تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إشكالاتٌ إلحادية

إشكالاتٌ إلحادية (1) ـــــــــــ (عمار سليمان) ـــــــ 2 / 1 / 1436 هــ 26 / 10 / 2014 م ــــــــــــ المعضلة الإنسانية ---------- تواجه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-26-2014, 08:16 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة إشكالاتٌ إلحادية


إشكالاتٌ إلحادية (1)
ـــــــــــ

(عمار سليمان)
ـــــــ

2 / 1 / 1436 هــ
26 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ

إشكالاتٌ إلحادية as_00052.jpg

المعضلة الإنسانية
----------

تواجه النظرة الإلحادية عدت إشكالاتٍ و معضلات تضعها في حيز الضعف و عدم القدرة على التفسير و التعليل و من ضمن هذه المعضلات العظام (المعضلة الإنسانية) بكل تشعباتها و تفريعاتها و قد عبّر المسيري في أغلب كتابته عن هذه المعضلة مسمياً إياها بلفظ (الإنسان المتجاوز) و يعني به الانسان الذي تجاوز حدود مادته و استحال تعليل سلوكه و فكره تعليلاً ماديا صِرفاً و من هذا المنطلق كان هذا المقال ليسلط الضوء على المعاني المتجاوزة في الأبعاد الإنسانية..

العقل

يدرس العلم المادي (التجريبي) الظواهر على أساسٍ تفكيكي بحيث يقسم المادة أساسَ البحث الى أجزاءٍ صغيرة ليضعها تحت التجربة و يدرس طبيعتها و العلاقات التي تحكمها فالعلم من هذا المنظور قاصرٌ عن إدراكِ الكليات و ربطها بغايتها و من هذا المنطلق الإعتماد عليه (في رسم الخطوط العريضة للخبرة و الغاية البشرية) يعتبر قدحاً في هذا العلم ذاته و لهذا كان لابد من إستخدام أدوات و وسائل علمية أخرى ليست من طبيعة العلم المادي إستخدمها (فالعلم الطبيعي: وهو المعني بدراسة أحوال كل ما يمكن إخضاعه للحس و المشاهدة من الموجودات في العالم , فإذا ما نظرنا الى سؤال كهذا (لماذا نحتاج الى دراسة العلم الطبيعي نفسه و ما وجه الخير من ذلك) فبإدنى نظر من التأمل في مضمون هذا السؤال يتبين لنا أنه ليس مبحثاً من مباحث العلمي الطبيعي)(1).

ومن هذا المنطلق فإن دراسة العقل تعتبر من أهم الدراسات التي تبين قدرت الإنسان على تجاوز الواقع المادي و بناء أٌطر تحكمه (فهو كائن قادر على تطوير منظومات أخلاقية غير نابعة من من البرنامج الطبيعي/ المادي الذي يحكم جسده و احيتاجاته المادية و غرائزه و هو قادر على الإلتزام بها و خرقها، و هو الكائن الوحيد الذي طور نسقاً من المعاني الداخلية و الرموز التي تدرك من خلالها الواقع)(2).

ولنا هنا الحق في التساؤل من أين للإنسان أن يطور هذه المنظومات الأخلاقية و ما الجين أو الخلية المسؤولة عن هذه الافعال فمثلا يتسأل بيجوفتش (لو أن شخصا حاول إنقاذ طفل من بين الركام و عاد هذا الرجل, و الطفل ميت و الرجل على وشك الهلاك لماذا نثمن هذا الفعل و نجعل صاحبه من الابطال)(3) مع أن الواقع المادي على المستوى الجسدي كله أضرار لماذا نجعل عمله ذا قيمة هنا يأتي دور العقل ومنظومته الفطرية الرائعة التي تبين تجاوز الإنسان لواقعه المادي وبناء معاني أعلى من المنظومة المادية بكليتها..

تاه العلماء في فهم كنّ العقل و أختار المذهب الإلحادي (المادي) حصر معناه في الدماغ و إنكار أي جانب روحي يساعد على هذا النشاط , فجعلوا العقل كله عبارة عن: تفاعلات في خلايا الدماغ فهو تفاعل بيوكميائي يُصدر الانسان عنه افعاله و افكاره و سلوكه.

و هنا يقول إنجلز

"ان العالم المادي الملموس حسيا الذي ننتمي نحن اليه، هو الحقيقة الوحيدة، ان وعينا وتفكيرنا، مهما قد يبدو من الحساسية القصوى، هو نتاج للمادة، العضو الجسدي، الدماغ. ان المادة ليست نتاجا للفكر بل ان الفكرة ذاتها ليست سوى اعلى نتاج للمادة"(4).

