تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

مأساة التاريخ وعزلة المؤرخ

مأساة التاريخ وعزلة المؤرخ ـــــــــــــــ (د. أحمد العدوي) ـــــــــ غرة المحرم 1436 هــ 25 / 10 / 2014 م ــــــــــــ المقولة المأثورة أن "التاريخ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-25-2014, 08:07 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة مأساة التاريخ وعزلة المؤرخ


مأساة التاريخ وعزلة المؤرخ
ـــــــــــــــ

(د. أحمد العدوي)
ـــــــــ

غرة المحرم 1436 هــ
25 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

مأساة التاريخ وعزلة المؤرخ 23-10-2014.jpg


المقولة المأثورة أن "التاريخ أبو العلوم" والتي تتردد على ألسنة المشتغلين بالتاريخ ليل نهار دعتني إلى سؤال بعضهم: لماذا تعتقدون أن التاريخ هو أبو العلوم؟ وأطرف إجابة حصلت عليها في هذا الصدد قول زميل: "لأنك يمكن أن تبحث في تاريخ الفيزياء وكذلك تاريخ الكيمياء ولكنك لا تستطيع أن تبحث في شيء عنوانه كيمياء التاريخ أو فيزياء التاريخ! هذه أذكى إجابة حصلت عليها ربما لهذا علقت بذهني، وصاحبها لا شك يوحي أن التاريخ قاسم مشترك بين جميع العلوم، لهذا تذكرت تعليقًا شهيرًا لأحد المستشرقين (بيوري) "أن حقائق التاريخ كحقائق الجيولوجيا يمكن أن تصبح مادة خصبة للأدب لكنها في حقيقة الأمر ليست جزءًا منه".

تاريخيًا وحتى مرحلة ما كان التاريخ فعلاً أبًا للعلوم، وفي ذات الوقت نشأ جدل جانبي حول ما إذا كان التاريخ علمًا أم فنًا، والجدل لم ينقطع في هذا الأمر حتى لحظة كتابة هذه السطور.

إذن كيف كان التاريخ أبًا للعلوم وفي ذات الوقت وُجد من لا يصنفه ضمن العلوم؟!

حيث إن مناهج العلوم الإنسانية لا تزال حتى يومنا هذا أسيرة مناهج مثيلاتها من العلوم الطبيعية، وبالأخص الرياضيات والفيزياء، فإن بداية مقولة أن التاريخ أبو العلوم علميًا بدأت مع الكانطيين، حيث حاول كانط، وكذلك حاول أتباعه من بعد (الذين كانوا يرون وجود وحدة من نوع ما تربط بين العلوم الطبيعية والإنسانية)، التدليل على حتميات نيوتن العلمية بتطبيقها على الإنسانيات، انطلاقًا من أن حتميات نيوتن هي قوانين الكون الكلية الحاكمة التي تفسر حركته، من ثم فإن المجتمع الإنساني لابد له أيضا من قوانين كلية حتمية حاكمة. وبما أن نيوتن كان قد انتهج تفسير الظاهرة في ضوء التسلسل المنطقي من البدايات وصولًا إلى النتائج؛ فإن الكانطيين كانوا يرون في الظواهر في العلوم الإنسانية ذات التسلسل والمنطقية. وهكذا ساد في كل العلوم تقريبا منهج أطلق عليه "التاريخانية Historicism" أو "تاريخية الظواهر"، وهي دراسة الظاهرة من إرهاصاتها وبداياتها مرورًا بالتغيرات التي تطرأ عليها مع تداخل عوامل أُخر أو بدونها، والمحك هنا هو الزمن، انتهاء بالنتائج، ومن ثم تفسير سلوك الظاهرة ومحاولة التحكم أو التنبؤ بها على الأقل، كل هذا في ضوء المنطق. ورفض الكانطيون واستبعدوا كل ما لا يخضع لهذه السلسلة المنطقية التطورية معتبرين إياه حقلًا ميتافيزيقيًا لا شأن للعلم به. وهكذا تم النظر بعين الاعتبار إلى التاريخ - والتاريخ هنا ليس هو المفهوم الضيق الذي قد يتبادر إلى الذهن بمعنى أحداث الماضي، وإنما بمعنى تاريخ الظاهرة (أي ظاهرة يدرسها أي علم) -، ومن ثم سادت النظرة بين العلماء أن مفتاح فهم أي ظاهرة وكذلك مفتاح التنبؤ بما يكون من أمرها في المستقبل هو دراسة تاريخيتها، ومن ثم أيضا انتشر بينهم القول المأثور أن التاريخ هو أبو العلوم، وأصبحت فلسفته أمًا شرعية للعلوم، كما أصبحت الإبستمولوجيا (بوصفها المنظرة لقواعد ذلك التسلسل المنطقي وصولًا إلى المعرفة اليقينية) درة تاج الفلسفة. ووصل الأمر بين الابستمولوجيين إلى حد تمني قيام العلماء بوضع حجر أساس لنظام رياضيات السلوك الإنساني (برتراند راسل)، وبذلك تدخل الرياضيات كشريك رئيس في الإنسانيات وتعزز ارتباط الإنسانيات بالعلوم الطبيعية.



