تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

في السياق التداولي لمفهوم الاستلاب

في السياق التداولي لمفهوم الاستلاب ـــــــــــــــــ (د. الطيب بوعزة) ـــــــــ 13 / 1 / 1436 هـ 6 / 11 / 2014 م ــــــــــ من

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-06-2014, 08:26 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة في السياق التداولي لمفهوم الاستلاب


في السياق التداولي لمفهوم الاستلاب
ـــــــــــــــــ

(د. الطيب بوعزة)
ـــــــــ

13 / 1 / 1436 هـ
6 / 11 / 2014 م
ــــــــــ

السياق التداولي لمفهوم الاستلاب 4-11-2014AA.jpg


من الملحوظ أن لفظ الاستلاب من المفاهيم الأكثر استعمالًا وتداولًا في خطابنا العربي المعاصر لتوصيف علاقة المثاقفة الواصلة بيننا وبين الغرب. ولفظ الاستلاب دال مفهومي يستعمل خاصة في سياق نقد التبعية الثقافية للغرب ونقدها. وهو من حيث الأصل مقابل ترجمي للًفظ الأجنبي Alienation الذي يرجع إلى اللفظ اللاتيني Alienatio.

غير أن هذا المفهوم ، مثل غيره من المفاهيم المستعملة في حقل الدراسات والعلوم الإنسانية؛ لا نجد له – سواء في حقل الفلسفة أو الأنثروبولوجيا- تحديدًا دقيقًا متفقًا عليه، يسمح بوضع اليد على معناه وضبط "ماصدقه".

وأريد منذ البدء أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أكيدة وهي أن غموض المفهوم والتباس دلالته ليسا محصورين في المجال التداولي العربي، بل نجد غموضه حاضرًا أيضًا في المجال التداولي الغربي، بل أزعم أن حالة التباسه دلاليًا في الغرب أكثر من حالته في المجال التداولي العربي كما سأبين في ختام هذا المقال.



التباس مفهوم الاستلاب في المجال الثقافي الغربي
----------------------------

وهذا الالتباس، الذي يسم المفهوم في استعمالاته المتداولة داخل المجال الثقافي الغربي، هو ما دفع "بيير جاني Pierre Janet" في كتابه "المعالجات السيكولوجية" إلى وصفه بكونه لا يستحق أن يكون "مفهومًا علميًا". بل ذهب إلى حد وصف الاستعمال السائد بكونه يعكس "أسلوبًا عاميًا في التعبير"([1])! ونفس الموقف النقدي نجده حاضرًا عند ألتوسير وإتيان بالبيار، حيث يذهبان، في كتابهما المشترك "قراءة الرأسمال"، إلى أن مفهوم الاستلاب ليس له أي قيمة أو مرتبة علمية.

وفي نفس السياق الناقد للميوعة الدلالية التي أصابت اللفظ ذهب الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور"، في مقالته عن الاستلاب في "الموسوعة الشاملة" Encyclopedia Universalis ، إلى حد وصف اللفظ بأنه كيان "مريض" ([2])، محددًا علة مرضه في ما يسميه بـ"الإثقال السيمانطيقي" ([3]) surcharge semantique ، بمعنى أنه مثقل بالمعاني والدلالات إلى درجة أن أصبح يعني كل شيء، حتى كاد ألا يعني شيئا !

ويقدم ريكور سؤالًا طريفًا حيث يقول:"إن الاستفهام الذي يُطرح بصدد هذا المريض هو هل يجب قتله أم علاجه؟" ([4]).

ولا أدري هل من حسن حظ المفهوم أو من سوئه ، أن بول ريكور اختار علاجه لا قتله؛ فقام بمقاربة تروم معالجة لفظ "الاستلاب" من أدوائه العديدة المتراكمة، بدل قتله والتخلص منه!

فكيف يؤسس ريكور لهذا العلاج ؟
------------------

وهل هو بالفعل علاج أم تمويت للمفهوم؟
-----------------------

يقترح ريكور علاجًا يرتكز على محاولة تسييج دلالة مفهوم الاستلاب ومنع تعديدها وتوسيعها؛ وذلك عن طريق اختزال معانيه إلى عدد محدود من المدلولات مأخوذ من استعمالات المفكرين الذين أسسوا لهذا المفهوم. وفي سياق استحضاره لهؤلاء المؤسسين، يقدم ريكور ملحوظة مفادها أن لفظ الاستلاب كان محدد الدلالة قبل "جون جاك روسو"، وهو بذلك يشير إلى وضعية اللفظ في اللسان اللاتيني ، حيث كان المجال التداولي للمفهوم يكاد ينحصر في المجال القانوني كدال على انتقال الملكية الخاصة سواء بالشراء أو بالعطاء. لكن ابتداء من نظرية "العقد الاجتماعي" لروسو؛ تم تحويل اللفظ إلى حقل التداول السياسي. ومنذ هذا التحويل سيبدأ التراكم الدلالي لمعانيه. ويشير ريكور إلى أن هذا الاستعمال السياسي للفظ الاستلاب عند جون جاك روسو يجد ارتكازه في فلسفة توماس هوبز في كتابه الأشهر "التنين".

