تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

هل كان الشاطبي مقاصديًا؟

هل كان الشاطبي مقاصديًا؟ ـــــــــــــ (ياسر المطرفي) ــــــــ 20 / 1 / 1436 هــ 13 / 11 / 2014 م ـــــــــــ في بادئ الأمر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-13-2014, 08:54 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة هل كان الشاطبي مقاصديًا؟


هل كان الشاطبي مقاصديًا؟
ـــــــــــــ

(ياسر المطرفي)
ــــــــ

20 / 1 / 1436 هــ
13 / 11 / 2014 م
ـــــــــــ

الشاطبي مقاصديًا؟ 12-11-2014.jpg


في بادئ الأمر لا يبدو السؤال حول مقاصدية الشاطبي يحمل في طياته مضمونًا علميًا يستحق الكثير من النظر والتفكير، لأننا يمكن أن نصنفه ضمن الأسئلة الأكثر بداهة في البحث المقاصدي، فليس يشك باحث في أن الشاطبي هو الشخصية الأهم التي طورت النظرية المقاصدية، والتي قفزت بها إلى آماد بعيدة جعلتها محط الدراسة والبحث والتحليل.
فإذا كان كذلك؛ فهل يمكن أن يكون لسؤال: هل كان الشاطبي مقاصديًا؟.. أي معنى؟!

إننا ندرك إلى أي حد يكون سؤال كهذا مستغربًا؟! ولكن بالرغم من ذلك نطرحه حتى مع بداهته وما يمكن أن يُثيره من استغراب، ليس من أجل التقليل من شأن الشاطبي مقاصديًا، وإنما من أجل البحث في أحد جوانبه المقاصدية التي لطالما تجاوزتها البحوث وهي تدرس فكره دون أن تقف معه بشيء من التفكير والتأمل، ألا وهو: الممارسة الاجتهادية في تطبيق النظرية المقاصدية في الفتوى، أي: جانب الممارسة وليس جانب التنظير.
وهذا الجانب الذي نريد أن نكتشفه عند الشاطبي يُصاحبنا في عموم الاشتغال البحثي المقاصدي، وهو واحد من مآزقه بشكل عام، فليس يكفي في البحث المقاصدي مجرد التنظير على أهميته، بل لابد لهذا التنظير أن يعقبه تطبيق عملي وتفعيل، وهو الميدان الأكثر صعوبة، وقد أشار لهذا المأزق ابن عاشور في قوله: «أصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة؛ فمقام الشريعة في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هين. واتفاق علماء الشرائع في شأنها يسير، فأما دقائق المصالح والمفاسد وآثارها ووسائل تحصيلها وانخرامها فذاك المقام المرتبك؛ وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداءً وغفلةً وقبولاً وإعراضًا»[1].
فابن عاشور يُشير إلى أن إدراك الأصول النظرية الكبرى للمصالح والمفاسد أمر سهل، لكن الصعوبة تكمن فيما إذا نزلنا بتلك الأصول الكبرى إلى واقع التفاصيل التي لا تظهر عادة إلا إذا بدأنا في الممارسة التطبيقية، من هذه اللحظة يبدأ التفاوت والأخذ والرد.
وهو يؤكد في موطن آخر على أن هذا النوع التطبيقي الذي يبحث في إثبات المقاصد التفصيلية هو البحث الأخطر في باب المقاصد، فيقول: «وفي إثبات هذا النوع من العلل (وهو ما كانت عِلَّتُه خفية) خطر على التفقه في الدين؛ فمِن أجل إلغائه وتوقِّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تفنَّنت أساليب الخلاف بين الفقهاء»[2].
والمقصود إننا نريد من خلال هذا السؤال أن نطرح على الشاطبي سؤال التطبيق المقاصدي قبل غيره، ونسائله عن مدى تفعيله لهذه النظرية، ونكشف عن حدود تشغيله لها، أي: إلى أي حد كان الشاطبي مقاصديًا أثناء ممارسته للاجتهاد الفقهي التنزيلي؟
هذا التساؤل عادة لا يُثار عند مناقشة نظرية الشاطبي، فغالب البحوث التي أنجزت حوله إما أنها تبحث في النظرية، أو أنها إذا تعرضت للجانب التطبيقي تكتفي بذكر نماذج من تلك التطبيقات التي تضمنها كتابه الموافقات دون الوقوف على طبيعة وحدود هذه التطبيقات.
سنحاول في هذا المقال أن نثير هذه القضية التي لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، وحسبي أن أفتح النقاش فيها، وذلك من خلال استقراء الفتاوى التي وصلت إلينا عن الشاطبي، لعلها أن تكشف عن شيء من الجواب حول هذا السؤال.
ولذلك فإن ما نقوم به هنا، هو عبارة عن قراءة معاكسة للشاطبي، حيث سيتم التعامل معه كـ(مفتي) من خلال اجتهاده الفقهي التنزيلي، وليس كـ(فيلسوف للمقاصد) من خلال تنظيره في كتابه الموافقات الذي عادة ما يتم الاقتصار عليه في تحليل فكره.