هنري بوانكريه والضربة الأولى لحتميات نيوتن

قدمنا أن المناهج في العلوم الإنسانية ما هي إلا رجع صدى لمثيلتها في العلوم الطبيعية، وبادئ ذي بدء؛ لم يكن هناك أي انتقاد على الصعيد الإبستمولوجي لنظريات التاريخانية وقواعد التسلسل المنطقي، رغم اعتراف العلماء بأن هناك ظواهر تستعصي على التفسير في ضوء هذه القاعدة الإبستمولوجية، إلا أنهم ردوا هذا إلى أن الشروط الأولية لهذه الظواهر غير القابلة للتفسير هي بدورها غير قابلة للرصد الدقيق، ومن ثم تأتي نتائجها محيرة وغير مبررة وغير مفهومة!. لكن علماء الرياضيات على الأخص لم يستطيعوا الكفاح طويلا لتثبيت قواعد الرياضيات المنطقية المستقرة منذ القدم فقد عجزوا رغم محاولاتهم المضنية على تعليل السؤال التالي: لماذا تقبل بعض البديهيات والمعادلات الرياضية البرهان، ولما تستعصي بعضها على البرهان رغم أنها بديهية ولها تطبيقات لا تحصى (21 معادلة أشهرها على الإطلاق هي فرضية رينان) ؟!، من ثم ساد الحديث بين علماء الرياضيات عن الحاجة إلى رياضيات أكثر تحررا، بحيث تستطيع فك ألغاز المعادلات التي عجزت عنها الرياضيات الممنطقة، وكانت أول صفعة على وجه الرياضيات الممنطقة وقواعد المنطق والنظرية الإبستمولوجيا التقليدية هي الصفعة التي وجهها الفرنسي هنري بوانكريه (الذي ينظر إليه الكثيرون الآن على أنه الأب الشرعي لنظرية النسبية الخاصة التي نُسبت إلى أينشتاين فيما بعد) عندما تكلم لأول مرة عن الأنظمة الفيزيائية الحساسة للبدايات الأولية. وطبقا لطرح بوانكريه فإن هناك نظم إيكولوجية وفيزيائية لا تعمل وفق قواعد التسلسل المنطقي التاريخاني المعروف ومن ثم تأتي نتائجها مباغتة وغير مفهومة وعصية على التفسير. بالطبع مثلت تلك المقالات التي نشرها بوانكريه مقدمة لنظرية الفوضى التي تبلورت فيما بعد على يد إدوارد لورانز عالم الأرصاد الجوية الشهير الذي لاحظ أن التغيّرات الطفيفة في الشروط الأولية للمعادلات الرياضية المتعلقة بنظم محاكاة الطقس الجوي، يمكن أن تؤدي إلى نتائج متطرفة ومختلفة تماما من طقس مشمس إلى عاصفة أو إعصار وفق شروط أولية عشوائية غير مسلسلة ولا تخضع لقواعد المنطق ومن ثم للتاريخانية المعهودة. ومن ثم انتشرت بين العلماء مقولة شهيرة قصد منها السخرية من التاريخانية كمبدأ منطقي لتفسير الظواهر، وهي أن رف جناح فراشة في البرازيل يمكن أن يؤدي إلى حدوث إعصار بنيويورك!.



