تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 10-09-2014, 07:49 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة أين يلتقي الطهطاوي بعلم الاجتماع ؟

أين يلتقي الطهطاوي بعلم الاجتماع ؟
ــــــــــــــــــ

اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة الخامسة
------------

أين يلتقي الطهطاوي بعلم الاجتماع ؟
-----------------------

لا تَزالُ تحمِل شَوارِع أهمِّ المدُن في بلادنا - حتى جزيرتنا العربيَّة - اسم (رفاعة رافع الطهطاوي)، وما زالَ الكثيرون يَنظُرون إليه على أنَّه عالِمٌ أزهريٌّ متميِّز لَعِبَ دورًا بارزًا في خِدمة الإسلام وتَنوِير المسلمين!

إنَّ الأمر يَحتاجُ إلى بَيانِ هذا الدَّور المتميِّز الذي لَعِبَه الطهطاويُّ في ضرْب الإسلام وخلْع المسلمين من جُذور عقيدتهم، وإلقائهم في أحْضان الحضارة الأوربيَّة.

في الفترة التي خُطِّط فيها للقَضاء على الخِلافة الإسلاميَّة، كان محمد علي واليًا على مصر، كان محمد علي شخصًا سيِّئ السُّمعة، معروفًا بالقَسوة وغلظ الكبد، محبًّا للعظَمَة إلى حَدِّ الجنون، احتضنَتْه فرنسا احتِضانًا كاملاً؛ لينفذ لها كلَّ مخططاتها، أنشأَتْ له جيشًا مُدرَّبًا ومجهَّزًا بأحدث الأسلحة، وبنَتْ له أسطولاً بحريًّا، كما بَنَتْ له القناطر الخيريَّة لتنظيم عمليَّة الريِّ في مصر؛ لتعهد إليه بدورٍ خطيرٍ، أدَّاه بنَجاحٍ، وهو أنْ يَأخُذ لمصر مظاهر الحضارة الأوربيَّة؛ أي: الطريقة الغربيَّة في الحياة، وبمعنى أكثر تحديدًا: أنْ ينقل مصر من المرتكز الإسلامي إلى شيءٍ آخَر يُؤدِّي بها إلى الخروج من حيِّز الإسلام كليةً[1]، هذا الخروجُ من الإسلام اعتَبَره العلمانيُّون في بِلادنا مَكسَبًا وإنجازًا مُهِمًّا حقَّقه محمد علي لمصر، وتصوَّروا - ببلاهةٍ أو بقصدٍ - أنَّ القَضاء على محمد علي وتصفيته ودُخول الاستعمار إلى بلادنا؛ إنما كان لحِرماننا من مَكاسِب وإنجازات الحضارة الغربيَّة، وما تحمِلُه من أفكارٍ ونظريَّات ورُؤى ومفاهيم جديدة تُخالِف هذه الظُّلمة الدَّهماء الكامنة في مُتون المتأخِّرين المسلمين وشروحهم، بما فيها من تعقيدٍ وغُموض وإسفاف - على حَدِّ قولهم[2].

أسَّس له الفرنسيُّون تسعةً وعشرين مصنعًا في عام 1837.

أقنَعَه (لاميير) بإنشاء مدرسةٍ للهندسة العسكريَّة.
وفَّر له (تورنيه) وسائل النقل بالسِّكك الحديديَّة.
ساعَدَه (دي شارم) في بِناء الطُّرُق والجُسُور.
بحَث له (ليفيفر) عن المعادن وأقنَعَه باستِغلال الثروة المعدنيَّة إلى أقصى حدٍّ.
شرع له (لامي) في تنفيذ نفَق شبرا.
اهتمَّ (جافاري) و(جوندريه) بالصناعات الكيماويَّة.
أقامَ له (بوسكو) مزرعةً نموذجيَّة بشبرا تُرشِد الفلاحين إلى أنسَبِ طُرُقِ الزراعة.

عدل له (أوليفيه) أساليب الري التي كانتْ سائدةً في مصر منذ أقدم العُصور، وساعَدَه في إقامة المشاريع الكُبرَى على النيل.

أمَّا (روجيه)، فقد أقامَ له أوَّل نواةٍ لفرقةٍ موسيقيَّة كاملة العدَّة في مدرسة المدفعيَّة بطرة، فجِيء له بمجموعةٍ من الفنَّانين الممتازِين الفرنسيِّين مثل (ماشرو) و(آشار) و(ألريك)، الذين سجَّلوا له لوحات واقعيَّة تُعبِّر عن المذهب السائد في الفنِّ آنَذاك.

وفَّر الفرنسيُّون لمحمد علي معاهد الثقافة الفنيَّة للتوجيه والإعداد الفني الحر، الذي يجعَلُ من الفنان سيِّدَ نفسِه، يستَخدِم ملكاته وتصوُّراته وخَياله إلى أبعَدِ حَدٍّ ممكن غير مُقيَّد لا بمنهج ولا بتقاليد ولا دِين، قالوا له: إنَّ هذه المعاهد الفنيَّة هي سبيلُ نشْر الأخلاق العالية، وإنَّ الفنَّان ما هو إلا رسولٌ من رُسُلِ الإنسانيَّة، وهادٍ إلى الأخلاق الاجتماعيَّة الواجب توافُرها في المجتمع الحديث، أعَدُّوا له تمثالاً له ولابنه إبراهيم، ملَّكهم محمد علي مُقدَّرات مصر كلها، عيَّن محمد علي الفنان (ألريك) الذي أعدَّ له تمثاله بمدرسة الرسم بالجيزة.

أمَّا (لاربان)، فقد تولَّى قيادةَ مدرسة الهندسة العسكريَّة.
عين (دي بلفون) كبيرَ مهندسي مصلحة الطُّرُق والكَبارِي.
تولَّى (برون) إدارة مدرسة الطب.
أدار (ربرينو) مدرسة المدفعيَّة بطرة ثمانية عشر عامًا.
ورأس (دي شارم) مصلحة الطُّرق والكَبارِي... إلخ.

تزعَّم هؤلاء جميعًا (بارتلمي بروسير أنفانتان) الذي اشتَهَر (بالأب أنفانتان)، اشتَرَك (أنفانتان) في بناء القناطر الخيريَّة لمحمد علي، ومات له في هذه العمليَّة اثنا عشر رجلاً من رجاله بالطاعون، لكنَّه اعتَرَف في أحد رسائله بأنَّه لم يأتِ إلى مصر من أجل هذا الهدف.

كان مجموع رجال أنفانتان خمسةً وخمسين رجلاً، أتوا إلى مصر على ظهْر سفينتين، غادَرت الأولى ميناء مارسيليا الفرنسي في 18 مارس 1833 متَّجِهة إلى الإسكندريَّة بقيادة (بارو) و(فيلسيان دافيد)، وغادَرت الثانية الميناء الفرنسي نفسه في 23 سبتمبر من العام نفسه بقيادة (أنفانتان) نفسه، وما أنْ صَعَدَ (أنفانتان) على ظهْر السفينة حتى حيَّاه رِجالُه بنشيدٍ أطلَقُوا عليه (تحيَّة الأب)، سهر الرجال ليلتهم الأولى يُنشِدون أناشيد أسموها (الأناشيد السان سيمونيَّة)، قضت السفينة في عرض البحر تسعة عشر يومًا، وما أن اقتربت من ميناء الإسكندريَّة حتى رفَعُوا على ساريتها شعار (سان سيمون).

كان هؤلاء الرجال رجالَ فكرٍ وأدبٍ وسياسةٍ، وفن وموسيقا ورسم، وطب وهندسة، وزراعة وتجارة وصناعة، كان منهم كيميائيون وضبَّاط بحريَّة ورُؤَساء تحرير ومُحرِّرو صحف تصدُر في لندن وباريس، كان منهم أيضًا مستشرقون ودبلوماسيُّون ممَّن خدَمُوا في آسيا الصُّغرى وتركيا بالذات لفترةٍ طويلةٍ[3].

مَن هم هؤلاء الرجال؟ ولماذا جاؤوا إلى مصر؟ وما علاقتهم بالطهطاوي وعلم الاجتماع؟
هؤلاء الرجال هم أتْباع المفكِّر الفرنسي (سان سيمون) مؤسِّس علم الاجتماع وأستاذ (أوجست كونت)، أمَّا لماذا جاؤوا إلى مصر؟ فقد جاؤوا لضرْب الإسلام عن طريق تَلقِيح أفكاره بأفكار سان سيمون، ولهدف آخَر أكثر تحديدًا أسموه (تغيير نظرة الشرق المُحافِظ إلى المرأة)، وهي الأهداف نفسها التي سعَى إليها الطهطاوي وكرَّس لها حياتَه وجُهدَه وفكرَه، كما أنها هي الأهداف عينها التي قامَ بها علم الاجتماع في الماضي، ويستمرُّ في السَّير عليها اليوم في كلِّ جامعاتنا، بما فيها الجامعات الإسلاميَّة.

كان (رفاعة الطهطاوي) حلقةَ الوصل بين مصر والعالم الغربي من جهةٍ، وعلم الاجتماع من جهةٍ أخرى، ممثَّلاً في (أوجست كونت) وأتْباع (سان سيمون)؛ ولهذا فإنَّ الذين أرَّخوا لعِلم الاجتماع في مصر أوضَحُوا أنَّ الأفكار التي حملَها (الطهطاوي) تحدَّت الأفكار القديمة، وأعدَّت لمرحلة الانقطاع عن الماضي (أي: الإسلام)[4].

حينما نفَّذ (محمد علي) والي مصر سياسة التغريب ابتَعَث طلابًا شبَّانًا إلى فرنسا، وجعَل الطهطاوي معلمهم الديني، اتَّصل الطهطاوي أثناء بعثته إلى فرنسا (1826-1831) بأوجست كونت وتتبَّع أبحاثه، كما اتَّصل في نفْس الوقت بالفيلسوف الإنجليزي المُعاصِر لهما (جون ستيوارت ميل)، كانتْ شخصيَّته (الطهطاوي) محلَّ إعجاب (أوجست كونت)، وموضع تعليق الفيلسوفين الفرنسي والإنجليزي في الرسائل المتبادَلة بينهما[5].

اتَّصل (الطهطاوي) بأتباع (سان سيمون) في باريس، ثم قابَلهُم في القاهرة حينما جاؤوا إلى مصر داعِين إلى مذهَبِهم، ونقَل عنهم الكثيرَ من الآراء والأفكار والنظريَّات الاجتماعيَّة التي أسهَمتْ في فَساد إسلام المصريِّين، والمرأة المسلمة بصفة خاصَّة.

كان الطهطاوي - كما يقول الأستاذ (محمد قطب) - واحدًا من الأئمَّة العِظام يوم ذهَب إلى فرنسا، وعاد إلى مصر واحدًا من أئمَّة التغريب، ورسم نُقطة بداية تسرُّب الخطِّ العلماني إلى مصر والعالم الإسلامي، استقبَلَه أهلُه بالفرح يومَ عادَ من فرنسا بعد غيبة سِنين، فأشاحَ عنهم في ازدِراءٍ، ووسمَهُم بأنهم فلاَّحون لا يستحقُّون شرف استِقباله[6].

لكنَّ السؤال المهمَّ هنا هو: مَن هم أتْباع (سان سيمون) هؤلاء؟ وأين يلتَقِي بهم (الطهطاوي)؟
إنهم (ماسونيون) مثل أستاذهم، ويلتَقِي معهم الطهطاوي في نقطة تحقيق أهداف الماسونيَّة في القَضاء على الإسلام، وتدمير الخِلافة الإسلاميَّة، وتغريب المسلمين، سَواء أكان يَدرِي أو لا يدري أنهم ماسونيُّون.

في التاسع عشر من مايو 1825 مات (سان سيمون)، وقد أحاطَ به جمعٌ من أتْباعه المُخلِصين الذين آلوا على أنفُسِهم حمْل رسالة أستاذِهم من بَعدِه، من بين هؤلاء الأتْباع رجلُ المال اليهودي (أوليند رودريج)، والدكتور (بيلي)، والمشرع (دي فرجييه).

انضمَّ إليهم (أنفانتان) في اليوم التالي للوَفاة، قادَ أنفانتان الحركةَ الفكريَّة لمدرسة سان سيمون زُهاء ربع قرْن من الزَّمان، كرَّس هؤلاء الأتباع جُهدَهم ووقتَهم ومالَهم لإحياء دَعوة سان سيمون وتطبيقها في مصر، وكما ذكَرنا في فَصْلٍ سابقٍ فإنَّ (كارل ماركس) كان قد اتَّصَلَ بهؤلاء الأتْباع عن طريق الشاعر الألماني (هن)، وكان على صلةٍ وثيقةٍ بهم.

وذكَرنا أيضًا أنَّ (ماركس) امتَدَح (محمد علي)؛ لأنَّه الوحيد الذي استَطاع - في نظَرِه - أنْ يُطِيح بما أسماه (عمامة المراسم)، وأنْ يضَع بدلها رأسًا حقيقيَّة، إشارةً إلى ضَربِه للإسلام واستِبداله به الأفكار اللاإسلاميَّة[7].

تخرَّج العديدُ من هؤلاء الأتباع من مدرسة الهندسة العسكريَّة في باريس، لماذا مدرسة الهندسة العسكريَّة بالذات التي تجمَّع بها الأتباع، وكانت من أهمِّ عوامل نجاح دعوتهم؟ ولماذا قال (أنفانتان) عنها: "يجبُ أنْ تُصبِح مدرسة الهندسة العسكريَّة المجرَى الذي تَسِيرُ فيه أفكارُنا لتَشِيع في المجتمع الخارجي"؟ ولماذا أرسَلَ محمد علي مُبتعَثيه - وعلى رأسِهم الطهطاويُّ - إلى هذه المدرسة بالذات؟

علامات استفهام كثيرة تحتاج إلى مزيدٍ من البحث، أمَّا الشيء الواضح هنا، فهو أنَّ هذه المدرسة تمثِّل مَعقِلاً ماسونيًّا قويًّا التَقَى فيه الطهطاويُّ بأتْباع سان سيمون.

قبل أنْ يرحَلَ (الأتْباع) إلى مصر أسَّسوا لأنفُسِهم في باريس معبدًا خاصًّا أسموه (كنيسة شارع مونسيني)، اختارَ (الأتباع) كلاًّ من (بازار) و(أنفانتان) آباء لهذه الكنيسة، كما أسَّسوا أيضًا بعضًا من الأديِرَة الصغيرة، أعدَّ الأتْباع في هذا المَعبَد العُدَّة لدعوتهم الجديدة، وصاغُوا لها حِكَمَها وأناشيدَها، سنَقِفُ هنا عند أحد هذه الأناشيد، واسمه (نشيد افتتاح المعبد)، الذي تكشف كلماته عن المرامي اليهوديَّة لتدمير الدِّين عامَّة، والإسلام خاصَّة، يقول النشيد:
"إنَّ بابل الشرق القديمة وأهرامات مصر وكنائس آبائنا، كلها بجانب المعبد المارد تظهَرُ كالأقزام، وبجانب عظمته كالمتسوِّلين العُراة".

يُفسِّر طلعت عيسى هذه الكلمات فيقول: "يهدف أتْباع سان سيمون إلى تكوين وحدةٍ تشمَلُ الإنسانيَّة جَمعاء دُون اعتِبارٍ لاختلافٍ ديني أو عُنصري، فالدِّيانات القديمة التي قامَتْ في بابل ومصر وكنائس الآباء والأجداد، كلُّها تَتضاءَل أمام الوحدة الأصيلة التي سيُحقِّقها قيامُ المعبد الجديد، الذي تكون فضيلته الأساسية العملَ والإنتاج، معبد دعامته أخلاق دنيويَّة صناعيَّة بعيدة كلَّ البُعد عن النَّزعات الميتافيزيقيَّة أو التيولوجيَّة (الدينيَّة) التي تَسُودُ عصرَ ما قبل التصنيع".

ومن الجدير بالذِّكر أنَّ رئيس الحكومة ووزير الحربيَّة في فرنسا كان قد أصدَرَ أوامرَه بمنْع هذا النشيد ولو بالقوَّة.

حاوَل الأتْباع الدعوة إلى مذهبهم، وتعبئة الرأي العام الفرنسي للسفر إلى مصر في المدن الفرنسيَّة؛ مثل: ست، ومونبلييه، وليون وغيرها.

أدرك الفرنسيُّون الطابعَ الإلحاديَّ للدعوة، فواجَهُوهم بالاستِنكار والإهانة، والضرب والقذف بالحجارة، وحاوَلُوا إلقاءَ الأتْباع في نهر الرون، رفَع النساء والأطفال في وُجوههم شعارات: عاشَ الدِّين، عاشَ الصليب، ليسقُط الأنبياء المزيَّفون الأفَّاكون السياسيُّون ورِفاق المرأة، طالَبت الجماهيرُ بقطْع رقابهم، تصدَّى لهم الجيش والبوليس الفرنسي، وعمل على الإسراع برحيلهم إلى مصر التي أسماها (بلاد الخازوق)، وألقي القبض عليهم وقُدِّموا إلى محكمة السين بتُهمة تشويه القِيَم الأخلاقيَّة، وتمخَّضت المحاكمة عن سجن (أنفانتان) في عام 1832.

كان (أنفانتان) وفيًّا متحمِّسًا في تنفيذ مبادئ أستاذه (سان سيمون) رسول الإنسانيَّة - كما كان يُسمِّيه - وكان يعتَقِد أنَّ الله أرسَلَه لإنقاذ البشريَّة كما فعل من قبلُ عيسى ومحمد والأنبياء أجمعون، وذلك كما جاء في رسالته إلى أحد تلامذته.

بدأ (أنفانتان) في سجن (سان بلاجي) يُخطِّط للسفر إلى مصر؛ لتطبيق أفكار (سان سيمون) التي صبَغَها هو وأتباعه بصفة الحتميَّة، واعتبَرُوها لازمة التحقيق، كتب (أنفانتان) في مذكِّراته الخاصَّة عن مصر: "غادَرت سجني في الغرب، وسأضَعُ نفسي في خِدمتك".

لماذا كان يَسعَى الأتْباع إلى الرحيل إلى الشرق وإلى مصر؟ لنقف قليلاً عند كلمة "الرحيل إلى الشرق وإلى مصر"، ولنَرَ جذور ارتباطاتها بالماسونيَّة.

جاء في الرسائل التي أرسَلَها أنفانتان إلى رجاله:
"الشرق، تلك الكلمة الساحرة المليئة بالضِّياء والغُموض، الشرق الغامض غموض الصحراء، يمكنك أنْ تبشِّر الشرقَ بمقدمي، وأنْ تعتبرَه الوطن الذي نرنو إليه.. الشرق معناه مصر الساحرة، أرض فرعون وموسى وأرض النيل".

وعن ارتباط الشرق ومصر بالماسونيَّة، رجَعنا إلى مجموعة المحاضرات التي أُلقِيتْ وكُتِبتْ إلى أعضاء المحفل الإنجليزي الماسوني الأعظم، والتي ضُمَّت في كتابٍ يحمل اسم (معنى الماسونية) ألَّفه (ولمشهرست) الذي يُوصَف بأنَّه مؤرخٌ متميِّزٌ عالِمٌ بالدِّيانات، خدَم الماسونيَّة اثنين وثلاثين عامًا.

يقول (ولمشهرست): "إنَّ الأسئلة التي يطرَحُها كلُّ مَن يَدخُل المحفل الماسوني: مَن أنا؟ من أين أتَيْتُ؟ وأين سأذهب؟ تجيب عليها الماسونيَّة إجابات مشرقة ونورانيَّة: إنَّنا أتينا من الشرق الغامض، المصدر الأبدي للضِّياء والحياة... وفي الدرجات العُليا من الماسونيَّة من المفروض على الماسوني أنْ يوسع معرفته، وأنْ يتحقَّق من أنَّ المصدر الأساسي للحياة ليس في الغرب وليس في هذا العالم، إنَّه في الشرق الذي أتَيْنا منه أصلاً، إنَّ كلَّ الحياة الإنسانيَّة نشَأت في هذا الشرق الغامض وانتَقلتْ معنا، إنَّ الغرب يجبُ أنْ يعود مرَّة أخرى إلى مصدره، إنَّ الماسونية ما هي إلاَّ سلسلة من التمثيليَّات الدراميَّة التي تهدف إلى إعداد هؤلاء الذين يُعنَون باكتِشاف فَحواها، مُستَفِيدين من التلميحات التي تُطلِقها في شكلٍ مجازي، وبالأمثلة التي تُقدِّمها، والتوجيهات التي تُعزز بمقتضاها عودتنا إلى الشرق... نحن نعرف كيف أنَّ الطموحين للحكمة الغامضة زاروا مصر"[8].

إنَّ تفسير كلِّ ما سبق، وقراءة الوثائق الخاصَّة بمجيء الأتْباع إلى مصر، والتي ظلَّت محبوسةً وسريَّةً في وزارتي الحربيَّة والخارجيَّة الفرنسيتين - لا تكشف إلاَّ عن هدفٍ بعيدٍ، هو التمهيد لقِيام الدولة اليهوديَّة في الشرق، وتحقيق الأحلام اليهوديَّة في التوسُّع من النيل إلى الفرات، والتي لا تقومُ إلا بضرب الإسلام وتغريب المسلمين.

