تذكرني !

 





شذرات إسلامية مواضيع إسلامية عامة

من مقامات النبوة

من مقامات النبوة (1) --------------- **ـ بين يَـدي المقَـامَات ــ** --------------------- (نايف بن محمد اليحيى) -------------- 23 / 3 / 1436 هــ 14 / 1 /

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-14-2015, 10:08 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,562
ورقة من مقامات النبوة


من مقامات النبوة (1)
---------------

**ـ بين يَـدي المقَـامَات ــ**
---------------------

(نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ


مقامات النبوة n1.jpg


بين يَـدي المقَـامَات
لا يَزال المؤمن يجتَني أطَايب الحكَم، وجَوامع الكَلم، وكَرائم الأخْلاق، وفرَائد الآدَاب، كلمَا أعَاد النظَر في سِيرة الحبيْب صلى الله عليه وسلم وأمعَن القرَاءة فيها، فَهي بحَق مأدُبة فضَائل، ومَائدة شمَائل، ينهَل منها الكبَار، ويتَربى على مُثُلها الصِّغار، فليسَ لأحَدٍ الاستغنَاء عنهَا، عَالماً أو مُتعَلماً، صَغيراً أو كَبيراً، ذَكراً أو أُنثى، فَهي المعين الصَّافي، والسَّبيل الشَّافي، لكلِّ من أراد الأنسَ والسَّعادة والفَائدة . . .
لذَا فقَد عُني بها السَّلف والأئمَّة عنايةً شَديدة، فَهذا علي بن الحسَين -رحمَه الله- يقول " كنَّا نُعلَّم مغَازي النبي _عليه الصَّلاة والسَّلام_ كمَا نُعلَّم السُّورة من القُرآن " ويقُول إسماعيل بن محمَّد بن سَعد بن أبي وقَّاص " كان أبي يعَلمُنا مغَازي رسُول الله يعدُّها عَلينا، ويقول: هذه مآثر آبائكُم فلا تضيِّعوا ذكرَها ". ويقول الإمام ابن كَثير –رحمَه الله – :
" ولا يجمُل بأولي العِلم، إهمَال مَعرفة الأيام النبَويَّة، والتَّواريخ الإسْلامية" وبناءً على ذلك ورغبةً في الإسهَام في رشْفةٍ من رَحيق إمام هذه الأمة ونَبيهَا وقائدهَا، ذكَرت إشَاراتٍ وإلماحاتٍ، وإضَاءاتٍ وَوَمضَاتٍ، من عَبير تلك المقَامات، التي قامهَا - عليه الصَّلاة والسَّلام - ....
أسْأل الله أن ينفَع بها قارئهَا وكَاتبهَا . . . إنه جَوادٌ كريمٌ . . .
من مَقَامَاتِ النُّبُوَّة
لما أرَدت استِهْلال هذه المقَدمَة وكتَابتهَا، ووضَعت قَلمي على الورق، جَرى بسُرعةٍ ومضَى بخفَّة، يسَطر غَرامَه وأشوَاقه، وحُبه وموَدته، ولهفَتَه وحُرقَته وهو يلتَفت يَمنةً فيرى المحبِّين في لُهَاثهم، ويسْرة فإذا الغَارقون في شَهواتهم، وأمَامه فإذا اللاهُون في سُبَاتهم، فسَطر بمِداد الحُب حُروف الأشواق، وأخَذ يدبِّج العبَارات، ويصُوغ المقَامات، ويصْدح بهذه الكلمَات...
فمن شَاء فليَذكر جمَال بُثينَةٍ
ومن شَاء فليَغزل بحُب الرَّبائبِ
سَأذكُر حُبي للحَبيب محمَّدٍ
إذا وصَف العشَّاق حُب الحبَائبِ
ويبْدو محيَّاه لعَيني في الكَرى
لنفْسِي أفديْهِ إذاً والأقَاربِ
وتُدركُني في ذكرِه قَشعَريرةٌ
من الوَجد لا يحوِيه عِلم الأجَانبِ
إن لكِل رسَالة من الرسَالات وأمةٍ من الأمم أمجَاداً وحضَارات، ومزَايا ومآثر تتَشَرف بها وتتَبنى فضَائلها، وإن لهذه الأمَّـة مقَاماً خَاصاً، وشَرفاً رَفيعاً، ومنَاقب متَميزة؛ فلكُل فرد من أفرادها وسَام شَرف، وعلى جَبينه شَامة عِز، وفي طَريقه نُور يتلألأ ومِشعَل يُضئ، وآية تَهدي، وسُنةٌ تَشفي؛ ذاك أنها "تُوفِي وتُتِم سبَعين أمة يوم القيَامة، هي خيرها وأكرمُها على الله عز وجل" [1] .. بل جَعلها الله شَاهدةً وشهيدةً على الأمم قبلها، فعَلى كل مؤمن أن يسبِّح من أعمَاق قلبه، مغتبطاً مجتذلاً رافعاً أسمَى آيات الثنَاء والمدْح والتمجِيد، مبتهلاً إلى المالك الأحَد، قائلاً في صِدق وحب ووفَاء:
وممَّا زَادني شَرفاً وتيهَاً
وكدتُ بأخمُصِي أطَؤ الثُّريَّا
دخُولي تحْت قولك يا عبَادي
وأن صَيَّرت أحمَد لي نبيَّا
إذا أرَدت أن تجعَل يومَك عيداً، ولحظَاتك أنسَاً، وحَياتك سعادةً فلتكن مع محمد صلى الله عليه وسلم.
"عَزَفت الأقلام بسِيرته فكَانت أروَع ما كتبَت، وهتَفَت الشِّفَاه بصدقه فكانت أجمَل ما نطَقَت، وتنَاقل الأجيَال أخبَاره فكان أمتَع ما سمعَتْ؛ أُذن الخَير الذي استَقبل آخرَ رسَائل السَّماء لهدَاية الأرض، خير من مشَى على قدَم، وخَير من أُرسِل للأمَم، وخير من حَكم وعَدل، سبَّح الحصَى في يديه، وسَلم الحجَر عليه، وشَكا الجمَل إليه، وبكَى الجذع على فرَاقه، ونبع الماء بين أصَابعه، وشَهد الذئب لرسَالته، وكثُر الطعَام ببرَكته، وكلَّمَه ذرَاع الشَّاة، وظَلله الغَمَام، وحَدثه الطَّير" [2].
وله كمَال الدِّين أعلَى همَّةً
يعْلو ويسْمُو أن يقَاس بثَانِ
لما أضَاء على البَريَّة زانهَا
وعَلا بهَا في طاعة الرحمنِ
فَوجَدت كل الصَّيد في جَوف الفِرا
ولقِيتُ كُل النَّاس في إنسَانِ
مهمَا أوتي الأدَباء من أعنَّة الفَصَاحَة، وأزِمَّة البَلاغة، وجَوامع الكَلم، وبَديع النَّثر، وجَزيل الشِّعر، ورَوائع النَّظم، ومهمَا تبَارت القَرائح تشْدو أناشِيْد عَظمَته، فسَتَظل خَجْلى أمَام زكَاء سِيرته وصَفَاء سَريرته.
