تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #13  
قديم 10-09-2014, 08:11 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة المسلمون الفيبريون: نموذج آخر لمعاداة الإسلام

المسلمون الفيبريون: نموذج آخر لمعاداة الإسلام
ـــــــــــــــــــــــــ



اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة الثالثة عشر
-----------

المسلمون الفيبريون: نموذج آخر لمعاداة الإسلام
---------------------------------

(المسلمون الفيبريون) نسبةً إلى العالم الألماني (ماكس فيبر)، هم جماعةٌ محدودةٌ من رِجال الاجتماع في بلادنا، تبنَّوا فِكرَ هذا العالِم، وأخَذُوا على عاتقهم مهمَّة نشر هذا الفكر، وإعداد ما يُسمَّى بالمكتبة الفيبرية التي تُتَرجِم أعمالَه إلى اللغة العربية.

كان ماكس فيبر يكنُّ عَداءً عميقًا وكراهية شديدة للإسلام، ولم يكن يتعامَل مع الإسلام بصورة علمية أو نزيهة، إنما كان عنصريًّا ينتقد الإسلام بطريقةٍ تعكس كلَّ صُوَرِ الحقد والتحيُّز الأوربي ضدَّ هذا الدِّين في القرن التاسع عشر، كان الأوربيُّون ينظرون إلى الإسلام على أنَّه الخطر الرئيس العسكري والخلقي على المسيحيَّة، وكانوا يُرجِعون نجاحَه وقوَّته وعظمته غلى عنف وهمجية ودَهاء المسلمين.

كانوا يعتبرون الإسلام دِين: تزمُّت، وشهوانية جنسية، وحريم، وشَعوَذة، وفَوضَى، وقد عكسَتْ كِتابات (ماكس فيبر) عن الإسلام مختلف أبعاد هذه الصورة القاتمة.

ولا يقلُّ المسلمون الفيبريون عَداءً للإسلام وكراهية له عن عداء وكراهية أستاذهم الألماني، لكنَّهم لا يُصرِّحون بهذا العداء مباشرةً، وإنما يستنبطونه ثم يُعبِّرون عنه على لسان أستاذهم هذا، أو على لسان عُلَماء الغرب، وهم لا ينبسون بكلمةٍ واحدةٍ دِفاعًا عن الإسلام، وإنما تركوا هذه المهمَّة لعلماء الغرب أيضًا ذرًّا للرَّماد في العيون.

المسلمون الفيبريون متغربون ماركسيون في آنٍ واحد، وعقلانيون علمانيون في آنٍ واحد أيضًا، تدرَّبوا في أوربا والولايات المتحدة، الغرب هو مركزهم الفكري، وهو إطارهم المرجعي الذي يفهمون من خِلاله إسلامهم ومجتمعهم وعالمهم، إنهم مؤمنون بأنَّ ما يُسمَّى (بعلم اجتماع الفهم) عند فيبر، وأطروحته عن (الأخلاق البروتستانتية ونشأة الرأسمالية)، إنما جاءتا لتُناسِب المجتمع الإسلامي الذي يمكن تحليله وفهمه في ضوئهما.

الإسلام (التقليدي) لا يتَّفق عندهم مع النظرة العلميَّة؛ ولهذا يرَوْن أنَّ عليهم واجبَ تقديم المفاهيم الأوربيَّة لإعادة تفسير الإسلام على نحوٍ يُحاوِل التوفيقَ بينه وبين الثقافة الغربيَّة، بحيث يتساوى مع الأسس الإرشاديَّة للفكر الغربي، يخبرون تلاميذهم أنَّ الإسلام النقي متوافقٌ مع العلوم والمجتمع الحديث، وإذا خلَوْا إلى أساتذتهم الغربيين يقولون لهم: إنَّ الدِّين الإسلامي يُعطِّل العلم ويقف في وجه التقدُّم.

يؤمنون كالمستشرقين بأنَّ الإسلام مثل المسيحيَّة ينتمي إلى مرحلةٍ أدنى من التطوُّر الإنساني، وسيُستَبدل نهائيًّا بالعقلانيَّة، إنهم يُسلِّمون بأنَّ الجماهير لا تقبَل فكرَهم، لكنَّهم يُطَمئِنون أنفسَهم بأنَّ العامَّة تحتاج إلى دينٍ عاطفي رمزي، وأنَّه من الصعب للفكر الحرِّ الذي يُمثِّلونه أنْ ينتصر؛ لأنَّ الجماهير لا تحبُّ العقل، ولهذا يعيشون محصورين مع قلةٍ من المثقَّفين والحداثيِّين الذين يُشارِكونهم نفسَ هذه الأفكار، يخدعون الناس بقولهم: إنَّ الدِّين عاملٌ مهم لتماسُك المجتمع، وهم في حقيقة أمرهم - كأستاذهم - لا يعبَؤُون بالدِّين، وينظُرون إليه من زاوية مَدَى مَنفَعته للمجتمع.

لا يجرؤ (المسلمون الفيبريون) على الجهر بالعلمانية إلا وسط خاصَّتهم، لكنَّهم يتحدَّثون بملْء أفواههم عن العقلانيَّة، تظنُّ الناس أنَّ العقلانيَّة من الإسلام؛ لأنَّ الدِّين والعقل في الإسلام متساندان، لكنَّ الناس تجهل أنَّ العقلانيَّة هذه تُعلِي من قيمة العقل في مواجهة الإيمان، وأنها حركة ضد الدِّين وضد الكتب المنزلة، وذات نظرة نفعية تُعطِي وزنًا كبيرًا للمناقشات العلمية والتاريخية المضادَّة للإيمان.

تبنَّى (المسلمون الفيبريون) الخطوط الرئيسة التي حدَّدَها لهم مُعلِّمهم الألماني عن العقلانيَّة، فعرَّفوها بأنها: ازدياد الحسابية والسَّيْطرة المنظَّمة على جوانب الحياة الإنسانيَّة، على أساس قواعد ومَنظُورات لا شأنَ لها بدِينٍ أو رسالة، إنها تَعنِي عندهم إحلالَ النُّظم القضائية والقانونية محلَّ شريعة الله؛ لأنَّ شريعة الله - عندهم - تقومُ على التعسُّف في اتِّخاذ القَرارات، وتعني العقلانية عندهم أيضًا: تحرير الإنسان من الإيمان: بالله، وبالدِّين، وبالغيبيَّات... ترجمة لقولهم بتحرير الإنسان من مَخاوِفه ومن العالم الذي لا يمكن التنبُّؤ به، ومن القُوَى *****يَّة الفوقيَّة بحيث لا تصبح هناك قوى غامضة لا يمكن حِسابها، ويمكن أنْ تقوم بدورٍ ما.

العقلانيَّة عندهم تعني أنَّ الموت حَدَثٌ لا معنى له، وأنَّ الإله بلا قوَّة، وأنَّه غير خالد، وهناك فقط آلهةٌ متنافسون لا حولَ لهم ولا قوَّة، الإله القديم أصبح ميتًا أو شبهَ ميت، ولنْ تولد آلهة أخرى بعدُ (تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا).

العلم يعجُّ عندهم بقيم جزئيَّة ومتعارضة، واليقين النهائي في الحياة أمرٌ غير ممكن، لكنَّهم يرَوْن أنَّه بمقدورهم تحقيق درجةٍ من التيقُّن من وجودهم من خلال قبول مسؤوليَّات جديدة، لا مكان للدِّين عندهم إلا في دائرة العلاقات الشخصيَّة، ويجب أنْ يترك الدين للاختيار الشخصي الخالص.

القِيَم عندهم ليست هبةً من الله، ولكنَّها قِيَمٌ نفعية تُحقِّق مصالح جزئية وعملية معيَّنة، وأنَّ على الإنسان أنْ يُجرِي اختياراته بين قِيَمٍ جزئيَّة وغير ثابتة، الأخلاق أرضيَّة عندهم وليست من عند الله، في عالم الأخلاق العمليَّة يصبح الناس أكثر إدراكًا بأنَّ الأخلاقيَّات المتاحة فعلاً، أو التي قد تصبح متاحةً ليست بالضرورة طبيعيَّة ولا من عند الله، ويجب أنْ يتحوَّل الدِّين عندهم إلى تديُّن علماني يقبل القِيَم الدنيوية المسيطرة.

يطمح (المسلمون الفيبريون) يومًا أنْ تُفرَض العلمانيَّة بقرارٍ سياسي إذا ما خابت جُهودهم في فرْض نمطٍ غربي علماني على المجتمع الديني الإسلامي، القضاء على الإسلام أمرٌ مستحيلٌ بالنسبة لهم؛ لذا فهم يعمَلُون على إعطاء الإسلام وظيفة اجتماعية؛ بمعنى: أنْ يسمحوا له بأنْ يكون موردًا من موارد الثقافة القوميَّة والتكامل الاجتماعي مع الحَيْلولة دُون دخوله القِطاعات: السياسية، والقانونية، والتعليمية.

إنهم سُعَداء بإحكام الدولة قبضتها على نظام التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، لكنَّهم ينتظرون ضربة قاضية ونهائية للتعليم الدِّيني حتى ينقطع مَدَدُ الخبراء المتخصِّصين في الأمور الدينيَّة، السيطرة العلمانيَّة على التعليم الدِّيني أمرٌ يُثلِج صدورهم؛ لأنَّه سيفصل الدِّين والتعليم الدِّيني عن القِيَم والنُّظم بمضمون حديث وعقلاني، وسيخرج لهم قادةً دينيِّين بعقلية غربية وسياسية.

يأمل (المسلمون الفيبريون) يومًا أنْ تتحقَّق العَلمَنة الكاملة حتى تصل إلى أدقِّ التفاصيل في الملبس والكتابة والسلوك، وحتى في تفاصيل العبادات الإسلاميَّة، وإنَّه لَيومٌ عظيم عندهم أنْ يسكت صوت الأذان، وأنْ تدخُل الأحذية ودورات المياه والمقاعد إلى صحْن كلِّ مسجد، وتمنع الكتب الدينية والشرائط الإسلامية.

يحرق قلوبهم أنْ يحضر المئات لشيخٍ يتحدث في قَضايا الدِّين، بينما تكون القاعة شبهَ خالية إذا حاضر حَداثي أو متغرب؛ ولهذا يُصابون بالإحباط لأنَّ جُهودهم في تغيير مفهوم التديُّن لدى الشباب لم تأتِ بثمارها بعدُ، محاولاتهم لإخراج المرأة من حِصن الشريعة المنيع لم ولن تهدأ.

من أبرز مُؤلَّفات أستاذهم كتاب: "الاقتصاد والمجتمع"، عالَج (فيبر) الإسلام في هذا الكتاب معالجةً محشوَّة بالعداء والكراهية، الإسلام عنده دِين السادة، جُذوره مسيحية يهودية، ما كان أبدًا دينَ تقوى وإخلاص، وإنما هو دين محاربين من طبقة اجتماعية معيَّنة، ويعتمد نجاحُه على الانتصار العسكري على الأرض، الغنائم هي المحرِّك الأول للصحابة الأوائل، احتياجات المسلمين كمُقاتلين هي التي حدَّدت النظرة الإسلاميَّة للعالم، كلُّ المسلمين عند (فيبر) انتهازيون، أخذوا رسالة النبي وطوَّروها لتتطابَقَ مع أحوالهم المعيشيَّة.

الجهاد عند فيبر يعودُ إلى جُذورٍ يهوديَّة طور منها الإسلام فكرة الجهاد المقدَّس، المسلمون كانوا يخضعون الكفار لأغْراض تتعلَّق بالجِزية بدلاً من إدخالهم الإسلام، أخلاق الإسلام أخلاق متعة حسيَّة ورفض للعالم، النساء في الإسلام هم غرض هذه المتعة، الشهوانية تُسَيطِر على الإسلام حتى إنَّ الآخِرة في الإسلام هي جنَّة شهوانيَّة للجندي، لم ينجح المسلمون في اختيار خليفةٍ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مباشرةً بسبب نظام تعدُّد الزوجات، هذا هو ما علَّمَه لهم (فيبر).

خرج الأستاذ الألماني على العالم بفكرة (الكارزمية) أو (الإلهامية) التي نسَبَها إلى الأنبياء، وراح رجالنا كالبُلَهاء يُطبِّقونها على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - السلطة الكارزمية عند فيبر سلطةٌ لشخصٍ له نوعٌ من القداسة أو البطولة وبعض الخصال النادرة، وهي سلطة فجائيَّة ابتكاريَّة تحتوي على تناقُضات، وغير ثابتة ولا مستقرَّة، تعتمد على بعض الأعمال *****يَّة أو الخارقة للعادة، يتبع الناس هذه السلطة لأنَّ النبي يستطيع أنْ يُقدِّم الدليل الواقعي على سُلطته في ضوء ***** والعطايا، يتعامَل الناس مع النبي في ضوء معايير نفعيَّة أو ماديَّة، وتجري العلاقة بين النبي وأتْباعه على غِرار علاقة السيد بالعبيد: (الهبات مقابل الخضوع).

لم يكن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عند فيبر هو النبي الذي نعرفه، إنَّه رجلٌ بَنَى سُلطته على *****، يدَّعى بأنَّه يُوحَى إليه، وأنَّ القُرآن الذي أتى به معجزةٌ، وأنَّه ينتمي لسلسلة الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - كلُّ ذلك محض ادِّعاء عند فيبر.

اتَّبع الناس النبي سعيًا وراء الهدايا الملموسة والغنائم، كان الأساس الرئيس لدعوته هو حلُّ المشاكل التجارية، ولأنَّه كان تاجرًا ومتعبدًا فإنَّه استطاع في خلوته أنْ يُدرِك بوضوحٍ أهميَّة تنظيم رغبات المقاتلين في الحصول على الغنائم، إنَّه رجل صاغَ رسالته التوحيديَّة في ضوء المصالح العسكريَّة، واستفاد من صِياغة الناس لرسالته في ضوء حياتهم ومصالحهم الاقتصاديَّة، تزوَّج النبي السيدةَ خديجة - رضي الله عنها - لأنَّه استطاع بهذا الزواج أنْ يخلو في غار حراء، ومع هذه الخلوات المتكرِّرة راح يُفكِّر في مشاكل المجتمع، ويتعزَّى في وفاة طفلَيْه، واستطاع بهذا الزواج أنْ يدخل في جماعة الصفوة من رؤوس الأموال والتجار، الشهوة الجنسية عند الرسول كانت هي أساس التعاليم القرآنية عن الأسرة والزواج.

