تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-17-2015, 08:58 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة خلفيات التحول السيئ للدانمارك ودول شمال أوربة

خلفيات التحول السيئ للدانمارك ودول شمال أوربة
ــــــــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ




كانت دول شمال أوروبا : السويد و النرويج و الدانمارك و فنلندا و إيسلندا تعتبر نفسها دوماً مغايرة ومختلفة عن بقية الدول الأوروبية ذات الإرث الاستعماري والتي تزعمت إمبراطوريّات احتلت لمئات السنين أجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي والثالث، بل إنّ دول شمال أوروبا كانت تعتبر نفسها ذات خصوصية مناخية وثقافية واجتماعية وحضارية، وأنهّا نجحت في إقامة نظام سياسي إنساني في كل أبعاده يؤمن بالإنسان أولاً وثانياً وأخيراً . ولطالما نظّر المنظرون والإستراتيجيون في شمال أوروبا لمجتمع متعدد الثقافات ومتنوّع الأعراق والديانات .
وبناءً عليه وضعت قوانين أساسية تنصّ على مبدأ حريّة التديّن وعدم جواز المساس بأي دين أو التحامل على ديانة بعينها . صحيح أنّ هذا البند ربما وضع ليحمي الديانة اليهودية ورموزها في شمال أوروبا، لكن عدم تحديد الديانة بالاسم جل القوانين التي تصون الديانات تنسحب على الإسلام أيضاً، وخصوصاً عندما أصبح الإسلام الديانة الرسمية الثانية في السويد والنرويج وحتى في الدانمارك .
وبسبب الطبيعة المناخية الباردة لمنطقة شمال أوروبا فإن سكانها الأصليين هجروها في أوقات سابقة باتجاه أمريكا وباتجاه مدن الشمس، كما أنّ انتهاء مفهوم الأسرة في هذه الجغرافيا واكتفاء الرجل والمرأة بمبدأ المعاشرة أثَّر إلى أبعد الحدود في حدوث تضاؤل فظيع في نسبة المواليد وهو الأمر الذي جعل الإستراتيجيين في هذه المنطقة يفكرون باستيراد البشر من الدول التي تعيش أزمات حروب وأزمات سياسة، فتدفق المهاجرون المسلمون على هذه البلاد، وحصلوا على حق الإقامة الدائمة بموجب اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني، أو من خلال مفوضية شؤون اللاجئين التي ترسل تباعاً عناصر بشريّة بالتوافق مع هذه الدول التي تستقبل سنوياً حصّة معينة ومعدودة من مفوضيّة شؤون اللاجئين .
وخلال ثلاثين سنة ارتفع عدد المسلمين بشكل غير متوقّع في دول شمال أوروبا ؛ حيث أصبح عددهم في السويد أزيد من نصف مليون مسلم، وفي النرويج أزيد من 270 ألف مسلم، وفي الدانمارك أزيد من 150 ألف مسلم، وفي فلندا قرابة 50 ألف مسلم، وفي إيسلندا عدة آلاف من المسلمين .
وهذا الاضطراد في ارتفاع عدد المسلمين جعل الكثير من الجمعيات اليهودية الفاعلة في هذه المناطق والمنظمات الكنسية الكبيرة كجمعية ( كلمة الحياة العالمية ) و ( شهود يَهْوَهْ ) تنظر بريبة إلى هذا الوجود الإسلامي، وعمدت إلى تكثيف التنصير في المناطق الإسلامية، وراحت تستغل فقر الجاليات العربية والمسلمة لتمرر رسالتها الدينية التي تستهدف بالدرجة الأولى المسلمين حتى يغيِّروا ديانتهم .
وهذا التنامي في عدد المسلمين في مناطق شمال أوروبا جعل الكثير من مراكز الدراسات المستقبلية في الغرب تشير إلى عمق الأزمة الاجتماعية والتركيبة العقائدية لهذه المجتمعات بعد عشرين سنة، كما أنّ بعض الباحثين الإسرائيليين ذكروا بكل صراحة في بحوثهم أنّ المستقبل في هذه المناطق مقلق للصهيونية الذين قد يفقدون أي دعم أوروبي فيما لو أصبح ( محمد ) و ( خالد ) من صنّاع القرار في أوروبا ؛ في إشارة إلى احتمال وصول الجيل الثالث المسلم المولود في هذه البلاد إلى دوائر القرار .
