تذكرني !

 





شذرات إسلامية مواضيع إسلامية عامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-14-2015, 10:20 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة من مقامات النبوة (5) رحلة النور

من مقامات النبوة (5) رحلة النور
ـــــــــــــــــ


((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ




رِحْـــلَةُ النُّــــور
لما تكاثر عَدَد المسْلمين وازدادت أعدَاد المؤمنين، وقويَت شوكة الإسلام خصُوصاً بعد مبايعة الأنصَار وإسلامهم، أقلق ذلك قريشاً وأقض مضجعَها، كما هو ديدَن أعداء الله في كل زمن، فاجتمَع الكفر وتآمر الشرك لوأد الإسلام والقضَاء على الرسول الخاتم ونسْف الدين، فاجتمعوا في دار الندوة من أجل النظَر في شأن محمد وأتباعه.
حضَر اللقاء إبليس في صورة رجل جَليل من أهل نجد، فتشَاوروا في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشَار كل واحد منهم برأي، وإبليس يرده ولا يرضَاه، إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غُلاماً نهِداً جلداً، ثم نعطيه سيفاً صَارماً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبَائل فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ماذا تصنع؟! فيرضَون بالدية!! فقال الشيخ: لله در الفتى! هذا والله الرأي! فجمعوا أولئك الفتية، وجاء يقودهم أبو جَهل حتى وقفوا على باب رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلوا يرقبونه وينظرون إليه من ثُقب الباب، وجاء الخطَر على أشد صوره وأشكاله! وتألب أولئك النفر على أكبر جريمة في التاريخ لو تمت! جريمة لو تمت لما كان في التاريخ دمشق، ولا بغداد، ولا القَاهرة، ولا قرطبة، ولا كانت للراشدين دولة! ولما قامَت الحضَارة التي قبست منها أوروبا حضارتها! ولكنا اليوم على حال لا يعلمهَا إلا الله! فله الحمد والمنة من قبل ومن بعد.
وهنا تتجَلى شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبات أعصَابه، وهنا يظهر نصر الله لأوليائه، حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب! وخرج يشق صفوفهم ويقتَحم الجموع التي جاءت تطلب دمه! فأرادوا قتله وأراد الله حيَاته، فتم ما أراد الله وروعتهم المفاجأة وأعمت أبصارهم؟ وما عادوا لأنفسهم حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم قد مضى، وصَحوا وكأن حلماً مر بهم! وشقوا الباب ونظروا ليتَوثقوا فرأوا فراش محمد وفيه رجُل نائم!! ففركوا عيونهم وتنفسوا الصعداء ..
أدرَكت قريش الحقيقة بعدما مضَى، وعم الصراخ مكة وضواحيها، وخرج الكفار فرسَاناً ومشَاةً يركضون خيولهم ويعدون في كل ناحية يتلفتون مذعورين، ووضعت قريش الجوائز لمن يأتي به وبصاحبه حيين أو ميتين، حتى رصدوا أضخم جائزة لمن أتى بهم وهي مائة من الإبل مقدمة من "المركَز الشركي لعِداء الرسَالة المحمَّدية"!!، فتحركت القبائل، وسار الرجال، وبحث الصغار قبل الكبَار ليحوزوا قصب السبق في هذه الجائزة، "ومشى الموكب المحمدي المكون من رسول الله صلى الله عليه وسلموا أبو بكر إلى الدنيا الواسعَة .. موكبٌ صغير! لكنه أجَل من أعظم موكب أحست بوطأته هذه الكرة التي نمشي على ظهرها، ولم تعرف موكباً أنبَل منه قصداً، وأبعدَ غايةً، وأخلص نية، وأعمَق في الأرض أثراً، موكبٌ صغير يمشى في الصحراء الساكنة، لا رَايات! ولا أعلام! ولا أبواق! ولا طبُول! ولا تصْفيق! ولا تصفير! ولا جنود عن يمين وشمَال!، ولكنّ الرمال تصفق فرحاً بالذي سيضفي عليها ثوب الخصب والنمَاء، وتزهو الجبال طرباً بالذي سيقيم عليها أعلام النصْر والعز، وتبرز من بطن الغيب جحَافل القادة والعلمَاء الذين أنبتهم مسير محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الصحَاري.
أشرف الموكب الشريف على المدينة، فأقبلت جموعٌ كالجمُوع التي خلفوها في مكة، ولكن تلك للشر، وهذه للخَير، وتلك تنَادي بالموت لمحمد، وهذه تنادي بالحيَاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه نقطَة التحول في التاريخ الإسلامي، كل ما قبلها ظاهره الهزائم، وما بعدها إنما هو نصر إثر نصْر" [1].
وها نحن أولاء الآن على أبواب المدينة، وقد خَرج الأنصار يتستقبلون محمداً صلى الله عليه وسلم ولو استَطاعوا من الحب لفرشَوا له الطريق بقطَع أكبادهم حتى يمشي عليها.
أقْبِل فَتلك ديَارُ طَيبَةَ تُقبِل
تُهدِيك من أشْوَاقهَا مَا تَحملُ
القَومُ مُذ فَارقتَ مَكةَ أعْينٌ
تأبَى الكَرَى وجَوانحٌ تتَمَلمَلُ






