تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #17  
قديم 10-09-2014, 08:21 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,044
ورقة رجال الاقتصاد وثغرة في جدار الصحوة

رجال الاقتصاد وثغرة في جدار الصحوة
ــــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
--------------

الحلقة السابعة عشر
--------------

رجال الاقتصاد وثغرة في جدار الصحوة
--------------------------------

وجَّه (جلال أمين) -وهو أحدُ رجال الاقتصاد العرب- اتِّهامات إلى رجال الاجتماع في بلادنا، مُؤدَّاها أنهم أسهَمُوا في تخريب النسيج لبلادنا؛ لعدم توَخِّيهم الحرصَ فيما ينقلونه؛ بحيث لم يعرف ما إذا كانوا ينقلون إلينا علمًا أم أيديولوجية، وخصَّ رجال الاقتصاد بالذكر مفهوم (النسبية الأخلاقية)، وهو المفهوم الذي يعتبر أنَّ الأخلاق نسبيَّة وليست مطلقة؛ بمعنى: عدم استنادها إلى الله أو الدِّين (حسب فهمهم للمطلق)، وتغيُّرها بتغيُّر الزمان والمكان، ومُسايَرتها لأغراض الحياة، يقول رجل الاقتصاد: إنَّ أوَّل درس يتلقَّاه طلاب علم الاجتماع في بلادنا لا بُدَّ وأنْ يتضمَّن الإيحاء بهذه النسبيَّة، وينتهي الطالب وقد استقرَّ في ذِهنه الاحتقار أو اللامُبالاة على الأقل بتُراث أمَّته، دون أنْ يُقال له ذلك صراحة أبدًا[1].

أصاب رجل الاقتصاد في مقولته هذه، عدا تصوره أنَّ مفهوم النسبيَّة الأخلاقيَّة هذا لا يُقال لطلاب علم الاجتماع عندنا صراحة، إنَّه يُقال لهم صراحةً وفي إطارٍ أكثر عموميَّة هو (نسبية القيم)، ويعتَرِف أساتذة علم الاجتماع في بلادنا بأنهم تعلَّموا هذه النسبيَّة من علم الاجتماع؛ ومن ثَمَّ وجَّهوا طلابهم إلى التخلِّي عن قيمهم التي يتمَركَزون حولها، وألا يعتَبِروها حكمًا على صحَّة أو خطأ القيم الأخرى التي هي غير إسلامية بالطبع.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل أعلم الأساتذة طلابهم أنَّ التخلِّي عن قيمهم هو الشرط الأساس لتفهُّم القِيَم الغريبة عنَّا وعن إسلامنا؛ استعدادًا للانتِقال بهم إلى مرحلةٍ أخطر؛ وهي المشاركة والتعاون مع أصحاب هذه القِيَم الغريبة على حساب قِيَمِنا نحن.

عبَّر محمود الجوهري -أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة- عن ذلك كله في قوله: "لا شكَّ أنَّ علم الاجتماع هو العلم الإنساني القادر على توعيتنا بنسبيَّة القِيَم وأساليب السُّلوك الشائعة في مجتمعنا وفي عالمنا الخاص، وإدراك هذه الحقيقة هو بداية الطريق نحو إكسابنا القدرةَ على فهْم القِيَم وأساليب السلوك الشائعة عند أبناء مجتمعات غريبة عن مجتمعاتنا، وتمكننا من الإحساس بحقيقة مشاعر غيرنا من أبناء البشر، وليس هذا بالأمر الهيِّن؛ فهو بدايةٌ للتخلِّي عن مشاعر التمركُز حول السلالة، وهو شرطٌ أساس لقيام أي تعاون على كافَّة مستويات التعاون الممكنة، الأساس في كلِّ هذا بطبيعة الحال ليس مجرَّد المعرفة بواقع الآخَرين، وإنما الأساس أنْ تتحوَّل هذه المعرفة إلى نوعٍ من التفهُّم والاستعداد للمشاركة والتعاون...

ويجب أنْ نُؤكِّد هنا على شيءٍ ضروري، وهو ضرورة توقِّي أنفسنا الوقوع في أخطاء ما يُعرَف بالتمركُز حول السلالة؛ وأعني: أنَّ نجعل من معايير وعادات وخِبرات مجتمعنا وثقافتنا معيارًا نقيسُ به الطبيعة الإنسانيَّة، ونُحدِّد لها به ما تقدر عليه، أو ما نتوقَّع أنْ تصل إليه"[2].

قبل أنْ يُروِّج محمد الجوهري لمفهوم (نسبية القِيَم) بسبعين عامًا، كان عُلَماء الغرب أنفسهم قد أدرَكُوا الهوَّة التي وقَعُوا فيها بسبب هذه النسبيَّة، هذا (لويس ديكنسون) كتَب في عام 1908 عن التأثير المدمِّر لعِلم الاجتماع على الأخلاق فقال: "إذا أراد علمُ الاجتماع أنْ يتحدَّث عن الأخلاق فإنَّه سيكون أيَّ شيء آخَر غير أنْ يكون علمًا... إنَّ علماء الاجتماع الذين أعرفهم مُشوَّشون بين علم الاجتماع والأخلاق"[3].

وهذه (روزماري جوردون) كتبتْ قبل رُبع قرنٍ سبق لما كتَبَه الجوهري مُروِّجًا (لنسبية القِيَم) تُحذِّر لا من الأثَر التدميري لعلم الاجتماع فقط على الأخلاق، بل للعلوم الاجتماعيَّة برمَّتها فقالت: "إنَّ العالم الاجتماعي قد أثَّر تأثيرًا كبيرًا، وساعَد على التعجيل بالانهِيار الشامل في الاعتقاد بوُجود قِيَم أخلاقيَّة مُطلَقة، كما تحدَّى الجزاءات الأخلاقيَّة... إنَّ السؤال المطروح الآن أمام الإنسان المعاصر هو: إذا كان الدين قد هُجِرَ، وإذا كانت القواعد الأخلاقيَّة الصادقة والمطلقة قد أُنكِرت، فمَن يَهدِي الإنسان إذا خُيِّرَ بين فعلين ممكنين؟ هل نترُكه لدوافعه وغرائزه بعد أنْ سكت ضميره؟... إنَّ علوم الإنسان وإنْ كانت قد زادتْ من قُدرة الإنسان على التحكُّم في مصيره، فإنها في الحقيقة قد هدَمتْ إيمانه، وتركَتْه بلا هادٍ أو مرشد لحياته المستقبليَّة... إنَّ عدم الارتياح السائد بسبب فشَل العلوم الاجتماعية أدَّى ببعض العلماء الاجتماعيين إلى العودة إلى المفاهيم الدينيَّة عن الحياة، ورأَوْا أنَّ الإنسان بدُون هذه المفاهيم سوف يهلك لا محالة، وأنَّ عليه أنْ يستعيد الإيمان بالله، ويعود إلى الاعتقاد في الجانب الروحي داخِل نفسه، وأنْ يُعِيد قبول وجود قاعدةٍ أخلاقيَّة إلهيَّة مطلقة، تلك التي هاجمَتْها العلوم الاجتماعيَّة من الأساس"[4].

وفي توقيتٍ متزامن تقريبًا مع ما كتَبَه الجوهري عن (نسبية القِيَم) كتب تشارلز ماك جي -أستاذ الاجتماع بجامعة (سنترال واشنطن) الأمريكيَّة-: "إنَّ العِلم الاجتماعي الحديث يَسرِق إنسانيَّتنا من خِلال تزييفه للقِيَم والدوافع الإنسانيَّة، واستبدالها بمنظورات علميَّة... إنَّني غير مرتاحٍ لاتِّجاه العلوم الاجتماعيَّة عامَّة، وعلم الاجتماع خاصَّةً، إنَّ وجودنا كعُلماء اجتماعيين يتوقَّف على تزييفنا للقِيَم والدوافع والأنظمة الاجتماعيَّة، ولكن إلى متى؟ أنا لستُ متأكدًا... إنَّ علماء الاجتماع يفخَرون بأنفسهم وقُدرتهم على رؤية ما بداخل الأشياء، إذا أردت أنْ تعرف ما الذي يجري اسأل عالِم اجتماع، إنَّ العديد من طلابنا يأتون إلينا يتوقَّعون منَّا نظرةً جديدة إلى العالم؛ لأنهم سَئِمُوا النظرة القديمة، لقد أصبح الكثيرون علماءَ اجتماع لذات السبب، ولكن ماذا فعلنا مقابل ذلك للعالَم؟ لقد مزَّقناه وحطَطْنا منه، وحفرنا فيه ثقوبًا، وزيَّفناه... إنَّه مع فقْد الصلة بالقِيَم الرُّوحية التي هي المبادئ الأساسيَّة، بدَأ الإنسان يفقد إنسانيَّته، إنَّه الآن يفقدها لحساب المفكِّرين الذين يدرسوه... إنَّ دورنا كعلماء اجتماع تجاه طلابنا هو أنْ نتعامَل مع قيمهم الروحيَّة؛ لأنَّ علم الاجتماع ينشُر بينهم مفاهيم الاغتراب والوهن.. إنَّنا حطَّمنا حياة طلابنا الذين كانوا يتعاطَفون مع الناس قبل دِراستهم لعِلم الاجتماع، وكانوا على درجةٍ عالية من الثقة بالنفس، لكنَّهم الآن متعبون"[5].

هذا، وقد كتبنا إلى ماك جي بعد تسع سنوات من نشره لهذه المقالة؛ لنستَفسِر منه عن الدوافع التي حرَّكته نحو التركيز على القِيَم الروحية، فردَّ علينا قائلاً: "لقد رأيتُ النفاق يَسُود كلَّ شيء، وأردت أنْ أفعل شيئًا ما؛ ربما لأسبابٍ أخلاقية، فقد وصلت إلى استنتاجٍ مُؤدَّاه أنَّنا كنَّا بالفعل نُحقِّق شيئًا ضارًّا وليس بالحسَن، إنَّ طلابنا الآن أكثر اغتِرابًا عمَّا أتونا لأوَّل مرَّة، وإنَّه إذا كانت قيمهم ضعيفةً قبل دِراسة علم الاجتماع، فإنهم الآن يفتَقِدون القيم كليَّةً؛ ولهذا فإنِّي حاولت في محاضراتي لطلابي ألا أُدمِّر كلَّ شيء حولي، بل أعطيهم الإحساس بالأمل، وأعمل على وصلهم بالقِيَم الروحيَّة التي كتبتُ عنها في مقالتي"[6].

هكذا أساتذة الاجتماع في الغرب يَعُودون للقيم الروحية، ويحاولون بثَّها بين طلابهم، وأساتذة الاجتماع في بلادنا يُروِّجون لنسبيَّة القيم، ويدعون طلابهم إلى الانخِلاع من رِبقة الإسلام، وإنْ لم يقولوها صَراحةً.