يَروحُ بأروَاحِ المحَامدِ حُسنهَا
فَيرْقى بهَا في سَاميَاتِ المفَاخِرِ
وإن فُضَّ في الأكْوان مِسْك ختَامهَا
تعَطرَ منهَا كُل نجْدٍ وغَائرِ
ما من نَبي من الأنبيَاء ولا مَبعُوث من الرُّسل إلا وأُيِّد بآية ثم ذَهبَت، ومعْجزَة ثم انصَرمت، وشَريعةٍ ثم نُسخَت؛ لكِن آيتَه ومعجِزته خَالدَةً تَالـدَةً باقيـةً ما بقي النيِّران، وما وجد في الأرضِ إنسَان.
جَاء النَّبيون بالآيات فانصَرمَت
وجِئتنَا بحَكيمٍ غَير مُنصَرمِ
آياتُه كلمَا طالَ المدَى جُددٌ
يزينهُن جَلالُ العِتق والقِدمِ
"جَاءت أخْلاقه بنَسَق متَكَافئ فَزهْده كَجُوده، وكرَمُه كصَبره، وشُكره كَحِلمِه، وهَكذا أرسَله الله- سُبحَانه وتَعَالى - ليصِيغَ منظُومَة الأخْلاق الأبَدية بأقْلام من نُور الهدَاية، ثم أسَّس أول مدرسَة لتَواضُع العظَمَاء، وقَف على جُثمَان كبريَاء النَّفس يوَدعه، وغَزَا الأفئِدة بتوَاضُعه، وأخَذ مكَانه بين البُسطاء والضُّعفَاء" [3].
كان يخصِف نعله، ويَحلب شَاتَه، ويكون في مهنَة أهْله، ويلبَس الصُّوف، ويركَب الحمَار بل ويُردف عليه..، ومع هذا فقد ميَّزه الله بكريم الخِلال وشَريف الخصَال، وشَرح صَدرَه، وأعْلى ذِكرَه.
وضَم الإله اسْم النَّبي إلى اسمِه
إذا قال في الخَمس المؤَذن أشهَدُ
وشَق له من اسمِه ليُجلَّهُ
فذو العَرش مَحمُودٌ وهذا محمَّدُ
جمَع في شَخصِه وبين جنبَيه أجَلَّ المقَامَات وأسمَى المرَاتب وأكمَل المنَاقِب، فإذا ذُكِرَ العُبَّاد وتهجُّدهم فهو إمامُهم، وإذا أشِير إلى العُلمَاء وفقههم فهو أستَاذُهم، وإذا امتُدح الشُّجعان وبسَالتهم فهو قَائدهم، وإذا تميَّز الدُّعاة بأسْلوبهم فهو قُدوتهم، فله في كُل منقُبةٍ أوفَر حَظ وأكمَل نَصيْب..
فلقَدسَرَت مسرَى النجُوم هُمومه
ومَضَت مُضي البَاترات عَزائمه
"ألقَى الله على كَلامه المحبَّة، وغَشَّاه بالقَبول، وجمَع له بين المهَابَة والحكمَة، فلم تَسقُط له كَلمة، ولا زَلت به قدَم، ولا بارَت له حُجة، ولم يقُم له خصْم، ولا أفحَمَه خَطيب، بل يبُذ الخُطب الطِّوال بالكَلام القصِير، ولا يلتَمس إسكَات الخَصْم إلا بما يعْرفه الخَصْم، ولا يحتَج إلا بالصِّدق، ثم لم يسمَع الناس بكَلامٍ قَط أعمّ نَفعاً، ولا أصْدق لفْظَاً، ولا أعدَل وزناً من كَلامه".
يا أيُّها الأُمي حَسبُك رُتبَةً
في العِلم أن دانَت لك العُلمَاء
وُلِدَ فلمَّا ظهَر للدُّنيا أضَاء الكَون، واستَبشر التَّاريخ، وسَعِدت البشَرية كُلها بمَولده، ورَأت أمه نُوراً خَرَج منها فأضَاء مَدَائن بُصْرى والشَّام، فللَّه ما أجمَل تلك اللحَظَات، وما أسعَد تلك البقعَة، وما أجَل ذلك اليَوم الذي ولدَ فيه.
يومٌ يتيه على الزَّمان صَبَاحُه
ومسَاؤه بمحمَّدٍ وضَّـاءُ
كانت لحَظَاتُ حيَاته وأيام ولادَته مِلأها البرَكَات والنفَحَات، فلم تَعرف البشَرية أكمَل خَلْقاً، ولا أنبَل خُلُقاً، ولا أكرَم نسَباً، ولا أشرَف حسَباً، ولا أعظَم برَكةً وصَفَاءً وطهراً وصِدقاً منه - عليه الصَّلاة والسَّلام- فقد كانَت سيرَته نبرَاسَاً وضَّاءً في طَريق كُل مؤمن، ونورَاً وهَّاجاً في درب كل مسْلم، فقَد نُقلت بأدق تفصِيل وأكمَل بيَان، وأوضَح حَال؛ كما قال أحَد النُّقاد الغَربيين:"إن محَمداً ( عليه الصَّلاة والسَّلام ) هو الوحيْد الذي ولد على ضَوء الشَّمس"؛ وقد شَهد بكمَال أخْلاقه وسُمو روحِه وصِدق لهجَته، القَريب والبَعيد، والموَالي والمعَادي، والموَافق والمخَالف، فدُونك صُورٌ من أقوال بعضِ المستَشرقين الذين ما ملكُوا أنفسَهم أمام تلك العظَمَة التي بهَرتهم إلا أن يسَطروهَا بأقلامهِم:
يقول أحَدهم وهو أديْب أيرلَنْدا (برنَارْدشُو):"ما أحوَجَنا اليوم إلى رجُل كمُحَمَّد يحُل مشَاكل العَالم وهو يحتَسي فنَجاناً من القَهوة".
ويقول السِّير مُوير:"لم يكُن الإصْلاح أعسَر ولا أبعَد منه منَالاً وقت ظهُور محمَّد، ولا نعْلم نجَاحاً وإصْلاحَاً تم كالذي تركَه عند وفَاته".
وقال ليونَارد: "إن كان رجُل على هذه الأرض قد عَرَف الله، وإن كان رجُل على هذه الأرض قد أخلَص له، وفَني في خدمَته بقصْدٍ شَريف، ودافع عَظيم فإن هذا الرجُل بلا ريْب هو محمَّد نبي العَرَب".
وفي دائرة المعَارف البريطَانية: "لقَد صَادف محمد النجَاح الذي لم ينل مثْله نبي ولا مصْلح ديني في زَمن من الأزمنَة".
وقال بوزَورث سميث:"إن محَمداً بلا نزَاع هو أعظَم المصْلحين".
فمحَمدٌ صلى الله عليه وسلم الذي هو في نظَر المسْلمين خَاتم الأنبياء والرُّسل ومعَلم الأبطَال، هو في نظَر المفَكرين من الملل الأخرَى، أكبَر المصْلحين على الإطلاق، فلا يحِق لنا أن نتحَدث عن سِيرة رجُل دون أن نشَرف حديثَنا به أولاً؛ فتَنَقل في بسَاتين هذا الكتاب لتَستَنْشِق من عَبيْر مقَامَاتِه، ولتَقطِف من زَهر أخْلاقه وحيَاته، ولتَتَذوق من مَعِين شمَائله وصفَاته
-صلى الله عليه وسلم- ؛ ولا يسَعني إلا أن أرَدد قَول مَن قَال:
ولئن مَدَحْت محمَّداً بمقَالتي
فلقَد مَدَحت مقَالتي بمحمَّدِ


ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه أحمد (33/219)، وقال ابن تيمية: حديث جيد. الجواب الصحيح (2/232).
[2] الزهاد مائة (ص7)، وانظر هذه المعجزات في كتابي: دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي.
[3] الزهاد مائة (ص14).
-------------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


lk lrhlhj hgkf,m lrhghj

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-14-2015, 10:11 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,562
ورقة من مقامات النبوة (2) مِيْلادُ الحَيَاة

من مقامات النبوة (2) مِيْلادُ الحَيَاة
ـــــــــــــــــــ

((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ



مِيْلادُ الحَيَاة

مَضتْ الأَيام وانْصرَمت الأشهُر والَليالَي فأحَست آمنةُ بنت وهَب أنْ شَيئاً يتَحرك في دَاخلها وكأن مَولوداً يَعيش في أحشائِها، إلا أن آلام الحمل ومواجعَه لم يظهَر منها شيء، ولم يبد منها ما يدلُ على ذلك!!، ومع تَقدُم الشُهور ظَهر وكَبر الحمل في بطنِها حتى أتمْ التِسعة أشَهُر، وعِندها وضعت ذلك الطهر وتلك الشَمائل، بل وُلدت الحياة بأسرِها في أحضَان ذلك الطِفل الصَغير، الذي كانت الدُنيا تَنتظرهُ ليُغير مَسارها، ويُنير طَريقها، ويخرج مَن فيها مِن غَياهب الظُلمات إلى مَشاَعِل النُور والهِداية، كُل ذلك بإذن الحَكيم الخبير .
وعِندَما وضعَته وولدته رأت نوراً ساطعاً عظيماً ظَهر مِنها حَتى أنار قصور بُصرى والشَام، ولَقد كان لهذا الَنور فيما بعد حَقائِق سَطرها التَاريخ وشهدتْ عليها أطباق السماوات وبِقاع الأرضْ!!
دبّ هذا الطفل الصَغير على الأرضْ وجَعل يَبحث عن ثَدي يَلتقِمه كَغيره من الصِبية ليسكِن جُوعه ويُذهِب ظمأه .. ولكن تِلك الأُم التي يَملؤها الحَنان ويُحِيط بها البِشْر لم يكن فيها ما يسُد رَمق هذا الطِفل الصَغير، وفي هذه الأثَناء جَاء نِسوة من بني سَعد يلتمِسن الرُّضعاء يرضعنهم ومن بَينهن امرأةٌ تسمى حَليمة، فَلندَع القلم بيدِها لتُسطِر لنا حِكايتها وقصَتها مع ذلك الغُلام فتقول: خَرجت من بلدي مع زَوجي وابن لي صغير أرضِعُه مع نِسوة من بني سَعد نلتمس الرضعاء، وذلك في سَنةٍ شهباء لم تُبقِ لنا شيئا، فخرجت على أتان لي قَمراء، معنا شارفٌ لنا والله ما تَبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمعَ من صبينا الذي معنا من بُكائه من الجوع، ما في ثدييِ ما يُغنيه، وما في شَارفنا ما يُغذيه، ولكنا كنا نَرجو الغيَث والفَرج، فخرجت على أتاني وقد أدْمَت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قَدِمنا مكة فوالله ما علمتُ منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قِيل لها إنه يتَيم، وذلك أنا إنما كُنا نَرجو المَعروف من أبي الصبي، فكُنا نقول: يَتيم! وما عَسى أن تَصنع أمه وجَده! فَكُنا نكرهه لذلك.
فما بَقيت امرأةٌ كانت معي إلا أخَذت رضيعاً غيري، فلما أجمَعنا الانطِلاق قُلت لصَاحبي: والله إني لأكره أن أرجَع من بين صواحِبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهَبن إلى ذلك اليَتيم فآخذنّه! قال: لا عليك أن تَفعلي، عسى الله أن يَجعل لنا فيه بَركة!!
قالت: فذهَبت إليه فأخَذته، فو الله ما هو إلا أن جَعلته في حِجري فأقبل عليه ثَديي بما شَاء من اللبن، فشَرب وشَرب أخوه حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حَافل، فحلبَ وشَربنا حتى رَوينا، فبتنا شباعاً رواء وقد نام صِبيانُنا، قال أبوه: والله يا حَليمة ما أراك إلا قد أصَبت نسَمَةً مُباركة!! ثم خَرجنا، فوالله لقد خرجَت أتاني أمام الركب قد قَطعتهن حتى ما يتَعلق بها أحد، فقدِمنا مَنازلنا من حَاضرة بني سعد بن بكر، فقدمنا على أَجدب أرض الله، فوالذي نفسي بِيده إن كانوا لَيسرحون أغنامُهم ويَسرح راعي غنمي، فَتروح غنمي بطاناً لُبَّناً حُفَّلاً، وتَروح أغنامهم جياعاً، فيقولون لِرعاتهم: ويلكم ألا تَسرحون حيث يَسرح راعي حليمة؟! فَيسرحون في الشِّعب الذي يَسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعاً ما بها من لَبن، وتروح غنمي لُبَّناً حُفَّلاً.
وكان عليه الصلاة والسلام يَشِب في يومه شَباب الصبي في الشهر، ويَشب في الشهر شَباب الصبي في سنة، قالت: فقَدمنا على أمه فقلنا لها: ردي علينا ابنَنا فإنا نخَشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضَن شيء به مما رَأينا من بَركته، قالت: فَرجعنا به فَمكثْ عِندنا شَهرين، فبينا يَلعب وأخوه جَاءه رَجُلان فشَقا بطنه، فخَرجنا نشتْد فأتينَاه وهو قائم مُنتقِع اللون، فاعتَنقهُ أبوه وأنا، ثم قال: مَالك يا بُني؟ قال: أتاني رجُلان فأضجَعاني ثم شقَا بطني فو الله ما أدري ما صنعَا، فرجعنا به، قالت: فقال أبوه: يا حَليمة ما أرى هذا الغُلام إلا قد أُصيِب، فانطلقي فلنرُده إلى أهلِه!!، فرَجعنا به إليها فقالت: ما ردكما به؟ فقلت كَفلناه وأدينَا الحق ثم تخَوفنا عليه الأحدَاث، فقالت: والله ما ذاك بكما فأَخبِراني خَبركُما!!، فما زَالت بنا حتى أخبرناهَا، قالت: فَتخوفتم عليه؟ كلا والله إن لابني هذا شأناً! إني حَمَلت به فلم أحْمل حملاً قط كان أخَف مِنه ولا أعظَم بركة، ثم رأيت نوراً كأنه شهَاب خَرج مني حين وَضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببُصرى! ثم وضَعته فما وقع كما يَقعُ الصُبيان، وقع واضعاً يديه بالأرض رافعاً رأسه إلى السَماء!! اترُكاه والحقَا بشأنِكما.
بأبي هو وأمُي فلَقد كان حمَله خيراً ووِلادته نوراً، وصِباه بَركة، وشبابُه أَمانة وصِدقاً، ورِسالتهُ هُدىً ورَحمة، فما من لحظة مِن لحظات حَياته وسِني عمُره إلا وَهي النُّور والخيْر والبَركَة، ثم هو مع ذلك وهو في أحشاء أُمه يموت والده فَيخرُج إلى الحياة يَتيماً، ويَرضع اليتم منذ الولادة، ثم لم يُكمل السَادسة حتى فَقد أمه، ثم يَتبع ذلك جده في الثَامنة، لَكن رعاية الله ولطفه به كانت أعظَم من عِناية ورِعاية الأُم والأب والجد!!
يا يَتيمَاً واليُتْم ضَعْفٌ وعَجْزٌ
كَيفَ ذلّت لضَعفِك الأقويَاء
إن اليُتم ليس صِفة نَقص إذا كان الرجل عَظيماً، وليس جَانب ضَعف إذا كانت النَفس سامِقة تواقة، وليس إشارة عجز إذا كانت عِناية الله قد لَفته واحتَضنته ونَسجت عليه خِيوطها، فقد كان كَثير من الأنْبياء أيتام، وكذلك الكثير من الأئِمة والأعلام، كأمثال الشَافعي ومَالك وأحمد؛ فهذا اليُتم لم يَكُن حائِلاً بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين تَطلعَاته وهِمتِه، فها هو ابن الثَمان سنين يأتي إلى جده عبد المطلب في الحِجر وهو جَالس على مِفرش لا يجَلس عليه غَيره ولا يجَرؤ أحد على ذلك! فيَجلس على ذلك المِفرش فينتهره أعَمامه ليقيموه منه فيأتي فيقول جَده: دعوه فوالله ليكونن لابني هَذا شأناً!
وفي أحَد الأيَام وعندما كَان في صِباه في الرابعة من عُمره أَصاب قُريشاً جدبٌ وقحطٌ حتى هَزلت مواشيهم وسَغبت بطونهم، فخَرجوا يستَسقون فقال بعضهم: اِعتَمدوا اللات والعزى!، وقال آخرون: اعتمدوا لمناة الثَالثة الأُخرى!، فبينا هُم كذلك إذ أقبَل أبو طالب معه ابن أخيه ذاك الصبي فالتَزم به الكعبة، وألصَق ظَهره بها، ثم أخَذ بأصبعه فأشار به إلى السماء وما فيها قَزعة، فأقَبل السَحاب من ها هُنا وهاهُنا وأغدق واغدودَق، وانفجَر له الوادي، وأخصَب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيضُ يُستَسقَى الغَمَام بوَجهه
ثُمال اليتَامى عِصمةٌ للأرَامِلِ
يلوذُُ به الهُلاَّك من آل هَاشِمٍ
فهم عندَه في نِعمةٍ وفضَائلِ
ولما نَاهز الحلم وبَلغ ثنتي عَشرة سنة خرَج مع عمِّه أبي طالب في تجِارة إلى الشَام، فلما بلغ بُصرى ونَزلوا بها، وكان فيها رَاهب من أَعلم النصارى في صَومعة له يُقال له "بُحيرا"، فصَنع بحيرا لهم طعاماً ودَعاهم ولم يكن من عَادته ذلك، فقال له أحدُهم في تَعجُب! يا بحيرا ما كُنت تَصنع هذا فما شأنك؟ فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لأجل هذا سيدِ العَالمين ورسولُ ربِ العالمين! فقالوا له: وما عِلمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أقبلتم من العَقبة لم يبقَ شجرة ولا حَجر إلا خَر ساجداً، ولا يسَجدون إلا لنبي، وإنا نجَده في كتبنا؛ وسأل أبا طالب فرَده خوفاً عليه من اليهود؛ فتأمل خَطرهم على الإسلاَم حتى قبل قيَامه وقَبل الرسالة.
ثم شبَّ وكَبر وتَزوج بخديجة، وكان لا يأتي ما يأتيه قَومه من الأصنام وعِبادتها والخمر وشُربها، ثم حَصل شيء غريب وحَادث عجيب وهو!!