وهَاهم الناس يسألون: أيهم رسُول الله؟ أيهم هو؟ لا يعرفونه! لأنه لم يكن ملكاً، بل كان عبداً لله متواضعَاً، يلبس ما يلبَس الناس، ويأكل ما يأكلون، ويجوع إن جاعوا، ويشبَع إن شَبعوا.
ولقد كان في أصحابه الأغنيَاء الموسِرون، ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم أحب أن يعيش بسيطاً، وأن يموت عزيزاً!!
لبَسَ المرَقَّع وهُو قائِدُ أمَّةٍ
جَبَت الكُنُوزَ وحَصَّلتْ أغْلالهَا
"لقَد مشى محمد صلى الله عليه وسلم من الغار إلى مَكة، ثم مشَى من مكة إلى المدينة، ثم مشَى أصحابه وأتباعه يحمِلون العدل والعلم والإنسَانية إلى الشَّام، ومشوا إلى العراق، ومشَوا إلى مصر، وبلغوا أقصَى المشْرق وأقصَى المغرب، ونصبوا راية الإسلام على روابي الصين، وعلى بطَاح فرنسَا، ومشوا شمالاً وجنوباً حتى ملؤوا الأرض رجالاً وعدلاً ونوراً وفضائل وأمجَاداً، وكانوا خلاصَة البشر، فأحنوا الرؤوس لذلك الرجُل الذي دخل المدينة لا يحُف به موكب، ولا يحرُسه جند، ولا تلوح فوق رأسه راية، ولا يزين صدره وسَام، ولا يلمع على هامته تاج، ولا يقرع عند رأسه طبل، ولكن تحف به الملائكة، وترفرف فوقه رايات الإيمان والقرآن، ويلمَع على جبينه نور النبوة، ويحرسُه الله سبحانه وتعالى" [2].
دخل صلى الله عليه وسلم المدينة فصار النسَاء والصبيان يركضون ويهتفون: الله أكبر! الله أكبر! جاء محمد جاء رسول الله!! وثار بنو النجار إليه وأتوه وهم متقلدو أسلحتهم، فجعل لا يمر بحي من أحياء الأنصَار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العَدد و العدة، والعزة والمنعَة، فيقول: دعوها -يقصد ناقته- فإنها مأمُورة! فلما مر ببني النجار خرج فتيات صغيرات ينشدن واصفَات حبهن ومحبة جوار النبي صلى الله عليه وسلم لهم فيقلن:
نَحْن جَوارٍ من بَني النَجَّار
يَا حَبَّذَا مُحمَّدٌ من جَارِ
فوقف عندهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في تواضُع وحنو: والله إني لأحبكن وأحب جِوَاركُن! ثم مشت به ناقته حتى بركت به في مكان مسجده، فأتى أبو أيوب الأنصاري فأخذ متَاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله إلى بيته فكان أول عملٍ عمله هو بناء مسْجده وغرف أزواجه، راسماً في أذهان أصحابه عِظَم العبادة في الإسْلام، جاعلاً المسجد منبعَاً روحياً صافياً، واجتماعياً راقياً تقوى فيه أواصر المحبة بين المسلمين وتزداد، فصلاة الجماعة، والجمعة، والعيدين، مظهرٌ قوي من مظاهر اجتمَاع المسلمين، ووحدة كلمتهم وأهدافهم، وتعاونهم على البر والتقوى! لا جرم إن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، ففيه تُوحد الصفوف، وتُهذب النفوس، وتُوقظ القلوب والعقول، وتُحل المشاكل، وتظهر فيه قوة المسلمين وتماسكهم، "ولقد أثبت تاريخ المساجد في الإسلام أنّه انطلقت منه جحافل الجيوش الإسلامية لعمارة الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت! وهل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وسعد وأبو عبيدة، وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسَة المحمدية التي كان مقَرها المسجِد النبوي!!
وميزة أخرى للمسْجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسْبوع كلمة الحق مدوية مجلجِلة على لسَان خطيبه، في إنكار منكر، أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة، ويوم يعتلي منَابرها ويؤم محاريبها دعَاة أشداء في الحق، علمَاء بالشريعة، مخلصُون لله ورسوله، ناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم، يعود للمسجد في مجتمعنا الإسلامي مكان الصدارة، ويعود ليعمل عمله في تربية الرجال، وإخراج الأبطال، وإصلاح الفساد، ومحاربة المنكر، وبناء المجتمع على أساس من تقوى الله ورضوانه، وذاك عندما تحتل هذه الطليعَة الطاهرة من شبابنا المؤمن العالمة بدين الله، المتَخَلقة بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم منابره وأرجَاءه" [3].
بدأ العَمل بعمَارة المسجد والحُجُرات وكان الصحَابة كاليَد الواحدة، وكالساعد للمرفق يشده ويؤازره، وكان في مقَدمة العاملين في هذا البناء هو محمد – صَلوات الله وسَلامه عَليه – وهو يرتجز:
اللهُم لا عَيشَ إلا عَيش الآخِرة
فَاغفِر للأنصَار والمهَاجِرَة
والصحابة يعملون ويرتجزون فيقولون:
لئن قَعَدْنا والنَّبي يعمَل
لَذَاك منَّا العَمَل المضَللُ[4]

----------------------------------
[1] سيد رجال التاريخ (ص62).
[2] سيد رجال التاريخ (ص82).
[3] السيرة النبوية لمصطفى السباعي (ص85).
[4] أخرجه البخاري (6051) مسلم (1804).

------------------------------------
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-14-2015, 10:22 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة من مقامات النبوة (6) العناية الإلهية