نعودُ إلى رجال الاقتصاد، اتَّهم (جلال أمين) رجالَ الاجتماع في بلادنا بافتِقار دِراساتهم إلى الابتكار الحقيقي؛ سَواء أكان هذا الابتكار متعلقًا بإيجاد منهج جديد في البحث، أو بإثارة الشك في بعض المسلَّمات، أو بتقديم تفسيرٍ جديد لظاهرةٍ اجتماعيَّة معقَّدة.

اتَّهم رجال الاقتصاد باحِثينا الاجتماعيين بالهزيمة النفسيَّة، وبالخُضوع، وبالاحتِرام المبالَغ فيه لكلِّ مُنجَزات الأجنبي؛ بحيث سهَّل على هذا الأجنبي أنْ يبيع بضاعته الماديَّة والفكريَّة على أنها إنتاجٌ (إنساني) عامٌّ، أو أنها ثمرة التقدُّم التكنولوجي والمادي الذي لا يُنسَب لحضارةٍ دون أخرى، بعد أنْ نجح هذا الأجنبي في إخفاء تحيُّزاته وميوله ونزعاته التي تطبَع إنتاجه المادي والفكري، قَبِلَ باحثونا الاجتماعيون النظريَّات الأجنبيَّة دون مُساءلةٍ، وافتُتِنوا بها كما افتُتِن المستهلك العادي بالكفاءة التكنولوجية العالية للتليفزيون الملوَّن، دون أنْ يَنظُر هذا أو ذاك في مدى مُلاءَمة النظريَّة أو السلعة لمناخٍ اجتماعي وثقافي مختلف تمامًا عن المناخ الذي أبدع تلك النظرية أو السلعة.

وكما أصابَ رجل الاقتصاد في اتِّهاماته السابقة لرجال الاجتماع، أصابَ كذلك في قوله بأنَّنا (تابعون) في مختلف جوانب حَياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بكلِّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى؛ فالدراسات الاجتماعية في بلادنا تهتمُّ بقَضايا نظرية أو تطبيقية ذات أهمية فقط في البلاد التي نشَأتْ فيها، وليست ذات أهميَّة في بلادنا، نقل باحثونا الاجتماعيون هذه النظريَّات إلينا دُون إعمال الفكر في مَدَى انطِباقها أو مُلاءَمتها لمجتمعاتنا، ودُون حتى محاولة جديَّة في التحفُّظ على ما تحمِله من أفكار.

وأصابَ رجل الاقتصاد مرَّةً أخرى في اتهامه لباحِثينا الاجتماعيين وكتاباتهم بالتبعيَّة في (لغة التعبير)، إلى درجة أنَّ هذه الكتابات اكتفَتْ في كثيرٍ من الأحيان بكتابة اللفظ الأجنبي بحروفٍ عربيَّة، فأصاب هذا اللغةَ العربيةَ بالتشويه بسبب اختلاط الألفاظ العربيَّة بالأجنبيَّة، كما أصبَح الكُتَّاب الاجتماعيُّون يقبَلون وُجود ألفاظ غربيَّة حتى ولو كان هناك مُقابل عربي يُؤدِّي نفسَ المعنى أداءً أفضل، كما زاد الميل إلى إقحام الألفاظ الأجنبية الغربية في هذه الكتابات، وكأنها دليلٌ على سعة الاطِّلاع وتنوُّع الثقافة.

وردَّ رجُل الاقتصاد على الادِّعاء بأنَّ المهمَّ هو التعبير عن الفكرة على أيِّ نحوٍ كان، فأثبت أنَّ الكتابات الاجتماعيَّة ركيكة الأسلوب، وهي في نفس الوقت أكثر غُموضًا وأكثر تخبُّطًا وتناقضًا، في حين أنَّ أسلافنا كانوا أدقَّ تعبيرًا وأدقَّ فكرًا، وأشار رجُل الاقتصاد إلى أنَّ رَكاكة التعبير وغُموضه يُستَخدم اليوم كوسيلةٍ لإخفاء ضَحالة الفكر وضعف الاستيعاب.

رفَض رجل الاقتصاد الادِّعاء بأنَّ اللغة ما هي إلا وسيلة للتعبير وليست غاية في ذاتها، وأنها طريقةٌ للاتِّصال ولا يهمُّ أمر التبعية فيها، وإنما المهمُّ أنْ يصل المعنى بأيَّة طريقة ولو عن طريق استخدام اللغة الأجنبية.

أكَّد رجُل الاقتصاد أنَّ التبعيَّة في لغة التعبير وثيقة الصلة بالتبعيَّة في مضمون الفكر، تؤدِّي كلٌّ منهما إلى الأخرى وتُقوِّيها، وأنَّ مَن كان تابعًا لفِكر غيره استَسهَل التضحية بلغته، والاستسهال بالتضحية باللغة يُؤدِّي إلى التورُّط أكثر فأكثر في قبول ما لا يتعيَّن قبوله من الفكر الأجنبي؛ لأنَّ اللغة نفسها تعكس في كثيرٍ من الأحيان مواقف قيميَّة وتفضيلات خاصَّة، وأنها لا تتمتَّع دائمًا بدرجة الحِياد التي تَزعُم لها، واستشهد هنا بمصطلحات مثل: (الدول المتخلفة، والدول النامية، أو التنمية)، فكلها ليستْ مصطلحات حياديَّة، وإنما تتضمَّن إقرارًا بالموافقة على نمط التغيير الذي يحدُث في بلادنا، وعلى أنَّ المطلوب منَّا في التنمية هو التكاثُر والزيادة فحسب.

ومن أهمِّ ما لفت رجلُ الاقتصاد الانتباهَ إليه هو قبول باحثينا الاجتماعيين للمَقُولات الاجتماعية التي تطوَّرتْ في المجتمعات الصناعية، دون التنبُّه إلى المسلَّمات التي تقومُ عليها، والتي تشكَّلت في ظروفٍ مختلفة تمامًا عن بلادنا، وأنَّ هذه المقولات والنظريَّات الغربية تحمل قِيَمًا ومواقف وأخلاقًا فلسفيَّة نقَلَها باحثونا إلى مجتمعاتنا على أنها (علم محايد)، ومن ثَمَّ هربت إلينا قِيَم وفلسفة وأخلاق الغرب على حساب قِيَمِنا وأخلاقنا.

اتَّهم رجُل الاقتصاد باحثِينا الاجتماعيين بأنهم سارُوا وراء الغرب حتى في مشكلة ما أسماه بـ(الأناقة النظريَّة)، التي هي نوعٌ من الترف الفكري لا يختلف عن استِهلاك السِّلَع الكماليَّة، في حين أنَّ مجتمعاتنا ليستْ في حاجةٍ إلى مِثل هذه الأناقة النظرية.

وكشَف رجل الاقتصاد عن عجْز العُلوم الاجتماعيَّة عن تقديم تشخيصٍ لبعضٍ من أهمِّ المشكلات الاجتماعيَّة التي واجَهَها الغرب؛ كمشكلة العنف وانتشار المخدِّرات.

ولفت النظر أيضًا إلى أنَّ لعلماء الغرب مصلحةً في أنْ يظلَّ الناس عاجِزين عن فهْم ما يجري في السياسة والمجتمع، وأنْ ينصَرِف الاجتماعيون إلى القضايا الجزئيَّة، وألاَّ يتعرَّضوا للمشكلات الجوهريَّة بحيث يتحوَّلون إلى باحثين مُتخصِّصين ضيِّقي الأفق.

هذه هي مُجمَل اتِّهامات (جلال أمين) لرجال الاجتماع في بلادنا ولباحِثينا وكِتاباتنا الاجتماعيَّة: تخريب النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمعنا، ونقل مفاهيم وأخلاق وفلسفة ونظريَّات الغرب إلينا على أساس أنها (علمٌ محايد)، والافتقار إلى الابتكار الحقيقي، والهزيمة النفسية، والخُضوع والاحترام المُبالَغ فيه لكلِّ مُنجزات الأجنبي، والتبعيَّة له في كلِّ شيءٍ؛ بدءًا من لغة التعبير إلى الأناقة النظرية.

نأتي بعدَ ذلك إلى رجل اقتصادٍ آخَر وهو (عادل حسين)، الذي وجَّه انتقاداته لرجال الاجتماع وباحثينا الاجتماعيين أيضًا، مع التركيز على بَيان قُصور النظريات الغربيَّة ومُعاداتها لنا، وذلك على النحو التالي[7]:

أولاً: بالنسبة للنظريَّات الغربيَّة:
1- إنَّ المستوى الأيديولوجي الأعلى الذي يَحكُم نظريَّات الغرب ومَدارسه هو (الدنيوية)[8]، وإنَّ الخِلافات بين مختلف هذه النظريات والمدارس ومحاولات حلِّ التناقُضات بينها ستظلُّ مرتبطةً بهذه (الأيديولوجية الدنيويَّة)، وإنَّه لا شأنَ لنا نحنُ في مجتمعاتنا بهذه المشكلات وهذه الحلول.

2- إنَّ العلوم الاجتماعية الغربية ليست علومًا عالمية، وإنَّ زعمَها بذلك لا يستَنِدُ إلى مشروعيَّة معرفيَّة أو تاريخيَّة؛ ومن ثَمَّ فليس لها الحق في المطالبة باعترافٍ عالمي بمصداقيَّة وعلميَّة نتائجها، إنَّ هذه العلوم لا تستَنِد إلا على معرفة أهل الغرب عن مجتمعاتهم في العصر الحديث، وهي لا تقَع إلا في حُدود شريحة رقيقةٍ من التاريخ، وعلى مساحةٍ محدودةٍ من الأرض، وإنَّ البناء النظري الغربي بالإضافة إلى أنَّه لا يمكن أنْ يكون علمًا مقبولاً عالميًّا، فإنَّه وُلِدَ قاصرًا ومُشوَّهًا مهما كانت الكفاءة الفكريَّة لصانِعِيه، كما أنَّ هذه النظريَّات تُعالِج أسئلةً ليستْ أسئلتنا ولا ترتبط بنا.

3- إنَّ هذه النظريات ليست محايدةً قبلنا، بل هي مُعادِية لنا وتُعبِّر صراحةً أو ضِمنًا عن مُخطَّط السَّيْطرة الغربية على النظام الدولي، وتَقُوم على مُسلَّمة تفوُّق الغرب ومشروعية سَيْطرته على العالم، وانعَكَس ذلك في كتابات مُعظَم روَّاد النظريات الغربية الذين أظهروا نظرة السَّيْطرة والاستعلاء؛ كما هي عند فولتير، ومونتسكيو، وكوندرسيه، وهوبر، ولوك، وروسو، وهيوم، وميل، وسان سيمون، ودوركايم، وماركس... وغيرهم.

