تذكرني !

 





مدخل إلى التراث العربي الإسلامي

مدخل إلى التراث العربي الإسلامي ــــــــــــــــ (إسلام مصطفى محمد) ـــــــــــــ غرة المحرم 1436 هــ 25 / 10 / 2014 م ــــــــــــ لكلِّ أمة من

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-25-2014, 08:13 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة مدخل إلى التراث العربي الإسلامي


مدخل إلى التراث العربي الإسلامي
ــــــــــــــــ

(إسلام مصطفى محمد)
ـــــــــــــ

غرة المحرم 1436 هــ
25 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

مدخل التراث العربي الإسلامي 24-10-2014.jpg


لكلِّ أمة من الأمم جذور متأصلة في كيانها اصطُلح على تسميتها بالتراث. وقد استقرَّ في تاريخ الحضارات جميعًا أن التراث أحد جملة من الأعمدة تقوم بعبء تأسيس النهضة، ومن أجل ذلك عُنيَتْ كلُّ أمة بما تعتقد أنه مرجعية مؤسِّسة لها، فالأمم بماضيها قبل أن تكون بحاضرها؛ فمن هذا الماضي تستمد وجودها، وبالحفاظ عليه يكون بقاؤها متميزة، وفي رحابه تعيش قوية بكيانها ومقوماتها. والتراث الحضاري لأي أمة في العالم هو الأساس الذي تبني عليه مكانتها، وتحدِّد به هويتها ومسيرتها، كما يُستدلَّ به على مدى عراقتها في التاريخ، ونوعية إسهامات رجالها في حركته، ومدى تأثيرها فيه وتأثرها به.

وعلى ذلك فالفارق كبير بين أمة لها موروث، وأمةٍ لا موروث لها، فما أسرع ما تمضي الأولى قدمًا نحو مستقبل أزهى، إذا هي انتفعت بهذا الموروث؛ لأنها في هذا المقام تستوحي حضارة سالفة، وتسترشد بحضارة حاضرة، وتمزج بين الحضارتين مزجًا غير قابل للفصل. ومثل هذه الحضارات المدعمة الأصيلة كمثل البنيان على أسس راسخة.



مفهوم التراث العربي الإسلامي[1]:
----------------------

أصل كلمة تراث في اللغة من مادة (ورث) التي تدور حول "ما يتركه الإنسان لمن بعده"، كما جاء في قوله تعالى: (فهب لي من لدنك وليًّا يرثني ويرث من آل يعقوب) [مريم:6،5]، وقوله: (وتأكلون التراث أكلا لمًّا) [الفجر:19]، وقوله عز وجل: (وورث سليمان داود) [النمل:16].

فالتراث يطلق على وراثة الحسب والمال والدين، وقد يتسع ليشمل المـُلْك والنبوة.

والتراث في معناه الاصطلاحي العام: هو كل ما أثمره العقلُ البشري في مختلف مناحي الحياة الفكرية والمادية والمعنوية، وذلك من خلال التفاعل والحراك الفكري والاجتماعي، وصار ميراثًا للأبناء من الآباء، سواء أكان ميراثًا عمرانيًّا وماديًّا، أم كان لغةً أو فكرًا، أو عادات وتقاليد، أو تجارب وخبرات، أو علاقات اجتماعية...... إلخ.

وعلى ذلك فالتراث أنواع شتى: فثمة تراث فكري، وتراث معماري، وتراث شعبي، وتراث فني....إلخ. ولا يعنينا من بين تلك الأنواع المتباينة سوى التراث الفكري، الذي تنوعت تعريفاته تنوعًا لافتًا للنظر، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
-----------------------

· أنه يتمثل في الآثار المكتوبة الموروثة التي حفظها التاريخ كاملة أو مبتورة. وليست هناك حدود معينة لتاريخ أي تراث كان، فكل ما خلَّفه مؤلفٌ من إنتاج بعد حياته يعدُّ تراثًا فكريًّا.
· وقيل: هو كل ما وصل إلينا مكتوبًا في أي علم من العلوم، أو فنٍّ من الفنون، أو بعبارة أخرى: فهو كل ما خلَّفه العلماء في فروع المعرفة المختلفة؛ ولهذا فالتراث ليس محدّدًا بتاريخ معين.
· وقيل: هو حصيلة ضخمة من التجارب والممارسات بأشكالها المختلفة ومناحيها المتعددة التي تهتم بالحياة الفكرية والدينية والدنيوية لأمة من الأمم؛ ولذلك فهو يمثل فكرها وعقلها وشخصيتها، بل هو ما يميزها عن غيرها من الأمم.

وأما مفهوم التراث العربي والإسلامي:
-------------------------

فحين نقول: التراث العربي، فلا بدَّ أن ننتبه إلى أن العروبة هنا عروبةُ لغة ولسانٍ وليست عروبة جنس أو مكان، فكل كتاب كُتِب باللغة العربية التي نزل بها القرآن، يعدُّ كتابًا عربيًّا، بغض النظر عن الأصل العرقي الذي ينحدر إليه كاتبُهُ، وبصرف النظر عن المكان الذي أُلِّف فيه.

أما مصطلح "التراث الإسلامي": فهو مصطلح شامل يتسع لكل ما أنتجته الحضارةُ الإسلامية والمجتمعاتُ المنتمية لها من تراث سواء أكان بالعربية أم التركية أم الفارسية، أم غيرها من لغات اصطنعها المسلمون في صياغة إنتاجهم المعرفي.