من مقامات النبوة (6) العناية الإلهية
ـــــــــــــــــ


((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ





العناية الإلهية
في لحظات عصيبة، وسَاعَات حَزينة، وأيام كئيبة، وزَفَرات من الآهات والتوجعَات تركتها وخلفتها معرَكة بدْر الكُبرى، التي سحق فيها معسكر الإيمان وكتَائب الرحمَن غطرَسة وكبرياء قريش, فلا تسَل ولا تحدث عن مدى أثر تلك الصدمة والفجيعة في قلوبهم، وفي لحظَات الأنين وحر نار المصيبة، اجتمع اثنان من سَادات قريش تحت ميزاب الكعبة في هدوء وسكون الليل الذي تطيب فيه نفثَات التشَكي، ويُلقى فيه فيض الهم والألم، كانا يتذاكران ويتحَدثان فيما أصيبوا به من فقد أشرَافهم، ومقتل ساداتهم، وكَسر شَوكتهم، فقال عُمير بن وَهب - وكان من شيَاطين قريش -: والله لولا ديْنٌ علي ليس له عندي قضاء، وعيَال أخشى عليهم الضيعة، لركبت إلى محمد حتى أقتله..!!، فقال صَفوان بن أميَّة -وكان قد قُتِلَ أبوه وأخوه في معركة بدر-: عليّ ديْنك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعني شيء وأعجَز عنهم!، ففرح عمير واستبشَر وقال لصَفوان: فاكتُم عني شأني وشأنك.
ثم انطلق عُمير لبيته وأخذ سيفه وشحذه سماً حتى يبلغ أثره ويتمكن بثقة من القتل، وركب ناقتَه مُسرعاً متعَجلاً إلى المدينة يريد أمراً ويريد الله غيره، فلما دخَل المدينة أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأناخ ناقته عند بابه، وكان لعمير ابنٌ قد أُسِر في بدر، فكان يتَذرع أنه جاء لفك أسره، فلما أناخ رآه عمَر بن الخطاب فاروق الأمة، وكان في جمَاعة من الصحَابة يتحدثون عن كرَامة الله لهم في بدر، فقَام مسرعاً إليه - ووهَج الفراسة يشتَعل في عينيه-، فدخل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقَال: يا رسول الله هذا عدو الله عمير قد جَاء متوشحَاً سيفه..!، فقال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ. فأقبل إلى عمير فلبّبه بحُمالة سيفه فأدخله, وقال لفتية من الأنصَار: ادخلوا عند رسول الله واحذروا عليه من هذا الخبيث! وفي هذه الأثناء كان صَفوان بن أمية يقول لأهل مكة: أبشِروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيْكم وقعة بدر!، وكان يخرج كل يوم يتلقى الركبَان ويسألهم عما استجَد من الأخبار، فلما دخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنعموا صَباحاً. فقال النبي – صَلوات الله وسَلامه عَليه-: قد أكرمَنَا الله بتَحية خير من تحيتك يا عُمير، بالسَّلام تحية أهْل الجنة. ثم قال: ما جَاء بك يا عمير؟! فقال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: فما بال السيف في عنُقك؟ فقال عمير: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شَيئاً يوم بدر؟ فقال: اصدُقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك!! فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل قعدت أنت وصَفوان بن أمية في الحِجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا ديْنٌ عليّ وعيَال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً فتحَمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حَائل بينك وبين ذلك!!
فقال عمير: أشهَد أنك رسُول الله، قد كنا نكذبك يا رسول الله بما كنت تأتينا من خَبر السمَاء, وما ينزل عليك من الوحي, وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصَفوان! فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله! فالحَمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا السيَاق ثم تشهد شهادة الحق. فقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخَاكم في دينه، وأقرؤوه القُرآن، وأطلقوا له أسِيره.
فعَاد هذا الغيظ وذلك الحنق والغضَب، رحمةً وأمناً وسلاماً، ورجع ذلك العدو داعياً إلى الله – عَز وجَل – محملاً بالبشر والنور والقرآن، فلما علم صفوان أقسَم بالله لا يكلمه ولا ينفعه بنفع أبداً.
فلما وصَل عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام , فأسلَم على يده بشَر كثير.
وإذا العِنَاية لاحَظَتك عُيونها
نَم فَالحوَادث كُلهُن أمَانُ
وفي مَعركَة أحُد، أتى عبد الله بن شهَاب الزهري وكان من فرسَان قريش فجعل يصُول ويجُول وهو يقول: دلوني على مُحمَّد، فلا نجوت إن نجا..!!، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جَانبه، ما معه أحَد، ثم جاوزه ولم يعلم به ولم يره، فعاتبه في ذلك صفوان وهو يرى أنها فرصَة نادرة ذهَبية، فسيفٌ صارمٌ، وفارسٌ شجاعٌ، ومحمد خال ليس معه أحد، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.
ومن يكُن الإلَه لَه حَفيْظَاً
فَحَاشَا أن يُضَيِّعهُ الإلَه
ونعيش في هذا الحدث مع ألمع أناس سطروا أروع الأمثلة وأبرز الوسَائل في الخيانة والغَدر، فتاريخهم حَافل وناصِع بخياناتهم وغَدرهم، وكذبهم وبهتانهم، فهم أعلام هذا الميدان فلا مسَابق ولا مجاري لهم في ذلك، ولعلهم سبقوا إلى الذهن فلا أسبق منهم في هذا المجال.