صحيح أن هوبز لم يستعمل لفظ الاستلاب Alienation ، لكن ثمة معنى في كتابه هو ما سيتم استثماره من قبل روسو والدلالة عليه بلفظ الاستلاب. هذا المعنى برز عند هوبز عند حديثه عن لحظة الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة (المدنية)، بوصفها نقلة من العيش وفق قانون الغاب والحرب واللاأمن، إلى العيش تحت سلطة سياسية تضمن الأمن. ولم تتحقق هذه النقلة في الحياة البشرية إلا عندما تنازل الفرد عن قسط من حريته لسلطة الحاكم. وهذا التنازل هو ما سماه روسو بـ"الاستلاب"، جاعلًا منه أساس تكوين السلطة السياسية، وإن اختلف مع هوبز اختلافًا شديدًا بسبب تحديده الاستبدادي لطبيعة العقد الاجتماعي/السياسي.

إن أساس العقد الاجتماعي عند جون جاك روسو هو "الاستلاب"، إذ لولاه لما انعقد العقد. يقول روسو مختزلًا دلالة هذا المفهوم : "إن الفرد يهب ذاته للجميع ولا يهبها لأي أحد".

لكن هذا الانتقال الأول للفظ الاستلاب من حقل الاستعمال القانوني إلى حقل الاستعمال السياسي، حيث أصبح دالًا على عملية تأسيس الدولة/السلطة السياسية؛ كان لحظة انطلاق لتحولات دلالية وتوسيعات مجالية لاحقة، ولهذا نرى أن محاولة ريكور القاصدة إلى اختصار معاني المفهوم، ظنًا بأنه بذلك يعالج التباسه وميوعه الدلالي، هي محاولة تخلص إلى عكس ما تقصده، حيث لا تؤكد تعدده الدلالي فقط، بل تضاده واختلافه ، الأمر الذي يسقط المفهوم في نفس الداء، أي "الاثقال السيمانطيقي" الذي يزعم ريكور أنه بصدد علاجه!

ويكفي النظر في المتن الفلسفي ليتضح أن تاريخ التطور الدلالي للفظ "الاستلاب" يجعله لفظا ملتبسًا.



تاريخية دلالة/دلالات مفهوم الاستلاب
-------------------------

في الفلسفة الألمانية يستحضر هيجل ، في كتابه "مبادئ فلسفة الحق"، تأسيس روسو لنظرية العقد منتقدًا تمديد معنى الاستلاب بنقله من مستوى الحق المجرد إلى المستوى السياسي؛ محددا للمفهوم معنى جديدًا ، حيث يتحدث هيجل عن أن استلاب الوعي يتحقق في لحظة انغماسه في الطبيعة، إذ بذلك يفقد الوعي حريته.

وسيطور اليسار الهيجلي مفهوم الاستلاب ليحول دلالته من هذا المستوى الفلسفي إلى مستويات توزعت بين المجالين اللاهوتي والسياسي. ففي الجانب اللاهوتي قدم فيورباخ في فلسفته الإلحادية التي فسر بها نشأة الوعي الديني ، تحليلًا مغايرًا رائيًا في الاستلاب فاعل التأسيس للظاهرة الدينية ومفهومها وطقسها الشعائري أيضا.

وبذلك لم يعد الاستلاب – مع اليسار الهيجيلي الفيورباخي- انغماسًا للوعي في الطبيعة ، بل تحدد معناه في ارتحال الوعي إلى المارواء بسبب التدين!

وفي نفس التيار، أي تيار اليسار الهيجلي، يندرج الإسهام الماركسي، لكنه لن يُبقي على الدلالة الفيورباخية، بل سينتج مدلولًا جديدًا يختزل معنى المفهوم في الوضع الاقتصادي.