صحيحٌ أنَّ هذا الهدف لم يَظهَر بوضوحٍ في هذه الوثائق، وإنما يُفهَم عبر التلميحات التي جاءَتْ عبرها، كانت كلمات (أنفانتان) وتصرُّفاته لا تخلو من المجازات والغُموض؛ مثل قوله لأحد رجاله: "نعم، إنَّني جئتُ إلى مصر لأقومَ بتوصيل البحرين بعضهما ببعض، وأنت قد جئت لنفس المهمة أيضًا، ولكنِّي جئتُ إلى مصر لأقوم كذلك بشقِّ قناة بنما".

ويفسر ذلك قول (ولمشهرست): "إنَّ تعاليمنا محجوبة الهدف، وتأتي في صورة مَجازات واستعارات رمزيَّة، إنَّ الأسرار العميقة للماسونيَّة لا تطفو على سطح الشعائر ذاتها، وهي مثل الأسرار العميقة للحياة: محجوبة بشدة، ومخبَّأة بإحكامٍ".

أقرَّ رجال الاجتماع في بلادنا أنَّ مجيء الأتباع إلى الشرق كان يحمل وراءه غايات وأهدافًا سياسية واقتصادية واجتماعية، وأنَّه كان استكمالاً لِحَملة بونابرت على مصر.

جاء في خِطاب أحد الأتباع إلى (أنفانتان) إشارة صريحة لذلك، يقول فيها: إنهم "أمام حملة مسيحيَّة جديدة، بدأتها فرنسا الجمهوريَّة في عام 1799، وأُعِيدت هذه الحملة عن ضميرٍ مخلصٍ لذات الغاية في عام 1833".

كانت الحملة الأولى صليبية عسكرية، أمَّا الحملة الثانية، فهي حملة يهودية ماسونية تحت مسمَّى (المسيحيَّة الجديدة).

هذه المسيحيَّة الجديدة كما جاءت في كتابات (سان سيمون) في 1825 هي (الشيوعيَّة)، التي تقومُ في صورة مبادئ لأخلاقٍ اجتماعيَّة ذات مظهر مسيحي تكونُ لصالح الطبقة العاملة، ولا مكان فيها لما يُسَمُّونه بالعبادات والطقوس، وليس فيها إلهٌ، ولا جنَّة ولا نارٌ، ولا تهديد ولا وعيد.

هذا، وقد عبَّر (أنفانتان) عن ذات الهدف في رسالته إلى تلميذه (بارو) مُشِيدًا بالدور الذي أسهَمَ فيه محمد علي لإنجاز هذا الهدف، فقال: "لقد حطَّم النيل جسوره، واندَفَع إلى مسافاتٍ تجاوزَتْ بكثيرٍ ما وصَل إليه سيره يومًا ما، حاملاً المبادئ التي أثارَها نابليون على ضفافه، والتي أضفَى عليها محمد علي الخصوبة...".

ورغم الدِّفاع المستميت من جانب رجال الاجتماع في بلادنا عن سان سيمون وأتْباعه، فإنَّ الوثائق أجبرَتْهم على الاعتراف بأنَّ للحَملة غايات دينيَّة أو سياسيَّة خفيَّة.

يقول طلعت عيسى مُعلِّقًا على خِطاب لاميير لأنفانتان: "كيف يربط لاميير بين الحملتين؟ كيف يعتبر أنَّ رحيل أتباع سان سيمون إلى مصر هو حملة مسيحيَّة جديدة؟ هل كانت وَراء أهداف المدرسة السان سيمونية غايات دينيَّة أو سياسيَّة خفيَّة؟ وما معنى خِطاب أنفانتان إلى بارو قبل سفَرِه إلى مصر يُوصِيه قائلاً: "عليك أنْ تطلع وتكون على علمٍ تامٍّ بجميع الأعياد الإسلاميَّة وبتقاويم المسلمين الدالة على هذه الأعياد، وعليك أنْ تبحث عن كلِّ ما يقرب الصلات الشرقية والغربية المحمدية والمسيحية"؟

قلنا: إنَّ الطهطاوي ابتُعِث إلى مدرسة الهندسة العسكريَّة بباريس، وهي المدرسة التي تخرَّج فيها (أتباع سان سيمون)، والتي وصَفناها بأنها معقل ماسوني مهم، في هذه المدرسة تمَّت إعادة تشكيل هويَّة (الطهطاوي)؛ ليُشارِك الأتباع في ضرب الإسلام وتغريب المسلمين.

الإسلام عند الأتْباع مجموعة نُظُمٍ بالية لا بُدَّ أنْ تُوجَّه إليها الضربات، ولا بُدَّ من إعداد وتعبئة الرجال الذين يتَّجِهون من الغرب إلى الشرق لأداء هذه المهمَّة، ولم يكن (الطهطاوي) إلاَّ واحدًا من هؤلاء الرجال المتحمِّسين المستعدِّين للقِيام بهذا العمل، والمتشرِّبين لما عند الغرب تشرُّبًا تامًّا، هذا ما تكشفه رسالة (هنري فورتيل) إلى (أرليه ديفور)، التي يقولُ له فيها: "صديقي، ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أهمَّ عملٍ لنا في فرنسا سوف يقوم على إعداد الرجال المتحمِّسين للتدفُّق من الغرب إلى الشرق... يحملون الضربات القاضية للنُّظُمِ البالية، وهم في غَمرة الحماس الذي يُصاحِب إنشادهم للمارسلييز".

حدَّدت الوثائق الفرنسيَّة السبيلَ الذي اتَّبعه الأتباع في ضرْب الإسلام وتغريب المسلمين، وهو السبيل نفسه الذي سلَكَه (الطهطاوي)، تقول الوثائق: إن الأتباع "كانوا يهدفون إلى تلقيح الأفكار القديمة التي تسودُ الشرق بأفكارٍ جديدة ظهرت في الغرب وتأكَّد نجاحُها، أو بمعنى آخَر: كانوا يهدفون إلى تغيير الأساليب القديمة التي عفا عليها الفكر والزمن بأساليب حديثة، وتحويل العادات العتيقة إلى عاداتٍ تُلائِم مُقتَضَى الزمان والمكان".

سار (الطهطاوي) على هذا النهج نفسه؛ فحقَّق نجاحًا أذهَلَ أعداء الإسلام بمختلف ميولهم واتِّجاهاتهم؛ هذا "ز. ليفين" يقول في مُؤلَّفه الذي يَحمِل طابعًا ماركسيًّا: "لم يكن هناك بُدٌّ من توضيح المفاهيم الجديدة للقارئ بالمزاوجة بينها وبين الأفكار المألوفة، وكان على الطهطاوي أنْ يُعبِّر عن الأفكار الجديدة في صِيغة قديمة، فهو في سِياق دفاعه عنها يُورِد عشرات من الاستِشهادات من القُرآن والأحاديث النبويَّة وأمثلة من التاريخ العربي، ويَسُوق المقارنات في مُصطَلحات إسلاميَّة، ويُورِد آراء لأعلام عرب تتَّفق مع ما يذهَبُ إليه، وإنَّ الدقَّة التي يفعل بها الطهطاوي ذلك لَتشهَدُ بشكلٍ غير مُباشِرٍ على فهْمه العميق لغَرابة الأفكار والمفاهيم الجديدة بالنسبة لِمُواطِنيه.. وهو لا يجدُ فرقًا كبيرًا بين مبادئ القانون الطبَعِيِّ والشريعة، ويُحاوِل التدليل على أنَّ الأشكال الأوربيَّة للنِّظام الاجتماعي معروفة للمسلمين منذ زمنٍ بعيد، ولا تَعارُض بينها وبين الإسلام، لقد كان نشاط الطهطاوي أوَّل مساهمة كبرى في الدعوة لآراء المنورين الفرنسيين الاجتماعية-السياسية بين العرب"[9].

هذا المسلك الذي سلَكَه (الطهطاوي) هو المسلك نفسه الذي يَسلُكه اليوم مَن يُحاوِلون تأصيلَ علم الاجتماع أو علم النفس في بلادنا، فيُلبِسونهما رداءً إسلاميًّا، مُتَجاهِلين أنَّ الإسلام والكفر لا يلتَقِيان.

انطَلَق الأتْباع والطهطاوي من مدرسة الهندسة العسكريَّة لإنجاز هدفٍ أكثر تحديدًا، وهو إفسادُ المرأة المسلمة، كان الأتْباع يسعَوْن إلى تغيير نظرة الشرق المحافظ إلى المرأة.

وكانوا وهم يتجوَّلون في المدن الفرنسيَّة يرفعون شعار أنهم ذاهبون للبحث عن المرأة في مصر، ورغم أنَّ رجال الاجتماع في بلادنا يقولون: إنَّ البحث عن المرأة رمزٌ حركي (للجمهوريَّة)، فلا فرقَ يبدو عندنا؛ لأنَّ (الجمهوريَّة) كانت تعني (الشيوعيَّة) كما تقول وثائق الشرطة الفرنسيَّة عن الأتْباع، كان الأتْباع يسعَوْن إلى تغيير نظْرة الشرق المُحافِظ لتتَّسق مع نفْس نظرة كلٍّ من الأستاذ والأب للمرأة، كان (أستاذُهم) سان سيمون منغمسًا في الحب المفتوح دون أنْ يُبشر به، كما تقول موسوعة العلوم الاجتماعيَّة[10]، أمَّا (الأب) أنفانتان، فقد كان من أنصار الحب المفتوح مثل أستاذه.

وتشهَدُ الموسوعة الأمريكيَّة[11] بأنَّ لأنفانتان نظرةً متطرِّفة عن الزواج، الذي رأى فيه ضرورة أنْ يكون مرنًا مطَّاطًا يُوافِق الأمزجة الخاصَّة لأطرافه، أمَّا موسوعة تشامبرز، فقد شهدت أنَّ (أنفانتان) قسَّم الزواج إلى نوعين: أولهما: دائم بحيث يَتناسَب مع الأمزجة المستقرَّة، والثاني: مُتغيِّر ووقتي يُلائِم الأمزجة الحيَّة والمتقلِّبة[12].

وكما أكَّدت الموسوعة الأمريكيَّة اعتِقال الحكومة الفرنسيَّة لأنفانتان وإيداعه السجن بسبب أفكاره التدميريَّة، فإنَّ الموسوعة البريطانيَّة حدَّدت أنَّ اعتقاله كان بسبب قِيادته لجماعةٍ سريَّة محظورة، وبسبب تشجيعه لِمُمارَسات مضادَّة للأخلاق العامة[13].

أمَّا (الطهطاوي)، فقد دعا إلى تحرير المرأة؛ أي: سُفورها، وإلى اختلاطها بالرجال، بل إنَّه أزالَ عن الرقص المختلط وصمةَ الدنس، فقال: إنَّه حركات رياضيَّة مُوقَّعة على أنغام الموسيقا، ولا ينبغي النظَر إليه على أنَّه عمل مذموم.

امتدحت المشتغلات بعِلم الاجتماع في بلادنا أفكار وآراء (الطهطاوي)، وقلن: إنَّ قيمة وأهميَّة الأفكار التي نادَى بها المجدِّدون الإسلاميُّون تنبع من قُدرتها على التحريض على التمرُّد، والثورة على الأوضاع القائمة التي تميَّزت بالتخلُّف والجمود، وسفَّهن ممَّا أسمينَه بالخِطاب السلفي الرجعي، الذي ارتَبَط بحسن البنا وحسن الهضيبي وسيد قطب، كما امتَدَحنَ أفكار (قاسم أمين) التي جاءت امتدادًا لأفكار (الطهطاوي)، وركَّزن بصفةٍ خاصَّة على قول الأوَّل بأنَّ الحِجاب يخلُّ بنظام الجسد، ويُضعِف الأعصاب، وأنَّه أثرٌ من آثار الاستبداد الذي كبَّل الحياةَ السياسيَّة المصريَّة، وأنَّه فُرِضَ على المرأة لإعلان ملكية الرجل لها واستئثاره بها.

جاءَت الصَّحوة الإسلاميَّة لتَضرِب هي بدَوْرِها أماني وأحلام المُشتَغِلات بعلم الاجتماع في إفساد المرأة المسلمة في الصميم، ها هي (ليلى عبدالوهاب) - أستاذة الاجتماع في مصر - بعد أنِ امتَدحَتْ آراء الطهطاوي، تشهَدُ بنفسها على بُذور انطِفاء جَذوتها، ممثَّلة في انتِشار الحِجاب بين أعدادٍ كبيرةٍ من النِّساء من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعيَّة، وفي الريف والحضر، سجَّلت بنفسها إيمان النساء بأنَّ المرأة إذا خرَجتْ سافرةً استَشرَفها الشيطان، وسطَّرت بنفسها الآيات الدالَّة الداعية إلى الحِجاب في سورتي الأحزاب والنور، وسجَّلت نظرة النساء إلى قاسم أمين وهدى شعراوي على أنهما صنمان، وأنهما يُمثِّلان النقطة السوداء في تاريخ المرأة، وشهدت أيضًا رفْض النساء لِحُكمِ المرأة ورئاستها للدولة وللوزارة؛ استِنادًا إلى قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أفلَحَ قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة))[14].

أردنا أنْ نقول هنا: إنَّ الأفكار التي حملها الطهطاوي والاتِّصال بالغرب قد مهَّدا لتأسيس عِلم الاجتماع في مصر، أثبتنا هنا الارتباط بين الأهداف الماسونية وأهداف أتْباع سان سيمون الذين التَقَى بهم الطهطاوي في مدرسة الهندسة العسكريَّة بباريس، ونفذ معهم ما سعَوْا إليه من ضربٍ للإسلام وتغريبٍ للمسلمين، وإفسادٍ للمرأة المسلمة؛ عن طريق تَلقِيح أفكار الإسلام بأفكار سان سيمون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ليلى عبدالوهاب، تأثير التيارات الدينية في الوعي الاجتماعي للمرأة المصرية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص281-295.
[2] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1987، ص174.
[3] انظر تفصيلاً لكلِّ ما جاء في هذه المقالة عن أتْباع سان سيمون في: محمد طلعت عيسى، أتباع سان سيمون: فلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر، رسائل جامعية، مطبوعات جامعة القاهرة، 1957، انظر أيضًا: الوثائق المهمَّة التي جاءت في الرسالة والتي استندنا إليها هنا ص172حتى 283.
[4] انظر الفصل الخاص (هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟).
[5] مصطفى فهمي وآخرون، مبادئ علم الاجتماع، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى 1954، ص (و، ز).
[6] تابع: طلعت عيسى ص77، 81.
[7] ز.ا. ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث، ترجمة: بشير السباعي، دار ابن خلدون بيروت، 1978، ص26.
[8] W.l.WILMSHURST. The Meaning Of Masonary,Bell publishino Co.,N.y., 1980، P.29,30,48,50,178,179.
[9] تابع: ليفين ص36.
[10] Martin U.Martel, Saint Simon,The Encyclopedian Of Social Sciences,The Fress.U.S.A,v.13.Pp.593-44.
[11] Corporation,U.S.A ,V.10.P.333 The encyclopedia Americana,
[12] Chambers Encyclopedia,London,1973,v.8.P.172-173.
[13] The New Encyclopedia Britannica,E.B.inc.,London,1973-74V.3 P844.
[14] محمد قطب، واقعنا المعاصر، مؤسسة المدينة، جدة، 1989 ص205-210.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-09-2014, 07:52 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الهدف ليس علم الاجتماع فحسب !

الهدف ليس علم الاجتماع فحسب !
ـــــــــــــــــ



اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة السادسة
------------

الهدف ليس علم الاجتماع فحسب
---------------------

أتْباع سان سيمون - مؤسِّس علم الاجتماع وأستاذ أوجست كونت الذي تلتَقِي عنده مختلف تيَّارات واتِّجاهات علم الاجتماع؛ المحافِظة منها والراديكاليَّة - جاؤوا إلى مصر؛ لتَطبِيق أفكار أُستاذهم، وتمكَّنوا من السَّيْطرة على محمد علي وعلى مُقدَّرات الإنتاج في مصر، وتَكشِف لنا الوثائقُ التي كانت حبيسةً في وزارتي الخارجيَّة والحربيَّة الفرنسيَّتين، وفي مدرسة الهندسة العسكريَّة ومكتبة الترسانة بباريس - أنَّ القضيَّة لم تكنْ قضيَّة (علم اجتماع) فقط، بل إنها أبعد من ذلك بكثيرٍ.

جاءَ أتْباع سان سيمون إلى مصر يَحمِلون معهم مشروعًا لشَقِّ قناة السويس ومشروعًا آخَر لتصنيع مصر[1]، كيف يكون ذلك لخير المسلمين في مصر والله - تعالى - قد حدَّد بوضوحٍ أنهم لا يَرجُون فينا إلاًّ ولا ذمَّة؟!

قال الأتْباع في البداية: إنَّ مشروع شقِّ قناة السويس عملٌ تستَلزِمه (الديانة) السان سيمونيَّة، هدفُه تحقيق الإرادة الإلهيَّة التي حملها (رسول الإنسانيَّة) سان سيمون، ولَمَّا شعروا بافتِضاح أمْرهم عدَّلوا الهدف فقالوا: إنَّه عملٌ صناعي من الطراز الأوَّل، سيؤدِّي تحقيقُه إلى رَخاء وسعادة الإنسانيَّة، قالوا: إنَّه أخطر مشروع عملي في القرن التاسع عشر، وإنَّه يُسجِّل في مصر دليلاً على حُبِّ أتْباع سان سيمون لها بتقديم هذا العمل الإنساني العظيم، أعلَنَ (أنفانتان) - زعيم الأتْباع وأخلص تلامذة سان سيمون - "أنَّ اليوم الذي ستُشَقُّ فيه قَناةُ السويس هو يوم النصر والوحدة بين الشرق والغرب... إنَّ مشروعنا ليس نظريًّا، لكنَّه يتطلَّب منَّا العرق والجُهد".

لَم يكن شقُّ قناة السويس مشروعًا أُقِيمَ حبًّا في مصر وأهلها، ولم يكن هدفه تحقيق فكرة الإنسانيَّة العالميَّة كما يَزعُمون رغمَ أنها فكرةٌ ماسونيَّة الأصل.

تقول الوثائق الفرنسيَّة: إنَّه في 13 يناير 1834 قدَّم (مينو) القنصل العام لفرنسا في مصر الذي كان (ديلسبس) نائبَه في ذلك الوقت - أنفانتان والمهندس فورتل إلى محمد علي والي مصر، حاوَل فورتل إقناعَ محمد علي بشقِّ القَناة، لكنَّ الأخيرَ كان مشغولاً بفكرة إقامة القناطر (التي شارَك فيها الأتْباع) لتنظيم فيضان النيل، وكان يعلَمُ أنَّ مشروع حفْر القناة يتطلَّب قُرُوضًا من الدول الأجنبيَّة.

استعانََ أتْباع سان سيمون بالقُوَى العالميَّة وبالمموِّلين والدبلوماسيين لتنفيذ فكرة شقِّ القناة، تكوَّنت في 27 نوفمبر 1846 جمعيَّة لدِراسة المشروع بها خُبَراء من ألمانيا والنمسا وإنجلترا، كان مقرُّ الجمعيَّة هو دار أنفانتان في باريس، وبدئ في الإجراءات التحضيريَّة لتنفيذ المشروع، كتَب أنفانتان إلى البارون النمساوي (دي بروك) الذي كان يُمثِّل بلادَه لدى حُكومة تركيا يَرجُوه أنْ يُوضِّح للحكومة الروسيَّة المصلحة التي ستَعودُ عليها لو تَدخَّلتْ في هذا المشروع الذي سيُؤدِّي إلى تسوية (مسألة الشرق) على أُسُسٍ وأهدافٍ جديدة.

يقول (طلعت عيسى): إنَّ (ديلسبس) سرَق المشروع من أتْباع سان سيمون وأنكَرَ عليهم دورهم، إلى درجة أنَّه لم يتدخَّل أحدٌ منهم في العقد التأسيسي للمشروع؛ مستندًا إلى حِماية الإمبراطور نابليون الثالث في مُواجَهة الخليفة العثماني.

لا شكَّ أنَّ هناك عَلامات استفهام لا بُدَّ وأنْ تُطرَح: ما هي علاقة أتْباع سان سيمون بالقُوَى العالميَّة وبالمموِّلين والدبلوماسيِّين الذين تدخَّلوا لتنفيذ المشروع؟ ولماذا يُحدِّد الأتْباع أنَّ هذا المشروع سيُعِيد تسوية مسألة الشرق على أُسُسٍ وأهدافٍ جديدة؟ وما ارتِباط مسألة الشرق بالإنسانيَّة العالميَّة التي تتحقَّق عندهم بوَصْل القارَّات ببعضها عن طريق الممرَّات المائية؛ حتى تنتَقِل الثقافات وتتقارَب الميول وتتناسَق الاتِّجاهات على أساسٍ علمي سليم - كما يدَّعون؟

لنأتِ إلى الأهداف القريبة من مشروع شقِّ القناة، يكشف (نورمانو) عن هذه الأهداف فيقول على لسان أنفانتان: "إنَّ مسألة شقِّ قناة السويس ليست مسألةً نظريَّةً أو مسألة سياسيَّة، إنها مسألة تجاريَّة".

