تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي

المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي "مقاربة نقدية " ـــــــــــــــــــــــــــــ (د. تامر بكر) ـــــــ 29 / 1 / 1436 هــ 22 / 11 / 2014 م ـــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-22-2014, 08:26 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي


المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي "مقاربة نقدية "
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(د. تامر بكر)
ـــــــ

29 / 1 / 1436 هــ
22 / 11 / 2014 م
ـــــــــ

المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي _8815.jpg


إن المتأمل في الخطاب القرآني عامة يجده إما خطابا تفصيليا وإما خطابا كليا، وإما خطبا منهجيا، وذلك عندما يكون الأمر متعلقا بالمعاني المجردة أو الكون والطبيعة، وذلك لدفع العقل للتأمل والتدبر.

ومصطلح (الكليات) عموماً، يُقصد به المعاني والقواعد العامة المجردة، التي تشكل أساساً لما ينبثق منها، وينبني عليها من الجزئيات؛ وعليه فإن مصطلح (الكليات) هو المصطلح المقابل لمصطلح (الجزئيات)، حيث إن الجزئيات كل ما يأتي تفصيلاً وتطبيقاً للكليات، سواء أكان ذلك منصوصاً عليه، أم مجتهداً فيه تنـزيلاً وتطبيقاً.

والمقصود بالكليات عموما في القرآن الكريم، هي تلك الآيات التي تتحدث عن أمور كلية، تتعلق بجانب التصور والاعتقاد والأخلاق والسلوك والمقاصد، أو بعبارة أخرى: هي المعاني والمبادئ والقواعد العامة المجردة، التي تشكل أساساً ومنبعاً لما ينبثق عنها، وينبني عليها من تشريعات تفصيلية، وتكاليف عملية، وأحكام وضوابط تطبيقية.

وقد جاءت (كليات القرآن) كي تحدد القيم والمثل، وتنشئ تصوراً عاماً للكون والحياة، وتبين الغايات والمقاصد العامة التي يسعى التشريع لتحقيقها في حياة الناس، وفي الوقت نفسه، وضحت تلك الآيات أمهات المفاسد، وأصول الانحرافات التي تهدد حياة الإنسان، من عقدية وفكرية ونفسية وسلوكية(1).

ومما ينبغي الإشارة إليه هنا، أن كثيراً من (كليات القرآن) قد قررتها الكتب السابقة عليه، ولا غرابة في ذلك، فما دام المصدر واحداً، وهو الله، ومادام المتلقي واحداً، وهو الإنسان، فمن الطبيعي أن تكون هذه الكليات من الأمور المشتركة بين شرائع السماء، يقول ابن تيمية: "وقرر -القرآن- ما في الكتاب الأول من أصول الدين وشرائعه الجامعة، التي اتفقت عليها الرسل؛ كالوصايا المذكورة في آخر الأنعام، وأول الأعراف، وسورة سبحان، ونحوها من السور المكية.."(2)، وهذا هو ما تشير إليه الآية الكريمة {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}(الشورى13)، فالآية تدل على أن ما شُرع في دين الإسلام من الأصول والكليات هو نفسه الذي شُرع في شرائع الأنبياء السابقين.

إن (الكليات القرآنية) قد تكفلت بإرساء الأساس النظري والإطار المرجعي، الذي ينبثق منه التشريع الإسلامي عامة بما يحتويه من جانب سياسي، فالشريعة الإسلامية قد تفصَّلت فروعها بعدما تأصلت كلياتها (3)

وقد تعددت اجتهادات الفقهاء والقانونيين والمفكرين الإسلاميين في تبيان وتعداد تلك الكليات والمبادئ والقواعد العامة المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي.

ومن ذلك ما ذكره الدكتور عطية عدلان(4)، حيث عددها وحصرها في الأسس العامة الآتية:

1- السيادة للشرع.

2- السلطان للأمة، والأمة مصدر السلطات.

3- الشورى منهج الحكم.

4- التكامل أساس العلاقة بين الحكام والمحكوم.

5- إقامة العدل وحراسة الحريات ورعاية المبادئ وحقوق الإنسان.

6- وحدة الأمة وواحدية الإمام.

و قد اجتهد الدكتور محمد سليم العوا أيضا (5) في تحديد عدد من المبادئ العامة للنظام السياسي في الإسلام، ورغم أني أخالفه في بعض أطروحاته التي عرضها في هذا الكتاب - من مثل: اعتباره أن النظام السياسي عند المسلمين يوجد به مبادئ عامة من دون وجود نظام سياسي محدد للدولة في الإسلام ! - إلا أن اجتهاده عندي في تحديده منظومة القيم السياسية الإسلامية هو اجتهاد طيب وذلك بعيدا عما رتبه هو وغيره على تحديده تلك المبادئ من أنه ليس في الشريعة الإسلامية نظاما للحكم!(6)

وقد عرض تلك المبادئ في مبحثين:

المبحث الأول: وهو فيما تفردت به الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع الوضعية: "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" فالأمر بالمعروف عنده هو الأمر بكل ما ينبغي فعله أو قوله طبقا للشريعة، والنهي عن المنكر هو النهي عن كل ما ينبغي اجتنابه في الشريعة من قول أو فعل.

المبحث الثاني: "في أهم المبادئ الدستورية الإسلامية"، وهذه المبادئ هي التي يراها واجبة على الأمة والدولة أن تحرص وتحافظ عليها وتعمل بها، وهي عنده كما يلي: "الشورى، العدل، الحرية، المساواة، حق مساءلة الحكام مع وجوب طاعتهم في غير معصية".

وهناك من اعتبر أن هذه المبادئ العامة هي: (الشورى، العدل، المساواة أمام القانون، حسن معاملة الأقليات الدينية والسياسية)(7)

و هناك من اعتبرها: (الشورى، العدالة، المساواة، الحرية، مسؤولية أولي الأمر) (8)

وهناك من اعتبرها: (الشورى، والعدالة، والجهاد في سبيل الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (9)

وقد ذكر الأستاذ محمد إبراهيم مبروك أن النظام السياسي الإسلامي يقوم على قواعد خمسة، وهي: الحرية، المرجعية، المساواة والعدل، الشورى، الاختصاص.(10)

ولقد ادّعى بعض الإسلاميين المعاصرين من المتأثرين بما يسمى بالليبرالية الإسلامية أن "النظام السياسي في الإسلام جاء بمبادئ وكلِّيَّات عامة ولم يأت بأحكام وتشريعات محدَّدة، فالواجب هو تطبيق المبادئ العامة: من العدل والحرية والشورى والمساواة، وأما كيفية ذلك، فهذا مما يُختلَف في تقديره كل عصر، وهذا تصوُّر لذيذ جداً للفكرة العلمانية؛ لأن مشكلتهم مع بعض الأحكام والتفصيلات الشرعية، وأما المبادئ والكليات فمن خاصيتها أنها واسعة ومرنة؛ يمكن الدخول والخروج منها بكلِّ اطمئنان، وحين نقول: إن الإسلام جاء بمبادئ ولم يأتِ بتشريعات، فنهاية هذا الكلام: أن الإسلام لم يأتِ في النظام السياسي بشيء؛ لأن هذه الكليات موجودة عند كل الأمم والحضارات، ولا يوجد أحد في الدنيا لا يأخذ بهذه المبادئ، غير أن لكلِّ ثقافة تفاصيلها ومحدِّداتها لهذه المفاهيم، وحين نلغي الأحكام الشرعية المفصَّلة لهذه المبادئ فإننا في الحقيقة قد ألغينا الحكم الإسلامي...؛ فالكليات معنى ذهنيٌّ تجريديٌّ لا يقوم بدون تفصيلات وتفريعات...وحين تبتعد الفروع والجزئيات فإن الكليات والمقاصد التي يؤتى بها تكون مقاصد وكليات أخرى ليست هي الكليات والمقاصد الشرعية؛ فالمقصد الشرعي والكلي الشرعي معتمَد ومفسَّر بجزئياته وفروعه الشرعية "(11)

والحقيقة أنه لا يُعلم على وجه التحديد أول من قال بأنه لا يوجد أي نظام سياسي محدد في الإسلام، وأن غاية ما هناك وجود بعض المبادئ السياسية العامة في الإسلام التي يمكن ضبط أي نظام غربي بها، وإن كان الشيخ محمد شاكر الشريف يرى أن "جذور مثل ذلك الكلام تعود إلى كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق، وذلك لأنه قال عن نظام الحكم أيام النبي – صلى الله عليه وسلم – (ص45، 46):(إنه كان موضع غموض وإبهام وخفاء ولبس)، لكنه لما اضطرته السيرة النبوية بما فيها من نظام الحكم الذي أقامه الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى الحديث عن أمور واضحة وليست مبهمة، حاول أن يتلاعب بالألفاظ ليخرج من هذا المأزق الذي يبطل دعواه، فقال (ص79): (لا يربنك هذا الذي ترى أحيانا من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة، فإنك إذا تأملته لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان عليه – صلى الله عليه وسلم – أن يلجأ إليها تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة)" (12).

فالتناظر بين الجديد والقديم واضح، فقولهم (ليس في الإسلام نظام سياسي محدد) يناظر قول علي عبد الرازق (كان نظام الحكم موضع غموض وإبهام وخفاء ولبس)، واعترافهم بوجود بعض المبادئ العامة يناظر اعترافه بوجود بعض مظاهر الملك والدولة، وإن كان هو قد فسرها على إنها وسائل لتثبيت الدين، فإن بعض المعاصرين قد بينوا مرادهم بالمبادئ العامة، بما يجعلها كلمة لا قيمة لها؛ لأنهم وكما يظهر من كلامهم يرون أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن بعده الصحابة لم يطبقوا هذه المبادئ العامة، وذلك لازم من اعتقادهم عدم وجود نظام سياسي أصلا!، إن هؤلاء يرون أن " تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالإمامة والقضاء كلها قضايا مصلحة دنيوية ليست تشريعاً من السماء، فالشؤون الدستورية والسياسية هي من المصالح المتغيرة، وما جاء فيها من أحكام فهو لأجل الاستفادة منها والبناء على أصولها ومناهجها القائمة على اعتبار المصالح وليس لأجل الالتزام بها.

ومعنى هذا الكلام أنه لا وجود لتشريعات ملزمة في النظام السياسي الإسلامي، وما وجد سابقاً هو مرحلة تاريخية ليس إلا! "(13)

إننا "حين نمسك خيوط لوازم هذا القول فلن نصل إلى نهايتها إلا بعد أن نكون قد نكثنا الغزل عن رسالة الإسلام بالكلية؛ لأن بإمكان أي أحد أن يلغي أي حكم شرعي أراد بسبب أن هذا الحكم كان مرتبطاً بظرف زمني قد انتهى، بل حتى الصلاة والزكاة والصيام والحج يمكن أن يقال: إنها عبادات نشأت في ظرف زمني كان الناس فيه بحاجة إلى التعبد بطريقة معيَّنة"(14)

يقول الدكتور محمد سليم العوا: "ترك الرسول تحديد تفاصيل نظام الحكم ليقرر فيه المسلمون حسب مصالحهم، ما ينسب متطلبات الزمان والمكان والظروف المتغيرة غير مقيدين إلا بالقواعد العامة للشريعة الإسلامية، وبالقواعد والمثل الأخلاقية العليا التي ضربها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خلال سنيّ حكمه" (15)، ويقول أيضا: "جاء القرآن الكريم – مصدر الأحكام الأول – في المجال السياسي، أو في مجال الشؤون الدستورية ببعض المبادئ العامة الأساسية التي لا يمكن إهمالها في أي نظام حكم صالح، وتركت التفاصيل والجزئيات دون إشارة إليها في القرآن الكريم" (16)

وكان من الممكن أن نعتبر دعوى وجود المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي تنصب على عدم إلزام المسلمين على مر العصور بطرق عملية ووسائل وآليات معينة، لولا تلك الأقوال عنده التي تنفى وجود نظام سياسي من أصله، فقط الذي جاء في الإسلام – في رأيه ورأي غيره من أصحاب هذا الفكر – مجرد مبادئ سياسية عامة ليس إلا.

يقول الدكتور العوا: " إن الصحيح هو أن القرآن الكريم والسنة النبوية لا يتضمنان نظام حكم محدد المعالم والتفاصيل يجب على المسلمين في كل العصور الالتزام به والوقوف عند حدوده" (17)

والدكتور العوا يحاول إيجاد حل للمشكلة التي ارتآها وهي وجود مبادئ عامة في الإسلام بلا نظام سياسي محدد، وبدأ عرض حله من ذكره للرؤى المغايرة لما يراه وموقفه منها، فيعرض (18) لمنهجين لبعض المعاصرين للمواءمة بين تعاليم الإسلام وحاجات العصر.

الأول: جامد متوقف على آراء الأولين.

والثاني: يتجاوزها إلا أنها أصل يدور حوله ويعتبر فتاواهم ملزمة إلا عند الضرورة وفى أضيق الحدود.

ثم يوضح موقفه من المنهجين وهو الرفض أو التحفظ عليهما، فهما في رأيه يفتقران إلى نقطة البدء السليم، إذ يجب أن ينطلق البحث من حقيقتين:

الأولى: أن تفاصيل النظام السياسي للدولة الإسلامية – بكل ما تشمله هذه العبارة من معان – تركت أصلا لكي يختار فيها المسلمون ما يوائم العصور المختلفة والظروف المختلفة، فليس في أي من مسائل هذه التفاصيل نص ملزم يجب على المسلمين اتباعه مهما اختلفت الظروف أو تباعدت الأزمان...

الثانية: أن قواعد هذا النظام العامة التي نزل بها القرآن والسنة ملزمة للأمة في كل عصر، فمثلا ً في الشورى النظام ملزم بها دون إلزام بطريقة معينة لإدارتها.. أو للمسائل التي تطرح أو غير ذلك من فرعياتها.. وعليه فإن الدكتور العوا يرى أننا يجب أن نفرق بين ما يعتبر من(أصول) النظام السياسي وما يعتبر من (تاريخه).

ومثل هذا الطرح لفكرة النظام السياسي الإسلامي من الدكتور العوّا له ما له وعليه ما عليه، فليس مقبولا أن يتجمد ويتوقف البعض على كل وسائل وآليات الأولين في نظامهم السياسي، وليس مقبولا أيضا أن يرى البعض أيضا أن الفتاوى التي فرق العلماء بينها وبين الحكم الشرعي الثابت في أنه من طبيعتها التغيير - بضوابط (19) - بتغير الزمان والمكان، يجب أن تكون ملزمة لكل الأزمان التالية لزمن الفتوى.

ولكن في نفس الوقت يجب ألا نهمل جهود وفتاوى السابقين لمجرد أنهم سابقين؛ فإن كان عندهم ما ينفعنا أو ما زال صالحا لزمننا من وسائل لا تتعارض مع القواعد العامة والأصول، فيمكننا الأخذ به أو تطويره وتعديله.

فإن لم نفعل فإننا في الحقيقة نعيد اكتشاف ما تم اكتشافه مسبقا من جديد!