ترجم (المسلمون الفيبريون) كلَّ ذلك إلى العربيَّة، ولم ينبسوا بكلمة دِفاع واحدةٍ حتى ولو في حاشية ترجماتهم، لا عن الإسلام، ولا عن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يقفْ بهم الأمر عند هذا الحد، فإنهم - وتحت علم (أمانة النص) و(المحافظة على الروح الأصلية للنص) - طعَنُوا الإسلام في الصَّمِيم، فنقلوا لنا على لسان علماء الغرب أنَّ الله دُمية حيَّة (تعالى الله ما يقولون)، وأنَّ الله إسقاطٌ لطبيعة الإنسان بصورةٍ نقيَّة، وأنَّ الحج طقسٌ شبه وثني، وأنَّ الإسلام دين فقهي جافٌّ لا يشبع إلا القليل من الحاجات العاطفيَّة، وأنَّ الإسماعيليَّة استطاعت أنْ تُقدِّم إطارًا كاملاً من المعتقدات، وأنها بديلٌ فكري للسنَّة، وأنَّ كلَّ الصفات التي يخلَعُها الناس على الله صفات إنسانيَّة، وأنَّ الاعتقاد بأنَّ الله يخلق الإنسان تحوَّل الآن إلى الاعتقاد بأنَّ الإنسان هو الذي يخلق الله، وأنَّ الدِّين انعكاسٌ لعالم خرب سُجِنَ فيه الناس، وأنَّ النضال ضد الدِّين هو نضالٌ مباشر ومستمر.

نقل إلينا (المسلمون الفيبريون) طعنات (رودنسون) للإسلام دون أدنى تعليقٍ من جانبهم، وضمُّوا معها طعنات الكتَّاب الأوربيين أيضًا، محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - إمَّا كان سويًّا من الناحية النفسية ولكنه غير مخلص في (ادِّعاءاته) بالنسبة لرسالة الله تعالى، وإمَّا كان مخبولاً وصدق في رسالته النبويَّة.

المحتوى الديني للقرآن غير صحيح، وهو ليس برسالةٍ منزلة، قد يكون الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عاقلاً ومخلصًا لكنَّه كان مخطئًا؛ لأنَّه قبل معتقدات فلسفيَّة غير ذي بال، القرآن عند (رودنسون) تولَّد من اللاشعور عند النبي، وتمثَّل في عناصر الكلمات التي توارَدتْ عليه، ومن عناصر تجربته الفعلية ومضمون أفكاره ومناقشاته التي سمعها، ثم ظهرت مرَّة أخرى مجزأة متغيرة في شكل جديد هو القرآن؛ أي: إنَّ النبي خلق القرآن من خلقه اللاواعي عن طريق إعادة خلق تجاربه ومعارفه السابقة التي تحصل عليها بالخطأ.

كلُّ هذه الطعنات في النبي وفي الرسالة وفي القُرآن ترجمها لنا (المسلمون الفيبريون) دون أنْ ينبسوا بكلمة دفاع ولو في حاشية ترجمتهم، قبلوا مفهوم (الإلهامية) أو (الكارزمية) عند فيبر وطبَّقوه على نبيهم، ولأنهم متغربون قالوا: إنَّ الله (فكرة) أي ليس بحقيقة، وأنَّ الإسلام (ظاهرة)؛ لأنَّ الغرب علمهم أنَّ (الدين ظاهرة اجتماعية)، ودخلوا جُحرَ الضب الذي دخَلَه الغرب قبلهم، فاعتقدوا أنَّ الإسلام ظاهرة عميقة ومعقَّدة، في حين أنَّ الظاهرة تعني عند الغرب: أي موضوع أو واقعة يمكن ملاحظتها والتعرُّف عليها عن طريق الحواس، وتعتمد على التجربة والخبرة الحسيَّة، فمنذ متى كان الله - تعالى - والملائكة والشياطين والجنة والنار والبعث والحساب تخضع للخبرة الحسية والتجريب؟

قَبِلَ (المسلمون الفيبريون) مقولات أستاذهم؛ ليس لأنَّه يرى بأنَّ الأخلاق الرأسمالية والعلمانية توافق بلاد المسلمين، ولكن لأنهم تعلَّموا ودرسوا هذه المفاهيم في بلاد الغرب.

قبلوا الفكر العقلاني الغربي برحابة صدر، وإذا راجعتهم قالوا لك: إنَّ العلوم الحديثة كانت في الأصل عربيَّة، وأنَّ التقدُّم الأوربي يعتمد كثيرًا على منجزات الإسلام في إسبانيا، وإنَّنا نستردُّ من الغرب ما كان لنا أصلاً، لقد وصلت بهم البلاهة وانعدام الإدراك إلى قبول المفردات التي حدَّدَها لهم الغرب لفهْم الإسلام وفهْم العالم، ترجموا لنا - دون تعليق - أنَّ الإسلام جافٌّ، وأنَّه ليس دينًا بالمرَّة.

أثَّرت عليهم المفاهيم الدوركايمية والماركسية مثلما أثَّرت على أستاذهم، فعرفوا لنا الدِّين دون الاعتراف بالله أو الغيبيَّات، صوَّروا العلاقة بين الله والإنسان على أنها علاقةٌ بين إنسانٍ وإنسانٍ، ردُّوا العلاقة بين الله والإنسان إلى أساسٍ مادي يسيرُ وفقًا لما يسمُّونه بالعلاقات الإنتاجيَّة، فالله هو السيد والناس هم العبيد (بالمعنى الإقطاعي)، أصوات الجن وآلهة القبائل استُبدِلت عندهم بمتكلِّم رئيس هو (الله)، يتَّصل بالناس على مسافة اجتماعية بعيدة.

نقلوا إلينا عن أستاذهم أنَّ الإسلام يتبنَّى اتجاهًا شهوانيًّا خالصًا، خاصَّة تجاه النساء، والكماليَّات، والملكية، وأنَّ الإسلام اعتبر النساء غرضًا للمتعة الجنسيَّة، وأنَّ النبي رجلٌ شهواني، وأنَّ دينه هو دين العطور والبخور وتهذيب اللِّحَى.

الأمانة مع نصوص فيبر جعلتهم يترجمون لنا كلَّ ذلك؟! ولو كانت لهم أمانةٌ مع العقيدة لأبرزوا بوضوحٍ ما ترجموه بأنفسهم عن أسباب هذا العداء الشخصي من جانب فيبر للإسلام وللنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذا العداء الذي ارتبط بموقف فيبر من العلاقة بين الدِّين والجنس، وكيف أنَّ سيرة فيبر الشخصية والجنسية والعائلية والاجتماعية أثَّرت بوضوحٍ على تحليله ونظرته للإسلام.

لم يكن والدَا (الأستاذ) على وفاقٍ، ليس في قَضايا السياسة والدِّين فقط، وإنما أيضًا في علاقتهما الشخصيَّة والجنسيَّة.

كانت أمُّه - كما ترجم المسلمون الفيبريون - باردة جنسيًّا، تزوَّج فيبر من إحدى قريباته، لم يستطع ممارسة الجنس معها لعجزه الجنسي، ولم يستطع النوم بسبب خوفه من حالة القذف الليلي الذي لم يكن بمقدوره التحكُّم فيه، نجح في ممارسة الجنس مرَّة واحدة فقط في حياته مع امرأةٍ زنا بها في أواخر الأربعينات من عمره؛ ولهذا كانت مشكلة فيبر الجنسية هي المفتاح لفهْم نظرته إلى الإسلام.

يقول (ب. تيرنر) في ذلك: "لم يكن فيبر بقادرٍ على أن يتخطَّى العوائق العاطفية التي أوجدتها الظروف الجنسية في حياته الشخصية وهو يتعامل مع الإسلام والرسول، لم يستطع أنْ يكون حياديًّا في تحليلاته بسبب ما ألَمَّ به من ظروف".

شرح فيبر أخلاقَ الإسلام في ضوء نظرته للأخلاق البروتستانتية، عالَجَ القيم في الإسلام كشيء ثانوي، عادَى الإسلام تمشيًا مع الاتجاه الأوربي المعادي، ومع عَداء المستشرِقين للإسلام وعلى رأسهم (كارل بيكر)، درس فيبر نشأة الإسلام في ضوء نظرية الحتمية الاقتصادية، تَرجَم لنا (المسلمون الفيبريون) تفسير ماركس للدِّين بأنَّه ليس له محتوى في ذاته، ولا يستمدُّ حياته من السماء وإنما من الأرض، وأنَّه يفنى بفناء الواقع، (ولم يعقبوا بكلمة).

نقلوا لنا ابتهاج (إنجلز) بهزيمة عبدالقادر الجزائري واحتلال فرنسا للجزائر، وكيف نظَر (إنجلز) إلى المسلمين في الجزائر على أنهم أمَّة من بدو الصحراء ومن اللصوص لا يُؤسَف على ضَياع حريتهم، وأنَّ الفرنسي الحضري الصناعي المتفتِّح فكريًّا أفضل من هؤلاء البرابرة (ولم ينبسوا بكلمة).

أجمع الباحثون الغربيون على أنَّ لغة فيبر لغة علميَّة معقَّدة، وأنَّه يعالج موضوعاته بطريقةٍ فلسفية عميقة جدًّا، وأنَّ كتاباته تتميَّز بالصعوبة والغموض، وأنَّ الدراسة المتعمِّقة لعلوم الاجتماع عنده تجعله أكثر تعقيدًا وتشعُّبًا، قضاياه غير متَّسقة، ومن الصعب إيجادُ تفسيرٍ موثوق به لفِكرِه ونظريَّته، وأنَّ أيَّة محاولة للتعرُّف على ما الذي يَعنِيه فيبر حقًّا هي بالضرورة مخيِّبة للآمال، يقومُ علم الاجتماع عنده على أهميَّة فهْم (ادِّعاءات) الفاعل قبلَ الشُّروع في تفسيرها، وعند دراسته للإسلام وللنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان هو أوَّل مَن تخلَّى عن مبدئه، هاجَم الإسلام والنبي رغم محدوديَّة الدراسات الألمانيَّة عن الإسلام، ورغم عدم توافُر المعلومات الواقعيَّة عنده، وعدم وجود تفسيرات للقُرآن لديه.

تعقيد وغُموض وصُعوبة وعدم اتِّساق في فكر (فيبر)، وتحيُّز وعَداء وتعدٍّ منه على الإسلام ونبيِّه، كلُّ هذا يعترف به الباحثون الغربيون، أمَّا أتباع فيبر في بلادنا فيقولون: إنَّ فكرَه يصلح صلاحية تامَّة لدراسة مجتمعاتنا.

(فيبر) عندهم رجلٌ مبجَّل ومحترم ونشط وذو شخصيَّة ساحرة وقويَّة، وقدرة عقليَّة ثاقبة، مؤلفات فيبر عند رجالنا نصبٌ تذكاري يجب تأمُّله من بعيدٍ، وأنَّ علينا أنْ نجعلها هاديًا لنا، وأنْ نطوِّر بحوثنا بصفةٍ عامَّة في ضوء النظريات الألمانية بزعامة (فيبر)؛ لأنها مليئةٌ بالمنطق والأطر التصوُّرية السليمة، رجالنا يرَوْن (فيبر) رجلاً عبقريًّا ذا فكر منهجي، إنَّه الرجل الذي (تجلَّت عظمته) في قُدرته الفائقة على شمول كافَّة مسائل علم الاجتماع، إنَّه صاحب الإطار النظري الواضح المعالم، المستخدِم لمنهج متميِّز ثاقب الرؤية واسع البصيرة، لقد أعمى الله بصيرتهم حتى عن مجرَّد فهْم واستيعاب ما ترجموه بأيديهم عن أستاذهم الألماني.

أوقع ماكس فيبر أتباعَه في بلادنا في حفرةٍ عميقةٍ حينما علَّمهم ألاَّ يعبَؤُوا بالنص الديني، وإنما يهتمُّون فقط بالآثار الاجتماعية والنفسية لهذا النص على الناس، فراحوا كالبُلَهاء يُطبِّقون هذا المبدأ على الإسلام، فضاعَتْ نصوص العقيدة من بين أيديهم، ولم يبقَ لهم إلا نصوص (فيبر)، فكانوا أُمَناء معها، محافظين على روحها، أمَّا مهمَّة الدِّفاع عن الإسلام فتركوها لغير المسلمين الذين لا يفهَمُون الإسلام إلا كظاهرةٍ، ولا ينطَلِقون في دراسته إلا من نفس مفاهيم فيبر، ونسوا أنهم ترجموا لنا قولهم: إنهم لا يهدفون إلى الحكم على مَدَى صلاحية مقولات فيبر، بل يُحاوِلون توضيح ماهيَّتها.

هؤلاء هم (المسلمون الفيبريون)، وهذه هي حقيقتهم، إنهم من بني جلدتنا ويتحدَّثون بألسنتنا ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ [البقرة: 14].

حادوا عن الطريق المستقيم ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ﴾ [البقرة: 16].

في طبيعتهم آفةٌ وفي قلوبهم علة ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11].