تقول الوثائق: إنَّ (رودريج) ذلك الذي كان على رُفات سان سيمون عند وَفاته، هو من كبار رجال المال اليهود، وكان أنفانتان نفسه ابنًا لأحد رجال البنوك أيضًا، أستاذهم سان سيمون ارتَبَط (بفرانسيسكو كابرس) مُؤسِّس بنك سان تشارلز في إسبانيا، وهذا يعني ارتباط سان سيمون وأتْباعه بالدوائر البنكيَّة اليهوديَّة ورجال المال اليهود، وخاصَّة (آل روتشيلد) كما أوضَحنا فيما سبق.

هذا، ويُؤكِّد (نورمانو) أنَّ سان سيمون كان قد طوَّر بِناءً متدرجًا للنظام الصناعي، واعتَبَر أنَّ رجُل البنك هو الموجِّه القومي للإنتاج، وأنَّ سياسة الإقراض (الديون) هي المميِّز للتنظيم الاجتماعي الجدي، وأنَّ البنك هو القوَّة الضابطة المحرِّكة لهذه العمليَّة.

كان مبدأ الإقراض أو سياسة إغراق العالَم في الدَّين هو المشكلة البنكيَّة التي اعتبَرَها (نورمانو) أعظمَ إنجازات السان سيمونيين، وهو الطريق الذي سلَكَه رجال البنوك للسَّيْطَرة على الحياة المُعاصِرة، كما كان التدخُّل في مشروعات شقِّ القنوات المائيَّة وبناء السكك الحديديَّة وسيلةً لضَمان سَيْطرة رأس المال اليهودي على العالم، عبَّر (نورمانو) عن ذلك بقوله: "إنَّ الطرق الحديديَّة والقنوات والبنوك هي محور الأمل في العصر الذهبي الجديد"[2].

هذا هو عين ما حدَث في مصر؛ توالَت القُروض التي اقترضَتْها مصر بين أعوام 1864 - 1875 حتى بلغَتْ نحو خمسة وتسعين مليونًا من الجنيهات، جاءَتْ بعثة كييف عام 1875 لفحْص ماليَّة مصر، واقترحتْ لضرورة إصلاحها إنشاء مصلحةٍ للرقابة على ماليَّتها، وأنْ يخضع الخديوي لمشورتها، أُنشِئ صندوق الدَّين عام 1886 لتسلم المبالغ المخصَّصة للديون من المصالح المحليَّة، فكانت حكومة أجنبيَّة داخل الحكومة المصريَّة، وتولَّى الرقابة على الماليَّة المصريَّة مُراقبان: أحدهما: إنجليزي لمراقبة الإيرادات، والآخَر: فرنسي لمراقبة المصروفات، ثم تطوَّرت الرقابة إلى وزارة مختلطة يَرأَس الماليَّة فيها إنجليزيٌّ، ويَرأَس الأشغال فيها فرنسيٌّ، وهكذا إلى أنِ احتُلَّت مصر عن طريق القُروض.

من هنا يمكن بسُهولةٍ اكتشافُ أهداف أتْباع سان سيمون من مشروع شَقِّ قناة السويس: عملٌ يهوديٌّ تجاريٌّ، أولاً: أغرق مصر في الديون، وأدَّى إلى احتلالها ثانيًا، ومهَّد ثالثًا لتأسيس دولة إسرائيل لتكون القناة في خِدمتها وخِدمة إسرائيل الكُبرى فيما بعدُ.

الهدف الأول والثاني اعتَرَف بهما (نورمانو) في مقالته عن (السان سيمونيين وأمريكا)، أمَّا الهدف الثالث فيَكشِفه (أنفانتان) نفسه، جاء في الوثائق الفرنسيَّة على لسان (أنفانتان) في خِطابه إلى فورتل: "نعم، إنَّني جئتُ إلى مصر لأقومَ بتَوصِيل البحرين بعضهما ببعض، وأنت قد جِئتَ للقِيام بنفْس المهمَّة أيضًا، ولكنَّني جئتُ إلى مصر لأقومَ كذلك بشقِّ قَناة بنما".

ليست هناك قَناة بنما في مصر، ولكنَّه تعبيرٌ مجازي غامضٌ استعمَلَه أنفانتان كعَهدِه دائمًا، إلاَّ أنَّه يُمكِن كشْف معنى هذا التعبير المجازي الغامض بالرجوع إلى قول (ولمشهرست) في كتابه "معنى الماسونية" الذي جاء فيه: "إنَّ النظام الماسوني استمرَّ كما نعرف عبر القنوات التي أشارَ إليها العهد القديم".

ثم إلى قول (أنفانتان) في موضعٍ آخَر من رسائله: "... يتعيَّن علينا أنْ نُنشِئ ما بين مصر التاريخيَّة وبلاد يهوذا القديمة إحدى الطرق التي توصل أوربا بالهند والصين".

هذا هو سندنا في الكشف عن الهدف الثالث للأتْباع من مشروع حفْر قناة السويس.

كما يشهَدُ التاريخ الحديث والمعاصر أنَّه ما تحقَّق للمسلمين إلا سَيْطرة اسميَّة على القناة، أمَّا السَّيْطرة الفعليَّة فكانت لليهود؛ يفتحونها متى يريدون، ويغلقونها متى يريدون، وتمرُّ سفنهم فيها بالطريقة التي يُرِيدونها، وقد ظهَر التحدِّي اليهودي الصليبي سافِرًا في أزمة احتِلال الكويت الأخيرة، ليشهد أنَّ المعركة بيننا وبينهم ما كانت - ولا تزال - إلاَّ معركة إسلام وكفر؛ إذ نشَرت الصُّحف الأمريكية والبريطانية صورتين لحاملة الطائرات الأمريكيَّة (ساراتوجا) وهي تعبُر القناة خلْف أحَد المساجد الكبرى في مدينة السويس، وقد أبرزت الصورتان المسجد بمآذنه وقبَّته، وكتب تحتهما: "حاملة الطائرات الأمريكية ساراتوجا تعبُر البحر الأحمر وراء أحَد المساجد في مدينة السويس متَّجِهة جنوبًا إلى الخليج"[3].

هذا عن مشروع شَقِّ قَناة السويس، نأتي إلى مشروع التصنيع الذي حمَلَه الأتْباع معهم إلى مصر كمبدأٍ من مبادئ أستاذهم (سان سيمون)، قال الأتْباع: إنَّ التصنيع ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلةٌ لغايةٍ أسمى وهي: الوصول بالمجتمع إلى حالةٍ مِن الاستِقرار السياسي والاجتماعي، قالوا: إنَّ تحقيق العَدالة الاجتماعيَّة يستَلزِم تصنيع المجتمع، حتى يتحرَّر الأفراد من حالة الرقِّ والاستعمار التي يَعِيشون فيها، وحتى يحكُموا أنفسَهم بأنفُسِهم، قالوا: إنَّ التصنيع هو أهمُّ وسائل القَضاء على البطالة وعدَم الإنتاج والكسل واللصوصيَّة وضعف النفس، وإنَّه في داخل الصناعة نفسها تُوجَد القُوَى الحقيقيَّة في المجتمع التي تعمَلُ على حِفظِه وصِيانته، أسَّس الأتْباع في مصر تسعةً وعشرين مصنعًا، واهتمُّوا بالنَّقل والسكك الحديديَّة وبالبحث عن المعادن والصِّناعات الكيماويَّة، وفي مقابل ذلك وضَعُوا مُقدَّرات الإنتاج في مصر في يدهم تمامًا، كيف يكونُ ذلك لخير المسلمين في مصر والله - تعالى - قد حدَّد بوضوحٍ أنهم لا يَرجُون فينا إلاًّ ولا ذمَّة؟!

لنَعُدْ إلى تحليل نورمانو عن السان سيمونيين: عرَضنا فيما سبَق لمقولة نورمانو من أنَّ "الطُّرق الحديديَّة والقنوات والبنوك هي مُكوِّنات الأمل في العصر الذهبي"، قال سان سيمون عن هذا العصر الذهبي: إنَّه يُؤسَّس على (القُوَى الصناعيَّة الجديدة)، وقال أيضًا: "إنَّ الموت الحقيقي للنِّظام القديم وبِناء الحريَّة الحقيقيَّة من نتائج الصناعة"؛ لهذا يستَلزِم الأمر ضَرُورة الوقوف على ما يقصده سان سيمون بالنِّظام القديم حتى نفهَمَ أهداف أتْباعه من تَصنِيع مصر.

يستَخدِم عُلَماء الاجتماع مصطلح (النظام القديم) لا للإشارة إلى مرحلةٍ تاريخيَّةٍ مُعيَّنة مرَّ بها المجتمع الأوروبي فحسب، بل للإشارة أيضًا إلى نِظام ما قبل الصناعة (بصفة عامَّة) كنظامٍ (غير مرغوبٍ فيه)، وغالبًا ما يُراد به أيُّ نظام (بربري) و(غير متحضِّر) يرتبط (بدِين أو عقيدة).

الصناعة عند الأتْباع لا (الدِّين) هي التي توصل الناس إلى السعادة؛ لأنَّ العلوم الوضعيَّة قد تغلَّبت على (الدِّين والعُلوم الروحيَّة)، وقدَّمت إليهم معرفةً غايتُها الوحيدة تحقيق السعادة الإنسانيَّة وهي الصناعة.

لا أحد يُنكِر أنَّه بدُون الصناعة لن يتقدَّم العالم الإسلامي، ولا أحدَ يجهل أنَّ الغرب يَحُول بيننا وبين أنْ نكون قوَّة صناعيَّة حتى تظلَّ بلادنا سُوقًا استهلاكيَّة لهم، بل إنهم صدَّروا إلينا كتبًا في الاقتصاد خُصِّصت لإقْناعنا بأنَّ أمامَنا مراحل عديدة حتى نتقدَّم صناعيًّا، إنَّهم قد يَسمَحُون لنا بالتصنيع التافِه، لكنَّهم لن يسمحوا لنا (بصناعة الآلات) التي تُوجَد منها باقي الصناعات وباقي المصانع، غالبيَّة شبابنا المُبتَعَثين إلى دول الغرب خاصَّة مُنغَمِسون في دِراسة العُلوم الإنسانيَّة؛ ليُشكِّلوا هم بما درَسُوه عقَبةً أُخرى أمام تقدُّمنا الصناعي، فيَعُودون ويَقُولون لنا: إنَّه لا بُدَّ من أنْ يسبق هذا التقدُّمَ التخلِّي عن عاداتنا وتقاليدنا ومُثُلِنا، وبصفةٍ عامَّة التخلِّي عن عقيدتنا.

تُدرِك الماسونية تمامًا أنَّ القبض على زِمام الصناعة مع التمسُّك بالإسلام سيُؤدِّي بالمسلمين إلى قيادة العالَم؛ ولهذا حرص الماسون على الفَصْلِ بين الدِّين والصناعة، وربْط الأخيرة بالفنِّ والموسيقا، صوَّر سان سيمون للعالم أنَّ الدِّين والصناعة لا يَلتَقِيان، وأنَّ السَّيْطرة الكاملة لا بُدَّ وأنْ تكون لرجال الصناعة على حِساب ما يُسمِّيهم برجال الدِّين، أعلن سان سيمون صَراحةً أنَّ العِلم قد ورث الدِّين إلى الأبد، ورأى أنَّ رجال العلم والصناعة هم الذين يجبُ أنْ يحكُموا؛ لأنهم أكثر إحاطةً ومعرفةً بقوانين الكون، وما عليهم إلاَّ إملاء الأوامر فقط، المجتمع الصناعي عند سان سيمون لن يقومَ على ما يُسمِّيه بالدِّين التقليدي، وإنما على دِينٍ من اختِراعه هو، وإلهٍ من اختراعه هو، وليست الصناعة إلا وسيلةً للقَضاء على ما يُسمِّيه بالنِّظام القديم وما يقومُ عليه من دِينٍ وأخلاقٍ.

هذه هي مَبادئ أُستاذهم عن الصناعة التي جاؤوا ليطبِّقوها في مصر.

ما أنْ جاء الأتْباع إلى مصر حتى وزَّعوا العمل بينهم بطريقةٍ مكَّنتْهم من السَّيْطرة على وسائل الإنتاج والمَرافِق المهمَّة، أقاموا المزارع النموذجيَّة، وعدَّلوا من أساليب الري؛ لأنَّ (محمد علي) كان هو المالك الوحيد للأرض، يستغلُّها وكأنها مزرعة خاصَّة به.

اتَّسق هذا مع مبدأ الأتْباع القائل بأنَّ السَّير بالمجتمع نحو التصنيع لن يتحقَّق إلاَّ إذا أشرَفَ الحاكم على الزراعة إشرافًا تامًّا، ومن هذه الخطوة بدَأ الأتْباع في تطبيق المبادئ الشيوعيَّة في مصر التي تقومُ على إلغاء الملكيَّة الفرديَّة في ضوء ما يسمُّونه بمبدأ عدم استِغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ثم إلغاء الملكيَّة الوراثيَّة التي تُؤدِّي عندهم إلى استِغلال الطبقة العاملة، وكذلك لإقرار نوعٍ من النظام ترثُ فيه الدولة لا الأسرة، مع إلغاء قانون العَرض والطَّلب، وإلغاء البيع والشراء؛ لأنهما في نظَرِهم طريقتان فاسدتان في توزيع الإنتاج.

ربَط الأتْباع بين الصناعة والفن والموسيقا؛ فأسَّسوا أوَّل نواة لفرقةٍ موسيقيَّة كاملة العدَّة في مدرسة المدفعيَّة بطره، واهتمُّوا بالفنون الجميلة والتصوير والرسم والنحت كجزءٍ من رسالتهم في قِيادة المجتمع، أعدُّوا تمثالاً لمحمد علي ولابنه إبراهيم - كما أشرنا من قبل - ضخَّموا من دور الفن وقالوا: إنَّ الفن كهنوت - أو دِين - له قدسيَّته، والفنان عابدٌ في مِحراب فنِّه، ورسولٌ من رُسُلِ الإنسانيَّة، وهادٍ إلى الأَخْلاق الاجتماعيَّة.

السؤال هنا: هل أدَّى تصنيع مصر إلى تحقيق العَدالة الاجتماعيَّة التي كان يتشدَّق بها الأتْباع؟ لنترُك هنا رجال الاجتماع أنفُسَهم يتحدَّثون عن الوَبال الذي أُصِيبت به مصرُ بسبب مشروع التصنيع الذي جاءَ به الأتْباع؛ عملاً بفلسفة أستاذهم سان سيمون.

يقول طلعت عيسى مُعلِّقًا على ما تَحقَّق فعلاً لمصر على يد أتْباع سان سيمون:
1- يجزم التاريخ الحديث بأنَّ الفلاح المصري قد هبَط إلى مَرتَبة العامل الأجير، ولم يَعُدْ يرى نفسَه مُرتَبِطًا بالأرض برِباط المصلحة الذاتيَّة؛ فقلَّ اهتمامه سواء في انتِقاء البذور أو إعداد الأرض أو العناية بالمحصول.

2- لَم تتحقَّق العدالة الاجتماعيَّة التي رفَع الأتْباع شعارها، بل تأكَّدت سياسة الاحتكار، وأجبَرت الحكومة الفلاحين على بَيْعِ حاصلات أراضيهم على أساس السعر الذي تُحدِّده لهذه المحاصيل، وهذا ينطَوِي على الظُّلم والإرهاق، وفيه مُصادرةٌ لحقِّ الملكيَّة وحِرمان المالك من الاستِمتاع بحقِّه، ومن الانتفاع من تَزاحُم التجار الذي يَنجُم عنه مُضاعَفة الثمرة للبائع، إنَّ هذا العمل يَقتُل كلَّ نشاطٍ فردي، ويَقبِض أيدي الناس، ويَضرِب عليهم حِجابًا من الفقر والجُمُود.

3- إنَّ الحكم العنيف المُتَناهِي في القَسْوة الناشئ عن تحوُّل الدولة إلى مالكٍ لكافَّة وسائل الإنتاج قد أدَّى إلى تَراخِي الأيدي العاملة وهُبوط النَّزعة الابتكاريَّة لديها.

4- كان أتْباع سان سيمون يأخُذون بفِكرة الحريَّة الاقتصاديَّة؛ أي: تطبيق مبدأ (دعْه يعمل - دعْه يمرُّ) بأوسع مَعانِيه في مختلف نواحي الاقتصاد المصري؛ ولهذا نشطت تجارة مصر الخارجيَّة، ولكنَّها لم تكنْ لصالح المواطنين، وإنما كانت متَّجهةً لتنفيذ سياسة ثابتة يرسمها الحاكم يُؤكِّد بها نِظام الاحتِكار في الميدان التجاري، وأصبحت الدولةُ هي التاجر الوحيد والمُصدِّر الوحيد والمستورد الوحيد.

5- كانتْ أفكار السان سيمونيين من أهمِّ العوامل التي قَضَتْ على طوائف كثيرة من التجار نتيجةً لاحتكار محمد علي للتجارة، كما هبَطتْ بالقدرات الصناعيَّة الضروريَّة، وصرفت الاهتمامَ عن الإنتاج الزراعي لعدم تمكُّن الفلاح من توريث الأرض التي يزرَعُها لأعقابه.

6- أصبح مبدأ (عدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وتعاوُن الجميع في سبيل استغلال الإنسان لِمَظاهِر الطبيعة) على حِساب العمَّال والفلاحين والمواطنين الذين يكسبون قُوتَهم بسَواعِدهم، وأصبح الحاكم هو المُنتِج الوحيد والصانع الوحيد والمالك الوحيد.

7- لم يُؤدِّ التصنيع إلى سعادة مصر - كما ادَّعى الأتْباع - بل كان من العوامل التي قَضَتْ على الابتكار الصناعي، وبدَّل القُوَى الإنتاجيَّة العاملة إلى مجرَّد أداةٍ في يد المنتج، وجرَّد أعمال الإنسان من صِفات الرُّقيِّ، وهبَط بمستواها، وهدَم قوَّة الوحدة الإنتاجيَّة، وأشاع الانحِلال الاجتماعي والتناحُر بين الطبقات.

8 - كانت سياسة التصنيع قائمةً على أساس إلغاء الملكيَّة الفرديَّة، وإلغاء حق الوراثة؛ ممَّا أعاق تكوين المُثُلِ العليا في المجتمع المصري؛ إذ وضعت نظامها على قاعدةٍ تُؤثِّر في شخصيَّة الفرد وفي حَوافِز العمل لدَيْه، إنها زوَّدت الإنسان الطالح اجتماعيًّا بعُدَّةٍ سياسيَّة يستَخدِمها في سُبُلٍ تضرُّ بالصالح العام؛ إذ يستطيع أنْ يُوجد بها نُظُمًا تُعَدُّ من أخطَرِ ما اختَرعَتْه المدنيَّة من أسلحة الهدْم والتقويض.

هذه هي خُلاصة نتائج تطبيق الأفكار الشيوعيَّة في مصر التي جاء بها الأتْباع التِزامًا بمبادئ أُستاذِهم سان سيمون عن التصنيع، وهذه هي عَدالتهم الاجتماعيَّة والاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يتحدَّثون عنه.

لكنَّ الأتْباع ما جاؤوا لضرْب مصر اقتصاديًّا واجتماعيًّا تحت سِتار التصنيع فحسب، وإنما جاؤوا - وتحت نفس ستار التصنيع - لإزاحة الشريعة الإسلاميَّة وإحلال التشريعات الفرنسيَّة مكانها، وهو أحد الأهداف التي جاء نابليون إلى مصر لتحقيقها، واعتَرَف الأتْباع بذلك في قولهم: إنَّ حملتهم هي إعادةٌ لحملة نابليون (عن ضميرٍ مُخلِص لذات الغاية).

يقول الأتْباع بصراحةٍ ووضوح: "إنَّ التنظيم القضائي نفسه يُصبِح غيرَ ذي موضوعٍ في مجتمعٍ صناعي متكامل"، ويقولون أيضًا: "إنَّ المصدرَ الأصيل لكلِّ الفضائل الإنسانيَّة هو العمل، وإنَّ هناك أُناسًا يحصلون على مَزايا دون تحمُّلِ أيِّ نوعٍ من المخاطر"؛ ولهذا فإنَّ المدرسة السان سيمونية تهدف إلى (استقرار التشريعات) التي تكفل القضاء على هذه المزايا.

لكنَّ هذه المهمَّة عُهِدت هذه المرَّة إلى الرجل الذي أعادَ الأتْباع صِياغة عقله في مدرسة الهندسة العسكريَّة إلى (رفاعة الطهطاوي).

بدأ الطهطاوي هذه المهمَّة على مراحل:
الأولى: محاولة التوفيق بين (شرعة الفرنسيين الوضعيَّة) والشريعة الإسلاميَّة.
الثانية: حض الناس على القبول بما أخَذ به الأوربيُّون من قوانين وضعيَّة؛ لما فيها من (فائدة)، وعلى أساس أنَّ دستور الفرنسيين جديرٌ بالاقتباس، رغم أنَّه نتاجٌ إنساني مَصادِره إنسانيَّة لا شرعيَّة، يقول الطهطاوي في ذلك: "فلنذكُره لك وإنْ كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله - تعالى - ولا في سنَّة رسوله"[4].