لأننا إذا شرعنا في وضع نظم سياسية للدولة الإسلامية بطريق الوضع الإنشائي الاستقلالي الحديث متجاوزين كل اجتهادات السابقين غير آبهين بها، متوهمين أننا إذا التفتنا لها أو انطلقنا منها سنكون دائرين حول أصل آرائهم!، ومعتمدين في ذلك على أننا نطبق القواعد العامة التي نزل بها القرآن ملزمة في كل زمان ومكان، إذا فعلنا ذلك فسنكون قد ظننا أن المسلمين الأوائل أيضا قاموا بوضع نظم سياسية اخترعوها للدولة الإسلامية بطريق الوضع الإنشائي الاستقلالي من عند ذوات أنفسهم، ووفق مقاييسهم العقلية وتصوراتهم الشخصية أو خبراتهم التاريخية، وهذا ما لم يحدث؛ لأن النظام السياسي نظام شرعي، استمد أصوله وفروعه من الشرع: فأصول هذا النظام وفروعه، أو قواعده وجزئياته،أو هيئاته ومؤسساته إنما ترجع إلى الشرع وتستند إليه، ويستدل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة النبوية.

إننا إذا رجعنا إلى أقوال عدد من القائلين بأن الذي جاء به الإسلام في نظامه السياسي هو مبادئ وقواعد عامة فقط بدون أية معالم كـ(المؤسسات السياسية أو الدولة)، سنصل من تلك الأقوال إلى أن أصحاب هذه الأفكار، لهم طريقان في هذا الفهم:

"أولهما: أن هذه المبادئ والقواعد العامة جاءت في القرآن بدون أية تفصيلات ولا أحكام جزئية، أما ما جاء في السنة من بيان وتفصيلات فهي نصوص غير ملزمة وهي موقوتة بزمن التشريع ولا يلزمهم منها إلا المبادئ وفقط، وبالتالي فيمكن الاستعانة بالنظم الغربية، وتقديمها أنها التفصيل الشرعي لهذه المبادئ، والقواعد العامة.

وثانيهما: أن هذه المبادئ والقواعد العامة جاءت شديدة العمومية، وإن التفصيلات والأحكام الجزئية التي تندرج تحت تلك المبادئ والقواعد لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الجهد البشري البحت، وبالتالي فليس هناك حكم إسلامي من الأصل، وإنما هو حكم بشري، وكل ما يمكن أخذه من الدين هو روح هذه المبادئ فقط!، وهو فهم ينفي عن الشريعة كلها الصبغة الإلهية في علمانية واضحة وصريحة لا يقول بها ولا يعلنها إلا من تمرد على الإسلام وشريعته" (20)

إن محاولة اعتبار ما جاء في كلام أهل العلم عما أسموه (بالقواعد الكلية) هو نفس ما جاء من كلام المعاصرين عن المبادئ والقواعد العامة للنظام السياسي، لهو نوع من الخلط العجيب!

وهناك تفرقة دقيقة بين مصطلح (المبادئ العامة) كما يفهمه أهل العلم القائلين باحتواء الإسلام على نظام سياسي واضح المعالم، وبين الذين يرون الإسلام لم يأت بأي نظام سياسي بل ما جاء إلا بمجرد مبادئ عامة فقط.

يقول الإمام ابن تيمية عن مفهومه للقواعد الكلية: "وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذِهِ مَا فِيهَا آيَةٌ وَلَا حَدِيثٌ: فَهَذَا مِنْ جَهْلِهِ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ فِيهِمَا كَلِمَاتٌ جَامِعَةٌ هِيَ قَوَاعِدُ عَامَّةٌ وَقَضَايَا كُلِّيَّةٌ، تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا دَخَلَ فِيهَا وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِيهَا فَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِاسْمِهِ الْعَامِّ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ ذِكْرُ كُلِّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ" (21) ويقول أيضا: "الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النُّصُوصَ وَافِيَةٌ بِجُمْهُورِ أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا وَافِيَةٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَعَانِيَ النُّصُوصِ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَالُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشُمُولُهَا لِأَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ وَقَاعِدَةٌ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ تَتَنَاوَلُ أَعْيَانًا لَا تُحْصَى فَبِهَذَا الْوَجْهِ تَكُونُ النُّصُوصُ مُحِيطَةً بِأَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ" (22)

وقد ألف ابن تيمية كتابه المشهور(السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) بناء على تلك القواعد الكلية في آيتي (سورة النساء 59، 60)؛ فالخطاب في الآية الأولى للولاة والحكام، والخطاب في الآية الثانية للرعية المؤمنين.

ويقول الإمام القرافي أيضا في معرض تعريفه لأصول الشريعة: "قواعد كلية فقهية كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف" (23)

ومما سبق يظهر بأن الفرق بين مراد أهل العلم (بالقواعد العامة) ومراد غيرهم بتلك القواعد العامة، أن أهل العلم يرون أن القرآن الكريم وإن لم يتعرض إلا للمبادئ دون التفصيلات، لكن هذه التفصيلات متضمنة في تلك المبادئ.

ولو كان القائلون بأن للإسلام مبادئ سياسية عامة من دون أن يكون له نظام سياسي واضح المعالم، يقصدون أن ما حدث من ممارسات سياسية على عهد الرسول وبعد وفاته من الصحابة الكرام كان تطبيقا عمليا لتك المبادئ يناسب بيئتهم فقط، فإننا نقول ألا دليل لديهم على ذلك، ثم نقول: لماذا كان ذلك في الأمر السياسي فقط، لماذا لا يكون أيضا في القضاء والاقتصاد ونحو ذلك، والجواب: أنهم إذا قالوا بذلك، فكأنما يدعون أن الإسلام لم يجيء بأي نظام واضح في أي شيء، بل كل ما جاء به هي مجرد مبادئ عامة وفقط، وبالتأكيد هم لا يقولون بذلك!

وأخيرا فإننا لم نجد كثيرا من المعاصرين الذين قصروا النظام السياسي الإسلامي على مجرد المبادئ-دون المعالم-، ذكر مبدأ هاما جدا في تلك المبادئ بل هو من أدلة إسلاميتها، ألا وهو مبدأ (السيادة للشرع)؛ حيث إن الحكم لله وحده، وهو ما يعرف لفظيا بمبدأ (السيادة لله)، ولذلك فإن مثل هذا القول عن وجود المبادئ السياسية العامة من دون وجود معالم لنظام سياسي إسلامي، يحمل في طيات ذاته عوامل هدمه.

إننا إذا أردنا أن تكون تلك المبادئ العامة محددة لفظيا، فيمكن أن نحصرها في أمرين، ذكرهما المستشار عبد القادر عودة –رحمه الله-؛ فقد تحدث عن دعامتيْن لنظام الحكم في الإسلام قائلا: "إن نظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين: إحداهما طاعة الله واجتناب نواهيه، والثانية: الشورى، أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم، فإذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص، وليُسمَّ بعد ذلك: الخلافة والإمامة، فكل هذه تسميات لا غبار عليها، أما إذا قام على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا ينسب للإسلام" (24)

والحقيقة أننا إذا أمعنا النظر نجد أن هاتيْن الدعامتيْن متسعتيْن بحيث إنهما تشملان القرآن الكريم، فدعامة الشورى هي منهج للحكم قد تم النص عليه بوضوح في القرآن الكريم وتركت تفاصيل وسائله وكيفيته لاجتهاد العلماء، وأما دعامة طاعة الله بتنفيذ أوامره واجتناب نواهييه، فهي منبثقة من مبدأ (السيادة لله)-فلا يُطاع إلا السيد-، ويندرج تحتها المبادئ العامة التي يظهر منها أنها خاصة بنظم الحكم والسياسة، كالعدل، والجهاد، والوحدة –مثلا-، وكذلك المبادئ العامة التي تنتمي في الأصل لمنظومة القيم الإسلامية أو الإنسانية عامة، والتي تلزم لأي نظام سياسي راشد، كالحرية والمساواة وغير ذلك.

وبالتالي فيمكننا القول ونحن مطمئنين أن المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، ليست محصورة في عدد معين، وأنها تتسع لتشمل كل ما يمكن استنباطه -بالطرق المعروفة في أصول الفقه- من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية –حديثا وسيرة-، وسيرة الخلفاء الراشدين، حسبما يفتح الله لعباده من أهل العلم من فيوضات تنير بصائرهم.

ويمكننا القول أيضا: إن الكليات والمبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي هي نسق فكري عام نابع من القرآن والسنة، تكفّل بإرساء الأساس النظري والإطار المرجعي، الذي ينبثق منه النظام السياسي الإسلامي، بحيث تفصَّلت فروعه بعدما تأصلت كلياته.

وعلى أية حال، تكمن فائدة تلك الكليات أو القواعد والمبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي في أنها شكلت أساسا لبعض معالم هذا النظام في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الراشدين، كما أنها شكلت سابقا ويمكن أن تشكل لاحقا أساساً لما يمكن أن ينبثق منها، وينبني عليها من اجتهادات المسلمين عبر العصور وحسب حاجاتهم في وسائل وكيفيات وآليات معالم النظام السياسي الإسلامي.

وهنا يثور سؤال: إذا كان النظام السياسي الإسلامي لا يحتوى على المبادئ والكليات العامة فقط؛ فما هي محتوياته الأخرى التي تشكل المعالم الرئيسة المحددة له؟

والجواب: ليس من شرط كون النظام السياسي الإسلامي مدلولا عليه بأدلة الشرع أن يكون الدليل الدال عليه على شكل نص صريح خاص بذلك، إذ أن الدلالة الدالة على النظام السياسي الإسلامي قد يُدل عليها إما بصريح صيغتها ووضعها، مثل: (الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والظاهر) وإما بغير صريح الصيغة والوضع، مثل: (دلالة الاقتضاء ودلالة التنبيه والإيماء ودلالة الإشارة والمفهوم)(25)، وفي كلا الحالتيْن يأتي دور العلماء والمختصيْن لتبيان هذا النظام.

وبناء على ذلك يمكننا القول:

إن النظام السياسي الإسلامي، يتكون من المعالم الرئيسة الآتية:

1- كليات المبادئ العامة.

2- مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها.

3- الدولة الإسلامية ومكوناتها.

ولعلنا في مقالات قادمة بإذن الله نستعرض مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها، وكذلك الدولة الإسلامية ومكونتها، بحيث نبيّن ما بُني فيهما على النصوص الشرعية الصريحة، وما بُني فيهما على المبادئ والقواعد العامة للنظام السياسي الإسلامي المستنبطة بطرق الاستنباط –المعروفة- من القرآن الكريم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يُنظر: د. أحمد الريسوني (الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية) دار الأمان بالرباط، دار السلام بالقاهرة، ط1/ 2010م.

(2) أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) دار العاصمة بالرياض، ط1/ 1414هـ (1/ 64)

(3) انظر: د. أحمد الريسوني (الكليات الأساسية) مرجع سابق.

(4) د. عطية عدلان (الأحكام الشرعية للنوازل السياسية ) الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ط1 / 2011م (ص68: 116)، والمقصود بالنوازل: هو القضايا والوقائع الجديدة.

(5) محمد سليم العوا (فى النظام السياسي للدولة الإسلامية) دار الشروق، ط 8 / 1426هـ، 2007م (الفصل الرابع)

(6) من العجيب أن تتسرب تلك الأقوال لبعض من كان له دور رئيس في مقاومة العلمانية والرد عليها بلغة تناسب أصحاب الفكري الغربي، مثل الدكتور محمد عمارة، في كتابه( الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية) دار الشروق، ط1/ 1409هـ، 1988م ( ص 53)، حيث يقول: " الإسلام كدين لم يُحدد للمسلمين نظاما محددا للحكم " !!!

فإن كان قصده، أنه لا يوجد في الإسلام إلزام بكيفية معينة لاختيار الحاكم، فهو كلام سليم، و إن كان قصده أنه لا يوجد في الإسلام أي معالم محددة للحكم، فهذا هو موضع الخلاف معه.

(7) د. سليمان الطماوي (السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي) دار الفكر العربي، ط3/ 1974م (ص462، 463)

(8) د/ عبد الحميد متولي (مبادئ نظام الحكم) دار المعارف، ط1/ 1966م (ص240)

(9) محمد محمد علي محمد (الفكر السياسي عند الإمام الشوكاني، دراسة مقارنة) رسالة علمية لنيل(الماجستير) بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، 1993م، بإشراف، د.السيد رزق الحجر، نقلا عن موقع الألوكة، 3/7/2010م، على الرابط: http://www.alukah.net/library/10787/23251/

(10) محمد إبراهيم مبروك (الإسلام الليبرالي بين الإخوان المسلمين والوسطيين والعلمانيين) مركز الحضارة العربية، بالجيزة، ط1/ 2012م (ص91: 95)

(11) فهد بن صالح العجلان (قصة العلمانية المؤسلمة) مجلة البيان، شوال 1433هـ، أغسطس 2012م، (العدد 302)

(12) محمد شاكر الشريف ( تحطيم الصنم العلماني ) دار البيارق، ط1/ 1421هـ، 2000م (ص25)

(13) فهد بن صالح العجلان،(قصة العلمانية المؤسلمة)، مرجع سابق.

(14) المرجع السابق.

(15) محمد سليم العوا، (فى النظام السياسي للدولة الإسلامية) مرجع سابق (ص66).

(16) المرجع السابق (ص147).

(17) المرجع السابق (ص 183)

(18) المرجع السابق (ص240)

(19) " يجب أن يُعلم أن عملية تغير الفتوى بتغير الزمان و المكان و الشخص؛ إنما هي عملية تهدف إلى إبقاء الأمور تحت حكم الشريعة، وإن تغيرت صورتها الظاهرة، فهي ليست خروجاً على الأحكام الشريعة الثابتة و ليست استحدثاً لأحكام جديدة، و من الضوابط التي يجب مراعتها عند اختلاف الفتوى، ما يلي:

اختلاف العوائد والأعراف، وجود السبب وتحقق الشرط وانتفاء المانع أو عدم بعض ذلك، الضرورة الملجئة، تغير الأوصاف أو الأسماء، تدافع المأمورات أو المنهيات، وجود العارض وزواله، تغير الآلات والوسائل ".[محمد شاكر الشريف (ثبات الأحكام الشرعية وضوابط تغيُّر الفتوى)، بتاريخ 3/1/ 2013م على الرابط التالي:

http://www.saaid.net/Doat/alsharef/3.htm

(20) محمد شاكر الشريف (تحطيم الصنم العلماني) مرجع سابق (ص178: 189) بتصرف

(21) ابن تيمية (مجموع الفتاوى)، مرجع سابق (34/206، 207):

(22) المرجع السابق (19/280)

(23) أبو العباس القرافي (أنوار البروق في أنواء الفروق) دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ - 1998م ( 1 / 2: 3)

(24) عبد القادر عودة (الإسلام وأوضاعنا السياسية) مؤسسة، بيروت، لبنان، 1401هـ، 1981م (ص 94)

وأحب أن يكون واضحا أنني أوافق المستشار عبد القادر عودة، فيما ذكره من تنظير لفظي للمبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، وكذلك في عدم الإلزام بإطلاق لفظ الخليفة على الحاكم، دون أن أوافقه فيما يبدو من بعض كلامه، أنه من الذين يقصرون النظام السياسي الإسلامي على مجرد المبادئ العامة، حيث قال في (ص93) من هذا المرجع: " والخلافة والإمامة والملك لا يقصد منها في نصوص القرآن إلا الرئاسة بمعناها العام، ولا يقصد منها الدلالة على نظام معين من أنظمة الحكم ".