و ليس يختلف عنه رهبان الإلحاد الجدد فهذا (سام هريس) يقول: إن الفهم العلمي (الطبيعي) للعلاقة بين النيات، والعلاقات البشرية، وأحوال السعادة الإنسانية، سيكون له تأثيره البالغ في (معرفة) طبيعة الخير والشر (الأخلاقي)، وفي معرفة الجواب المناسب للاعتداءات الأخلاقية التي يقع فيها الآخرون. فقد أمسى لدينا الكثير من الأسباب لنؤمن بأن البحث المستمر في الدائرة الأخلاقية سيفضي إلى امتزاج نظمنا الاعتقادية المختلفة على نحو ما وقع في كل مجال من مجالات العلم - على الأقل فيما بين أولئك المؤهلين لذلك الأمر(5).

و من كلامه يتضح أنه يحاول ربط الاحكام الأخلاقية العقلية بالفهم العلمي الطبيعي!.

بناءاً على الفرض السابق أن العقل مجموعة من الخلايا البيوكمياية تتفاعل بشكل محدد لتنتج فكراً و سلوكاً أضع مجموعة من الإشكالات و إلزامتها لأتباع المنهجية المادية:

1- على فرض القبول بهذا التعريف الذي يحدد أن فعل الإنسان و سلوكه و فكره عبارة عن مجموعة من الخلايا (ماذا لو إستطعنا التحكم بهذه المجموعة من الخلايا).

· إلزام هذه الاشكلية يكون في: أنه لو إستطعنا التحكم بهذه الخلايا سينتفي القصد و حرية الإرادة عند الانسان أو كما يسميها المسيري (نهاية الانسان) و عليه ستبطل الأحكام و يصبح بإمكانا بالتلاعب بهذه الخلايا أي أننا نستطيع أن غير مقهوم الإغتصاب من فعل قذر الى فعل سامي و هنا تهدم المنظومة الإنسانية بكليتها!!!.

2- على فرض القبول بإن الخلايا هي التي تنتج الفكر و سلوكه فنطرح سؤالاً (هل الإنسان متحكم أو مدرك لحركة هذه الخلايا).

· إلزام هذه الاشكالية: بما أننا نقر أننا الان لا نشاهد حركة هذه الخلايا و لا تفاعلاتها فهي خارج الحيز الإدراكي لنا و خارج سيطرتنا و عليه سيكون أي فعل يصدر من الإنسان منتفي القصد أيضا لإن حركة هذه الخلايا و تفاعلاتها خارجة عن إرادته و عن إدراكه و يترتب على هذا الإلزام نفي أي حكم بالخير أو الشر عن أي فعل إنساني لأن القصد ممتنع مع تحكم هذه الخلايا بشكل غير مُدرك على أفعال الإنسان وسلوكه !!!

و لتفنيد هذه النظر من ناحية علمية مادية أيضا ننقل رأي عالم العصبيات الشهير بانفيلد الذي رسم آليات الحواس في الدماغ و هذه تجربته:

(إن ملامسة المنطقة الخاصة بالنطق فى الدماغ تؤدى إلى فقدان مؤقت للقدرة على الكلام (حبسه) عند المريض ونظرا لانعدام الإحساس فى الدماغ فالمريض لا يدرك أنه مصاب بالحبسه إلا عندما يحاول أن يتكلم أو يفهم الكلام فيعجز عن ذلك ويروى بنفيلد ما حدث ذات مرة (أخذ أحد مساعدى يعرض على المريض صورة فراشة وضعت الالكترود (القطب الكهربائى) على قشرة المخ الخاصة بالنطق فظل المريض صامتاً للحظات ثم طقطق باصابعه كما لو كان غاضبا ثم سحبت الالكترود فتكلم فى الحال وقال: الأن أقدر على الكلام إنها فراشة لم اكن قادرا على النطق بكلمة (فراشة) فحاولت أن أنطق بكمله (عثة) التي هي شبيها بالفراشة لظن المريض أنه غير قادر النطق بإسم الفراشة) ثمّ يقول (لقد فهم الرجل بعقله الصورة المعروضة على الشاشة وطلب عقلة من مركز الكلام فى دماغه أن ينطق بالكلمة التى تقابل المفهوم الماثل فى ذهنه وهذا يعنى أن ألية الكلام ليست متماثلة مع العقل، وإن كانت موجهة منه فالكلمات هى أدوات تعبير عن الأفكار، ولكنها ليست الأفكار ذاتها وحين عجز المريض عن التفوه بالكلمة لانسداد الكلام عنده استغرب وأمر بالبحث عن اسم شىء مشابه هو (العثه) وعندما فشل ذلك أيضا طقطق بأصابعه غضبا (إذ إن هذا العمل الحركى لا يخضع لمركز الكلام) وأخيرا عندما انفتح مركز الكلام عند المريض شرح تجربته الكاملة مستخدما كلمات تناسب أفكاره وقد استنتج بنفيلد أن المريض حصل على كلمات من الية الكلام عندما عرض مفاهيم ونحن نستطيع الاستعاضة عن ضمير الغائب فى عملية الاستبطان هذه بكلمة عقل فعمل العقل ليس عملا أليا).