آينشتاين والضربة القاضية لحتميات نيوتن

وجه آينشتاين الضربة القاضية لقوانين نيوتن وحتمياته عند ظهور نظريته النسبية الخاصة 1905 ثم نسبيته العامة 1916 عندما برهن رياضيا على مقدمات سبق وتحدث عنها بوانكريه دون دليل رياضي وخرج بنتائج تدحض قوانين نيوتن، ومن ثم تغيرت رؤية العلماء للعلاقة بين الطاقة والجسيمية والموجية، وفق مفاهيم نسبية تتعلق ببعدي الزمان والمكان متداخلين في مصطلح واحد "الزمكان". وحتى لا ندخل في تفاصيل فيزيائية ورياضية مغرقة حول النسبية بشقيها العام والخاص يمكن أن نقول أن أينشتاين برهن أنه لا قوانين فيزيائية مطلقة وحاكمة، بعبارة أخرى قوانين الفيزياء ليست مطلقة كما أنها ليست حتمية وهي عرضة للانهيار التام ونشأة قوانين فيزيائية مختلفة تماما إذا ما تغير المحيط (الزمكان) (وكمثال: نقطة الحدث في الثقوب الدودية أو السوداء في الفضاء).

على إثر نشر النسبية العامة وضرب قواعد الفيزياء الرياضية المنطقية في الصميم تشجع مجموعة من الباحثين الشبان وأرسوا مبادئ غير منطقية تتعامل بمرونة براجماتية وبلا قوانين مقيدة مع حركة الجسيمات داخل الذرة تارة على أنها جسيمات وتارة على أنها موجات، وذلك على نحو غير معهود في تقاليد العلم الصارمة، وقد أطلقوا على هذه النظرية لقب "ميكانيكا الكم" أو الكوانتم اصطلاحا. ومن ثم استطاعت ميكانيكا الكم أن تحقق ما عجزت عنه الفيزياء التقليدية برياضياتها الجامدة من تفسير حركة الجسيمات داخل الذرة. والطريف أن آينشتاين الذي فتح الباب واسعا أمام الفيزياء المتطرفة وأنهى عصر الفيزياء النيوتنية التقليدية ظل ينكر ميكانيكا الكم ويتهم المتحمسين لها من الفيزيائيين بالدجل ويحاول تفنيد نتائجها رياضيا حتى اعترف أنه كان على خطأ قرب وفاته. وكانت تلك نهاية التاريخانية النيوتنية إن جاز التعبير كمفتاح لتفسير الظواهر. من ثم انهارت قواعد المنطق في الرياضيات بظهور الرياضيات المتطرفة، وأبرز تجلياتها دخول ما يسمى بالمنطق المشوش أو الضبابي "Fuzzy logic".



كيف تأثرت العلوم الاجتماعية وعلى رأسها التاريخ بهذه التطورات

أول تأثيرات نظرية النسبية هو القضاء المبرم على حلم الكانطيين بإمكانية وجود وحدة ما بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وعبر الإبستمولوجيين عن يأسهم أن يسهم المنطق بشكله الحالي في تطور المعرفة في العلوم بشكل عام، وكنتيجة منطقية ليأس الابستمولوجيين من قضية وحدة العلوم إلى الأبد قالوا أن ذلك التطور يمثل نهاية الابستمولوجيا من حيث هي مبحث مستقل وأن الأمر سينتهي حتما إلى وضع رواد كل علم لقواعده الإبستمولوجية على حدة (هنري بلانشيه ومدرسته).