وبدايَة القصة أن عَمرو بن أمية الضَّمْري وكان صَحَابياً عدّاءً لا يُسبق، خرج من المدينة فلقي رجلين نائمين فقَتلهما وظنهما مشركين ولم يعلم بإسلامهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع المال لديتهمَا، فأتى إلى يهود بني النَّضير ليعينوه في الدية وكان ذلك من بنود المعَاهدة التي عاهدهم عليها، فلما دخَل عليهم وجلس معهم فأخبرهم لما أتى إليه فأبدو اسْتعدادهم وتهيؤهم وقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك. فجلس إلى جنب دار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعَدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه.
وخَلا اليهود بعضُهم إلى بعض، وسَول لهم الشيطَان الشقَاء الذي كتب لهم، فتآمَروا على قتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحَى، فيصعد فيلقيها على رأسه فيشدَخه بها؟ فقال أشقاهم وهو عَمْرو بن جِِحَاش: أنا. فقال أحد عقلاءهم وهو سلَّام بن مِشْكم: لا تفعلوا فو الله ليُخبَرنَّ بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، ولكن إبليس جثَم على قلوبهم فأبوا إلا إمضَاء خطتهم!! وقربت سَاعة التنفيذ، وأخذ عمرو الرحى، وتأهب ليقوم بأداء دوره ومهمته، ووجَم اليهود انتظاراً لما سيحدث، وترقباً لما ستنتهي عليه هذه الخطة الماكرَة... وفي هذه اللحظة الفاصِلة نزل رُوح القدس – عليه السَّلام – إلى ****** صلى الله عليه وسلم يخبره بما همّ به القوم من الغدر، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحَابه وقد فجَأهم قيامه وذهابه، فقالوا: نهضتَ ولم نشعر!، فأخبرهم بما همت به اليهود. ثم قدم عليهم بجُند الله في موكب تحفُّه الملائكة ويحيط به الأبرَار ويؤيده الله، فزلزلت حصونهم هيبةً ورعباً حتى نزلوا على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلاهم من المدينة.
كَأنه وهو فَرد في جَلالَتِه
في مَوكِب حين تلقَاه وفي حَشَمِ
عِنَاية الله أغنَت عن مُضَاعَفَة
من الدرُوْع وعَن عَال من الأُطُم
وهذا شَيْبة بن عُثْمان بن أبي طَلحة يقول: ما كان أحد أبغض إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف لا يكون كذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل اللِّواء!، فلما فتح الله مكة أيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخَلت العَرَب في دينه فمتى أدرك ثأْري منه؟! فلما اجتمعت هوَازِِن في حُنَين قصدتهم لأجد منه غرَّة فأقتله، فلما انهزم الناس عنه وبقي مع من ثبت معه جئت من ورائه، فرفعت السَّيف حتى كدت أحطه بين كتفيه فغشي فؤادي، ورفع لي شواظٌ من نار فلم أُطق ذلك، وعلمت أنه ممنُوع فالتفت إلي وقال: أدنُ يا شيب فقاتل. ووضع يده في صدري فصار أحبَّ الناس إلي، وتقدَّمتُ فقاتلتُ بين يديه ولو عَرَض لي أبي لقتلته في نصرته، فلما انقضى القتال دخلت عليه فقال لي: الذي أراد الله بك خَير مما أردته لنفسِك!، وحدثني بجميع ما زوَّرتُه في نفسي، فقلت: ما اطلع على هذا أحَدٌ إلا الله!! فشَرح الله صَدري للإسْلام فأسلمْت.
وفي غَزْوة تَبُوك كان الجيش الإسْلامي يسير في شدَّة حرارة الجَو، وفي جَهْد ومشَقَّة وجُوع، حتى كانوا يستظلون بأيديهم من حَرارة الشَّمس، وكانوا إذا نزلوا وادياً تركوا الشجرة العظْمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسْتَظل بها، ولو استطاعوا أن يحجُبوا أشعَّة الشَّمس عنه بأيديهم لحجبوها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة لتقيه حر الظَّهيرة والقَائلة، فنزع ثوبَه وبقي في إزار وردَاء، وعلَّق السَّيف عنْد رأسه ونام، فجاء رجل مشرك فظٌّ غليظ يتربَّص الدَّوائر برسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتنم هذا الموقِف فرسول الله نائم، وليس عنده أحَد من أصحَابه، وسيفُه معلَّق، فاخْتَرط تلك اللحظة وبخفَّة سيفه وأيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فتح عينيه وإذا بلمعان السَّيف يكاد يخطِف بصَره، وإذا العدُو محتَرز متمكن فقال:
من يمنعك مني يا محمَّد؟!! فقال وهو سيد المتَوكلين:"اللَّـه" فاهتَز الأعرابي وانتفَض وسقط السَّيف منه، ثم أخذه عليه صلوات الله وسلامه فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ يا محمَّد!! فعفا عنه – عليه الصلاة والسلام – فأثر ذلك الموقف في روعَته على ذلك الأعرابي مع غلظَته وفظاظَته. فنطق الشهادتين وأسلم لله رب العالمين.
يا مادحاً تبَّعاً أو سيف ذي يزن
دعهم وخل بني شَدَّاد في إرم
دعْ عنك كسْرى ومن حازوا جوائزَه
وكل أصْيد أو ما قيل في هَرِم
واكتُب على مفرِق التَّاريخ رائعة
من القَريضِ فدتك النَّفس من قدم
وامدَح بها أحمَد في كل قافيَة
واملأ بها في قَوافي الشِّعْر من حِكم