وتوصل بنفيلد إلى نتائج مماثلة فى مناطق الدماغ التى تضبط الحركات فيقول: عندما جعلت أحد المرضى يحرك يده بوضع الالكترود على القشرة الحركية فى أحد نصفى كرة دماغه كنت أساله مرارا عن ذلك وكان جوابه على الدوام , (أنا لم احرك يدى ولكنك أنت الذى حركتها) وعندما أنطقته قال: أنا لم أخرج هذا الصوت أنت سحبته منى.

و يستنتج بانفيلد: ونتيجة مراقبة مئات المرضى بهذه الطريقة ينتهى بنفيلد إلى أن عقل المريض الذى يراقب الموقف بمثل هذه العزلة والطريقة النقدية لا بد من أن يكون شيئا أخر يختلف كليا عن فعل الاعصاب اللاإرادي ومع أن مضمون الوعى يتوقف إلى حد كبير على النشاط فالإدراك نفسه لا يتوقف على ذلك.

و يستنتج استنتاج أخر فيقول: ليس فى قشرة الدماغ أى مكان يستطيع التنبيه الكهربائى فيه أن يجعل المريض يعتقد أو يقرر شيئا و الالكترود يستطيع أن يثير الأحاسيس و الذكريات غير أنه لا يقدر أن يجعل المريض يصطنع القياس المنطقى، أو يحل مسائل فى الجبر بل إنه لا يستطيع أن يحدث فى الذهن أبسط عناصر الفكر المنطقى والالكترود يستطيع أن يجعل جسم المريض يتحرك ولكنه لا يستطيع أن يجعله يريد تحريكه إنه لا يستطيع أن يكره الإرادة فواضح أذا أن العقل البشرى و الإرادة البشرية ليس لهم أعضاء جسدية.

وينهي كلامه: (طوال حياتى العلمية سعيت جاهدا كغيرى من العلماء إلى إثبات أن الدماغ يفسر العقل).

ويعلق كااتبا الكتاب: فهو قد بدأ مسلحا بجميع افتراضات النظرة القديمة غير أن الأدلة حملته أخر الأمر على الإفراد بأن العقل البشرى و الارادة البشرية حقيقتان غير ماديتين ويعلن بنفيلد ياله من أمر مثير إذا، أن نكشف أن العالم يستطيع بدوره أن يؤمن عن حق بوجود الروح وإذا كان العقل والإرادة غير مادتين(6).

وبنهاية هذا المقال يكون تم تفنيد النظرة المادية للعقل فلسفياً و علمياً و يبقى المعنى المتجاوز هو الاصل الذي من خلاله يستطيع العقل بناء نظامه الاخلاقي و تجاوز واقعه المادي , و مع أننا لا ننكر ضرورة النشاط الدماغي للتفكير لكنه شرط ناقص يحتاج الى روح كي تمكنه من التحكم و هذا ما عبر عنه المسيري في حواراته عندما قال: حينما تغمض عيناك فإنك تبصر لإن الإنسان له بصر و بصيرة , عين ٌ حسية مادية ترى الأشياء و عينٌ روحية تخترق السطح لتصل الى البنية الكامنة و الى طبيعة الوحود(7)..
----------------------------------------------
1. مجلة التوحيد العدد الثالث عشر , مقال ابو الفداء بعنوان (من مخازي كهنة الإلحاد , العلم الحديث يبطل حرية الارادة).
2. الفلسفة المادية و تفكيك الانسان, د. عبد الوهاب المسيري.
3. الاسلام بين الشرق و الغرب , علي عزت بيجوفتش.
4. (ماركس انجلز، مختارات).
5. Harris, Sam (2005): The End of Faith: Religion, Terror, and the Future of Reason,
6. العلم من منظوره الجديد, (روبرت م أغروس و جورج ن , ستانسيو. ترجمة د. كمال حلايلي.
7. حوارات , المنهج و الثقافة, الدكتور عبد الوهاب المسيري.