وكما قد يخمن القارئ أن ثاني نتائج نظرية الفوضى ثم النسبية بشقيها العام والخاص هو القضاء التام والمبرم على قوانين الحتمية التاريخية، كما صاغها رواد مدرسة التفسير الديني للتاريخ وطورها الكانطيون من بعد ثم تلقفها كارل ماركس في نظريته الحتمية الاجتماعية والاقتصادية، كان أول من وجه معول لنظرية الحتمية التاريخية هو أكثر الابستمولوجيين المتأثرين بآينشاين ونسبيته (كارل بوبر ومدرسته التي اشتهرت باسم مدرسة فيينا)، وقد انتقد بوبر انتقادا عنيفا المذهب التاريخاني في كتابه "بؤس الإيديولوجيا" (لاحظ دلالة العنوان). وانطلق بوبر في هدم قواعد الحتمية التاريخية وعلمية التاريخ من المقدمة التالية: يتأثر التاريخ الإنساني في سيره تأثرا قويا بنمو المعرفة الإنسانية، وبما أنه لا يمكن لنا بالطرق العقلية أن نتنبأ بكيفية نمو معارفنا العلمية، فإن النتيجة الحتمية أنه لا يمكننا التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني!



مأزق العلوم الإنسانية

وقعت العلوم الإنسانية في مأزق كبير عقب هذه الكبوة الابستمولوجية الكبرى بظهور النسبية والكوانتم وتوجيه ضربة قاصمة للتاريخانية، فقد فشلت في التعامل مع العلوم الطبيعية التي أصبحت أكثر تطرفا تجاه ما يخص المنطق، الأمر الذي حدا بإبستمولوجي شهير (هنري بلانشيه) إلى أن يعلن أن التطور الطبيعي للإبستمولوجيا في المستقبل أن يقوم رواد كل علم بوضع الأسس الإبستمولوجية الخاصة بعلمه. وإزاء عجز مناهج العلوم الإنسانية عن الإسهام في تقدم تلك العلوم ومواكبة نظيرتها الطبيعية أخذ رواد كل علم يفكرون في كيفية الخروج من تلك الورطة، ولكي تكتمل الصورة فهناك علمان إنسانيان كبيران لم يتأثرا مطلقا بتلك التغيرات بل استفادا منها ولولا ثباتهما لانهارت منظومة العلوم الإنسانية برمتها ألا وهما الاقتصاد والجغرافيا. بطبيعة الحال الأول وثيق الصلة بالرياضيات وهناك تطبيقات عديدة من تلك الرياضيات المتطرفة وغير المنطقية أفاد منها دارسو الاقتصاد. أما الثاني فأبرز خصائصه هو اختلاط ما هو إيكولوجي بما هو فيزيقي بما هو بشري، لذا لم يتأثر على الإطلاق بل لعله أفاد أيضا من تلك المتغيرات خاصة فيما يتعلق بدراسات الطقس والمناخ.

العلوم الثلاثة الكبرى التي قدر لها أن تدخل مستنقع العجز عن التقدم والتهديد باجترار نظريات الماضي هي الاجتماع وعلم النفس والتاريخ ، فضل الأول والثاني السعي وراء القياسات الكمية بتأثير نظرية الكوانتم، ومن ثم تحولا إلى لغة الأرقام والقياسات الكمية عبر الاستبيانات بهدف قياس الظواهر الاجتماعية والنفسية رقميا، أما الثالث (أبو العلوم!) فقد ترك وحده عاجزا حائرا.