أمَّا هؤلاء الذين دافَعوا عن الحضارة الإسلاميَّة من رجال الغرب مثل رودنسون، فقد أقنع تابِعِيه من المثقَّفين المسلمين بأنَّ الإسلام كان صالحًا في الماضي أمَّا الآن فإنَّه فقَدَ هذه الصلاحية.

4- جاءت النظريَّات الغربيَّة لتُعِيد تركيبَ التاريخ على نحوٍ يضَعُ الحضارة الغربيَّة كغايةٍ وحيدة للتقدُّم العالمي المنشود، كما جاءتْ نظَراتهم المستقبليَّة لتُبشِّر بمستقبلٍ أسود ينتَظِر مجتمعاتنا.

5- سرَّبت النظريَّات الغربيَّة إلينا مفهومًا مُقتضاه أنَّ الفردوس الأرضي الذي يقومُ على الدنيويَّة سيكون عبرها، أمَّا الثورة العلميَّة والتكنولوجيَّة فلا تحمل فقط وُعودًا بالرفاهية، وإنما حملت نذيرًا بالدَّمار الشامل وخَراب البيئة، ولم يتحقَّق من هذا الفردوس إلا تحلُّل القِيَم بسُرعةٍ متزايدة، وزيادة الإحساس بالاختناق والاغتراب.

6- إنَّ هذه النظريَّات الغربيَّة لا تُعادِينا فقط، بل تزدَرِينا، وإنَّنا حينما نستخدمها فإنما نخضع لتَحرِيضها لنا على احتِقار تاريخنا، ونبتَلِع مسلَّمة أنَّنا أدنى، كما تصدر إلينا نظريَّات خاصَّة مثل (نظريات التنمية) التي صمَّمتها عمدًا لضَمان استِمرار السَّيْطرة الغربيَّة علينا، وعلى نحوٍ لا يمكننا من إحداث تغييرٍ جذري في بنية النِّظام الدولي، وتهدف هذه النظريَّات المصدَّرة إلينا إلى إلحاقنا بالغرب في كلِّ النواحي: الاجتماعيَّة، والسياسيَّة، والثقافيَّة، وليست الاقتصاديَّة فقط، بدعوى أنَّ التحديث مفهومٌ مُركَّب بالضرورة[9].

ثانيًا: بالنسبة لرجال الاجتماع وباحِثينا الاجتماعيين الآخَرين:
1- أدانَ رجل الاقتصاد محاولةَ رِجال الاجتماع إخضاعَ ما هو غير عِلمي كالقِيَم والأيدلوجيَّة لشُروط الفرض العلمي، واتَّهمهم بأنهم تابعون مُتأثِّرون بشدَّةٍ بطُموحات أهل الغرب، وغير قادِرين على التمييز بين الإنسان وثاني أكسيد الكربون، وبيَّن أنَّ هذه المحاولة مستحيلةُ التحقيق، ولا تهدف إلا لتحويل المجتمع إلى آلةٍ كبيرة محكومة الحركة ومضبوطة الأزرار، كما تسعى إلى فرْض قواعد وقوالب على الحركة الاجتماعيَّة، ولا تخرج برمَّتها عن مجرَّد رياضة ذهنية تضرُّ ضررًا بليغًا بمعرفتنا بحقيقة المجتمع الحي.

2- أدانَ رجل الاقتصاد هؤلاء الذين انبهَرُوا بما قِيل عن (العقلانيَّة) وسيادة العلم في الغرب، والذين نظَرُوا إلى التطوُّرات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة بعين العقلانيَّة الغربيَّة، وأدانَهم أيضًا لاحتِفائهم بمراحل النهضة والتنوير الغربي -الذي كُنَّا نحن ضَحاياه- وأظهر أنَّ انتشار أفكار عصر التنوير وما صاحَبَها من تقدُّم علمي صناعي قد رسخ المفاهيم والنظريات الغربية التي تتمَحوَر حول التفوُّق الأوربي.

3- أدانَ رجل الاقتصاد المفكِّرين والكُتَّاب المتفرنجين والمتغرِّبين، المستوعِبين تمامًا للفكر الغربي، والذين عَمِلُوا للغرب كمستشرقين محليِّين، ووصفهم بأنهم تربَّوا على استخدام المنتج الجاهز؛ سواء كان سلعةً استهلاكيَّة أو نظريَّة اجتماعيَّة، والذين تقرَّبوا إلى السُّلطة للحِفاظ على أنماط حَياتهم ومعيشتهم، ورأى أنَّ هذه القِطاعات من المفكِّرين والكُتَّاب صُمِّمت بحيث تكون عيقمةً لا تنجب، تُشبِه أهل الغرب في كلِّ شيءٍ إلا في القُدرة على الإبداع.

4- أدانَ رجل الاقتصاد هؤلاء الكُتَّاب والباحثين التلفيقيين الذين يخدَعُون أنفسهم ويستخدمون المفاهيم الغربيَّة مع تغيُّرٍ في المصطلحات الدالَّة عليها، ثم يدَّعون أنَّ لهذه المفاهيم أصلاً في تُراثنا يُبرِّر الأخْذ بها.

أصابَ رجل الاقتصاد في كلِّ ما قالَه، خاصَّة فيما عبَّر عنه بقوله:
إنَّ النظريَّات الغربيَّة تجعل (الإنسان محور الكون) بدلاً من (الله تعالى) كما هو في عقيدة التوحيد الإسلاميَّة، وانتهى إلى بَيان أنَّه يؤمن بالصِّيغة الإسلاميَّة التي تقومُ على الإيمان بالله الواحد الخالق كمفهومٍ محوري، وأنَّ الدنيا ليست كلَّ شيء، وأنَّ بعدها حِسابًا.

هذا صحيح، لكن رجل الاقتصاد وقَف عند هذا الحدِّ، ثم أطلق مَقُولات أخرى يُعتَبر الأخذُ بها تدميرًا لعقيدة التوحيد الإسلاميَّة، وهدمًا لكلِّ ما قالَه من قبل، فوقَع في الدائرة التي حدَّدَها الشيخ مصطفى صبري: (بأنَّ التمسُّك بالدِّين مع ضعف وشبهة في العقيدة مساوٍ لعدم الدِّين).

أوَّل ما هدَم به رجلُ الاقتصاد عقيدةَ التوحيد الإسلاميَّة هي قوله: إنَّ الإسلام لا يتَلخَّص في القضيَّة المحوريَّة (لا إله إلا الله)، في حين أنَّ عُلَماء المسلمين -لا العُلَماء الاجتماعيين- يُجمِعون على أنَّ (لا إله إلا الله) هي أصل الدِّين ورأس الإسلام، وهي التي بُعِثَ بها جميعُ الرسل، وهي الحقيقة الأولى التي يقومُ عليها التصوُّر الاعتقادي في الإسلام، فبِخِلاف أنَّ الإنسان وفْق هذا الأصل المحوري (لا إله إلا الله) لا يكون عبدًا إلا لله، ولا مطيعًا إلا لله، فإنها تعني أنَّ (الله تعالى) هو المُشرِّع للعِباد، ولا يكون تشريع البشَر مستمدًّا إلا من شريعة الله، وقِيَمُ الحياة كلها لا تكون إلا من الله، ولا شرعيَّة لوضْع أو تقليد أو تنظيم يُخالِف منهجَ الله؛ ولهذا فإنَّ زعْم رجلِ الاقتصاد بأنَّه من المؤمنين بالصبغة الإسلاميَّة مع قوله بأنَّ الإسلام لا يتلخَّص في (لا إله إلا الله) أمران لا يتَّفقان، يقول -عزَّ وجلَّ-: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء: 60].

هذا إنكارٌ من الله -عزَّ وجلَّ- على مَن يَدَّعِي الإيمان بما أنزَلَ الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدَمِين، وهو مع ذلك يريدُ أنْ يتحاكَم إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

إنَّ إقرار رجل الاقتصاد بمفهوم الإيمان بالله الواحد الخالق، واعتقاده بأنَّ الله وحدَه خلَق العالم، ثم ظنه بأنَّ هذا هو غاية التوحيد، لا يعني أنَّه قد أصبَح (مُوحِّدًا)، إنَّ مشركي العرب كانوا مُقرِّين بأنَّ الله وحدَه هو خالق كلِّ شيء، وكانوا مع هذا (مشركين).

إنَّ رجل الاقتصاد لم يقرَّ بالتحاكُم إلى شريعة الله وحدَه، بل أنَّه فتح الباب بقوله: إنَّ الإسلام لا يتلخَّص في (لا إله إلا الله) لتلقي تصوُّرات وقيم وموازين وأخلاق وآداب واجتماع وسياسة واقتصاد من غير شريعة الله، وبذلك يكونُ قد خرَج من الشريعة الخاصَّة التي بُعِثَ بها محمدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى القدْر المشترَك الذي فيه مُشابهةٌ مع اليهود والنَّصارَى والشيوعيين وغيرهم.

يقول الله -تعالى-: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

إنَّ الله -تعالى- هنا قد أقسَمَ بنفسه الكريمة المقدَّسة ألا يؤمن أحدُكم حتى يُحكِّم الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- في جميع الأمور، فما حكَم به هو الحق الذي يجبُ الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ﴾؛ أي: إذا حكَّموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممَّا حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، ويُسلِّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير مخالفة ولا مدافعة ولا منازعة، وقد ورد في الحديث: ((والذي نفسي بيَدِه لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لما جئتُ به))[10].

إنَّ رجل الاقتصاد لم يقرَّ ولم يُسلِّم ولم ينقَدْ، ورغم إيمانه فإنَّه خالَف ودافَع ونازَع.

لم يكن هوى رجل الاقتصاد تبعًا لما جاء به الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- وإنما تبعًا (للتكوينات الاقتصادية الاجتماعية) عند ماركس، وتبعًا (للمكونات الغربية) التي طوَّعَها (ماوتسي تونج) لظروف الصين، ثم أنشأ منها ما أسماه رجل الاقتصاد (بالبناء النظري المُحكَم)، ثم دعانا إلى الالتفات إلى ما أسماه أيضًا بالدرس العظيم لهذه التجربة الصينية، وطالَبنا بالاسترشاد به، وبالتجربة السوفياتية واليابانية.

كان النموذج الصيني عند رجل الاقتصاد هو النموذج القريب إلى واقِعنا والذي يجبُ علينا أنْ نتدرب على تصميم نموذج مثله، إنَّ قوله بأنَّه لا يقصد أنْ نستورد هذا النموذج الصيني لا يغفر له الهوى.

لم يكن هوى رجل الاقتصاد أيضًا تَبَعًا لما جاء به رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وإنما كان تَبَعًا لما أسماه بمشروع (بناء الأمَّة في إطار المحددات الموضوعيَّة)، إنَّه لا يقصد بهذا المشروع كتاب الله وسنَّة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالطبع.