--------------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


Ya;hghjR Ygph]dm

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-26-2014, 08:19 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة إشكالات إلحادية (2)

إشكالات إلحادية (2)
ــــــــــ

(عمار سليمان)
ـــــــ

2 / 1 / 1436 هــ
26 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ



- الهوية الإنسانية و الأبعاد الأخلاقية

الأخلاق

ينطلق علي عزت بيجوفتش في كتابه الإسلام بين الشرق و الغرب من مصطلحين مهمين في هذا المجال هما:

1. الواجب.

2. المصلحة.

و يكمل ليقول الواجب هي المصطلح الأساسي في علم الأخلاق , أما المصلحة فهي المصطلح الاساسي في علم السياسة و عليه ممكن أن نصل الى نتيجة أولية تقول:

الواجب و المصلحة و إن كانتا متعارضتان, فإنهما قوتان محركتان للنشاط الإنساني و لا علاقة للمصلحة في الإخلاق , فالأخلاق لا هي وظيفية و لا هي نفعية بالمجمل و الدليل لنضرب مثالاً:

إذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلاً يحترق لينقذ طفل جاره , ثم عاد يحمل جثته هامدة بين ذراعيه , فهل نقول إن عمله بلا فائدة لأنه لم يكون ناجحاً؟!(1)

القيمة من هذا الفعل هي أخلاقية بإمتياز و لا مجال لإقحام المصلحة أو النفعية في هذا الفعل أبدا لإن الرجل عرض حياته للخطر و عاد على المستوى المادي صفر اليدين أما على المستوى الإنساني و الأخلاقي فهو بطلٌ تغرد الناس في سيرته.

و من هذا المنطلق نستطيع أن نقول أن البشر تحكمهم ثنائية المصلحة و الخُلق و لكل منهما حكم مستقل عن الأخر , و تعليل العمل الانساني بناءاً على المصلحة فقط بالمعنى الدارويني سيجعلنا كائنات بغيضة حقيرة تسود فيها القوة و يستباح فيها الضعيف و تسقط القيمة و تسود الوحدوية المادية بمعنى إفعل ما ي*** لك اللذة دون النظر بالعواقب التي تترتب على هذه الافعال سواءا عليك أوعلى الاخرين (و هذه مجمل نظرة نيتشة في فكرته: موت الإله) تعالى الله عن قوله علواً كبيراً.

في معنى العدل و إلزاميته

إتفق البشر فطرتًا على سمو معنى العدل وإرتفاع قيمته ويعتبر العدل من أرفع درجات الأخلاق حيث ترفض الرشوة و الحيّف عن الحقوق و لمّا أستقر هذا المعنى العظيم في وجدان الإنسانية نتطرق له تحت سقف المنهجية الدنينية و المنهجية الإلحادية لنبين ضعف المنهج الإلحادي في إرساء معاني أخلاقية ترتقى بالجنس البشري من معنى التراب الى معنى السماء.

يُعرّف العدل على أنه: استعمال الأمور في مواضعها، وأوقاتها، ووجوهها، ومقاديرها، من غير سرف، ولا تقصير، ولا تقديم، ولا تأخير(2).

و في معنى أبسط هو وضع الشيء في محله و لتقريب المفهوم نضرب مثلاً:

إن فعل النكاح إذا كان مرتبطاً في عقدٍ ديني و شرعي فيشكل قيمة أخلاقية تساوي معنى العفة,و إن نفس الفعل إذا كان للتلذذ فقط و فتح مواخير البغاء لإغتصاب أجساد النساء طلباً للمال يتحول الى ظلمٍ بمعنى الحقارة.

لنأتي لتحليل الفعليين على المستوى الديني و الإلحادي المادي:

· في المعنى الديني:

في النكاح الديني تكون الفرحة هي سيدة الموقف و السرور والدعم , وهنا وضعَ الدين إطاراً عادلاً بحيث وضع الامر (النكاح) في محله فأصبح دليلاً على العفة وعلى معنى السمو ورتب عليه المدح و الأجر ,وأما إغتصاب النساء في بيوت الدعارة وضعه الدين في محله حيث جعل الفعل دليلاً على الظلم والفجور بحق النفس و المجتمع فرتب عليه عقوبات رادعة .