بدَأ الطهطاويُّ التنفيذَ الفعليَّ لمهمَّة إزاحة الشريعة، وكان سلاحُه في ذلك (مدرسة الألسن) التي أسَّسها وأشرَفَ عليها، ويحدِّثنا عُلَماء الغرب عن الكيفيَّة التي أدَّى بها الطهطاوي هذه المهمَّة، يقول بي.جي.فاتكيوس P.I.Vatikiotis أستاذ علم السياسة في الشرقَيْن الأدنى والأوسط في كتابه "التاريخ الحديث لمصر" - وهو أحد كتب سلسلة الدراسات الآسيوية والإفريقية في التاريخ الحديث التي أشرَفَ عليها المستشرِق اليهودي (بيرنارد لويس) -: "لقد كان الطهطاوي أوَّل مصري قدَّم بطريقةٍ منظَّمة وذكيَّة المبادئ العامَّة للمُؤسَّسات السياسيَّة الأوربيَّة، قدَّم الطهطاوي أفكارَ عصرِ التنوير والثورة الفرنسيَّة، وهما عِماد هذه المؤسَّسات، كان الطهطاويُّ معجبًا بعقلانيَّة التنوير الأوربي؛ ولهذا فقد فتَح الطريق لتابِعِيه للهُجُوم المكثَّف على ما هو تقليديٌّ في مصر".

"أدخَلَ الطهطاويُّ إلى قُرَّائه المصريين وهو يَصِفُ الدستور الفرنسي والمؤسَّسات السياسيَّة الفرنسيَّة فكرة (السلطة العلمانيَّة) ومفهوم القانون الوضعي المشتق من مصادر أخرى غير (المصادر الإلهيَّة)".

"تَرجَم الطهطاوي من القانون المدني الفرنسي الوثيقة الدستوريَّة (الشرطة) - كما أسماها - وهي عبارةٌ عن دِراسات قانونيَّة وتشريعات علمانيَّة كانت ذات أهميَّة كبيرة في عهد إسماعيل، الذي كان قوَّامًا إلى الأخْذ بالمجموعات القانونيَّة الأوربيَّة.

عُرِفَ الطهطاوي بإدارته لمدرسة الألسُن في مراحلها المتميِّزة من تاريخها 1835-1849، 1864-1868، 1868-1871، خرَّجت هذه المدرسة ودرَّبت المترجِمين والمشرِّعين والإداريين، وترجم ما مجموعُه ألفَا عملٍ من الأعمال الأوربيَّة إلى اللغة العربيَّة".

"كان لمدرسة الألسُن تأثيرها العظيم في ظُهور أوَّل مُحامِين ومُشرِّعين في مصر، كان أبرز المهامِّ التي خصَّصَها الخديوي إسماعيل لهذه المدرسة هو ترجمة مجموعة القوانين الأوروبيَّة؛ مثل: قانون نابليون... تخرَّج في هذه المدرسة (قدري باشا) الذي كان أعظم إنجازاته أنَّه نسَّق الشريعة الإسلاميَّة لتكون على (نمط المجموعات القانونيَّة الأوربيَّة) في ثلاثة مجلدات... هناك صالح مجدي باشا وعثمان جلال، وهما ممَّن شارَكُوا في ترجمة القانون النابليوني، ورأسوا المحاكم المختلطة التي ترجموا قوانينَها إلى العربيَّة"[5].

الذي يَبقَى لدينا الآن: ما هو موقفُ رجال الاجتماع في بلادنا من سان سيمون وأتْباعِه والأفكارِ التي حمَلُوها معهم وطبَّقوها في مصر؟

يَعرِف رجال الاجتماع في بلادنا من الذين تابَعُوا الحركة السان سيمونيَّة الفسادَ العقديَّ عند سان سيمون وأتْباعه، يعرفون رأيَ سان سيمون بأنَّ الله فكرةٌ ماديَّة ناتجة عن دورة السائل العصبي في المخ، وأنَّ الدِّين اختراعٌ قامَتْ به الإنسانيَّة، وأنَّ العِلم يجبُ أنْ يكون دِيانةَ المستقبَل، يعرفون أنَّ الأخلاق عن سان سيمون أرضيَّة لا سماويَّة.

يعرفون حقيقة الأفكار الشيوعيَّة وما جنَتْه مصرُ من مآسٍ نتيجةً لتَطبِيقها، إنهم يَعرِفون كلَّ ذلك لكنَّ الخواء العَقدي عندهم وشدَّة تعلُّقهم بالغرب أدَّى بهم إلى الآتي:
1- وصَفُوا أفكارَ سان سيمون بأنَّها ذات عُمقٍ وأصالةٍ، برَّرُوا غُموضَها بأنَّه غموضٌ مقصود، فسَّروا تناقُضَها بأنَّه أمرٌ تقتَضِيه الظُّروف السياسيَّة السائدة في عصره، عدوا سان سيمون (مُبدِعًا لا نظيرَ له)، و(رسولاً للإنسانيَّة) يفتح الآفاقَ لمذهبٍ جديدٍ وفلسفةٍ جديدةٍ، قالوا: إنَّ الأساس الاجتماعي يقوم على دَعائمَ أصيلةٍ لا تَزال باقيةً على مرِّ العصور".

"وصَفُوا الأتْباعَ بأنهم (ذوو جُرأة وإخْلاص)، وتأسَّفوا على المجتمع الذي يعيشُ بلا غايةٍ سامية؛ كتلك التي يسعَى وراءها أتْباع سان سيمون".

2- لا يَعرِف رجال الاجتماع في بلادنا من الإسلام إلاَّ اسمَه؛ ولهذا كشَف اعتِراضهم على الدِّيانة السان سيمونية عن سطحيَّة وجَهالة كاملة عن الدِّين وعن الإسلام، أوقعَهُم فيها علمُ الاجتماع نفسُه، فدافَعُوا عن الدِّين من منظور علم الاجتماع فانتقَلُوا من إلحادٍ إلى إلحادٍ، قالوا: إنَّ الدِّين ظاهرةٌ اجتماعيَّة؛ أي: إنَّه من صُنع الناس، قالوا: إنَّ الأدْيان التي تقومُ على التوحيد في الأمم الحديثة ما كانت كذلك إلا لأنَّ القوانين الاجتماعيَّة وطبيعة الحياة فيها تُساعِد على الاعتقاد في قوَّة واحدة علويَّة مستقرَّة لهذا الكون.

قال رجال الاجتماع في بلادنا ما نصُّه: "إنما طبائع الأشياء والقوانين الاجتماعيَّة التي تسيرُ المجتمعات الإنسانية هي التي تعمَلُ من تِلقاء نفسها على إيجاد الدِّين بالشكل الذي يتَّفق مع طبيعة كلِّ مجتمع".

3- رفَع رجال الاجتماع في بلادنا عن الأتْباع الاتِّهام الذي وجَّهه الغربيُّون أنفُسهم إليهم بأنهم شيوعيُّون، قالوا: إنَّ دعوتهم إلى القَضاء على حقِّ الملكيَّة وحق الوراثة ليست بشيوعيَّة، في الوقت الذي اعترَفُوا فيه بأنَّ أفكار سان سيمون مهَّدَتْ لأفكار (ماركس).

قالوا: إنَّ اشتراكيَّتهم ليسَتْ كاشتراكيَّة ماركس، وإنَّ مفهوم الطبقة العاملة عندهم ليس هو المفهوم عينه عند ماركس.

4- انطَلَى عليهم الادِّعاء بأنَّ ديلسبس سرَق مشروع شقِّ القناة من أنفانتان رغم أنهم سجَّلوا شُكر ومُبارَكة الأخير لما قام به الأوَّل، اعترَفُوا بأنَّ القَناة شُقَّتْ بأعمال السخرة والتعذيب وبعرَق وبدِماء آلاف المصريِّين، لكنَّ جَهلَهم جعلَهُم ينسبون هذا إلى ديلسبس، فقالوا: إنَّ "مشروع ديلسبس ما هو إلاَّ صورة سوداء في تاريخ الإنسانيَّة وتاريخ فرنسا خاصَّة، ولا يتَّفق مع فكرة الإنسانيَّة العالميَّة، ولا مبادئ مدرسة سان سيمون"، في الوقت الذي خلَعُوا على أفكار أنفانتان صفة النَّبالة والسُّمو.

الذي أردنا أنْ نكشِفَه هنا هو الدَّور المهم الذي لَعِبَه أتْباع سان سيمون - مُؤسِّس علم الاجتماع وأستاذ أوجست كونت - في ضرب الإسلام وتغريب المسلمين، وإفساد المرأة المسلمة، وتدمير مصر اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتطبيق الأفكار الشيوعيَّة بها، وسَيْطرتهم على مُقدَّرات مصر وعلى حاكِمها، ثم إغراقها في الديون تمهيدًا لاحتلالها وتأسيس دولة إسرائيل، وشق قناة السويس على دِماء وجُثَثِ المصريين لتكون في خِدمة إسرائيل الكُبرَى.

إنَّ هذا كلَّه لَيَشهَدُ - مِصداقًا لما قالَه (الشهيد سيد قطب) - بأنَّ المعركة بيننا وبينهم هي معركة عقيدة مهما رُفِعت في ميدانها من شعارات ورِوايات مزيَّفة تُخالِف ذلك، وأنَّنا نُواجِه أعداء يتربَّصون بنا، ولا يَقعُدون عن الفتك بنا بلا شفقة ولا رحمة إلا إذا عجزُوا عن ذلك، وإنَّ وراء هذه العداء تاريخًا طويلاً يشهَدُ بأنَّ هذا هو الخطُّ الأصيل الذي لا يَنحَرِف إلاَّ لطارئٍ ثم يعودُ فيأخذ طريقَه المرسوم، وإنَّ حقيقة الاعتداء فيهم أصيلةٌ تبدأ من نُقطة كُرههم (للإيمان) بِذاته وصُدودهم عنه، وتنتَهِي بالوقوف في وجْه هذا (الإيمان) والتربُّص به.

يقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 8 - 9].

هذا هو السبب الأصيل للحِقد الدَّفِين علينا والانطِلاق في التنكيل بنا، إنَّه الفُسوق عن دِين الله والخروج عن هُداه، إنهم يُضمِرون الحقدَ لكلِّ مؤمن، ويتبعون هذا المنكر مع كلِّ مسلم، ويُوجِّهون حِقدَهم وانتِقامهم لهذه الصفة التي نحنُ عليها: (الإسلام).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] راجع كلَّ ما كُتِب في هذه المقالة عن سان سيمون في المرجعين الآتيين للدكتور محمد طلعت عيسى: أتباع سان سيمون وفلسفتهم الاجتماعية وتطبيقها في مصر، رسالة دكتوراه، مطبوعات جامعة القاهرة 1957، وسان سيمون، دار المعارف مصر.
[2] راجع كل ما أشرنا إليه هنا عن نورمانو في المقالة الآتية:
J.F.Normano. Saint Simon and America,Social,forces,oct.,1932.PP.8-14.
W.L.wilmshurst.The meaning of Masontery,bell publishing co.,N.Y.,1960.P.179.
[3] نُشِرت الصورتان في صحيفتي Financial Times اللندنية الصادرة 21 أغسطس 1990 وU.S.A to-day الأمريكية في 23 أغسطس 1990.
[4] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة العدد 115 يوليو 1987، الكويت ص189-191.
[5] P.j.Vatikiotis.The Modern History Of Egypt,Weidenfeld and Nicolson,London,1969.PP.115-123.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-09-2014, 07:56 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة علم الاجتماع: غبش في التصور وتشوش في النظرية

علم الاجتماع: غبش في التصور وتشوش في النظرية
ـــــــــــــــــــــــــ



اعترافات علماء الاجتماع
----------------

الحلقة السابعة
------------

علم الاجتماع: غبش في التصور وتشوش في النظرية
------------------------------

أولاً: غبش في التصوُّر:
------------

أوَّل ما تعلَّمناه حينما كُنَّا طلاَّبًا بقسم الاجتماع بجامعة القاهرة هو أنَّ هناك نظامًا كامنًا في الطبيعة، وأنَّ علم الاجتماع يَسعَى إلى اكتِشاف ووصْف وتفسير النظام الذي يُميِّز الحياة الاجتماعيَّة للإنسان، تعلَّمنا من أساتِذتنا أنَّ الأحداث تَتِمُّ في شكلٍ مُتَتابع مُنتَظِم؛ حيث يُمكِن صِياغة أحكامٍ قابلة للتَّجرِيب حول علاقة حادثةٍ بأخرى عند نُقطةٍ مُعيَّنة من الزمن وتحت ظروفٍ مُحدَّدة، تعلَّمنا من أساتِذَتنا أنَّ الناس في حَياتهم اليوميَّة يَقُومون بملايين الأفعال الاجتماعيَّة وهم يَتفاعَلون مع بَعضِهم البعض، وأنَّ هذا الكمَّ الهائل من الأفعال لا يُؤدِّي إلى الفَوضَى والاضطراب؛ بل يُؤدِّي إلى ظُهور ضَرْبٍ من النِّظام يَتمكَّن الفرد بِمُقتَضاه من أنْ يحقِّق أهدافه دُون أنْ يَتداخَل أو يَتضارَب مع أهداف الآخَرين، علَّمَنا أساتِذتُنا أنَّ مهمَّة علم الاجتماع تنحَصِر في الوُقوف على كيفيَّة حُدوث ذلك، وكيف أنَّ التنسيق بين الأفعال المتنوِّعة الصادرة من الأفراد يُؤدِّي إلى تدفُّق الحياة الاجتماعيَّة واستِمرارها، وكيف يمكن التخلُّص من حالة الاضطراب والصِّراع الناتجة عن مُحاوَلة تحقيق بعض الناس أهدافهم على حِساب الآخَرين.

تعلَّمنا من أساتذتنا أنَّه ليس من شأن علم الاجتماع أنْ يضع برنامجًا لرفاهية الناس، وأنَّه ليس نظريةً للإصلاح الاجتماعي، وأنَّه ليس قانونًا للأخلاق، إنَّه - فقط - منهجٌ متخصِّص ووجهة نظَر مشابهة لتلك التي للعلوم الطبيعيَّة، إنَّه يُحلِّل الظواهر التي تَنشَأ نتيجةً لحياة البشر ويُفسِّرها، وإنَّه لا يضَع أحكامًا قيميَّة، ولا يضَع مستويات للسلوك الإنساني، إنَّه لا يَستَحسِن ولا يُدِين سياسة معيَّنة أو برنامجًا خاصًّا، ولكنَّه يصف ببساطةٍ العلاقةَ بين العلَّة والمعلول ويُحلِّلها، إنَّه يبحث فيما هو كائنٌ، ويترك ما يجب أنْ يكون لِمَن يهتمُّون بالجانب الأخلاقي والمشكلات الاجتماعيَّة.

انجذَبْنا إلى بريق علم الاجتماع - كغيرنا من طلاَّب علم الاجتماع في العالم - على أمَل أنْ يُساعِدنا هذا العلمُ على فهْم أسباب فَوضَى الحياة الاجتماعيَّة المُعاصِرة، وعلى أمَل أنْ نجدَ فيه حُلولاً للمشكلات الاجتماعيَّة التي يُعانِي منها المجتمع، والآن وبعد ثلاثين سنة أكمَلناها في دِراسة وتَدرِيس علم الاجتماع اكتَشَفنا أنَّ كلَّ ذلك كان سَرابًا في سراب.

لم يستطع علم الاجتماع أنْ يُحقِّق أمانينا منذ كنَّا طلابًا وحتى الآن؛ لا في فهْم أسباب فوضى الحياة الاجتماعية، ولا في تقديم ولو حلاًّ واحدًا لمشكلةٍ واحدةٍ يُعانِي منها مجتمعنا.

اكتشَفْنا أنَّ العلوم الاجتماعيَّة برُمَّتها ما هي إلا علومٌ أوربيَّة الصُّنع، وأنها عجزت - في بلادها - عن إثارة القَضايا المتَّصلة بصَمِيم وُجود الإنسان، اكتشفنا أنَّ ما درَسْناه لم يكنْ أكثر من مجرَّد أفكار فلسفيَّة، وقيم ومواقف أخلاقيَّة، تخصُّ مجتمعات وثَقافات تختَلِف عنَّا، لقَّنَها لنا أساتذتنا تحت سِتار العِلم وباسم المنهج العلمي، كنَّا ندرس نظريَّات لم تكن منفصلةً - أبدًا - عن التحيُّزات العنصريَّة والفرديَّة لأصحابها، وباسم الالتزام بالمنهج العلمي كان علينا أنْ نَقبَل هذه النظريَّات كمُسلَّمات، لم تكن أبدًا خاضعةً لتمحيصٍ علمي، بل كانت مُستَمدَّة في معظمها من الحدْس والتخمين والانعِكاسات الشخصيَّة لواقع مُنظِّريها، أساتذتنا حوَّلونا إلى أجيالٍ ذليلة تابعة تافهة، فسكرت أبصارنا، وبلغت بنا السطحيَّة والغَفلة إلى أنْ نقول: إنَّ تراث الغرب ليس ملكًا للغرب وحدَه، إنما هو تراث الإنسانيَّة، ومن حقِّنا أنْ نأخُذ منه كما سبَق أنْ أسهَمْنا في بنائه.

كانت على قُلوبنا وعلى سَمعنا وعلى أبصارنا غِشاوة، فقلنا: إنَّ هناك عُموميَّات تجمَعُ بين المجتمعات البشريَّة تسمح لنا باستخدام مَقُولات وأفكار وأدوات ظهَرتْ في غير مجتمعاتنا وغير ثقافتنا، إلى أنِ اكتَشَفنا بعد حينٍ أنَّ العُلوم الاجتماعيَّة علومٌ عقديَّة تحمل فِكرًا مُعيَّنًا، وأيديولوجيَّة خاصَّة تُعادِينا أو تَزدَرِينا في أحسن الأحوال، وتُحرِّضنا على احتِقار ثَقافتنا، وترغمنا على الاعتِقاد بأنَّنا أدنى، تقول لنا: إنَّهم هم الكعبة وهم النموذج الوحيد للتقدُّم، وما علينا إلاَّ أن نتبعهم طواعيةً واختيارًا، وإلا فستظهر لعلومهم الاجتماعيَّة أنيابها الحادَّة، فهي علومٌ لا يعرف الجهلاء منَّا أنها محميَّة بقوَّةٍ مسلَّحةٍ.

اكتشفنا أنَّ الحياة الاجتماعيَّة شيءٌ عادي، سهلة بسيطة، يمكن التعبير عنها بلُغةٍ يسيرةٍ يفهَمُها كلُّ الناس، لكنَّنا كُنَّا أسرى لما تعلَّمناه من أساتذتنا الذين عقَّدوا لنا هذه الحياة، حينما جعَلُوا من دِراسة المجتمع تكنيكًا فنيًّا مُعقَّدًا له قواعد صارمة، ويتطلَّب التمكُّن منه مرحلةً من الإعداد الطويل، والتدريب المتواصِل، تعلَّمنا هذا التكنيك، والتَزَمنا بالقواعد الصارمة، وانتهَيْنا من الإعداد والتدريب، وفُوجِئنا بأنَّ رجل الشارع لم يستطع أنْ يتعرَّف على نفسه وسط تعقيداتنا، ولطمنا بقوله إنَّه أقدر من عالِم الاجتماع على فهْم المجتمع وفهْم الناس، وأنَّ مقولاتنا مقولاتٌ من الدرجة الثانية، تُمثِّل ما كوَّنَه الناس العاديون عبر حياتهم اليوميَّة، وأنَّ المعرفة التي نُقدِّمها ليست اكتشافًا جديدًا، وإنما هي تأكيدٌ أو إعادة صِياغة لما هو قائمٌ في: حياة الناس، وحديثهم، ولغتهم، وخِبرتهم، وعملهم... وأنَّ ما نقوم به ليس إلاَّ تنظيمًا أو إعادة صِياغة للمفاهيم الموجودة فعلاً بين الناس.

كنَّا نعتقد أنَّنا سنصبح كعلماء الفيزياء والكيمياء والأحياء، الذين أنفَقُوا الشطر الأعظم من حياتهم قبل أنْ يصبحوا حجَّةً في تخصُّصاتهم، وسنصبح يومًا ما حجةً في شؤون المجتمع، لكنْ (ول ديورانت) صاحب "قصة الفلسفة" الشهير صفَعَنا بقوله: "كلُّ صبي حلاَّق أو بقَّال يعتَبِر نفسه حجَّة ومرجعًا يعرف كلَّ حَلٍّ لكلِّ مطلب وكل حاجة في هذا العالم".

كبار عُلَماء ومُؤرِّخي العالم؛ بل أساطين علم الاجتماع ذاته لم يُقِيموا لنا وزنًا ولا احترامًا، وجعلونا موضع سُخريتهم ونِكاتهم، هذا يقول: "إنَّ علم الاجتماع هو العلم الذي يأخُذ ما يفهمه كلُّ واحد منَّا، ويصوغُه في عباراتٍ لا يفهمها أيُّ أحد منَّا"، وذاك يقول: "إنَّ عُلَماء الاجتماع لا يفعَلُون أكثر من التعبير عن كلِّ ما هو واضح بطريقةٍ مُعقَّدة وغامضة"، وثالث يقول: "إنَّ علم الاجتماع علم نفاية"، ورابع يقول: "إنَّه علم طفيلي"، وخامس يقول: "إنَّ لبعض الفنَّانين والأدباء والصحفيين حسًّا ووعيًا فكريًّا لا يوجد عند عُلَماء الاجتماع المتخصِّصين"، وسادس يقول: "إنَّ لصحيفة واحدة أو لعمودٍ واحد فيها يحظى بدرجةٍ من الشعبيَّة أو لبرنامج في الراديو أو التليفزيون - جاذبيةً وتأثيرًا واسعًا يَفُوق تأثير عُلَماء الاجتماع ولو مجتمعين".