إنهم نموذج مُتكرِّر على امتِداد الزمن، لا يجدون في أنفسهم الجُرأة والشجاعة ليُواجِهوا الحقَّ بالإيمان الصريح، أو يجدون في أنفُسِهم الجرأة والشجاعة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 10-09-2014, 08:13 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الصحوة الإسلامية ورجال الاجتماع

الصحوة الإسلامية ورجال الاجتماع
ــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
--------------

الحلقة الرابعة عشر
--------------

الصحوة الإسلامية ورجال الاجتماع
--------------------------

لماذا يُعادِي رجالُ الاجتماع في بلادنا الدِّينَ والصحوةَ الإسلاميَّة وحركاتها؟ إنَّ موقف عُلَماء اجتماع الغرب المعادي للدِّين بصفةٍ عامَّة، وللإسلام وللصحوة الإسلامية وحركاتها بصفةٍ خاصَّة - لا يحتاجُ إلى مزيدِ عَناءٍ للكشْف عن أسبابه ودَوافعه.

أمَّا أنْ يُعادِي رجال الاجتماع في بلادنا دِينَهم والصحوة الإسلاميَّة في بلادهم، فإنَّ هذا الأمر يَحتاج إلى وقفات.

أشادَ رجال الاجتماع في بلادنا بما قامَ به أتاتورك فيما يسمُّونه بعمليَّة تخليص الشؤون الدنيويَّة من الدِّين بمنْع التربية الدينية في المدارس، واعتماد القانون الأوربي بعدَ إلغاء الشريعة الإسلاميَّة، وتَأمِيم الأوقاف، وتقليص قوَّة علماء الإسلام، ومنع أي إشارة إلى الإسلام في الدستور[1]، ورأوا في ذلك إنجازًا كبيرًا رسَم لهم طريقًا رائدًا في تَخرِيب النسيج الاجتماعي في عالمنا العربي[2].

وبينما استمرَّ رجال الاجتماع في المشاركة في عمليَّة تخريب النسيج الاجتماعي في بلادنا، باغتَتْهم الصحوة الإسلاميَّة وحركاتها التي عمَّت كلَّ المجتمعات العربيَّة بلا استثناء، واستهدفَتْ إعادة تركيب النسيج الاجتماعي بصورةٍ مُكثَّفة وفق المقياس الأوحد والمُعتَرف به وهو الإسلام.

يقول علي الكنز أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر: "وفي هذا السياق نجدُ أنَّ الموقف يستهدف إعادةَ تركيب البنى الاجتماعية والسياسيَّة في المجتمعات العربيَّة، وكذلك الذهنيَّات الجمعيَّة والفرديَّة وفْق منظورٍ محوري وهو الإسلام، هذه الحركة الجديدة التي تخضَعُ لها المجتمعات العربيَّة دونَ استثناءٍ تُشكِّل في الأساس عملاً داخليًّا مرتبطًا بهذه المجتمعات، ومستهدفة إعادة تركيب نسيجها الاجتماعي بصورةٍ مُكثَّفة، وفْق المقياس الأوحد المُعترَف به وهو الإسلام.

وتتَّسِم هذه الحركة الجديدة في بِنيَتها وفي تطوُّرها مع بعض الاختلافات الطفيفة بالمميزات الأساسيَّة نفسها في مختلف المجتمعات العربيَّة"[3].

وحينما أفاقَ رجال الاجتماع في بلادنا من صدمة مباغتة الصحوة الإسلامية لهم، تساءَلُوا: أين كانوا وقت حُدوثها؟

لم يكن رجال الاجتماع على امتداد عالمنا العربي يتوقَّعون هذه الصحوة، كانوا يعتقدون أنَّ تجارب التنمية في هذا العالم وما يسمُّونه بانتصاراته الوطنيَّة قد شهدت ميلادَ ثقافةٍ جديدة خلفت الدِّين وراءها؛ لتُسايِر ما يسمُّونه بالتطوُّر الاقتصادي والاجتماعي في كلِّ بلد.

يقول علي الكنز متحسرًا: "مَن كان يظنُّ أيَّام ميثاق القاهرة بأنَّ مصر الثمانينات سوف تُواجِه كمجتمعٍ وكدولةٍ تلك المسألة التي أصبحتْ محوريَّة، ألا وهي: طبيعتها الإسلامية، وأنَّ سيد قطب في مواجهته لعبدالناصر سيُصبِح يومًا ما شهيدَ الجماهير، وأنَّ حزب حسن البنا (الإخوان المسلمون) سيَحظَى يومًا ما في أوساط بعض الشبَّان الجزائريين بمعرفةٍ تَفُوق معرفتهم لتاريخ جبهة التحرير الوطني".

ويستمرُّ علي الكنز قائلاً: "والسؤال الذي يَفرِض نفسَه علينا اليومَ هو: أين كان الخيال السوسيولوجي من كلِّ هذا في وقتَ عرف كُبرَيات التجارب التنمويَّة لآمالٍ معقودة عليها؛ مثل: سلسلة الإصلاحات التي تَوالتْ في مختلف البلدان العربية، وكذلك التأميمات الكبرى؛ انطلاقًا من قناة السويس عام 1956 إلى المحروقات في الجزائر عام 1971، والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهائلة؛ مثل: سد أسوان، ومركبات الحديد والصلب، وكبريات الجامعات العلمية والتقنية؟"[4].

وعن عدم توقُّع رجال الاجتماع للصحوة الإسلاميَّة يستَطرِد علي الكنز قائلاً: "نقول بأنَّ هذه الظاهرة غير مُتوقَّعة؛ لأنَّ الانتصارات الوطنية التي شَهِدَها الوطن العربي في الخمسينات، وظهور حكومات وطنيَّة كما كانت الحال في كلٍّ من سوريا والعراق والجزائر شهدت ميلاد ثقافة جديدة كانت مُسايِرةً للتطوُّر الاقتصادي والاجتماعي في كلِّ بلد، على الرغم ممَّا عرفه كلُّ بلد من نِزاعاتٍ عديدة بين مختلف المجموعات المتصارعة؛ مثل: الوطنيين والشيوعيين والليبراليين"[5].

كان رجال الاجتماع في بلادنا يتصوَّرون أنَّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ومهامَّ التنمية في عالمنا العربي قد قلصت من مكانة الدِّين، وحوَّلَتْه إلى مسألة شخصيَّة، لكنَّهم فُوجِئوا بأنَّ الدِّين يستَعِيد حيويَّته ويفرض هَيْمنته على جميع جوانب الحياة.

يقول علي الكنز: "كنَّا نعتقد ببساطةٍ أنَّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعروفة وأنَّ المهامَّ المعقَّدة للتنمية - سوف تُقلِّص تدريجيًّا من مكانة الدِّين في الضمير الجمعي، فيُصبِح في النهاية قضيَّة شخصيَّة بحتة، تمامًا مثلما حدَث في مجتمعاتٍ أخرى، وبخاصَّة الغرب البرجوازي، غير أنَّنا ها نحن اليوم أمامَ هذا النموذج الكلياتي وهو يستعيدُ حيويَّته، ويستهدف فرْض هَيْمنته على جميع جوانب الحياة"[6].

اعترف رجال الاجتماع بأنَّ (القومية) و(الوطنية) ليستا بقادرتَيْن على البَقاء أو جذْب الجماهير للالتفاف حولهما؛ لأنَّ الإسلام أصبَحَ المكافئ الوظيفي لهما.

يقول سعد الدين إبراهيم أستاذ الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: "إنَّ الإسلام الثوري للجيل الحالي من أبناء الطبقة الوُسطى والصغيرة في الأمَّة العربيَّة هو المكافئ الوظيفي للقوميَّة العربيَّة منذُ جيلٍ مضى، كما أنَّه مكافئ للوطنية المناهضة للاستعمار منذ جيلين سبَقَا على الطريق"[7].

ويعترف سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بذلك في مقالةٍ شديدة العَداء للجماعات الإسلامية في مصر فيقول: "شهدَتْ مصر منذ تشرين الأول/أكتوبر 1972 ما يمكن أنْ نُطلِق عليه تلازمًا بين ما سموه بالصحوة الإسلاميَّة، والتنظيمات الإسلاميَّة؛ العلنيَّة والسريَّة، وبين غِياب القضيَّة العامَّة التي تلتفُّ حولها الجماهير أو المشروع الحضاري أو التنموي"[8].

أسقَطت الصحوة الإسلاميَّة تلك العقلانية[9] التي تعلَّق بها رجال الاجتماع لفهْم الواقع الاجتماعي والسياسي بعد أنْ سقطت تلك الأحزاب والتنظيمات التي حملتها الواحد تلو الآخَر، بالرغم من سيرها وفْق الخطوط التي رُسِمتْ لها لتحلَّ محلَّها التنظيمات الإسلاميَّة التي اعتقد رجال الاجتماع أنها تنظيماتٌ غريبة تجاوزها التاريخ إلى الأبد.

يقول علي الكنز متحسرًا: "مَن كان يظنُّ أنَّ كبريات الأحزاب الوطنية المنجزة كقوى عقلانية لهذه التحوُّلات العميقة لكلٍّ من الطبقة والمجتمع مثل حزب البعث في سوريا والعراق، والاتحاد الاشتراكي في مصر، والدستور في تونس، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر - سوف يأتي يومٌ ينهار فيه الواحد تِلوَ الآخَر؟ وما هو ملفت للانتباه حقًّا في هذا الشأن هو أنَّه لم يحلَّ مكان هذه الأحزاب تنظيماتٌ أخرى على يسار أو على يمين النهج المرسوم بالنسبة للكلِّ، وإنما تنظيمات غريبة وثقافة كان يُعتَقد آنذاك أنَّ السير الموضوعي للتاريخ قد تجاوَزَها إلى الأبد"[10].

جاءت الصحوة الإسلامية لتُثبِت لرجال الاجتماع أنَّ هذه (العقلانية) التي علَّقوا عليها آمالهم لفهْم الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي قد أصبحتْ عاجزةً على الصعيدين: النظري والمنهجي، في فهْم هذا الواقع، ولتُصِيب هذا التفكير (العقلاني) بأزمةٍ عميقة وخَيْبة أمل.

يقول علي الكنز: "إنَّ اقتحامَ التفكير الديني للأيديولوجية العربيَّة المعاصرة بهذه الشدَّة لَيَدلُّ - في الحقيقة - على أزمةٍ عميقة تمرُّ بها مجتمعاتنا اليوم، وهذا ما يَراه كثيرٌ من المحلِّلين ويعتَمِدونه في دِراساتهم، غير أنَّ هذا الأمر قد يتعلَّق أيضًا بمؤشِّر أو بمبرِّر لأزمةٍ عميقةٍ أصبح يُعانِي منها التفكير العقلاني، وكذلك عجز هذا التفكير على الصعيدين: النظري والمنهجي، في فهْم واقعٍ اجتماعي وثقافي وسياسي لم يتوقَّع حدوثه من قبل".

وعن خَيْبة الأمل التي أُصِيبَ بها رجال الاجتماع، يقول علي الكنز في إحدى دراساته[11]: "إنِّي أريدُ من خِلال تدخُّلي هذا أنْ أقوم بمساهمةٍ متواضعة في تحديد هذا المجال الجديد للبحث الذي يَفرِضه علينا ما عرفناه من خيبة أملٍ في تاريخنا الفعلي، وفي قدرتنا على معرفته علميًّا".

لم تكن العقلانيَّة فقط هي التي سقَطتْ مع ظهور الصحوة الإسلاميَّة، وإنما سقطتْ معها كلُّ شعارات التحديث والعَلمَنة وبناء المجتمع، وضَمان الرفاهية التي دخَلتْ هي نفسُها في أزمةٍ خانقة عميقة وحادَّة أيضًا.

يعتَرِف (الهرماسي) أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسية: "لقد جابهت الإنسانيَّة في أواخر هذا القرن عدَّة أزَمات مختلفة، كأزَمات الغذاء والطاقة والفقر، وما من شكٍّ في أنَّ مثل هذه الأزمات قد حدَّ من قُدرة البشر على إيجاد حلول ناجعة لمجمل المشاكل المطروحة عليهم، حتى عندما تكون هذه المشاكل واضحةً تمامَ الوضوح؛ وبالتالي فإنَّ الأيديولوجية العصريَّة التي ما انفكَّت تحمل شعارات التحديث والعَلمَنة، والتي اضطلعت ببناء الدولة العصريَّة، ونحت معالم المجتمع الحديث، وضَمان الرفاهية، دخلت هي نفسها في أزمةٍ خانقة عميقة وحادَّة"[12].

لقد نجحت الصحوة الإسلاميَّة تلك التي اعتقد رجال الاجتماع أنها لا تتَّفق مع متطلَّبات العصر في إحباط ما أسموه بالمحاولات الجريئة للفكر العربي المعاصر، وأسهمتْ في الأزمة التي آلَ إليها.

يقول علي الكنز: "إنَّ هذا المنظور الجديد للوطن العربي والعالم الإسلامي يبدأ أولاً وقبلَ كلِّ شيء كظاهرةٍ لم نكن نتوقَّعها وغير متَّفقة مع متطلَّبات العصر، ومن حيث هو كذلك فقد أسهَمَ بقسطٍ وافر في الأزمة التي آلَ إليها الفكر العربي المعاصر الذي يشهد اليوم إحباطَ أقلِّ محاولاته جُرأة"[13].

راقَب رجال الاجتماع في بلادنا هذه الصحوة الإسلاميَّة عن كَثَبٍ على أملٍ يُراوِدهم؛ وهو محاولة التحكُّم فيها، وسجَّلوا على أنفسهم بأنهم يقومون بهذه المحاولة مُستَرشِدين بنفْس الإطار الغربي الذي يرصد هذه الصحوة باهتمامٍ بالِغٍ.

يقول محمد شقرون أستاذ الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالمغرب: "إنَّ المشكل الأساسي الذي يطرح بالنسبة إلى البحث في هذه الظرفيَّة الجديدة هو التحكُّم في الاتِّجاه الجديد الذي يريدُ أنْ يرى في الدِّين كلَّ شيءٍ، ويمكن أنْ تعتبر المكانة التي أصبحت تَحظَى بها دراسة الحركات الدينيَّة الجديدة في سوسيولوجيا الدِّين الأنجلوسكسونية مادَّة خصبة للتفكير في هذا الإطار"[14].