· في المعنى الإلحادي المادي :

يتساءل الأستاذ عبد الواحد (لعدل هو وضع الشيء في محله...

ومحل الأحداث في عالم الإلحاد .. هو نفس المحل الذي تحدده القوانين الفيزيائية.

وبما انه لا توجد ذرة تخالف تلك القوانين.. إذاً كل حدث في الكون المادي قد وُضِع في محله المادي.

ولذلك لا يوجد في الفكر الإلحادي ولا في الكون المادي ظلم...

فمن أين جئت بمفهوم العدل أيها الملحد؟)(3)

وهنا إذا كان الإلحاد إقتصر على المنهج المادي الموضوعي فكيف له في ظل التفسير الإلحادي للحوادث والأفعال أن يقول أن فعل الإغتصاب مُجرّم في ظل (عدم وجود ذرة تخالف القوانين المادية إذ أنً كل حدث في الكون المادي قد وُضع في محله المادي)!

و عليه يصبح فعل النكاح في كلا الحالتيين سواء في ظل عالم مادي (تمّ تطهيره تماماً من أي قيم أوثوابت أو مطلقات أو معرفة متجاوزة للمادة.)(4)

ولفحص قدرة الإلحاد على معالجة هذا الفعل نضعه تحت هذا السؤال:

أي بحث طبيعي أو تجريبي يمكن أن يفسر فعل الإغتصاب أنه فعل غير أخلاقي ؟

أي بحث طبيعي أوتجريبي يستطيع أن يفسر معنى الألم الذي تعانيه الضحية في الإغتصاب؟

أي بحث طبيعي مادي يستطيع أن يرسم لنا كيف تضع الامور في موازينها لإقامة معنى العدل؟

كيف يمكن فحص هذه الجملة (القتل شر) من منظور تجريبي ؟

و السؤال الاخير نستقيه من قصة لطيفة حصلت لجان جاك روسو نقلها الكاتب ياسر حارب في مقاله (إعترافات) فيقول:

في آخر أيامه، كتب الفيلسوف جان جاك روسو كتاباً سماه “اعترافات” تحدث فيه، بكل جرأة وتجرد، عن حياته بأدق تفاصيلها، وكان الدافع الحقيقي لتأليفه ذلك الكتاب هو ذنبٌ ظل يؤرقه أربعين عاماً. حيث كان يعمل خادماً لدى أسرة إيطالية عندما كان مراهقاً.وكانت تعمل في بيت الأسرة طاهية جميلة اسمها “ماريون” ولشدة تعلقه بها قام في يوم من الأيام بسرقة شريطة تخص سيدة المنزل ليهديه إياها، ولكن أمره كُشِف وتمت مواجهته من قبل أصحاب البيت، فما كان منه إلا أن كذب واتهّم ماريون بأنها التي سرقت الشريطة، فأدى ذلك إلى طردهما معاً من المنزل. ولقد ظلت تلك الحادثة تؤرق روسو حتى نهاية حياته، حيث كانت تراوده كوابيس حولها، ولم يكف عن تذكر صوت ماريون وهي تقول له حين اتهمها: “لقد كنت أظنك رجلاً طيباً يا روسو. إنك تشقيني كل الشقاء، ولكنني لا أتمنى أن أكون في موقفك”. وعلى رغم ظلمه لها إلا أنها لم تتهمه في شيء، مما زاد معاناته النفسية طوال حياته(5).

و في ظل هذه القصة نطرح سؤالاً للعلم التجريبي (كيف بمكن إثبات أن ندم روسو هو فعلٌ أخلاقي و لماذا نثمنه)؟!

من خلال هذه الاسئلة نستكشف قدرة البحث التجريبي بإدواته القاصرة على تفسير المعاني الأخلاقية و من خلال هذه الاسئلة و الأمثلة نستطيع الجزم بعدم قدرة البحث الامبريقي (التجريبي) على التعليل الأخلاقي للسلوك الإنساني و لهذا السبب رفض نيتشة أي معيار خلا معيار القوة و البطش ! وهو محق في ظل إعتماد المنهج الحسي التجريبي فقط أما إذا كنا نريد تفسير منطقي لهذه الافعال الماورائية فلا مناص بالقول أن هناك معنى متجاوز للمادة يرسم هذه الإطر الأخلاقية و سموها على سفاسف المادية .