وثامن يسخَر من الغموض والتعقيد اللغوي في مؤلَّفات علم الاجتماع؛ فيشير إلى كتابٍ يتكوَّن من خمسمائة وخمسٍ وخمسين صفحة أُعِيدت ترجمته إلى مائة وخمسين صفحة؛ ليَسهُل قِراءته، وظلَّ رغم ذلك محافظًا على غُموضه، ووَصَفَه عالِمُ اجتماع شهير بأنَّه عبارةٌ عن مجموعةٍ فارغة من الألفاظ ذات الرَّطانة الكاذبة.

درسنا عشرات المفاهيم في عِلم الاجتماع، ثم اكتَشَفنا أنها جزءٌ يسيرٌ من ترسانة ضَخمة من المصطلحات الغامضة التي لا تفيد في أيِّ تحليل، واكتَشَفنا أيضًا أنَّ المعرفة المستخرَجة من هذه المفاهيم إذا جُرِّدت من أغطيتها الفنية وطبقاتها اللفظيَّة التي تحتَمِي بها لا تختَلِف كثيرًا عن المعرفة اليوميَّة لعامَّة الناس، لقد نجح علماء الاجتماع في اختراع مفاهيم تَزخَر بها مؤلفات العلم، ورغم ذلك فإنَّ هذه المفاهيم لم تُسهِم في تقديم صورةٍ حقيقيَّة للمجتمع الإنساني.

بعد رحلةٍ طويلة جدًّا مع علم الاجتماع، اكتشفنا أنَّه لا يُمثِّل وحدة فكرية متجانسة، ليس هناك نموذج نظري واحد تحقَّقت له الهيمنة الكاملة، فعلى امتداد تاريخ العلم تنشأ نظريَّات وأفكار، ثم يأتي ما يُخالِفها، فيُعاد النظر فيها ويؤلف غيرها... وهكذا.

نظريَّات العلم تعرَّضت لانتقاداتٍ شديدة وعديدة، البحوث الاجتماعيَّة تعرَّضت لمراجعةٍ شاملة، اتجاهات هنا وهناك تُعِيد النظر في كلِّ المسلَّمات النظرية والمنهجية للعلم.

منذ أنْ ظهَر علم الاجتماع إلى حيِّز الوجود وهناك اختلافات جوهريَّة بين عُلَمائه حول: طبيعته ومناهجه وأهدافه القُصوَى، كما أنَّ تتبُّع تاريخ هذا العلم يبيِّن أنَّ عُلَماءه قد أخفَقُوا في الوصول إلى اتِّفاق عام حول قَضاياه، ولا تزال هناك تَناقُضات فكرية، وتصوُّرات متباينة فيما بينهم لم تُؤدِّ بهم إلى إجماعٍ حول تفسير الواقع الاجتماعي والإطار الثقافي لأيِّ مجتمعٍ من المجتمعات.

الظُّروف التي كتب فيها كِبار عُلَماء الاجتماع، والوقت الذي كتبوا فيه كلَّ ذلك - لم يَعُدْ قائمًا، الحلول التي قدَّموها لا تصلح للأفراد الذين يَعِيشون في عالم اليوم والأحداث التي تُحِيط بهم.

لم يستطع علم الاجتماع أنْ يُقدِّم لنا صورةً كاملة وشاملة للإنسان والمجتمع، لم يُقدِّم لنا إلا وجهة نظر مُعيَّنة - من بين وجهات نظَر عديدة - وهي وجهة نظَر محدودة ومُحدَّدة، المشتَغِلون بعلم الاجتماع يُدرِكون دائمًا نسبيَّة وقُصور آرائهم، ونسبيَّة التساؤلات التي يطرحونها، ويُدرِكون أيضًا قُصور الإجابات التي يعتقدون أنهم انتهوا إليها.

التنظير الذي قام ويقوم به عُلَماء الاجتماع ما هو إلا ضربٌ من التَّرَفِ، المفكِّرون الذين يَصُوغون نظريَّاتهم عن المجتمع الإنساني يتبنَّون مواقف تتَّصل اتِّصالاً مباشرًا بمصالحهم، عالِم الاجتماع اليوم لا يُعتَبر رجلاً عامًّا أو رجلاً لكلِّ المجتمع؛ لأنَّ حياته لا تتَّسِق مع ما يكتب وما يعتقد، إنَّه لا يطرح موضوعات جديدة، ويردُّ المشكلات دائمًا إلى مسائل شخصيَّة، ويغرقنا في ضربٍ من التأمُّل الاستبطاني أو الرومانسيَّة.

عُلَماء الاجتماع صِنفان: مُنظِّرون خياليُّون يعيشون في بُروجٍ عاجية، لا يَعرِفون شيئًا عن العالم المحيط بهم، بعيدون عن الواقع الحقيقي للمجتمع، وجامعو بيانات ينفذون بحوثًا لحِساب الآخَرين نظير مقابل مادي، لا يلتزمون بأيِّ قيمةٍ حتى القِيَم التي يتذرَّعون بها، وكل عُلَماء الاجتماع يعملون داخل نسيجٍ اجتماعي مُفتَّت كانوا هم أحدَ عمد تخريبه، وجامعات مشلولة لم تستطع أنْ تخرج عن الدور المرسوم لها.

علم الاجتماع كفرعٍ أو تخصُّص علمي - كما يعتَقِد أصحابُه - ليس إلاَّ مجموعة من المشكلات المتراصَّة جنبًا إلى جنبٍ دون وُجود علاقة عميقة تربط بينها.

النتائج التي يمكن استخلاصها من بحوث علم الاجتماع ليست إلا مجموعة من التعميمات التي يُسمُّونها (بالتعميمات الأمبريقية)، ويقصدون بها ما يستَنتِجه الباحث من فحْصه للعلاقة بين متغير وأكثر، القوانين التي وعَدُونا بها منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر لا أثَر لها، الإنجازات التي تحقَّقت عبر تاريخ العلم كله وصلتْ إلى طريقٍ مسدود، وإذا سلَّمنا بأنَّ الهدف الأسمى لأيِّ علمٍ من العلوم هو الحدُّ من مخاطر المستقبل والتنبُّؤ بمشكلاته، فإنَّ هذا الهدف لم يتحقَّق حتى الآن.

ولهذا كلِّه لا نستغرب اليوم حينما يقول علماء الاجتماع: "إنَّه يجب علينا التخلِّي عن الفكرة الذاهبة إلى أنَّ الطبيعة الإنسانيَّة تنتَظِم في شكل عُلوم فرعيَّة تعكسها أقسام الجامعات المختلفة".

طالِبُ الدراسات العليا المتميِّز القارئ المتابع للجديد في علم الاجتماع، هو الذي يَقضِي ليله ونهاره بين أدوار ورفوف كتب ودوريات علم الاجتماع قديمها وحديثها بمكتبة الجامعات الأمريكية بالقاهرة، ولا سبيل له غيرها؛ فمكتبات جامعاتنا المحليَّة أقرب إلى المكتبات العامَّة عنها كمكتبات جامعيَّة، حينما ابتُعِثنا إلى الولايات المتحدة سَواء على نفقة الدولة أو سافرنا إليها على نفقتنا الخاصَّة، كنَّا نشعر بسعادة غامرة ونحن نجمع الجديد في علم الاجتماع من مكتبات جامعات: جورج واشنطن، وجورج تاون، وهاوارد، والجامعة الأمريكية بواشنطن، وجامعة شيكاغو، والمكتبات المحلية في فيرفاكس وهويلنج وألكساندريا، كانت سعادتنا لا حدَّ لها ونحن نلتقي وجهًا لوجه ونحاور مَن كنَّا نقرأ عنهم في الكتب؛ أمثال: موريس جانوفتر، ودافيد سيجال، ومادي سيجال، وجون بلير، وتوماس كورتلس، ونانس جولدمان...

• ثم اكتشفنا بعد أنْ شابت خُصَيلات شعرنا ونحن نلهث وراء كلِّ كلمة ينطقون بها: أنَّنا لم نكتب منهم شيئًا له قيمة، بل كنَّا نُقدِّم لهم من قلب تخصُّصاتهم الفرعيَّة ومن نفس مكتباتهم التي لا تبعد كثيرًا عن حجرات مكاتبهم - ما لم يسمَعُوا عنه من قبلُ.

• اكتشفنا أنَّ في الولايات المتَّحدة عشرة آلاف عالِم اجتماع أمريكي لكلِّ منهم علمُ اجتماع خاصٌّ به، وبعيدًا عن أنَّنا كنَّا ننقل إلى بلادنا فكرًا لا يخصُّها، اكتشفنا أنَّ علم الاجتماع الأمريكي نفسه ما هو إلاَّ مزيجٌ غريبٌ من عناصر متفرِّقة متباعدة، تُعبِّر عن خبرة المجتمعات الأوربيَّة أكثر ممَّا تُعبِّر عن خبرة المجتمع الأمريكي ذاته، الدوريات الأمريكية التي كنَّا نفخر ونحن نُتابِع أحدثَ ما كُتِبَ فيها تركِّز تركيزًا مُبالَغًا فيه على قَضايا محدودة، لا تُشكِّل في مجموعها إطارًا فكريًّا يُمكننا الاعتمادُ عليه في فهْم المجتمع.

• اكتشفنا أنَّ أوَّل مَن تقلَّد السُّلطة بالولايات المتحدة ربوبيُّون، يؤمنون بالله بغير اعتقادٍ بدِين مُنزَّل، ويقوم مذهبهم على الإيمان بدينٍ طبيعي مبنيٍّ على العقل لا الوحي، وينكر تدخُّل الخالق في نواميس الكون، تقوم قيمهم على أساس أنَّ ما هو طيِّب في هذا الكون يأتي من آراء الناس العاديين وليس من دِين، هؤلاء الناس هم الذين أسَّسوا المدارس والجامعات وطبعوا الكتب لتعليم الأمريكيين، وهم الذين نجري وراءهم لننقل إلى بلادنا أفكارهم ومنظوراتهم.

ولهذا؛ لا نتعجَّب إذا اكتشفنا أنَّ كتب مداخل علم الاجتماع تحتَوِي على رطانات عديدة، القليل منها يُعطِي تفسيرًا منطقيًّا جادًّا للقضية التي يتناوَلُها، وحتى هذا التفسير وهذا التناول مُتعدِّد الألوان أكثر منه تفسيرًا تحليليًّا، ولا نتعجَّب أيضًا من هذا الكساد الأكاديمي الملحوظ الذي ظهر بانخِفاض أعداد الطلاب المسجلين في أقسام الاجتماع بالجامعات الأمريكيَّة.

ونسجِّل هنا بعضًا من اعتِرافات علماء الاجتماع الأمريكيين في اجتماعهم السنوي الثالث والأربعين، الذي عقَدُوه في عام 1979، وحضَرَه (موريس جانوفتز، وآرلين كابلاند، ونوربرت ويكي، وروبرت ليك).

جاء في اعترافات العلماء الأمريكيين ما نصه:
"يجب أنْ نُسلِّم بأنَّ هناك توسُّعًا كبيرًا في أعداد علماء الاجتماع، صاحَبَه زيادة في أعداد المجلات العلميَّة، لكن لم يصاحبْه ارتفاع في المستوى العلمي، بل على العكس، نحن نسلِّم تمامًا بأنَّنا أنتجْنا قدرًا ضخمًا من البحوث والتحليلات قليلة الجودة، كما أنَّ جهود الاعتماد على المناهج الكميَّة البحتة في إيجاد نظرية قد فشلت...

نحن لدينا الآن عَناوين وقَضايا ذات انتشار واسع، لكنَّها تخدم المصالح الشخصيَّة والمفاهيم الذاتيَّة لأصحابها، وتُغذِّي تطوُّر شبكات المصالح المشتركة، ولا يعني هذا الانتشار وجود أدوات نظرية ومنهجية قويَّة قادرة على فهْم المجتمع؛ ولهذا فإنها ليست مُؤثِّرة، إنَّ نظريَّاتنا ومناهجنا طورت بسرعة مصايد للرطانة وقصر النظر، إنَّ صورتنا الحاليَّة أمام الناس تعكس ذلك، من الصعب أنْ تجد إشارة إلى علم الاجتماع في وسائل الإعلام العامَّة؛ بسبب ما لدَيْنا من غُموضٍ لا يمكن فهمُه، ومن الصَّعب أيضًا أنْ تجد مُشرِّعين أو رجال أعمال أو إدارة أو صانعي سياسة يعتقدون أنَّ علم الاجتماع بإمكانه أنْ يجيب على الأسئلة التي يحتاجون إلى إجاباتٍ عليها".

ورغم هذا الاعتراف الصريح من كبار علماء الاجتماع في أمريكا، فإنَّ عشرات من مبعوثينا يذهبون إليهم كلَّ عام ليأخُذوا عنهم هذه الرطانة، وقصر النظر، والأدوات النظريَّة، والمنهجيَّة غير المؤثِّرة وغير القادرة على فهْم مجتمعاتهم ذاتها، ونحن لا نكسب منهم شيئًا، وإنما هم الذين يكسبون منَّا كلَّ شيء، البحوث الميدانيَّة التي يُجرِيها المبتَعَثون على قُرانا ومدننا، وعاداتنا وتقاليدنا، وثقافتنا بوجه عام، هي شرط متطلَّب ليمنحهم الأمريكيون الدرجة العلمية، وهي التي تصبح تحت تصرُّف صانعي السياسة عند الحاجة إليها؛ أي: إنَّنا بأموالنا وبأيدينا نُوفِّر لهم ما تحتاجه مخابراتهم من معلوماتٍ عن البنية الاجتماعية والتركيبة الثقافية لبلادنا، بدءًا بالعاصمة، وانتهاءً بأبعد قرية عنها.

ثانيًا: تشوُّشٌ في النظريَّة:
حينما بدَأنا نخطو الخطوات الأولى في مرحلة الدراسات العليا، كانت هُناك مقولاتٌ تعلَّمناها وقرأناها واستَوْعبناها، وكان علينا أنْ نسيرَ على هديِها في طريقنا الطويل نحو الماجستير والدكتوراه.

قرَأنا لعالِمٍ اجتماعي أمريكي: "إنَّ النظريَّة بالنسبة لعلماء الاجتماع كالدِّين بالنسبة للجمهور"، ثم تعلَّمنا أنَّ على علم الاجتماع أنْ يتَّجِه نحو صِياغة نظرية قادِرة على توليد حُلول اجتماعيَّة للمشكلات الإنسانيَّة.

علَّمَنا أساتذتنا أنَّ حلَّ مشاكل المجتمع غير ممكنٍ إلا في حالة واحدة؛ وهي: أنْ يستند الحل دائمًا إلى أطارٍ دقيقٍ من المفاهيم العلميَّة ذات الاتجاه النظري الواضح، قالوا لنا: إنَّ النظرية هي التي تحدُّ الحدود، وتُقِيم الفواصل، وتُعطِي للبيانات معنًى، قالوا لنا: إنَّ البحث دُون سند من نظرية أو اتجاه ليس إلا نوعًا من العبَث؛ لأنَّ النظريَّة تُمكِّن الباحث من فهْم المجتمع في صُورته الكلية، وتُعطِيه إطارًا للبحث في مناطق محدودة متَّسقة مع الصورة التي استَمدَّها من النظريَّة، وإنَّ البحث إذا لم يجرِ في إطارٍ فكري محدَّد فإنَّه سيكونُ محاولة عقيمة لا تتقدَّم خطوة في فهْم المجتمع.

علَّمَنا أساتذتُنا أنَّ النظريَّة يجب أنْ تتوافر فيها عدَّة شروط؛ منها: استنادُ قَضاياها إلى أفكارٍ محدَّدة، واتِّساق هذه القضايا الواحدة مع الأخرى بحيث يمكن أن تُستَقرأ منها تعميمات، وأنْ تكون هذه القضايا منتجة؛ حيث تقود إلى مزيدٍ من الملاحظات التي توسع نِطاق المعرفة.

بمثْل هذا المنظور البرَّاق انطلَقْنا سعيًا وراء النظرية المنشودة في بحوثنا، ولَمَّا كان في قُلوبنا بَقايا من عقيدة؛ فكَّرنا في ربْط بُحوثنا بهذه العقيدة، لكنَّ أساتذتنا قطعوا علينا حتى مجرَّد التفكير في وُلوج هذا الطريق، فقالوا لنا: إنَّ هناك فَرْقًا بين النظرية والنظر؛ النظريَّة في علم الاجتماع ليست (بنظر)؛ بمعني: أنها يجب ألاَّ ترتبط بأنساقٍ أو مذاهب محدَّدة من الفكر والدِّين، والعقيدة عند عُلَماء الاجتماع هي شيءٌ من هذا القَبِيل.

أمَّا النظريَّة عندهم، فإنها تُستَمدُّ أصلاً من نتائج دِراسةٍ أُجرِيتْ في الواقع الاجتماعي في مواقف متعدِّدة، أمَّا إذا استندَتْ إلى دِين أو عقيدة، فهي في نظَر أساتذتنا تصوُّرية وغير واقعيَّة، وأكَّدوا علينا بضرورة رفض ما أسموه بالأيديولوجيَّة الغيبيَّة التي لا تخرج - في نظرهم - عن إطارٍ مرجعي لتفسيراتٍ تبريريَّة لعقليَّة تسلُّطيَّة رجعيَّة يجبُ الإطاحة بها؛ لأنها أوَّل العثرات التي تقفُ في وجه النظرية المنشودة.

طرَحنا الدِّين والعقيدة جانبًا وبدَأنا البحثَ عن هذه النظرية وقَضاياها ومفاهيمها؛ فإذا بنا أمامَ بناءٍ هَشٍّ مهلهل صُوِّر لنا على أنَّه علم، كان أوَّل ما اصطدمنا به أنَّنا وجدنا علم الاجتماع يتحدَّث بحرارةٍ عن النظرية، وعن فائدة النظرية، ولَمَّا سعينا لنعرف ما المقصود بالنظرية واجهَتْنا تعريفاتٌ متضاربة وغامضة في أحسن الأحوال.

كان من الصعب علينا أنْ نجد اتِّفاقًا بين علماء الاجتماع على نظرية واحدة، أو على تفسيراتٍ محدَّدة لما يتحدَّثون عنه، لقد كانوا مختلفين على أوَّل مفهومٍ يجب أنْ يتَّفقوا عليه، وهو: (مفهوم المجتمع)، لم نجد بناء فكريًّا متماسكًا يمكن أنْ نضع إصبعنا عليه، ومنذ أعوامنا الأولى في طريقنا في هذا العِلم نجدُ مَن يُشبِّه لنا المجتمع بالكائن الحي، وآخَر يُصوِّره لنا على أنَّه آلة تدُور بفعل مجموعةٍ من الطاقات المتحرِّكة، وكأنَّنا نتعامَل مع الميكانيكا، وثالث يُصوِّر لنا الحياة الاجتماعية في ضوء العوامل الاقتصادية، ورابع يُفسِّرها في ضوء العوامل النفسيَّة، وخامس يتحدَّث عن العوامل الجغرافية، وسادسٌ له الغلبة على الساحة فيُصوِّرها لنا على أنها قصص من قصص الصراع يتغلَّب فيها فريقٌ على آخَر، ويتبادَلان الهزيمة والانتصار في دورةٍ محدَّدة من الزمان، تتعاقَب فيها سلسلةٌ متَّصلة من الحلقات... وهكذا، ومعظم مَن كتبوا في علم الاجتماع كانوا قد فشلوا في تخصُّصاتهم الأصلية، فدخَلُوا ميدانهم الجديد بتصوُّراتهم القديمة.

يعجُّ العلم الآن بالتصوُّرات المتناقضة؛ هذا من مدرسة شيكاغو، وذاك من مدرسة فرانكفورت، هذا ماركسي أصولي، وذاك ماركسي جديد، هذا ظاهراتي، وذاك إثنوميثودولوجي، وهكذا... هناك حشْد هائل من الآراء والنظريَّات في علم الاجتماع، هذه الآراء والنظريَّات ليست مختلفةً فقط، ولكنها متضاربة ومتصارعة أيضًا، القَضايا التي تبحثُ فيها هذه النظريَّات غير متجانسة، المفاهيم التي هي المادة الأوَّليَّة في بناء أيِّ نظريةٍ ليس هناك اتِّفاق عليها، كلُّ نظرية تضمُّ اتِّجاهات فرعيَّة، وكلُّ اتجاه فرعي يحشد مفاهيم ومصطلحات مختلفة لشيءٍ واحد أو متَّفقة لأشياء مختلفة، وهي في جميعها تختلف اختلافًا كبيرًا على المناهج المناسبة التي يمكن استخدامها في الحصول على المعرفة الواقعيَّة أو تنظيمها.

وكما تعلَّمنا من أساتذتنا علَّمْنا طلابَنا أنَّ أيَّ باحث في علم الاجتماع لا غنى له عن نظريةٍ توجِّهه في جمع الوقائع المختلفة للظاهرة التي يدرسها، والتي يريد أنْ يختبر صدقها، وفي اختياره للمناهج والأدوات التي يستخدمها، وأنَّه إذا لم يفعلْ ذلك فإنَّه سوف يتخبَّط في جمْع معلوماته، وستكون نتائجه غيرَ مترابطة؛ ولهذا سيعجز في النهاية عن أنْ يضفي عليها معنى ويُفسِّرها.