-------------------------------
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-14-2015, 10:25 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة من مقامات النبوة(7) مقام التربية

من مقامات النبوة(7) مقام التربية
ـــــــــــــــــ

((نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ


مَقَامُ التَّربيَة
قبل أن تتصفح هذا المقَام، وقبل أن تبحر في كلمَاته ومقاصِده، أجِل فكرك واسبَح بخاطِرك، واسترجع ذكرياتِك وذاكرتك وحياتك، ثم استخرج من ذلك الكم الهائل، والعَدد الضَّخم من البشر الذين جمعتك بهم وموافقات الحياة وأيام الدُّنيا!! ثم عليك بعد هذا أن تصَفي تلك الوجوه وتنتقي منها أبرز شَخص ورجُل جمعك به لقَاء في هذه الحياة، وعش لحظَات في سر إعجابك به في أخلاقه وسُمُو روحه، وفي عذوبة منطقه!! جُل بذاكرتك جميع المحاضن والمدارس والمجمَّعات والدورات التَّربوية، والصُّروح التي تشَاد من أجل إعداد الأجيال وتهذيبهم وتربيتهم، فلن تجد من خلال تلك الأعداد التي استخلصْت منها ذلك الرجل مع كثرتها ووفرتها رجلاً جمع خصَال الحمْد، ومزايا الخُلُق، وعذوبة المنطق، وفصَاحة اللسَان، ولين الجانب، وبسَاطة التواضُع، وسمُو الرُّوح، ونبل الغَاية، وإخلاص العمَل، كما اجتمعت لنبينا صلى الله عليه وسلم ..!!
هو أمَّة الأخْلاق شيدت فيه من
كَرَم ولُطْفٍ للإلَه حبَاه
ولن تَجد في تلك المحَاضِن والمدارس منهَج تعَلم، وخطَّة عمَل، وسَلامة منهَج، وكمَال تنظِيم، وجَلالَة هدَف، وصدْق انتمَاء، كما كان في المدرسَة المحمَّدية التي خرَّجت الأبْطال الفاتحين، والقَادة الميَامين، والدعاة المخْلصِين، والأسخيَاء الباذلين، والأعْلام الصَّادقين، فقد كانت بحقٍّ تصفية روح، وتهذيب خُلق، وتريبة نفْس، وتنمية مهَارة في كل ما يخدم هذا الدين ويرضي رب العالمين. وإذا علمت بأن المعلِّم هو محمَّد صلى الله عليه وسلم ، والمسَاعد هو أبو بكر، والمدرِّب عمر، وصاحب الخزينة بلاَل، وكامن السر حُذيفة، والدَّاعم عثمان، والفِدائي علي، والتلاميذ سعْد وطلْحة ومصْعب والزُّبير وأُسَيد وأنس، والمكان والمدرسة في مسجِد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمقرر للمنْهج والدَّرس هو "اللَّـه"-جل جَلاله-، ومبلغ المنهج للمعَلم "جبريـْل" مع كوْكبة من الملائكة يحفُّون تلك المدرسة ويلفونها بأجنحَتهم..!!
لقد بنيت على تقوى من الله ورضْوان، فلو اجتمعت جامعَات الدنيا وأسَاتذة العصر وعباقرة العالم، على أن يخرّجُوا مثل تلك القيَم وتلك المبادئ، وذلك السُّمو، لما استطاعوا أن يقاربوه أو يُدانوه لا أن يصلوا إليه، وتأمل كيف أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من رعاة الغَنم قادةً للأمم، ومن عبدة الأوثان وسدَنة الأصنام دُعاةً للإسلام، ومشاعل للإيمان، حتى تربعوا على قصور كسْرى وقيصَر، وهيمنوا على ملكهم.
ولتعرف شيئاً من نسِيم تلك التربية، وتشم شيئاً من عبيرها مُدَّ بصرك في بعض رياض تلك المُثل، وانظر قبل كل شيء إلى الميْزان والمعيار الذي كان يربيهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة الرجال وقدرهم.
ففي أحَد الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسَاً وعنده رجل من أصحابه فمر بهم رجُل يلوح عليه شارة الغنى، وعلامة الثراء، قد لبس من أجمل الثياب وتعطر بأعتق الطيب، فسأل رسولُ الله الرجلَ الذي بجانبه فقال: ما تقُول في هذا الرَّجل؟ - يقصد الرجل الثري - فقال: يا رسول الله هذا رجل من أشراف الناس حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفّع، وإن قال أن يُسمع، فسكت عليه الصلاة والسلام وجلس قليلاً فمر رجل آخر، رثُّ الحال، متواضع الهيئة، قد ظهرت عليه آثار الفقْر وقلة ذات اليد، فقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله قبل قليل: ما تقول في هذا الرَّجل؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل من أوسَاط الناس، حَري إن خطب ألا يُنكح، وإن قال ألا يُسمع لقوله، وإن شفع ألا يُشفّع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يرسم ميزان الرجَال ومقياسهم في الإسلام -: هذا خَير من ملئ الأرض من مثْل ذاك!![1] هكذا هو معيار الإسلام فلا مظَاهر، ولا أشكال، ولا بطر، وإنما هو ما يقوم في القلب من تعظيم الله وحرماته، وما تصدقه الجوارِح بعد ذلك.
وفي إحْدى رحلات النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مرّوا ببستَان فصعد عبدالله بن مسعود على نخلة ليخْتَرف منها، وكان الصحابة تحت النخلة فنظروا إلى دقة ساقيه وحَمَشهما وسوَادهما وكان دقيق الجسْم أسْود اللوْن، فضحكوا من دقتهمَا وسوادهمَا، فقال صلى الله عليه وسلم : أتعجَبون من دقَّة ساقيه؟! والله لهما أثقَل في الميزان من جبَل أحُد!![2] فكم من رجل جميل اللَّون، حسن الجسم، ولكنه مقطوع الصلة بربه سبحانه، فهذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما في الصحيح: "يؤتى بالرجل العظيم السَّمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جنَاح بعوضَة"[3]