والأمر هنا لا يقتصر بالضرورة على الإنتاج المعرفي في العلوم الشرعية وحدها كالتفسير والحديث والفقه ونحو ذلك، بل يتسع ليشمل كل ما خلَّفه العلماء المسلمون عبر العصور من مؤلفات في مختلف فروع المعرفة، وبشتى اللغات، وفي كل بقعة من بقاع الأرض بلغتها دعوةُ الإسلام.

فمن حيث الموضوع، تندرج مؤلفاتُ جابر بن حيّان الكيميائية، ومؤلفات الخوارزمي الرياضية، ومؤلفات الرازي وابن سينا الطبية، ومؤلفات الإدريسي والمقدسي الجغرافية، تحت عنوان التراث الإسلامي. ومن حيث اللغة، تعدُّ مؤلفات الفردوسي وعمر الخيام وجلال الدين الرومي تراثًا إسلاميًّا وإن كُتبت بالفارسية، وتُلْحق كتاباتُ ابن كمال باشا وآشق باشا بالتراث الإسلامي رغم تدوينها بالتركية. ومن حيث المكان، تمثل مؤلفات العلماء في الأندلس وفارس وإفريقيا وجمهوريات ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي لبناتٍ متألقة في صرح التراث الإسلامي[2].

وتأسيسًا على ما تقدَّم، يسعنا أن نقرِّر أن التراثَ العربي الإسلامي هو مجموع ما يدلُّ عليه ويشمله هذان المفهومان الكبيران، أي: التراث العربي، والتراث الإسلامي.



حركة التدوين والترجمة: من النشأة إلى الاستقرار:
------------------------------

من المعلوم أن الرواية الشفوية كانت هي الطريقة الأولى التي اتبعها العرب لنشر العلم. وقد اقترنت الرواية العربية منذ اللحظة الأولى بالحرص البالغ والدقة الكاملة والأمانة منقطعة النظير؛ لأن الدين يدعو إلى ذلك؛ ولأن كثيرًا من نصوص القرآن والسنة تحثُّ عليه، فالتزم القوم الأمانة والحرص حين تصدوا لرواية كلام الله تعالي وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنهم التزموا تلك الخطة إلى حدٍّ كبير حين رووا أشعار الجاهليين وأيام العرب ووقائعهم.

ولم تنتشر الكتابة في العرب إلا مع ظهور الإسلام، فقد ظهر كُتّاب الوحي، الذين أحصاهم بعض العلماء فبلغوا أكثر من أربعين من الصحابة، رضي الله عنهم. وقد ظل أمر الكتابة مقصورًا على كتابة آيات القرآن، وكتابة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في زمان بني أمية، وبدأت انطلاقة كبرى في الكتابة والتدوين، وبخاصة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ فقد ظل عمر يستخير الله أربعين يومًا في تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذِن للقاضي أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في جمع الأحاديث وتدوينها في كتاب بعث به إلى الأمصار.

وظهرت جهود تدوينية أخرى في العصر الأموي تتمثل فيما تُرجم لخالد بن يزيد بن معاوية من علوم اليونان، وما ألّف هو في الطب، وما ألّفه عَبِيد بن شَرِيَّة لمعاوية من أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها، وما ألّفه وهب بن منبه من كتاب التيجان في ملوك حمير، وغيرها من المؤلفات التي ظهرت في هذا الوقت المبكر.

ثم تنهض حركة التأليف في عصر الدولة العباسية، وتظهر الكتب في شتى العلوم الشرعية محتفظةً بالطابع الذي غلب على المحدِّثين، وهو إسناد الرواية إلى مؤلف الكتاب. وقد أخذ العلماء يضعون القواعد ويؤصلون المبادئ، وكان من نتيجة هذه الحركة العلمية الناشطة أن ظهرت علوم جديدة، دارت في البداية حول خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ثم ما لبثت أن أضحت علومًا مستقلة، لها لغتُها الخاصة ورجالها المشتغلون بها العاكفون على فحص مسائلها وقضاياها.

وقد واكب حركةَ التدوين الجديدة في العصر العباسي حركةُ ترجمة العلوم ونقلها إلى العربية؛ حيث أولى الخلفاء ووزراؤهم ورجال الدولة أمرَ الترجمة عناية بالغة؛ فتُرجمت علوم اليونان والفرس والهنود، واستوعبت الترجمةُ ألوانًا شتى من المعارف والعلوم، فترجمت الكتب العلمية والفلسفية بل وحتى الأدبية، واشترك في الترجمة جمهور كبير من المترجمين على اختلاف أجناسهم وعقائدهم، فكان منهم الفرس والهنود والسريان وغيرهم، وأُغْدِقت عليهم الأموال، وأنفق في طلب الكتب من كل ناحية أعظم المساعي.

وكان لحركة الترجمة أحسنُ الأثر في حفظ تراث هذه الأمم وحمايته من الاندثار؛ وقد أضفى عليها مزيدًا من الأهمية والخطورة ضياعُ معظم المؤلفات اليونانية، بحيث لم يبق منها سوى الترجمات العربية، وهو الأمر الذي حدا بالأوربيين في العصور اللاحقة إلى ترجمة تلك الكتب إلى لغاتهم مرة أخرى، مع استفادتهم من الشروح العربية عليها.

وقد بلغت حركة التأليف والكتابة والترجمة أوجَ نضجها وازدهارها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ولا سيما بعد أن عرف المسلمون صناعة الورق، وهي الصناعة التي ازدهرت في بغداد أول الأمر، ثم لم تلبث أن عرفت طريقها إلى سائر العواصم الإسلامية في المشرق والمغرب[3].