(25) انظر: محمد شاكر الشريف (تحطيم الصنم العلماني )مرجع سابق (ص62)

------------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


hglfh]z hguhlm ggk/hl hgsdhsd hgYsghld

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-07-2015, 08:49 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الدولة في الإسلام، ومعالمها

الدولة في الإسلام، ومعالمها (نشأتها، مركز الفرد فيها وغاية وجوده، قانونها)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. تامر بكر)
ـــــــ

16 / 3 / 1436 هــ
7 / 1 / 2015 م
ــــــــــ



انتهيت في دراسة سابقة (1) إلى أن النظام السياسي الإسلامي، يتكون من المعالم الرئيسة الآتية:

1- كليات المبادئ العامة.

2- مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها.

3- الدولة الإسلامية ومكوناتها.

ويمكننا أن نعتبر أن هذه المعالم تحتوي على قيم ومقاصد هذا النظام السياسي الإسلامي؛ فالكليات والمبادئ العامة لهذا النظام هي بمثابة منظومة القيم الخاصة به، وأما مؤسسات هذا النظام السياسي –والتي بينتها في دراسة سابقة أيضا (2) - وكذلك (الدولة) فهما مقاصد هذا النظام السياسي.

والحقيقة أن مؤسسات النظام السياسي وكذلك الدولة ليسا مطلوبين لذاتهما، فهما من المقاصد التي لا تطلب لذاتها، حتى لو كان لا غنى عنهما ولا مفر منهما.

ولعل ذلك هو ما دفع بعضهم للقول بأن كون «الدولة الإسلامية» وسيلة إلى غيرها، وليست من المقاصد المقصودة لذاتها؛ فإنها لا تعدو بأي حال إلا أن تكون «محض اجتهاد»، يخضع أمره بالضرورة -التأصيلية- إلى النظر المصلحي ليس إلا؛ وبالتالي فإن حكم إقامة الدولة في الإسلام من عدمه يكون تبعا للمصالح!

ومثل ذلك الكلام يعني أن القائلين بذلك يرون أن الأصل عندهم ليس وجوب إقامة الدولة بل استواء إقامة الدولة مع عدم إقامتها (الإباحة)، وأن ذلك قد يتغير حسب تقدير المصلحة!

والحقيقة أن الوسائل من حيث الحكم التكليفي والحكم عليها تنقسم إلى عدة أقسام، والذي يعنينا منها هنا هي (الوسيلة الواجبة): وهي إما الوسيلة المنصوص عليها، التي لا يجوز تغييرها بغيرها، لأنها موقوفة بل الواجب العمل بها، وهي الوسيلة الوحيدة التي تفضي إلى المقصد، وإما وسيلة اجتهادية غير منصوص عليها؛ لكن المقصد لا يتحقق إلا بها، فتصير في حكم المنصوص عليها.

ولقد شاع على ألسنة بعض العلماء أن حكم الوسائل هو حكم ما أفضت إليه، غير أن المحقق في هذه المسألة يجد أن الوسيلة لا تأخذ حكم ما أفضت إليه بإطلاق، وإلا كان ذلك نوعا من الميكافيلية التي تطبق شعار (الغاية تبرر الوسيلة) دائماً.

فمثلاً: إذا كان المقصد مطلوباً جائزا، ووجد أن وسيلته محرمة؛ فإن هذه الوسيلة تظل محرمة، ولا تتحول من حكم التحريم إلى حكم الجواز بناء على أن الوسيلة تأخذ حكم ما أفضت إليه!.(3)

إن قاعدة (للوسائل أحكام المقاصد) إنما تنطبق انطباقا تاما مطَّردا على الوسائل المباحة في ذاتها، فيما إذا كانت هذه الوسائل المباحة مفضية إلى مقصد مباح أو مكروه أو محرم.

أما إذا أفضت هذه الوسائل المباحة إلى مقصد واجب أو مندوب فإنها تأخذ حكم ما أفضت إليه من الوجوب والندب بشرط أن يتوقف تحقيق هذا المقصد ـ واجبا كان أو مندوبا ـ على هذه الوسيلة المباحة.

بمعنى آخر؛ فإن الوسيلة إذا كانت مباحة في ذاتها فإن حكم الوسيلة -من جهة التوسل بها إلى المقصد- هو الوجوب إذا كان وجود المقصد متوقفا عليها؛ كوجوب السفر بالطائرة إلى مكة؛ إذا توقف عليه الحج الواجب، ويكون في هذه الحالة أيضا حكم المقصد المتوسل إليه هو الوجوب.

إن إقامة الدولة في الإسلام وسيلة واجبة؛ فهناك أشكال ووسائل لتحقيق المقاصد تختص بها الدولة وتحتكرها، ومثل تلك المقاصد لا تقوم إلا بإقامة دولة تكون مجمعا للوسائل، وهناك مجالات تتولى الدولة الجزء الأعظم منها، لما لها من الوسائل وعناصر القوة التي ليست للأفراد ولا لجماعتهم ومجتمعهم.

فإذا أخذنا علي سبيل المثال (تغيير المنكر) في المجتمع الإسلامي، فسنجد أنه من المقاصد الشرعية المنوطة بالأفراد كلا على حدة، وهو منوط أيضا بـالمجتمع وجماعاته المختلفة بصفتهم الجماعية(الأمة)، وهو منوط بالدولة وولاتها ومؤسساتها. وكل جهة من هذه الجهات الثلاث لها أولوياتها ووسائلها في تغيير المنكر؛ ولا يمكن للأفراد أو (المجتمع/ الأمة) أن يغنيا تماما عن الدولة وأجهزتها بوسائلها وأولوياتها في إنكار المنكر.

وبذلك يكون حكم إقامة الدولة الإسلامية هو الوجوب؛ على الرغم من أنها في النهاية وسيلة؛ أو أُمُّ الوسائل ومجمعها، ولا يغير هذا (الوجوب) انتماءها إلى جنس الوسائل المطلوبةِ والمقصودة لغيرها لا لذاتها.

ولسنا في حاجة هنا أن نؤكد على أن هذا الحكم هو الحكم المجرد عن وقائع التطبيق، وأن هذا الوجوب متعلق بالقدرة عليه، وبالقدرة على تحقيق مقاصد الشرع منه، وبميزان المصلحة والمفسدة المترتبه على تحقيقه، وهذا ليس مبحثنا ههنا.

أ- نشأة الدولة الإسلامية:
------------------

"القرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة حيث بشرهم بها، ووعدهم بقيامها، ودفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة وأن يقيموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها.

ولقد كانت أول بشرى بقيام الدولة الإسلامية بمثابة التشجيع والتقوية للمسلمين وحضهم على الصبر والتضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب ويماسيهم، ويلاحقهم التكذيب والسخرية أينما ذهبوا، نبههم الله – جَلَّ شَأْنُهُ - أولاً إلى سنته في خلقه وأنه كتب على نفسه أن يجعل الأرض ميراثًا لعباده الصالحين يحكمون أهلها ويمدون سلطانهم عليها، ثم نبههم ثانيًا أنه يعلمهم هذا بصفة خاصة ليفقهوه ويرتبوا عليه نتائجه ويستعدوا لها {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 105 – 107)

أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة، فكانت بشرى ووعدًا من الله - جَلَّ شَأْنُهُ - باستخلاف المسلمين ويبسط سلطان الدولة الإسلامية على الأرض والتمكين للمسلمين في أقطارها، وبإبدالهم من الخوف أمنًا ومن الضعف قوة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55)

ولقد بشر الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المسلمين أثناء حفر الخندق حول المدينة بأنهم سيستخلفون على ملك فارس والروم واليمن، والاستخلاف على المُلك لا يكون إلا من خلال دولة، فكانت هذه البشرى مثارًا لسخرية المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وأخذوا يتندرون بهذه البشرى التي جاءت في وقت يحفر فيه المسلمون خندقًا حول المدينة ليحموا أنفسهم من كفار قريش وأحلافها حتى أنزل الله في ذلك قوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} (الأحزاب: 12)

ولقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها بعد الهجرة إلى المدينة، فأذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، والقتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة، ووعد المسلمين النصر والغلبة على أعدائهم،...وإذا كانت الدولة الإسلامية قد قامت في أذهان المسلمين وهم في مكة وارتسمت لها صورة جميلة كانت تداعب خيالهم وهم محصورون في المدينة أثناء غزوة الأحزاب، فإن الدولة الإسلامية قد تكونت فعلاً في المدينة بعد أن اعتنق الأوس والخزرج الإسلام وتجمعوا عليه، وبعد أن هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، حتى إذا لحق بهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التفوا حوله وسمعوا له وأطاعوا فَكَوَّنَ منهم أول وحدة سياسية إسلامية، وأخذت هذه الوحدة الصغيرة - ولم تكن تجاوز المدينة وضواحيها - تكبر وتنمو وتزحف في كل الاتجاهات حتى شملت كل جزيرة العرب ثم ابتلعت بعد ذلك الدولة الفارسية وغيرها من الدول واقتطعت من الدولة الرومانية معظم ما تملكه وحبستها في أوروبا، وقد تم كل ذلك، ولما يمض أربعون عَامًا على تكوين الوحدة السياسية الإسلامية أو بتعبير آخر الدولة الإسلامية.

...وكان محمد بن عبد الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أول رئيس لهذه الدولة الناشئة، فجمع برئاسته للدولة بين صفتين: أولاهما صفة الرسول فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين والتشريع ويبينه للناس. والثانية: صفة الحاكم فهو يرأس الدولة ويديرها فيجيش الجيوش ويسيرها ويعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات ويعين القواد والحكام والقضاة ويقيلهم ويصرف الشؤون المالية والقضائية والسياسية والإدارية "(4)

ب- مركز الفرد في دولة الإسلام، وغاية وجوده:
-------------------------------

ينبع مركز الفرد في الدولة المسلمة من اهتمام الإسلام به كإنسان من الأساس، وقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بالدلائل التي تبين أن للبشرية حقها، وللحديث عن مركز الفرد في الدولة الإسلامية ومدى التزاماته وحقوقه على الدولة، وضمانات تلك الحقوق، وسلطة الحاكم على المحكومين في النظام السياسي الإسلامي فإنني أستعير لتوضيحها كلام الدكتور حازم عبد المتعال الصعيدي، حيث يقول: "والحاكم في الإسلام ليست له سلطة تحديد مدى ما للأفراد من حريات وحقوق، فهذه الحريات قد نصت عليها أحكام القرآن والسنة، ونظمتها، وقررت الضمانات التي تكفل حمايتها ضد اعتداء الحكام والمحكومين على السواء"(5)

وقد استنبط الفقهاء حقوقا كبرى للإنسان من خلال مبادئ القرآن الكريم، مما يعني أن الإسلام جاء بنظرية كبرى تبين معالم حقوق الإنسان، ومن أمثلة هذه الحقوق، حق اختيار الدين –ابتداء- وما يتبعه من حق الدفاع عن أماكن العبادة، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحج40(، ومن أمثلة الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان في الدولة أيضا، حق التملك، ومن وسائلة:

- أن الله تعالى جعل حب المال من الفطرة، كما في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران: 14(

- أن الله أحل البيع وما يشبهه من وسائل الكسب، كما قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}(البقرة: 272(

ومنه إباحة التجارة والحث على التكسب منها، كما قال تعالى: {يأيها الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}(النساء: 29(

إن الحديث عن مركز الفرد(الإنسان) في دولة الإسلام لابد أن يقودنا للحديث عن غاية وهدف وجود مجموع الأفراد (الشعب)، والتي هي بذاتها غايات خلق الله للإنسان، ثم إهباطه على الأرض(6)، وهي ثلاث غايات:

أولا: غاية عبودية: كما في قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56).والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال(7)، وتحقيق العبادة بهذا المعنى يقتضي أن يجعل الإنسان حياته وسائر أفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس وفق المناهج التي وضعتها الشريعة الإسلامية.

وثانيا: غاية استخلافية: وهي نوعان:
-------------------------

استخلاف عام، لهذا الشعب بكافة طوائفه؛ حيث جاء القرآن الكريم صريحا في أن الله -جَلَّ شَأْنُهُ- خلق آدم أبا البشر ليكون خليفة في الأرض، يقول الله تعالى {وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(البقرة30)، وقد بدأ هذا الاستخلاف بآدم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ومن بعده كل ذريته، فهم جميعًا مستخلفون في الأرض، يقول تعالى أيضا: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربّك سريعُ العقاب وإنةُ لغفور رحيم}(الأنعام:165).

إن الله عزَّ وجلَّ استخلف البشر عامة في أرضه وعلى ماله عمّن سبقهم؛ ليقيم الإنسان في الأرض السُّنن، ويُظهر العجائب والأسرار والبدائع، وذلك بنشر العدل الذي يبعد البشر عن سفك الدماء، وبنشر ما يعين على الطاعة كالعمران والنماء والخير المادي والمعنوي فيها؛ بدليل أنه سبحانه قد خلق البشر في الأرض واستعمرهم فيها، وسلطهم عليها، وجعلها مُذَلَّلَةُ لهم، يقول تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(هود: 61).

واستخلاف خاص(8)، للمسلمين فقط من هذا الشعب، فقد شرف الله هذه الأمة بكونها صاحبة الشهادة على الناس، أمام الله، كما سيشهد عليها النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً}(البقرة: 143)، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(الأنبياء92)((9]

وثالثا: غاية عقيدية: وهي الغاية التي تعتبر قمة التوحيد؛ وهي متمثلة فيما يلي:
----------------------------------------

أ- معرفة الإنسان ربه ورب هذا الكون معرفة صحيحة، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تدل على خلقه لهذا الكون، وتدبيره له، وإحكامه على كل ما فيه، حيث جعله على أدق نظام وأروع تنسيق، يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (الطلاق 12)

ب- حماية العقيدة والالتزام بها عن طريق اتباع منهج الله، والقبول بالاحتكام إلى الله ورسوله، يقول الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}(النساء: 87)، ويقول أيضا: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}(النساء: 122)، ويقول أيضا: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة 50)، ويقول أيضا: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65)

ج- بناء مجتمع ملتزم بالعقيدة، يؤمن بها كمحرك للحياة ومصدر السعادة فيها، يقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97) ويؤمن بالرسالات السماوية ويؤمن بالآخرة، ويتولى المؤمنين ويتبرأ من المشركين، والآيات الدالة على ذلك معروفة ومشهورة.