الهوية

ينطلق مفهوم الهوية من السؤال الذي شغل كبار العلماء و الفلاسفة (ما هو الإنسان)؟

هذا السؤال على بساطته الظاهرية إلا أنه يحمل بين طياته عمق طاشت بسببه العقول و تاه لبها و لم تستقر على شاطيء بين أمواجه المطلاطمة و لنتبين عمق هذا السؤال نعرضه للفحص عن طريق السؤال في ظل المنهجيين الديني و الإلحادي لنكتشف أيهما أقدر على تفسير الإنسان و هويته و إغترابه في عالم المادة و ظلامها.

ينطلق المنظور الديني للإنسان على أنه يحتوي على بعدين بعدٌ مادي و أخر ورحي و يبني منهجه على هذا الأساس فينظر في عالم النية و القصد التي تتطلب الشعور بالفردية والمسؤولية فإذا إرتكب الشخص جرماً معينا نسأل بداهةً عن قصده و هل هو عاقل أومجنون مكره أم حر !! هذه الابعاد التي تحكمها الثنائية تشكل القاعدة الإنسانية الأخلاقية التي أساسها أن الانسانفرد (مدرك لوحديته و تفرده و أنه مسؤول) .

و أما النظرة الإلحادية المادية فتلخّصُ الإنسان على أنه مجموعة من بلايين الخلايا تتفاعل لتنتج الأفعال و السلوك و هنا يتساءل الأستاذ عبد الواحد بناءاً على ذلك فيقول:

(من البديهيات ان (1 لا تساوي ألف) فكيف يشعر الملحد انه شخص واحد رغم انه مكون من بلايين الخلايا العصبية الغير عاقلة؟)(6).

و من خلال هذا هذا السؤال العميق يتضح هل تستطيع أدوات العلم التجريبي أن تثبت أن بلايين الخلايا هي شخص ٌ واحد ؟!

و إذا كان العلم التجريبي لا يستطيع أن يثبت تفرد الإنسان بما يحمله من أدوات قاصرة فوجب عدم التيقن الذاتي بالفردية و إذا كان التيقن الذاتي ممتنعاً فوجب إمتناع التيقن الموضوعي (لخارجي) و من هذا المنطلق يقول الدكتور طه عبد الرحمن:

(سيكون كلا الإنسان و الحيوان على هذا والاساس لا يقين له فيما أصاب فيه !)(7) و إذا كان الإنسان لا يقين له في أي فعل يفعله بصواب أو خطأ لإمتناع إثبات ذاته إبتدءاً و خارجه إنتهاءاً سينتفي أي فعل أخلاقي لِزاماً و إلزاماً.

و في نهاية هذا المقال نستخلص قدرة كل من المنهج الديني و الإلحادي على تفسير الأبعاد الإنسانية و قدرته على التعليل, فالمنهج الديني ينظر للإنسان من باب الحرية و سموه على المادة و أن هناك عدل و أخلاق في عالمه و أما المنهج المادي فلا يراه إلا مجموعة من التفاعلات لا تستطيع أن ترتقي الى أي تعليل أخلاقي نهائياً.
----------------------------------------
1. الإسلام بين الشرق و الغرب , علي عزت بيجوفتش.
2. تهذيب الإخلاق للجاحظ.
3. تعريف العدل في الإلحاد موضوع على منتدى التوحيد للإستاذ المحاور عبد الواحد: http://www.eltwhed.com/vb/showthread...C5%E1%CD%C7%CF
4. النيتشوية أهمّ الفلسفات العلمانيّة ,مقال للدكتور عبدالوهاب المسيري في مجلة الإنسان العدد العاشر.
5. مقال إعترافات لياسر حارب: http://yhareb.com/wp/?p=2435
6. مقال كيف أوهمتك بلايين الخلايا أنك شخص واحد ’ الأستاذ عبد الواحد: http://www.eltwhed.com/vb/showthread...E6%C7%CD%CF%BF
7. سؤال الإخلاق , طه عبد الرحمن.
------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
إلحادية, إشكالاتٌ

« الإسلام بين الشرق و الغرب.. | أثر القدوة في المجتمع »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نجيب محفوظ حصل على نوبل لأن روايته إلحادية والجائزة مسيسة عبدالناصر محمود أخبار ومختارات أدبية 0 04-30-2014 07:14 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:16 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68