وقد كانت حياة المسلمين في بلاد شمال العالم طبيعية وعادية، وكانوا يتمتعون بكثير من الامتيازات والتسهيلات، غير أنّ هناك حدثين قلبا ظهر المجن عليهم في هذه البلاد، وبموجب الحدثين أصبحوا عرضة لتآمر دولي يستهدف كيانهم ووجودهم ومستقبلهم :
الحدث الأول : هو تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م التي حدثت في أمريكا، وقد استطاعت الإدارة الأمريكية أن تفرض توجهاتها الأمنية على دول شمال العالم وأشركتها في سياستها الأمنية، وهو الأمر الذي جعل أحد المتابعين يقول : إنّ أمريكا تملك أكبر قاعدة سياسية ولوجستية في شمال أوروبا .
والحدث الثاني : يرتبط بالاستفتاء الشهير الذي أجراه الاتحاد الأوروبي حول الدولة الشرّيرة الأولى في العالم، فأجمع الأوروبيون بمن فيهم سكان شمال العالم على أنّ الدولة العبرية هي أخطر دولة على السلام العالمي، وبعد هذا الاستطلاع طالب وفد الوكالة اليهودية العالمية الأمين العام للاتحاد الأوروبي ساعة نشر الاستطلاع ( رومانو برودي ) بأن يلغي هذا الاستطلاع، وحاول الوفد اليهودي إقناع ( برودي ) بأنّ المسلمين الإرهابيين هم الأخطر على أوروبا والعالم، وأنّ المواطنين الأوروبيين من أصول إسلامية هم الذين جعلوا الاستطلاع في منحى مضاد للدولة العبرية .
ومنذ تلك اللحظة بدأت كبريات الجرائد ووسائل الإعلام المرئية المملوكة بنسبة تسعين بالمائة ليهود في شمال أوروبا في تحقير الهوية الإسلامية والثقافة الإسلامية التي كانت تعتبر، ولا زالت ثقافة كراهية وتحامل على السامية، وبات واضحاً أنّ هناك حملة متكاملة الأبعاد ومخططاً لها سلفاً ضد الإسلام والمسلمين وبشكل استفزازي ؛ ففي السويد أطلق قسّ سويدي يدعى ( رونارد سوغارد ) تصريحاً مفاده أنّ محمداً الرسول العربي معقّد ومزواج ومحبّ للفتيات القاصرات، وتبين أنّه تلقى الضوء الأخضر من الكنيسة الإنجيلية من كاليفورنيا – كنيسة المحافظين الجدد - وتزامناً مع هذا التصريح طالبت إذاعة دانماركية محلية بطرد المسلمين كل المسلمين من الدانمارك، وتلاقياً مع ذلك خرج علينا رئيس الحزب المسيحي النرويجي بتصريح يتهم فيه محمداً الرسول العربي بتخريج إرهابيين ودفع الأطفال إلى الحروب، وأصبحت الكلمة والصورة ضدّ الهوية الإسلامية، وحتى المؤتمرات التي انعقدت في دول شمال أوروبا لم تخلُ من نَفَس كراهية المسلمين ؛ ففي مؤتمر حظر الإبادة الذي انعقد في السويد زُجّ باسم المسلمين الساعين حسب أحد المحاضرين إلى إبادة البشريّة برمتها من خلال إقامة دولة إسلامية عالمية على أساس الخلافة الإسلامية ؛ وحسب قول هذا المحاضر فإنّ المسلمين ومن خلال الإسلام الراديكالي يهدفون إلى إبادة كل الأجناس وكل الديانات، وفكرهم قائم على تدمير الآخرين وإزالتهم من الخارطة الكونية كما قال .
وقد انضمّ إلى هذا المحاضر اليهودي ( هنري آشر ) المقيم في السويد والمتخصص في طبّ الأطفال ؛ حيث أشار إلى أنّ المسلمين في السويد يعادون السامية بشكل كامل، وكثيراً كما قال آشر ما نصادف كراهية مطلقة لليهود وسط الأحياء الآهلة بالمهاجرين المسلمين في مختلف المحافظات السويدية .
وعلى الرغم من غياب رسمي كامل للدولة العبرية التي مثّلها سفيرها في العاصمة السويدية ستوكهولم ( زفي مازل ) إلاّ أنّ صوتها كان مسموعاً بقوّة في مؤتمر الإبادة ؛ حيث أرادت ومن خلال أدواتها أن تعيد الكرة إلى ملعب المسلمين وخصوصاً بعد الصفعة السياسية التي تلقاها السفير الإسرائيلي ( زفي مازل ) في ستوكهولم عقب تخريبه لعمل فني يمسّ الكيان الصهيوني في الصميم في المتحف الوطني السويدي .
والملاحظ أنّ الصوت العربي والإسلامي كانا غائبين بل خافتين وخصوصاً بعد أن عمدت بعض الجهات المنظمة للمؤتمر إلى تغييب محنة الشعب الفلسطيني والعراقي والشيشاني والأفغاني إرضاءً لواشنطن و تل أبيب و موسكو .