إن واقع فتاوى الشاطبي، يُظهر جانبين يمكن أن تُبين حدود تشغيله
لنظرية المقاصد في الفتوى والاجتهاد الفقهي، وهما:

له الجانب الأول: طبيعة نظرته في حدود الاجتهاد الفقهي الذي يحق ممارسته:
حيث يوضح الشاطبي في عدد من فتاواه، أنه لا يحق له الخروج عن المذهب المالكي في اختياراته وترجيحاته الفقهية، وهذا تحديد مبدأي وجوهري سيكون له بالغ الأثر في رسم حدود الحركة المقاصدية عند الشاطبي -كما سيأتي- ونلاحظ ذلك في جوابه عن مسألة مراعاة القول الضعيف أو الراوية الضعيفة، حيث كان محصلة كلامه أن النظر في الأقوال ومراعاتها إنما هو شأن المجتهدين، أما هو-كما يرى نفسه- فحسبه فَهْمُ أقوالهم لأنه من المقلدين، يقول في ذلك: "مراعاة الأقوال الضعيفة أو غيرها شأن المجتهدين من الفقهاء، إذ مراعاة الخلاف إنما معناه: مراعاة دليل المخالف، حسبما فسّره لنا بعض شيوخنا المغاربة.
ومراعاة الدليل أو عدم مراعاته ليس لنا - معشر المقلدين- فحسبنا فهْمُ أقوال العلماء والفتوى بالمشهور منها، وليتنا ننجو - مع ذلك - رأسًا برأس، لا لنا ولا علينا"[3].
ويزيد من وضوح هذا المسلك لديه، وأنه مسلك نظري لم يكن في معرض التواضع العلمي كما يُمكن أن يُفسره البعض =كلامه في سياق جواب آخر حيث يقول: "فما ذُكر.. هو المشهور المعمول به، فلا ينصرف إلى غيره مع وجود التقليد في المفتي كزمننا، وأنا لا أستحل إن شاء الله في دين الله وأمانته أن أجد قولين في المذهب، فأفتي بأحدهما على التخيير مع أني مقلد، بل أتحرى ما هو المشهور والمعمول به، فهو الذي أذكره للمستفتي، ولا أتعرض له إلى القول الآخر، فإن أشكل علي المشهور، ولم أر لأحد من الشيوخ في أحد القولين ترجيحًا توقفت.
وقد نُقل عن الإمام المازري على إمامته أنه لا يفتي بغير المشهور من مذهب مالك ومحله من العلم ما قد عُلم".
هذا فيما يتعلق بالتزام المذهب؛ فماذا عن ذِكْر المذاهب الأخرى خارج مذهب مالك في الوسط العلمي؟
يجيب الشاطبي في تكملة كلامه السابق فيقول: "أما نقل مذاهب الأمصار سوى مذهب مالك والفتوى بها بالنسبة إلينا فهو أشد، لأنها مذاهب يذكر لنا منها أطراف في مسائل الخلاف، لم نتفقه فيها، ولا رأينا من تفقه فيها، ولا من عرف أصولها، ولا دل على معانيها، ولا حصّل قواعدها التي تبنى عليها، فنحن والعوام سواء، فكما أنه لا يحل للعامي الذي لم يقرأ كتابًا ولا سمع فقهًا أن يأخذ كتب الفقه فيقريها لنفسه، ويفتي بما حصل منها على علمه كذلك من لم يتفقه في مذهب غير مذهب مالك وإن كان إماما في مذهب مالك"[4].
وفي سياق آخر فإن مستوى التسامح في اختيار قول آخر عند الشاطبي؛ هو فيما إذا كان قولاً آخر داخل المذهب المالكي، فهذا لا يُنكر حتى لو كان مرجوحًا إذا عمل الناس به، يقول في ذلك: "والأولى عندي في كل نازلة يكون فيها لعلماء المذهب قولان فيَعمل الناس فيها على موافقة أحدهما، وإن كان مرجوحًا في النظر، أن لا يُعرض لهم، وأن يُجروا على أنهم قلدوه في الزمان الأول وجرى به العمل، فإنهم إن حملوا على غير ذلك كان ذلك تشويش للعامة وفتح لأبواب الخصام، وربما يخالفني في ذلك بعض الشيوخ، ولكن لا يصدني عن القول به، ولي فيه أسوة"[5].