-------------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-14-2015, 10:14 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,562
ورقة من مقامات النبوة (3) مَقَامُ الرِّسَالَة

من مقامات النبوة (3) مَقَامُ الرِّسَالَة
ــــــــــــــــــ


((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ




مَقَامُ الرِّسَالَة
----------

في إِحدَى ليالي الصَيف القائظة شديدة الحَر حيثُ كانت تُسيطَر على فجاج مَكة وسُهولهَا رَمضاء شديدة التوهج والحَرارة، وكان رجال مكة في هذه اللحظَات كلٌّ مُنهمِك في عَمله وشُغلِه، وأما النِساء في تلك القَرية الصَغيرة المحُاطة بالجِبال والتِلال والحِجارة فَبعضهن يخَبزن ويعجِن، والبعض قد أشغَلت يديها في الخِياطة وغَزل الصوف، ومنهن من هي في صراخ وضَجيج مع صِبيانهَا وأطفالهَا، كان ذلك اليوم كما سبقه من الأيَام معتاداً على نمط المعيَشة المعَروفة، ونهْج الحيَاة السَابق، بالنسبة لأهَل مكة ورجالها فلا جَديد ولا غَريب في هذه الأَثناء!! ولكن البَشرية كُلها، والتَاريخ بأكملِه، والكَون بأَسرِه يتطلع إلى ذلك الجَبل الشَاهق الطَويل، الذي سَينعقد فيه ويحَدث عِنده أعَظم لِقاء وأجَل حَدث مَر على الحياة الدنيا بأطوارها، أتدريْ من المؤسس لهذا اللِقاء؟ وهل تَعرف تلك الشخصيات التي ستَلتقي فيه؟ وهل تَعلم شئياً عن المادة والسبَب الذي عُقِد من أجْله؟ إنها أسئلةٌ كَثيرة تتهَافت إلى الذِهن، وتتَسابق إلى الفؤاد لتبَحث لها عن إجابة في واقع الحِس المُشاهد!!
لقد كان المؤسس لهذا اللِقاء والآمر به في ذلك الزمان وفي تلك البُقعة من المكان هو " الله " خَالق الأكوان ومُصرِف الشَهور والأَعوام، وأما شَخصيات اللِقاء فهي بين أَزكى وأشرف رَجل من البشر، وأكرم وأجل مخلوق من الملائكة!! إنه بين روح القُدس جِبريل الوسِيط بين الله ورسله وأَعظم الملائكة خَلقَاً وأقربهم من الله، وبين محمد بن عبدالله سيد الثقلين وخَير المرسلين وخاتمهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم مُتحنثاً في غَار حِراء في جَبل النور المجاور لمِكة فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال له: اقرأ . فقال: ما أنا بقارئ! فأخَذه فَغطه وضَمه ضَمة شديدة ثم قال: اقرأ ثلاثاً .. ثم قال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [1] فعندَ ذلك خَرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسرعاً إلى بيته يَرجف فؤاده، فلقي زوجهُ خديجة فحاورته ثم انطلَقت به لورقة بن نوفل ابن عَمها فكلمته في ما حَدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شَيخاً كبيراً قد كتب الإنجيل وعرفه، فأخبرها أن هذا هو النَاموس الذي أُنزل على موسى، وأعلمه أن ذلك علماً على نُبوته، وجلّى له ما يحَصل لأهل هذه المَقامات من البلاء، وأنهم يُضطَهدون ويخُرجون من دِيارهم، وتحُارب هذه الدَعوة وهذه القيم التي يحَملون، ثم تمثل وَرقة بعد ذلك بأبيات يخُاطب بها خديجة فيقول:
إن يكُ حَقاً يا خَديجة فاعلَمي
حَديثَك إيانَا فأحمَد مُرسَلُ
وجبريل يأتيه ومِيكَال معهُمَا
من الله وحْي يَشرحُ الصَّدر مُنزلُ
يَفوز بها من فَاز فيهَا بتوبةٍ
ويَشقَى به العَاني الغَوي المظَللُ
فسُبحان من تهوي الرِّياح بأمرِه
ومن هو في الأيَّام ما شَاء يفعَلُ
ومن عَرشُه فوق السَّماوات كلهَا
وأقضَاؤه في خَلقِه لا تُبدَّلُ
وذَهبت الأيام بعد ذلك اللقاء، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في غَار حراء قد تحَنث فيه شهراً، فلما قَضى تعبُده ونَزل من الغار واستَبطن الوادي ونَزل فيه سمِع صوتاً يُناديه، فالتفت يمنةً ويسرةً فلم يَر شيئاً!! ثم نَظر أمَامه وخلفه فلم يرَ شيئاً!! ثم رفعَ رأَسه إلى السماء فإذا جبريل على عَرش في الهواء، بين الأرض والسماء، فَخاف ورُعب من ذلك الموقف وهَلع من ذلك الجسم العظيم فأتى تَرجِفُ بوادِرهُ إلى بيته فدَخل على زوجه وهو يقول: دَثِّروني دَثِّروني!! فغَطوه بِلحَاف وصَبوا عليه ماءً، [2] وفي تلك اللحظة في ذلك الخوف نزل الوَحي السَماوي، والأمر الرباني من الله – عز وجل – بتبَليغ الرِسالة وتحَمُّل أعبَاء الدعوة:{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4} "إنه النِداء العلوي الجَليل، للأمر العظيم الثَقيل، نذارة هذه البَشرية وإيقَاظها، وتخَليِصها من الشَر في الدُنيا، ومن النَار في الآخرة، وتوجيههَا إلى الخَلاص قبل فوات الأوان.