وعلى هذا النحو، يمكن القول: إن التاريخ الإسلامي المبكر شهد بداية حركة التدوين؛ بالإقبال على تدوين القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف، ثم اتسعت دائرة التدوين لتشمل العلوم والمعارف الأخرى. أما حركة التأليف والترجمة فبلغت أوج ازدهارها في العصر العباسي [4]، وهذه سُنَّة النشوء؛ إذ يبدأ الشيء صغيرًا ثم يتدرج مع الأيام نموًّا واكتمالاً، وكلما مرت الأيام كانت خطوات التقدم أوسع من ذي قبل[5].

وبطبيعة الحال، ليس من غايتنا في هذه الورقة المـُركَّزة أن نستقصي تطور حركة التدوين والتأليف متعقبين ما طرأ عليها من ألوان التحول والتطور داخل كل علم على حدة، أو داخل كل فرع من فروع المعرفة الإسلامية، بعد أن تمايزت العلوم وتشعبت المعارف، وحازت صفة الاستقلال؛ ومن ثم فسوف نكتفي بما أسلفنا من حديث عن نشأة تلك الحركة وازدهارها في الحضارة الإسلامية، صارفين جهدَنا إلى مسألة أخرى نحسبها أكثر أهمية وأعظم خطورة، ألا وهي التنوع المعرفي للتراث العربي والإسلامي، وهي موضوع الصفحات الآتية.



التنوع المعرفي للتراث العربي الإسلامي:
----------------------

اهتم العلماء العرب والمسلمون بتأليف الكتب في شتى فروع المعرفة، على نحو أدى إلى إثراء تراثهم وإكسابه صفة التنوع والاختلاف. وكان لهذا التنوع في ميدان التأليف أسباب موضوعية نذكر منها: حثّ الإسلام على العلم والتعلم والإقبال على المعرفة، واتساع رقعة الدولة الإسلامية وامتدادها الزمني الطويل، وانفتاح المسلمين على كثير من الحضارات، واحتضانهم لكثير من أبناء تلك الحضارات.

لقد تنوعت المؤلفات التي وضعها العلماء والأدباء وكتاب العرب والمسلمين منذ بداية حركة التأليف، بتنوع المجالات المعرفية والموضوعات العلمية المتداولة في كل فترة من فترات الحضارة الإسلامية، فكانت هناك المؤلفات العامة التي تجمع عدة موضوعات في عمل واحد، والمؤلفات الأدبية، والمؤلفات الشعرية التي تتحدث عن الشعر والشعراء وأخبارهم، والمؤلفات اللغوية، والمؤلفات الدينية التي تعالج القضايا الإسلامية من تفسير وفقه وحديث وغيرها، والمؤلفات التاريخية، وكتب التراجم التي تترجم للعلماء والأدباء والشعراء والفقهاء وغيرهم[6]، والمؤلفات العلمية في الطب والهندسة والصيدلة وغيرها.

وقد واكب نمو حركة التأليف وتشعب مجالات المعرفة، محاولةُ نفر من العلماء إحصاء العلوم وتصنيفها، وهي محاولة بدأت مبكرًا، وقدَّمت لنا أولى تجاربها الناضجة في كتاب "الفهرست" لمحمد بن إسحاق النديم (ت380هـ). ويمثل هذا الكتاب رؤية شاملة للتراث العرب الإسلامي حتى عصر مؤلِّفه؛ إذ يحوي لائحة مصنفة ومفصلة بأسماء المؤلفين ـــــ سواء أكانوا من السابقين عليه أم ممن عاصروه، وسواء أكانوا مسلمين أم ممن اعتنقوا ديانة أخرى غير الإسلام ـــــ وعناوين كتبهم، بالإضافة إلى الترجمة لهم والتعريف بالملامح العامة لحياتهم؛ فهذا الكتاب معين لا ينضب من المعارف والأخبار التي تمنحنا تصورًا عامًّا عن حركة التأليف في التراث العربي الإسلامي حتى نهاية القرن الرابع الهجري[7].

وقد قسم النديم كتابه إلى عشرة أقسام، وسمَّى كل قسم منها "مقالة"، ثم قسم كل مقالة إلى عدة فنون بلغ مجموعها 33 فنًّا، وذلك على النحو الآتي:

المقالة الأولى: في وصف لغات الأمم، وفي أسماء كتب الشرائع المنزلة، وفي أوصاف القرآن، المقالة الثانية: في النحويين واللغويين، المقالة الثالثة: في الأخبار والآداب والسير والأنساب، المقالة الرابعة: في الشعر والشعراء، المقالة الخامسة: في الكلام والمتكلمين، المقالة السادسة: في الفقه والفقهاء والمحدِّثين، المقالة السابعة: في الفلسفة والعلوم القديمة (الهندسة والموسيقى والحساب.....)، المقالة الثامنة: في الأسمار والخرافات والعزائم و***** والشعبذة، المقالة التاسعة: في المذاهب والاعتقادات، المقالة العاشرة: في الكيمائيين والصنعويين [8].