ومن هذا المنطلق يعترض على فتوى أخرى لأنها جارية على خلاف كلام الشيوخ فيقول: "اعتمادي فيها على ما فهمه القباب رحمه الله، وهو الذي أعمل عليه، وإن كان غالب الناس لا يعملون عليه، وربما يسامح في ذلك بعض المفتين ببلدنا إذا سئل عنه، وأنا أرى أنهم خارجون عن مقتضى كلام الشيوخ"[6].
وهي ذات النظرة التي تجعله يستشكل فتوى للمازري - الذي سبق ثناؤه عليه -، حيث يقول: "كنا نسمع من الشيوخ ما قلتم واعتقدتم ثم وجدنا للمازري في مسائل سئل عنها ما يشعر بالجواز، فكنا نتذاكر به من غير جزم بالقضية لإشكال ذلك الكلام"[7].
ولذلك فإن النازلة تصعب على اجتهاد الشاطبي حتى إذا ما وجد لها أصلاً في المذهب سَهُل أمرها، ولذلك تجده يجيب عن مسألة نازلة طرحت عليه بذكر الأصول التي ترجع عليها في المذهب ثم يُعقب ذلك بالقول: "هذا مقتضى المذهب عندي، فإذا ثبتت هذه الأصول سَهُل- إن شاء الله - المخرج من النازلة"[8].
ويُبرر نظره في واحدة من فتاواه التي لم ينص عليها مالك فيقول: "ولذلك يختلف شيوخ المذهب في مسائل لم يقع نظيرها لمالك وأصحابه، فيلحقها قوم بما نصوا عليه، ولا يلحقها آخرون، والنازلة المسؤول عنها من ذلك"[9].
ويُحدد الشاطبي العمل في المسائل الخلافية، بأنه لا يكون إلا وفقًا للمشهور من المذهب فيقول: "وإنما يبقى النظر في مسألة أنّ من يترخص في ذلك يبني على بعض التأويلات التي هي خلاف المعتمد من مذهب مالك.
والعمل إنما يكون في المسائل الخلافية على ما هو المشهور"[10].
ومن خلال تلك النظرة التأصيلية لطبيعة الاجتهاد الذي يمارسه الشاطبي يمكن أن نفهم اهتمام الشاطبي بذكر المذهب في اختياراته، فهو كثيرًا ما يربط اختياره في فتاواه بذلك فيقول: "والظاهر الجواز بهذا الأصل المقرر في المذهب"[11]. ويقول في مسألة أخرى: "ولا أعرف فيه في المذهب خلافًا. وعلى هذا المعنى فلا نظر في الغلة"[12].
ويقول أيضًا: "وأما مسألة النزاع بين الصانع وصاحب الثوب، فإن أصل المذهب في أمثالها أن يكون القول قول الصانع مع يمينه"[13].
وهذا المعنى يتكرر في جواباته بأنها مقتضى "الأصل المذهبي"[14]، أو أنها قيلت بناء على كونها "الصحيح في المذهب"[15].
وعندما سئل عن مسألة صيام الست من شوال، وكراهة مالك لذلك، التزم المذهب، فقد ورد إليه السؤال التالي: "صيام ست من شوال قد ورد فيها أصل صحيح من الشرع، والمذهب على خلافه لعلة مذكورة عن صاحب المذهب: هل حكم تلك العلة باق فيعمل عليه أم لا؟
فأجاب: "الحمد الله. ظاهر النقل عن مالك الكراهة، كراهته مطلقًا، لأنه إما أن يكون عند الجهال ملحقًا برمضان كما حكى القرافي عن العجم، وإما عرضة أن يلحقوه به، فالعلة مستصحبة والله أعلم"[16].