ألم يكن رجل الاقتصاد هذا هو الذي أشادَ بتجربة (محمد علي) في مصر، واعتبَرَها نموذجًا على إمكانيَّة ابتداع ما أسماه بالأشكال الأصيلة للثورة الصناعيَّة التي تُخالِف الشكل الأوربي، ولعلَّه لم يغبْ عن ذهن رجل الاقتصاد إشادة (ماركس) بمحمد علي في ضرْب الإسلام، وقوله -أي: ماركس- في ذلك: "إنَّ محمد علي هو الشخص الوحيد القادر على إحلال رأس حقيقي محلَّ عمامة المراسم"[11].

وقول العلمانيين إشادةً بدور محمد علي في ضرب الإسلام: "إنَّ هذه التجربة حقَّقتْ إنجازًا عظيمًا في البِنَى الأساسيَّة والأفكار التي حملَتْها والنظريات التي نقلَتْها والرُّؤى التي قدَّمتها، التي تُخالِف في جُملتها ما جاء به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"[12].

وفي الوقت الذي شدَّد فيه رجلُ الاقتصاد هُجومَه على النظريَّات الغربيَّة، دعا في نفس الوقت إلى أنْ نأخُذ من هذه النظريَّات ما هو عام ومجرَّد وليس بخاصٍّ، فخرج بذلك من الشريعة الخاصَّة التي بُعِثَ بها محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى ما اعتقد أنَّه القدر المشترَك الذي فيه مشابهةٌ مع اليهود والنصارى وماوتسي تونغ من قبل.

لم يكن هوى رجُل الاقتصاد تبعًا لما كان في عصر صدر الإسلام الأول، وقرنه الذي قال عنه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: إنَّه خير القرون، وإنما كان هَواه تبعًا لما أسماه (بالأمَّة الصينيَّة العملاقة ذات التاريخ المجيد).

ولم ينسَ رجل الاقتصاد أنْ يُشِير إلى أنَّ هذه الأمَّة الصينية العظيمة -في نظَرِه- قد صاغَتْ نموذجًا شرع في دِراسة الطبقات غير متقيدة بالنموذج الماركسي، لكنَّها وضعتْ مع ذلك أوزانًا (للفلاحين والبورجوازية والملاك والبروليتاريا)، ثم لفت الانتباه إلى مُوالاة هذا النموذج للمصطلحات الماركسية بإصرارها على قيادة البروليتاريا للحركة والثورة بنصِّ عبارات رجل الاقتصاد.

هاجَم رجل الاقتصاد هؤلاء التلفيقيِّين الذين استخدَموا المفاهيم الغربية نفسها، ثم ادَّعوا أنَّ لها أصلاً في التراث يُبرِّر الأخْذ بها، ونحن معه في ذلك تمامًا، لكنَّه وإنِ اعترف من قبل بأنَّه ضلل بالعقلانية ها هو يُوفِّق بينها وبين الإسلام، بل يزيدُ قائلاً: إنَّ الصياغة الإسلاميَّة في إجمالها لا تتنافَى مع العقلانية، وإنَّ هناك عقلانية دنيوية غربية مقابل عقلانية إسلامية، وإنَّ العقلانية ليست باختراعٍ فريد للحضارة الغربية.

ألم يكنْ هو نفسه الذي قال: "إنَّ المفاهيم الدنيوية تتولَّد عنها في الأنساق الفكرية الغربية مفاهيمُ فرعيَّة في كلِّ مَناحِي المعرفة الاجتماعيَّة، تتعارَض دائمًا مع المفاهيم الفرعيَّة المتولِّدة مع المتغيِّرات التي أدخَلْناها (وخاصَّة الإيمان بالله - تعالى)؟

لِمَ لم يُطبِّق ذلك على العقلانيَّة الغربيَّة؟ ولِمَ حاوَلَ إثبات أنَّ للعقلانيَّة أصلاً في الإسلام بحصْره للعقلانيَّة في استخدام العقل؟ ألم ترتَبِط العقلانية بمفكِّري عصر التنوير في فرنسا، ذلك العصر الذي لامَ مثقَّفينا بسببه لاحتفائهم به، وقال: إنَّ شعوبنا من ضحاياه؟ ألم تُعْلِ العقلانيَّة من قيمة العقل لتقف في مواجهة الإيمان؟ ألا تعني العقلانية في أكثر معانيها شُيوعًا أسبقيَّة العقل فوق سائر الأشياء في فهْم الحقائق الجوهريَّة عن العالم؟ لِمَ حصر رجل الاقتصاد العقلانية في استخدام العقل، وقال: إنَّ الإسلام وجه العقلانية عندنا، فوصلت إلى نتائج مغايرة، وأنَّ بوُسْعِ العقلانيَّة الإسلاميَّة أنْ تجتهد وتُطوِّر هذه النتائج؟ ورفَع عن العقلانية ما وصَفَها به علماء الغرب بقولهم: "إنَّ روح عصر التنوير النقديَّة العقلانيَّة وجَّهت ضدَّ الحقائق المنزلة في الكتب المقدَّسة، وأنَّ العقلانية حركةٌ مُضادَّة للدين ذات نظرة نفعيَّة، تُعطِي وزنًا كبيرًا للمناقشات العلمية والتاريخية المضادَّة للإيمان؟"[13].

لِمَ حاول رجل الاقتصاد أنْ يخلط المفاهيم حتى ولو ادَّعى أنَّه فرَّق بين عقلانيَّة دنيويَّة وأخرى إسلاميَّة؟ لِمَ حاول أنْ يجعلنا نستسيغ العقلانية وننسى ارتباطاتها الإلحادية؟ إنَّ ذلك قد يصل بالبعض إلى تكرار ما حدث في الماضي بأنْ يكون العقل وحدَه هو الأصل، ويكون الإيمان بالقُرآن تابعًا له، وأنْ تكون المعقولات هي الأصول الكليَّة المستغنية بنفسها عن الإيمان بالقُرآن.

إذا كانت المسألة هي استخدام العقل فلننظر إلى ما قاله علماء المسلمين:
"العقل شرطٌ في معرفة العلوم وكَمال وصَلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنَّه ليس مستقلاًّ بذاته، لكنَّه غريزة في النفس وقوَّة فيها بمنزلة قوَّة البصر التي في العين، فإن اتَّصل به نور الإيمان والقُرآن كان كنوز العين إذا اتَّصل به نور الشمس والنار... وإنِ انفَرَد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحدَه عن دركها، وإنْ عُزِلَ بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانيَّة"[14].

ألَمْ يكن رجل الاقتصاد رفيقًا بمجادِلِيه ولم يلزمهم بمفهومٍ محدَّد وصريحٍ عن الإيمان بالله تعالى، وترَك لهم الحريَّة حوله بدعوى أنْ هذه المسألة مناقشة فلسفيَّة؟

ألم يكن رجُل الاقتصاد هو ذلك الذي قَبِلَ في صِيغَته الإسلامية المقترَحة مفاهيمَ ماركسية مثل: الطبقة، والتراتب الاجتماعي، والصراع الاجتماعي، بدعوى أنها عالميَّة وعلى مستوى عالٍ من التجريد؟

ألم يكن رجل الاقتصاد رفيقًا (بالعلمانية) -رغم هجومه عليها- فلم يشرح معنى قوله بأنها لم تكفر بالله صراحةً أو بالضرورة، وأنها فقط جعلتْ قضيَّة الإيمان بالله مجرَّد مسألة شخصيَّة، ولا أهمية لها في بحث شُؤون المجتمع والعلاقات الاجتماعيَّة؟

لقد كان رجل الاقتصاد حريصًا على ألا يُدمِّر موقعَه بين المثقفين اليساريين وغيرهم، لو تطرَّق إلى الميتافيزيقا اللاعلميَّة بصورةٍ أشد، وتحدَّث عن تحكيم كتاب الله وسنَّة رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لذلك لم نستَغرِب استِقبال الماركسيين العرب من رجال الاجتماع لمشروعِه بالإطراء والثناء والانتقاد اللطيف[15].

بل وصَفُوا مشروعَه بأنَّه متميِّز وثريٌّ يستحقُّ المناقشة، لم يهاجموه ويتَّهموه بالدعوة للحاكمية القطبية، أو بأنَّه جمَع ما لم يأتلف، ولم ينظُروا إلى مشروعه على أنَّه شديد العموميَّة، أو بالعجز عن بعث الخصوصيَّة المطلوبة التي تُوضِّح التفاعُل الإيجابي بين الإسلام والعصر الحديث.

لقد اعتَرَف الماركسيون العرب من رجال الاجتماع بأنَّ الصحوة الإسلاميَّة أسقطَتْ تلك (العقلانية) التي تمسَّكوا بها، وأثبتَتْ عجزَها على الصعيدين: النظري والمنهجي، بعد أقل من ستِّ سنوات من محاولة رجُل الاقتصاد ربطَها بالإسلام ليوجد بها ثغرةً في جِدار الصحوة، وليجدَ مكانًا على الساحة الإسلاميَّة بتخريب مفهوم (لا إله إلا الله) والتهوين من حقيقة (العلمانيَّة)، والدعوة إلى أخْذ العام والمجرَّد في النظريَّات الغربيَّة والماركسيَّة، والاقتداء بنماذج ماوتسي تونغ، فيُحافِظ في نفس الوقت على موقعه بين أعداء الدِّين والصحوة الإسلاميَّة[16].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر تفصيلاً: جلال أمين، بعض مظاهر التبعية الفكرية في الدراسات الاجتماعية في العالم الثالث، إشكالية العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة 1984، ص: 231-241.
[2] بوتومور، تمهيد في علم الاجتماع، ترجمة: محمد الجوهري وآخرين، دار المعارف، القاهرة، 1978، ص: 9-18.
[3] G.Lowes Dickinson,sociology and Ethics, the sociological,1-2,1908-1909,PP.174-177 Review
[4] Rosemary Gordon, The impact of social sciences on Ethics, Sociological R.,1954,PP.57-75.
[5] Charles Mcgehee, spiritual Values and sociology, The American Sociologist, 1982, V.17(FEB.) PP.40-46.
[6] رسالة أرسلها إلينا ماك جي في 4 يونيو 1990.
[7] عادل حسين، النظريات الاجتماعية الغربية قاصرة ومعادية، إشكالية العلوم الاجتماعية في العالم الثالث، ص: 243-275.
[8] استخدم عادل حسين مفهوم (الدنيوية) بدلاً من العلمانية.
[9] انظر: وقفة مع إشارات أمريكية عن الإسلام والتنمية، الحلقة 32، الإسلام والكونجرس، وكذلك: مشكلة التنمية والهجوم على الإسلام، الحلقة 33، مجلة المجتمع، العددان: 948، 949، وبهما الخطة التي وضعها رجال الاجتماع في بلادنا لضرب العقيدة مستقاة من أحد المراجع الخاصة بالتنمية والتي تدرس على الطلاب في جامعاتنا.
[10] انظر معنى (لا إله إلا الله) وتفسير الآيات المذكورة في مختصر تفسير ابن كثير، وفي ظلال القرآن؛ لسيد قطب، ومجموع فتاوى ابن تيمية مجلد (1) ص 76، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد؛ لعبدالرحمن حسن آل الشيخ ص16-17.
[11] ز.ا.ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث، ترجمة: بشير السباعي، دار ابن خلدون، بيروت، الطبعة الأولى، 1978، ص: 26.
[12] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، سلسلة عالم المعرفة 15، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1987، ص174.
[13] Ninlan Smart, Rationalism, the Encyclopedia of Philosophy, Macmillan Publishing, N.Y.m London, P.69.
[14] تقي الدين ابن تيمية، الرد على المنطقيين، الجزء الأول، مكتبة الأزهر الشريف، القاهرة ص344.
[15] محمد عزت حجازي، الأزمة الراهنة في الوطن العربي، نحو علم اجتماع عربي، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (7)، 1986 ص: 37.
[16] انظر: الحلقة الأولى: علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية، العدد 40.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 10-09-2014, 08:24 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,044
ورقة هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع ؟

هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع ؟
ــــــــــــــــــــ


اعترافات علماء الاجتماع
-------------------

الحلقة الثامنة عشر
-------------

هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟
-----------------------

الإجابة بـ(لا) قطعًا.