توصَّل رجال الاجتماع في بلادنا في تحليلاتهم للصحوة الإسلامية وحركاتها إلى ما يلي:
أولاً: أنَّ الحركات الإسلامية تَسعَى إلى تحقيق هدف أساس كان ولا يزال ينحَصِر في محاولة العودة بالمجتمع العربي الإسلامي إلى النموذج الذي وُجِدَ في صدر الإسلام أيَّامَ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والخلفاء الراشدين[15].

ثانيًا: أنَّ هذا الهدف الذي تسعى لتحقيقه هذه الحركات كان ولا يزال يستمدُّ شرعيَّته وتبريره من الإيمان الراسخ لدى مُنظِّري وقادة هذه الحركات، وغالبيَّة المسلمين من جهةٍ أخري - بأنَّ الإسلام نظامُ حياةٍ شامل يصلح لكلِّ زمان ومكان؛ ولذلك كانت هذه الحركات تصرُّ على أسلَمَة المجتمع وعلى اعتبار الإسلام دينًا ودولة[16].

يقول (عاطف عضيبات) أستاذ الاجتماع في جامعة اليرموك بالأردن في لهجة تحدٍّ وعَداء: "إنَّ التاريخ العربي-الإسلامي برمَّته يشهَدُ على استحالة الرُّجوع إلى الوضْع الذي كان قبلَ العام الأربعين للهجرة، وجميع المحاولات للعودة إلى بدْء عهد الدعوة الإسلاميَّة أو إلى مزْج الزمني بالروحي مصيرُها الفشل في يومنا هذا، كما كان حالها بالأمس، وكما ستكون غدًا"[17].

ويقول عضيبات في موقعٍ آخر: "وكلَّما تقدَّمت الأزمنة بالعرب المسلمين زادوا من إضْفاء المثاليَّة على تلك الحقبة التاريخيَّة التي لم تَتجاوَز نصفَ قرن، وكلَّما ألهمتْ سِيرتها خَيال ووُجدان الرافضين للواقع المعاش إلى المجتمع الفاضل"[18].

ثالثًا: ترجع الحركات الإسلامية باستمرارٍ إلى الكتاب والسنَّة لفهْم كلِّ المشاكل التي تطرَحُها علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة والإنتاج والفكر والثقافة والمجتمع والقانون... إلخ.

فكلُّ تفكيرٍ سواء أكان علميًّا أم غير علمي، جماليًّا أخلاقيًّا سياسيًّا، هو في النهاية مجرَّد عمل تفسيري وتأويلي لما جاء في الكتاب والسنَّة[19].

يقول علي الكنز بلهجةٍ ساخِرة: "في هذا السياق نجدُ حركة الأصوليين تُمجِّد العصر الذهبي الأول؛ حيث يصبح الأسطورة المؤسِّسة للتاريخ الفعلي؛ أي: للإسلام، كما هو موجودٌ فعلاً - إنْ صحَّ التعبير- هذا الإسلام الذي يجب أن يُفرَض بصورةٍ مطلقة وشاملة باعتباره المعيار الأوحد لتصوُّر ما حدث في التاريخ وما سيحدُث في المستقبل"[20].

رابعًا: ترفُض الحركات الإسلامية أنْ ينحَصِر نشاطُها في المجال الديني فقط، وهي لا تُقِرُّ بالفصْل بين الدِّين والحياة الاجتماعيَّة بصورةٍ عامَّة، وتعتبر هذا الفصلَ موقفًا غريبًا لا يَمُتُّ إلى الإسلام بصلة، وإنَّ التمييز بين ما هو ديني ودنيوي غير واردٍ بالنسبة لهذه الحركات التي ترفُض كلَّ عَلمَنة وتعتَبِر نفسها في الوقت ذاته حركةَ دِين ودُنيا ودولة[21].

خامسًا: تقومُ الحركات الإسلاميَّة على أساس الشرعية الإسلامية؛ بمعنى: تطبيق الشريعة الإسلامية، وترفض أنْ تطرح هذه الشرعية على أساسٍ آخَر، ويعني هذا عند رجال الاجتماع: أنَّ هذه الحركات تتجاهَل كلَّ الثقافة العصريَّة التي تعتبرها أجنبية وغريبة، بما فيها مسألة الديمقراطية والصراع الطبقي.

سادسًا: تسعى الحركات الإسلامية إلى إقامة الخلافة الإسلامية، كما أنها تَنظُر إلى العالم على أساس ثنائية دار الإسلام ودار الحرب.

وهي تُهمِل بذلك - كما يرى رجال الاجتماع - الإشكالية العصرية المتمثِّلة في الدولة الوطنية، وتجارب التنمية الوطنية المختلفة التي شَهِدَها الوطن العربي.

وبإسقاط الحركات الإسلامية مسائلَ الديمقراطيَّة والصراع الطبقي والدولة الوطنية وتجارب التنمية من حِساباتها تكونُ قد سحبت من يد رجال الاجتماع مرتكزات أساسيَّة يعتمدون عليها في تبرير وإثبات وُجودهم وأهميَّتهم للجماهير.

سابعًا: يبدأ الإعداد لهذه الحركات في المدارس والجامعات؛ ليمتدَّ بعد ذلك إلى نشاطات تستهدف مراقبة المجتمع، انطِلاقًا من المساجد لينتهي في الأخير إلى المواجهة المُعلَنة مع الدولة والنظام السياسي من خِلال أحزاب سياسيَّة تتَّخذ الإسلام قاعدةً لها.

ثامنًا: انتقلت الحركات الإسلاميَّة من موقفٍ دِفاعي إلى موقفٍ هجومي؛ بفضْل تطوُّر القَضايا التي رسمت علامات حركتها؛ كالإصلاحات التربويَّة، والتنديدات الأخلاقيَّة، والانتقادات السياسيَّة عبْر المساجد والمؤسَّسات والأحزاب السياسيَّة.

تاسعًا: لا تختلف الموضوعات التي تتمَحوَر حولها الحركات الإسلامية من بلدٍ عربي إلى آخَر، وتتَّسم هذه الموضوعات بالبساطة، وتتبلوَر حول مسائل لا تُضِيف في حدِّ ذاتها أيَّ جديدٍ لافت للانتباه، بل تَكمُن أهميَّتها في طريقة عرضها وفي فعاليتها الأيديولوجية.

عاشرًا: تمكَّنت الحركات الإسلاميَّة من التغَلغُل في القِطاعات الاجتماعيَّة المختلفة، وكوَّنتْ قاعدةً اجتماعية واسعة لمواجهة الأنظمة القائمة، ومحاولة العودة بالمجتمع الإسلامي إلى مَنابِعه الأصلية[22].

كما نجحتْ في اختراق التنظيمات الطلابيَّة وسَيْطرتْ على اتِّحاداتها، وامتدَّ تأثيرها إلى أعضاء هيئة التدريس بالجامعات[23]؛ وذلك بسبب مُرونتها وعُموميَّتها التي جعَلَتْها قويَّة وقادرةً على استِيعاب قُوًى اجتماعية متباينة[24].

يعني ذلك - في نظر رجال الاجتماع -: أنَّ الحركات الإسلامية لا تقرُّ التمايُز الطبقي في المجتمع، وأنها تتعدَّى الطبقات وتحتَوِيها كلها في الوقت ذاته، على عكس الأيديولوجيات والأنظمة الفكريَّة التي ظهرت ابتداءً من القرن التاسع عشر، والتي تُصوِّر المجتمع على أنَّه قائمٌ على وجود طبقات ومصالح اجتماعية[25].

وتنظر الحركات الاجتماعية إلى المجتمع على أنَّه كِيان تُوحِّده العقيدة، وليس كيانًا يرتبط بمجرَّد مصالح عمليَّة وعلاقات إنسانيَّة سطحيَّة، وإذا أخذت هذه الحركات هذا التمايُز في اعتبارها فإنها تفعل ذلك من أجل التنديد بآثاره.

حادي عشر: الحركات الإسلاميَّة متعدِّدة الأبعاد تكتسح المجال الاجتماعي عبْر موجات متتالية، تغمر بالتدريج كلَّ جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وآداب واقتصاد وسياسة، ولا ينجو منها أيُّ جانب، حتى الهندام وكيفيَّة الضَّحِك والحب يمكن أنْ يخضَعَ لها في وقتٍ ما، وهذا يعني - في نظر رجال الاجتماع -: أنها حركة شاملة وشمولية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 95.
[2] جلال أمين، بعض مظاهر التبعية الفكرية في الدراسات الاجتماعية في العالم الثالث.
[3] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 92.
[4] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 95-96.
[5] نفس المصدر.
[6] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 96.
[7] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 152.
[8] سمير نعيم، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 231.
[9] تشير العقلانية في أكثر معانيها شيوعًا إلى أسبقية العقل في فهْم الحقائق الجوهرية عن العالم عمَّا سواه، ويرتبط هذا المفهوم عادةً بمفكري عصر التنوير في فرنسا؛ يقول (سمارت) في شرحه لهذا المفهوم: إنه قد أعلى من قيمة العقل ليقف في مواجهة الإيمان والسلطة التقليدية والمسائل الروحية، وأنَّ روح عصر التنوير النقدية العقلانية وجهت ضد الحقائق المنزلة في الكتب المقدسة.
ويقول أيضًا: "إنَّ أفضل استخدامٍ للعقلانية على المستوى الديني سلبي تمامًا، ويُعتَبر بذلك حركة مضادة للدين ذات نظرة نفعيَّة تعطي وزنًا كبيرًا للمناقشات العلمية والتاريخية المضادة للإيمان.
Nilan smart, rationaliom, the Encyclopedia Of philosophy, Macmillan publishing, N.YR.
[10] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 96.
[11] نفس المصدر ص 96-97.
[12] عبد الباقي الهرماسي، علم الاجتماع الديني، المجال والمكاسب والتساؤلات، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 30.
[13] على الكنز، الإسلام والهوية، ص 94.
[14] محمد شقرون، الظاهرة الدينية كموضوع للدراسة، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 132.
[15] عاطف عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي، ص 154.
[16] نفس المصدر ص 154.
[17] عاطف عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي، ص 161.
[18] نفس المصدر ص 154.
[19] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 93-94.
[20] المصدر السابق ص 93.
[21] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 92.
[22] عاطف عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي، ص 154.
[23] سمير نعيم، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني ص 233.
[24] علي الكنز نقلاً عن سمير أمين، الإسلام والهوية، ص 92.
[25] علي الكنز، الإسلام والهوية، ص 92.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 10-09-2014, 08:16 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية

الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية
ـــــــــــــــــــ

اعترافات علماء الاجتماع
---------------

الحلقة الخامسة عشر
-------------

الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية
-----------------------------

في كلماتٍ بسيطة وموجزة، حَسَمَ الأستاذ (محمد قطب) القضيَّة التي قَضَى رجال الاجتماع من الماركسيين العرب زمنًا في دراستها.

يقول الأستاذ محمد قطب:
"جاءت الصحوة الإسلاميَّة في مَوعِدها المقدور من الله، وكانت مفاجأةً ضخمةً لكثيرٍ من الناس".

وعن الذين باغتَتْهم هذه الصحوة يقول:
"هؤلاء قد أغفَلُوا حقيقة ضخْمة تندرج تحتَها حقائقُ كثيرة لا تسير حسب حِساباتهم، ولا تستَطِيع حِساباتهم أنْ تصلَ إليها؛ لأنَّ الله قد جعَلَ على قلوبهم أكنَّة وفي آذانهم وقرًا، أغفلوا بادئ ذي بدءٍ أنَّ الذي يُدبِّر الأمر في هذا الكون العريض كلِّه ليسوا هم وليس غيرهم من البشر، إنما هو الله"[1].

الماركسيون من رجال الاجتماع العرب ليس مرجعهم (الله - عزَّ وجلَّ)، إنما مرجعهم ماركس، ولينين، وماكس فيبر، وألتوسير، وغرامشي، وسمير أمين، وطيب تيزيني، وعابد الجابرى، وحسين أحمد أمين، ومحمد أركون، وعبدالله العروي... إلخ.

يقول (علي الكنز) أستاذ الاجتماع في جامعة الجزائر في تفسيره للصحوة الإسلامية:
"لتفسير صَحوة وانتِعاش التوجُّه الدِّيني الذي تعرفه المجتمعات العربيَّة المعاصرة استعملت العديد من فرضيَّات البحث، لكلِّ واحدةٍ منها فعاليتها النظريَّة الخاصَّة.

وباختلاف هذه الفرضيَّات من حيث التناوُل والطرح فهي ساعدَتْ على كشف واقع التشكيلات الاجتماعيَّة العربيَّة الراهنة.

هذه الفرضيَّات العديدة والمختلفة وُضِعتْ من قِبَلِ الكثيرين من أمثال: سمير أمين والطيب تيزيني ومحمد أركون وعبدالله العروي ومحمد عابد الجابري، وغيرهم من الذين زوَّدوا الإنتاج العلمي بإنتاجهم الذي لا يُستَهان به من حيث نوعية التحليل وثراؤه"[2].

وفي إحدى الحواشي لدِراسته عن الإسلام والهويَّة يَذكُر أنَّه تبنَّى عنوان كتاب حسين أحمد أمين: "دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين".

وفي حاشيةٍ أخرى يقول: "ونستطيع هنا أنْ نُردِّد الطريقة اللينينيَّة المتعلِّقة (بالحلقة الأكثر ضعفًا)، أو بطريقة غرامشي (الزمن التاريخي)، أو حتى المقولة الألتوسيرية المُستَوحاة من التحليل النفسي".

هؤلاء هم مَراجِع الماركسيين العرب من رجال الاجتماع في تفسير الصحوة الإسلاميَّة.

وسنعرض فيما يَلِي اعترافاتهم الصريحة بإخْفاق تحليلاتهم وتفسيراتهم لهذه الصحوة، وما تضمَّنَتْه هذه الاعترافات من تأكيدٍ على خَيْبة أملهم في (العقلانية) التي ظنُّوا أنها ستُساعِدهم في فهْم الواقع العربي.