فقد قدم ماركس طرحًا مغايرًا واستعمالًا دلاليًا جديدًا سيفتح أمام اللفظ مجالًا للتداول بشكل أوسع داخل النقاش الفكري والإيديولوجي الذي سيشهده القرن العشرين. ومعلوم أن للفظ "الاستلاب" في التأليف الماركسي حضورًا لافتًا، سواء في بواكير كتابات ماركس أو في أواخر كتبه، حيث يرد لفظ الاستلاب في "مخطوطات 1844" وكتاب "الإيديولوجيا الألمانية" 1845 ، كما يرد في كتاب "الرأسمال" أيضًا.

وإذا كان روسو قد تحدث عن الاستلاب في المجال السياسي ، فإن ماركس سيبلور استعمالًا جديدًا للمفهوم كاستلاب اقتصادي ، مؤسسًا معناه على تحليل لبنية النظام الرأسمالي، بناءًا على مفهوم "فائض القيمة"، منتهيًا إلى أن العامل يصنع الأشياء/السلع، ولكن هذه الأشياء تصبح هي ذاتها أداة التحكم فيه واستعباده. وسيطور لوكاتش بعد ذلك الدلالة الماركسية للاستلاب ليجعل منه دالا على "التشييئ".

هذه، باختصار واختزال، هي تاريخية تطور دلالة مفهوم الاستلاب في المجال الفلسفي والثقافي الغربي، ومنه يلاحظ أن استعماله متعدد متكثر من حيث المعاني إلى درجة الاختلاف الشديد.



خصوصية مفهوم الاستلاب في المجال التداولي العربي
--------------------------------------

يمكن أن نقول في سياق المقارنة بين الوضع الدلالي لمفهوم الاستلاب في المجال الثقافي العربي ووضعه في الثقافة الأوربية، أن استعماله في هذه الأخيرة كاد أن ينحصر في المجال الفردي أو الطبقي. فإذا استثنينا بعض الاستعمالات التي شهدها المفهوم في حقلي السوسيولوجيا والانثروبولوجيا، فإنه يمكن أن نقول إن العلاقة الاستلابية لم تطرح في الفكر الفلسفي الغربي كعلاقة مع الآخر المغاير حضاريًا. بينما الملاحظ في استعماله في المجال الثقافي العربي والإسلامي ، هو أنه لم يتداول بمعناه الاقتصادي الماركسي ، ولا بمدلوله السياسي كمرتكز نظري لتفسير العقد الاجتماعي، وإنما استعمل للدلالة على علاقة أعم، هي علاقة المثاقفة بين مجتمعين أو ثقافتين أو حضارتين. إنه دلالة على انسلاخ من الذاتية الثقافية وخضوع للتبعية للآخر كحضارة أو ثقافة. ويكاد يكون هذا المعنى هو المدلول الوحيد الذي يستعمل به المفهوم. ومن ثم جاز القول إن دلالته غير ملتبسة في المجال التداولي العربي، اللهم إلا من حيث غموض آليات وكيفيات التخلص من الظاهرة الاستلابية.

لكن إذا لم يكن لدينا مشكلة دلالية في المفهوم؛ فلا يجب أن ننسى أن لدينا ما هو أكبر من إشكالات قاموسية أو معجمية، لدينا الاستلاب ذاته بمدلوله كتبعية للآخر/الغرب باستمداد مفاهيمه ورُءاه! بمعنى إذا كان الفلاسفة الغربيون يتساءلون عن كيفية التخلص من التعدد الدلالي لمفهوم الاستلاب؛ فإن هاجس الوعي العربي الاسلامي هو كيفية التخلص من الاستلاب ذاته كتبعية حضارية!



---------------------------------------------------




[1] - Les Médications Psychologiques,V1,L'action morale, L'Harmattan,Paris,2007 pXI

[2] - Paul Ricoeur,Encyclopaedia Universalis,Paris 1994,t1,p825

[3] - Paul Ricoeur,ibid,p826

[4] - Paul Ricoeur,ibid,p827

-----------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


td hgsdhr hgj]h,gd glti,l hghsjghf

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-10-2015, 10:18 AM
خمسة حروف غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 2
افتراضي

جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
لمفهوم, الاستلاب, التداولي, السياق

« المخاطر العقدية في قنوات الأطفال | سلوكيات فاسدة في الفاتيكان »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دلالة السياق في تفسير ابن كثير عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 1 11-16-2014 12:52 PM
مستوى معرفة معلمي مدارس الملك عبدالله الثاني للتميز لمفهوم الإبداع Eng.Jordan بحوث ودراسات تربوية واجتماعية 0 03-24-2014 12:22 PM
السياق اللغوي والتاريخي للاستعراب Eng.Jordan أخبار ومختارات أدبية 0 12-12-2012 08:09 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:07 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68