مأساة علم النفس والاجتماع الآن تتجسد في عاملين مهمين الأول الانصراف بالكلية إلى محاولات قياس الظاهرة الاجتماعية أو النفسية رقميا، الثاني عجز الكوانتم عن التعامل مع الظواهر الاجتماعية والنفسية تفسيريا. كيف؟

قام رواد علمي النفس والاجتماع بتطويع الاستبيانات بهدف قياس الظاهرة النفسية أو الاجتماعية رقميا، فصيغت الأسئلة بصيغة الفعل المضارع ولم تمنح العينة إلا فرصة الإجابة المباشرة علي أي سؤال بصيغة أوافق، أوافق بشدة، أرفض، أرفض بشدة .... والآن ماذا تتصور لو أن مديرا مهملا بإحدى الشركات ويعرف عنه أداؤه المتواضع، وقد وضعت أمامه استمارة بهذا الشكل وضمن الأسئلة: أقوم بمتابعة سير العمل ميدانيا وأرفض أن يشرف غيري عليه! بكل تأكيد ستكون إجابته أوافق بشدة في حين أنه واقعيا لا يفعل هذا، بالطبع الأمر ليس بهذه السطحية فهناك أسئلة كالفخاخ توضع بالاستبيان القصد منها اختبار المصداقية، ولكن بالنهاية فإن افتراض غباء الآخرين هو الغباء نفسه!. كما أن الهاجس النفسي بخصوص تسريبات إجابات العينة خاصة في الأسئلة الحساسة والخاصة جدا (برغم تأكيد الباحثين في هذا المضمار على سرية الاستبيان ومحو أي أثر يشير إلى شخصية العينة من عليه) فإن هاجس تسريب الإجابات يسيطر نفسيا على العينة ويدفعها دوما إلى محاولة تقديم إجابات متوازنة تعبر عن شخصية رصينة ومحافظة وهو ما يؤدي إلى حتما إلى تضليل الباحث.

والمشكلة الأكبر أن أكثر الباحثين في حقول علمي النفس والاجتماع يجهلون المنهج الإحصائي الذي يعالج استبياناتهم، فيوكلون أمرها إلى المتخصصين في البرامج التي تقوم بتقييم نتائج الاستبيانات (حزمة برامج SPSS)، ولا يهم الباحث إلا أن تخرج نتائج الاستبيانات معبرة عن العينة بصورة منطقية (وهناك فرق كبير بين مصطلحي منطقي وواقعي) وإلا فإن الخلل في النتائج يشير إلى الخلل في العينة ذاتها.

كانت نتيجة إقبال الباحثين على قياس الظواهر كمياً، هو عدم القدرة مطلقا على فهم ماهيتها أو تفسيرها، اليوم لا يستطيع عالم الاجتماع أن يجيبك على سؤالك لماذا تزيد معدلات الإقبال على ارتكاب جرائم القتل في الدول التي تطبق عقوبة الإعدام عن مثيلتها في الدول التي ألغت تلك العقوبة؟. كما لا يستطيع عالم النفس بالقدر نفسه أن يجيبك لماذا تأتي معدلات بعض الحاصلين على نوبل في اختبار IQ في معدلاتها المتوسطة حتى أن بعضهم يخجل من إعلانها على الملأ، ولماذا يحرز بعض الحاصلين على درجات متدنية في IQ نجاحات ملحوظة على صعيدي العمل والحياة الاجتماعية.

الخلاصة أن هذه العلوم ذاتها رغم انصرافها إلى دراسات الكم تعاني من مشكلة عدم فهم الظواهر وبالتالي عدم القدرة على التعامل معها، هذا هو الذي جعل فيزيائيا مرموقا (ماكس بلانك) يسخر من المتخصصين في العلوم الإنسانية برمتها قائلاً: إن أقصى ما في استطاعة المتخصصين في العلوم الإنسانية أن يقولوا لنا أن البعض يروق لهم أن يفعل هذا، في حين أن البعض لا يروق لهم فعل هذا!