وماينفع الفتْيان حُسْن وجوههم
إذا كانَت الأخْلاق غَير حسَـان
وفي موقف ومقام آخَر يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الغاية والهدف من هذا الوجوْد، ويربطهم بالآخرة حين تغريهم زهْرة الحياة الدُّنيا.
أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من حرير، فأخذها بعضُ الصَّحابة – رضي الله عنهم – وجعلوا يقلبونها ويعجبون من لينها ونعومتهَا، وكانت غايةً في الحسْن والجمَال والنعومة، فنظر إليهم المربي في تلك الحال فقال: أتعجبون من ليْن هذه؟ لمنَاديل سعد في الجنَّة ألين منها!![4] فزهدت فيها نفوسهم، وارتفَعت هممهم، وسمَت أهدافهم، وهم يرون أن مناديل سعد فقط ألين من هذا الحرير، فكيف يكون لبَاسه! وكيف سريره وفراشه وهندامه!
ولم يعرف اليأس إليه طريقاً عند الشدائد، ولا عرف التنَازل عن مبَادئه، بل كانت الشِّدة تزيده عزماً ومضياً وتفاؤلاً، وكان يبعث هذه الروح في أصحابه رضي الله عنهم ويربيهم عليها، فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجُلان أحَدهما يشكو العَيلة، والآخَر يشكو قَطع السَّبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسَلم: " أما قَطع السَّبيل: فإنه لا يأتي عَليك إلا قليل، حتى تخرج العِير إلى مكة بغَير خفِير، وأما العَيلة: فإن السَّاعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبَلها منه"[5].
وفي إحدى المحن الكبرى التي حوصرت فيها المدينة وطوقت بلفيف المشركين، تعرض صَخرة في مكان من الخَندق، لا تأخذ فيها المعَاول، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فوضع ثَوبه ثم هبَط إلى الصَّخرة، فأخذ المِعول فقال: "بسم الله " فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا" . ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا" ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا"[6]. فما أسمى هذا التفاؤل الفذ في أحرج الأوقات وأصعبها.
وإن أردت أن ترى موقفاً أعْمَق وأكمَل، ومقاماً أسمَى وأجمل، فعِشْ في أكنَاف هذا اللقاء الذي تخرس أمام فصَاحته مصاقع الخطَباء، وتشْدَه أمام أدبه ولطْفه أبصار المربين والمعلميْن، ذاك أنه لما انتهت غزْوة حنين وأظفَر الله فيها المسلمين بهوازن بعد ما كانت الصَّولة في بادئ الأمر لعدوهم، وكان الجيش قد فر أكثره وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلَّـة من أصحابه فأمر العبَّاس وكان جهوري الصوت فنادى أصْحاب بيعة الرضْوان فأسرعوا إليه كما تسرع الأمهات إلى أولادها، ثم خص الأنصار بالدعاء، فأقبلوا ملبين النداء فأبلوا بلاءً حسناً، فلما انتهت المعركَة وجُمِعت الغنائم فإذا أودية الإبل، وإذا الشعاب قد غصَّت بالغنم والشاء، فجاء أبو سفيان فقال: أعطني يا رسول الله من الغنائم، فقال: خذ مائة ناقَة، فقال صفوان: وأنا؟ فقال: ولك مائة، فعند ذلك قال حكيم بن حزام: وأنا يا رسول الله!! فقال: ولك مائة. فقال الأقْرَع بن حَابِس وعُيَيْنة بن حِصْن وهم يرون هذه الأعطيَات: ونحن يا رسول الله!! فقال: ولكُما مائة. فاجتمع عليه العرب وكل يقول: أعطني يا محمد، حتى اضطروه إلى سمرة فخُطفت رداؤه فوقف –عليه الصلاة والسلام – وقال: " أعطوني ردائي فو الله لو كان لي بعَدد هذه العِظَاه نعَما لقسَمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً " فللَّه دره! ما هذا الكرم؟ وهذه العظمة؟ وهذه الشجَاعة؟ قبل ساعات يصمُد أمام الجيش ويهزم عشرين ألفاً، ويحثو في وجوههم التراب، ويدوْس الكتائب أمامه، والآن يقسم لهم الغنائم ولا يبقي لنفسه شيئاً.
وفي هذه اللَّحظات ورسول الله يقسم الغنائم، ويعطي رؤوس قريش وسادة القَبائل. مئَات الإبل، على مرأى الأنصَار الذين وجه لهم النداء قبل قليل في المعركة، والذين آووه ونصَروه وآزروه فلم يعطهم شيئاً، فوجدوا ذلك في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقيَ والله رسول الله قومه! فدخل عليه سعد بن عبادة رضي الله عنه فأخبره فقال: اجمع لي هذا الحَي من الأنصار في الحظيْرة، فجمعهم ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى فدخل عليهم، فحَمد الله وأثنى عليه ثم قال:" يا معْشَر الأنصَار، ما مقَالة بلغَتني عنكم، وجِدة وجدتموها علي في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهَداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى الله ورسُوله أمَن وأفضَل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصَار؟ فقالوا: بماذا نجيبُك يا رسُول الله؟. فقال: أما والله لو شئتُم لقلْتم فلصَدَقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدَّقناك، ومخذولاً فنصَرناك، وطَرِيداً فآوينَاك، وعائلاً فآسينَاك، أوجدتم يا معشر الأنصَار في أنفسكم في لعَاعَة من الدُّنيا، تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامِكم؟ ألا ترضَون يا معشر الأنصَار أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحَالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهِجرة لكنت امْرَءاً من الأنصَار، ولو سَلَك النَّاس شعباً وسَلَكت الأنصَار شعباً لسَلَكت شعب الأنصَار، اللهم ارحم الأنصَار، وأبناء الأنصَار، وأبناء أبنَاء الأنصَار، الأنصَار شعَار والناس دثَار، سوف تلقون أثرة بعدي فاصْبروا حتى تلقَوني على الحَوض " فبكى القَوم حتى أخضَلوا لحَاهم، وقالوا: رضينا برسُول الله قسَماً وحَظاً..![7]