لكنَّ هذه الـ(لا) ليست من عندنا.

إنها من أفواه وأقلام عُلَماء الاجتماع أنفسهم.

كان رجال الاجتماع في بلادنا وما زالوا يتصوَّرون أنهم طليعةُ هذه الأمَّة وضميرها، وأنهم القُدوة والنموذج، وأنهم الطلائع والضمائر.

كانوا -وما زالوا- يعتقدون أنهم لا يُبالِغون إذا تصوَّروا أنهم يملكون في أيديهم (عناصر الترشيد الضروريَّة) للمجتمع، وأنهم يستطيعون توصيفَ المراحل التي يمرُّ بها هذا المجتمع وتحليل قُواه الاجتماعيَّة الفاعلة، وأنَّه بإمكانهم تقديم البدائل المتاحة أمامَه[1].

لقد وصَل الأمر برجال الاجتماع في بلادنا إلى الاعتقادِ بأنَّ الخبير منهم يجبُ التبرُّك به[2].

نبَع هذا التصوُّر الذاتي الوهمي المُبالَغ فيه عند رجال الاجتماع من نظرتهم إلى المجتمع الذي لا يخرج عندهم عن مجتمعٍ من الجهَلَة والأميِّين والمرضى والجائعين والمتأخِّرين، الذين على رِجال الاجتماع تنميتهم وعِلاجهم وعصرنتهم أو تغريبهم، والإنسان العربي عندهم إنسانٌ تقليدي مُتأخِّر مُتخلِّف[3].

ما هي عناصر الترشيد الضرورية هذه التي يعتقد رجال الاجتماع أنهم يملكون مفاتيحها؟ إنها أيُّ شيء يمكن أنْ يكون إلا (الإسلام).

إنَّ من أبرز صِفات هذا الإسلام أنَّ الدِّين والعلم فيه مُتَساندان ولا يتَصادمان كالحال في بلاد الغرب.

ومع ذلك فإنَّ من مُسلَّماته الجوهريَّة (الإيمان بالغيب).

الله -تعالى- نفسه (غيب)، والملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والبعث والحساب واليوم الآخر، كلُّ ذلك (غيب)، ولن يستقيم الإيمان إلا بالاعتقاد في هذا (الغيب).

وإذا كان علم (الغرب) قاصرًا عن إثبات هذا الغيب فإنَّ هذا ليس لعيبٍ في الدِّين، وإنما لعيبٍ وقصورٍ في العلم ذاته.

سارَ رجال الاجتماع في بلادنا وراء الغرب (حذو القذَّة بالقذَّة) ودخَلوا وراءَه (جحر الضب) الذي تحدَّث عنه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- ففصلوا بين الدِّين والعلم، ورفضوا الإيمان بالغيب؛ بحجَّة أنَّه لا يستقيم مع العلم.

الدكتور (أحمد الخشاب) هو أحد رُوَّاد علم الاجتماع في بلادنا، تتَلمَذ على يدَيْه مُعظَم مَن يشغلون الآن كراسي علم الاجتماع في جامعاتنا العربيَّة.

لقد علَّمَهم أحمد الخشاب عناصرَ الترشيد الضروريَّة، هذه التي يتحدثون عنها الآن.

علَّمَهم فصلَ الدِّين عن العلم، ورفْض الإيمان بالغيب الذي يعدُّه أيديولوجيَّة تُمثِّل إطارًا مَرجِعيًّا لتفسيرٍ تبريري تحكُمُه عقليَّة تسلُّطيَّة رجعيَّة.

يقول أحمد الخشاب في كتابه الذي خصَّصَه لهذا الترشيد: "على أنَّه يجب أنْ نُؤكِّد أنَّنا نرفُض النظرة التقليديَّة للقِيَم الروحيَّة التي تتمثَّل في مجموعة التصوُّرات الطقوسيَّة التي تَحوِيها الساحة الدينيَّة وتغذيها الأيديولوجيَّة الغيبيَّة؛ ذلك لأنَّنا نعلَمُ عن يقينٍ أنَّ الأيديولوجيَّة الغيبيَّة كانت ولا تزال تمثِّل الإطار المرجعي للتفسيرات التبريريَّة للعقليَّة التسلُّطيَّة الرجعيَّة"[4].

ويُعتَبر أحمد الخشاب من أوائل الذين حاوَلوا صِياغة نظريَّة اجتماعيَّة عربيَّة، وكان ذلك في عام 1970.

وأوَّل مُسلَّمات هذه النظريَّة هو الإطاحة بما أسماه بـ(الأطر العقائديَّة التقليديَّة) التي رأى أنها تُعبِّر عن (طبيعة غير علميَّة).

اعتبر الخشاب أنَّ هذه العقيدة من أهمِّ العثرات التي تَقِفُ في وجْه هذه النظريَّة المنشودة[5].

ولنَعُدْ قليلاً إلى مرحلة ما قبل الخشاب.

كان عام 1908 هو عامَ تأسيسِ أوَّل جامعة أهليَّة علمانيَّة في مصر أُلقِيتْ فيها أوَّل محاضرات في علم الاجتماع (القانوني).

وكانت الفترة من عام (1924 إلى عام 1936) هي فترة التحوُّل التدريجي لما يُسمُّونه بـ(علم الاجتماع العلمي).

وبفِعل تأثير الأفكار التي حملها (رفاعة الطهطاوي) والاحتكاك بالغرب في الحرب العالمية الأولى، تدفَّق إلى مصر كمٌّ من الأفكار الجديدة التي قال عنها رجال الاجتماع في بلادنا إنها: "تحدَّت الأفكار القديمة وأعدَّت لمرحلة الانقِطاع عن الماضي"؛ أي: (الإسلام).

شهد عام (1924) تأسيسَ الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليًّا) وهي جامعةٌ حكوميَّة حلَّت محلَّ الجامعة الأهليَّة.

ألقيت في هذه الجامعة أوَّل محاضرات منظَّمة في عِلم الاجتماع.

وكان من المنطقيِّ مع تأسيس الجامعة الأمريكيَّة في القاهرة في مُنتَصف العشرينيَّات تقديم برنامجٍ منظَّم في علم الاجتماع، وبذلك أحكَمَ الأمريكيُّون مع العلمانيين في مصر ضبْط خُيوط تحقيق هذا الانقِطاع عن الإسلام.

أمَّا أوَّل كراسي الأستاذية في علم الاجتماع فقد شغلها بالطبع أساتذة أجانب بارزون وعلى رأسهم إيفانز برتشارد (1932-934)، وآرثر موريس هوكارت (1934-1938)، أمَّا في جامعة الإسكندرية فقد شغل كراسي الأستاذية في علم الاجتماع أساتذة غربيُّون بارزون على رأسهم (راد كليف براون) و(ردنك أورلخ).

لقد شَهِدتْ هذه الفترة انتشارَ الأفكار (الإلحاديَّة) للفلسفة الوضعيَّة لـ(أوجست كنت)، وللمدرسة الفرنسية في علم الاجتماع، وأفكار المدرسة الأنتربولوجية البريطانية، والأفكار التحرُّرية السائدة في الغرب[6].

وعن موقف هؤلاء الأساتذة الأجانب من الدِّين يكفي هنا أنْ نستَشهِد بمقولةٍ مهمَّة قالها قطب الأنتربولوجيا الشهير (إيفانز برتشارد) الذي كان أوَّل مَن شغَل كرسي الأستاذية في جامعة القاهرة، والذي أشَرْنا إليه في الفقرة السابقة، يقول برتشارد في عام 1959: "إنَّ الأنتربولوجيين بصفةٍ عامَّة ذووا اتِّجاهات سلبيَّة عدائيَّة كئيبة ضد الدِّين".

إنَّ العلماء الأوائل الذين أثَّروا في الفكر الأنتربولوجي لأكثر من قرنٍ كامل يُوقِنون تمامًا بعدَم مصداقيَّة الدِّين المنزَّل، وأنَّ كلَّ العقائد نسبيَّة.

ورأى عُلَماء القرن التاسع عشر أنَّ الدين غير حقيقي، وعديم الفائدة، ويجب استئصاله والتقليل من آثاره وإنقاص هيبته بالتقدُّم العلمي، وحينما تحقَّقوا من الوجود العام للدِّين عبر التاريخ الإنساني حاوَلوا أنْ يشرَحُوا ما اعتبروه وهمًا بردِّه إلى عوامل نفسيَّة.

إنَّ معظم البارزين من علماء الأنتربولوجيا لم يكن لهم اعتقادٌ دِيني؛ لأنَّ العقائد كلها عندهم مُضلِّلة[7].

نما علمُ الاجتماع في بلادنا بصورةٍ سريعةٍ لتحقيق هذا الانقطاع عن الدِّين وعن الإسلام.

عرَّف علم الاجتماع موضوعاته وأهدافه وإمكانيَّاته.

وإذا قِيسَت الفترة الزمنيَّة التي رسخ فيها هذا العلم في الجامعات العربيَّة فإنَّ نموَّه ولو مقيسًا فقط بعدَدِ خرِّيجيه لَيُشكِّلُ تقدُّمًا ملحوظًا لم يصل إليه نظيره في الجامعات الغربية والشرقية قي الفترة نفسها[8].