إنه واجبٌ ثقيلٌ شاقٌ، حين يُناط بفردٍ من البشر، مهما يكن نبياً ورسولاً، فالبشرية من التَمرد والعصيان والضَلال والعتو والعِناد من هذا الأمر ما يجَعل من الدَعوة أصعب وأثقل ما يُكلّفَهُ إنسانٌ من المهامِ في هذا الوجود، لاسيمَا وأنها مهمَّةٌ تمتَد إلى قيَام السَّاعة، وتتكَفل بعلاج مشَاكل البشَرية كُلهَا في كل زمَان ومكَان إلى حين زوال الدُّنيا وفنَاء البشَرية.
ربـَّاه أي مقَامٍ هذا؟!! من يُطيـقه؟!ومن يَقدر عَليـه؟!
ولكن: " الله أعْـلم حَيث يجْـعَل رسَالتَـه "
إن كلَّ أحدٍ، وكل شيءٍ، وكل قيمةٍ، وكل حقيقةٍ صغيرٌ!! والله وحده هو الكبير.
وتتوارَى الأجَرام والأحجَام، والقُوى والقيم، والأحدَاث والأحَوال، والمعَاني والأشكَال، وتنَمحي وتَزول في ظِلالِ الجلالِ والكمالِ لله الواحد الكبير المتعال.
إنّ هذه الآيات توجيهٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ليوَاجه نذارة البَشرية، ومتاعبها وأهوالها وأثقَالها، بهذا التَصور، وبهذا الشعور فيستَصغر كلَّ كَيد، وكل قوة، وكُل عَقبة، وهو يستَشعر أن ربه هو الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة" [3].
لقد قام صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر خيرَ قيام، فبدأ بِزوجه فكانت أول من آمن به وصدّق، وفي هذا بيان تأثير المرأة في الإسلام، وذلك أن أول من صدق بالرسالة، وتابع وواسى الرسول صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها.
ثم عَرض ذلك على أبي بكر فما تَردد ولا تَلكأ، بل سُرعان ما آمن وصدّق وآزر النبي صلى الله عليه وسلم، وقام معه يَدعو إلى الله، فما ذَهب على إسلامه بِضعة أيام حتى أسَلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة، ثم أسلَم علي وزيد وبلال، ثم أتى الأمر الإلهي {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فقَام – صَلوات الله وسَلامه عَليه – على الصَفا وهتَف بأعلى صوته ليوصِل دعوة الله ورسَالته إلى كُل إنسان، يا صَباحاه!! يا صَباحاه!! فتَجمعت حوله قَبائل قريش ورِجالها ونِساؤها، فجعل يناديهم قبيلةً قبيلة، حتى وَصل إلى قبيَلته فجعل يُنادي بأسماء أعمَامه ليرى الناس أنه لا محاباة في دين الله فيقول: يا عباس عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، بل هتف باسم ابنته ومهجة فؤاده فقال: يا فاطمة بنت محمد أنَقذي نفَسك من النار لا أُغني عنك من الله شيئا، [4] وفي هذه الأثنَاء وفي أول مَقام يَقومه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أول خِطاب يُعلنه على الملأ، وهو يَقوم أمام البَشرية كُلها وهي تتخبط في ظُلمات الشِرك والأصنَام والعِصيان، ليدعُوها إلى تَوحيد العبادة لله، وأنه لاَ معبود ولا مألوه ولا مُطاع بحقٍّ إلا الله!! في هذه اللَحظات الحَرجة التي ينَتظر فيها رسَول الله ردّ الجماهير التي تِقف أمامه وتسَمع كَلامه، يقَوم عَمه وأَقرب النَاس إليه، الذي كَان من فرَحه بولاَدته أن أعَتق أمته عندما بَشرته بمولده، فماذا تَظن موقفه في هذه اللحظات وأمام هذه الكَلمات؟!! هل تظن أنه مؤيدٌ لذلك؟ أم مُصدق ومُناصر لهذه الدعوة الجديدة؟! لقد قام وهو ينفض الترَاب من يديه ويقول: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا!! فكَان لمقَام عَمه صَدمة مُفاجئة! ولكنّ عُمق الإيمان، ورسُوخ المبدأ، وصِدق الهَم الذي كان يحَمله جعَلته لا يعبؤ بمثل هذه المواقف التي تعترضه وتقف له في طريقه.
ولك أن تتَأمل وتتَفكر في حَاله بهذا المَقام الذي قَامه على الصَفا، وما حَدث له، وكيف أنه قَام وحيداً بلا أتباعٍ ولا أنصارٍ ولا أعوانٍ، وبحالِه بعد ثلاثٍ وعشرين سنة حِينما قَام في نفس ذلك الموطن وفي ذات البُقعة ولكنه هذه المَرة أمام ناظِرَيْه وبين يَديه مائة ألف رَجل كُلهم يلهجون بالتَلبية والوحدَانية لله!! وكل فَرد منهم يستنُّ بفعله ويأتم بتصرفاته!! فكيف تحَقق ذلك؟! وكيف وَصل إلى هذه الحال؟! وماذا كان بين هذا المَقام وذاك المَقام من الأحدَاث الجِسام والمَقامات العِظام!! هذا ما سَنُترجم بعضه في هذه الصَفحات التي صورت شيئاً من مقاماته، وبَذله، وتَضحِيته، وتَعبُده، ودَعوته، وشفَاعته، ورَحمَته، وتَربيَته، وشَجاعَته، وعنَاية الله به...!!

-------------------------------------

[1] أخرجه البخاري (6581) مسلم (160).
[2] أخرجه البخاري (464) مسلم (2570).
[3] في ظلال القرآن (6 / 3754).
[4] أخرجه البخاري (3335) مسلم (348).

------------------------------------
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-14-2015, 10:17 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,562
ورقة من مقامات النبوة (4) مَضَى عَهْدُ النَّوم