في هذا المقَام تظهَر روعَة الأخْلاق، وسُمُو الرُّوح، وعظَمة هذا النبي، وكمَال تلك الإنسَانية التي يحملها في قلبه، فيا للجَلال! ويا للجَمَال! ويا للكَمَال! فهل سمعت بأرَق من هذا العِتَاب، أو قَرَأت ألطف من هذا الخطَاب، وكيف كان يربيهم – عليه الصَّلاة والسلام –على رسُوخ الإيمان، والصدْق في الغَاية، والاعتراف بالفضل، والنظر في العقبى والآخرة، وعَدم الاغتِرار والركون لحُطام الدنيا وزخْرفهَا، فقارن بين ناقة وجمَل وشاة تأوي بها إلى رحْلك، وبين أن تصحب خيرة الله من خلقه، وأمينُه على وحيه، وكذلك هو الحال في أتباع هديه وسنته، فإذا انصرف الناس لمتاعهم ودينارهم، فليكن همك هو تحصيل سنة رسول الله والنَّهل من سلسَالها والرشْف من رحيقِهَا.
تحدَّث ولا تخرُج بكل عجيبَة
عن البَحر أو تلك الخِلال الزَّواهِر
ولا عيْب في أخلاقِه غير أنهَا
فرَائد در ما لهَا من نظَائر
يُقِر لها بالفضْل كل منَازع
إذا قيل يوم الجَمع هل من مفَاخر
وتأمل كيف كان يتعامل مع الخطأ، ويحوره لأن ينقلب إبداعاً وتميزاً، في بحث عن زوايا الخير والإبدَاع لدى المخطئ، فلندع القلم لأبي محذورة رضي الله عنه ليحدثنا عن مجريات هذا الخبر قائلاً:
قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حُنين، فلقينا ببَعض الطريق، فأذَّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسَمعنا صوت المؤذن، ونحن متَنكبون فصرَخنا نحكيْه، ونسَتهزئ به، فسمع رسُول الله صلى الله عليه وسلم الصَّوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنَا بين يديه، فقال: " أيكم الذي سمعت صَوته قد ارتفَع؟ " فأشَار القوم كلهم إلي، وصدقوا فأرسَلهم كلهم، وحبسَني، فقال: " قم فأذن بالصلاة " فقُمت، ولا شيء أكره إلي من رسُول الله صلى الله عليه وسَلم، ولا مما يأمُرني به، فقُمت بين يدي رسُول الله صلى الله عليه وسَلم، فألقَى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم التَّأذين هو نفسه، ثم دعَاني حين قضيت التأذين، فأعطَاني صُرة فيها شيء من فضَّة، ثم وضع يده على ناصيَة أبي محذُورة، ثم أمارها على وجهه مرتين، ثم مر بين يديه، ثم على كَبده، ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرة أبي محذُورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بارك الله فيك "، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال: " قد أمَرتك به "، وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعَاد ذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم[8].
ولم يكن _عليه الصَّلاة والسَّلام_ يحصُر مواهبهم وقدُراتهم في مجال واحد، بل كان يوظِّف كل واحد بالمكان الذي يناسبه، فبلال بن رباح وابن أم مكتوم في الأذان، وحذيفة بن اليمان أمين للسر، وخَالد بن الوليد على مقدمَة الجيش وقيادة السرَايا، ومعاذ بن جبل للقضاء وتعليم الناس في اليمن، وأبو هُريرة لروايـَة الحديث، وأنَس بن مالك في الخدمَة وقضَاء الحاجَة، وفي وصيَّة لأبي ذَر: "إني أراك ضعيفا، وإني أحِب لك ما أحب لنفْسي، لا تأمرَن على اثنَين، ولا تولين مَال يتِيم"[9].
وفي ظِلال هذه التَّربية، ومن أحضَان المدرسَة المحمدية تخرّجَ أبو بكر الذي يخيَّر يوم القيامة من أبواب الجنـَّة الثمانية أيها شاء، وعمر فارُوق هذه الأمة الذي لو رآه الشَّيطان سالكاً فجَّاً لسلك فجاً غير فجِّه، وسعْد بن معَاذ الذي اهتَز لموته عرشُ الرحمن، وسعْد بن أبي وقاص الذي كبّر في القادسيَّة، وركب البحر بالخيل هو وجيشه فما غطَّى الماء الخيل إلا إلى الركب، وفي هذا يقول إقبال:
من ذا الذي رفع السُّيوف ليَرْفع اسمَك
فوق هامَات النجُوم منَارَا
كنا جبَالاٍ في الجبَال وربما
سرْنا على موج البحَار بحَارا
بمعابد الإفرنْج كان أذاننَا
قبل الكتَائب يفتَح الأمصَارا
ندعُو جهاراً لا إله سوى الذي
خلَق الوجُود وقدَّر الأقْدَارا
ومنها تخرج العَلاء بن الحضْرمي الذي لو أقسَم على الله لأبَره، وعبد الله بن عمرو بن حَرام كليم الرحمَن بلا ترجمَان، وغيرهم ممن يتألَّق في سماء العظَمة، ومنابر العز، وهامَات المجـْد. فما بال أمتنا لم تعد تخرج مثل ذلك الطِّراز، وعلى ذلك النسَق، وعلى غرار تلك المثُل!!
يا أمتي كنَّا شعَاع هدايَة
للنَّاس في الدنيَا لها أنْوار
كنا على الأيَّام صوْت مؤذن
فرحَت به الأمصار والأسْحَار
كنا هطِيل الغيْث ما سقيَت بنا
أرض فماتَت بعدَها الأزهَار
سلْ كل أرض قَد وطئْنا سهلَهَا
ستُجيبُك الأمجَاد والآثَار
ما عدْت أجزِم أننَا من أمَّة
تاهت بها الأمجَاد والأقمَار
يا رب إنا قد أتينا نشتَكي
ظلما وأنْت الوَاحِد القَهَّار