شهد علم الاجتماع في تطوُّره الأكاديمي التنظيمي مراحلَ توسُّع ضخمة تركَّز أكثرها خلال السبعينيَّات؛ حيث أُنشِئ عددٌ كبير من أقسام الاجتماع في الجامعات العربيَّة سواء في مصر على امتِداد رُقعتها من القاهرة حتى أسوان، أو على امتداد الوطن العربي من الكويت وبغداد والدوحة والإمارات شرقًا حتى فاس والرباط غربًا، مرورًا بكلِّ الجامعات الكبيرة والصغيرة حتى تلك الجامعات التي يُطلِق عليها (محمود الجوهري) - أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة - (الجامعات الدينية) كجامعة الأزهر وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية[9].

وهنا تكمن الكارثة الكُبرَى وهي غزْو علم الاجتماع لما يُسمُّونه بالجامعات الدينيَّة.

وسنستشهد هنا بنموذجٍ واحد لبيان ضَخامة حجم هذه الكارثة.

هذا "زيدان عبدالباقي" أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات بجامعة الأزهر يقول لطالباته: "هذا، وتُواجِه البلاد الإسلاميَّة مشكلة مختلفة تمامًا تَدُور حول جمود التقاليد الدينيَّة، الأمر الذي يتعارَض مع التغييرات التكنولوجيَّة.

ذلك أنَّ الإسلام قد فرَض كثيرًا من الأوامر والنواهي على مُعتَنقِيه، الأمر الذي يتعارض مع أيِّ تغيير يستهدفه التقدُّم العلمي والتكنولوجي، وإذا كان من المتَّفق عليه أنَّ العقيدة الدينيَّة تتطابق مع كلِّ نموذج معقول من الفكر، فإنَّ غاية واحدة لطيف أنوار العقيدة الدينيَّة تجعل ***** بمثابة العنصر السائد للدِّين"[10].

لم يكنْ باستطاعة علم الاجتماع في بلادنا أنْ ينمو دون أنْ يقدم مَزاعم عريضة عن فائدته المجتمعيَّة العامَّة وأهليَّة مُمارِسيه واحترافهم، فلم يتردَّد مُؤسِّسوه ودارسوه أنْ يُعلِنوا منذ البداية أنَّ علمهم يُعَدُّ (وصفة طبيَّة ناجحة) لعلاج جميع أمراض مجتمعهم[11].

ولهذا فإنَّه في خلال نِصف القرن الأخير دخَل علم الاجتماع ضِمن مناهج الدراسات الجامعيَّة في أقسام وشُعَب مُتخصِّصة يصل عددها إلى حوالي ثلاثين شعبة، وبعد أنْ كان يدرس في البداية على أيدي هواة من المتخصِّصين في فُروعٍ معرفيَّة أخرى سرعان ما أصبح تدريسُه على أيدي مُتخصِّصين في علم الاجتماع ذاته، يصلُ عددهم بمعيار الحصول على الدكتوراه إلى حوالي المائتين.

ويصل عدد الطلاب المتخصِّصين في علم الاجتماع في الجامعات والكليات العربية حتى الآن إلى حوالي "عشرة آلاف" طالب يتخرَّج منهم سنويًّا حوالي "ألفي" طالب.

كما يوجد في الوطن العربي ما لا يقلُّ عن "خمسة عشر" مركزًا بحثيًّا في علم الاجتماع أو بعض فروعه.

ويظهَر في المتوسط حوالي "مائة" كتاب سنويًّا يُؤلِّفها أساتذة الاجتماع العرب، بالإضافة إلى "مئات" من الأوراق المقالات والتقارير البحثيَّة والاستشاريَّة، علاوةً على "عشر" مجلات أكاديميَّة مُتخصِّصة في علم الاجتماع[12].

وبعد سبعة وسبعين عامًا من هذا النموِّ والازدهار والتضخُّم الكمي والمؤسَّسي في علم الاجتماع (المنقطع عن الإسلام) اجتَمَع رجال الاجتماع العرب في تونس وبالتحديد في يناير 1985؛ لمناقشة محصلة هذا الانقطاع، وهل أثمر التخريب المتعمد للنسيج الاجتماعي في بلادنا، وذلك في ندوة بعنوان (نحو علم اجتماع عربي).

كان أهم نتائج هذه الندوة الاعتراف الصريح بالفشل الذريع الذي تجسَّد في إجاباتهم على سؤالٍ طرَحُوه بأنفسهم هو: (هل يستطيع الوطن العربي أنْ يعيش ويزدَهِر بدون علماء اجتماع؟)، اعترف رجال الاجتماع ويعتصرهم الألم الشديد اعترافًا جليًّا بأنَّ بلادنا ليست في حاجةٍ إليهم، وأنها ليست في حاجةٍ إليهم الآن كما لم تكن في حاجة إليهم في الماضي.

وهذا هو نصُّ اعترافات سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة يقول فيها مجيبًا على السؤال السابق: "راوَدَنِي هذا السؤال منذ سنوات وأنا أُفكِّر في كتابة هذه الدراسة التي أُشارِك بها زُمَلائي المشتغِلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي.
وكنت قد قرَّرت أنْ تكون مساهمتي المتواضعة في هذه الندوة جولة صريحة في أعماق الضمير السوسيولوجي، إنْ كان ثمة ضمير سوسيولوجي.

وحتى لا أطيلَ في المقدمات فإنَّ إجابتي الشخصية عن السؤال بكلِّ الصدق المؤلم هي أنَّه (نعم).

نعم؛ يستطيع مجتمعنا أنْ يعيش ويتقدَّم بلا علماء الاجتماع العرب، ولكي أُخفِّف على نفسي ألم هذه الإجابة حاوَلتُ توجيهَ هذا السؤال نفسِه بالنسبة إلى فئاتٍ أخرى في المجتمع، وخلصت إلى أنَّ هناك فئات عديدةً لا يستطيع المجتمع أنْ يعيش بدونها أهمها: الفلاحون والعمال ورجال الإدارة والجيش، وأنَّ هناك فئات أخرى لا يستطيع المجتمع أنْ يتقدَّم بدونها أهمها: المهندسون والأطباء والعلماء وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد... أمَّا علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والنفس والسياسة والإعلام والآثار وفئات أخرى عديدة فيُمكِن للمجتمع أنْ يعيش ويتقدَّم بغيرهم.

وبشكلٍ آخَر لو وضَعْنا السؤال: ماذا يحدُث للوطن العربي إذا اختفى كلُّ علماء الاجتماع فجأة؟

والإجابة هي: لا شيء سيحدث للمجتمع سلبًا أو إيجابًا، وينطبق ذلك على فئاتٍ مهنيَّة أخرى كما ينطبق على مجتمعات أخرى عديدة.

وبالمقابل هناك مجتمعات تقدَّمت في العصر الحديث دون أنْ يوجد فيها فئة مهنيَّة تُسمَّى علماء الاجتماع؛ مثل اليابان إلى ثلاثينيَّات هذا القرن، والصين إلى عُقودٍ متأخِّرة من هذا القَرْنِ.

كذلك ليس هناك ما يثبت قطعيًّا أنَّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة ما كان لها أنْ تتقدَّم خِلال القرنين الأخيرين لولا وجودُ علماء الاجتماع فيها.

وما أريد أنْ أخلص إليه هو أنَّ علماء الاجتماع كفئةٍ مهنيَّة مُتخصِّصة ليست ضروريَّة في المجتمع الحديث، وبالطبع لم تكن ضروريَّة في المجتمع التقليدي"[13] أ.هـ.

لم يكن هذا الاعتراف الصريح والمؤلم هو الاعتراف الوحيد لمحصِّلة (الثورة على الدِّين والانقطاع عن الإسلام)، إنما كانت هناك لرجال الاجتماع اعترافاتٌ أخرى لا تقلُّ شدَّةً في إيلامها وقسوتها عن هذا الاعتراف.

أولاً: الاعتراف بأنَّ علم الاجتماع يُوجَّه إلى مستهلكين عاجِزين عن رَفْضِه، وأنَّه نما وترَعرَع على هامش المجتمعات العربيَّة دون أنْ يحسَّ به سوى أتْباعه ومُرِيديه وأصحاب المصالح الحيويَّة فيه، أمَّا رجُل الشارع فلا يَدرِي عنه شيئًا.

يقول محمد عزت حجازي أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة: "لن نقفَ طويلاً عند الحقيقة المحزنة التي تتلخَّص في أنَّ جانبًا -يبدو لنا كبيرًا- من البحث والدراسة والكتابة في علم الاجتماع يُوجَّه إلى مستهلكين عاجزين عن رفضه، هم طلبة الجامعات والمعاهد العُليا"[14].

ويُضِيف (سالم ساري) أستاذ الاجتماع بجامعة الإمارات العربيَّة المتحدة: "ولكنَّ المتتبِّع لتاريخ علم الاجتماع في الوطن العربي يُلاحِظ بدائل شتَّى.

إنَّه نما على هامش المجتمعات العربية.

نما وترعرع نصفَ قرن من الزمان أو يزيد دون أنْ يرعاه أو يحسَّ به سوى أتْباعه ومُرِيديه وذوي المصالح الحيويَّة فيه"[15] أ.هـ.

ويقول (ساري) في موقع آخر: "وأودُّ أن أضيف تحدِّيًا يتمثَّل في الهوَّة التي تفصل بين علماء الاجتماع وأفراد المجتمع العاديين وكذلك القضايا الاجتماعية المعاصرة"[16].

ثانيًا: الاعتراف بأنَّ علم الاجتماع نشَأ وتطوَّر وما زال هزيلاً، غير قادر على توفير نظريَّة خصبة ومناهج تَقُود إلى نتائج صلبة الأساس، وأنَّه كان -وما زال- مغتربًا عن الواقع الاجتماعي، وأنَّ المتخصِّصين لم يُسهِموا إلا في صِياغة مُشكلات المجتمع العربي وتفسيرها وليس في اقتراح الحلول لها.

يَصُوغ محمد عزت حجازي هذا الاعتراف بقوله: "إنَّ نظرة تحليليَّة نقديَّة لواقع العلم تنتهي بنا إلى أنَّه يمرُّ بأزمةٍ؛ فقد نشَأ وتطوَّر وما زال هزيلاً لا يُوفِّر مقولات نظريَّة خصبة قادرة على الإيحاء بأفكارٍ تُعِين على النَّماء والتجدُّد ومناهج يمكن أنْ تقود إلى نتائج صلبة الأساس نافذة الدلالة، وكان مُنعَزلاً أو مُغترِبًا عن الواقع الاجتماعي الحي"[17].

أمَّا سعد الدين إبراهيم فقد عبَّرَ عن ذلك في موضعين قال في أولهما: "وبالنسبة للوطن العربي فمنذ الحرب العالميَّة الأولى واستقلال البلاد العربيَّة لم تظهر مساهمة علمية نظرية يعتدُّ بها الوطن العربي".