أولاً: قولهم بارتباط الدِّين بالتراجُع والتقهقُر، وارتباط العقلانية بالصعود والتطوُّر:
الدِّين عند رجال الاجتماع تعبيرٌ عن الحزن، وانعكاسٌ لبُؤسِ العالم وشَقائه، أمَّا الفكر العقلاني فهو تعبيرٌ عن حيويَّة الوعي الجماعي الذي يَعكِس تطوُّر العالم وازدهاره؛ ومن ثَمَّ فإنَّ الصحوة الإسلامية وما يُسمُّونه بانتعاش التوجُّه الديني هو عندهم تراجُع وتقهقُر إلى الوَراء.

يقول علي الكنز: "... فهل يمكن لنا أنْ نُدلِي بأنَّ الوعي الديني أو التشبُّث بالدِّين هو مُزامِنٌ للفترات التراجعيَّة والمراحل المتقهقِرة، وأنَّ الفكر العقلاني يُزامِن الفترات التصاعديَّة أو المتطوِّرة، ونقول أنَّ ذلك هو تطبيق للقانون التاريخي؛ وعليه: فإنَّ الدِّين هو بمثابة تعبيرٍ عن الحزن، وبالتالي فهو انعكاسٌ لبُؤس العالم وشَقائه، وعكس ذلك اعتبار الفكر العقلاني بمثابة تعبيرٍ عن حيويَّة الوعي الجماعي الذي يَعكِس هذه المرَّة تطوُّر العالم وازدهاره"[3].

اعترف الماركسيون العرب من رجال الاجتماع بعد مراجعة حِساباتهم بفشل تصوُّراتهم عن الارتباط بين الدِّين والتقهقُر، وبين العقلانية والصعود، وساقُوا الأسباب الآتية لبيان فشل هذا الارتباط:
1- أنَّ هذا الارتباط يَأخُذ تاريخ الغرب على أنَّه النموذج الأصلي والمرجعي لتاريخ البشريَّة، وهذا غير صحيحٍ باعترافهم.

2- أنَّ هذا الارتباطَ يُعتَبر أحكامًا مسبقة، لا أساسَ لها من الصحَّة؛ لكونها غير مبنيَّة على وقائع تاريخية أو براهين استدلاليَّة.

3- أنَّ هذا الارتباط يُمثِّل - في رأيهم - سقوطًا فيما يُسمُّونه (بغْي الأيديولوجية الوضعية[4]، والعلموية[5] التي أنتجَتْها الثقافة الغربية)؛ بمعنى: أنَّه: (استهلاكٌ لقراءة غربية يستهلكها الفكر العربي باسم العقلانية)، وبصورةٍ أخرى: أنَّه (تَبَنٍّ لايديولوجيات وفكر ونظريات أُنتِجت خارج المجتمعات العربية)، وذلك حسب تعبيراتهم ذاتها التي أوردوها في أثناء اعترافهم[6].

ثانيًا: قولهم بالقُدوم المظفَّر والمنتصر لرجل التقنية وزوال ما يُسمَّى بـ(رجل الدِّين):
من المعروف أنَّه ليس هناك رجال دِين في الإسلام، وإنما هناك علماء، فمصطلح (رجال الدِّين)، انتقل إلينا من النصرانيَّة، وشاعَ استخدامه في بلادنا بسبب التأثُّر بحضارة الغرب.

اعتقد الماركسيون العرب من رجال الاجتماع نقلاً عن عبدالله العروي بأنَّ ما يُسمَّى برجل الدِّين قد اختفى وزالَ من الساحة بسبب القدوم المظفر والمنتصر لرجل التقنية، لكنَّهم عادوا يعترفون بعدم صحَّة ذلك، مُؤكِّدين في نفس الوقت اعترافهم بفشل العقلانية وأشكال تحليلاتها.

وساقوا بأنفسهم أيضًا أدلَّة عدم صحَّة افتراضهم السابق على النحو التالي[7]:
1- أنَّ الاعتقاد بزوال ما يُسمَّى برجال الدِّين مغالطة لا تُشاهَد في التاريخ، يقول علي الكنز معترفًا: "إنَّ التحليل السوسيولوجي الذي جاء به عبدالله العروي وتبنَّيناه نحن بدورنا ما هو في نهاية الأمر إلا مُغالَطة يمكن أنْ تكون انطلقتْ من حالة تلبُّس صامتة وهي مغالطة لا تُشاهَد في التاريخ".

2- أنَّ إيمانهم بزَوال ما يُسمَّى برجل الدِّين كان سببه تبنِّيهم للعقلانية كشكلٍ أيديولوجي جعلهم يرَوْن ما يُرِيدون هم رؤيته، وهو زَوال ما يُسمَّى برجل الدِّين.

يقول علي الكنز: "وهل اختفى رجل الدِّين عن الساحة فعلاً؟، أم أنَّ إدراكنا الأيديولوجي لهذه الساحة هو الذي أوحى لنا بذلك تحت أشكالٍ عقلانيَّة؛ حتى أصبحنا نؤمن بالوهم القائل بزوال رجل الدِّين؟ إنها صورة مزيفة جعلَتْنا نشاهد ما نريد نحن مشاهدته".

ويعترف علي الكنز مرَّة أخرى: "وبناءً عليه، وبما أنَّه من المحتمل جدًّا عدم اختفاء رجل الدِّين عن الساحة - فإنَّه يجب أنْ نتساءَل، بل نسأل أنفسنا ليس عن هذا الاختفاء بما أنَّه لا وجودَ له على الإطلاق، بل عن عدم قدرتنا على كشف حُضور رجل الدِّين بين فجوات الأيديولوجية المسيطِرة حاليًّا"[8].

ثالثًا: قولهم بأنَّ الصحوة الإسلامية ظهرت بسبب عدم نُضُوج التركيبة الطبقية العربية:
يُعلِّل الماركسيون العرب ظهورَ الصحوة الإسلامية يما يُسمُّونه عدم نضوج وعدم اكتمال تكوين التركيبة الطبقية في العالم العربي، التي من شأنها - إذا كانت كاملةً منسجمة وناضجة - أنْ تُؤدِّي إلى ظهور أيديولوجيَّة علمانية وعقلانية، وأنها إذا كانت غير كاملة ومذبذبة ستُؤدِّي إلى ظهور أيديولوجية دينية ولا عقلانية.

ولهذا: فإنَّ عدم اكتمال ونضوج هذه التركيبة الطبقية في العالم العربي كما يتصوَّر الماركسيون العرب الذين وصَفُوها بأنها عاجزة ومشوهة - أدَّى إلى فَراغ، هذا الفَراغ هو الذي أدَّى لظهور الصحوة الإسلاميَّة.

ويستند الماركسيون من رجال الاجتماع العرب هنا إلى فكرة (محمد أركون) القائلة بأنَّ المجتمعات العربيَّة لا يُوجَد لديها ما يقابل أو يعادل طبقتي (البورجوازية والبروليتاريا) في المجتمعات الغربية؛ بمعنى: أنَّ هاتين الطبقتين اللتين تضامَنتا وتصارَعتا عملتا على إظهار الأيديولوجية العلمانية في الغرب، لكنَّ ضَعفَهما الملحوظ في عالمنا العربي ساعَد على ظهور الصحوة الإسلاميَّة.

هذا، ويُضِيف الماركسيون العرب أسبابًا أخرى لظهور الصحوة الإسلامية منها: الفشل الاجتماعي والاقتصادي للمجموعات التي أزالَتْ الاستعمار وقامت بالتنمية الوطنية، ومنها أيضًا: وجود مجموعات مُتَحالفة مع الغرب، وأخرى طفيلية ظهرت وانتشرت أخيرًا[9].

ثم يعود الماركسيون العرب من رجال الاجتماع إلى الاعتراف بفشل هذا التحليل؛ استنادًا إلى ما يلي:
1- أنَّ هذا التحليل اعتَمَد على المماثلة والقياس بالغرب؛ بمعنى: أنَّه يعتبر أنَّ الفئات التي ظهَرتْ وتصارَعتْ قديمًا في أوربا، وأنها تُشبه الطبقات الرئيسة بها، وخاصَّة البورجوازية والبروليتاريا.

هذه المماثلة - باعترافهم - غيرُ صحيحة؛ لأنَّ هاتين الطبقتين الرئيستين في المجتمعات العربية تختلفان من حيث السلوك عن النموذج الأصلي لهما؛ ومن ثَمَّ (نعَتُوهما) بعدم النُّضوج واللاعقلانيَّة الذي مهَّد لظهور الصحوة الإسلامية[10].

ويُلخِّص الماركسيون العرب من رجال الاجتماع هذه النقطة بقولهم: "إنَّ هذا الفكر التحليلي سجن نفسه في إطارٍ مُحدَّد، وحبس نفسه في حقلٍ تاريخي واجتماعي غريبٍ عنه"[11].

2- أنَّ واقع المجتمع العربي لا يتَّفِق مع ما يُرِيده الماركسيون، ولا يخضع أفراده (لقيم الإنتاج) التي يتحدَّثون عنها؛ ويعني هذا: أنَّ الناس لا تربطهم المصالح الاقتصاديَّة، وإنما الدِّين هو الذي يُسَيطر عليهم[12].

3- الخطاب الدِّيني - باعترافهم - خطاب متفوِّق وليِّن، يَجتاز ويُؤثِّر على جميع الفئات الاجتماعية، بما فيها تلك الفئات التي يأملون أنْ تقوم بالتغيير؛ كالبورجوازية والبروليتاريا، بالإضافة إلى فئات صغار وكبار الموظَّفين[13]، وفي عباراتٍ صريحة تحوي اعتِرافًا صريحًا بفشل نموذج التحليل الماركسي، وبإخْفاق واضطراب الفكر العقلاني، وبسعي كلِّ الطبقات إلى تَطبِيق الشريعة الإسلاميَّة، وممارسة الشعائر الدِّينية، يقول علي الكنز: "نحن اليوم أمام فشل نموذج التحليل، وأمام قلَق واضطراب الفكر العقلاني، وإذا كنَّا ننتظر على الأقل تأثيرات الطبقة العاملة والبورجوازية أنْ تتَبلوَر وتتجسَّد داخِل الحركة الاجتماعيَّة، فنحن نُلاحِظ هروب هذه الطبقات عن كلِّ الفاعلين: شعائر دينيَّة، وأصول عرقيَّة، والتحريض لتطبيق الشريعة الإسلامية في قانون الأسرة... إلخ، إنَّه إخْفاق في نظري يضع الفكر التحليلي أمامَ البديل"[14].

رابعًا: اعترافهم بأنَّ نظريَّة الصراع الطبقي مسؤولةٌ عن الدمار الذي يتخبَّطون فيه.
ما زال الماركسيون العرب من رجال الاجتماع يُصرُّون على أنَّ فكرة الصراع الطبقي فكرةٌ صائبة، بالرغم من أنهم اتَّهموا هذه النظرية بأنها مسؤولة عن الدمار الذي يتخبَّطون فيه.

كما يعترفون بأنَّ بعض المحلِّلين العرب أرادوا قراءة الواقع العربي ماضيًا وحاضرًا؛ انطلاقًا من مُعطَيات المجتمعات الغربية وفي ضوئها.

ويعتَرِفون كذلك بأنَّه في هذا التاريخ الأوربي الذي يتَّخذونه كنموذج: نادرًا ما تَطاحَنتْ الطبقات الاجتماعيَّة في المجتمعات الرأسماليَّة، وأنها لم تكن فاعلةً مباشرة، ولم تتمكَّن من فرْض نفسها كطبقات، كما يعترفون بأنهم تسرَّعوا في الحكم على الواقع العربي؛ لأنهم لم يُراجِعوا نظرية الصراع الطبقي في فئاتها المرجعيَّة المستعمَلة وفي مُنطَلقاتها النظريَّة، ولم يتأكَّدوا من صحَّتها ومَدَى مُلاءَمتها ومدى صحَّة وقابليَّة أدواتها، بل اعتبروا أنَّ هذه النظريَّة هي الواقع الوحيد، واحتقروا الحركة الإسلاميَّة؛ لأنها لم تتطابق مع نموذجهم المرسوم[15].

وسجَّل هذه الاعترافات علي الكنز بقوله:
"لقد تسرَّعنا في مشاهدة الطبقات وفئاتها، وكذلك البورجوازية والبروليتاريا والبورجوازية الصغيرة والفلاحين، داخل الحركات الاجتماعية والسياسية التي زَعزعَتْ بلدان العالم الثالث، وقد تَمَّ هذا التسرُّع دون مُساءَلة المنطلقات النظرية والفئات المرجعية المستعمَلة، وحتى التأكُّد من صحَّتها ومَدَى مُلاءَمتها.

وهكذا قُمنا بالمُعايَنة دُون التفكير في مَدَى صحَّة وقابليَّة تلك الأدوات، بحيث أصبحت النظرية العلمية للطبقات هي المرجع الوحيد، وعندما نُشاهِد الطبقات الاجتماعيَّة حيث لم تكنْ موجودة، حتى وإنْ تَمَّ ذلك على حساب الحركة الاجتماعية واحتقارها لا لشيءٍ إلا لأنها غير مُطابِقة للنموذج المرسوم"[16].

خامسًا: اعترافهم بعدم ارتباط ظهور الجماعات الإسلاميَّة بانحِطاط وتدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو تطوُّرها.
تبنِّي بعض الماركسيين العرب من رجال الاجتماع فكرةَ أنَّ هزيمة 1967 وتدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الرئيس لظهور الجماعات الإسلامية؛ ومن ثَمَّ رأوا أنَّ ما يُسمَّى بالفهم العلمي السليم لما يُسمُّونه بهذه الظاهرة والتصدِّي لها بجدية لا يتحقَّق إلا بفهْم البنية الاجتماعية التي ظهرت فيها، وفهْم مجموعة الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة؛ بمعنى: أنَّ الصحوة الإسلامية ظهرت كردِّ فعلٍ لحالة أزمة حادَّة وعامَّة على المستوى الاجتماعي، وأنَّ وجود أزمة حادَّة وعامَّة كان ولا يزال الشرط الضروري اللازم لظُهور واندِفاع ما يُسَمُّونه بالحركات الدِّينية والاجتماعيَّة ذات الطابع التعبيري.