يبحث الطالب عن النظريَّة المنشودة فإذا به أمام كمٍّ كبير من النظريَّات؛ فيقع في حيرةٍ أي النظريَّات سيختار؟ وعلى أيِّ أساس ستكون مفاضلته بين النظريَّات؟ وهنا سيقع ضحيَّةً للتوجُّه الفكري لأستاذه، وسيكتشف الطالب - كما اكتشفنا من قبلُ - أنَّه ليست هناك نظرية واحدة متفق عليها، بل إنَّه ليس هناك مسمَّيات تكون أساسًا لهذا التصنيف، وفوق ذلك كلِّه سيجد اختلافًا في التفسيرات التي يتناوَلون بها ما يختلفون عليه.

وإذا كان الطالب يبحَثُ في ميدان الجريمة واجهَتْه نظريَّاتٌ تقول له: إنَّ الجريمة مرتبطةٌ بالبناء الطبقي للمجتمع، وأخرى تقول: إنها نتاجُ عوامل سيكولوجية وإيكولوجية، واليوم يربطونه بتقليعةٍ جديدة هي علم الضحايا، إذا كان يبحث في ميدان التفكُّك الاجتماعي وجد أمامه نظريَّة تفسِّره في ضوء الانحراف عن المعايير الاجتماعية، وأخرى تفسِّره في ضوء نظريَّات الصحَّة العقليَّة، وإذا كان يبحث في آثار التليفزيون على المجتمع واجهتْه نظريَّات تقول له: إنَّ مشاهدة التليفزيون تُؤدِّي إلى مزيدٍ من العزلة بين الناس والانفصال عن المعايير الاجتماعية، وأخرى تُؤكِّد له الدور الإيجابي الذي يلعَبُه التليفزيون في عمليَّة التنشئة الاجتماعيَّة، وإذا ذهب يدرس في مَجال الأسرة وجَد نظريَّات تؤكِّد له أنها في انهيارٍ مستمر، ثم وجد أخرى تؤكِّد له صلابتها وأهميَّتها، فماذا يفعل الطالب إذًا؟

• لقد اكتشفنا أنَّ الصياغات النظريَّة مكرَّرة وسطحيَّة، تطرَح قضايا هي في الواقع رَداءات جديدة لأفكارٍ قديمة، يُوهمنا عُلَماء الاجتماع بأنَّ نظريةً ما قد استقرَّت، وهي في داخلها مليئةٌ بالتناقضات والزيف والمصطلحات أو المقولات المأخوذة من أُطُرٍ مرجعيَّة شديدةِ التبايُن.

• اكتشفنا أنَّ نظريَّات علم الاجتماع نظريَّات لا تدعمها الحقائق، وأنها لا تخرج عن كونها تأمُّلات فكرية لا ترقى إلى مستوى أنْ تكون نظريَّات لعلم، رغم مُرور ما يقرب من قرنٍ ونصف القرن على اكتساب دراسة المجتمع عنوان العلم، كلُّ نظرية تحمل اسم شخص أو تُعبِّر عن فكر جماعةٍ تُفسِّر المجتمع في ضوء رؤيتها الخاصَّة، وجميعهم لا يملكون حتى التحقُّق من صدق ما يقولونه.

النظرية في علم الاجتماع ليست مسألة عقلٍ أو منطقٍ، إنها تعكس أصلاً افتراضات وعواطف، والاستجابة لهذه النظريَّات تتضمَّن عواطف أولئك الذين يقرَؤُونها أو يكتبونها، إنهم يُفسِّرون ما يرَوْنه من خلال ما يقرُّون (هم) أنَّه واقعي أو حقيقي.

النظريَّة الاجتماعيَّة تضرب بجذورها في مشاعر وأحاسيس المنظر، وتقوم أساسًا على رؤية متحيِّزة تعكس الافتراضات التي تَشرَّبها المنظر من ثقافته التي تربَّى عليها، وكلُّ صانعِ نظريَّةٍ يُقدِّم وجهة نظره عن الواقع الاجتماعي من واقع الفكر الذي يتبنَّاه.

إنَّ عالِم الاجتماع مثله مثل أيِّ شخصٍ آخَر تترسَّب في كيانه مجموعةٌ من الأحكام والافتراضات، وليس هناك ما يَقِيه من التأثُّر بها؛ فهو إنسانٌ يعيشُ في ثقافة معيَّنة، شأنه شأن غيره، ولا بُدَّ أنْ تدفَعَه الثقافة بطابعها وتُلقِي بظلالها على تفكيره وآرائه.

لقد تبيَّن لنا أنَّ نظريَّات علم الاجتماع ليست لها قوَّة توجيهيَّة، وغير قادرة على فهْم المشكلات الواقعيَّة، لا تستطيع تحديد مشكلة بطريقة منظَّمة، ولا توجه جهدًا لحلِّ مشكلة، أصحابها يُقدِّمون أُطُرًا فكرية بالغة التجريد، انشغلوا بالمعاني التركيبيَّة والمفاهيم الجافَّة التي تتميَّز بالتعقيد النظري واللغوي لما هو سهل وواضح.

إنها نظريَّات لا تتمتَّع بالكفاءات التي تجعلها قادرةً على الإحاطة بكلِّ جوانب واقع المجتمع وصفًا وتفسيرًا، إنها نظريَّات ضيِّقة النِّطاق، غير قادرة على استيعاب مختلف أنماط المجتمعات والثقافات، يَغِيبُ عن أصحابها الإحساسُ الأصيلُ بالمشكلات الاجتماعيَّة، إنها نظريَّات ذات عموميَّة شديدة لا ينزل رِجالها إلى مستوى الواقع، تستفيض في التصنيفات بصورة كبيرة، بحيث لا توسع فهمنا ولا تجعل خِبرتنا أكثر عُمقًا، وفوق هذا كلِّه هي نظريَّات نشَأَت وتطوَّرت في مجتمعات تُغايِر طبيعتها طبيعة مجتمعنا، الحديثة منها ترتبط أيضًا بالتحوُّلات التي حدثت في المجتمعات التي نشَأَت فيها، ورغم ذلك فإنها عنصريَّة تعبِّر عن خبرة المجتمعات الغربية وحدَها، تنظُر إلى ثقافة المجتمع الغربي على أنها قمَّة الثقافات الراقية، ونحن بالنسبة إليها ثقافات متخلِّفة.

والأهم من هذا وذلك أنَّ المحور الذي تنطلق منه هذه النظريَّات والذي يترُك بصماته على كلِّ فرعيَّاتها هو اعتبارها أنَّ الإنسان محوَرُ الكون، وأنَّه ليس لله ولا للدِّين أيُّ شأن في توجيه وحركة هذا الكون، يمتدُّ هذا الأصل الفاسد إلى كلِّ جزئيَّةٍ من جزئيَّات هذه النظريَّات.

وننقل هنا بعض الفقرات التي تتضمَّن اعتراف عُلَماء الاجتماع بفشل هذه النظريَّات:
"لا الماركسية ولا البنيوية ولا الدوركايمية ولا الغيبرية تتمتَّع الآن بسُمعة طيِّبة، إنَّ الأحلام العريضة التي فتحتها أمامنا لم تتحقَّق إلا جزئيًّا وبصفةٍ هشَّة، أضفْ إلى ذلك أنَّ المجتمعات تطوَّرت في اتِّجاهاتٍ متبايِنة عن العُقود السابقة، إنْ لم تكنْ مناقضةً لها تمامَ التناقُض، إنَّه لم يبقَ أحدٌ ينتظر من كُبرَى النظريَّات أنْ تُسهِم بصفةٍ إيجابيَّة في القفز بالبحوث الاجتماعيَّة".

"إذا كانت الوضعيَّة الكلاسيكيَّة قد بَدَتْ غير ملائمة تمامًا لفهْم الواقع الأوروبي خِلال القرن التاسع عشر، فإنَّ الوضعيَّة المحدَثة ما لبثَتْ أنْ أعلَنتْ إفلاسَها بسبب مبالغتها في تبنِّي نموذج العلم الطبيعي، واعتِمادها على تصوُّرات نظريَّة لا تُسهِم في فهْم حركة المجتمع بقدر ما تسعى إلى تجميده والتعبير عنه في شكْل صِياغات رياضيَّة خالية من نبْض الحياة الإنسانيَّة، وإذا كانت الوضعيَّة المحدَثة قد لقيَتْ مصيرها المحتوم، فإنَّ النَّزعة الوظيفيَّة ما لبثت أنْ تعرَّضتْ لضرباتٍ قاصمة".

"قَضايا الوظيفيَّة قَضايا باطلةٌ، لا تدعمها إلاَّ براهين بدائيَّة للغاية، إنها لا تقلُّ إلحادًا عن النظرية الماركسية... ولم تُوفَّق في تقديم تحليلات مُقنِعة، وبخاصَّة خارج منطقة الحضارة الأوربيَّة".

"الظاهراتيَّة والتفاعليَّة الرمزيَّة والبنائيَّة الوظيفيَّة هي عبارةٌ عن تقاليع تستخدم مفهومات مجرَّدة بالغة التعقيد، تستعصي على الفهْم، وتُظهِر المتحدِّث بمظهر العالم الفذِّ المتمكِّن، وتخفي حقيقة تعالمه، علاوةً على أنها عديمة الصلة بالواقع المعاش".

"أجهَدَ المنظِّرون الاجتماعيُّون أنفسَهم في محاربة بعضهم بعضًا، سقطت الوظيفيَّة ولم نعدْ نحن بحاجةٍ إليها الآن، وبسُقوطها فقَدَ علماء الاجتماع وحدتهم ومبرِّر وجودهم، عارضتْ نظريَّات الصِّراع الوظيفيَّة، لكنها لم تستَطِع أنْ تحتلَّ عرشها أوتوماتيكيًّا، وكما حدَث في الفصْل الأخير من تراجيديا شكسبير قتل كل بطلٍ الآخَر، ولم يعدْ لدينا الآن نظرية باقية".

"إنَّ هناك انحسارًا أكاديميًّا أدَّى إلى ضعفنا، وجعَل كلَّ شيء ينحدر إلى الأسوأ، إنَّه من الصعب علينا أن نعمل في بيئة مُشوَّهة ومعادية، إنَّ المزاج المعرفي الآن قد أنتج نماذج تفسيريَّة متعدِّدة متصارعة عن الكائن البشري".

ويعتَرِف العلماء الاجتماعيون بعدَّة حقائق مهمَّة عن العلوم والنظريَّات الاجتماعية، نوردها هنا على النحو التالي:
الأولى: أنَّ الحقل المعرفي الذي تطوَّرت فيه نظريَّات علم الاجتماع حقلٌ راعَى ما يسمَّى بقواعد اللعبة المشتركة والمقبولة ضمنيًّا من الجميع، والتي أوجدت حيِّزًا مكانيًّا مُشترَكًا لجميع الفرقاء.

الثانية: وننقلها هنا على لسان علماء الاجتماع الأمريكيين:
"تنطلق النظريَّات والنماذج والمنظورات الخاصَّة بعلم الاجتماع من داخل الأبنية العامَّة للمجتمعات الرأسماليَّة... وعلماء الاجتماع في هذه الأبنية يعيشون أصلاً في (سوق أكاديمي) يشتدُّ فيه الصراع على الهيبة والعُمَلاء والمستَمِعين، ولا بُدَّ في هذه السوق من الابتكار والاختراع لضَمان السوق والعملاء، ومن ثَمَّ لن يبقى في هذه السوق أصحاب النظريَّات والآراء القديمة؛ فالسوق لا يعيش بأفكار الأمس، بل بالأفكار الجديدة التي تُعطِي الهيبة، وتفتح مجالات ومؤتمرات ومراكز بحث وأقسام جديدة، إنَّ هذه الأفكار والآراء والنماذج الجديدة ليست بحثًا نبيلاً عن الحقيقة، إنها بحثٌ عن الهيبة والوظيفة والعُمَلاء".

الثالثة: أنَّ الشك في قيمة وجَدوَى العلوم الاجتماعية قد زاد في السنوات الأخيرة، وأنَّ المشتغِلين بهذه العلوم لم تكن لهم القُدرة على متابعة الأحداث المهمَّة، لا في مجتمعاتهم ولا عبر العالم، كما أنَّ قلَّة العائد الملموس من هذه العلوم لم يُمكِّن أصحابَها من تدعيم مركزهم أو إقناع حُكوماتهم بجدوى بحوثهم التي يشوبُها الجدل والافتراضات والتعميمات الفضفاضة التي لا تستند إلى أساسٍ مَتِين من الواقع، وقد أدَّى الشكُّ في هذه العلوم إلى زيادة حدَّة السخرية والتهكُّم اللاذع عليها باتِّهام العلماء الاجتماعيين بأنهم يقضون ربع قرنٍ من حياتهم للبرهنة على حقائق يعرفها الناس من أجْل إعطائها الصبغة العلميَّة.

الرابعة: أنَّ العلوم الاجتماعية ليست علومًا عالميَّة، ولا يمكن القول بأنَّ نتائجها ذات مصداقيَّة عالميَّة؛ لأنها لم تُجرَ إلا على الغرب الحديث، كما أنها لا تستند إلى قاعدةٍ كافية من المعلومات عن سائر المجتمعات البشريَّة؛ ولهذا فإنَّ نظريَّاتها لا تنطبق إلا على مجتمعات الغرب فقط.

الخامسة: أنَّ قادة الفِكر الغربي في العلوم الاجتماعية انطلقوا من مبدأ تفوُّق واستعلاء الغرب على العالم، وكان مفهوم التفوُّق الغربي مسلَّمة أساسيَّة عندهم، والذين حاوَلوا منهم إنصاف الإسلام مثل (رودنسون)، كان يستهدف القول للمسلمين بأنَّ الإسلام إنْ كان صالحًا للماضي فهو غير صالحٍ الآن.

السادسة: أنَّ العلوم الاجتماعية الغربية ارتبطت ارتباطًا مباشرًا بالدولة ومُخطَّطاتها؛ ولهذا فإنَّ النظريَّات الغربية سارت وفْق مخطط السيطرة الغربية على النظام العالمي، وعلى أساس مسلَّمة تفوُّق الغرب، وأنَّ الحضارة الغربية هي الغاية الوحيدة للتقدُّم العالمي المنشود؛ ولهذا لا بُدَّ من سِيادة أفكاره، ومشروعيَّة سَيْطرته على العالم.

السابعة: أنَّ الكثير من الدراسات الاجتماعية يتمُّ بتوجيهٍ من إدارات المخابرات في الدول المختلفة، ولا سيَّما المخابرات الأمريكيَّة التي تُسخِّر أعدادًا من المتخصِّصين للقيام بدِراسات معيَّنة ليس في أمريكا وحدَها بل في العالم كله؛ بغرض التنبُّؤ والتكهُّن، ثم التحكُّم والتوجيه والإدارة بما يتَّفق مع المصالح العسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة الغربيَّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: حلقات من كتاب (اعترافات علماء الاجتماع، عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 10-09-2014, 07:58 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة علم الاجتماع: نزعة علمية مزيفة

علم الاجتماع: نزعة علمية مزيفة
ــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة الثامنة
------------

علم الاجتماع: نزعة علمية مزيفة
------------------------------

كان أكبر وهْم غرقنا فيه منذُ اللحظات الأولى التي درسنا فيها علمَ الاجتماع وحتى الآن هو: (النظرة إلى علم الاجتماع على أنَّه علم)، ولو كان أساتذتنا حدَّدُوا لنا أنهم يقصدون بعِلميَّة (علم الاجتماع) أنَّه علمٌ بالمعنى الواسع للكلمة؛ أي: (المعرفة) - لخفَّت حدَّة المشكلة نوعًا ما، لكنَّهم أكَّدوا لنا أنَّه علمٌ بمعنى أنَّه منهج متخصِّص ووجهة نظر مشابهة لتلك التي للعلوم الطبيعيَّة، وأنَّه وإنْ نشأ في أحضان الفلسفة فإنَّه الآن قد تحرَّر منها.

والآن بعد مُضِيِّ أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان على نشأة علم الاجتماع، ما زالت دراسة الظواهر الاجتماعيَّة تتخبَّط بين الفلسفة ومحاولة إخضاع هذه الظواهر لنفس مناهج العلوم الطبيعيَّة، تطبيق مناهج العلوم الطبيعيَّة على دراسة الظواهر الاجتماعيَّة يتعثَّر بشدَّة، وانحسرت النظرة إلى علم الاجتماع كعلمٍ طبيعي، وفي نفس الوقت لم تسقط النظرة الفلسفية في تفسير ظواهر الاجتماع، ويتعايَشُ الاتجاهان مع بعضهما، والذي خرجنا به بعد أنْ أدركنا هذا التخبُّط هو أنَّ النزعة العلميَّة (لعلم الاجتماع) إنما هي نزعةٌ مُزيَّفة على حدِّ قول المؤرِّخ الشهير (ديلثي)، الشروط التي حدَّدَها العلماء لاعتبار أيِّ معرفة علمًا لم تتحقَّق في علم الاجتماع، ما زالت مادَّة علم الاجتماع كما يقول (إيوبانك) مرتبطةً بأسماء أشخاص معيَّنين، هم الذين اخترعوا نظريَّاته ومدارسه الفكريَّة المختلفة، ليس لدَيْنا هذا الكيان الكبير من الحقائق المقبولة بصفةٍ عامَّة التي يمكن النظر إليها على أنها أحكامٌ نهائيَّة، نحن نرجع إلى رجال مُعيَّنين وليس إلى علمٍ محدَّد، هؤلاء الرجال هم الذين يتحدَّثون باسم علم الاجتماع أو علماء الاجتماع ككل، إنَّ علم الاجتماع كما يقول (كوليمان) ليس بعلمٍ دولي وليس بعلم لا بالمعنى القديم ولا الدقيق للكلمة.

ولا يزال هناك في جامعاتنا حتى الآن مَن ينكر إمكانيَّة وجود علم لدراسة المجتمع.

وتُعتَبر دراسة المجتمع في كثيرٍ من جامعات العالم من الدراسات الأدبيَّة أو الفنيَّة، وليست من الدراسات العلميَّة، أقسام علم الاجتماع مُلحَقة بكليَّات الآداب والفنون، وهناك من الكليات مَن لا يفرد قسمًا خاصًّا لدراسة المجتمع، بل يضمُّها داخل أقسام الفلسفة أو غيرها من فروع المعرفة، وحين يُذكَر العلم فنادرًا ما يَطرَأ على أذهان الناس، حتى أكثرهم معرفة وعلمًا، ومَن هم على مستوى المسؤولية - أنَّ دراسة المجتمع تدخُل في نِطاقه، وحينما تنشأ مجالس مُتخصِّصة لرعاية ضروب المعرفة المختلفة، تستبعد معرفة المجتمع من قائمة المعرفة العلميَّة بطريقة آليَّة، وتُضاف إلى المعرفة الفنيَّة والأدبيَّة، وما زال هناك من المثقَّفين من يرى أنَّ فهم المجتمع مسألة لا تتطلَّب أكثر من مجرَّد عمليَّة تأمُّل لما يدور حولهم، وقراءة لما يكتب في الصحف والمجلات، وأنَّ الأمر لا يحتاج تخصُّصًا وتأهُّلاً كالذي يتطلَّبه فهم التفاعُلات الكيميائيَّة أو الظواهر البيولوجيَّة.

الذي لا جِدال فيه هو أنَّ نشأة علم الاجتماع لم تكن نشأةً علميَّة، وأنَّ علماء الاجتماع الأوائل كانوا يلبسون ثوب الفلاسفة الأخلاقيين، وما كُتِبَ لأفكارهم البَقاء إلا لأنَّه نُظِرَ إليها على أنها فكر يحلُّ المشاكل.

لم تكن الأفكار والمفاهيم التي صاغَها كبار علماء الاجتماع الأوائل نتيجةَ تحليلٍ علمي كما نفهمه هذه الأيَّام، كان هؤلاء الكبار يعتمدون على الحدس والتخمين العميقين، كانوا يستجيبون لما يدورُ حولهم كما يستجيب الفنان.

إنَّ الكثير من الأفكار التي كتبوا عنها كانت تدورُ في وجدانهم وعقولهم قبل أنْ يكتبوا عنها، وربما استمدُّوها من مُفكِّرين سابقين، أو كانت محصلة خِبرة شخصيَّة أو مشاعر تملَّكتهم كالإحساس بالوحدة والهامشية.

والذي لا جِدال فيه أيضًا هو أنَّ العلماء الاجتماعيين لا يَشعُرون في أعماقهم بأنهم علماء، أو أنهم ينتمون إلى فئة العلماء بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنَّهم يصرُّون مع ذلك على أنهم علماء وخبراء في شُؤون المجتمع، يكتبون ويتحدَّثون عنه بلا تردُّد، ومنذ أن وُجِدَ علم الاجتماع كنسقٍ معرفي جديد ومحاولات المشتغِلين به لم تتوقَّف في السعي نحو إثبات أنَّه علم وأنهم علماء؛ ولهذا يبذلون جُهُودًا مستميتة في أنْ يكونوا أكثر صوريَّة وأكثر رياضيَّة، يستخدمون الأدوات ويُحسِنون في أدائها لوظيفتها، يحرصون على استِبدال الكيفيَّات (أي: الصفات التي لا تُقاس بكميَّات عدديَّة) بكميَّات وأرقام؛ لأنَّ الرياضة هي لغة العلم الآن؛ ومن ثَمَّ يُؤكِّدون أهميَّة المنهج العلمي في دراستهم.