وقال في الموضع الآخَر: "إنَّ المتخصِّصين لم يساهموا بالقدر الكافي أو بالدرجة المطلوبة في صِياغة مشكلات المجتمع العربي المعاصر وتفسيرها أو في اقتراح الحلول المطلوبة لهذه المشكلات"[18].

ثالثًا: الاعتراف بأنَّ المعرفة التي أنتَجَها رجال الاجتماع معرفة هزيلة، وأنَّ وُجودَهم هامشي، وتأثيرهم على المجتمع محدود، وأنهم غير ذوي مِصداقيَّة أو فاعليَّة، وأنَّ طالب المعرفة عن الواقع الاجتماعي يمكن أنْ يجدَها في كتابات غير كتابات علم الاجتماع.

يشرَحُ سعد الدين إبراهيم قضيَّة نجاح علم الاجتماع في إثبات وُجوده على مستوى الجامعات والمجتمع فيقول: "إلاَّ أنَّ هزال ما أنتَجوه من معرفةٍ قد جعَل هذا الوجود هامشيًّا، وجعل فاعليَّتهم في التأثير على المجتمع محدودة إنْ لم تكن معدومة.

وطالب المعرفة عن الواقع الاجتماعي العربي المعاصر قد لا يجدها إلا في الكتابات الأدبيَّة والصحفيَّة أو في أعمال بعض المشتغلين بالتاريخ والجغرافيا أو الفلسفة والدِّين، وقد لا تكون هذه المعرفة بالضرورة دقيقة أو عميقة، ولكنَّها على الأقل متوفرة ومفهومة"[19].

ويتحدَّث سعد الدين إبراهيم أيضًا عن هامشيَّة علماء الاجتماع فيقول: "ليس صدفةً أنَّ هامشية علماء الاجتماع تُواكِب هامشيَّة الفرد والمجتمع المدني في أقطار العالم العربي"[20].

أمَّا عن عدم مصداقيَّة وفاعليَّة رجال الاجتماع فيقول عبدالوهاب بوحديبة في ندوةٍ أُقِيمت في (أبو ظبي) في أبريل عام 1983 تحمل نفس العنوان: (نحو علم اجتماع عربي): "حتى الآن في البلاد العربية ليس لنا مصداقيَّة، وبما أنه ليس لنا مصداقيَّة فليس لنا فاعليَّة.

أمَّا قضيَّة المصداقيَّة يمكن أن نقول: إنَّنا نتقدم إلى الأوساط العلمية (مؤتمرات وندوات) ونتكلَّم، أمَّا الأيدي فهي فارغة، أو اليد اليمنى لا تدري ما في اليد اليسرى"[21] أ.هـ.

رابعًا: الاعتراف بأنَّ المتخصِّص في علم الاجتماع نادرًا ما يأتي إلى دِراسَتِه بمحض رغبته وإرادته، وأنَّ المناهج وأساليب التدريس وهزال الكم من المعرفة في علم الاجتماع لا يُساعد على تنشئة المتخصِّص فيه تنشئةً سليمة.

يقول سعد الدين إبراهيم: "يندر أنْ يأتي التخصُّص في هذا الميدان طالبٌ بمحْض رغبته وإرادته، وإنما غالبًا ما يأتي الطلاب إلى علم الاجتماع إمَّا بمحض الصدفة أو لعدَم وُجود بديل أفضل مُتاح أمامهم.

والقلَّة التي تأتي بمحض إرادتها غالبًا ما يختلط في عقلها مفهومُ علم الاجتماع بمفهوم الخِدمة الاجتماعيَّة أو النزعات الخيريَّة والإصلاحيَّة والإنسانيَّة، ولا تُساعِد المناهج وأساليب التدريس وهزال الكم من المعرفة السوسيولوجية في الجامعات العربيَّة على تنشئة سويَّة للغالبيَّة العُظمى من الطلاب الذين يقضون أربع سنوات في دراسة علم الاجتماع، ويتخرَّجون بمفاهيم غير ناضجة عن العلم ومَناهجه ومَفاهيمه ونظريَّاته"[22] أ.هـ.

أمَّا عزت حجازي فيُشِير إلى نفس هذه النقطة قائلاً: "إنَّ التعليم في مرحلة الليسانس والبكالوريوس والدراسات العُليا لا يهتمُّ بنوعيَّة الطلبة ولا ما يُقدَّم لهم من برامج وما يُوفَّر لهم من فُرَصِ الإعداد والتنشئة؛ وهذا بسبب التركيز على التلقين من (كتاب مدرسي) ونتيجة للعمل من موقف التعالي على الواقع أو الانفصال عنه على الأقل ينهي الدارسون تعليمَهم وهم ناقصو الإعداد، غير فاهمين للواقع وعاجزين عن التعامُل معه"[23].

خامسًا: الاعتراف بأنَّ المؤلفات العربيَّة في علم الاجتماع سيِّئة ومُتخلِّفة وسطحيَّة ومترجمة ومُستعارة من واقعٍ آخَر ومن فِكر مُؤلِّفين آخَرين تنمُّ عن اضطرابٍ وخلْط شديدَيْن، بالإضافة إلى أنها سريعةُ الإنتاج ومُؤلَّفة أساسًا لتحقيق الكسب المادي السريع.

يتحدَّث أصحاب المؤلَّفات العربيَّة في علم الاجتماع عن مؤلَّفاتهم، ويَصِفُونها وصفًا دقيقًا.

هذا "محمد الجوهري" يقول: "ولم تلتفتْ -أي: الدولة- إلى أنَّ الأستاذ الجامعي صاحب الخبرة الميدانيَّة الناقصة في فرع لعلم الاجتماع سيكون بالضرورة والقطع مُؤلِّفًا لكتب سيِّئة ومتخلِّفة ومُستعارة من واقِع آخَرين ومن فكر مُؤلِّفين آخَرين"[24].

ونقلاً عن "إياد القزاز" يقول "محمد الجوهري" عن كتابات رجال الاجتماع: "إنَّ تلك الكتابات.. علاوة على طابعها النظري فإنها ليست منهجيَّة دقيقة في طريقة العرض، بل إنَّ بعضها ينمُّ عن اضطرابٍ وخلط شديدَيْن، وهي تُقدِّم للقارئ معالجة سطحيَّة للموضوع.

ويلاحظ فضلاً عن هذا أنَّه على الرغم من أنَّ تلك الكتابات ليست ترجمات مُباشِرة للكتب الدراسيَّة الإنجليزيَّة، إلا أنَّ التأمُّل الدقيق لها يكشف لنا أنَّ الجانب الأعظم منها عبارةٌ عن ترجمات غير مباشرة مع إدخال بعض التعديلات عليها والملاءمة مع ظروف القارئ والإيجاز هنا وهناك نقلاً عن بعض الكتب الدراسيَّة الإنجليزيَّة، خاصَّة الكتب المعتمدة منها"[25].

هذا، ويُدلِي عبدالباسط عبدالمعطي أستاذ علم الاجتماع بجامعتي القاهرة وقطر، وأحد قادة حزب التجمُّع الشيوعي المصري، وأحد الماركسيين البارزين في علم الاجتماع، ورئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، يُدلِي بدلوه في القضيَّة معترفًا: "إنَّ معظمنا يُعِيد إنتاج الفكر الغربي؛ استسهالاً للاستهلاك، وهذه مسألةٌ حجمت العمل المنتج على مستوى أداء علم الاجتماع.

هناك تشابُهٌ بين إنتاج (السفن آب) أو ترجمة الأفلام الأجنبيَّة والاقتباس منها وبين تصنيع (الجينز)، وبين ترجمة كتاب مدرسي مأخوذ عن المكتبة الأمريكيَّة أو الإنجليزيَّة.

التشابُه يأتي من قِيَم الاستسهال وبذْل الجهد ومُتطلَّبات السوق -سوق التدريس والتوزيع- الذي يلهَثُ البعض خلفَه كسبًا للكسب المادي في وقتٍ قصير نسبيًّا.

الجماهير التي يتعامَل معها المشتغِلون بعلم الاجتماع هي جمهور الطلاب والباحثين الشباب والمبحوثين.

بالنسبة لطلاب مراحل الليسانس هم المستهلك للمؤلَّفات المدرسيَّة التي ينتجها المشتغِلون بالعلم، وهم بالتالي مصدر دخل أساسي للقائمين بالتدريس في الجامعات العربيَّة.

لقد بيَّنت الدراسات التي اهتمَّت بتحليل ممارسات التدريس وتقويمها في الجامعات العربيَّة أنَّ من بينها زيادة الاتجاه إلى الأعمال المترجمة التي هي في جَوْهرها إعادة إنتاجٍ لأعمال آخَرين، وأيًّا كان جهد الترجمة فهو أقلُّ عناءً من التأليف.

كما يُلاحظ أنَّ المؤلَّف الواحد يُكتَب في معظم -إنْ لم يكن جميع- أبعاد التخصُّص وفُروعه.

معنى هذا بالتأكيد -خاصَّة إذا ما وضعنا في الاعتبار التسلسُل الزمني للأعمال المنشورة- تأليف سريع يستجيب لمتطلَّبات السوق، سوق التدريس وملاحقته، وتبدو الغاية هنا الكم الذي يلاحق الطلب والعائد من كلِّ طلب، وإذا أضَفْنا إلى هذا أنَّ المؤلف هو صاحب القَرار في إلزام الطلاب بشِراء مؤلَّفه، فهو الذي يُقرِّر وضع الامتحان؛ وأنَّه يترتَّب على هذا فرض رسائل الدكتوراه المنشورة على طلاب الفرقة الأولى، وفرض مؤلَّفات في بعض الفرق لا علاقة لها بمواصفات المقرَّر ومُقرَّراته وتغيير الكتاب المقرَّر كلَّ عام أكاديمي..."[26].

أمَّا سعد الدين إبراهيم فيقول في قضيَّة المؤلفات العربيَّة في علم الاجتماع: "... نادرًا ما يجدُ طالب المعرفة إنتاجًا سوسيولوجيًا عربيًّا يطفئ ظمأه لفهم الواقع العربي المعاصر بصورةٍ منضبطة أو موضوعيَّة أو شاملة أو حتى جزئيَّة، فأكثر من ثمانين بالمائة من إنتاج أساتذة الاجتماع يَكاد ينصرف كُليَّةً إلى الكتب المدرسيَّة التي تُحاوِل أنْ تعلِّم الطلاب مَبادئ العلم وفُروعه وتاريخه ونظرياته، ورغم أهميَّة هذا الجانب من إنتاج أساتذة الاجتماع العرب للعمليَّة التعليميَّة والتربويَّة إلا أنَّ الشاهد هو أنَّ معظم هذه الكتب المدرسية تتَّسم بما يأتي:
1- تضخُّم الوعود بقُدرات علم الاجتماع على فهْم الواقع والتعامُل الفعَّال مع المشكلات الاجتماعيَّة.