يقول (عضيبات) أستاذ الاجتماع بجامعة اليرموك بالأردن: "هذا، ويلاحظ خلال التاريخ العربي أنَّ ظهور الحركات الدِّينية الاجتماعية كان ولا يزال مرتبطًا بفترات الاضطراب الحادِّ، التي يكون فيها بَقاء المجتمع وتماسُكه واستمراره مُهدَّدًا؛ لذلك كانت هذه الحركات الدِّينية الاجتماعية ولا تزال بمثابة استجابات للأزمات الروحية والاجتماعية والسياسية الحادَّة التي شَهِدَها ولا يزال يشهدها مجتمعنا العربي الإسلامي"[17].

واستشهد (عضيبات) بالأزمة التي مرَّ بها المجتمع العربي الإسلامي خِلال فترة حكم معاوية، والتي مهَّدت لعمر بن عبدالعزيز إعادةَ توجيه الحكم بما يتَّفِق والمبادئَ الإسلاميَّة، كما استشهد أيضًا بتجربة الإخوان المسلمين التي أسَّسها (حسن البنا)، والأزمات التي كان يُعانِيها المجتمع في عهده؛ ليصل في النهاية إلى القول بأنَّه: "من المؤكَّد أنَّه في ظلِّ الظروف البالية والقلقة التي يعيشُها الآن مجتمعنا العربي الإسلامي، فإنَّ نشاط الحركات الدِّينية مستمرٌّ لمواجهة هذه الظروف"[18].

أخَذ سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة كمثالٍ، سعى فيه جاهدًا ليُثبِت أنَّ سبب انتشار الدِّين والجماعات الإسلاميَّة كان مرتبطًا بالخلل الذي أصابَ النُّظم الاجتماعيَّة في مصر على كافَّة المستويات.

تعرَّض نعيم لفَساد النظام الاقتصادي الذي قال أنَّ مفاتيحه قد أصبحتْ في يد الغرب الذي يملك في أيِّ لحظة إحداثَ انهيارٍ في هذا الاقتصاد؛ إذا ما تهدَّدت مصالحه، أو تعارَضت القرارات القوميَّة المصريَّة مع هذه المصالح، كما كشَف عن تَراجُع الصناعات التحويليَّة والزراعة، وتراجُع دور الدولة في إقامة المشروعات الكبرى التي تستَوعِب الطاقة العاملة، وتحدَّث عن ظهور واستِشراء الفئات الطفيليَّة التي شَهِدتْ ثَراءً فاحشًا من خِلال عمليَّة تخريب الاقتصاد المصري، وانتشار تجَّار العملة، وزيادة مُعدَّلات التضخُّم، واشتداد أزمة الإسكان، وبطالة الشبان المتعلِّمين، وكذلك انتشار الفساد والانحلال الخلقي، وتراجُع قِيَمِ الشرف، وأنَّ المال أصبح هو القيمة العُليا، وأصبحت الغاية تُبرِّر الوسيلة، حتى لو كانت هذه الوسيلة هي بيع الشرف أو الدعارة.

وعن تدَهوُر النظام التعليمي أوضح نعيم أنَّه نظامٌ يعتمد على التلقين القائم على حشو ذهن الطالب خِلال مراحل الدراسة بمعلوماتٍ عليه أنْ يحفظها دون أنْ يشغل عقلَه بالتحليل والنقد، ودون أنْ يُشجع على المعرفة والفكر أو المطالعة في المكتبات.

وعن فَساد الثقافة والإعلام بيَّن نعيم كيف أنَّ الثقافة تحوَّلت إلى سلعة تجارية واستثمارية تهتمُّ بالرِّبح وبالمظهر أكثر من الفائدة والمضمون، وأشار أيضًا إلى الفنِّ الهابط والمبتذل في المسارح، المتاح فقط لِمَن يقدرون على تحمُّل أثمان دخول هذه المسارح، ولتلك الفئة من الشباب التي تتَّفِق قيمها وميولها مع ذلك النوع من الفن المشجِّع على الانحِراف.

أمَّا وسائل الإعلام: فإنها تعرض لجماهير الشباب صورًا متنوعة وبكثافةٍ عالية للإنفاق البذخي والمظاهر الاستهلاكيَّة، التي تعجز غالبية الشباب عن مجاراتها، كما أنها تعرض نماذج سلوكية وثقافية غريبة مبتذلة، بما يُثِير نقمة واشمِئزاز الكثير من الشباب، أو يُمثِّل غوايةً لهم للانحراف.

أوضح نعيم أنَّ نتائج فساد كلِّ الأنظمة من اقتصادية وسياسية وتربوية وثقافية - تصبُّ في الأُسرة التي تقومُ بالتنشئة الاجتماعية الأولى للإنسان، ثم تحدَّث عن المشكلات اليوميَّة التي تُواجِهها الأسرة المصريَّة من مواصلات وإسكان، وغذاء وملبس، وتعليم وصحة، وتلوث وضوضاء، وفوضى واضطراب، وتسيُّب وفساد، وحصار إعلامي ودعائي... إلخ[19].

انتهى سمير نعيم من كلِّ ذلك إلى القول بأنَّ كلَّ هذه الظروف أدَّت إلى ظهور الجماعات الإسلاميَّة التي انضمَّ إليها الشباب لمواجهة هذا الفساد وهذا الخلل في النُّظُم الاجتماعيَّة، وأنَّ هذه الجماعات قد سارَعتْ لملْء الفراغ الثقافي الذي تسبَّب عن فساد الثقافة والإعلام بطبع كتب وصحف ومجلات وأشرطة وفيديو كاسيت بحجمٍ ضخم، واعترف نعيم كذلك بزيادة حجم الإقبال على هذا المنتج.

كما أشار إلى دور هذه الجماعات في بيع ملابس المحجبات والكتب والدروس الخصوصيَّة بأسعارٍ رمزيَّة زهيدة، وأنها قامَتْ بخدمات إنسانية اجتماعية عبْر المساجد؛ كالعلاج الصحي في المستوصفات والدروس المجانيَّة للطلاب، أو المساعدات الاجتماعيَّة، ودور الحضانة... إلخ[20].

تُؤكِّد الشهادة السابقة لعضيبات وسمير نعيم هذا الدور الإيجابي والبنَّاء للجماعات الإسلاميَّة في مُواجهة الخلل والفساد الذي حَلَّ بالنُّظُم الاجتماعية وأصابها في الصميم، ومع ذلك يُصِرُّ رجال الاجتماع على مهاجمة هذه الجماعات ومناصبتها العداء؛ لا لشيءٍ إلا لأنَّ ماركسيتهم تُعادِي الدِّينَ وكلَّ ما يرتبط به من حركات ورموز.

ومع كلِّ هذا فإنَّ الصحوة الإسلاميَّة لم تظهر بسبب تدهور البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، وإنما جاءتْ كما يقول الأستاذ محمد قطب: "في موعدها المقدور من الله".

ونأتي هنا إلى اعترافات البعض الآخَر من الماركسيين العرب من رجال الاجتماع بخطأ الربْط بين ظهور الصحوة الإسلامية وتدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

يرى (علي الكنز) أنَّ ربط انتشار الدِّين بالانحطاط أو التطوُّر الاقتصادي والاجتماعي مُنزَلقٌ وقع فيه رجال الاجتماع، واستدلَّ الكنز لإثبات ذلك بالماضي الأوربي ذاته الذي ظهرت فيه الرأسمالية في الأصل في وقتٍ عرفت فيه البلدان الأوربية إصلاحات دينية، وربطت التنمية بانتشار الأيديولوجية الدِّينية؛ كما حدث في كلٍّ من بريطانيا وأمريكا الشمالية وهولندا...

استدلَّ الكنز أيضًا باليابان في الحاضر المعاصر التي تربَّعت على عرش الاقتصاد العالمي مقابلةً بالصين، فاليابان ربطت الدِّين بالمجتمع والدولة ربطًا عضويًّا، وفعلت الصين المستحيل لمنْع ذلك[21].

ويُشِير الكنز في مثالٍ آخَر إلى الكاثوليكيَّة التي أثارَت العمَّال والشعب البولوني لِمُحارَبة الطبقة الحاكمة، وإلى الأيرلنديين ومُناهَضتهم للبروتستانت الإنجليز.

ويُوجِز الكنز ملاحظاته هذه معترفًا بقوله:
"وبإمكاننا تعداد هذا النوع من الملاحظات اللامنتهية، وتوضح اليوم - كما في الأمس - بأنَّ البُعد الدِّيني قد ساهم دومًا بشكل أو بآخَر في تبلور الهوية الجماعية، وبأنَّ انتشاره لم يرتبط في كلِّ زمان ومكان بفترات الانحطاط أو التطوُّر الاقتصادي الاجتماعي[22].

ويُعطِي (فرحان الديك) مثالاً آخَر من الواقع العربي على خطأ هذا الربط؛ فيقول: "... فظهور مثْل هذه الحركات لا يمكن ردُّه - كما يفعل البعض - إلى تردِّي الوضع الاقتصادي، وربْط ظاهرة الصحوة الدِّينية بالأزمة الاقتصادية؛ لأنَّ ما يُسمَّى بالمدِّ الدِّيني ظهر وتطوَّر في الفترة الزمنيَّة نفسها التي تميَّزتْ أيضًا بالطفرة أو الفورة الاقتصاديَّة التي عرفتها -ولكن بدرجات متفاوتة بالطبع - كلُّ المجتمعات العربية[23].

إلا أنَّ المُثِير للدهشة والعجب أنْ يدَّعي رجال الاجتماع بعد كلِّ اعترافاتهم بفشل تحليلاتهم أنَّ التيَّارات الوطنية والليبيرالية واليسارية والقومية هي المحاصرة في بلادنا، وأنَّ هناك تضييقًا على دُعاتها وتنظيماتها، وأنَّه لهذا السبب فإنَّ الساحة ستظلُّ شِبهَ خالية أمام الحركات الدِّينية الاجتماعية، وسيملأ فكرها وتنظيماتها الفراغ القائم[24].

لا أحدَ يشكُّ في عدم صحَّة هذا الادِّعاء، ولا أحد يُنكِر أنَّ التنظيمات الإسلاميَّة هي المحاصرة من الداخِل والخارج، وأنَّ هناك تضييقًا على دُعاتها، وأنَّ الساحة ليست خاليةً تمامًا أمامَها، ولا يردُّ هذا الادِّعاء إلا اعترافاتهم أنفسهم بفشل تحليلاتهم وتفسيراتهم وافتراضاتهم، وعلى رأسها نظرية الصراع الطبقي.

جاءَتْ هذه الاعترافات للماركسيين العرب من رجال الاجتماع إثْر دروسٍ قاسية تعلَّموها من الصحوة الإسلامية، كان أقسى هذه الدروس عليهم أنَّ تاريخ الوطن العربي ليس هو إعادةً ولا تكرارًا لتاريخ أوربا في القرن العشرين، عبَّر الماركسيون عن ذلك بِمَرارةٍ في قولهم: "وبكلِّ قساوةٍ تمكَّن الفكر العربي العقلاني اليوم من اكتشاف هذا الدرس الجدلي"[25].

أمَّا الفكر العقلاني ذاته فقد أُصِيب كما أوضحنا سابقًا بأزمةٍ عميقة أجبرت أصحابَه على ضرورة التفكير في نقده نقدًا جذريًّا، مع الاعتراف بأنَّ هذا الفكر العقلاني مأخوذٌ من الثقافة الغربية بطريقةٍ سيِّئة جدًّا بنص عباراتهم.

علَّمتهم الصحوة الإسلامية أنَّ عليهم التخلِّي عن الوضعية التي غُلِّفتْ لهم بغِطاءات ماركسيَّة متدنِّية ورَدِيئة بنصِّ عباراتهم أيضًا، وأنَّ الجماعات الإسلاميَّة ليست بطبقات اجتماعية، وأنَّ عليهم أنْ يلاحظوا هذه الصحوة بكلِّ رَصانة وبكلِّ سكينة - بنص عباراتهم كذلك - على أساس أنَّ هذا هو أوَّل شرط للتحليل العقلاني الذي أجبرَتْه هذه الصحوة على أنْ يُعِيد النظر في افتراضاته ومُنطلَقاته النظريَّة، وحتى إشكاليَّاته ومنهجيَّاته، على أمَل زائف من أنْ يتمكَّنوا من ضبْط ما يسمُّونه بالواقع التاريخي.

الصحوة الإسلامية عند الماركسيين العرب من رجال الاجتماع "تحديد سالب لكيان اجتماعي يستَعِيد حيويَّته، ويتبلور في حركة سياسية"[26].

تصوَّر رجال الاجتماع أنَّه ما زال بإمكان الفكر العقلاني مواجهة هذه الصحوة إذا نوَّع مجالات بحثِه وانفَتَح على هذه الصحوة، واعترف بها كواقع، وأنْ يتخلَّى عن منهجيَّته القائمة على أساس عالم متخيَّل.

إلا أنهم رغم ذلك يرَوْن أنَّ الصحوة الإسلاميَّة هي انحِرافٌ للوطن العربي عن مَسارِه الطبيعي وتجميدٌ لتطوُّره؛ ذلك لأنَّ هذه الصحوة رفضت رفضًا كليًّا الحداثة والعلمانية والليبيرالية والتقدُّمية؛ ولهذا رمَوْها بالانحِراف والجمود.