د-بقاء الأمة نبراس تبليغ ونشر للدعوة الإسلامية القائمة على الهداية والإرشاد والإصلاح لجميع البشر، ولذلك كانت تلك أمة هي خير أمة أخرجت للناس جميعا، يقول الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران110)

ومما سبق يظهر أن الغايتين الأولى والثانية –ماعدا الاستخلاف الخاص- ليستا غايتين مخصصتيْن للمسلمين فقط من الشعب، فهما للشعب كله؛ بل هما للبشر جميعا، وهذا ما يظهره عموم الخطاب للبشرية في الآيات التي نقلتها عند الحديث عنهما، وأما الغاية الثالثة(العقدية) فهي أهم ما يميز المسلمين كأمة مجتمعة، بل وحتى كأفراد، وتحقيق هذه الغاية هو ما يجعل المسلمين وحدهم - من دون الجن ومن دون عامة البشر – خير أمة أخرجت للناس، ويجعل المسلم ذاته خير الناس.

والأمة الإسلامية إذا تحققت فيها الوحدة والخيرية والوسطية استحقت العصمة من الاجتماع على الخطأ أو الضلال، كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - (لا تجتمع أمتي على ضلالة)(10)

وسأعرض في مقالة قادمة –بإذن الله- غايات ووظيفة الدولة في الإسلام والتي تنبع بالأساس من غايات وجود الفرد(الإنسان) في هذه الحياة.

ج - قانون الدولة في الإسلام:
-------------------

إن قانون تلك الدولة المنصوص عليه والذي لا يمكنها الخروج عنه هو الشريعة بعمومها – لا كما يفعله بعضهم من حصرها في الحدود فقط -، فالنظام السياسي الإسلامي تكون الأمة فيه مصدر السلطة وهي صاحبة السلطان، أما السيادة في نظام الحكم الإسلامي فتكون لله وحده، فالله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المسلمين بما أَنزل، وكان أمره له بشكل جازم، قال تعالى مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ } (المائدة 48) وقال الله تعالى أيضا: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }(المائدة49) وخطاب الرسول خطاب لأمّته ما لم يَرِد دليل يخصصه به، وهنا لم يَرِد دليل فيكون خطاباً للمسلمين بإقامة شرع الله.

ومن المشهور في ذلك آيات سورة المائدة الثلاثة والتي تبيّن مراتبا ثلاثة مختلفة للتخلي عن تحكيم شرع الله!، يقول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }(المائدة44)، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة45)، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة47)

وهذه الآيات تعني أن ما يعرف بمبدأ (الحاكمية) هو من أهم مبادئ النظام الإسلامي(11)، " وأن الحاكمية (العليا) (12) تعني حق التشريع -الذي هو حق لله سبحانه وتعالى وحده - لا يجوز أن ينازعه فيها أحد كتشريع الأصول والكليات، أما ما يندرج تحت باب الاجتهاد في باب المصالح فيما لا نص فيه فيجوز الاجتهاد فيه وفق مقاصد الشريعة الكلية وقواعدها العامة، ولا يدخل تحت مفهوم الحاكمية (العليا)، وأن علامة صدق الإيمان هو في التحاكم إلى الله ورسوله وشرعتهما، وعدم جواز التحاكم إلى غيرهما، وأن علامة النفاق هو في التحاكم إلى غير شرعة الله ورسوله، وأن نتيجة عدم التحاكم إلى الله ورسوله هو العصيان والضلال "(13).

ويرى عبد القادر عودة أن أصول القانون –أي قانون- هي الأسس التي تقوم عليها خدمة الجماعة والمبادئ التي يرجع إليها في سَدِّ هذه الحاجات، وأن أصول القانون الإسلامي، هي كما يلي:(14)

أن يكون قانون الأمة مشتق منها وراجع إليها.

أن يكون القانون لحماية عقائد الأمة ونظامها واحترام تقاليدها وآدابها.

أن ُيوضَعُ القَانُونُ لِتَوْجِيهِ الشُّعُوبِ إِلَى الخَيْرِ.

أن يَحْمِي القَانُونُ الشُّعُوبَ مِنَ الاِسْتِغَلاَلِ ومن الاستعلاء ومن الإذلال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

(1) يُنظر: مقالي (المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، مقاربة نقدية) موقع مركز التأصيل للدراسات، بتاريخ 19/11/ 2014م، على الرابط: http://taseel.com/display/pub/defaul...815&ct=24&ax=5

(2) يُنظر: مقالي (مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها) موقع مركز التأصيل للدراسات، 5/12/2014م، على الرابط: http://taseel.com/display/pub/defaul...8860&ct=3&ax=5

(3) انظر: د/ أم نائل بركاني (فقه الوسائل في الشريعة الإسلامية)، كتاب الأمة، «وقفية الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني للمعلومات والدراسات» رجب 1428 هـ، تموز (يوليو) – آب (أغسطس) 2007م، (العدد 120)

(4) عبد القادر عودة (الإسلام وأوضاعنا السياسية) مؤسسة، بيروت، لبنان، 1401هـ، 1981م(ص 106: 109) بتصرف.

(5) (النظرية الإسلامية في الدولة ) مرجع سابق (ص179)

(6) لمزيد من التفاصيل انظر مقالي (استخلاف الناس في الأرض..مقاربة تأصيلية في ضوء القرآن الكريم) موقع مركز التأصيل، 13/ 4/ 20014م، على الرابط: http://taseel.com/display/pub/defaul...4135&ct=3&ax=5

(7)يُنظر: ابن تيمية (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) راجعه وعلق عليه، محمد عبد الله السلمان، مكتبة أنصار السنة المحمدية، مطبعة الجهاد، القاهرة، 1961م، (ص173).

(8) الاستخلاف الخاص هو استخلاف لأفراد أو لأمة، أو لدولة، فقد جعل الله داود خليفة {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ}( ص 26)، واصطفى الله أمة بني إسرائيل ورزقهم من الطيبات وجعل فيهم النبوة والملك، -ولأن الملك لا يكون إلا في دولة؛ ذلك يعنى أن دولتهم أيضا كانت مستخلفة تبعا لاستخلاف الأمة-، وآتاهم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا من العالمين، يقول تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} (يونس: 93)، ويقول أيضا: {يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}(المائدة: 20)

(9) جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية تبين أن المراد من قوله تعالى: (أمة وسطاً) أي: عدلاً خياراً.وأن المراد من الشهادة على الناس: الشهادة على الأمم يوم القيامة أن رسلهم قد بلغوهم رسالات الله.

ولم تخرج كلمات المفسرين عن ذلك المعنى، روى البخاري (4487) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُدْعَى نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلام يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ؛ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ أَوْ مَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ, قَالَ: فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ, قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قَالَ: الْوَسَطُ الْعَدْلُ ".وزاد أحمد (10891): " قَالَ: فَيُدْعَوْنَ فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلاغِ, قَالَ: ثُمَّ أَشْهَدُ عَلَيْكُمْ ".

(10) أخرجه ابن ماجة في سننه (3950) ولفظه :" إِنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلاَفًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ " قال ابن حجر عن هذا الحديث في كتابه (تلخيص الحبير) (3/299): " في حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال"، ثم قال: " ويمكن الاستدلال له بحديث معاوية مرفوعا ( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله) ". (أخرجه الشيخان)

هذا، وقد ضعف الشيخ الألباني إسناد الحديث عند ابن ماجة، وقال عنه ضعيف جدا، لكنه صحح لفظ الشطر الأول من الحديث.(انظر تخريج الألباني لأحاديث كتاب " ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم"(رقم 84)، وانظر أيضا المشكاة ( 173 - 174 )، السلسلة الضعيفة ( 2896 )، صحيح الجامع ( 1848 )]

وعامة فرغم أن الحديث فيه اضطراب وخلاف في صحته، إلا أن الفقهاء قد أخذوا به واستدلوا على معناه بأحاديث أخرى صحيحة – كما نقلت آنفا عن ابن حجر - وجعلوه دليل الإجماع.(انظر الإرواء 4253، وأسنى المطالب 1673)

(11) (الحاكمية) هي السيادة، وهي لله وحده، وإسنادها إلى غيره تعالى، سواء كان فردا أو فئة أو حتى شعب، إنما هو شرك بالله، وأما السلطة فهي إظهار هذه السيادة في الممارسات، ولذلك كانت السيادة لله والسلطة للأمة، وعماد السلطة وقاعدتها مبدأ (الشورى)، كما يقول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى 38).

(12) في عصرنا الحالي هناك من يسمي (السيادة) بالحاكمية العليا، ويسمي (السلطة) بالحاكمية الدنيا.

(13) محمد حزام صالح الخياطي ( المبادئ العامة للنظام السياسي في ضوء سورة النساء) رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة صنعاء 2009م، موقع المركز الوطني للمعلومات برئاسة الجمهورية اليمنية على الرابط:

http://www.yemen-nic.info/contents/s...l.php?ID=23645

(14) يُنظر: عبد القادر عودة (الإسلام وأوضاعنا القانونية) المختار الإسلامي للطباعة، القاهرة، ط5/ 1397 هـ - 1977 م

-------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-08-2015, 10:39 PM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الدولة في الإسلام ومعالمها (أركان الدولة في الإسلام)

الدولة في الإسلام ومعالمها (أركان الدولة في الإسلام)
ــــــــــــــــــــــــــ

(د. تامر بكر)
ـــــــ

19 / 4 / 1436 هــ
8 / 2 / 2015 م
ـــــــ




انتهيت في دراسة سابقة(1) إلى أن النظام السياسي الإسلامي، يتكون من المعالم الرئيسة الآتية:

1- كليات المبادئ العامة.

2- مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها.(2)

3- الدولة الإسلامية ومكوناتها.

ثم ذكرت في دراسة أخرى سابقة أيضا (3) أن الكليات والمبادئ العامة لهذا النظام هي بمثابة منظومة القيم الخاصة به، وأما مؤسسات هذا النظام السياسي وكذلك (الدولة) فهما مقاصد هذا النظام السياسي، وقد بينتُ في ذات تلك المقالة نشأة الدولة في الإسلام، ومركز الفرد فيها وغاية وجوده، وقانون تلك الدولة.

وأكمل هنا في هذه المقالة ما شرعتُ فيه سابقا من الحديث عن الدولة في الإسلام ومعالمها؛ بالحديث عن أركان الدولة في الإسلام.

ففي اللغة، مفرد أركان، أركُنٌ : هو (رُكن(، وركَن على الشَّيء : أي: مال إليه، أو استند إليه، أو وثِق به.

والرُّكن: أَحَدُ الجوانب التي يَسْتَنِدُ إليها إِليها الشيءُ ويقوم بها، وهو جزءٌ من أجزاء حقيقة الشيء ومكوِّن لماهيته.

فأركان الدولة –أي دولة- هي جزء حقيقي من ماهية الدولة ذاتها، وهي الأعمدة التي تقوم عليها الدولة بحيث لو سقط ركن منها أدى لخلل الدولة ذاتها واحتمالية سقوطها.

وأركان الدولة في الإسلام هي أهم ما يميزها عن غيرها من أنواع الدول؛ بحيث لو انهدمت حقيقة هذا الركن فلا فرق بين الدولة في الإسلام وبين أي دولة أخرى.

وقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية موضحة لهذه الأركان –نصا أو استنباطا من خلال المبادئ العامة- في أربعة أمور، ثلاثة منها موجودات في غيرها من أنواع الدول، لكنها في الدولة الإسلامية مختلفة الماهية عن غيرها من الدول كما سأوضحه :

الركن الأول: الحكم بما أنزل الله:

وهو الركن الأول والمميز لدولة الإسلام عن غيرها، يقول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(يوسف40)، وآيات سورة المائدة الثلاث التي تبين لنا مراتبا ثلاثة لترك الحكم بما أنزل الله، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(المائدة44)، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }(المائدة45)، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة47)

وكنت قد بينتُ في المقالة السابقة(4) حقيقة مسألة الحاكمية عند الحديث عن قانون الدولة في الإسلام، فلا داع لإعادته هنا.

إن الحكم بما أنزل الله هو جزء من التوحيد، فعندما يقول المسلم كلمة التوحيد التي بها يدخل الإنسان في الإسلام، فمعنى ذلك أنه قد التزم وأقر بألا يتحاكم إلا إلى الله وإلى شرعه، وإلى ما أنزله، وأنه كافر بالطاغوت، لأن معنى شهادة أن لا إله إلا الله هي -كما بين الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا} (البقرة:256)

فهذه هي شهادة أن لا إله إلا الله مكونة من ركنين:

ركن النفي: لا إله، وهو الكفر بالطاغوت.

وركن الإثبات: إلا الله، وهو الإيمان بالله، والشهادة بأن محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.

فمعنى الشهادة بأنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أن يحكَّم قوله الذي هو الوحي سواء كان مبلغاً إياه عن الله أم من عند نفسه؛ لأنه لا ينطق عن الهوى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قال الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء:65) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الحجرات:1( فلا يقدم بين يديَّ الله ولا بين يديّ كلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برأي ولا هوى، ولا معقول كما كان يسميه الأولون من علم الكلام أو أي شيء يعارضه (5).

إن الحكم بما أنزل الله ليس محصورا في إقامة القوانين وإصدار اللوائح التنفيذية؛ بل هو نظام ومنهج للحياة يقوم على تحقيق وتطبيق منظومة القيم الإسلامية الخاصة بالحكم؛ كالشورى والعدل والحرية والمساواة والأمانة والإيخاء والتعاون، وغير ذلك من القيم والمبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، والتي هي نسق فكري عام نابع نصا أو استنباطا من القرآن والسنة، تكفّل بإرساء الأساس النظري والإطار المرجعي، الذي ينبثق منه النظام السياسي الإسلامي، بحيث تفصَّلت فروعه بعدما تأصلت كلياته.

وعلى كل حال؛ فهناك من الكتاب الإسلاميين المعاصرين (6) من رأى أن تأسيس النظام الإسلامي للحكم ينطلق من تأسيس المنظومة القانونية للدولة من خلال توطيد وتمكين المؤسسات الشورية التي تعبر عن إرادة الأمة واختيارها، وهو بذلك يخالف أكثر الكتاب الإسلاميين الذين يجعلون تطبيق الشريعة مدخلا لتأسيس النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة في حياة المجتمع.

والحقيقة أن النتيجة واحدة والاختلاف نظري؛ حيث إن من أهم الأمور في تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل الله هو تطبيق مبدأ الشورى بأي آليات مناسبة.

وفي واقع دولنا القُطْرية المعاصرة والتي لا مناص من التعامل معها كواقع نطمح إلى تغييره تغييرا آمنا عن طريق إقامة وحدة أو اتحاد إسلامي فعّال؛ حيث السبيل الأنسب لذلك ابتداءً هو فكرة أسلمة الدول القُطْرية الحديثة التي يعيش فيها المسلمون(7)، في هذا الواقع المعاصر كلما اقتربنا ولو تدريجيا من جعل الحكم بما أنزل الله منهج حياة للأفراد والمجتمعات وأنظمة ومؤسسات الدول، كلما فعلنا ذلك زادت مساحة الإسلامية في الدولة، ولعلنا نفصل ذلك في مقالات قادمة بإذن الله.