2- الاعتماد شِبه الكامل على مَصادر المعرفة الأجنبيَّة والترجمة المباشرة أو من خِلال آخَرين.

3- التعقيد اللغوي والمعنوي في طرْح مفاهيم ومقولات علم الاجتماع؛ إمَّا للإيحاء بجهبذة فكريَّة، أو في الأغلب لعدم الفهم والاستيعاب لما يتمُّ نقله من مصادر أجنبيَّة.

4- ندرة ما يَرِدُ في هذه الكتب عن الواقع العربي (قطريًّا أو قوميًّا).

5- سطحيَّة وتجزيئيَّة القليل النادر الذي يرد في هذه الكتب عن الواقع العربي، وعدم استِناده إلى قاعدة صلبة من المعلومات التقريريَّة أو الأمبيريقيَّة"[27] أ.هـ.

سادسًا: الاعتراف بأنَّ مجتمع المشتغِلين بعلم الاجتماع في بلادنا لا يُشكِّل مجتمعًا مهنيًّا حقيقيًّا، وإنما هم جماعات مصالح وشللٌ تتصارَع مع بعضها ويُسَيطر أحدها على الآخَر، وأنَّ تنشئتهم المعيبة أدَّتْ بهم إلى اللامبالاة والسلبيَّة، وعوَّدتهم على الوصوليَّة والانتهازيَّة.

يقول محمد عزت حجازي: "أمَّا بالنسبة للمُشتَغِلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي؛ فمن الصعب أنْ نقبَل فكرة أنهم يكونون مجتمعًا مهنيًّا، فهم في الحقيقة ينتظمون في جماعات مصالح متغيِّرة أو شلل.

ويزيد الوضع سوءًا التنشئة المهنيَّة المعيبة المشوَّهة التي تكفُّ في الإنسان إمكاناته وقُدراته الحقيقيَّة واستعداده للمُبادرة والانتماء، وتُربِّي فيه اللامبالاة والسلبيَّة، وتُعوِّده على الوصوليَّة والانتهازيَّة، وتركز أهم القِيَم والتوجُّهات، وتدور معظم أنماط السلوك والتصرُّفات حول الذات والأسرة والشلَّة، وفي نُظُمٍ تُسَيطِر عليها وتستغلُّها عناصر طبقيَّة طفيليَّة، وتُشجِّع فيها الكسب المادي بأيِّ ثمن وشكل والاستهلاك في سفه.

ولهذا لا تعرف حركة الفكر الاجتماعي في المنطقة العربيَّة الموضوعيَّة والحوار التي تساعد في إنضاج الأفكار وتصحيح الأخطاء وكف تأثير الطرف المتحيِّز"[28] أ.هـ.

وهذا سعد الدين إبراهيم يتحدَّث عمَّا أسماه الحرب الأهليَّة بين قبائل وعشائر وبُطون رجال عالم الاجتماع في بلادنا فيقول: "وفي المرحلة الأولى التي حاوَل فيها علم الاجتماع أنْ يشقَّ مكانًا له في الجامعات (1940-1960 تقريبًا) كان جزء كبير من طاقة المشتَغِلين به ينصرف إلى محاورات لإثبات علميَّته وموضوعيَّته وأهميَّته للمجتمع.

وقد تجاوَز المشتغِلون العرب بعلم الاجتماع هذه المعارك الخارجيَّة مع الذين عارَضوا أو شكَّكوا في أحقيَّة هذا العلم الجديد بمكانٍ تحت الشمس الجامعيَّة.

لقد انتصروا في تلك المعارك إمَّا لأنهم نجحوا في إقناع الآخَرين، أو لأنَّ الآخَرين سَئِمُوا استمرارَ تلك المعارك.

ولكنَّ أساتذة الاجتماع سرعان ما دخلوا مع بعضهم البعض في معارك أهليَّة في المرحلة الثانية (1960-1985)، إمَّا بالأصالة عن أنفسهم، أو نيابةً عن أطراف سوسيولوجيَّة متعاركة مع مجتمعاتٍ أخرى، وساد تلك المعركة ما يمكن تسميتُه بمرض البداوة السوسيولوجيَّة.

فقد قسم المشتغِلون العرب بعلم الاجتماع أنفسَهم إلى قبائل اتَّخذت أسماء ومسمَّيات مختلفة (فهناك النظريون والتطبيقيون، وهناك الماركسيون والوظيفيون، وهناك أتباع المدرسة الإنجليزية أو الأمريكية أو السوفياتية... إلخ) وكلُّ قبيلة سوسيولوجيَّة جرى تقسيمها إلى عشائر (وظيفيون، ووظيفيون جدد، وماركسيون جدد.. الخ) وجرى تقسيم كلٍّ عشيرة إلى بطون وحتى أفخاذ.

لقد أصبحت البَداوة أفيون علماء الاجتماع العرب"[29] أ.هـ.

ويتحدَّث عبدالباسط عبدالمعطي عن مجتمع رجال الاجتماع من الداخل من زاويةٍ أخرى فيقول: "هناك جماعات مصلحة وجماعات ضغط على مستوى مؤسسة علم الاجتماع، هي جماعاتٌ تَكاد تقوم بالممارسات والضغوط التي تأتيها الطبقات المسيطِرة داخل البِنَى الاجتماعيَّة، لكنها تأتيها على مستوى العمل الرسمي.

هناك باحثون جمعوا في أيديهم خُيوطًا كثيرة مؤثِّرة في مَسِيرة العلم: التدريس، الإشراف على الرسائل الجامعية، الترقيات، السلطات الإدارية والتنفيذية، اللِّجان الحكومية، العمل في البحوث الأجنبيَّة... إلخ؛ وبالتالي ركَّزوا كثيرًا على مزيدٍ من الكسب أعلى من غيرهم، فأسهموا في خَلَلِ التوزيع على مستوى المجتمع وعلى مستوى مؤسسة العلم"[30] أ.هـ.

هذا هو واقِعُ علم الاجتماع وواقِعُ المشتغِلين به، بعدَ ما يقرُب من ثلاث وثمانين سنة من دخوله إلى بلادنا وإعلانه انقطاعَه عن الإسلام.

علمٌ هامشي هزيلٌ لا يَرعاه ولا يحسُّ به إلا أتْباعه ومريدوه وأصحاب المصالح الحيويَّة فيه، لم يُسهِم في صياغة مشكلةٍ واحدة ولا تفسيرها، ولا في اقتراح حلٍّ لها.

طالب المعرفة عن واقع المجتمع يجدُها في أيِّ كتاباتٍ أخرى إلا كتابات علم الاجتماع التي تتميَّز بالتخلُّف والسُّوء والخلط والاضطراب والنقل عن مجتمعاتٍ أخرى.

رجالٌ بلا مصداقيَّة وبلا فاعليَّة، وما هم إلا جماعات مصالح وشِلَل متصارعة متحاربة.

نحن ما تجنَّينا عليهم، وإنما هذا هو نصُّ عباراتهم، كتَبُوها بأيديهم وصاغُوها بأنفسهم، وهم الذين قالوا واعترفوا (بأنَّ بلادنا ليست في حاجةٍ إلى علماء اجتماع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سعد الدين إبراهيم، علم الاجتماع وقضايا الإنسان العربي، (نحو علم اجتماع عربي) الكتاب السابع من سلسلة كتب المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1986 ص209، انظر أيضًا: سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية لعلم الاجتماع في الوطن العربي (نحو علم اجتماع عربي)، ص 356.
[2] عبدالوهاب بوحديبة، ندوة: (نحو علم اجتماع عربي) المنعقدة في (أبو ظبي) من 24-28 أبريل 1983، منشورة في الكتاب السابق (نحو علم اجتماع عربي)، ص 388.
[3] محمد شقرون، أزمة علم الاجتماع أم أزمة المجتمع، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 77-78.
[4] أحمد الخشاب، الاجتماع التربوي والإرشاد الاجتماعي، القاهرة، ص 495-496.
[5] عبدلباسط عبدالمعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، عالم المعرفة، الكويت 1981، ص 283-284.
[6] EZZAT HEGAZY, Contemporary Sociology in Egypt, Raji Maham and Don Martindale, Handbook of Contemporary Developments in World Sociology, London, 1975 p 380.
[7] John Saliba, Religion and Anthropology, Anthropologica, 18, 1976 p 179.
[8] سالم ساري، الاجتماعيون العرب ودراسة القضايا المجتمعية العربية، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 185.
[9] محمد الجوهري، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، العدد الأول، دار المعارف - القاهرة، ص 11.
[10] زيدان عبدالباقي، ركائز علم الاجتماع، دار المعارف، القاهرة 1975، ص256-446.
[11] سلام ساري، المرجع السابق، ص 185.
[12] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، المرجع السابق، ص 345.
[13] المرجع السابق، ص 343-344.
[14] محمد عزت حجازي، الأزمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 30.
[15] سالم ساري، المرجع السابق، ص 185-186.
[16] سالم ساري (ندوة نحو علم اجتماع عربي - أبو ظبي) المنشورة في (نحو علم اجتماع عربي)، ص 388.
[17] محمد عزت حجازي، المرجع السابق، ص 13.
[18] سعد الدين إبراهيم، علم الاجتماع وقضايا الإنسان العربي (نحو علم اجتماع عربي)، ص 349.
[19] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية (نحو علم اجتماع عربي)، ص 349.
[20] المرجع السابق، ص 356.
[21] عبدالوهاب بوحديبة (نحو علم اجتماع عربي)، ص 347، 348.
[22] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، (نحو علم اجتماع عربي)، ص 347-348.
[23] محمد عزت حجازي، المرجع السابق، ص 35.
[24] محمد الجوهري، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، العدد الأول، ص 11.
[25] محمد الجوهري، المرجع السابق، العدد الخامس أكتوبر 1983.
[26] عبدالباسط عبدالمعطي، في استشراف مستقبل علم الاجتماع (نحو علم اجتماع عربي)، ص 370-371.
[27] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، ص 346.
[28] محمد عزت حجازي، المرجع السابق، ص 36.
[29] سعد الدين إبراهيم، تأمل الآفاق المستقبلية، ص 346-347.
[30] عبدالباسط عبدالمعطي، في استشراف... ص 371.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الاجتماع, اعترافات, عملاء

« التنصير والاستغلال السياسي | مع اليهود أم ضد اليهود؟ »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النظرية والمنهج في علم الاجتماع Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 1 10-03-2016 09:49 PM
الشائعة من منظور علم الاجتماع السياسي Eng.Jordan مقالات وتحليلات 0 01-04-2013 03:54 PM
اعترافات فوق القمر عمر سيف الدين نثار الحرف 1 06-25-2012 06:43 PM
النظريات الحديثة في علم الاجتماع التربوي Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 02-18-2012 08:20 PM
علم الاجتماع الرياضي شذى الكتب بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 01-29-2012 01:05 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:40 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73