اعترف رجال الاجتماع بأنَّ فشل التجارب التنموية والوطنية تسبَّب في ثغرةٍ أدَّت إلى ما أطلقوا عليه بالهجمة الواسعة للتوجُّه الدِّيني الذي غاصَ في هذه الثغرة وحقَّق نجاحًا لامعًا وسريعًا.

تعلَّم الماركسيون العرب من الصحوة الإسلامية درسًا قاسيًا آخَر هو: أنَّ الدِّين يمكن أنْ يَنُوب عن رمزيتهم العقلانية والعلموية التي تشهد - كما يقولون - أزمة عميقة.

تعلَّموا أيضًا: أنَّ الإسلام بصفةٍ خاصَّة يمكن أنْ يستفيد بشدَّة من الاضطراب الذي تسبَّب عن التقنية الغربية وأزمة الأنظمة السياسية الغربية[27].

تعلَّموا أيضًا: أنَّ الإسلام - لا العقلانية - هو المطابق للوسط الثقافي المحلي، وللمرجع التاريخي الحضاري للشعوب وأخلاقيَّاتها، أمَّا الإسلام السياسي - كما يسمُّونه - فهو كالحوت في البحر بنصِّ عباراتهم[28]، وأنَّه يتميَّز بإستراتيجية وبتكتيك وبتقنيات الخطابة والدعاية، وأنَّه يستمدُّ سلطته من الجماهير[29].

علَّمتهم الصحوة الإسلامية أنَّ الدِّين يمكن أنْ يتغلَّب على غيره في كلِّ الفترات؛ سواء أكانت فترات صعود نحو العلمانية والعقلانية، أو فترات انحطاط وتدهور كما يتصوَّرون.

ودرسٌ آخَر شديد القسوة تعلَّموه من الصحوة الإسلامية هو: قُدرة الإسلام على الانتشار الواسع المحلي والوطني، وقُدرته على إفشال الأحزاب والحركات السياسية العلمانية التي تأسَّست في خضمِّ حركات التحرُّر والتشييد الوطني، وقُدرته على التحوُّل بسرعة خاطفة إلى أحزابٍ جماهيرية تستطيع توجيه أسلحتها الثقيلة حسب عباراتهم نحو مسألة شرعية السلطة السياسية وأنظمتها القائمة على الوطنية والتنموية[30].

يقول علي الكنز: "لقد بُنِيت الأنظمة العربية اليوم على أسس الوطنية والتنموية، ونَراها اليوم تنحسر وتنهار بوطنيَّتها وتنميتها في الوقت ذاته"[31].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محمد قطب، واقعنا المعاصر، مؤسسة المدينة، جدة 1989، ص364.
[2] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 97.
[3] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990، ص 99.
[4] أول من استخدم مصطلح (الوضعية) هو سان سيمون ليشير به إلى منهج علمي يمتدُّ ليشمل الفلسفة أيضًا، ثم تبنَّاه بعد ذلك أوجست كونت ليُؤسِّس به حركة فلسفية كبيرة انتشرت بقوة في كل بلاد العالم الغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والعقود الأولى من القرن العشرين.
تقوم (الوضعية) على مبدأ أنَّ العلم هو المصدر الصادق والوحيد للمعرفة والحقائق، وتتخذ (الوضعية) موقفًا عدائيًّا من الدِّين؛ ولهذا فهي تنكر كلَّ جوهر يذهب وراء حقائق وقوانين العلم، وترفض أيَّ نوع من الميتافيزيقيا، واستبدلت الدين المعروف بدِين وضعي، كما وضعت أخلاقاً وسياسة وضعية.
انظر: Nicola Abbagnano, Posivitism, The Encyclopedia of Philosophy Macmillan Publishing N. Y. Q London p 414.
هذا، وأطلق الشيخ مصطفى صبري على هذه الفلسفة بالفلسفة الوضعية (الإثباتية): الإلحادية، وعابَ على علماء الأزهر انخِداعهم بها وعدم إدراكهم لإلحادها، انظر: مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، دار إحياء التراث العربي، بيروت ج1/ ص148-149.
ويعتبر الشيخ فريد وجدي من أبرز العلماء في الأزهر الذين خدعتهم هذه الفلسفة، إلى درجة أنَّه أكَّد توافقها مع الإسلام، وكتب عنها قائلاً: "هذا هو رأى الفلسفة الوضعية التي أساسها الدليل المحسوس الذي لا ينقض في أيِّ عهد من العهود المستقبلة، وهو يُعتَبر أساسَ الحكمة الإسلامية: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: 27].
انظر: محمد فريد وجدي، السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة - مجلة الأزهر ج3 ربيع الأول 1364/1945، مجلد 16، ص100.
[5] (العلموية) أو (النزعة التعالمية) مصطلح يعني: أنَّ العلم يستطيع أن يزود الجنس البشري بفلسفة شاملة في الحياة، ويحلُّ لجميع المشكلات، وينظر إليه كأيديولوجية تشتمل على أرفع القيم وأرقاها.
انظر: محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية ص 403.
[6] على الكنز: ص 99-102.
[7] على الكنز: ص 99-102.
[8] على الكنز: ص 99-102.
[9] على الكنز: ص 99-102.
[10] على الكنز: ص 99-102.
[11] على الكنز: ص 99-102.
[12] على الكنز: ص 99-102.
[13] على الكنز: ص 99-102.
[14] على الكنز: ص 99-102.
[15] على الكنز: ص 99-102.
[16] على الكنز: ص 99-102.
[17] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع العرب الإسلامي، الدين والمجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 155.
[18] تابع ص 157.
[19] سمير نعيم أحمد، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني، الدين والمجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 223، 235، 237.
[20] تابع ص 234.
[21] علي الكنز ص 105.
[22] تابع 105-106.
[23] فرحان الديك، الأساس الديني في الشخصية العربية، الدين في التجمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 118.
[24] عضيبات ص 160.
[25] علي الكنز ص: 100-109.
[26] علي الكنز ص: 100-109.
[27] علي الكنز ص: 100-109.
[28] علي الكنز ص: 100-109.
[29] علي الكنز ص: 100-109.
[30] علي الكنز ص: 100-109.
[31] علي الكنز ص: 100-109.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 10-09-2014, 08:19 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة لمتدينون والمرضى العقليون

لمتدينون والمرضى العقليون
ــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
------------------

الحلقة السادسة عشر
--------------

المتدينون والمرضى العقليون
----------------------

لرجال الاجتماع في بلادنا مَقُولاتٌ تُثِير الدهشة والاستغراب منها ما يدلُّ على دَهاءٍ ومكر شديدَيْن؛ كقول (عضيبات) الذي أشرنا إليه في الحلقة الماضية أنَّ التيَّارات الوطنية والليبراليَّة واليساريَّة والقوميَّة مُحاصَرة في مجتمعاتنا، وأنَّ هناك تضييقًا على دُعاتها وتنظيماتها، وأنَّ الساحة شبهُ خاليةٍ أمام الحركات الدينيَّة التي سيَملأ فِكرها وتنظيماتها الفراغ القائم[1].

ومنها ما يدلُّ على سطحيَّة وسَذاجة تَفُوق الحدَّ، يقول سمير نعيم (أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة) أنَّ الجماعات الإسلاميَّة جزءٌ من مُخطَّط إمبريالي تُسانِده قُوًى إقليميَّة ومحليَّة تَهدِف إلى ضرب التماسُك الاجتماعي وتفسيخ المجتمع من جهة، وتكريس تخلُّفه تدعيمًا لتبعيَّته من جهةٍ أخرى[2].

رغم أنَّ أبسط الحقائق تقولُ: إنَّه لا خطر أشد على الإمبرياليَّة والصهيونيَّة والقُوى الإقليميَّة والمحليَّة من الصحوة الإسلاميَّة وحركاتها وجماعاتها.

وحقيقةُ الأمر أنَّ الموقف العَدائي لرجال الاجتماع في بلادنا من الصحوة الإسلاميَّة يرتبطُ ارتِباطًا لا ينفَصِم بموقفهم العَدائي من الدِّين.

الدِّين - كما يَراه رجال الاجتماع في بلادنا - (وهْم) و(خيبة أمَل الزمن الراهن)، و(رد فعل سلبي للضمير الجمعي)، و(عصاب نفسي) و(مأوى لموت بطيء)![3].

طالَب رجال الاجتماع في بلادنا عَلَنًا وبلا حياء بتَرْكِ الاعتقاد بالدِّين.

يقول علي الكنز أستاذ الاجتماع بجامعة الجزائر: "قبل كلِّ شيء علينا ترك الاعتقاد بالدِّين؛ لأنَّه لم يبرهن على أنَّ الدِّين أصبح بمثابة رؤية للعالم، أو فهو وظيفة عكسيَّة للتطوُّر التاريخي والاجتماعي"[4].

أمَّا هؤلاء الذين يَدخُلون في دِين الله من خارج مجتمعاتنا - في الوقت الذي يخرُج رجال الاجتماع منه - فهم في نظرهم أفرادٌ منعزلون؛ ولهذا فالإسلام عندهم لم يظفر بمسلمين جدد، والصحوة الإسلاميَّة بناءً على هذا التصوُّر نوعٌ من التراكُم المكثَّف للتجربة الإسلاميَّة، شأنها شأن تراكُم رأس المال[5]، وكما أشَرْنا من قبلُ فإنَّ أحدَ الأسباب الرئيسة لكراهية رجال الاجتماع في بلادنا للصحوة الإسلاميَّة هو رفْضُ هذه الصحوة المفاهيمَ الجديدة إجمالاً؛ كمنظومة الحداثة ورفضها للعقلانية كنمطٍ للتفكير وكمشروع مجتمعي، كما أشار إلى ذلك (الهرماسي) أستاذ الاجتماع بالجامعة التونسيَّة الذي اعترف بفشل هذه المفاهيم في قوله: "... لا لسببٍ إلا لأنها فشلتْ في بعض الميادين"[6].

هؤلاء الذين يقولون: إنَّ الجماعات الإسلاميَّة جزءٌ من مُخطَّط إمبريالي صِهيَوْني، ورموا هذه الجماعات بالتطرُّف اشتقُّوا تعريفاتهم للتطرُّف من كُتَّاب يهود كتَبُوها في قواميس ودوائر المعارف الفلسفيَّة، وأضفوا عليها الطابع العلمي؛ ولهذا كان التمسُّك والالتزام بالدِّين أو العودة إليه - كما اعتبره رجال الاجتماع العرب - نقلاً من كُتَّاب يهود مثل (روزنثال ويادين) - جمودًا عقديًّا وانغلاقًا عقليًّا.

وهذا هو التطرُّف عندهم الذي اعتقَدُوا أنَّه جوهر الفكر الذي تتمَحْوَر حوله كلُّ الجماعات الإسلاميَّة التي هي الآن وبناءً على هذا التصوُّر جماعات متطرِّفة[7].

وطِبْقًا لتعريفات الكُتَّاب اليهود عن التطرُّف فإنَّ رجال الاجتماع في بلادنا يرَوْن أنَّ الشابَّ الذي لا يقبَلُ معتقدًا غير الإسلام، والذي يعتقد أنَّ الإسلام صادقٌ صدقًا مُطلَقًا وأبديًّا، وأنَّه صالِحٌ لكلِّ زمان ومكان، وأنَّه لا مجالَ لمناقشته والبحث عن أدلَّة تُؤكِّده أو تنفيه، هذا الشاب الذي يرى أنَّ المعرفة كلها بمختلف قَضايا الكون لا تُستَمد إلا من عقيدة الإسلام والذي يُدِين كلَّ عقيدة تُخالِف عقيدة الإسلام هو (شاب مُتطرِّف)!

ومن ثَمَّ كان الالتزامُ بالإسلام وتعاليمه تطرُّفًا لأنَّه - كما يرى سمير نعيم - حنينٌ إلى الماضي وعودةٌ إلى الوَراء، ومنحًى رجعي يجرُّ العلاقات الاجتماعيَّة إلى أوضاعٍ بالية لا تتناسَب مع تقدُّم العصر.

هذا هو الإسلام في نظَر رجال الاجتماع[8].

أمَّا الحجاب (الذي شرَعَه الله تعالى) والنقاب واللِّحَى والجلابيب القصيرة (التي في بعضها اتِّقاءٌ للفتنة والتزامٌ بسنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم) وكذلك منع الاختلاط والمناظرات بين الإسلام والنصرانيَّة فهي - عند سمير نعيم - مظاهرُ سلوكيَّة تُعبِّر عن التطرُّف[9].

لكنَّ التبرُّج وحلق اللحية وارتداء الأزياء الأوربيَّة بمختلف تقاليعها والاختلاط بين الرجال والنساء وسِيادة النصرانيَّة وعبادة الصليب والتثليث على الإسلام فهي عين الاعتدال عنده.

أمَّا أشدُّ مقولات رجال الاجتماع إثارةً للدَّهشة والاستغراب فهي وصفُهم لشباب الجماعات الإسلاميَّة بأنهم يُمثِّلون شخصيَّات مريضة، وأنهم مَرضَى عقليُّون يُعانون من الجنون الدوري أو جنون الاضطهاد والعظَمَة - على حدِّ تعبيرات سمير نعيم[10].

وتمسُّك الشباب المتديِّن بتعاليم الإسلام المتعلِّقة بالمرأة - عند سمير نعيم - مرضٌ عقلي يُعانِي أصحابُه من أوهام حيوانيَّة الرجل وشهوانيَّته تُجاه المرأة، وأنهم - أي: هذا الشباب - يشكُّون في أنفسهم وفي الآخَرين، وأنَّ نظرتهم إلى المرأة تُسقط ما في أنفسهم من مشاعر شهوانيَّة مكبوتة ومشاعر دُونيَّة وعدم ثقة بالنفس[11].

بهذه الأوصاف الحادَّة والعنيفة ذات الطابع الفرويدي شنَّ سمير نعيم هجومَه الضاري على شباب الجماعات الإسلاميَّة الذين يريدون أنْ يحفَظوا للمجتمع نقاءَه وطهارته، وأنْ يقفوا في وجْه تيَّارات خطْف واغتصاب النساء وفساد العلاقات بين الجنسين واعتبار المرأة سلعةً للعرض والمشاهدة وإثارة المتعة على كافَّة الأصعدة من المنزل إلى الشارع إلى الإعلام إلى المجتمع.