ويقوم منهج النديم في التأليف على التعريف بكل علم من العلوم، ثم الترجمة للمؤلفين الذين صنفوا في هذا العلم، ثم سرد أسماء كتبهم، ثم وصف كل كتاب وصفًا موجزًا.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من المؤلفات التي ذكرها النديم لم تصلنا، فإن كتابه يبقى من بين المصادر التي لا يستغني عنها دارس للتراث العربي الإسلامي؛ للتعرف على المؤلفين ومصنفاتهم، إضافة إلى كونه وثيقة شاملة تبين مقدار ما وصلت إليه الحياة العقلية والفكرية في العالم الإسلامي من نضج وأصالة، حيث ضمّ معلومات عن أكثر من 6000 كتاب ورسالة [9].

وفي القرن العاشر الهجري قدَّم العالم التركي طاش كبري زاده (968هـ) محاولة جديدة في مجال تصنيف العلوم، وبيان التنوع المعرفي للتراث العربي الإسلامي، وهي المحاولة التي يمثلها كتابُه المهم "مفتاح السعادة ومصباح السيادة". وقد تحدث فيه عن العلوم وأقسامها وفروعها، فذكر كيف تفرعت العلوم، وعلاقة كل علم بغيره من العلوم، وقسَّم كتابه إلى شعب وفروع. وقد بلغ عدد العلوم في إحصائه نحو 300 علم قسمها إلى ستة أبواب. وعندما يذكر العلم يعرّفه ويبين حدوده، ويبحث في تاريخه بحثًا نقديًّا، ثم يشير إلى أشهر المؤلفات الموجودة في هذا العلم.

وقد بدأ طاش كبري زاده كتابه بأربع مقدمات:
(1) المقدمة الأولى: في بيان فضيلة العلم والتعلم والتعليم.
(2) المقدمة الثانية: في شرائط المتعلم ووظائفه.
(3) المقدمة الثالثة: في وظائف المعلم.
(4) المقدمة الرابعة: في بيان النسبة بين طريق النظر وطريق التصفية.
وبعد أن فرغ طاش كبري زاده من تلك المقدمات الأربع، كتب مقدمة خامسة في بيان حصر العلوم على الإجمال، ثم شرع بعد ذلك في تفصيل الكلام على تلك العلوم علمًا علمًا.
وقد قسم طاش كبري زاده الكتاب إلى أربع مراتب:
في الأعيان، في الأذهان، في العبارة، في الكتابة، ثم قسم هذه المراتب على سبع دوحات:
(1) في الكتابة، الدوحة الأولى: في بيان العلوم الخَطِّية، وذكر لها شعبتين: في الصناعة الخطية وفي إملاء الحروف المفردة.
(2) في العبارة، الدوحة الثانية: في بيان الالفاظ، وذكر لها ثلاث شعب: في المفردات، والمركبات، وفي فروع العربية.
(3) في الأذهان، الدوحة الثالثة: في بيان المعقولات، وذكر لها شعبتين: في علوم تَعْصِم عن الخطأ في الكسب، وفي علوم تَعْصِم عن المناظر والدرس.
(4) في الأعيان، الدوحة الرابعة: في العلم المتعلِّق بالأعيان، وذكر لها عشر شعب: خمسًا في العلم الإلهي والعلم الطبيعي والعلوم الرياضية وعلم الهيئة وعلم الموسيقى، وخمسًا في فروع هذه العلوم.
(5) في الأعيان، الدوحة الخامسة: في الحكمة العملية، وذكر لها أربع شعب: في علوم الأخلاق، وفي علم تدبير المنزل، وفي علم السياسة، وفي فروع هذه العلوم.
(6) في الأعيان، الدوحة السادسة: في العلوم الشرعية، وذكر لها ثماني شعب: في علم القراءة، وعلم رواية الحديث، وعلم تفسير القرآن، وعلم دراية الحديث، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلم الفقه، وفي فروع هذه العلوم.
(7) في الأعيان، الدوحة السابعة: في علوم الباطن، وذكر لها أربع شعب: في العبادات، وفي العادات، وفي المـُهْلِكات، وفي المنجِيات [10].
وهناك أيضا كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت 1067هـ)، وهو معجم كبير في عناوين الكتب العربية وبعض الكتب التركية والفارسية، أورد فيه نحوًا من 14500 كتاب ذاكرًا اسم مؤلفه، وسنة وفاته، وموضوع الكتاب أو شيئًا من مقدمته، وعدد مجلداته أو أوراقه أو كراريسه، وقد يسترسل حاجي خليفة فيذكر ما وضع عليه من الشروح والتعليقات والاختصارات، وقد صدَّر الكتاب بمقدمة طويلة عن ماهية العلم وموضوعاته وغايته وتقسيمه وعن منشأ العلوم. وقد أورد حاجي خليفة في هذا الكتاب أكثر من 300 علم[11].

وفي العصر الحديث تصادفنا بعضُ الكتب المهمة التي ابتغى واضعوها إلقاء ضوء ساطع على الإنتاج الفكري للحضارة العربية الإسلامية، ولعل أبرزها كتابان مشهوران:

أولهما: "تاريخ الأدب العربي" للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، الذي حاول في كتابه مسح الحياة الثقافية والفكرية للعرب والمسلمين منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث.
ولايقتصر مفهوم كلمة (الأدب) عند بروكلمان على نطاق الشعر والنثر، ولكنه يتسع ليشمل كل النشاطات الفكرية والثقافية والفنية التي يمارسها الإنسان؛ وكل فروع العلم والفلسفة والفن، بالإضافة إلى الشعر والنثر[12].
وقد قسَّم بروكلمان الأدب العربي في كتابه إلى فترتين أساسيتين، تستغرق كل فترة مجلدًا كاملاً، هما:
· المجلد الأول: قسَّمه إلى كتابين:
(1) الكتاب الأول: أدب الأمة العربية من أوَّليَّته إلى سقوط الدولة الأموية:
- من العصر الجاهلي حتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلِّم.
- عصر صدر الإسلام.
- العصر الأموي.
(2) الكتاب الثاني: الأدب الإسلامي باللغة العربية:
- من مطلع الدولة العباسية حتى نهاية القرن الرابع الهجري (الفترة الكلاسيكية).
- من بداية القرن الخامس الهجري حتى سقوط بغداد 656هـ (ما بعد الكلاسيكية).
· المجلد الثاني:
- من سقوط بغداد (الاجتياح المغولي) حتى الفتح العثماني لمصر 1517م.
- الحكم العثماني حتى دخول نابليون مصر 1798م.
- من الحملة الفرنسية حتى سنة 1900م.
وقد ذكر بروكلمان في كتابه نحو عشرين ألف عنوان لمؤلفات في مختلف فروع العلم والمعرفة.

ثانيهما: "تاريخ التراث العربي" للعالم التركي فؤاد سزكين. وكانت خطة المؤلف في البداية تقوم على وضع ملحق لكتاب بروكلمان؛ ليتدارك ما فاته من مواد ويصحح أخطاءه وهفواته، ويضيف ما وقف عليه من معلومات، وما اكتشف بعد وفاة بروكلمان، غير أن سزكين انتهى إلى إعداد عمل جديد مستقل عن كتاب بروكلمان، فراجع كل ما ذكره بروكلمان وأضاف إليه معلومات جديدة مكملة [13].
أصدر سزكين كتابه باللغة الألمانية في تسعة مجلدات، نشرتها دار بريل (ليدن)؛ حيث صدر الجزء الأول منها سنة 1967م، ثم توالى صدور مجلدات الكتاب حتى سنة 1984م.

· المجلد الأول: القرآن، الحديث، التدوين التاريخي، الفقه، العقائد، التصوف.
· المجلد الثاني: الشعر.
· المجلد الثالث: الطب، الصيدلة، علم الحيوان، البيطرة.
· المجلد الرابع: السيمياء، الكيمياء، النبات، الفلاحة.
· المجلد الخامس: الرياضيات.
· المجلد السادس: علم الفلك.
· المجلد السابع: علم الفلك.
· المجلد الثامن: علم اللغة.
· المجلد التاسع: النحو.
ثم أصدر سزكين خمسة مجلدات جديدة عن معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت، ومجلدًا لكشافات الأجزاء التسعة الأولى .

· مجلد: كشافات للأجزاء 1-9، صدر سنة1995م.
· المجلدات العاشر، الحادي، الثاني عشر: الرياضيات الجغرافية والخرائطية في التراث الإسلامي ووجودها المستمر في الغرب [مجلدان للنصوص، والثالث للخرائط]، سنة 2000م.
· المجلد الثالث عشر: الرياضيات الجغرافية والخرائطية في التراث الإسلامي وتواجدها المستمر في الغرب [المؤلِّفون]، سنة 2007م.
· المجلد الرابع عشر، الخامس عشر: الجغرافية البشرية، 2010م.


العلماء الموسوعيون والتنوع المعرفي للتراث:

بعد هذه الإطلالة السريعة على بعض المؤلفات التي حفظت لنا هذا الكمَ الهائل من المعلومات والأخبار عن التراث العربي الإسلامي، ولفتَتْ أنظارَنا إلى التنوع العلمي والمعرفي الذي اتسم به هذا التراث، نود أن نشير إلى صورة أخرى من صور التنوع المعرفي للتراث، ألا وهي تنوع العطاء العلمي للعالم المسلم وشموله عدة ميادين معرفية؛ فما أكثر العلماء الذين رُزِقوا التبحر في عدة علومٍ، واشتهروا بتدريس مسائلها وقضاياها مع العناية بالتأليف فيها جميعًا، رغم أنها تنتمي إلى دوائر علمية تبدو متنافرة.

فهناك على سبيل المثال:

- الطبري (ت 310هـ): المفسر، المؤرخ، الفقيه، المحدث، ألف في التفسير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" وهو عمدة كتب التفسير، وفي التاريخ "تاريخ الرسل والملوك"، وفي الفقه "اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام"، وفي الحديث "تهذيب الآثار".
- ابن سينا (ت 428هـ): وكان طبيبًا وفيلسوفًا ورياضيًّا، ألّف في الطب "كتاب القانون" وغيره، وفي الفسلفة "الإشارات والتنبيهات"، وفي الرياضيات "مختصر إقليدس"، وغيرها من المؤلفات.
- أبو الريحان البيروني (ت 440هـ): الفيلسوف الرياضي الفلكي المؤرخ الجغرافي، من أشهر مؤلفاته: "التفهيم في علوم التنجيم"، و"القانون المسعودي في الهيئة والنجوم"، و"الآثار الباقية عن القرون الخالية"، و"تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، وغيرها.
- أبو الوليد ابن رشد (ت 595هـ): الطبيب الفيلسوف المتكلم، من مؤلفاته: "شروحه وملخصاته لكتب أرسطاليس"، و"فصل المقال وتقرير ما بين الشريعه والحكمه من الاتصال"، وفي "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، "تهافت التهافت" وغيرها.
- ابن النفيس (ت687هـ): الطبيب الصيدلي والفقيه المحدِّث، من مؤلفاته: "الشامل في الصناعة الطبية"، و"شرح تشريح القانون"، و"المختصر في علوم الحديث".
- ابن خلدون (ت 808هـ): الفقيه، المؤرخ، المتكلم، من مؤلفاته: "لباب المحصل في أصول الدين"، "شفاء السائل لتهذيب المسائل" في التصوف، وكتابه الأشهر في التاريخ "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، ولهذا الكتاب مقدمته الشهيرة التي ذاع سيطها وانتشرت انتشارًا كبيرًا، والتي عرفت بـ"مقدمة ابن خلدون".
- جلال الدين السيوطي (ت911هـ): العالم الموسوعي الذي ما ترك علمًا ولا فنًّا من فنون العلم إلا وله فيه مؤلف، فقد ألف في علوم القرآن "الاتقان في علوم القرآن"، وفي التفسير "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، أصول الفقه "الأشباه والنظائر"، النحو "الأشباه والنظائر"، علوم اللغة "المزهر في علوم اللغة وأنواعها"، علوم الحديث "الألفية في علوم الحديث"، التراجم "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة"، التاريخ "تاريخ الخلفاء"، البلاغة "عقود الجمان في علوم المعاني والبيان" في الحديث: "شرح صحيحي البخاري ومسلم"، وغيرها الكثير حتى قيل إن مؤلفاته زادت على الثلاثمائة كتاب ورسالة، عدَّ له بروكلمان (415) مؤلفًا، وأحصى له حاجي خليفة (576) مؤلفًا، ووصل بها البعض إلى (600) مؤلف.
- ابن كمال باشا (ت 940هـ): لم يترك بابًا من العلوم إلا ودخلَهُ، ولم يغادر علمًا أو فنًّا إلا وله فيه مصنفٌ أو رسالةٌ، فلا عجبَ أن يفوقَ تعدادُ رسائله ومؤلفاته مائةً وعشرين، ما بين متن وشرح وحاشيةٍ ورسالة، ولم يقتصر فيها على اللغة العربية، بل إنه ألَّفَ وصنَّفَ بالفارسية والتركية أيضًا.
فمن مؤلفاته: في الفقه "إيضاحُ الإصلاحِ في فقه الإمام أبي حنيفة"، في أصول الفقه "تنقيح التنقيح"، وله تفسير للقرآن وصل فيه إلى سورة الصافات، وفي البلاغة "شرح المفتاح للسكاكي"، وفي الفلسفة والمنطق "حاشية على شرح الطوسي للإشارات لابن سينا"، وفي الحديث له شرح على صحيح البخاري، وفي التاريخ "تاريخ آل عثمان"، وقد ترجم كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي" إلى التركية، وله مجموعات كبيرة من الرسائل في اللغة والعقيدة وعلم الكلام وفي الوعظ والتصوف.



كتب التراجم: التنوع المعرفي للتراث الإسلامي في أروع صوره:

من مظاهر التنوع المعرفي للتراث العربي الإسلامي تنوعُ أنماط التأليف داخل بعض العلوم والفنون، وحسبنا في الاستدلال على تلك الصورة من صور التنوع أن نشير إلى "فن التراجم".

ومن المعلوم أن التراجم هي: نوع من الأنواع الأدبية التي تتناول التعريف بحياة رجلٍ نابهٍ أو أكثر، تعريفًا يطول أو يقصر، ويتعمق أو يبدو على السطح تبعًا لحالة العصر الذي كتبت فيه الترجمة، وتبعًا لثقافة كاتب الترجمة ومدى قدرته على رسم صورة واضحة ودقيقة من مجموع المعارف والمعلومات التي تجمعت لديه عن المُتَرْجَم له[14].

والناظر إلى كتب التراجم يجد عددًا هائلاً من المؤلفات في هذا الفن، إضافة إلى التنوع والإبداع في كتابتها، وعليه فهي "تعد من المصادر التي لا يستغني عنها أي باحث مهما كان نوع دراسته، وضرورتها في العلوم الإنسانية أشد إلحاحًا في غيرها من العلوم؛ ذلك لأن معظم ما يدرس من قضايا وتيارات واتجاهات يتصل بأشخاص، ودراسة هؤلاء الأشخاص لا تنفصل عن دراسة هذه الأمور"[15].



وتنقسم كتب التراجم إلى قسمين كبيرين:

(1) كتب التراجم العامة:
وهي التي تتناول المشاهير دون تحيز تاريخي أو موضوعي أو جغرافي واضح، وهي من أكثر كتب التراجم تأليفاً، ومن أبرز أمثلتها:

- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان،لابن خلكان (ت 681هـ).

- سير أعلام النبلاء، الذهبي (ت 748هـ).

- فوات الوفيات، لابن شاكر الكتبي (ت764هـ).

- الوافي بالوفيات، للصفدي (ت 764هـ).

ومن الكتب الحديثة:

- الأعلام، لخير الدين الزركلي (ت 1976م).

- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة (ت 1987م).

ونستطيع أيضا أن نضع تحت هذا القسم:

1/ كتب التراجم المفردة: والتي تؤلف في علم واحد، ومن أمثلتها:
- "مناقب أمير المؤنين عمر بن الخطاب" لابن الجوزي (ت597هـ).

- "جواهر الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي (ت902هـ).

2/ كتب التراجم الذاتية: والتي يكتبها الإنسان عن نفسه، ومن أمثلتها:
- ترجمة السيوطي لنفسه في كتابه "التحدث بنعمة الله"، وترجمة ابن خلدون لنفسه في كتابه "التعريف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا".