الركن الثاني: الشعب:

ففي الدول المعاصرة يتم تعريف الشعب على أنه مجموعة من الأفراد الذكور والإناث تجمعهم الرغبة في العيش معاً نظراَ لوجود عامل مشترك بينهم أو أكثر؛ مثل: (العرق، الدين، اللغة، التاريخ، الأرض)، وتتعدد أولويات الدول وتختلف بين تلك العوامل.

أما في دولة الإسلام فالعامل الأول -وقد يكون الأوحد- الدافع للعيش المشترك هو الدين، وليس أي دين، بل هو الدين الإسلامي فقط، يليه عامل الأرض وذلك في البلاد التي فتحها الإسلام واختار أهلها أن يظلوا فيها من غير أن يدخلوا في دين الإسلام.(8)

فالشعب المسلم أو المجتمع والأمة المسلمة وحدة واحدة بينهم المولاة على الحق، يقول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التوبة 71)، وطبيعة العلاقة بين هذا الشعب هي الإخوة يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات10)

ومما يدلل على ما ذكرته أن الله تبارك وتعالى قد أمر المسلمين بإخلاء جزيرة العرب من كل دين سوى دين الإسلام، واعتبارها وطنا حرا خالصا للإسلام وأهله، وبهذا يكون للإسلام معقله الخاص، وحماه الذي لا يشاركه فيه أحد.

وفي هذا نزلت آيات سورة التوبة في البراءة من المشركين وتأجيلهم أربعة أشهر، يسيحون فيها في الأرض ثم يختارون لأنفسهم: الإسلام، أو الرحيل من هذه الأرض أو القتال، وهذه الأشهر الأربعة هي التي سميت (حرما) لتحريم قتالهم فيها، ثم قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} (سورة التوبة : الآية 5]، وشاء الله أن يختار العرب الدخول في الإسلام، قبل أن تمر الأشهر الأربعة، وتصبح الجزيرة خالصة للإسلام، ويصبح الشعب العربي عصبة الإسلام، وجندها الأولين، وحملة رسالته إلى العالم.

أما غير المسلمين من هذا الشعب والذين تواجدوا في البلاد المفتوحة؛ فهم أهل الذمة(9)، ولهم آيات أخرى تحكمهم، ولهم كذلك علائق أخرى بينهم وبين المسلمين(10)؛ فلم يعاملهم الإسلام معاملة الذين كانوا في جزيرة العرب؛ فيفرض عليهم الخروج؛ بل أقر بقاءهم في بلادهم -إن أرادوا- ولو بقوا على دينهم؛ على أن يقوموا بدفع الجزية(11)، يقول الله تبارك وتعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة29)، ويقول أيضا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(آل عمران 64)، ويقول أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (الممتحنة 1)، ويقول أيضا: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(الممتحنة 8، 9)، ويقول أيضا: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}(التوبة 4)، ويقول أيضا: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}(التوبة 7).(12)

وفي زمننا المعاصر يعد سؤال (المواطنة) هو أهم سؤال مطروح حول علاقة المسلمين بغيرهم في الدولة الإسلامية؛ وبالتأكيد فما سبق وعرضته آنفا يختلف في نسقه المعرفي عن النسق المعرفي الغربي النابعة منه مسألة المواطنة، وبناء على ذلك فلا نستطيع أن نقول أن الإسلام يقبل المواطنة –كما هي في النسق المعرفي الغربي- كما لا نستطيع أن نقول أنه يرفضها أيضا؛ ذلك لأن للإسلام مشتركات في مسألة المواطنة، وخاصة في الحقوق والحريات والعلاقات الاجتماعية؛ حيث إن (المواطنة) فقط من حيث كونها أدبا للعلاقات في المجتمع المسلم، والتي تهدف في النهاية إلى إقامة الحقوق التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في إطار المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان من خلال علاقاته مع عناصر هذا المجتمع - دولة ومؤسسات وأفرادا -، المواطنة بهذا المعنى مقبولة.(13)

وفي الحقيقة إنني أرى في واقعنا المعاصر ألا يقف أصل المصطلح السياسي (للمواطنة) وما قد يحمله من مضامين غربية متعارضة مع البيئة العربية الإسلامية، أرى ألا يقف حائلا دون استعمال هذه المصطلحات استعمالا منضبطا بضوابطها العقدية الإسلامية, فالغلو في الوطنية وجعلها الرابطة الأولى التي يجتمع الناس عليها إنما هو مسلك دخيل على المنهج الإسلامي, الذي يجعل العقيدة هي الرابط الأول الذي يجتمع الناس على أساسه, فتهجر رابطة الدين الإسلامي التي هي عقيدة وشريعة ومنهج حياة إلى تلك الروابط.

ولا يعني ذلك أن يكون الضبط المصطلحي بما يناسب المنهج الإسلامي حائلا دون استخدامه واستعارته في البيئة العربية بمضامين جديدة شريطة أن تكون تلك المضامين والمعاني الجديدة شديدة الوضوح.(14)

وعلى أية حال، فالأدق عندي من ذلك كله أن نقول أن للإسلام نسقه المعرفي الخاص به في مسألة علاقة الدولة بالشعب، وهو نسق قائم على وجود خطيين متوازيين –لا يتعارضان- يسير بهما في نظرته ورؤيته للشعب في الدولة الإسلامية، وهما (الأخوة والعهد) وكلاهما متساويان من حيث ما تسمى في عصرنا بالحقوق المدنية؛ فلا يوجد فيهما تمايز في هذه الجهة (15)؛ لكنهما غير متساويين من حيث الواجبات؛ حيث يفرض الإسلام على المسلمين الذين تجمعهم داخل الدولة علائق الأخوة، يفرض عليهم الجهاد بأنواعه، وهو ما لا يفرضه على غير المسلمين داخل الدولة ممن تجمعهم بالمسلمين علائق العهد.

الركن الثالث: الدار(الإقليم أو الأرض):

وهي البقعة التي يستقر عليها الشعب والتي يمارس عليها حقوقه العامة دون أن ينازعه فيها أي شعب آخر، أيضاً هي المجال أو النطاق الذي تباشر فيه الدولة سلطتها .

وفي مبادئ القرآن الكريم وقواعده العامة ما يمكن الاستناد عليه في وجود دار وإقليم للإسلام، يقول الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء92)، ويقول الله تعالى أيضا: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون52).

وقد عاقب الله اليهود الذين خالفوا عهودهم مع المسلمين بإخراجهم من أرض المسلمين الخاضعة لسلطانهم، يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} (الحشر 2، 3)

كما نزل القرآن الكريم يندد أبلغ تنديد بأولئك الذين يعيشون مختارين في (دار) دون أن يتمكنوا من إقامة دينهم وأداء واجباتهم وشعائرهم: يقول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء: 97- 99)

فلو كانت هذه الدار التي أقيمت عليها دولة الإسلام محض وهم، لما أمر الله تبارك وتعالى بإخراج ناقضي العهود منها، ولما ندد بأولئك الذين تركوا المعيشة فيها مختارين دون أن يتمكنوا من أداء واجباتهم وشعائرهم.

ويُعني بالدار في النسق المعرفي الإسلامي وحدة أمة الإسلام المعنوية والمادية، وهذا ما يميزها عن أي إقليم آخر لأي دولة؛ حيث يتم التركيز على الوحدة المادية فقط.

يقول عبد القادر عودة: " تلك هي الأمة الإسلامية، وحدها الله وجمعها على كلمة التقوى، وأقام وحدتها على دعائم ثابتة من الأخوة والتعاون والتضامن والتراحم والأخلاق الكريمة، وفي سبيل حفظ هذه الوحدة قضى الإسلام على الحواجز الجغرافية والعصبيات الإقليمية والقبلية، وقضى على اختلافات اللغة والجنس واللون، فسوى بين المسلمين تسوية عامة مطلقة غير مقيدة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) وجعلهم في التسوية بينهم كأسنان المشط الواحد، فلا يفضل أحدهم أخاه إلا بقدر ما تفضل سن المشط الأخرى، ولا فضل بين السنين وذلك قول الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ الوَاحِدِ).

...وإذا كان الإسلام يوجب أن يكون المسلمون أمة واحدة لهم دولة واحدة فإن هذا يقتضي أن يكون إقليم الدولة الإسلامية شاملاً لكل البلاد الإسلامية.

والأصل في الإسلام أنه شريعة عالمية لا مكانية، جاءت للعالم كله لا لجزء منه، وللناس جميعًا لا لبعضهم، وهو شريعة الكافة، لا يختص بها قوم دون قوم، ولا جنس دون جنس، ولا قارة دون قارة، وهو شريعة العالم كله، يخاطب بها المسلم وغير المسلم، ولكن لما كان الناس جميعًا لا يؤمنون بها، ولا يمكن فرضها عليهم فرضًا فقد قضت ظروف الإمكان أن لا تطبق الشريعة إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، وهكذا أصبح تطبيق الشريعة الإسلامية مرتبطًا بسلطان المسلمين وقوتهم، فكلما اتسعت الأقاليم التي يتسلط انكمش سلطانها، فالظروف والضرورة هي التي جعلت من الشريعة الإسلامية شريعة إقليمية، وإن كانت الشريعة في أصلها عالمية" (16).

ولأن دار الإسلام لا تتواجد في كَوْن خالٍ من البشر، كان ولابد أن تكون لهذه الدار آلية تتعامل بها مع مَنْ حولها من الدور الأخرى، وهو ما نسميه الآن مجال العلاقات الدولية، وفي هذا المجال؛ قسم الفقهاء العالم بحسب تطبيق أحكام الإسلام فيه، إلى دار إسلام، ودار كفر أو حرب.

ولما لم تكن تلك الثنائية صالحة لكل الأحوال، زاد الإمام الشافعي (دار العهد) وهم غير المسلمين الذين يعيشون في ديارهم ولكنهم لا يحاربون المسلمين ولا يناصبونهم العداء.

لكن بعض المعاصرين رأوا أن الأمة الإسلامية مكلفة بالدعوة، ومن ثَمَّ فليس من المقبول التعامل مع غير المسلمين من خلال مفهوم الحرب والسلام فقط، بل يجب التعامل معهم من منطلق الدعوة أيضا، فقسموا العالم إلى (دار دعوة) وهي التي لم تدخل في دعوة الإسلام بعد، و(دار استجابة)، وهي التي استجابت لله ولرسوله ودخلت في دين الإسلام.

والحقيقة أن التقسيميْن غير متعارضين، ففقه الدعوة يتسع لجعل العالم كله (دار دعوة) غير قابل للقسمة إلى دور عديدة إلا بشكل محدود واعتباريّ:

كأن يُقال لدار قبل أهلها الإسلام، وسادت فيها أحكامه، يدخلها الناس ويخرجون منها بأمان المسلمين، يُقال لها (دار الإسلام)، و (دار الإجابة).

ويقال لدار لم يستجب أهلها للدعوة، لكنهم رحبوا بتوقيع اتفاقيات تجعل منها (دار عهد) بأيّ مستوى من المستويات، وتجعل منها أيضا (دار دعوة)، وميدان من ميادينها، فيقال لهذه الدار (دار عهد ودعوة).

ويقال لدار لم تستجب ولم تعاهد وآثرت أن تكون في موقف عدائي، يقال لها (دار حرب) وذلك لا يغير من كونها –أيضا-(دار دعوة).

وبالتالي فإن تقسيم الأرض على مستوى العلاقات الدولية إلى دار حرب، ودار عهد، ودار إسلام، إن قصد به التفريق بين الدار التي تجري عليها أحكام القرآن وتحت سيطرة سلطان المسلمين أو تجري فيها الدعوة بأمان، وبين غيرها التي تظلها أحكام البشر الوضعية وتقاد بذلك، و تكيد للإسلام والمسلمين، وتقف حكوماتها حائلا أم دعوة الناس للهدى، إن قصد بالتقسيم ذلك، كان تقسيما مقبولا.

كما أن تقسيم الأرض إلى دار دعوة ودار إجابة إن كان المقصود به إنكار ما يعرف بجهاد الطلب في الإسلام، والانتصار لفكرة جهاد الدفع كمفهوم وحيد للجهاد في الإسلام؛ فإن ذلك مرفوضا أيضا.

ولا يظنَّنَّ ظانٌّ أن الإسلام يُجيز أو يُبيح أو يُقرُّ المخالفات والانتهاكات، وترويع الآمنين، وسفْك الدِّماء التي عصمَها الله تعالى – باسم الجهاد، كل هذا لم يكن ونبرأ إلى الله تعالى منه، وقد نقلتُ قبل قليل آيات سورة الممتحنة(الآية 8، 9) وسورة التوبة (الآية 4، 7) التي تحث عن عدم الاعتداء على الآمنين المسالمين ولو كانوا من الكافرين، ولكن المسلك الخطير هو أن نُضيِّع الشرائع بسبب الممارسات الخطأ لأتباع هذه الشرائع؛ فنردَّ على الخطأ بخطأ أكبرَ منه وأفدح! فليس معنى القول بفرضية جهاد الطلب على الأمَّة هو العدوانَ والانتهاك، أو الخبْط العشواء في التفجير والقتْل لكلِّ الناس في كلِّ الدول، بلا شروط ولا ضوابط، ومن أهم الضوابط في ذلك أن هذا الأمر لا يقوم به مجموعة من الأفراد من تلقاء أنفسهم بل هو من الأدوار المنوطة بالأمة حيث تقوم به عن طريق سلطة الدولة وليس عن طريق أفراد أو مجموعات متفرقات هنا وهناك.

فللجهاد في سبيل الله أنواع، هي:

النوع الأول: جهاد الكفار وهو نوعان: جهاد الطلب، وجهاد الدفع.

النوع الثاني: جهاد المنافقين، والمرتدين.

النوع الثالث: جهاد البغاة المعتدين الذين يخرجون على الإمام المسلم ولهم تأويل سائغ وشوكة، وفيهم منعة وقوة. والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الحجرات 9، 10)

وقال العلماء: إن الجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين، وجهاد أصحاب الظلم والبدع والمنكرات.

وقد اختلف العلماء حول قضية جهاد الطلب، وهو تتبع الكفار وطلب قتالهم في عقر بلادهم، فذهب بعض الفقهاء إلى أن هذا الجهاد ليس مشروعا، وذهب الآخرون إلى مشروعيته بل وجوبه .

وأياما كان الأمر فمما لا خلاف فيه أن أصحاب الرأيين كليهما أقرا بجهاد الطلب إذا كان لما يلي (17):

أ- لإبلاغ الشعوب دين الله -عز وجل- إذا حالت الحكومات دون ذلك، كما فعل فرعون مع بني إسرائيل ومع قومه، بمعنى أن المسلمين يقاتلون الكفار ليس لإجبارهم على الدخول في الدين فالله -عز وجل- يقول: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين} (سورة البقرة : الآية 256]، وإنما من أجل أن تفتح الأبواب أمام الدعوة، وليسمع الناس دين الله -عز وجل-، ولو كان المسلمون يجبرون الناس على الدخول في الدين ما بقي أحد من غير المسلمين في البلاد التي فتحوها على دين غير دين الإسلام. قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه} (سورة الأنفال : الآية 39]

ب- لتأمين حدود الدولة الإسلامية إذا كانت مهددة من قبل أعدائها، الذين يتربصون بها، ويكيدون لها، وهو ما يسمونه في عصرنا الحاضر: (الحرب الوقائية).