شبحان دائمان كانا ماثِلَيْن أمامَ العلماء الاجتماعيين؛ أولهما: الشك الذي يُساوِر الناس في العلوم الاجتماعية وحظها القليل في خدمة البشرية، والثاني: هذه الهيبة العالية التي يتمتَّع بها علماء الطبيعة ودورهم في تدعيم الحضارة الصناعيَّة وخِدمة البشريَّة، وما يرتَبِط بها من ارتفاع مُستويات المعيشة، هذان الشبحان كانا وراء حمَّى اعتقاد العلماء الاجتماعيين بأنَّ الدراسة لا تُعتَبر علميَّة إلا إذا استُخدِمت فيها المناهج التجريبيَّة، وأنه لا بُدَّ من تحويل الموضوعات الاجتماعيَّة إلى كميَّات عدديَّة وعلاقات رياضيَّة.

كان نموذج العلم الطبيعي أمَلاً عزيزَ المنال يُحاوِل علماء الاجتماع الاقترابَ منه، النتائج الباهرة التي وصَلتْ إليها العلوم الطبيعيَّة في القُرون الثلاثة الأولى أوهمَتْهم بأنَّه من الممكن إعادة بناء الفكر وصِياغته على أساسٍ من العلم التجريبي، وأنَّ طريقة هذا العلم يمكن أنْ تمتدَّ إلى الناس والمجتمع، اعتَقَد العلماء الاجتماعيُّون أنَّ المناهج التي أثبتَتْ نجاحها في العلوم الطبيعيَّة هي المناهج التي تُناسِبُ دراسة الظواهر الاجتماعيَّة، فأصبح همُّهم الأوَّل هو التحكُّم التجريبي في شؤون المجتمع، ومنْح علم الاجتماع معايير العلم الطبيعي من ملاحظات موضوعيَّة، وأدوات منهجيَّة دقيقة، وفروض تُوجِّه البحث... إلخ.

أقنع العلماء الاجتماعيون أنفسهم بوحدة العلوم ووحدة مناهجها، وانطلاقًا من هذه المسلَّمة المخادعة اعتبروا أنَّ النظرية الطبيعية هي المثال الذي يجب أنْ يحتَذِيَه العالم الاجتماعي عند بِنائه لنظريَّاته الاجتماعيَّة، ومن ثَمَّ فإنَّ منهج العلم الطبيعي هو المنهج الوحيد الذي يتعيَّن عليه أنْ يتبعه، وهو المثل الأعلى لعلم الاجتماع، صدَّق الببغائيُّون في بلادنا هذه الخديعة، فهلوسوا قائلين: إنَّ منهج العلوم الطبيعيَّة هو أعظم مكتسبات الحضارة الأوربيَّة منذ عصر النهضة على الإطلاق، وأنَّه نموذجٌ لكلِّ فكر يريد أنْ يصبح علمًا؛ لأنَّه بفضل هذا المنهج استطاعت العقلية الأوروبية القضاءَ على الكثير من النظريات الذاتية الأسطورية الميتافيزيقية اللاهوتية، وأنَّه شرط اليقين والضامن للموضوعيَّة والكفيل بتقدُّم العلم، ظنَّ العلماء الاجتماعيون أنَّ دراسة الظواهر الاجتماعية يمكن أنْ تقوم على الملاحظة والاستنتاج واستقراء الحقائق مع صِياغة النتائج في كميَّات عدديَّة، أو رموز رياضيَّة، ورسوم بيانيَّة، وقوانين إحصائيَّة.

غالَى العلماء الاجتماعيون فيما اعتقدوا به؛ فعلَّمونا أنَّ أيَّ فهْم حقيقي للمجتمع الإنساني لا بُدَّ أنْ يتمَّ باتِّباع المنهج العلمي، وأن أيَّ محاولة للتحكُّم في ظواهر المجتمع وحل مشكلاته لا بُدَّ أنْ تقوم على منهج مبنيٍّ على الأسس العلميَّة لطبيعة هذه الظواهر، وأنَّ كلَّ فعل أو فكرة لا تخضع لمنهج التجريب هي غير علميَّة على الإطلاق.

كانت أوَّل كارثة أصابَتْنا من وراء هذه المسلَّمة الخادعة هو اعتِقادنا في صحَّة قولهم: إنَّ المعرفة في علم الاجتماع يجب أنْ تكون نتيجةً للانطِباعات الحسيَّة وما يترتَّب عليها، وإنَّ حقيقة الشيء تتوقَّف على إمكان حدوثه كليًّا أو جزئيًّا على هيئة مجموعةٍ من الانطباعات الحسيَّة، وإذا استطعنا - كما يقول كارل بيرسون - أنْ نقيم نظامًا على أساس هذه الانطباعات أمكننا أن نسنَّ قانونًا.

كنَّا نُصدِّق هذا الزيف ولم نكن نعلم وقتَها أنَّ الهدف من كلِّ هذه (العلميَّة) المُغالَى فيها هو ألا نحاول التفكير في رد حركة الظواهر والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية إلى إلهٍ أو دين أو عقيدة، فالدِّين والعلم عند علماء الغرب ورجال الاجتماع في بلادنا منفصلان، والاستناد إلى الدِّين - كما علَّمَنا أحمد الخشاب - استنادٌ إلى عقليَّة غيبيَّة، رجعيَّة تسلطيَّة، والوصول إلى نظرية اجتماعية عربية يتطلَّب أوَّل ما يتطلب الإطاحة بهذه العقلية وهذه العقيدة.

اكتشفنا أنَّ إصرار العلوم الاجتماعيَّة وعلم الاجتماع على أنْ تُطلِق على نفسها صفة العلم، وأن تتشبَّه بالعلم، ليس القصد منه دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية منزَّهة عن الميول والأهواء والتحيِّزات، وإنما المقصود به التمسَّك الشديد بتطبيق أساليب وطرق البحث المتَّبَعة في العلوم الرياضيَّة.

• غابَ عنَّا أنَّ الجماعة الاجتماعيَّة ليست كالمجموعة الشمسيَّة، وأنَّ الناس ليسوا كالمواد الأرضية والأجرام السماوية من حيث: تكويناتها، وحركاتها، والتغيُّرات التي تطرأ عليها.

• غابَ عنَّا أنَّ الإنسان ليس وحدةً مُتكرِّرةً، وليس كقطعةٍ من الحديد لا عقل له ولا إرادة، محكوم بقوانين ونظريَّات واحدة، لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، ولا يختلف ظاهره عن باطنه، ونسينا أنَّه كائن حي، له إرادة، وخواطر، وظاهر، وباطن، ورغبات متجدِّدة، دائمة التغيير والتأثير والتأثُّر بالعلاقات مع الآخَرين.

• غابَ عنَّا أنَّ التعامُل مع الظواهر الاجتماعية كأشياء هو عين طريقة تعامُل اليهود مع الأُمَميِّين، ومبدعها يهودي معروف، سليل أسرةٍ من الأحبار اليهود الذين يتعامَلُون مع غير اليهود كأنهم ذرَّات أو ذباب فاكهة، ونسينا أنَّنا نتعامَل مع بشرٍ نتحاور معهم ونتعاطَف، ونُشارِكهم، ويشاركوننا وجدانيًّا، وأنَّنا نتعامَل مع: حياة، وسلوك، وأفكار، وقِيَم.

• غابَ عنَّا أنَّ هناك فارقًا بين ظواهر يمكن تفسيرها من خارجها، وبشرًا لا يمكن فهْم قَضاياهم إلا من داخِلهم، وأنَّ هناك فارقًا بين ظواهر تربطها علاقات علميَّة آليَّة وبشرًا يخضعون لقيم ويرتبطون بأهداف.

• غابَ عنَّا أنَّ هناك فارقًا بين ظواهر يمكننا التحكُّم فيها من الألف إلى الياء، ونضعها تحت تصرفنا في أيِّ وقت نريد، وفي أيِّ مكان نريد، ووفق أيِّ هدف نسعى إليه، نُعدِّل فيها ونُبدِّل كما نرى، وبين بشرٍ لا نستطيع التعامُل معهم كما نتعامَل مع قطرات الماء، أو قطع الأحجار، أو ثاني أكسيد الكربون.

تصرَّفنا مع الناس والمجتمع كعلماء فيزياء أو كيمياء - بغضِّ النظر عن رأي هؤلاء العلماء فينا - واقتنعنا أنَّ الفارق بين علومهم وعلمنا هو فارقٌ في الدرجة، وانطلقنا نُفسِّر العلاقات بين البشر تفسيرًا كميًّا مُصاغًا في لغةٍ رياضيَّة لا يفهمها إلا نحن، على أمَل أنْ نخدع الآخَرين بأننا علماء، نتعامل مع الناس بلا هوى، وبلا تحيُّزات، وبلا ميول، وبلا مصالح، وأنَّه لا شيء يمكن أنْ يتلف نِزاعاتنا ويحملنا على التأثُّر بعوامل ذاتيَّة.

أخضعنا الناس للتجربة، وتجاهَلْنا أنَّ في ذلك انتهاكًا لحرماتهم، واعتداءً على حريَّتهم باسم العلم والمنهج العلمي، تعلَّمنا من أساتذتنا وعلَّمنا طلابنا خُرافة المجموعة التجريبيَّة والمجموعة الضابطة، وأنَّه بإمكانهم عزْل الظواهر الاجتماعيَّة صناعيًّا والتحكُّم فيها؛ حتى يتوصَّلوا إلى تحقيق الظروف المتماثلة، علَّمنا طلابَنا أنْ يقسموا مبحوثيهم إلى مجموعتين؛ إحداهما تجريبية والأخرى ضابطة، متشابهتان في كلِّ الظروف، يعرضون إحداهما لإجراءات التجريب والأخرى لا يعرضونها، ثم يقارنون ويلاحظون ويحاولون الوصول إلى حُكمٍ استقرائي بأنَّ الأثَر الواضح الحدوث بعد التجريب يُعزَى إلى العامل المستدخَل في عمليَّة التجريب، لم نكن نعرف أنَّ هذا المنهج عديم النفع بين البشر؛ لأنَّه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقَّق إلا في حُدود مدَّة تاريخيَّة واحدة، فإنَّ عزل الظواهر الاجتماعيَّة صناعيًّا من شأنه أنْ يستبعد عوامل قد تكون لها أهميَّة كبيرة، وأنَّ مرور زمن معيَّن يُعَدُّ كافيًا لإدخال عوامل لا تجعل من السبب التجريبي العامل الأساس في التغيُّر الحادث في الظاهرة المدروسة، وباسم التجريب والمنهج العلمي راح العلماء الاجتماعيون يعبَثُون بالقِيَم، وأقاموا في الغرب تجارب جريئة قاسوا فيها الاستجابات في أثناء العملية الجنسيَّة على أشخاصٍ متطوعين من كلا الجنسَيْن، يقومون من تلقاء أنفسهم بممارسة العمليَّة الجنسيَّة تحت عيون الملاحظين وعدسات التصوير، واعتبروا أنَّ ذلك فتحًا جديدًا في الدراسات التجريبيَّة بين البشر، ولَمَّا ثار المحافظون على هذا العبث أجرى العلماء الاجتماعيُّون تجاربهم سرًّا، وراحت مراكز البحوث في بلادنا تحذو حذوَهم وتحاول خوض هذه التجارب على رجالنا ونسائنا.

كان جون ستيوارت مل من أشدِّ العلماء تعصُّبًا للمنهج التجريبي، ولكنَّه اضطرَّ بعد إعمال فكر واجتهاد كبير إلى الاعتراف بالإخفاق في البحث عن الحقيقة الاجتماعيَّة، وإلى الاعتراف بأنَّه من غير الممكن في الميادين الاجتماعيَّة حدوث ظرفين متعادلين تمامًا ومتكافئين من جميع النواحي إلا ناحية واحدة، وأنَّ ذلك لا يحدث ألبتَّة: لا طبيعيًّا، ولا تلقائيًّا، ولا افتعالاً، يُدبِّره ويصطنعه أيُّ باحث مهما كانت قدرته.

أمَّا الادِّعاء بأنَّ تطبيق مناهج العلوم الطبيعيَّة على الإنسان والمجتمع سوف يُحقِّق الموضوعيَّة، فهذا من قَبِيل التضليل.

الموضوعيَّة في العلوم الطبيعيَّة تُعالَج في ضوء هويَّتها الخاصَّة كمادَّةٍ للبحث وطرق أو مناهج للدراسة، أمَّا الموضوعيَّة في شُؤون الإنسان والمجتمع فهي موضوعيَّة نسبيَّة ناتجة عن نسبيَّة الرُّؤَى المختلفة للمُشتَغِلين بالعلوم الاجتماعيَّة.

ورغم اعتراف علماء الغرب بأنَّ العيوب التي يعاني منها علم الاجتماع حتى اليوم إنما ترجع إلى تقليده الأعمى للعلم الطبيعي، بحيث أصبحت النتيجة مُحزِنة، وأصبح حال علم الاجتماع يُرثَى له بسبب الإصرار على هذا التقليد، فما زال في بلادنا مَن يصرُّ على إخضاع ما هو غير علمي لشروط الفرض العلمي الذي يَقبَل التحقُّق من صحَّته، وما زال يطمع في الوصول إلى نموذجٍ اجتماعي علمي على غِرار الصورة الفيزيائيَّة للعالم، وبعضهم يستشهد بنجاح الغرب في الوصول إلى وحدات تحليليَّة وتركيبيَّة لصور اجتماعيَّة مختلفة كمصطلح (الكارزما) أو (الصفوة) أو (الطبقة)، ونسي هؤلاء أنَّ البشريَّة تعرف هذه الحقائق منذ زمن بعيد، وأنَّ ما قام به علماء الغرب لا يتعدَّى مرحلة الوصف العام، ولم ينجحوا حتى الآن في إقامة نماذج اجتماعية تُشبِه في دلالتها وانتظامها نماذج العلوم الطبيعيَّة.

أمَّا استخدام علم الاجتماع للإحصاء والرياضيَّات، واستعانته بالآلات الضابطة والتجارب المعمليَّة، فلم يُحقِّق له خصائص العلم؛ لأنَّه وإنْ كان بالإمكان التثبُّت من وُجود الظواهر التي يدرسها بالرجوع إلى الواقع، فإنَّ هذه الظواهر لا يطَّرد وقوعُها بغير استثناء؛ لأنها لا تجري على غِرار واحد دومًا، ويتدخَّل في سير مجراها عقل أو ضمير أو إرادة، فإذا تغيَّر مجرى الظاهرة استحالَ إخضاعُها لقانون علمي دقيق.

لقد اعترف علماء الاجتماع بأنَّ استِخدام الإحصاء في علم الاجتماع كان السبب في ضَحالة أغلب النتائج التي توصَّلوا إليها، وسطحيَّتها، وتفاهتها، وزيفها، وجدبها، أدَّى استخدام الإحصاء - كما يقول علماء الغرب - إلى تَتْفيه البشر والمجتمع، وتَتْفيه عقول علماء الاجتماع أيضًا، وفوق هذا كله لم يمكنهم من فهم الظواهر الاجتماعيَّة أو فهم علاقاتها السببيَّة، يقول (زيمرمان): "إنَّ لدينا عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين يستَطِيعون القيامَ بحِساب معاملات الارتباط، لكنَّه لم يخبرنا أحدٌ ماذا تعني هذه المعاملات بالنسبة للتحليل السببي، إنَّه ما دامت العلوم الاجتماعيَّة قد أغرقت نفسها في مجرَّد جمع الحقائق وعلاجها الإحصائي، فإنها تتَّجِه إلى أنْ تكون مذهبًا تؤمن به طائفة مختارة من العلماء الاجتماعيين، هم الذين يستَطِيعون قراءة البحوث وفهمها؛ ومن ثَمَّ لا تصبح لهذه البحوث قيمةٌ في التوجُّه الاجتماعي".

هاجَم (سوروكن) الأسلوب الإحصائي، وقال: إنَّ هذا الأسلوب يجعل بإمكان أيِّ شخص أنْ يصبح باحثًا اجتماعيًّا؛ فهذا لن يكلفه سوى أنْ يأخذ عددًا من الأوراق ويملؤها بكلِّ أنواع الأسئلة، ثم يرسلها بالبريد ويتسلَّم الإجابات فيُصنِّفها ويُبوِّبها بآلة تبويب في عدَّة جداول، ثم يحسب آليًّا: النسب المئوية، ومعاملات الارتباط، والانحرافات المعيارية، والأخطاء الاحتمالية، ثم يقوم بكتابة تقريرٍ يملؤه بهذه الأعداد الضخمة والمؤثِّرة من الجداول والصيغ والمؤثرات وما إلى ذلك، حتى يتأكَّد القرَّاء أنَّه بحث موضوعي وكامل ودقيق، لأنَّ صاحبه اتَّبع طقوس البحث الكمي المعاصر في علم الاجتماع.

النظريَّات التي استعانَتْ بالرياضيات كانت عرضًا من الأعراض البارزة لما يسمَّى بهوس الاستخدام الكمي في العلوم الاجتماعية، وفي جملتها - كما يقول علماء الاجتماع - لم تضفْ إلى معلوماتنا أي جديد، ولم تفعل سوى أنها أعادت صياغة جهلنا.

النظريات الاجتماعية ذاتها مُعقَّدة وغامضة، ولا يمكن استخدام الرياضيَّات إلا إذا أصبحت النظرية ذاتها أكثر تعقيدًا بحيث يَصعُب رؤية كلِّ ضمنيَّاتها، فما الذي نتوقَّعه إذًا إلا المزيد من الغموض واللبس والإبهام!

إنَّ استخدام الرياضيات في العلوم الاجتماعيَّة إمَّا أنْ ينتهي إلى عبارات رياضية لا تمسُّ إلا قدرًا يسيرًا من المشكلات الحقيقيَّة التي كان عليها أنْ تعالجها، أو أنْ تتمخَّض عن صِيَغٍ تافهة لا تُؤدِّي إلى أكثر ممَّا يمكن أنْ تؤدِّيه العبارات اللفظيَّة.

هذا، وقد اعترف العلماء الاجتماعيُّون بأنَّ استخدام الرياضيات في العلوم الاجتماعية قد كانت نتيجته: فقرًا في المنطق، وغُموضًا في الأفكار، وادِّعاء كاذبًا بالأصالة، يحاول صاحبه أنْ يخفيه ويخفي هذه العُيوب جميعًا بكساءٍ من أرقام، وعبارات غامضة تَعكِس خواءً في العلم أكثر ممَّا تعكس ثراءً فيه.

ومنذ نشأة علم الاجتماع وإلى اليوم وعُلَماؤه يتحدثون عن إمكانيَّة التوصُّل إلى القوانين التي تحكُم المجتمع البشري، أين هذه القوانين؟ ثلاثون عامًا ونحن نبحث عنها بلا جَدوَى، كلُّ ما دَرْسناه وندرسه لطلابنا ليس إلا مجرَّد أحكام عامَّة جاءتْ بعد جهود ضائعة وغير مثمرة، أحكامًا لا تخلو من العيوب والنقص، ليس في جملتها إلا أقوالاً بدهيَّة صِيغَتْ في كلمات طنَّانة غامضة جوفاء.

كنَّا نعتقد أنَّ هناك هدفًا نبيلاً من السعي المُتَواصِل لعلماء الاجتماع وإصرارهم على التوصُّل لهذه القوانين، ثم اكتشفنا أنَّ الهدف ليس السعي لاكتشاف سنن الله الاجتماعيَّة، وإنما هو تحويل المجتمع إلى آلةٍ كبيرة محكومة الحركة مضبوطة الأزرار، ثم فرض قواعد وقوالب مُعيَّنة على حركته الاجتماعيَّة، إنها قواعد اللعبة الاجتماعيَّة في منطقة محدَّدة وزمان محدَّد، لكنَّهم على أيَّة حال فشلوا في التوصُّل إلى هذه القوانين، وفشلوا في التنبُّؤ والتحكُّم في حركة المجتمع.

أحكامهم التي توصَّلوا إليها ليست دقيقةً ولا مضبوطة، احتماليَّة ترجيحيَّة تَعكِس أصحابها وتحيُّزاتهم وميولهم ومصالحهم، أحكامهم مرهونةٌ بالمدارس الفكريَّة التي ينتَمُون إليها، تفتقد إلى أوَّل شرطٍ من شُروط القانون، وهو العموميَّة التي لا تجعل صِدقَه مرهونًا بزمان أو مكان أو ظروف معيَّنة، أحكامهم لا دقَّة فيها ولا ضبط، تَكثُر فيها الحالات الاستثنائيَّة، والاستثناء ممتنعٌ في القانون العلمي، والشاهد السلبي الواحد يُرجِّح مِئات الشواهد الإيجابيَّة، الاستثناءات في العلوم الاجتماعيَّة أكثر من أنْ تُحصَى، ومن الضلال أنْ يُقال أنَّ الشاذ في علم الاجتماع لا يهدم القانون، فالحياة الاجتماعية مليئةٌ بالتعقيدات الهائلة التي تتدخَّل فيها الإرادة البشريَّة وتُغيِّرها وتُعدِّلها؛ ممَّا يتعذَّر معه إخضاعُها لقانونٍ علمي ثابت.