من مقامات النبوة (4) مَضَى عَهْدُ النَّوم
ــــــــــــــــــ

((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ



مَضَى عَهْدُ النَّوم !
مع أول ندَاءٍ علويٍ رَبَّاني {قم فأنذر}، قام -عليه الصلاة والسلام- فلم يعرفِ الرَّاحة ولم تعرفه، وحمل هم إبلاغ الأمانة التي تعجز عن حملها الجبال الرواسي، فبدأ بأقاربه ومن حوله، ووطن نفسه على تحمل الأذى، واحتمَال المكاره، "إنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يُنشئ من الأمة المُشركة المُتفرقة الجاهلة أمةً واحدةً مؤمنةً عالمةً، فليَصنع كما يصنع البناء: يَضع الحَجر على الحَجر فيكون جِداراً، وكذلك فعل محمد صلى الله عليه وسلم: بنى أُمّةً صغيرة من ثلاثة، من رَجل وامرأة وصبي، من أبي بكر وخديجة وعلي، فكانت نَواة هذه الأمة الضخمة التي ملأت -بعدُ- الأرضَ، وكان أسلوباً يخَلق احتَذاؤه بكل مصلح.
ثم صَار المُسلمون عشرة، ثم تمَوا أربعين، فَخرجوا يُعلِنون الإسلام بمُظاهرة لم تكن عَظيمة بِعددها، ولا بأعلامِها وهِتافها، ولكنها عظيمة بِغايتها ومعنَاها، عَظيمة بأثرِها، عَظيمة بمن مَشى فيها، محمد وأبو بكر وعمر وعلي وحمزة، أربعون لولا كرم الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم لعَاشوا ولمَاتوا منُكرين مجهُولين، فلما لاَمسوه وأخذوا من نُورِه، وسَرت فيهم روح من عَظمتِه صاروا من أعلام البَشر، وأصبحت أسماؤهم مَناراً للسَالكين.
فلما كانوا ثلاثمائة خاضوا المعركة الأولى في الدِفاع عن الحَق، مَعركة بَدر. فلما بَلغوا عَشرة آلاف فَتحوا مَكة وطهّروا الجزيرة العربية.
فلما بَلغوا مائة ألف فَتحوا الأرض!
نعم! فَتحوها، وفَتحوا معها القُلوب بالعَدل، والعُقول بالعِلم، فما عَرفت هذه الدُنيا أنبَل ولا أكرَم، ولا أرأف ولا أرحَم، ولا أرقَى ولا أعلَم، ولا أجَل ولا أعظَم منهم" [1].
لقد قاَمت جاهلية قُريش أمامه وواجَهوه بالسُخرية والأذى، ووقفوا حَجر عَثرة في طرَيق دعوتِه، وحَذروا الناس مِنه، ووصفوه بأبشَع الأوصاف والألقَاب، حتى كان الرجُل إذا أرادَ الحَج حذَّره قومُه من فتى قُريش أن يسحَره ويغَير قلبه، فهَذا الطُّفيل بن عَمْرو كان من سَادات دَوس وعقَلائهم يقول: لما قَدمت مَكة تلقَّاني رجال قُريش وحَذروني من محمد! وقالوا: إن له قَولاً يسحَر به الناس، حتى يفَرق بين الرجُل وولده والمرْأة وزوجهَا، فما زالوا بي يحذرونَني حتى وضَعت في أذُني الكُرسُف - وهو القُطن - لئَلا أسمَع كلامه فيسْحَرني!.
وهذا أبو لهَب يتبَعه ويلحَقه وهو يدعُوا إلى الله - عَزَّ وجَل - ويعْرض نفسَه في الموَاسم وفي أسوَاق مِجنة وعُكاظ وذي المجَاز فيحثو عليه الترَاب ويقول: يا أيها الناس إن هذا قد غَوى فلا يُغوينكم عن آلهة آبائكُم.
وكَانت أم جميْل بنت حَرب بن أمَية تحمِل الشَّوك في طريقه، حتى إذا خَرج تَعثر به وهي حَمالة الحطَب.
وكان أمية بن خلف يلمزه ويهمزه وهو " الهُمزة اللُّمزة "، وبلغ الأمر أن جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فألقاه فوقه وهو ساجد.
وكان النضر بن الحَارث كلمَا قام من محله قعَد مكانه وحَدثهم من حديث مُلوك فارس وقال: حديثي والله أحسَن من حديث محَمد.
ولما نزلَت عليه {لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جَهل ضاحكَاً ساخرَاً: يا معشر قريش، زبانية جهَنم التي يخوفكم بها محَمد تسعَة عشر فهل يعجز كل مائة منكم عن رجُل منهم!!!
فلم تؤثر هذه الأهوَال كلها في عزيمته، ولم تنقص من إيمانه بدعوته، والصدع بها والثبَات عليها، فلما يئسوا من رده عن تبليغ هذه الرسالة عن طريق الأذَى والسخْرية والتهكم والاستهتَار، لجؤوا إلى الوسيلة المقابلَة لثنيه وصده عن دعوته، وهي التي قل أن يثبت أمامها ويصمُد تجاهها أحد، وهي وسيلة الإغراء!! وشراء تلك المبادئ بحطَام دنيء من الدنيا، فأرسلوا له عتبة بن ربيعة وهو جَالس عند الكعبة ليفَاوضه، فلما جلس إليه قال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من البسطَة في العشيرة، والمكان في النسَب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جمَاعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتَهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمَع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبَل بعضَها. فقال صلى الله عليه وسلم: " قل يا أبا الوليْد "، فقال عتبة: إن كنت إنما تريد بما جئت به مالاً جمعنا لك من أموَالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً، سَودناك علينا، حتى لا نقطَع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجُل حتى يداوى منه!! ... "عجَباً لقريش! يدعوهم محمد صلى الله عليه وسلم ليعطيهم سيادة الأرض وزعَامة الدنيا، ويضَع في أيديهم مفاتيح الكنوز، كُنوز المال وكُنوز العلم، ويمنحهم ما يملك كسرى وقيصر، وهم يدعونه ليعطُوه إمارة هذه القَرية النائمة بين جبَلين وراء رمال الصحرَاء؟!" [2].. فلما فرغ عتبة قال له صلى الله عليه وسلم: أفرَغْت يا أبا الوَليْد؟ فقال نعم . فقال: اسمع، ثم قرأ عليه سورة فصِّلت فقام وقد أيس منه!
ولم تنته هذه المحاولات والإغرَاءات والتهديد، بل جاؤوا إلى عمه أبي طالب، وقالوا له: إن ابن أخيك سفّهَ أحلامنا، وذم آلهتنا، وعاب ديننا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخَلي بيننا وبينه؟ فدعَاه أبو طَالب، وأخبَره بما قاله سادة قريش ثم قال له: فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق، فظن صلى الله عليه وسلم أنه خَاذله ومُسلِمُه، ولكن هذا لم يجعله يتردد في الإجابة أو يتلكأ في الرد، وإنما قال في الحال: "والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار" فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط، ارجعوا راشدين.
فلما رأى صناديد قرَيش مناصَرة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم تسليمه لهم، اجتمعوا واتفقوا على أن يقاطعوا بني هاشم، فلا ينَاكحوهم، ولا يبايعوهم، وحصَروهم في الشعب، فجَلسوا فيه ثلاث سنوات حتى أكلوا فيها ورق الشجر، وكان الصبيَان يتضَاغون في الليل من الجوع ما يجد أحدهم ما يأكل، فلما مضَت السنون الثلاث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبو طالب فقال: إن الله قد بعَث الأرضَة على الصحيفة التي تعاقدوا فيها فأكَلَت كل ما فيهَا من شركٍ وظلمٍ وأبقَت ما فيها من اسمٍ لله، فانطَلق أبو طالب بعصَابة من بني عبد المطلب إلى المسجِد وهو حَافل من رجَال قريش، فقال لهم: إن ابن أخي أخبرني أن الأرضَة أكلت كل اسم لله في الصحيفة وبقي فيها غدركم وقطيعتكم، والثَّواقب ما كذبني! فإن كان ما قال صحيحَاً فو الله لا نسلمه أبداً حتى نُقتل عن آخرنا، وإن كان باطلاً دفعناه إليكم فصَنعتم فيه ما بدا لكم، فرضوا بذلك؛ فلما فتحوا الصحيفَة وجدوها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فرفعوا الحصر ومزقوا الصحيفَة.