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة} (سورة التوبة : الآية 36]، وقال: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه} (سورة التوبة : الآية 41 ]، وقال: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُم} (سورة التوبة : الآية 39]

ج- لإخلاء جزيرة العرب من كل دين سوى دين الإسلام، واعتبارها وطنا حرا خالصا للإسلام وأهله، وقد تكلمتُ عن ذلك قبل قليل في هذا المقال.

د- لإنقاذ الأسرى والمستضعفين من المسلمين أو من أقلياتهم، التي تعاني التضييق والاضطهاد والتعذيب، من قبل السلطات الظالمة المستكبرة في الأرض بغير الحق، كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} (النساء: 75)

الركن الرابع: أولو الأمر(السلطة):

ويعني بهم الحكام، يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }(النساء 59)، والخطاب في هذه الآية جاء للرعية من المؤمنين: فعليهم أن يطيعوا (أولى الأمر) بشرط أن يكونوا (منهم) وجعل هذه الطاعة بعد طاعة الله وطاعة الرسول، وأمر عند التنازع برد الخلاف إلى الله ورسوله، أي إلى الكتاب والسنة، وهذا يفترض أن يكون للمسلمين دولة تهيمن وتطاع، وإلا لكان هذا الأمر عبثا.

ومما يميز السلطة في دولة الإسلام عن غيرها من أنواع الدول أنّ طبيعة النِّظام في دولة الإسلام يقوم على إيجاد وحدة اندماجيَّة بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم كما قلنا ينبغي أن يكون (منكم) وليس (عليكم)؛ ليكون له السمع والطاعة في غير معصية الله، وحين يصبح الحاكم حاكمًا عليكم -أي متسلِّطًا- فذلك يعني وقوع انحراف لا بد من المسارعة إلى تقويمه.

ولقد دعا رسول الله –صلى الله عليه وسلم– للحاكم المترفق برعيته، ودعا أيضا على الحاكم المشدد على رعيته، فقال «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (رواه مسلم 4826).

" إن الحديث عن الطاعة لا يعنى نبذ فكرة المعارضة تماماً، فالمعارضة لا تكون في كل صورها خلعاً للطاعة أو خروجاً على الجماعة، بل إن آية الطاعة نفسها تفتح مجالاً واسعاً للمعارضة حين يأمر ولاة الأمور بما يخالف شرع الله تعالى، وكذلك الأحاديث التي قيدت الطاعة بالمعروف، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكذلك الحديث عن الشورى، وافتراض الاختلاف في الرأي بين أهل الشورى، والحديث عن المناصحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يفسح مجالاً واسعاً للمعارضة المشروعة لكل ما يخالف الحق " (18)

مقارنة بين أركان الدولة في الإسلام وأركانها في القانون الدولي:

إننا إذا ما قارنا أركان الدولة في النظام السياسي الإسلامي، بأركانها فيما هو متعارف عليه حديثا في القانون الدولي، سنجد ما يلي:(19)

1. أركان الدولة ليست محل وفاق بين الباحثين في القانون الدولي العام ولكن المعول عليهم عند كثير منهم أن أركان الدولة هي الشعب, والإقليم(الدار), والسلطة الحاكمة (أولى الأمر) .

2. توفر الشعب والإقليم والسلطة أمر واجب في الدولة الإسلامية والدولة الوضعية على حد السواء، وإن اختلفت ماهية تلك الأركان بين الدولتين الإسلامية والوضعية؛ إلا أن الدولة الإسلامية تزيد على الدولة الوضعية بكيانٍ آخر غير الكيان المادي وهو الكيان الروحي ويُقصد به تحكيم شرع الله الذي أنزله لعباده.

3. شعب الدولة الإسلامية يتكون من المسلمين والذميين على حد سواء ولا يصح القول بأنهم هم المسلمون فقط، وأن أهل الذمة والعهد ليسوا من شعب الدولة الإسلامية!

4. القاعدة العامة في حقوق أهل الذمة أن (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)(20), ولكن هذه القاعدة غير مطبقة على إطلاقها, وذلك بسبب كونهم غير مسلمين؛ فلا يمكن إلزامهم بجميع أحكام الإسلام في أحوالهم الشخصية مثلا، فلابد من وجود تمييز وتمايز ديني.

5. يجب على الدولة الإسلامية أن تحمي أهل الذمة وتكفل لهم حق الإقامة والتنقل, كما يجب عدم التعرض لهم في عقيدتهم وعبادتهم, وان تترك لهم حرية اختيار العمل المناسب بشرط ألا يكون من الأعمال التي يشترط فيها الإسلام .

6. إقليم الدولة يأخذ شكلاً مخروطياً يصغر كلما اتجهنا إلى باطن الأرض ويتسع كلما اتجهنا إلى أعلى.

7. أنواع الأقاليم في الفقه هي نفس أنواع الأقاليم في القانون, وإن كان علماء الشريعة الإسلامية قد أعطوا الإقليم البري (دار الإسلام) مزيد اهتمام وتركيز, على أنهم لم يهملوا الإقليم الجوي بل وضعوا القواعد التي تنظمه.

8. الاعتراف بالدول غير الإسلامية في الشريعة الإسلامية اعتراف واقعي بتلك الدول ولا يعدُّ اعترافاً شرعياً.

9. تتمتع الدولة الإسلامية بالشخصية المعنوية أو الاعتبارية وإن لم يرد هذا المصطلح في كلام أهل العلم المتقدمين إلا أن هذه الشخصية لها عدة مظاهر في الفقه الإسلامي بينت وجودها ومعرفة الفقهاء لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يُنظر: مقالي (المبادئ العامة للنظام السياسي الإسلامي، مقاربة نقدية) موقع مركز التأصيل للدراسات، بتاريخ 19/11/ 2014م، على الرابط: http://taseel.com/display/pub/defaul...815&ct=24&ax=5

(2) يُنظر: مقالي (مؤسسات النظام السياسي الإسلامي ومعالمها) موقع مركز التأصيل للدراسات، 5/12/2014م، على الرابط: http://taseel.com/display/pub/defaul...8860&ct=3&ax=5

(3) يُنظر: مقالي (الدولة في الإسلام ومعالمها، نشأتها، مركز الفرد فيها وغاية وجوده، قانونها) موقع مركز التأصيل للدراسات، 5/ 1/ 2015م، على الرابط: http://taseel.com/display/pub/defaul...991&ct=24&ax=5

(4) يُنظر: المرجع السابق.

(5) انظر: موقع الدكتور سفر الحوالي الإلكتروني، في 23/1/ 2015م، على الرابط: http://www.alhawali.com/index.cfm?me...ContentID=1116

(6) مثل الكاتب والمفكر السوري الدكتور (لؤي صافي (المدير التنفيذي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في ماليزيا (1994م- 1997م)، و**** كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية (1994- 1996)، وعميد مركز البحوث (1997- 1999) في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.

(7)إن فكرة أسلمة الدولة القُطْرية القومية ليست مظاهرا من مظاهر تغوّل فكر الدولة وتحول مفهومها –إدراكا وعملا عند الحركات الإسلامية– إلى المعنى الوحيد في الإدراكات والسياسيات والعلاقات، من دون أن يكون للمجتمع دور يذكر في ذلك، بل هو اجتهاد في ضوء فقه الضرورة أو الاستضعاف وغياب التمكين والقوة، فمثله كمثل ما نجده في تراثنا الفقهي من إعطاء الشرعية(المؤقتة) لواقع الانقسام، ودول وإمارات وسلطنات الأمر الواقع(وهو ما يعرف بفتوى شرعية الحكم بالتغلب)، وذلك تحقيقا لمنهج الإسلام في التوازن بين المطالب المتعددة، والقيام بالحق الممكن، والتوسل به إلى الحق المطلوب، فللدولة في الإسلام أدوار ستظل غائبة ما غابت دولة الخلافة (أو الدولة القُطْرية المؤسلمة) ولن تستطيع الأمة أو المجتمع القيام بتلك الأدوار ذاتيا.

لكن على أية حال يمكننا التخفيف من تغوِّل الدولة القُطْرية الحديثة وسماتها عن طريق بناء مجتمع قوي متشابك وفاعل يقوى مع الوقت على حساب الدولة ويقوم بترويض وحشيتها وتغولها على المجتمع.

ومن المعلوم أن استمراء البقاء في ظل الضرورة والاستثناء قد ينتج عنه استثقال الأصل بل ربما نتج عنه نسيانه؛ من أجل ذلك كان ولابد من التذكير بالأصل من حين لآخر؛ وتبيان أحكامه بوضوح؛ حتى لا تغلب حالة الضرورة على الأذهان، وهذا دور العلماء والدعاة والمفكرين.

(8) من التجارب الإسلامية المعاصرة إعلان استقلال دولة باكستان في 14 أغسطس عام 1947م )بجناحيها الغربي والشرقي الذي انفصل عنها عام 1971م، وعرف باسم بنجلادش( إعلان استقلالها عن الهند والتي كانت تابعة بدورها للتاج البريطاني في هذا الوقت.

والحقيقة أنني لا أهدف هنا إلى تشجيع أو رفض فكرة استقلال الأقليات المسلمة عن بلدانهم، كما لا أهدف إلى مناقشة جدوى إنشاء دولة باكستان من عدمه؛ وكذلك مدى نفوذ الشيعة فيها والذين لا تتجاوز نسبتهم فيها 5%؛ فذلك كله بحث مستقل؛ وإنما هدفي من ذكر إنشاء الباكستان هو التدليل على فاعلية عنصر الدين في تأسيس الدول عند المسلمين.

(9) (أهل الذمة) تعني: أهل العهد، وهو مجرد اسم يميز بين غير المسلمين وبين المسلمين داخل الدولة الإسلامية في باب الدين فقط، وليس في باب المساواة في الحقوق والواجبات العامة.

وعقد الذمة: هو إقرار غير المسلمين على دينهم بشرط بذل الجزية، والخضوع لولاية القضاء الإسلامي، والتحاكم إليه.(وهو ما يعني الإقرار بسلطة دولة الإسلام عليهم).

مع ملاحظة أن أهل الذمة هم غير المسلمين المقيمون أصلا في البلاد التي فتحها المسلمون، أما الذين يَقْدمون إلى بلاد المسلمين من غير استيطان لها لغرض مؤقت كقصد التجارة أو الزيارة ونحو ذلك، فهؤلاء وأمثالهم يسمون أهل الأمان.

وقد اتفق علماء المسلمين على جواز عقد الذمة لليهود، والنصارى، والمجوس، واختلفوا في جواز ذلك لكل من الكافر أو المشرك.

فالقائلون بجواز الذمة للكافر والمشرك –كابن تيمية وابن القيم- استدلوا بعموم اللفظ وعدم تخصيص صنف دون آخر فيما جاء في الصحيح حديث بريدة في وصية النبي -صلى الله عليه و سلم- له لما ذهب للقتال من تخييره من ينزل بساحتهم من الكفار بين إحدى خصال ثلاث الإسلام أو الجزية أو السيف.

((10 يعتبر بعض الباحثين المعاصرين أن تلك الآيات وغيرها لاتنص على طبيعة العلاقة وكيفية معاملة غير المسلمين فحسب؛ بل يعتبرها أيضا أساسا فيما يسمى العلاقات الدولية للدولة في الإسلام. (يُنظر: د. إبراهيم البيومي غانم (المبادئ العامة للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية) موقع (أون إسلام) 12/ يونيو 2006م، على الرابط: http://www.onislam.net/arabic/madari...013-58-31.html ]

(11) الجزية المُحصَّلة من المواطنين غير المسلمين لصالح الدولة المسلمة هي - إداريا - موازية لما تحصله الدولة المسلمة من مواطنيها المسلمين و يسمى زكاة – و كانت له وزارة خاصة تسمى ديوان الزكاة -، وطالما لا يمكن تسمية ما تحصله الدولة المسلمة من غير المسلمين زكاة – لأن الزكاة فريضة إسلامية - فقد سُمِّيَ هذا المال (جزية) من باب عدم إلزام المسلمين بعبادات للمسلمين.

وتجب الجزية على كل غير مسلم، بالغ، عاقل، ذكر، حر، صحيح، قادر على الكسب، وتسقط الجزية عنه بإسلامه، ولا تؤخذ الجزية من الصبي، والمجنون، والمرأة، والرقيق، والمريض، والفقير، والأعمى، والهرم، والراهب ونحوهم ممن لا قدرة له على العمل.

وللشيخ ياسر برهامي فتوى معاصرة عن مسألة الجزية يقول فيها : " ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاهد يهود المدينة بغير جزية، وعاهد مشركي قريش بغير جزية، ورغم أن هذا قبل نزول آية الجزية، لكن الراجح أنه ليس بمنسوخ، بل هو مُنسأ، مثل: آيات العفو والصفح، والصبر، والمسالمة، فكلها يُعمل بها عند الحاجة إليها.

وقد نص العلماء على جواز موادعة الكفار على مال يُدفع لهم عند ضرورة المسلمين لذلك؛ لدفع صغار أشد من ذلك؛ فبالأولى إذا احتاج المسلمون لضعفهم أن يجاهدوا الكفار بغير جزية فعلوا ذلك بهذه الأدلة -والله أعلم-أما عند كمال القدرة والتمكين؛ فالواجب مطلقًا العمل بالنصوص الأخيرة النزول ".(انظر الفتوى في موقع صوت السلف، 26/6/ 2011م، على الرابط: http://anasalafy.com/play.php?catsmktba=27238]

(12) تحدثت في مقال سابق عن غاية وجود هذا الشعب، عند الحديث عن مركز الفرد في دولة الإسلام، وذلك في مقالي: (الدولة في الإسلام ومعالمها، نشأتها، مركز الفرد فيها وغاية وجوده، قانونها) مرجع سابق.

(13) انظر مقالي: (المواطنة والأمة.. هل يتناقضان؟) مركز التأصيل للدراسات، 23/9/ 2013م، على الرابط:

http://taseel.com/display/pub/defaul...433&ct=24&ax=5

(14) للتعرف على ضوابط ذلك، انظر مقالي (نقل المصطلحات السياسية الغربية للبيئة العربية) مجلة البيان، العدد 302، أغسطس 2012م (ص 72).

(15) يخلط بعض الباحثين في هذا المضمار بين ما وُجِدَ في التراث الإسلامي من قضايا خاصة أو معانٍ مجازية أو فتاوى يظهر فيها استخدام سلطان الدولة على غير المسلمين في لبس زي معين أو سلوك طريق دون أخرى، يخلطون في ذلك بين أحكام الإسلام الثابتة وبين مثل هذه الإجراءات النابعة من فتاوى قدر فيها العلماء المصلحة (المرسلة) تبعا للزمان والبيئة السياسية أو الاجتماعية؛ حيث يعدون مثل هذه الإجراءات من أحكام الإسلام الثابتة في معاملة غير المسلمين؛ وقد غفلوا عن كونها فتاوى أو قضايا خاصة أو لها معنى مجازي معنوي –مثل حديث: "فاضْطَّروهُمْ إلَى أضْيَقِ الطَّرِيقِ "رواه مسلم-، فهذا الحديث عقد له الدكتور حاكم المطيري دراسة حديثية مطولة نشرها على موقعه الإلكتروني، خلاصتها أن للحدث قصة خاصة تكشف عن معناه، وأنه ليس على إطلاقه، أما اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية(فتوى رقم 5313) فقد فسرته تفسيريا معنويا، فقالوا أن المقصود بالحديث أن ما كان من باب البر والمعروف ومقابلة الإحسان بالإحسان قمنا به نحوهم لتأليف قلوبهم، ولتكن يد المسلمين هي العليا، وما كان من باب إشعار النفس بالعزة والكرامة ورفعة الشأن نتيجة الانتساب للإسلام فلا نعاملهم إلا به.