وتكررت الإساءات للإسلام بشكل لم يسبق له مثيل ؛ حيث عرضت قناة تلفزيونية في شمال أوروبا برنامجاً عن الحيوانات، وكان المشرف على إطعام هذه الحيوانات ينادي أحد التماسيح باسم محمد، ويناديه : تعالَ يا محمد كُلْ بشراهة ! ولا يُعرف لماذا اختار راعي حديقة الحيوانات اسم محمد لتمساحه دون سائر الأسماء .
وقد أظهر استطلاع ودراسة أجرتها دائرة الاندماج أنّ السويديين أكثر انفتاحاً ولكن ليس إزاء الإسلام والمسلمين . وحسب الدراسة فإنّ السويديين يميلون إلى مواقف إيجابية أكثر نحو التعددية وتمازج الثقافات داخل مجتمعهم، ولكنهم في الوقت ذاته يبدون ريبة من الإسلام والمسلمين، هذا ما أظهرته دراسة حديثة أجرتها مصلحة الهجرة .
وحسب الدراسة فإنّ ثلثي السويديين الذين شملتهم الدراسة يعتقدون أن القيم الإسلامية لا تنسجم مع قيم المجتمع السويدي .
وبينما قال 60% من السويديين الذين شملتهم الدراسة أن الشكوك لا تراودهم من معاشرة مسلمين، قالت نسبة مماثلة إنهم لا يفكرون في الانتقال إلى منطقة ذات أغلبية إسلامية، وأبدى 50% معارضتهم لارتداء غطاء الرأس من جانب النساء المسلمات في المدارس وأماكن العمل . وقد طالب حزب الشعب السويدي folkpartiet الممثل في البرلمان السويدي أساتذة المدارس السويدية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية السويدية للتجسس على الطلبة والتلاميذ المسلمين الذين لديهم ميول إسلامية ونزعة إلى التطرف، وقد طالب حزب الشعب السويدي الداعم منذ نشأته للكيان الصهيوني والذي استضاف في المدة الأخيرة النائبة الهولندية المرتدة، وهي من أصل صومالي ( هرسي ) والمشهورة بسبّ رسول الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - في هولندا طالب الأساتذة السويديين بأن يكونوا عيوناً وجواسيس على تلاميذهم وطلبتهم المسلمين الذين يميلون إلى التطرف .
واقترح حزب الشعب كما تقول ممثلته ( لوتا إدهولم ) أيضاً أن يكون هناك تنسيق كامل بين المخابرات السويدية وأساتذة المدارس لتعقّب المتطرفين المسلمين، ومن الضرورة كما قالت ممثلة حزب الشعب أن يلعب الأساتذة هذا الدور . وعللت ( لوتا ) هذا الاقتراح بقولها : إنّ المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود العديد من المتطرفين المسلمين في المدارس السويدية ويجب أن يتم التصدّي لهم، أو بعبارة أخرى : استئصالهم بالتعاون مع المخابرات السويدية .
ويريد حزب الشعب السويدي أن تكون المدارس السويدية في كل المحافظات السويدية مؤسسات جاسوسية وعيناً على التلاميذ ؛ وهو خلاف المهمّة الحضارية للمدرسة .
أما نقيبة المعلمين السويديين ( ميتا فيكنر ) فقد استغربت هذا الاقتراح الذي يتجاهل المهمة الحضارية للمدرسة والذي يُخرِج الأساتذة عن مهامهم التعليمية النبيلة إلى التجسس على التلاميذ . وعلى الرغم من أنّ السويد لم تُبْتَلَ بالتطرف أو العنف إلاّ أنّ بعض الأحزاب السويدية تحرص على اتهام المسلمين كافة وتصويرهم على أنهم خطر على الأمن السياسي والاجتماعي كما صرح بذلك قادة حزب الشعب المتطرّف .
وفور بروز هذه التصريحات والبداية الفعلية للتواصل بين المعنيين بالشأن التربوي والمخابرات السويدية، أجرت جريدة ( داغينس نهيتر ) الشهيرة nyheter dagens استطلاعاً شارك فيه قرّاء الجريدة حول تكليف الأساتذة بالتجسس على الطلبة المسلمين، فأجاب 64 بالمائة ضدّ هذه الخطوة الأمنية، بينما وافق 35 بالمائة على هذه الخطوة، ولم يُبْدِ 1% رأيهم في الموضوع .