الجانب الثاني: كيف يتعامل الشاطبي إذا تعارض الاجتهاد المقاصدي مع اختيار المذهب؟
هذا الالتزام المذهبي الذي حدده الشاطبي في منهجية اجتهاده الفقهي، سيكون له تأثير في طبيعة تعامله الاجتهادي المقاصدي، وسيكشف عن مدى التجاذب بين عقل الشاطبي المقاصدي، والتزامه المذهبي، وهذا ما يمكن أن نلاحظه في واحدة من الفتاوى بالغة الأهمية في موضوعنا، وهي فتواه حول مسألة الاشتراك في اللبن لاستخراج جبنه وفي الطعام لأكله[17]، يقول السائل في نص فتواه: "الناس مقتحمون في الاشتراك في اللبن لاستخلاص جبنه ويدعون في ذلك ضرورة في استبداد كل واحد منهم بلبنه لما يحتاج إليه من المؤونة والمشقة فيجتمع جماعة أصحاب غنم فيستأجرون راعيًا أو أكثر، ويخلطون اللبن كما وصفت.
وكذلك معارف أو قرابة في عجن خبز وطبخ ولحم وما أشبه ذلك، ثم يقتسمون ذلك أو يأكلون جميعًا ولا مشاحة بينهم؟"
فهذا السؤال تعرّض لمسألتين، الأولى هل يجوز الاشتراك في الطعام؟ والثانية هل يجوز الاشتراك في اللبن؟ على الصفة الذكورة في السؤال.
فجاء جواب الشاطبي بداية بناء على موقع كل مسألة من نصوص المذهب.
يقول عن المسألة الأولى: "مسألة اشتراك المعارف والأقارب في العجن والإدام ونحوهما، ثم يأكلونه جميعًا أو يقتسمونه من غير مشاحة بينهم، فإن ذلك مما أجازه أهل المذهب، لكني لا أعرف الآن موضعه من كتبهم".
ويقول في المسألة الثانية: "أما مسألة مخالطة بعضهم لبعض في اللبن لاستخراج جبنه فلا أعرف فيه لأحد نصًا".
ولكن ماذا بعد تحديد موقع كل مسألة من نصوص المذهب، وكيف سيتعامل مع مسألتين واحدة لها نصٌ في المذهب، والثانية لا نص فيها بناء على ما سبق في تنظيراته عن الالتزام المذهبي؟
أما المسألة الأولى: فلم تعترض للشاطبي فيها مشكلة، فقد مشى فيها على تقرير المذهب ثم انتقل ليؤصل هذه الفتاوى على تأصيلاً مقاصديًا منطلقًا من قول الله تعالى في مال اليتيم: "وإن تخالطوهم فإخوانكم"، فقال: "وأصله في النقل قول الله تعالى في مال اليتيم (وإن تخالطوهم فإخوانكم) فإن العلماء فسروا المخالطة هنا بأنها ليست بشركة في أصل المال، وإنما هي كنحو ما يتعاشر الناس في السفر والحضر، يأكلون جميعًا من طعام هذا وطعام هذا، فيكون لليتيم الطعام ولكافله مثله، فيجعلونه في بيوتهم يقتاتونه، فلما جاء التشديد في أموال اليتامى لم يأمنوا أن يكون أكلهم من طعام اليتيم أكثر مما يأكله اليتيم من طعامهم، فسُهل عليهم إذا لم يقصدوا الإفساد، لأن في عزل طعام اليتيم وجميع ما يحتاج إليه عن طعام الكافل حرجًا، والشرع قد جاء بالتسهيل؛ فأجاز العلماء مثل ذلك في طعام الرفقاء والأقارب والجيران إذا اجتمعوا وجمعوا أطعمتهم لعجن أو طبخ أو غيرهما بقصد الإعانة والارتفاق في رفع مؤن الاشتغال أو شبه ذلك، لأن جمعه تسهيل وتيسير وتعاون لا يقصد مثله قصد الربا ولا المزابنة ولا غير ذلك من الممنوعات، فصح أن يغتفر الغرر اليسير أو الربا اليسير، وله نظائر في الشريعة، كبيع العريّة بخرصها تمرًا، ورد القيراط على الدراهم في البيع".
ونحن نرى الشاطبي في تعليقه على هذه المسألة يتجلى مقاصديًا، حيث رأى أن الفتوى مبنية على حاجة الناس، ورفع الحرج عنهم، وأن الشريعة تغتفر الغرر اليسير تسهيلاً على الناس في بيوعها.
أما المسألة الثانية، فالإشكال الذي وقع للشاطبي هو أن المسألة من جهة المذهب لم يجد فيها نصًا لهم، ولكنها في نفس الوقت من جهة القواعد الشرعية متشابهة مع مسألة الاشتراك في الطعام التي حكم بجوازها، الأمر الذي يقتضي أن تكون مشمولة بذات الحكم، فهل أجرى عليها الحكم نفسه أم لا؟