(16) عبد القادر عودة (الإسلام وأوضاعنا السياسية) مؤسسة، بيروت، لبنان، 1401هـ، 1981م، (ص 277: 279) بتصرف.

(17) بعيدا عن ترجيحات وآراء الشيخ يوسف القرضاوي في مسألة جهاد الطلب في كتابه المثير للجدل (فقه الجهاد.. دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء الكتاب والسنة) مكتبة وهبة، القاهرة، ط3/ 2010م، بعيدا عن ذلك فقد استفدتُ منه في الوقوف على هذه الشروط الأربعة والتي هي محل اتفاق الجميع كضابط لجهاد الطلب.

(18) د. جمال المراكبي (المعارضة في النظام السياسي الإسلامي) موقع مسجد التوحيد ببلبيس، 17/9/2010م، على الرابط: http://www.altawhed.net/article.php?i=181

(19) انظر: صالح بن علي الأخن المُرِّي (أركان الدولة دراسة مقارنة) بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير، بمعهد القضاء العالي، قسم السياسة الشرعية، جامعة الإمام محمد بن سعود، السعودية، 1424هـ -1425هـ، بتصرف.

(20) للشيخ ناصر الدين الألباني -في " السلسلة الضعيفة " ( ج 3/ ص224، 225 ) -تعقيب على تلك المقولة، والتي حسبها بعضهم حديثا!!، فليُرجع إليه.


-------------------------------
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-07-2015, 07:07 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الوظائفُ الاستخلافيةِ والعَقَدِيِّةِ للدولةِ في الإسلامِ وتميُّزها

الوظائفُ الاستخلافيةِ والعَقَدِيِّةِ للدولةِ في الإسلامِ وتميُّزها
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. تامر بكر)
ــــــــ


18 / 7 / 1436 هــ
7 / 5 / 2015 م
ــــــــ




ذكرتُ في دراسة سابقة (1) أن الحديث عن وظائف الدولة في الإسلام أعمق من الحديث عن وظائف الحاكم؛ لأنه لابد أن يشتمل بالإضافة للحديث عن وظائف الحاكم، يشتمل على الحديث أيضا عن وظائف الرعية عامة والعلماء والدعاة خاصة.

كما انتهيتُ في ذات الدراسة أيضا إلى أن مقاصد الأمة لا تتحقق إلا من خلال الدولة والمجتمع معا، وأن مقاصد الأمة ومقاصد الدولة لا يتعارضان.

وفي هذه الدراسة أذكر على سبيل التفصيل كلا من الوظائف الاستخلافية والعقدية (2) للدولة في الإسلام، وما فيهما من تميُّز.

أولا:الوظائف الاستخلافية للدولة في الإسلام:

تنبع هذه الوظائف من فكرة الاستخلاف العام للبشر جميعا في الأرض، يقول الله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربّك سريعُ العقاب وإنه لغفور رحيم} (الأنعام:165). ولذلك فهي في الأصل وظائف مشتركة بين جميع الدول؛ ولكن تميز تلك الوظائف في الدولة الإسلامية هو تميز نوعي، وهو ما سندلل عليه لاحقا.

وتعتبر رعاية الدولة بسلطانها للوظائف الاستخلافية؛ مثل: إقامة العمران، وتحويل التشريع الإلهي إلى صيغة تنفيذية على شكل قانون؛ وتحقيق العدل، والحفاظ على نفس الإنسان وإنسانيته، وحفظ ورعاية المجتمع، والبيئة، ورعاية وتنمية الخيرات المادية والمعنوية، وتنمية القدرات البشرية، وتأدية الأمانات المادية والمعنوية، وتنظم العلائق الاجتماعية والاقتصادية بصورة تتيح لجميع الأفراد أن يحظوا بالحرية والأمن والكرامة، وعدم السماح لتعدي الناس على بعضهم على بعض، وتذلل الصعوبات أمام الأفراد حينما ينشدون التطور بشخصياتهم، وإتاحة تحقيق المسلمين الأهداف الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام: عقيدة وعملا، ورعاية غير المسلمين وتحقيق أمان فعلي لهم، وحماية الوطن من العدوان الخارجي، وصيانته من التصدع الداخلي (3). ونحو ذلك من نَظْم أمور الناس مما يحتاجونه في معيشتهم، تعتبر رعاية دولة الإسلام تلك الوظائف من أهم أولويات الدول؛ فبدونها لا تسيير الحياة؛ ولعل هذا ما جعل بعض الباحثين يسميها بالوظائف السيادية للدولة.

يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء 58).

فقد جاء الخطاب في آية سورة النساء آنفة الذكر للولاة والحكام: أن يرعوا الأمانات ويحكموا بالعدل، فإن إضاعة الأمانة والعدل نذير بهلاك الأمة وخراب الديار، روى البخاري بسنده في الصحيح (6496): " إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة". قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: "إذا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ."

ويرى شيخ الاسلام ابن تيمية أن آية سورة النساء آنفة الذكر، قد حددت إجمالاً وظائف الدولة،-فتلك الأمور مشتركة بين الحاكم وبين الدولة-؛ فأوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، وهذان جماع السياسة العادلة والسياسة الصالحة، والقيام بهذه الوظائف هو المعادل لطاعة الولاة (4).

ومن الملاحظ أن هذه الوظائف كلها تقريبا مما تهتم به الدول الأخرى، ولكن تميز تلك الوظائف في دولة الإسلام نابع من المنطلق الذي تنطلق منه تلك الوظائف؛ حيث إنها لا تنطلق من منطلق المصلحة أو الحاجات؛ بل إنها تنطلق من منطلق ديني مما يجعلها مشبعة بمنظومة قيمية عالية؛ لأن تحقيق العمران وتلبية حاجات الناس في الحياة الدنيا واستخلافهم فيها هي غاية من الغايات التي خلق الله الإنسان من أجلها.

ثانيا:الوظائف العقدية للدولة في الإسلام:

تنبع هذه الوظائف بالأساس من اعتبار أن أهم ما يميز العقيدة الإسلامية عما سواها من البنى الفكرية الذهنية هو ارتباط النظرية بالتطبيق؛ " فالعقيدة ليست مجموعة من التصورات ذات طبيعة نظرية محضة، منفكة عن الحياة العملية للفرد والمجتمع، بل هي منظومة من المعتقدات الهادفة إلى التأثير في الفعل الإنساني، من خلال مجموعة القيم والمبادئ والأحكام التي تنبثق من هذه المعتقدات وترتكز عليها.

فالإيمان باليوم الآخر-مثلا- ليس معرفة نظرية كالتيقن بحركة المجرات واحتراق النجوم، بل هي معرفة تتعلق مباشرة بمسؤولية الإنسان عن أفعاله في زمن وجوده الدنيوي، وتحمله لتبعات يوم معاده "(5)

ولمنظومة القيم الأساسية الإسلامية دور رئيس في تحديد أهداف وغايات الدولة؛ فالوظائف في مدلولها الإسلامي لها قيم وممارسة هادفة لتحقيقها، وهذه القيم في الفكر السياسي الإسلامي تتمركز في قيمة محورية أساسية هي (التوحيد) فهو الأساس الذي يقوم عليه الإسلام، وقيمة (التوحيد)هي القيمة العليا في بناء القيم الإسلامية الأخرى، ويقوم مضمون الوظيفة العقدية للدولة على قيمة التوحيد؛ حيث تحتوي الوظيفة العقدية للدولة في الإسلام؛ على ثلاثة أبعاد رئيسية يؤدي بعضها إلى البعض الآخر:

أولا: حفظ الدين والالتزام بالعقيدة، وحمايتها من التحريف:

يقول (ابن تيمية) أن " المقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى خسروه فإنهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا "(6)

وتسعى الدولة لحفظ الدين بتطبيق شرع الله، وقبول الاحتكام إلى الله ورسوله –ومن أمثلة ذلك تنظيم القضاء-وتيسير عبادة الأمة لله، وتنظيم أمور الجهاد في سبيل الله –ومن أمثلة ذلك تأسيس الجيش-، بل وتبني نشر الدعوة الإسلامية وتبليغها للبشر كافة، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج41)

فمن واجبات المستخلفين في الحكم -دُوَلاً وَأَفْرَادًا- كما في آية سورة الحج آنفة الذكر، أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، " وقد اقتصرت الآية على هذه الواجبات الثلاث، لأن توفرها دليل على توفير غيرها مِمَّا يوجبه الإسلام، فإقامة الصلاة في الأمة دليل على الإيمان والطاعة، وإيتاء الزكاة دليل على أخذ النفس بالحق ورد الحقوق لأربابها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على الاستمساك بما أمر الله ودعوة الغير إليه وكفهم عن الفسوق والعصيان" (7)

وفي هذا الإطار فإن غير المسلم تتم دعوته إلى الإسلام، فإن قبل يصبح (له ما لنا وعليه ما علينا)؛ وإن لم يقبل فلا يمنع من حق اختيار وظيفته التي تلائمه في الدولة؛ فإن لغير المسلمين الحق في المشاركة في الوظائف المختلفة في دولة الإسلام ما داموا هم الأكفأ؛ إلا ما اتصل بالإسلام وممارسة وظيفته العقدية (8).

إن التزام تطبيق الشريعة الإسلامية كمنهج حياة هو الطريقة المثلى لجمع شمل المسلمين ووحدة صفهم، وإصلاح ما فسد من شئون دينهم ودنياهم، لأن في ذلك ردهم إلى الكتاب والسنة وسبيل المؤمنين، وهذه الخاصية لا يمكن أن تتحقق بدون تحقيق هذه الشريعة أبداً، والتاريخ شاهد على ذلك؛ فالدول الإسلامية التي قامت على الكتاب والسنة من بعد عصر الراشدين عبر التاريخ الإسلامي،– وإن كان لديها بعض التجاوزات تحقيقا لما أخرجه الشيخان من حديث: " خير الناس قرني" -، كانت تلك الدول هي التي جمعت شمل المسلمين وقام بها الجهاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعز بها الإسلام، ومن أمثلتها: دولة عمر بن عبد العزيز ودولة صلاح الدين الأيوبي.

ثانيا: تأسيس المجتمع العقدي الملتزم بالعقيدة:

إن الإنسان لا يمكن أن يحيا وفق تعاليم الإسلام وينظم علاقاته مع الآخرين وفق قواعد الشريعة إلاّ إذا كان بناء المجتمع على أسس إسلامية تمكن الفرد من هذه الحياة، وبناء المجتمع على النمط الإسلامي لا يمكن أن يتم بالوعظ والإرشاد، وإنما بقيام الدولة التي توجه المجتمع التوجه المطلوب وتشرف على سلامته بما لها من سلطان وقوة (9)، ولن يستطيع المجتمع (أفرادا وأسرة ومؤسسات) القيام ذاتيا بأدوار الأمة كاملة دون انتقاص بدون وجود دولة -ولعل ذلك كله هو ما سبّب حالة من اندماج الأمة بالدولة في الوعي الجمعي للمسلمين عبر العصور-؛فطالما بقيت (الأمة) مفككة لا يجمعها رابط واحد، فهي ليست (أمة)، وإنما هي أفراد أو قبائل وعشائر أو مؤسسات منفصلة داخل كيان الأمة مهما كانت جامعة لقطاعات كبيرة من الأمة، ومهما كانت قادرة على القيام ببعض الأدوار التي كُلِّفت بها الأمة؛ لأننا لا نعرف إطارا واحد يمكن أن يجمع مكونات المجتمع سويا مع بعضها البعض بحيث تكون كيانا واحدا هو الأمة الإسلامية الواحدة– كما أراد الله - إلا إطار الدولة؛ فالأمَّة هي قاعدة الدَّولة، وهي الجماعة السياسيَّة المنوط بها -بحكم العقيدة والشريعة والدَّعوة والرسالة- أمانة الخلافة.

إن العلاقة بين الدولة والأمة/المجتمع ليست علاقة تصارعية بل هي علاقة تكامل ولا يستغنى أحدهما عن الآخر؛ فمفهوم (الدولة في الإسلام) يشتمل على كل من مفهوميّ الأمة والدولة معا، فهو مفهوم: (عقدي وحضاري وسياسي وقانوني وفكري وثقافي وخُلقي)، ويعني به في المقام الأول (الدولة/ الأمة)، وهي دولة الخلافة الجامعة للمسلمين، وهي" الإطار النظامي الذي تجسد من خلاله الجماعة المسلمة استخلافها السياسي لتحقيق الشهود الإيماني في حراسة الدين وسياسة الدنيا (بالدين) بين أعضائها وبين غيرها من الجماعات الأخرى" (10)

وتعتبر أكبر الإشكاليات المعاصرة مع فكرة الدول القُطْرية (الحديثة) التي يعيش فيها المسلمون، هي تغوّل الدولة وتدخلها في حياة الناس والمجتمع في كل صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة، وعدم إعطائها فرصة للمجتمع أن يقوم بدوره، وللأسف عندما سُمِح في بعض دول المسلمين المعاصرة أن يقوم المجتمع بأدوار في الصحة أو في التعليم ونحو ذلك، لم يكن ذلك إلا نوعا من العلاقة التعاقدية التي تعتمد مبدأ المصلحة والمنفعة والاستثمار، وأُهمِلَت تماما العلاقة التراحمية التي قام عليها المجتمع الإسلامي بالأساس، فقويَ المجتمع في هذه المجالات، ولكن غاب عنه الرشد!

والحل المتوازن يكمن فيما كان قائما في النموذج الإسلامي الذي قدمه المسلمون في دولهم الأولى، وهو أن تكون الدولة راع وجامع وضامن أكثر منها مديرا منفذا.

وإذا كان المجتمع أسبق ظهورا من الدولة، وهو الأساس الذي خرجت منه الدولة؛ فإن بناءه وترسيخ قواعده لا يقل أهمية عن إرساء قواعد الدولة، والتي ستقوم هي الأخرى بالمساعدة في بناء وترسيخ قواعد المجتمع، وذلك في إطار أن الدين الإسلامي لم يعرفه المسلمون حياديا -سلبيا- في تعامله مع المجتمع والدولة، بل كانت علاقته بهما علاقة متوازنة (11)، من دون تغوّل من الدولة على الدين بتوظيفه لخدمة مآربها السياسية بعيدا عن الشرع!، أو من الدين على الدولة -ثيوقراطيا- وعلى المجتمع -كهنوتيا- !؛ فالدولة التي يكون فيها نظام الحكم نوعا من التفويض الإلهي هي دولة قد تغوّل عليها الدين، والمجتمع الذي لا يستطيع أن يؤدي عبادته لربه إلا بواسطة بينه وبين الله، هو أيضا مجتمع قد تغوّل الدين عليه وكبَّله!