إذًا ما هو البديل عند رجال الاجتماع في بلادنا إذا لم ينضمَّ الشباب إلى الجماعات الإسلاميَّة؟

هذه هي اعترافات سمير نعيم ذاته عن هذا البديل.

يقول سمير نعيم: من ملاحظة الواقع الاجتماعي وما تنشره الصحف اليومية يتَّضح ما يأتي:
1- يلجأ البعض إلى الهجرة إلى الخارج؛ هُروبًا من الضغوط الاقتصادية والمشكلات الاجتماعيَّة التي يعانونها، وهي بالطبع حلول فرديَّة، ولكنْ من الثابت أنها غير مُتاحة لجميع قِطاعات الشباب، فالفُقَراء منهم عاجزون حتى عن ذلك الحلِّ الذي يتطلَّب اتِّصالات وعلاقات للحصول على عقد عملٍ في أحد الأقطار العربيَّة ونفقات سفر لا تتوافَر للجميع، والبعض الآخَر يظلُّ يحلم بالهجرة كأملٍ زائف لمواجهة مشكلاته.

2- يلجأ البعض الآخَر إلى ممارسة أعمالٍ غير مشروعة؛ كالاتِّجار في المخدِّرات أو في العُملة والرشوة والتهريب... إلخ.

3- يلجأ فريقٌ آخَر إلى الجريمة التقليديَّة أو غير التقليديَّة؛ حيث تنتشر سرقات المساكن والسيَّارات والمحلات التجاريَّة والنصب والاحتيال والاغتصاب والاعتداء على الأراضي الزراعية وعلى أملاك الغير والدولة... إلخ.

4- يتَّجِه آخَرون إلى إدمان المخدِّرات كحلٍّ هروبي انسحابي للمشكلات التي يُعانونها.

5- يُصاب البعض - عندما يعجز عن كلٍّ من الحلول المشروعة وغير المشروعة؛ نظرًا إلى ما يتمتَّع به من قيم إيجابية قوية - بالاضطراب النفسي والعقلي؛ وبالتالي فإنَّ المجتمع المصري يشهَدُ تزايدًا في هذه الأمراض[12].

تعني السطور السابقة باعتراف سمير نعيم: أنَّ البديل لانضِمام الشباب إلى الجماعات الإسلامية هو الهجرة، أو التفكير فيها، أو ممارسة الأعمال غير المشروعة؛ كالاتِّجار في المخدِّرات أو العُملة أو، الرشوة والتهريب، أو ممارسة الجريمة التقليدية أو غير التقليدية، أو إدمان للمخدِّرات.

ونقف قليلاً عند النقطة الخامسة التي تُعتَبر أيضًا من المقولات المثيرة للدهشة والعجب، وهي القول بأنَّ القيم الإيجابية القوية التي يتمتَّع بها الشباب يمكن أن تُؤدِّي بهم إلى الإصابة بالاضطراب النفسي والعقلي؛ حيث يريد سمير نعيم هنا أنْ يثبت أنَّ شباب الجماعات الإسلاميَّة الذي لم يلجأ إلى السلوكيَّات اللاسويَّة ولجأ إلى الدِّين - مُصابٌ باضطراباتٍ نفسيَّة وعقليَّة بسبب هذه القيم الإيجابية التي يتمسَّك بها؛ لأنَّ رغبة هذا الشباب في العودة إلى نموذج المجتمع الفاضل باللجوء إلى الدِّين ما هي إلا هروب من الواقع ورفض له، وتعلُّق بأمل كاذب في الخلاص من المشكلات التي يُواجِهها[13].

الخطأ الفادح الذي وقَع فيه سمير نعيم هنا - وهو ربطه بين التمسُّك بالقيم الإيجابية، والإصابة بالاضطرابات النفسية والعقلية، طعنًا في شباب الجماعات الإسلامية - كشف وشهد به عن أنَّ معلوماته في علم النفس وتشخيص الاختلالات العقلية وقفتْ عند حُدود الخمسينيَّات.

لم يطَّلع سمير نعيم على جهود جمعية الطب النفسي الأمريكيَّة (APA) التي بدَأت منذ عام 1983، في محاولةٍ طموحةٍ مُثِيرة الجدل للإسراع بتطوير علوم وتشخيصات الأمراض العقليَّة؛ لإعادة تنقيح كتيبها عن هذه الأمراض، وقد أثمرت هذه الجهود بإصدار كتيب جديد في عام 1980 شارك في إعداده المئات من العلماء والمهنيين في ميدان الصحَّة العقليَّة.

ويعرف هذا الكتيب (بالوجيز التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية - الطبعة الثالثة) ويُشار إليه اختصارًا DSM-III.

ويُعتَبر هذا الكتيب تطوُّرًا عظيمًا في حقل التصنيف والوصف العلمي لهذه الأمراض، وكان له أكبر الأثر - كما يرى هؤلاء العلماء - في علاج مختلف أنواع الاختلالات العقلية.

الذي يهمُّنا في شأن هذا الكتيب - الذي لم يتابع سمير نعيم مراحل تطوُّره فاتَّهم شباب الجماعات الإسلامية بالتطرُّف وبالاختلال العقلي - هو هذا الإسهام الذي اعتبره المختصُّون في هذا الميدان من أعظم اكتِشافاتهم، وهو: (الفصل بين الأمراض العقلية والسلوكيَّات) تلك التي حدَّد منها الكتيب مباشرة وبوضوح (سلوكيَّات التطرُّف) التي يرى الكتيب أنها مشتقَّة من المعايير المجتمعية، وليست ناتجةً بالضرورة عن الأمراض العقلية[14].

فماذا عسى أنْ يقول سمير نعيم بعد ذلك؟

نُسجِّل بعد ذلك على سمير نعيم شهادته واعترافه بأصالة القِيَم التي يحملها شباب الجماعات الإسلاميَّة، واعترافه أيضًا بأنَّ التجاء هذا الشباب إلى الدِّين حَماه من الدَّمار الشامل الذي أُصِيب به غيره من الشباب:
أولاً: يعترف سمير نعيم بأنَّه بالرغم من أنَّ شباب الجماعات الإسلامية يعيشُ في مناطق تُعانِي من التخلُّف والفقر والحِرمان من إشباع الحاجات الأساسية، وبالرغم من انسِداد طرق الهجرة أمامهم؛ لصغر سنهم وقلة خبرتهم وعجزهم عن توفير مصاريف السفر وعدم الحاجة إليهم في البلاد النفطية، وبالرغم من صُعوبة إمكانيَّة حدوث أيِّ تغيير في أوضاعهم وأوضاع أُسَرهم وقُراهم، وبالرغم من أنهم يخبرون الفقر والمعاناة طوال سِنِي حياتهم، مع مشاهدتهم للتفاوت الهائل في حُظوظ البشر في مصر، واختلال توزيع الثروة بها لصالح الأغلبية الميسورة، بالرغم من كلِّ ذلك فإنَّ القِيَمَ التي يتمتَّع بها هذا الشباب منعَتْه من الانخِراط في الأعمال الإجراميَّة وغير المشروعة واللاأخلاقيَّة[15].

هذا، ويحاول سمير نعيم جاهدًا أنْ يربط بين انضِمام الشباب إلى الجماعات الإسلامية وبين حالة الفقر والحِرمان والمعاناة التي يُواجهونها، ولما وجد أنَّ افتراضاته ستسقُط بوجود شبابٍ ينتمي إلى أسر ميسورة الحال من بين شباب الجماعات الإسلاميَّة فسَّر ذلك بقوله: "... وفي رأينا أنَّ هؤلاء جميعًا - مهما ارتفعَتْ دُخولهم - فهم يعتبرون من ذوي الدخل المحدود (موظفي حكومة)، ويعانون أيضًا الإحباطَ بفعل التضخُّم وارتفاع الأسعار والتطلُّعات الطبقية والاستهلاكية والتفاوت الاجتماعي الحاد)؛ أي: إنَّه أرجع انضِمام هذا الشباب إلى الجماعات الإسلاميَّة إلى تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما أبطلناه في الحلقة الماضية.

لكنَّه اعترف هنا مؤكدًا أصالة القِيَم التي يتمتَّع بها هذا الشباب فقال: ".. وامتناعهم عن مسايرة دروب الفساد المختلفة كالرشوة والاختلاس... إلخ، استنادًا إلى ما يتمتعون به من قيم أصيلة"[16].

ثانيًا: اعترف سمير نعيم بأنَّ الالتجاء إلى الدِّين كأسلوبٍ لمواجهة المشكلات الشخصية والمجتمعية دون غيره من الأساليب اللاسوية التي أشار إليها - هو حمايةٌ من الدمار الشامل.

يقول سمير نعيم: "إنَّ اللجوء إلى هذا الأسلوب لمواجهة المشكلات الشخصية والمجتمعية دُون غيره من الأساليب السابق ذكرها إنما هو - في رأينا - وسيلةٌ دفاعية لحِماية الذات من الدَّمار الشامل؛ وذلك باللجوء إلى المخدِّرات أو الجريمة، أو الجنون أو الفساد"[17].

إلا أنَّ عَداء سمير نعيم للدِّين جعَلَه يُصوِّر التسلُّح بالتعاليم الدينيَّة مصيدة دَمار للشباب وللمجتمع[18]، وجعَلَه يرى أنَّ المساجد تقومُ بأدوار تضليليَّة[19].

هذا، وقد كشَف رجال الاجتماع عن خَشيتهم من أنْ يتسبَّب نموُّ التيَّار الإسلامي وتعاظُمه في مصر إلى أنْ تتحوَّل مصر إلى مجتمعٍ يَسُودُه الطابع الإسلامي، خاصَّة بعد أنْ لاحَظوا تأثُّر العامِلين المصريين وأبنائهم في السعودية بهذا الطابع الإسلامي الذي يحملونه معهم إلى مصر بعد عودتهم.

هذا، وعبَّر رجال الاجتماع عن عدائهم الصارخ لهذا الطابع الإسلامي على النحو التالي: يقول سمير نعيم: "ومن اللافت للنظر حقًّا المقابلة بين اتِّجاه حركة التيَّار الإسلامي المتطرِّف أو حتى المعتدل في الفترتين: ففي الفترة الأولى تحرَّكت هذه الجماعات وتلك الاتجاهات إلى خارج مصر، فهرب أعضاؤها أو لجؤوا إلى أقطار عربيَّة وبخاصَّة السعودية؛ فاتَّسمت تلك المرحلة بطرْد هذه التيَّارات.

وفي الفترة الثانية تحرَّكت هذه التيَّارات والجماعات من الخارج إلى الداخل، فجاءَتْ ومعها (أكثر التيَّارات رجعيَّةً وتطرُّفًا من تلك المناطق العربيَّة) إلى داخل مصر، فاتَّسمت هذه المرحلة بالغزو والتغلغُل والجاذبيَّة الداخليَّة"[20].

ويعتَبِر رجال الاجتماع أنَّ الطابع الإسلامي طابع غريب عن المجتمع المصري وليس أصيلاً فيه؛ ولهذا فهم يخشَوْن من تأثير الطابع الإسلامي الذي يحمله العائدون المصريون وأبناؤهم منها على الأسر والأبناء الذين لم يذهَبوا أصلاً إلى السعوديَّة، فينتقل إليهم هذا الطابع عبر التداخُل الأسري، وتقديم النماذج السلوكيَّة.

يقول سمير نعيم: "وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الآباء أنفسهم الذين يذهَبون إلى الأقطار العربيَّة يعودون وقد تشبَّعوا هم أنفسهم باتِّجاهات دينيَّة كانت غريبةً عنهم وعلى المجتمع المصري، بما يتبع ذلك من نماذج سلوكيَّة جديدة ولا تنعكس تأثيرات ذلك على أسر المهاجرين وحدَهم، بل تمتدُّ لتشمل أسرَ غيرِ المهاجرين أيضًا.

ومن خِلال ما يعقده أفراد الأُسَر الأخيرة من مقارنات بينهم وبين أفراد الأُسَر المهاجرة، وما يُقدِّم أعضاؤها من نماذج اتِّفاقية وسلوكية من جهة، ومن خِلال التداخُل الأسري من جهةٍ أخرى"[21].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
[1] عاطف العقلة عضيبات، الدين والتغير الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة، بيروت، 1990، ص155.
[2] سمير نعيم أحمد، المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص 98.
[3] علي الكنز، الإسلام والهوية، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص98.
[4] تابع ص105.
[5] تابع ص91.
[6] عبدالباقي الهرماسي، علم الاجتماع الديني، المجال والمكاسب والتساؤلات، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص30-31.
[7] سمير نعيم، تابع ص217.
[8] تابع ص218-229.
[9] تابع ص218-229.
[10] تابع ص218-229.
[11] تابع ص218-229.
[12] تابع ص218-229.
[13] تابع ص218-229.
[14] Josef Julian and William Kamblum,Social Problems,Practice,Hell Inc ,New Jersy,1982,P.48
[15] سمير نعيم، تابع ص229.
[16] تابع ص230-237.
[17] تابع ص230-237.
[18] تابع ص230-237.
[19] تابع ص230-237.
[20] تابع ص230-237.
[21] تابع ص230-237.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الاجتماع, اعترافات, عملاء

« التنصير والاستغلال السياسي | مع اليهود أم ضد اليهود؟ »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النظرية والمنهج في علم الاجتماع Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 10-03-2016 09:49 PM
الشائعة من منظور علم الاجتماع السياسي Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 01-04-2013 03:54 PM
اعترافات فوق القمر عمر سيف الدين نثار الحرف 1 06-25-2012 06:43 PM
النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 02-18-2012 08:20 PM
علم الاجتماع الرياضي شذى الكتب بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 01-29-2012 01:05 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:47 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68