(2) كتب التراجم المتخصصة:
وهي تلك الكتب التي تترجم للأعلام حسب فئاتهم الزمنية أو الموضوعية أو الجغرافية أو غير ذلك من أنماط التخصص. وتنقسم إلى ثلاثة أقسام أو أنماط هي:

أ- كتب التراجم المرتبة على القرون:

وهي تلك الكتب التي تترجم لأعلام كل حقبة زمنية أو كل قرن على حدة بغض النظر عن اهتماماتهم المعرفية وتخصصاتهم العلمية ومواقعهم الاجتماعية وأصولهم الجغرافية، ومن أشهر أمثلتها:

1/ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني (ت852هـ).
2/ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السخاوي (ت902هـ).
3/ الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، لنجم الدين الغزي (ت1061هــ).
4/ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، لمحمد أمين فضل الله المحبي (ت1111هـ).
ب- كتب التراجم المرتبة على بلدان المُتَرْجَمين: مثل:

1/ أخبار مكة، للأزرقي (ت نحو 250هـ).

2/ تاريخ المدينة، لعمر بن شَبَّة (ت262هـ).

3/ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (ت463هـ).

4/ تاريخ دمشق، لابن عساكر (ت571هـ).

ج- كتب التراجم المرتبة وفقًا للاهتمامات العلمية والمعرفية للمُتَرْجَمِين: وهي التي تترجم للأعلام بحسب انتماءاتهم العلمية أو المذهبية أو العقدية أو غيرها. ومن أمثلتها:

1/ تراجم الصحابة: مثل: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ).

2/ تراجم القراء: مثل: معرفة القراء الكبار، للذهبي (748هـ).

3/ تراجم المفسرين: مثل: طبقات المفسرين، للسيوطي (ت911هـ).

4/ تراجم المحدِّثين: مثل: التاريخ الكبير، للبخاري (ت256هـ).

5/ تراجم أصحاب المذاهب الفقهية:

تراجم الفقهاء الحنفية: مثل: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، للقرشي (ت775هـ)

تراجم الفقهاء المالكية: مثل: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض (ت544هـ).

تراجم الفقهاء الشافعية: مثل: طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين السبكي (ت771هـ).

تراجم الفقهاء الحنابلة: مثل: طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى الفراء (526هـ).

6/ تراجم أصحاب المذاهب العقدية:

تراجم الشيعة: مثل: أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين (ت1371هـ).

تراجم المعتزلة: طبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار (ت415هـ).

7/ تراجم اللغويين والنحاة: مثل: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي (ت911هـ).

8/ تراجم الأدباء والشعراء: مثل:

طبقات فحول الشعراء، لابن سلام الجمحي (ت 232هـ).

الشعر والشعراء، لابن قتيبة (ت276هـ).

إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، لياقوت الحموي (626هـ).

9/ تراجم الأطباء والحكماء: مثل:

عيون الأطباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة (ت668هـ).

إخبار العلماء بأخبار الحكماء، للقفطي (ت646هـ).



وقبل أن أدع هذا المقام أحب أن أنوه على أمرين مهمين [16]:

أولهما: "أنه لا يُغني كتابٌ عن كتاب".

فقد شاع في كتابات بعض الدارسين المحدَثين أن كتب التراث ذات الموضوع الواحد، تتشابه فيما بينها، وأن غاية اللاحق أن يَدخل على ما تركه السابق، يدور حولَه، ويردّد مباحثه وقضاياه. وبعضهم يدعو إلى غربلة التراث وتصفيته؛ بالإبقاء على النافع المفيد - في زعمه - وترك ما عداه، فإن قلنا له ماذا نأخذ وماذا ندع؟ لم يرد، وبعضهم يقول: نقف عند القرون الخمسة الأولى؛ لأنها قرون الإنتاج والإبداع، ونقول له: إن القرون اللاحقة قد أضافوا إلى ميراث تلك القرون السابقة إضافات صالحة، وشرحوا ما غمض، واستخرجوا من علم الأوائل علمًا آخر، مصبوغًا بصبغتهم، ملبيًّا حاجات عصرهم.

وعلى سبيل المثال، فإن القرن الثامن قد شهد ابن تيمية، والذهبي، وابن كثير، والمزي، وتقي الدين السبكي وولده تاج الدين، والصفدي، واللغوي الجامع ابن منظور، وإمامي النحو: أبي حيان وابن هشام.

وإن القرن التاسع قد شهد ابن حجر العسقلاني، وابن الجزري، وابن خلدون، والمقريزي، والعاشر شهد السخاوي والسيوطي، فإذا جئنا إلى القرن الحادي عشر، وهو الموسوم دائمًا بعصر الانحطاط والانحدار الفكري والثقافي، رأينا شهاب الدين الخفاجي صاحب المصنفات الكبيرة: حاشية على تفسير البيضاوي، وشرح درة الغواص للحريري، وغيرها، ورأينا عبد القادر البغدادي، صاحب "خزانة الأدب" وهي من مفاخر التأليف العربي.

وفي القرنين الثاني عشر والثالث عشر، نلتقي بعلمين كبيرين: المرتضى الزبيدي صاحب "تاج العروس"، والشوكاني صاحب "نيل الأوطار".

فانظر هذه الكوكبة من العلماء ومؤلفاتهم، هل نتركهم لمجرد كونهم متأخرين؟

والثانية:" التراث العربي الإسلامي كتاب واحد".