وهو ما يعني أن ما يمكن أن ما نسميه الحل الإسلامي لأزمة المسلمين المعاصرة لابد أن يقوم على (الدين والأمة والدولة) معا، أو بمعنى آخر –ولعله أوضح وأدق-: يقوم الإسلام على (الدين القويم بعقيدته وشريعته، متمثليْن عمليا في المجتمع القوي الراشد المُعبِّر عن الأمة، والدولة الراعية الضامنة الجامعة للأمة) (12)، ويمكن ترتيب تدرجات الإصلاح بحيث يصبح إصلاح حال (الأمة/ المجتمع) أحد وسائل إصلاح أحوال الدولة؛ بمعنى أن يتم تكوين قاعدة مجتمعية واسعة تصلح أن تكون نواة صُلبة تنصلح من خلالها الدولة.

إن بناء مجتمع ملتزم بالعقيدة، يؤمن بها كمحرك للحياة ومصدر للسعادة فيها، سيؤدي حتما إلى مجتمع راشد يحيا حياة طيبة؛ يقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97).

يقوم هذا المجتمع العقدي على مبدأين هما: الولاء للمؤمنين، والبراء من المشركين. ويجب أن تحكم حركة هذا المجتمع ثلاث حقائق وهي: الإيمان بالله الذي يفتح الآفاق الحياتية أمام المجتمع، والإيمان بالرسالات السماوية الذي يقدم للمجتمع خطة وبرنامج حياة، والإيمان بالآخرة الذي يجعل للحياة المجتمعية هدفا يمكنها أن تسعى من أجله.

ويضم هذا المجتمع أصنافًا من البشر، وهم: نموذج المتقين وهم المكون الأساسي له، ونموذج غير المسلمين (13) وعليهم الخضوع لسلطان الإسلام ، ونموذج المنافقين الذين يعلنون الإيمان من أجل الحصول على ثقة الناس.

تظهر مكونات المجتمع آنفة الذكر أن هذا المجتمع العقدي يقبل التعدد الفكري ويعترف به.

وعلى كل حال، فليس معنى قيام الدولة بعدد من الوظائف العقدية انتفاء أدوار أفراد الأمة /المجتمع عنها، ولكن لكلٍ منهما دائرته التي يعمل فيها، بل لقد كان المجتمع دائما هو من يقوم بسد عجز وتقصير الدولة في أداء تلك الوظائف إذا ما حدث.

ثالثا: نشر الدعوة الإسلامية:

على الرغم من أن نشر الدعوة هو سبب مباشر من أسباب حفظ الدين؛ إلا أنني أفردتها هنا كوظيفة مستقلة؛ نظرا لأهميتها ولأن نشر الدعوة هو عماد الدين، وهو سبب خيرية هذه الأمة، يقول الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ }(آل عمران110(

فالدولة في الإسلام تقوم على الدين والدعوة إليه، وبين الدعوة والدولة علاقة نموذجية(مثالية) تختلف عن كل النظم السياسية والدينية قديمًا وحديثًا، وهو ما ينبغي أن يكون واضحًا لا لبس فيه، حتى لا تستعار مصطلحات ومفاهيم غير إسلامية في التعبير عن تلك العلاقة، فيقع الخلط, وتطبق النظريات الغريبة على المجتمعات الإسلامية .

" ويرجع أصل العلاقة بين الدعوة والدولة ابتداء إلى الإسلام ذاته؛ فطبقا لخاصية شمولية الإسلام يصبح صون الاتصال وحفظ التوازن بين (الدعوة والدولة) ركنا من أركان فهم الإسلام وتطبيقه.

نجد هذا الأمر مفصلاً في كثير من الأحاديث النبوية التي أَصَّلت للعلاقة الشرعية بين الدعوة والدولة.

وفي عهد النبوة كانت الدعوة والدولة قضية واحدة، فكان من مقتضيات نشر الدعوة أن ينتظم المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم ومعاشهم وجهادهم حول مُطاع واحد. في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي، أمرٍ ونهيٍ جميعٍ غيرِ شتيت، الكل دينٌ.

ثم جاء عهد الخلفاء الراشدين فساروا على نفس الشرعة والمنهاج، يتدافعون الرئاسة ويتحامونها، خوفا من تَبِعَتِها، لا فصلَ في فقههم -رضي الله عنهم- بين الدنيوي والديني، بين الدعوة والدولة، كلاهما يقيم الدين من جانب تخصصه وواجبه ودرايته.

ما بين الهجرة النبوية وانقضاء عهد الخلافة الراشدة ثلاثين سنة بعد وفاة ****** -صلى الله عليه وسلم- لم يكن هناك انصداع في الأمر، كانت الدعوة وما تمثله من أصول الدين وقوة الجماعة قاعدة متينة تدور الدولة حولها لخدمتها، وتسير في موكبها، وتأتمر بأمرها " (15)

يقول صاحب كتاب الرسائل: " لا يكفى في تحقيق الحكم بما أنزل الله أن تعلن الدولة في دستورها أنها دولة مسلمة، وأن دينها الرسمىّ الإسلام (16) أو أن تحكم بأحكام الله في الأحوال الشخصية وتحكم بما يصطدم بأحكام الله في الدماء والأموال والأعراض، أو يقول رجال الحكم فيها: إنهم مسلمون سواء أكانت أعمالهم الشخصية توافق هذا القول أم تخالفه. لا يكفى هذا بحال ولكن المقصود بحكم الله في الدولة أن تكون دولة دعوة (17) وأن يستغرق هذا الشعور الحاكمين مهما علت درجاتهم والمحكومين مهما تنوعت أعمالهم، وأن يكون هذا المظهر صبغة ثابتة للدولة توصف بها بين الناس، وتعرف بها في المجامع الدولية، وتصدر عنها في كل التصرفات، وترتبط بمقتضياتها في القول والعمل... فلماذا لا تكون مصر وهى دولة مستقلة ذات سيادة معروفة في المجامع الدولية بتمسكها بهذه الصبغة الإسلامية وحرصها عليها ودعوتها فيها وارتباطها بها في كل قول أو عمل " (18)

إننا في الواقع المعاصر عندما نتحدث عن جمع الدولة بين مهمتها كدولة ومهمتها في تبنَّى قيم وأهداف الدعوة (19)، لا نعني بالضرورة أن يجمع شخص الحاكم (الخليفة) بين رجل الدعوة ورجل الدولة، وإنما نعنى جمع النظام العام لذلك، مع ضرورة مراعاة الفروق بين طبيعة الدولة وطبيعة الدعوة.

علما أن نموذج الخلافة الراشدة قد اجتمع فيه عنصرا الدولة والدعوة معا في المنهج -وهو منهج النبوة- وفي حاكم واحدٍ قادر على تجسيد الوظيفتين لرجل الدولة ورجل الدعوة.

ونخلص من كل ما سبق إلى أنه من الواجب على الدولة في الإسلام أن تقوم بنشر دعوة الإسلام على مستويين (20):

أ- على المستوى الداخلي: عن طريق (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهو واجب أيضا على الأفراد وليس لهم أن يتخلوا عنه، حيث إن التخلي عنه ينهي حيوية بل خيرية الأمة والمجتمع الإسلامي.

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأساس المتين الذي بنيت عليه الدولة، وتطبيق أحكام الشرع هو الغرض المنشود لها.

فإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو المعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين.(21)

فمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نشأت وظيفة الحِسْبَةِ إلى جانب وظيفة القاضي؛ نتيجة تضخُّم ظروف الحياة في الخلافة الإسلامية ،وكانت تسمَّى عند الفقهاء (ولاية الحِسْبَةِ(

وفي تطوُّرها فقد تَعَدَّتِ الحسبة هذا المعنى الديني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى واجبات عملية معنوية ومادِّيَّة تتَّفق مع المصالح العامَّة للمسلمين؛ فقد تناولت أمورًا اجتماعية متعدِّدة؛ مثل: المحافظة على النظافة في الطرق، والرأفة بالحيوان بأن لا يُحَمَّل ما لا يطيق، ورعاية الصحَّة بتغطية الروايا، ومنع معلِّمِي الصبيان من ضرب الأطفال ضربًا مبرحًا، ومراقبة محاولات فتح الحانات ، وتبرُّج النساء، وبعبارة عامَّة كل ما يَتَعَلَّق بالمجتمع وأخلاقه، والظهور فيه بالمظهر اللائق، كما تناولت أمورًا اقتصادية؛ وذلك لتضخُّم المدن الإسلامية بأرباب الحرف والتجارات، فكان عمل المحتسب الأساسي منع الغش في الصناعة والمعاملات، وبخاصة الإشراف على الموازين والمكاييل وصحَّتها ونسبها. (22)

وأول من احتسب في تاريخ الإسلام، هو رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مرَّ على صُبْرة(23) طعامٍ، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟". قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: " أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي".(24)

وحينما بدأت الدولة الإسلامية الأولى تأخذ في التشكل والاستقلال، رأينا رسول الله–صلى الله عليه وسلم يُعيّن أول محتسب في الإسلام، حيث استعمل سعيد بن سعيد بن العاص –رضي الله عنه-بعد الفتح، على سوق مكة(25)، مما يُدلل على أهمية هذه الوظيفة منذ فجر الإسلام.

ويمكن أن نصوغ أدوار (الحسبة) الاجتماعية في دولة الإسلام في عدد من الأهداف الأساسية فيما يلي:

1- حماية دين الله تعالى بضمان تطبيقه في حياة الناس الخاصة والعامة وصيانته من التعطيل أو التبديل أو التحريف.

2- تهيئة المجتمع الصالح بتدعيم الفضائل والأخلاق وإنمائها، ومحاربة الرذائل وإخمادها.(26)

3- إعداد المؤمن الصالح المهتم بقضايا مجتمعه ، وحماية مصالحه.

4- بناء الضمير الاجتماعي – الوازع الجماعي – الذي يحول دون هتك مبادئ المجتمع المسلم وقواعده وآدابه العامة وأعرافه.

5- استقامة الموازين الاجتماعية واتزان المفاهيم واستقرارها حتى لا ينقلب المنكر معروفاً والمعروف منكراً.

6- دفع العقاب العام من الله تعالى، ومنع حالات الفساد الجماعي. ذلك أن فشو المنكرات وظهور الفساد يستحق العقاب من وجهين:

الأول: أن ارتكاب تلك المنكرات موجب للعقاب .

الثاني: إن السكوت عن هذه المنكرات من غير أصحابها موجب أخر للعقاب، لذا قال الله تعالى محذراً هذه الأمة أن تسكت عن المنكر: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال25(

ب- على المستوى الخارجي: حيث إن الدولة في الإسلام تعتبر الإنسانية أسرة واحدة متلاحمة، وأن العقيدة الإسلامية هي رسالة عامة موجهة للكافة؛ فإنها تقوم بتعميم (دعوة الإسلام في الخارج)، وهي وظيفة مستمرة للأمة؛ فرادى وجماعات ..

تميُّز وظائف الدولة في الإسلام عن غيرها من الدول

إن تميُّز وظائف الدولة في الإسلام عن غيرها من الدول، آتٍ من أمرين:

1- تميّز في وظائف انفردت بها الدولة، وهي بعض الوظائف العقدية النابعة من وظيفة حفظ الدين، مثل:

أ- رعاية الدولة الدعوة الإسلامية وحملها للبشرية.

ب- رعاية الدولة تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة، وخاصة تنفيذ العقوبات التي يصدرها القضاء سواء كانت الحدود أو التعزيرات.

ج- قيام الدولة بأعباء الجهاد بأنواعه، وخاصة فيما يتعلق بإعلان الحرب الهجومية الوقائية لتأمين الحدود، أو لإنقاذ الأسرى والمستضعفين، أو لجهاد البغاة المعتدين الخارجين على الحاكم الشرعي المُحكِّم للشريعة(27).

2- تميّز نوعي في بعض الوظائف الاستخلافية أو السيادية:

من وظائف الدولة –أي دولة- القيام بما تسمى الوظائف الاستخلافية كحفظ الأمن والنظام، وتحقيق العدالة، وحماية حقوق الأفراد والمجتمع، ورعاية الحريات، إلى غير ذلك من الوظائف، والتميز النوعي الذي نعنيه هنا هو التميز في النسق المعرفي، فالنسق المعرفي –مثلا- لمنظومة العدل والحريات في الإسلام يختلف عن النسق المعرفي لمنظومة العدل والحريات في الغرب، بمعنى أن القيم المشتركة بين البشر وهي ما تعرف بالقيم العالمية قد تتلاقى مع قيم الإسلام في بعض المعاني المشتركة بينهما، إلا أن هناك فرقا في القيمة ذاتها بين المنظور الإسلامي لها والمنظور العالمي لها، فالمفهوم الإسلامي لهذه القيم مضبوط بالشرع، وهو أعم وأشمل من المفهوم العالمي.

فمثلا: العدل كقيمة يختلف في النظرة الإسلامية عنه في النظرة الغربية، فهو في الإسلام غير مقتصر على الحاكم وإنما هو على كل مسؤول، بل كل مسلم سواء كان مسؤولا أم لا، والمساواة في النظام الغربي تعني مساواة الناس أمام القانون من ناحية الحقوق والواجبات والحماية القانونية، وذلك قد أدى بهم إلى إنهاء قوانين التمييز العنصرية التي كان يتم التعامل بها مع بعض المواطنين بوصفهم كائنات إنسانية من الدرجة الثانية أو الثالثة، لكن ذلك النسق لم يكن كافيا لإنهاء العنصرية تماما من نفوس العنصريين كما تم في النظام الإنساني؛ حيث لم تقتصر المساواة فيه على القانون فقط؛ بل تعدته إلى أن تكون طريقة تفكير ومنطلق في التعامل والوعي.

والحرية كقيمة إن لم تكن كما هي في الإسلام منبثقة من (تكريم الله للإنسان وعبوديته له )، كانت قيمة مطلقة لا حد لها؛ كما هو الكائن في المفهوم الغربي للحرية، وبالتالي فلا يمكن للدولة الإسلامية أن ترعى حرية الشذوذ أو ممارسة الرذائل ونحوه، أو حرية الإجهاض بلا ضرورة طبية، وذلك احتراما للعدالة والمساواة بين الكبير والصغير في حق الحياة ولو كان جنينا لا يملك الاعتراض أو الدفاع عن نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
للنظام, المبادئ, السياسي, العامة, الإسلامي

« الحكمة المصلوبة | أثر التيارات المادية في التصورات الدينية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 10-21-2013 01:19 PM
الانقلاب على المبادئ عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 08-09-2013 06:18 AM
المبادئ الديمقراطية في الشريعة الإسلامية Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 06-03-2013 09:52 AM
مدير العلاقات العامة في ادارة المخابرات العامة السورية يعلن انشقاقه Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 12-16-2012 10:56 PM
المبادئ الأربعة للنجاح Eng.Jordan الملتقى العام 0 03-13-2012 12:46 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:08 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68