بداية يقول الشاطبي: "أما مسألة مخالطة بعضهم لبعض في اللبن لاستخراج جبنه فلا أعرف فيه لأحد نصًا، والأصول تدل على منع ذلك، لأن الألبان تختلف في مقدار ما يخرج منها من الجبن كما تختلف في مقدار ما يخرج منها من الزبد أو السمن، فإذا خلطوا ألبانهم على أجزاء معلومة لم يكن الخارج منها من الجبن على تلك النسبة لكل واحد، بل على اختلاف النسبة أو يجهل التساوي في النسبة، فصار كل واحد يُزابن صاحبه، والمزابنة منهي عنها".
لكنه عاد بعد تأصيله لمقاصد مسألة الاشتراك في الطعام، وأنها راجعه إلى رفع الحرج والاغتفار في الغرر اليسير فقال:
"إلا أن لطالب الرخصة في مسألة اللبن هنا مدخلاً؛ لأن لكثير من الناس حاجة في الخلط المذكور، لا سيما لمن كان له اليسير من اللبن الذي لا يخرج له منه جبن على أصل انفراده ولا على وجه الانتفاع به في بيع أو غيره إلا بحرج إن خرج.
وأيضًا فإن العادة في الرعاة أن يذهبوا بكثير من مواشي الناس إلى المواضع البعيدة طلبا للمراعي، ولو كلفوا عند الحلب أن يحلبوا لكل واحد ممن له في الماشية شيء لم يمكنهم، فضلاً عن أن يعقدوا له جبنه على حِدة، فصار الحرج على أصحاب الماشية والرعاة أشد مما تقدم في مال اليتيم، فاقتضى هذا الأصل جواز مسألة خلط الألبان بهذا القصد، بل قد يُدّعى أن هذه الصورة في اليتيم داخلة تحت قوله (إن تخالطوهم فإخوانكم). إذ من صور المخالطة هنا أن يكون لليتيم ماشية قليلة لو كُلّف كافله عزل لبنها عن لبنه وجبنها عن جبنه لدخل الحرج، ولا حرج في الدين، قال تعالى : (ولو شاء الله لأعنتكم) معناه: فلم يعنتنا في ذلك، ولله الحمد.
وقد أجرى العلماء غير اليتيم في هذه الخلطة مجراه طلبًا للرفق ورفعًا للحرج، فتجري النازلة مجراها، والله أعلم".
وبعد أن حدد الشاطبي أن هذه المسألة تجري مجرى المسائل السابقة عاد ليؤكد إشكالية القول بتلك الرؤية المقاصدية، وأنه لم يجد قولاً بها في المذهب المالكي فقال: "هذا ما ظهر لي فيها من غير نص في خصوص المسألة أستند إليه، ولذلك توقفت عن الجواب فيها".
فهو هنا يتوقف عن الحكم في المسألة بسبب عدم وجود نص للمالكية فيها.
ولكنه بعد أن ذهب وفتش في نصوص المذهب، وجد مسألة شبيهة بها في مذهبه فعاد ليُفَعِّل رؤيته المقاصدية التي كان قد أوقف بنتيجتها، فقال: "وقد سألني عنها جماعة من الناس، ثم وجدت في (العتبية) مسألة شبيهها، (ثم ذكر المسألة) ثم قال : "فهذا كله مما يدل على صحة ما ظهر لي في اللبن، والله أعلم.
والظاهر جوازه عملاً بهذا الأصل المقرر في المذهب".
لقد بدا لنا من خلال هذه الفتوى المطولة كيف أن التزام المذهب ظل مقيدًا للشاطبي في طبيعة تنزيله واجتهاده المقاصدي، وهو ما يؤكد أنه لم يخرج في مجال الاجتهاد الفقهي التنزيلي عن حدود المذهب، لأنه لا يرى للفقيه المنتسب للمذهب المالكي الخروج عنه، إن سقف حركة الشاطبي المقاصدية كانت تتحرك في ظل المذهب المالكي وحسب، ولم يكن يخرج باجتهاده إلى فضاء المذاهب الفقهية الأخرى ليجد لنظريته مجالاً أكثر اتساعًا ورحابةً وتعددًا.
إن مجموع تلك النصوص عن الشاطبي تكشف لنا أن التعثر في تفعيل المقاصد لا يعود بشكل دائم إلى عدم قدرة الفقيه على امتلاك أدوات التفعيل، فربما منعه من تفعيل ذلك التزامه المذهبي، فالالتزام بحدود المذهب أو آراء المدرسة قد يكون معيقًا للعقل الفقهي من تفعيل المقاصد والقواعد عند من يمتلك أدواتها، فالشاطبي على جلالته مقاصديًا لم يتمكن من ذلك، وتفعيله المقاصدي على مستوى الاختيار الفقهي لم يكن يتناسب مع حجم تنظيره.