مأساة أبي العلوم

زاد البون بين التاريخ وبين أبنائه فلم تؤهله طبيعة مادته من الالتحاق بركب الدراسات الكمية والإحصائية، ووقف المؤرخ عاجزًا عن تفسير الحدث التاريخي بوصفة ظاهرة العلم تفسيرًا علميًا، والتفسير العلمي يعني ببساطة أنه لو قام مؤرخ بدراسة حدث ما، وقام باحث آخر في أقصى الكرة الأرضية ببحث الحدث نفسه فإن مصطلح علمي هنا يلزمهما بالوصول إلى ذات النتائج أو على الأقل أن تأتي نتائجهما متقاربة متجانسة. والتاريخ أبعد ما يكون عن الوصول إلى تلك الغاية بعد. وانتظر المؤرخ ولا زال ينتظر المساعدة من الإبستمولوجي، وعجز الإبستمولوجي عن مساعدة المؤرخ. من ثم أصبح وضع الكتابة التاريخية الآن يشبه كثيرا وضع مثيلتها عند انهيار المدرسة الوضعية فقد أدت صرامة مقاييس الوضعيين في كتابة التاريخ إلى عزوف المنتمين إلى هذه المدرسة نفسها عن كتابة التاريخ! فعكفوا على نشر الوثائق التي هي أقل مشقة من التأريخ بمواصفاتهم.

الآن يحاول بعض الرواد اللجوء إلى وسائل إنعاش تشبه كثيرا الصدمات الكهربائية لإنقاذ قلب المريض، فعوضا عن قوانين الحتمية التاريخية الحاكمة التي لم يعد أحد يأخذ بها أو يعتقد فيها ظهر ما يسمى "التاريخ الاستشرافي" وهو تاريخ مآلات مثّل بديلا موضوعيا منطقيا عن قوانين الحتمية التقليدية على قاعدة أن البدايات المتشابهة تؤدي دائما إلى نهايات متشابهة (وهذا المبدأ ذاته هو الذي سبق وأنتج قضية أن التاريخ يعيد نفسه).

كما ظهرت عدة اتجاهات جديدة لتعويض غياب الرؤية والمنهج عند المؤرخ كاستعارة نظرة المادية الجدلية للتاريخ الحقيقي الذي هو من وجهة نظرها هو تاريخ البروليتاريا، فشجعت مدرسة الحوليات الكتابة في التاريخ الاجتماعي وشجبت مبدأ تأليه الوثيقة عند الوضعيين بزعم أن الوثائق قد تفسر السلوك السياسي والاقتصادي، إلا أنها غير كافية أبدا لتفسير السلوك الاجتماعي، ومضت مدرسة ما بعد الحوليات خطوة أبعد فشجعت على التأريخ لما سبق وأن أسماهم كارل ماركس بالبروليتاريا القذرة وأسمتهم مدرسة ما بعد الحوليات بالمهمشين من باب التهذيب. كما نادى بعض المؤرخين بضرورة جمع وتدوين التاريخ الشفوي، وكذلك دراسة التاريخ الموازي إلى غير ذلك من الاتجاهات التي تثبت عجز المؤرخ الآن عن التأريخ وفق منهج علمي صارم وأدوات منهجية متفق عليها ومحددة سلفا، وساد بين المؤرخين في ظل اللا منهج إطلاق العنان للباحث في اختيار النهج المناسب في التعامل مع الظاهرة التي يدرسها، أو التعامل مع الحدث التاريخي تحت شعار طبيعة البحث هي التي تحدد طبيعة المنهج. وفي هذا شيء من التأثر ببراجماتية الكوانتم.

يتبدى عجز المؤرخ الآن عن كتابة التاريخ في حيرته وتردده بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، والذاتية والموضوعية جدلية قديمة حديثة، بل هي الفيصل بين علمية التاريخ ولا علميته، وفي هذه الآونة صار هدم تقاليد المدرسة الوضعية الصارمة في الالتزام بالموضوعية وبالا مضاعفا على الباحث في التاريخ، إذ نادى كثير من رواد مدرسة الحوليات بأن الموضوعية المزعومة هي تراث القرن التاسع عشر، وأنها في جوهرها كذبة كبيرة، وأنه مهما حاول الإنسان أن يكون موضوعيا فإن عوامل ذاتية لا شعورية تتدخل في كتاباته وتظهر جليا في نتائج دراسته، لذا لا ينبغي للمؤرخ – من وجهة نظرهم - أن يكتم وجهة نظره بل له أن يعلنها وأن تعبر دراسته عن قناعاته الشخصية وانحيازاته الفكرية. كان من شأن هذا التوجه أن تحولت البحوث التاريخية إلى شيء أقرب بالمقالات الصحفية مع فارق جوهري وهو أنه في حين يجوز للصحفي كتم مصادره فإن المؤرخ مجبر على الإحالة إليها بين الحين والآخر.