ثم تتابعت الأحزَان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاك العام الذي أطلق عليه عام الحزن، فتوفي فيه أبو طالب عضُده وساعده وأعظَم الناس مناصرة له، ثم بعده بثلاثة أيام لحقته أول مؤمنة ومصدقة ومتبعة للرسالة، فتوفيت خديجة -رضي الله عنها- فاغتنم ذلك كُفار قريش فصَبوا جام غضبهم من السخرية والأذى برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، حتى كانوا يخرجون ببلال - رضي الله عنه - إلى رمضَاء مكة في شدة وهَج الظهيرة في حمأة القَيض فيجردونه من ثيابه ويضعون ظَهره على الأرض ويضعون صخرة على صَدره وهو يهتف ويقول:" أحَدٌ أحَد .. والله لو أعلم كلمة تغيظهم غير هذه الكَلمة لقلتها"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بسُمية وزوجها ياسِر وابنهما عَمار وهم يعذبون فلا يستطيع أن يقدم لهم إلا قول: صَبراً آل ياسر فإن موعدَكم الجنة! [3]فلما أيس أبو جَهل من ردهم عن دينهم أخذ الحربة فطَعن بها سمية في فرجهَا فماتت، فحَازت على وسَام " أول شَهيدَة في الإسْلام "، وكل ذلك بمرأى زوجها، ولم يهُد شيئاً من ثباته وإيمانه، ولم ينقِص ذرةً من إرادَته وعزيمته.
وفي يوم اجتمَع فيه كفار قريش فذكَروا ما أصابهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه لآلهتهم وسَب دينهم، فقام أبو جَهل زعيم القَوم فأعلن أمام الملأ: أنه قاتل محمداً إن صلى ثانية بجوار الكَعبة!، فلما كان الغَد اجتمعت قريش في مجالسهَا ونواديهَا وكان يوماً مشهُوداً وهم ينتظرون تلك اللحَظات الحاسمَة في هذه القضية التي طالما أرقتهم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ثم توجه للحِجر فاستلمه، ثم أقبل يصَلي فلما سجَد أقبل أبو جهل بصَخرة عظيمَة في يده فاشرَأَبت أعناق القوم وخَيم الصمْت وأطبق على الجميع، وحَانت ساعة الصفر، وأصَاخ الكون، وانتَظر التاريخ نهاية تلك اللحظَة ليسَطرها في سجِل أوراقه، فلما وقف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صخرته ورفعها وأراد قذفهَا انتفَض منتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجَر من يده، فقام إليه كفار قريش يقولون: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: قمت إليه فلما دنوت لأقتله عرَض لي دونه فَحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هَامته ولا أنيابه لفَحل قط، فهم بي أن يأكلني!! فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك جبريل لو دَنا لأخَذه!.
ثم تتابع مشْوار الأذى والسُّخرية حتى مشى أُبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد أرْفت، فقال يا محمد أتزعُم أن الله يبعث هذا بعد ما أرِم؟ ثم فته في يده ثم نفخَه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا ثم يدخلك النار!، فأنزل الله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }، وكان أبي بن خَلف هذا صَاحباً وصديقاً حميماً لعقبة بن أبي مُعيط، وكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه فعَلم بذلك أُبي فقال له: وجهي من وجهك حَرام إن أنت جالسْت محمداً أو سمعت منه، أولم تأته فتَتفل في وجهه . فَفَعل ذلك عدو الله عقبة فأنزل الله فيهما {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا}
"ولما انتَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصَاولة أهل مكة ودعوتهم، فلم يستجيبوا وآذوه أشد الإيذاء، وحارَبوه، وبلغ الأذى غَايته، وقد أوصَدوا أبواب الهداية عن نفوسهم في طَريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حَريص عليهم، وعلى نجاتهم وفَوزهم، فلا القَريب يرحَم، ولا البَعيد يستَجيب، ولا صاحب الرأي يحمله رأيه ليفاوض هذا النبي الأمي . فماذا يفعَل؟! وهو لا يعرف اليأس والإحبَاط، وهذا شأن الداعيَة الناجح، كلما أغلق باب يلج في باب آخر، وإذا لم يستجب له شخص بحَث عن غيره، وإن أعرضَت عنه قبيلة توجه إلى أخرى، وإن طُرد من قرية انتقل إلى ثانية، فلا يضعف أو يتخَاذل بل يستمر ويواصِل، ولما لم تستجب مكة لهذا النور، ولم تقبل هذه الهداية، ورَدت أمر الله ونداءه، انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، حيث إنها أقرب القُرى إلى مكة"!
يا طَريدَاً مَلأ الدُّنيا اسمُه
وغدَى لحْناً على كُل الشِّفَاه
وغَدَت سِيرته أنشُودةً
يتَلقَّاهَا رُواة عَن رُواة
ليتَ شعْري هل درَى من طَارَدوا
عَابدوا اللاتِ وأتبَاع مَنَاة
ليتَ شعْري هل درَى من طَارَدوا
عَابدوا اللاتِ وأتبَاع مَنَاة
هل درَت من طَارَدتْه أمَّة
هُبلٌ معبودهَا شَاهَت وشَاه
طَاردت في الغَار من بوأهَا
سُؤدَدَاً لا يبلُغُ النَّجم مَدَاه
طَاردَت في البِيد من شَاد لهَا
دينُه جَاهاً أي جَاه
سُؤدد عَالي الذُّرى ما شَاده
قيصَرٌ يوماً ولا كِسْرى بَنَاه
"ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيداً بلا خدم، ولا حشَم، ولا قافلَة، ولا مرَاكب، ولا موَاكب، ولا رفاق، إلا الواحِد الأحَد، ذهب يمشي على قدميه الشريفتين، وهذا والله غاية الجهَاد، وغاية البذل، والتضحيَة والعطاء للدعوة والمبدأ الحق، ولكنه في نهاية المرحلة وآخر المطَاف، نصره ربه وآزره وأيده، وانتَشَر نوره وهداه في العالمين، ومن حكمة الله - جَل وعَلا - أنه لم يُنزل معه جنوداً من السماء، ولا جَيشاً عرَمرَماً يحميه، ليلقى الأذى بشخصه الكريم، وليكون قُدوةً لكل داعية، وإمَاماً لكل مجاهد، ومثالاً لكل عَالم، فيدعو ويصبر، ويتحَمل ويواصل" [4] ويعطي في سبيل الله وطاعته ومرضَاته ورضوَانه ..
فلما وصَل إلى الطائف، ودخل على سَادة ثقيف لينير قلوبهم بعد ظلامها، وليحيي أرواحهم بعدَ موتها، وليُسلِمَهم سعَادة الدنيا والآخرَة، فما حُيي بحفاوة، ولا قُوبِل بتكريم، بل ما إن عرَض عليهم دعوته ورسالته حتى قام أحدهم فقال: أما وجَد الله أحداً يرسله غيرك؟، وقال الآخر في ازدراء واحتقَار: والله لا أكلمك أبداً!، لئن كنتَ رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظَم خطراً من أن أرد عليك كلام!، ولئن كنت تكْذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك!، وقال الثالث: أنا أسرق ثياب الكَعبة إن كان الله بعثك بشيء قط!.