ما نختم به هذا المقال كملاحظة منهجية عامة هي:
-------------------------------
أن هذا التفاوت بين إدراك النظرية وتطبيقها ليس خاصًا بعلم المقاصد وحسب، بل هو أمر يتكرر في عددٍ من العلوم الشرعية، حيث نجد أن اشتغال الدارس بالجانب النظري أكثر من اشتغاله بالجانب التطبيقي، وهذا ليس تقليلاً من الجانب النظري في تلك العلوم، فالعلوم الشرعية لا تزال بحاجة إلى دراسة حتى في جوانبها النظرية، وإنما المقصود هو تفعيل الممارسة التطبيقية في تلك العلوم، فالممارسة هي أعظم خدمة يمكن أن نقدمها للنظرية فمن خلالها نكتشف إشكالاتها ونكمل جوانب النقص التي تعتريها، ونعيد استئناف القول فيها من جديد.

------------------------------------------
[1] مقاصد الشريعة، ابن عاشور (ص 258).
[2] فتاوى الشاطبي (ص 151).
[3] فتاوى الشاطبي (ص 119).

[4] المصدر السابق (ص 176- 177).

[5] المصدر السابق (ص 150).

[6] المصدر السابق (ص 148).

[7] المصدر السابق (ص 161).

[8] المصدر السابق (ص 164).

[9] المصدر السابق (174).

[10] المصدر السابق (127).

[11] المصدر السابق (160).

[12] المصدر السابق (ص 150).

[13] المصدر السابق (ص 152).

[14] المصدر السابق (145).

[15] المصدر السابق (ص 140، 141).

[16] المصدر السابق (ص 130).

[17] المصدر السابق (156- 160).
------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


ig ;hk hgah'fd lrhw]dWh?

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مقاصديًا؟, الشاطبي

« مراجعات لكتاب: السلفية العالمية | الإلحاد الناعم أخطر من الإلحاد الخشن »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:06 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68