بمعنى أن هذا التراث متشابك الأطراف كأنه وحدة واحدة، فمع الإقرار بنظرية التخصص، وانفراد كل فن من فنون التراث بطائفة من الكتب والمؤلفات، فإننا قلّ أن نجد كتابًا من هذه الكتب مقتصرًا على الفن الذي يعالجه، دون الدخول إلى بعض الفنون الأخرى، ونضرب لذلك مثلا بعلم النحو، فليست مسائله في كتب النحو فقط؛ ففي كتب التفسير والقراءات نحوٌ كثير، وفي كتب الفقه وأصوله نحوٌ كثير، وفي معاجم اللغة، وكتب البلاغة، وشروح الشعر نحوٌ كثير، بل إننا نجد في بعض كتب السير، والتاريخ، والأدب وغيرها، من مسائل النحو ما لا نكاد نجد بعضَه في كتب النحو المشهورة المتداولة. ولنقرأ: الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، ورسالة الغفران للمعري، والروض الأنف للسهيلي، وغيرها، ثم ننظر كم من مسائل النحو أفدنا.

-------------------------------

المصادر والمراجع:

· تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان، ترجمة مجموعة، 10 مجلدات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.
· تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين (الأجزاء 1،2،8)، ترجمة محمود فهمي حجازي، عرفة مصطفى، 11 مجلد، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1983 – 1991م.
· تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين، رمضان عبد التواب، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط2، 2002.
· التراث العربي، عبد السلام هارون، سلسلة كتابك عدد 35، القاهرة، دار المعارف،1978.
· التراجم والسير، محمد عبد الغني حسن، القاهرة، دار المعارف، ط3، 1980.
· الفهرست، لمحمد بن إسحاق النديم، تحقيق أيمن فؤاد سيد، لندن، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ط1، 2009.
· كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة، تصحيح محمد شرف الدين يالتقايا، مصورة دار إحياء التراث العربي بيروت.
· المدخل إلى المراجع العربية والعامة، عبد الجبار عبد الرحمن، جامعة البصرة، كلية الآداب، 1990.
· المصادر العربية والمعربة، محمد ماهر حمادة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 6، 1987.
· مع المكتبة العربية، عبد الرحمن عطبة، بيروت، دار الأوزاعي، 1986م.
· مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبري زاده، تحقيق عبد الوهاب أبو النور وكامل بكري، القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1968م.
· مقدمة في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، مفتاح محمد دياب، دمشق، دار قتيبة، ط1، 2004.
· مناهج التأليف عند العلماء العرب (قسم الأدب)، مصطفى الشكعة، بيروت، دار العلم للملايين، ط 6، 1991.
· الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم، محمود محمد الطناحي، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1985.
· نحو علم مخطوطات عربي، عبد الستار الحلوجي، القاهرة، دار القاهرة، 2004.
· نحو منهج للتعامل مع التراث الإسلامي، محيي الدين عطية، بيروت، مجلة الاجتهاد، ع24، السنة 6، 1994.
· هذا هو تراثنا، عبد الستار الحلوجي، القاهرة، مجلة تراثيات العدد الأول يناير 2003.
__________________




[1] لمعرفة المزيد عن هذه المفاهيم انظر: التراث العربي، لعبد السلام هارون ص 3-5؛ مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين، لرمضان عبد التواب ص 8؛ نحو منهج للتعامل مع التراث الإسلامي، لمحيي الدين عطية ص157 – 161؛ نحو علم مخطوطات عربي، لعبد الستار الحلوجي ص 9.

[2] هذا هو تراثنا، عبد الستار الحلوجي، مجلة تراثيات العدد الأول يناير 2003، ص19.

[3] مقدمة في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، مفتاح محمد دياب، ص 67.

[4] نفسه، ص71.

[5] مناهج التأليف عند العلماء العرب (قسم الأدب)، مصطفى الشكعة، ص55.

[6] مقدمة في تاريخ العلوم، ص 72.

[7] المصادر العربية والمعربة، محمد ماهر حمادة، ص34. بتصرف .

[8] الفهرست، لمحمد بن إسحاق النديم، تحقيق أيمن فؤاد سيد، 1/1ص 4 – 8.

[9] المدخل إلى المراجع العربية والعامة، عبد الجبار عبد الرحمن، ص 230.

[10] راجع مقدمة الكتاب؛ فإن فيها شرحًا مفصلا عن تقسيم الكتاب.

[11] مع المكتبة العربية، عبد الرحمن عطبة، ص 77 – 79، بتصرف.

[12] المدخل إلى المراجع العربية والعامة، ص 234.

[13] السابق، ص 235 – 236.

[14] التراجم والسير، محمد عبد الغني حسن، ص 9.

[15] مع المكتبة العربية، ص91.

[16] مستفاد من مقدمة العلامة محمود الطناحي في مقدمة كتابه الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم، ص 24 - 39.

------------------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


l]og Ygn hgjvhe hguvfd hgYsghld hguvfn

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مدخل, التراث, العربى, الإسلامي

« وهم الإلحاد | تغيير المنكر »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشعوبية ودورها في تشويه التراث العلمي العربي Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 11-20-2012 09:58 PM
مدخل منهجي لدراسة الفكر العربي ـ الإسلامي في العصر الوسيط Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 11-17-2012 06:49 PM
علــم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 11-05-2012 02:51 PM
من مواقف طه حسين تجاه التراث الإسلامي Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 05-05-2012 12:28 PM
المرأة والحب في الثراث العربي محمد خطاب أخبار ومختارات أدبية 3 01-17-2012 09:04 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:18 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68