-------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري (4803).
[2] أخرجه أحمد (7 / 99)، وصححه ابن جرير الطبري في مسند علي (رقم 163).
[3] أخرجه البخاري (4452) مسلم (2785).
[4] أخرجه البخاري (3076).
[5] أخرجه البخاري (2 / 109).
[6] أخرجه أحمد (30 / 626)، وحسنه ابن حجر، وضعفه ابن كثير بميمون أبو عبدالله، وهو الأظهر فالأكثر على تضعيفه. ينظر: فتح الباري (7/397)، البداية والنهاية (4/102).
[7] أخرجه البخاري (6818) مسلم (1061).
[8] أخرجه أحمد (24 / 98). قال البوصيري: إسناده صحيح. مصباح الزجاجة (1 / 89).
[9] أخرجه مسلم (3 / 1457).

--------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-14-2015, 10:28 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة من مقامات النبوة (8) وللحب مداد

من مقامات النبوة (8) وللحب مداد
ـــــــــــــــــ


(نايف بن محمد اليحيى)
--------------

23 / 3 / 1436 هــ
14 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ




وللحبِّ مِداد
-----------

لقد كان لتلك التَّربية التي غرَسها رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظَم الأثَر في زرع أسمَى غايات الحُب، وأنبل معاني التضحيَة، وأرفع مقَامات الصدْق، في قلوب أصحابه له، فهم يتفَانون من أجل خدمَته، ويتنافسُون في سبيل رضاه، وهَا هو – عليه الصلاة والسلام – يأتي مثخَناً في جرَاحه، قد فَقَدَ جملةً من أصحَابه في غزوة أحُد، فلما أقبل على المدينَة وقد سبقته أنبَاء المعرك ة إليها، فخرج الناس يسْألون عن أولادهم وأزواجِهم وأقَاربهم، وكان من بين تلك الجمُوع امرأةٌ خرجت لكنها لغَاية أخرى، ومقصد مغَاير، فلما أقبلت أخبرت باستشهاد ابنين لها في المعركة، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا، هو بحمد الله صالح على ما تحبين. قالت: أرونيه أنظر إليه! فما شفى غليلها إلا أن تنظر إليه بعينها وتطمئن على صحته، فأشاروا لها إليه فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل!! -أي: هينة يسِيرة.
فهل ترى في زخَارف الحب أصدق من هذا الحب؟! وأسمَى من هذه المشَاعر!! وأصدق من هذا الإيمان!!
وصورة أخرى يسطِّرها زيد بن الدَّثِنَة وهو يقدم للقتل في مكَّة، وقد خرج الرجَال والنسَاء لحضُور ذلك المشهَد، فيقول أبو سفيَان: يا زيد أنشُدك بالله، أتحب أن محمداً الآن عندَنا مكانك تضْرب عنقُه، وأنك في أهْلك؟! فأجَابه زيد بصَوت عَالٍ سمعه الجميْع: والله ما أحِب أن محمَّداً الآن في مكَانه الذي هو فيْه، تصيبُه شوكَة تؤذيه، وأني جَالس في أهْلِي!! وتعجَّب الناس أشد العجَب من هذا الجَواب، فقال أبو سفيَان لمن حولَه: ما رأَيتُ من النَّاس أحَداً يحب أحَداً، كحُب أصحَاب محمَّدٍ محمَّدا!!
قومٌ سمَت بهم العَوَارف والنُّهى
أن يرغبوا في كُل فَان قَالي
قوم أبَت بهم المفَاخر والعُلى
أن يشْتروا غَير النفِيْس الغَالي
وفي صُلح الحديبيَة أرسَلت قريش عُروة بن مَسعُود الثَّقفي ليفَاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى إليه بهَرته عظَمة الرسُول وحُبُّ أصحابه له، فرجع إلى قريش فقال: والله لقَد دخلت على كسْرى في ملكه، وقيصَر في ملكه، والنجَاشي في ملكه، ورأيت مُلوك اليمَن، والله ما رأَيت قومَا يعظمُون صاحبهم ويحبُّونه كحُب أصحَاب محمَّد لمحمَّد، والله ما التفَت في جهَة إلا التفَتوا جميعاً في الجهَة التي نظَر إليها، ولا تكَلم إلا سَكتُوا كأن على رؤوسِهم الطَّير، والله إن تنخَّم نخَامة إلا وقعَت في كف رجُل منهم فدلك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتَدروا أمْره، وإذا توَضَّأ كادوا يقتتلُون على وَضُوئه، وما يحِدُّون إليه النظَر تعظيماً له [1].
وهكذا هي سواقي الإيمان إذا نبعَت في القَلب، أنبتَت جنَاناً حسَاناً من الكَمال، وثمَاراً يانعَةً من العَزْم، وقطُوفاً دانيَـةً من الحكمَة.
ألا يا مُحب المصْطَفى زد صَبابةً
وضَمِّخ لسَان الذكْر منك بِطيْبه
ولا تعْبَأن بالمبطلِين فإنما
عَلامة حُب الله حُب حَبيبِه
وهذا حَبيْب بن زَيد أرسَله النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسَيلمة الكَذاب في اليمَامة، فلما دخَل عليه وكلمَه، جمع مسيْلمة أهل اليَمامة وأوقف حبيْب أمَامَه ثم قال: أتشهَد أن محمَّدا رسُول الله؟ فقال: نعم، فقال أتشهَد أني رسُول الله؟ فقال حَبيب: لا أسمَع. فأعَاد عليه: أتشهَد أن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم، فقال: أتشهد أني رسُول الله؟ فقال حَبيب: لا أسمع! فغضب مسيْلمة عند ذلك ودعَا السَّياف فأمره فقطَع يده ثم سَأله: أتشهَد أن محمدَا رسُول الله؟ فقال حبيب: نعم!! فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع!! فغضِب أشَد من غضبتَه الأولى وأمر السَّياف أن يقطع يده الأخْرى فقطَعها، وأهْل اليمَامة كلهُم ينظُرون ويتأمَّلون هذا المشهَد! ولكن من لم يجعَل الله له نُورا فما له من نُور. فأعَاد عليه مسَيلمة السُّؤال ثالثَة، فرد بنفْس الجَواب، فأمَر السَّياف أن يضرب عُنقَه، فقتَله، فطَار رأسه طَاعة لله والرَّسُول، ولكأن الحَادي يحدُو به فيقول:
واهتِف بهم أنا من جُنُود مُحمَّد
بايعتُه فيمَا يُريح ويتْعبُ
رايَاتهَا خفَّاقَة وسُيُوفها
صَفَّاقة وجُنُودُهَا لا تُغلَبُ
واهتَزَّت الدُّنيا لصَوت محمَّد
الله أكْبَر شَرقُها والمغْربُ
وهذا صدِّيق هذِه الأمَّة يلِح على رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهَروا أمَام قرَيش في الكَعبة لما بلَغ عددُهم ثمانيةً وثلاثيْن رجُلا، فقال: " يا أبا بكر إنَّا قليْل " فلم يزَل أبو بكر يلِح حتى ظهَر رسُول الله وتفرَّق المسْلمون في نواحي المسْجد كل رجُل في عشْرين، وقام أبو بكر في النَّاس خطيبَا، ورسول الله جَالس، فكَان أول خطيْب دعا إلى الله وإلى رسُول الله، وثَار المشْركُون على أبي بكر فوطؤوه وضَربوه ضَربا شَديدَا، ودنا منه الفَاسق عُتبة بن رَبيعَة فجَعَل يضربُه بنعلين ويحرفُهمَا في وجْهه، ونزَا على بطنه، حتى حَملُوه ولا يشُكون في موته وقال بنو تيم قبيْلتُه: والله لئن مَات لنقتُلن عتبَة بن ربيعَة، فجَعلوا يكلمُون أبا بكر حتى كان آخِر النَّهَار فأجاب، فكان أول ما قال: ما فعل رسول الله؟ فتكلموا عليْه وعَذلُوه وقاموا عنه، فجَاءته أمه أم الخَير بطَعَام فقال: إن لله علَي أن لا أذُوق طعَامَا ولا أشرَب شَرَابَا حتى أرى رسُول الله، فلما جَن الليْل وسَكن النَّاس خرج يتكئ علَى أمه وأم جَميْل بنت الخَطَّاب حتى أتى رسول الله فأكَب عليه يقبِّله، وأكب عليه المسْلمون يعانقُونه – رضي الله عنه وأرضاه –.
------------------------------------------
[1] أخرجه البخاري (2581).

--------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مقالات, النبوة

« احتفاء الحوثي بــ"المولد النبوي" | لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مقامات أبو سمرة ... ! الامير الفقير الكاتب الامير الفقير (العراق) 2 08-03-2012 08:30 PM
الفُكاهة في مقامات بديع الزمان الهمذاني يقيني بالله يقيني أخبار ومختارات أدبية 2 04-17-2012 06:26 PM
برنامج مقالات الشيخ د. سلمان العودة - نسخة آيباد 1.0 Eng.Jordan الحاسوب والاتصالات 0 04-06-2012 04:16 PM
حمل كتاب مقامات الحريري Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-02-2012 10:48 PM
فيض الخاطر وهو مجموع مقالات أدبية واجتماعية _ أحمد امين احمد ادريس دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-20-2012 06:27 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:51 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68