فقام صلى الله عليه وسلم ولهيْب الحزن في كبده، وحاله تتفَطر لها القلوب، أحزان تثيرها جدران مكة وطرقاتها .. تُذكره بخديجة وأبي طالِب، ودعوةٍ مطاردةٍ!! وأتباع تتخَطفهم أيدي الطغاة!! وقلوب أمامه قاسية لا تحمل معناً من معَاني الإنسَانية .. فلما أراد الخروج من الطائف، وسلك طريق العودة إلى مكة، لم ينته مسَلسَل الأذى والإهانة بعد! بل أغرَوا صبيانهم وغلمانهم بمطاردته، فصَفوا له صفين ورموه وأذلقُوا عقبيه بالحجارة، حتى خرج من حدود وربوع الطائف، فيا لله ما أعظَم ذلك الموقف، وما أجَل ذلك الخطب، رسول رب العالمين وخليله، وأشرَف مخلوق وأزكى مرسَل، يسب ويؤذى ويدمى ويهان!! فو الذي نفسي بيده: إن القَلم ليعجز عن تسطير ذلك المشهد، وإن اللسَان ليعيى أن يجلي تلك التضحيَة وذلك البذل وذاك الثبَات!! .. خرج صلى الله عليه وسلم كسيراً حزيناً فما يفيق إلا على أبعد من (50 كيلومتراً) وذلك في قرن الثعَالب، فيرفع في تلك الحال يديه إلى ربه وخَالقه في أجَل صُور الانكسَار، وأقصى حالات الافتقَار، وأسمَى حالات الذل والخضُوع فيقول:" اللهم إليْك أشكو ضَعف قوتي، وقلة حيْلتي، وهَواني على الناس، يا أرحَم الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عَدو يتجهمني! أم إلى قريب ملكتَه أمري؟ إن لم يكُن بك سخَط عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتَك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرَقت له الظلمَات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضَبك أو يحل بي سخَطك، لك العتبى حتى ترضَى، ولا حَول ولا قوة إلا بك" [5].. وفي هذه الأثناء يرسِل الله - عز وجَل- ملك الجبَال يستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطبق عليهم الأخشَبين -وهما الجبَلان المطبقان على مكة-! فقال وهو يبعث رسالة إلى أمته أن الدعوة ليسَت عبئاً ثقيلاً على ظهر الداعي يريد أن يرميه، بل هو همٌّ يخالج النفس، ويخالط القَلب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور:
" بَل أستأني بهم لعَل الله أن يُخرج من أصْلابهم من يعبد الله لا يشرك به شَيئاً " [6].
"أمرٌ عجيب! الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحال من الشدة، وفي هذا الموقف الذي يقنط أجلد الرجَال بسببه، رأى بادرة قبول للدعوة عند عبد ضعيف يقال له "عدَّاس"، فلم يمنعه كل ما لقي من أن يبلغه دعوة الله، وينصَرف إليه، وينسى ألمه وتعبه، فما زال به حتى أسلم! هذا موقف صغير بالنسبَة للرسول العظيم، ولكنه عظيمٌ عَظيم بالنسبة إلى دعَاة البشر في كل تواريخهم!!، ولا يستطيع باحث أن يلقى في الإخلاص لله في الدعوَة ونسيان الذات في سَبيلها، موقفاً مثله لرجُل آخر غير محمد صلى الله عليه وسلم "..
وصَل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فطاف بالكعبة وهو في جوار المطْعم بن عَدي، وقد رفضته مكة بأشرَافها وسَادتها، ورفضته الطائف بعظمَائها وزعمَائها، ورفضَه أهل الأرض، فاستَقبَلته السمَاء وتلقاه الملأ الأعلى، رفضه الناس فاستقبله ربُّ الناس، وكل يوم يمر عليه يكون أحسَن وأفضَل وأعز وأجَل وأكرَم من اليوم السابق .. وفي هذه الليالي شرف صلى الله عليه وسلم بحال أرفَع، ومآل أفضَل، ومنزلة أعظَم، حيث أُسري به إلى المسجد الأقصَى فأمّ النبيين فيه ثم عُرج به إلى السمَاء، فصعد فوق أطباق السمَاوات حتى بلغ سدرة المنتَهَى، وفي تلك الحال رأى جبريلَ -عليه السَّلام- على صورته التي خلقه عليها.
أسْرَى بك الله ليلاً إذ مَلائكُه
والرُّسل في المسْجد الأقصَى على قَدمِ
كنتَ الإمَام لهم والجَمع محتفِل
أعظِم بمثلك من هَادٍ ومُؤتممِ
لما حَضَرت به التفوا بسَيدهم
كالشُّهب بالبَدر أو كالجُند بالعَلمِ
وقيْل كل نَبي عنْد رُتبتِه
ويا محمَّد هذا العَرش فاستَلمِ
حَتى وصَلت مكَاناً لا يُطار له
على جَناحٍ ولا يُسعَى على قَدمِ
ثم رجع صلى الله عليه وسلم من ليلته تلك إلى مكة، فلما أصبح مر به أبو جهل، فسأله عن الجديد من أمره فقال: أُسري بي البَارحة إلى بيت المقْدس، فضحك أبو جَهل وقال: إن أنا دعيت قريشاً تقول لهم ما ذكرت لي؟ فقال:نعم! فدعَاهم فلما أخبرهم سَخروا وضَحكوا!، وارتد قومٌ ممن كان أسلم معه، ثم جعلوا يسألونه عن أشياء في بيت المقدِس، فجلّى له الله بيت المقدس، فجعلوا لا يسألونه عن شيء إلا أخبَرهم به .. وفي غُضون هذا التعجب والسخرية أتوا أبا بكر صدّيقَ هذه الأمة فقالوا له لعله يرجع عن إيمانه: إنّ صاحبك يزعُم أنه ذهب البارحة لبيت المقدس ورجع من ليلته؟ فقَال: أَوقَد قال ذلك؟! فَفَرحوا بسُؤاله وظنوا أنها فرصَتهم السَّانحة لرده عن دينه وإسْلامه فأجَابوا: نعَم لقد قال ذلك! عندها قال في ثبَاتٍ ويقين : إن كان قاله فقَد صَدق!! فبُهتوا وبهذا استَحق شرف هذا اللقَب فلا يصْدق على أحَد سواه –رضي الله عنه-..
وبدأت إرهاصَات الهجرة بعد ذلك، وسمعَت قريش قائلاً يقول في الليل على أبي قيس:
فإن يُسلم السَّعدَان يُصبِح محمَّدٌ
بمَكةَ لا يخشَى خِلاف المُخَالفِ
فلما أصبَحوا قال أبو سفيان: من السَّعدان؟ سعد بن بكر وسعد تميم؟ فلما كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول:
أيا سَعْد سَعْد الأَوس كُن أنتَ ناصِراً
ويا سَعْد سَعْد الخَزرَجَين الغَطَارفِ
أجيبَا إلى دَاعي الهُدَى وتمنَّيَا
على الله في الفِردَوس مُنيةَ عَارفِ
فإن ثَوابَ الله للطَّالب الهُدَى
جِنَانٌ من الفِردَوس ذَات رَفَارفِ
فقال أبو سفيان: هما والله سعد بن معاذ، وسَعد بن عبَادة!
بعد هذا التقَى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصَار فآمنوا به وصدقوا، فكان لقَاء العقبة الأولى والثانية، وأظهَروا استعدادهم لاستقباله، ووعَدوه بنصرته، فأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فخرجُوا زرافات ووحدَاناً، فكان أول من هاجَر أبو سَلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم تتابع بعده الصحَابة – رضوان الله عليهم أجمعين –
وبهَذا ابتَدأت مرحَلةٌ أخرَى ورحْلةٌ مبَاركة . . إنهـَا . .

-------------------------------------------------

[1] سيد رجال التاريخ (ص51).
[2] سيد رجال التاريخ (ص59).
[3] أخرجه الحاكم (3/ 388)، وصححه، وصححه الألباني في (فقه السيرة).
[4] سيد رجال التاريخ (ص60).
[5] رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (13/73/181)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (6 / 487).
[6] أخرجه البخاري (3059) مسلم (1795).
-------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مقالات, النبوة

« احتفاء الحوثي بــ"المولد النبوي" | لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مقامات أبو سمرة ... ! الامير الفقير الكاتب الامير الفقير (العراق) 2 08-03-2012 08:30 PM
الفُكاهة في مقامات بديع الزمان الهمذاني يقيني بالله يقيني أخبار ومختارات أدبية 2 04-17-2012 06:26 PM
برنامج مقالات الشيخ د. سلمان العودة - نسخة آيباد 1.0 Eng.Jordan الحاسوب والاتصالات 0 04-06-2012 04:16 PM
حمل كتاب مقامات الحريري Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-02-2012 10:48 PM
فيض الخاطر وهو مجموع مقالات أدبية واجتماعية _ أحمد امين احمد ادريس دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-20-2012 06:27 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:57 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68