه الطيور متخابثة لأنها تحدث ثقوباً في الظلام تكشف السماء خلافاً لرغبة الشاعر.

([10]) الشهيد هو الشاعر. وقد شبّه البشر السّعداء بالقطعان لتهالكهم على المادّة

([11]) الرنات الزرقاء فيها تقارض حواسٍ عُرِفَتْ به الرّمزية. والزرقة هنا لازورد السماء

([12]) ترجمة المؤلف عن الأدب المشروح لدى غرانج وشارييه ص409

([13]) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص414

([14]) ترجمة المؤلف عن المؤلّف السابق ص416

*ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص417

([15]) المثاليّ هنا في مقابل الواقعي. فمعطفه لشدة بلاه لم يعد معطفاً حقيقياً بل فكرة معطف.

([16]) عقلة الإصبع بطل قزم في قصة كتبها للأطفال شارل بيرّو. وكان ينثر في طريقه حصىً بيضاً ليعرف طريق العودة

([17]) حين كان يصلح حذاءه يضمه إلى صدره كقيثارة يشد أوتارها. ولنتصوّر المفارقة المفجعة: حذاءٌ على قلبه!

([18]) الرمزية: تشارلز تشادويك ترجمة نسيم ابراهيم يوسف- الهيئة المصرية للكتاب ص117

([19]) الفون: Faune هو إله أسطوريّ يختصّ بالحقول والحياة الريفية.

([20]) الرمزية لتشاريز تشادويك ترجمة إبراهيم يوسف 131

([21]) المرجع السابق ص137
المصدر: ملتقى شذرات


hgv~Ql.d~m Le Symbolisme hgl`hif hgH]fdm K hgvl.dm

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المذاهب الأدبية ، الرمزية

« السُّرياليّة Le Surrealisme | الواقعــــــيَّة Le realisme »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:56 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68