هكذا تحول العلم إلى رؤى ذاتية ووجهات نظر، وفي ضوء التخلي عن الموضوعية برزت صعوبة الإمساك بما يسمى بالحقيقة التاريخية والتي انكمشت إلى حدود الحدث نفسه أما تفسيره ففيه مليون رواية ورواية، فتغول التوظيف السياسي والعقائدي ونظرية المؤامرة لأحداث التاريخ على الدراسات العلمية الرصينة، وما زاد من عزلة المؤرخ واغترابه وابتعاده عن التأثير في الرأي العام في محيطه ارتدائه للباس الأيديولوجية والتحيز الفكري فأصبح أحد المختصمين وليس القاضي وصاحب الاختصاص بالنظر.

في الماضي كان إذا تحدث المؤرخ صمت الجميع. أما الآن فإن المؤرخ لا يستطيع الحديث، فإن تكلم فليس من المنتظر أن يقنع أحدا بآراء المؤرخ نفسه أول من ينعتها بأنها وجهات نظر! فعندما تفتح أي دورية متخصصة في نشر أبحاث المتخصصين في التاريخ فإنك تجد تلك العبارة التي تنتشر على الأغلفة الداخلية ألا وهي: "المقالات المنشورة في المجلة تعبر عن وجهات نظر أصحابها وليس عن رأي المجلة بالضرورة"!. إن تأملت؛ فإن هذه العبارة بحد ذاتها تنفي عن البحث في التاريخ صفة العلم، وتحيله إلى مجرد وجهات نظر ورؤى نقدية مرتبطة بتفسير أحداث جرت في الماضي وهذا أقرب إلى الفن منه إلى العلم.

السؤال الآن: هل يمكن أن ترى مثل هذه العبارة على غلاف دورية طبية، أو في علوم الحاسب مثلا؟! الإجابة: قطعا لا، السؤال: لماذا؟ الجواب: لأن هذه علوم بالفعل، والمقالات المنشورة بها مقالات علمية مجردة تستخدم لغة العلم وأدواته ولا يمكن أن تندرج أبدٍا تحت بند وجهات النظر. سؤال: أوَلا يختلف العلماء في العلوم الطبيعية على تحليل الظاهرة نفسها اختلاف المؤرخين على تفسير الحدث التاريخي نفسه؟ الجواب: بلى، بالقطع يختلفون لكن هناك حدودًا لهذا الاختلاف، إذ لا تلعب الأيديولوجيات أي دور يذكر فيه. سؤال: إذن ترى أن التاريخ ليس علمًا كبقية العلوم؟

والجواب ...

-------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


lHshm hgjhvdo ,u.gm hglcvo

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مأساة, المؤرخ, التاريخ, وعزلة

« لعبة الأرقام:قراءة في تقرير مركز "بيو" | الإسلام بين الشرق و الغرب.. »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحافظ المحدث المؤرخ أبو الحسن ، المعروف ببحشل عبدالناصر محمود شخصيات عربية وإسلامية 0 11-16-2013 05:49 PM
هدبتلي شماغي الاحمر بيداها وغزلت علم Eng.Jordan الأردن اليوم 0 10-30-2013 01:22 PM
الإبداع المؤسسي وتنمية المورد البشري في المنظمات غير الحكومية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 04-24-2013 09:46 AM
عوامل تحريف التاريخ الأموي تشويه التاريخ تراتيل التاريخ الإسلامي 0 02-23-2012 04:36 PM
المؤرخ الإسلامي الأول تراتيل التاريخ الإسلامي 1 01-30-2012 02:24 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:23 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68