إنَّ واقع العلوم الاجتماعيَّة لَيَشهدُ أنَّ فكرة القانون لا يمكن أنْ تكون مساويةً لمعناها في العلوم الطبيعيَّة، إنَّ استقراء الماضي ليس أساسًا كافيًا لاستخلاص قانونٍ إذا أُرِيد الاحتفاظ بكلمة (القانون) بمعناها العلمي المعروف، وما اكتشفته العلوم الاجتماعيَّة ليس بقوانين؟ لأنَّنا عاجزون دومًا عن معرفة ما إذا كانت هذه القوانين صادقةً في الماضي، فليس لدينا من الوثائق ما يُثبِت ذلك، ولا نعرف أيضًا ما إذا كانت ستَصدُق في المستقبل أو لا.

إنَّ أهمَّ ما يُميِّز القانون العلمي هو استقلاله عن الإرادة الإنسانية وحدوثه سواء شاء الإنسان أو لم يشأ، فهل هناك حقًّا إلى جانب إرادة الإنسان عاملٌ خفيٌّ يوجه الحوادث في اتجاه معيَّن، أم أنَّ الإرادة الإنسانيَّة هي التي تقوم بذلك فعلاً؟ إذا صحَّ أنَّ إرادة الإنسان هي التي تقوم بذلك، وهي العامل الوحيد المتحكِّم في توجيه دفَّة الأمور، فما قيمة الإشارة إلى القانون؟ أليس في وسع إرادة الإنسان أنْ تكسر هذا القانون وتُوجِّهه متى شاءت وجهةً أخرى؟

إنَّ تعقيد الحياة الاجتماعيَّة الهائل لا يسمح لنا باكتشاف القوانين التي تحكمها، طالما أنَّ مُنطَلقاتنا لا تعترف بغير إرادة الإنسان في حركة المجتمع، فإذا كنَّا لم نستَطِع اكتشافها فمن العبث أنْ ندَّعي بأنها موجودةٌ ما لم نُغيِّر هذه المنطلقات.

أمَّا الادِّعاء بأنَّ علم الاجتماع ما زال في مهده، وأنَّه سيُحقِّق إمكانيَّة الوصول إلى هذه القوانين بعد أنْ ينضج، فإنَّه ادِّعاء ساذج؛ لأنَّ الزعم بعدم النُّضج هذا قد استمرَّ لفترةٍ طويلة من الزمان دون أنْ تظهر على العلم أيُّ علامة من علامات النمو.

وهناك من علماء الاجتماع مَن يقرُّ بأنَّ علم الاجتماع لم يتوصَّل إلى قوانين، وإنما توصَّل إلى ما أسموه (بالتعميمات الأمبريقيَّة) التي يتمُّ التوصُّل إليها عند فحص العلاقة بين متغيِّرين، هذه التعميمات لا يمكن الأخْذ بها، وهي غير ذات نفْع في علم الاجتماع؛ لأنَّه لا يوجد في المجتمع اطِّراد طويل الأمَد يَصلُح أنْ يكون أساسًا للتعميمات بعيدة المدى - بغضِّ النظر عن الاضطرار في الأمور التافهة - إنَّ افتراض صدق التعميمات في علم الاجتماع أمرٌ كاذب ومُضلِّل إلى حدٍّ كبير؛ لأنَّه ينكر أنْ يطرأ على المجتمع أيُّ تغيُّر أو تطوُّر، ويُنكِر أيضًا أنْ يكون للتطوُّرات الاجتماعيَّة - إنْ وُجِدت - أيُّ أثَر في الأمور المنتظِمة الأساسيَّة في الحياة الاجتماعيَّة.

إنَّ كثيرًا من التعميمات التي أطلقها علماء الاجتماع ليست إلا أقوالاً بدهيَّة لا تَرقَى إلى مستوى القوانين، ولا تلبثْ عموميَّتها أنْ تنهار أمام الفحص الدقيق، كما أنَّ كلَّ التعميمات التي توصَّلَ إليها علماء الاجتماع مبهمة غامضة فضفاضة، وعلى فرض صِدقها فإنها ليست سوى مجرَّد تكرار لمعانٍ جزئيَّة، وإبرازٍ لأشياء عادية مألوفة في صورة أخرى، تأخُذ شكلاً استدلاليًّا تافهًا وساذجًا.

وإذا اعتقد علماء الاجتماع أنَّه باستِطاعتهم الوصول عن طريق تحليلهم للحياة الاجتماعيَّة إلى اكتشاف السبب في وقوع حادثٍ معيَّن على نحوٍ معيَّن، وإلى إدراك هذا السبب وكيفيَّة وُقوعِه، بحيث يقولون: إنهم توصَّلوا إلى فَهْمٍ واضح لعِلَلِه ونتائجه؛ أي: القُوَى التي سبَّبَتْه، وآثاره التي لحقَتْ بغيره من الحَوادِث، فإنهم رغم ذلك لا يستطيعون الادِّعاء بأنهم توصَّلوا إلى قانونٍ يصلح لوصف مثل هذه العلاقات بوجْه عام؛ لأنَّه قد لا يوجد من المواقف الاجتماعيَّة ما يصحُّ تفسيره بتلك القوى المعيَّنة التي اكتشفوها غير الموقف الوحيد المعيَّن الذي وُفِّقوا إلى تفسيره، وقد تكون هذه القوى فريدةً في نوعها؛ بمعنى: أنها لا تظهر إلا مرَّة واحدة، ولن تعود إلى الظهور مرَّة أخرى.

وباختصار: إنَّه لا يمكن التوصُّل في علم الاجتماع والعلوم الاجتماعيَّة إلى نسقٍ نظري متَّسق ونهائي، كذلك القائم في العلوم الطبيعيَّة، رغم اهتزاز هذه القاعدة فيها الآن.

تعلَّمنا وعلَّمنا طلابنا أنَّ علم الاجتماع نسق نظري؛ بمعنى: أنَّ غايته تفسير الحوادث والتنبُّؤ بها بواسطة النظريَّات أو القوانين الكليَّة التي يُحاوِل اكتشافها، لكنَّنا تيقنَّا الآن أنَّ علم الاجتماع لن يصل مطلقًا إلى دقَّة التنبُّؤات الفلكيَّة مثلاً؛ لاستِحالة فكرة التقويم الدقيق للأحداث الاجتماعيَّة.

إنَّ فكرة التقويم الدقيق المفصَّل للأحداث الاجتماعيَّة فكرةٌ متناقضة، والتنبُّؤات الاجتماعيَّة الدقيقة مستحيلةٌ بسبب تعقُّد الأبنية الاجتماعيَّة، وتبادُل التأثير والتأثُّر بين التنبُّؤات والأحداث المتنبَّأ بها، ويمكن بالمنطق وحدَه إثباتُ ذلك، لو أمكن عملُ تقييمٍ للحوادث الاجتماعيَّة واطَّلَع الناس على هذا التقييم؛ لأنَّه لن يكون سِرًّا مكتومًا لمدَّة طويلة، وبقدرة أيِّ إنسان أنْ يكتشفه، لكان في ذلك - بدون شك - مَن يحاولون القيامَ بأعمالٍ من شأنها أنْ تفسد التنبُّؤات، فإذا تنبَّأ أحدٌ بأنَّ سعر الأسهُم سيرتفع على مَدَى ثلاثة أيَّام ثم يهبط بعدَها، فمن الواضح أنَّ كلَّ مَن له صلةٌ بالسوق سوف يبيع أسهمه في اليوم الثالث، ويتسبَّب ذلك في هبوط الأسعار ويكذب التنبُّؤ.

التنبُّؤ حادثٌ اجتماعي قد يتأثَّر بغيره من الحوادث ويُؤثِّر فيها، ومن بين هذه الحوادث الحادث المتنبَّأ به، قد يُساعِد التنبُّؤ بالإسراع في وُقوع هذا الحادث، وقد يُؤثِّر فيه على نحوٍ آخَر، بل قد يُؤدِّي إلى إحداث الحادث الذي تَمَّ التنبُّؤ به؛ بمعنى: أنَّ الحادث ما كان ليقع أصلاً لو لم يحدث التنبُّؤ، إنَّ العالم الاجتماعي قد يتنبأ مثلاً بأمرٍ ما وهو مدركٌ في الوقت نفسه أنَّ تنبُّؤه هذه سوف يكون سببًا في وقوعه، وقد ينفي وقوع حادثٍ ما في المستقبل فيمنع ذلك من حُدوثه، وإذا كان العالم الاجتماعي قد قال الحقَّ في الحالتين فلا يعني هذا أنَّه لم يخرج عن الموضوعيَّة؛ لأنَّه حين تنبَّأ (وجاء المستقبل مؤيِّدًا له) قد يكون عمل على الاتجاه بالحوادث في الوجهة التي يُفضِّلها شخصيًّا.

هذا، وقد اصطُلِح على تسمية الاتجاه الذي يقوم على: التجربة، أو الملاحظة، أو التجريب والاعتماد على: الخبرة الحسيَّة، والرياضيات، والإحصاء، واستِنتاج العلاقة بين مُتغيِّر وآخَر عند دراسة أجزاء من الواقع الاجتماعي (بالاتجاه الأمبريقي)، يجمع الباحثون المعلومات عنه من خلال إجراء مُقابَلات مع عددٍ من الأفراد يُختارون عبر عيِّنةٍ ما، ثم تُصنَّف إجاباتهم وتُنسَّق وتُرتَّب وتُحوَّل إلى بطاقاتٍ مثقوبة، ثم تُترجَم النتائج ترجمةً إحصائيَّة يُعبَّر عنها بنسب مئويَّة بهدف الوصول إلى نظريَّة تُركِّز على تَراكُم النتائج المُستَنبَطة من الدراسة الواقعيَّة لموضوعاتٍ مختارة.

دخَلَ هذا الاتجاه إلى بلادنا مع غُروب دور أساتذة الاجتماع التابِعين للمدرسة الإنجليزية والفرنسية، وظهور هذا الجيل التابع للمدرسة الأمريكيَّة ونزعتها الأمبريقية، وهكذا سارَت الدراسات العُليَا في بلادنا على نفس المنوال الذي تسير عليه في الولايات المتحدة؛ حيث يُسَيطِر الأساتذة سَيْطرةً كاملة على الطلاب الذين يُلقِّنونهم بأنَّ الأصالة هي صياغة مشكلة أو القدرة على اكتشاف جانبٍ منها، وأنَّ الكفاءة هي جمْع أكبر قدرٍ من المعلومات الجديدة والموثَّقة حول هذه المشكلة، ويُنبِّه على الباحث بأنْ يبذل مجهودًا مرضيًا في فحص الأدلَّة واستكمال البحث، والحصول على معرفة منظَّمة بالمشكلة والقضايا والمناقشات التي تدورُ حولها.

خُدِعنا بهذه الاتِّجاه الأمبريقي، وقالوا لنا: إنَّه أفضل الطرق الموافقة لرُوح العصر التي يمكن الحصول بها على نتائج واقعيَّة مستقلَّة عن أيِّ اتجاه مُعارِض لدِينٍ أو عقيدة، ثم اكتشفنا أنَّ هذه الأمبريقيَّة تستَنِد إلى ما يَسُود العلوم الاجتماعيَّة بوجْهٍ عام من اتِّجاه علماني، ومن اهتِمام بمسائل علمانيَّة، ولأنَّ الأمبريقيَّة تعتمد فقط على الأساليب الفنيَّة، فإنها ترفُض أيِّ فكر، وتبدأ من الواقع وتنتهي إلى الواقع، وترى بصراحةٍ (أنَّ كلَّ ما لا يخضع للتجريب فهو باطل).

سدَّ (لندبرج) - عالم الاجتماع المعروف الذي لُقِّب بنبيِّ العهد الجديد - الطريقَ أمام إنقاذ البشريَّة إلا من طريق تطبيق العلم الطبيعي ومناهجه على محاولات فهْم المجتمع، وكان من أشدِّ المتطرِّفين في هذا الاتجاه، وكان يخاطب الشاكِّين وغير المتحمِّسين لوُعُود العلوم الاجتماعية بقوله: "إنَّنا إذا لم نؤمن بالعلوم الاجتماعية فبمَن نؤمن؟".

إلا أنَّ علماء الغرب أنفسهم هاجموه وقالوا: إنَّه ترك الإنسان بلا أمل، وحوَّل قيمه وغاياته إلى نوعٍ من التوتُّرات التي تحتاج إلى تخفيفٍ... إنَّ الإنسان والمجتمع لا يمكن أنْ نُماثِلهما بجزئيَّات أو ذرَّات، ولا يمكن تمثيل سلوك الإنسان بحركة هذه الأجزاء، وإلاَّ فإنَّنا نُجرِّد الحياة الاجتماعيَّة من حيويَّتها وقيمتها.

ونستعرض هنا بعضًا من أقوال علماء الغرب الرافضة تطبيقَ مناهج العلوم الطبيعيَّة على الإنسان والمجتمع.

• قال (إلوود): "إنَّ مناهج العلوم الطبيعيَّة بما في ذلك الإحصاء لا تُمكِّننا من فهْم الظواهر الاجتماعيَّة".

• قال (وليم توماس): "إنَّ السلوك الإنساني يتَّصِف بالتعقيد والتنوُّع بحيث تُصبِح مقارنته بالظواهر الطبيعيَّة نوعًا من العبث".

• وأرجَعَ (باسي) فشَلَ العلوم الاجتماعيَّة الحديثة في دراسة الإنسان دراسةً كليَّة شاملة إلى حِرصها الشديد على تبنِّي الأساليب الوضعيَّة.

• أمَّا (فيلبسون) فقد قال: "إنَّ الظواهر الطبيعية تختلف عن الظواهر الاجتماعية اختلافًا بيِّنًا، وعالم الطبيعة يدرس أصلاً ظواهر لا تتَّخذ بناء معرفيًّا مسبقًا، فهي ظواهر لا تعرف القصد والإرادة، وعلاقته بهذه الظواهر علاقة خارجيَّة تختلف تمامًا عن علاقة العالم الاجتماعي بالظواهر التي يدرسها".

• ويقول (رد فيلد): "إنَّ هناك فارقًا بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني، إنَّ دراسة الثقافة في ضوء مفاهيم الفيزياء تعني: تفتيت الإنسانية إلى أجزاء ليست هي الأفراد والجماعات، إنَّ تبنِّي نظريَّات ونماذج العلوم الطبيعيَّة وتطبيقها في المجال الاجتماعي يُصاحِبه تقدُّم في معرفتنا بالمجتمعات".

• وقال المؤرِّخ الشهير (ديلثي): "إنَّ علم الاجتماع لن يكون علمًا على الإطلاق، وإنَّ مناهج العلوم الطبيعيَّة التي تعتمد أساسًا على التفسير ليستْ كافيةً لفهم الظواهر الاجتماعيَّة فهمًا عميقًا"، وقال في موضع آخَر: "إنَّ هناك فارقًا كبيرًا بين العلوم الطبيعية التي تفسر ظواهرها من الخارج، والعلوم الاجتماعية التي تحاول فهم قَضاياها من الداخل؛ لهذا يبدو علم الاجتماع وكأنَّه بحث مصطنع يحاول دراسة المجتمع بالاعتماد على مناهج لا تصلح إلا لدراسة الطبيعة".

• وهاجم (هوسرل) سَيْطرة هذه النزعة المتطرِّفة التي أدَّت في نظره إلى تحوُّل العالم الحقيقي المتمثِّل في الحياة اليوميَّة إلى مجموعة من المقولات الرياضيَّة المجرَّدة.

• أمَّا (رايت ميلز): الذي قال عنه علماء الاجتماع: "إنَّه إذا كان القرن التاسع عشر قد أنجب ماركس وفيبر، فإنَّ القرن العشرين لم ينجب سوى ميلز"، فقد وجه انتقادات حادَّة للنزعة الأمبريقية السائدة في العلوم الاجتماعية وقال: "إنَّ علم الاجتماع بتبنِّيه لهذه النزعة الضيِّقة إنما يحكُم على نفسه بافتقاد تصوُّر حقيقي للإنسان والمجتمع، فبدلاً من محاولة الوصول إلى مثل هذا التصوُّر، يحاول الأمبريقيون تحويل علم الاجتماع إلى علم طبيعي يستخدم نفس المعادلات الرياضية الشائعة في الفيزياء... إنَّ الاتجاه الأمبريقي يحاول إخضاع الحقيقة الاجتماعيَّة للمعالجة الإحصائية والمعملية، وبجرْد المشاكل الاجتماعية من صِفتها السوسيولوجية ويفسرها بعوامل سيكولوجية".

هذا، وقد هُوجِمت الأمبريقية من زوايا أخرى مختلفة نذكر منها ما يلي:
أولاً: أنها تخلو من أيِّ قضايا لها قوَّة التوجيه، فتفتَقِد بذلك الرؤية الواضحة والفهم الجيِّد لطبيعة الإنسان والمجتمع، ولا تُقدِّم عنهما أيَّ حقائق، بل فشلتْ بصفةٍ عامَّة في إقامة علاقة قويَّة بين المعرفة والعمليَّات الاجتماعيَّة، وفصلت فصلاً شديدًا بين الواقع والقِيَم.

ثانيًا: تعمد الأمبريقية إلى التجزئة، فتدرس ظواهر معيَّنة منفصلة ومنزوعة من سياق المجتمع.

ثالثًا: تبسط الأمبريقية قوانين المجتمع لتصبح أقوالاً وقضايا تكراريَّة ليست على درجةٍ عالية من التعميم، فيتعذَّر تطبيقها على المشاكل الكبرى.

رابعًا: أنَّ الأمبريقية تُعبِّر عن موقفٍ إداري أكثر منه موقف عملي، فما تتمتَّع به من قوَّة إدارية تُخفِي ما تُعانِيه من نقصٍ عقلي، وقد انتقل البحث بالأمبريقية من الوحدات الكبرى إلى بحث الوحدات الصُّغرى، وهذا الاتجاه من شأنه أنْ يُؤدِّي إلى تصفيةٍ تدريجيَّة لعلم الاجتماع.

خامسًا: أنَّ محاولات إجراء دراسة أمبريقيَّة عن الواقع الاجتماعي تُشِير إلى أنَّ أصحابها لديهم تصوُّرات معيَّنة عنه؛ ومن ثَمَّ فإنَّ هذه الافتراضات السابقة سوف تُؤثِّر على طابع الدراسة التي يجرونها على الواقع، وأنَّه إذا كان الهدف الأسمى من علم الاجتماع هو اكتشاف طبيعة العالم الاجتماعي، فكيف يقوم ذلك على افتراضات مسبقة عن هذا الواقع؟!

إنَّ علماء الاجتماع سينظمون أبحاثهم في ضوء هذه الافتراضات المسبقة، وسوف يعتمد طابع علم الاجتماع عليها، وسوف يتغيَّر إذا تغيَّرت.

سادسًا: أنَّ النَّزعة الأمبريقية أغرقَتْنا في التفصيلات الوصفيَّة الجزئيَّة عندما اهتمَّت بمشكلات الإدارة والانحِراف والحراك الاجتماعي، لقد عجزتْ أنْ تُقدِّم - باستثناءاتٍ محدودة - إسهامًا حقيقيًّا في فهم البناء الاجتماعي.

سابعًا: عن الادِّعاء بإمكانيَّة الاستفادة من نتائج بحوث الدراسات الأمبريقيَّة في مشروعات رجال الأعمال وغيرهم، يقول علماء الاجتماع: "إنَّ علم الاجتماع عندما يُقدِّم خدماته لرجال الأعمال لا يستطيع أنْ يستخلص لهم نتائج على درجةٍ عالية من التخصُّص أو النوعيَّة ذات القدر من الثَّبات أو العموميَّة، بل يعجز عن تقديم نظرية مجرَّدة يمكن تطبيقها على نطاق المشروع".

ورغم فشل وسُقوط الأمبريقية في بلادها ومسقط رأسها، فإنَّ طلابنا وباحثينا لا يزال البعض منهم غارقًا حتى أذنيه في هذه الأمبريقية، ولا نجد بحثًا ولا رسالة إلا محشوة باستمارة استبيان وفُروض بحث، ومتغيرات مستقلَّة وأخرى معتمدة، وجماعة تجريبية وأخرى ضابطة، وجداول ورسوم بيانية ونسب مئوية، ومعاملات ارتباط.. إلى آخِر هذا المسلسل الذي لا يخرج البحث والرسالة منه إلا بنتيجة حقيقية واحدة وهي: (أنَّ النزعة العلمية في علم الاجتماع نزعة مزيَّفة).
ــــــــــــــــــــــ
المصدر:
حلقات من كتاب (اعترافات علماء الاجتماع، عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الاجتماع, اعترافات, عملاء

« التنصير والاستغلال السياسي | مع اليهود أم ضد اليهود؟ »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النظرية والمنهج في علم الاجتماع Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 10-03-2016 09:49 PM
الشائعة من منظور علم الاجتماع السياسي Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 01-04-2013 03:54 PM
اعترافات فوق القمر عمر سيف الدين نثار الحرف 1 06-25-2012 06:43 PM
النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 02-18-2012 08:20 PM
علم الاجتماع الرياضي شذى الكتب بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 01-29-2012 01:05 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:44 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68