وتعليقاً على هذا الموضوع قال أحد التربويين السويديين ( إريك نلسون ) إنّ هذا الموضوع غير مقبول بتاتاً، وقال : صحيح أننا في السابق تعاونَّا مع الشرطة في قضية الشباب النازيين، لكن ذلك كان ضمن مشروع مدروس للديموقراطية .
وفي أقل من سنتين عقب الحادي عشر من سبتمبر ظهرت عشرات العناوين التي تتحدث عن الإسلام وكانت في مجملها سلبية ؛ فقد ظهر كتاب في السويد عن الإسلام وعن محمد - صلى الله عليه وسلم - تحديداً، ثمّ تلاه كتاب آخر في الدانمارك وهو الكتاب الذي أسس للمسابقة التي أقامتها جريدة ( يولاند بوستن ) لرسم النبي محمد - عليه الصلاة والسلام - .
ويقول أحد الرسامين الدانماركيين الذين شاركوا في رسم النبي محمد – عليه الصلاة والسلام - : إنّ فكرة رسم الرسول محمد تعود إلى الكاتب الدانمركي ( كوري بلويتن ) الذي كتب كتاباً عن رسول الله محمد، وقد احتاج إلى رسومات تقريبية لشخص النبي محمد، فاتصل بنقابة الصحفيين الدانماركيين معلناً عن حاجته إلى رسومات لكتابه الجديد عن النبي محمد، وإثر ذلك دخلت جريدة ( يولاند بوستن ) حلبة المسابقة، وكلفت أشهر الرسامين بتشخيص النبي محمد، وقد اختارت في نهاية المطاف اثني عشر رسماً، وكانت تلك الرسوم التي فجّرت الموقف في العالم الإسلامي .
وفي هذا السياق يقول أحد رسامي الرسوم الاثني عشر المتعلقة بالنبي محمد : إنّي تقزّزت في بداية الأمر من دعوة رئيس تحرير ( يولاند بوستن ) لرسم النبي العربي، واستشرت أصدقاء لي من الشرق الأوسط الذين نبهوني إلى خطورة الموقف، لكن في النهاية وافقت حتى لا أُتهم بالجبن والتردد من قِبَل زملائي . وفي الوقت الذي تبدي فيه بعض دول شمال العالم عناداً شديداً وترفض تقديم اعتذار رسمي للمسلمين بحجة أنّ حرية التعبير مقدسة في الغرب ؛ فإنّها في واقع الأمر بدأت تشعر بحجم الأضرار التي ألحقتها المقاطعة باقتصادها، وقد اتصلت المخابرات الدانماركية ببعض القيِّمين على العمل الإسلامي في الدانمارك لحملهم على مساعدة الدانمارك في تجاوز هذه المرحلة الصعبة، كما أنّ الاقتصاديين الدانماركيين الذين لديهم مصالح واسعة في العالم الإسلامي عابوا كثيراً على حكومة ( راسموسين ) تأخرها في الاعتذار للمسلمين على غرار ما فعلته الحكومة النرويجية . أما الحكومة السويدية ؛ فقد قررت أن لا تخلط أوراقها مع العالم الإسلامي، وتعهد رؤساء تحرير صحفها بعدم إعادة نشر الرسومات المسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى لا تجرح مشاعر المسلمين .

------------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-17-2015, 09:07 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة حوار مع الشيخ رائد حليحل

حوار مع الشيخ رائد حليحل
ـــــــــــــ

(خباب بن مروان الحمد)
ــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ



يعمُّ العالم الإسلامي حالة حقد وكراهية شبَّ أوارها، وازداد اشتعالها، إثر الحملة المسعورة الدانماركيَّة ؛ التي انتهكت حقوق أعظم إنسان على وجه الأرض، محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد انتفض المسلمون وهبُّوا هبَّة جماعية، استنكاراً لما فعلته الصحيفة الدانماركيَّة ( يلاندز بوسطن ) بالسخرية برسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - وزاد الطين بلَّة، حين لم تعتذر الحكومة الدانماركيَّة الصليبيَّة رسميّاً من فعلة تلك الصحيفة الشنعاء، قبالة السخرية برسولنا - عليه الصلاة والسلام - وأحسب أنَّ هؤلاء القوم الكفرة لم يكن يدر في خلَدِهم، أن يشتعل المسلمون غيرة وحماساً، كما شاهدوا من قِبَلِهِم، حتى أسقط في أيديهم .
فقد علم العالم الإسلامي حقيقة حقد ما يسميه بعضهم بالآخر على الإسلام ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت تلك المحنة والأزمة منحة إلهيَّة جعلت جلَّ الناس وبالأخص المسلمين، يلتفتون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحثاً عن سيرته، وقراءة عن شخصه ؛ فرب ضارَّة نافعة !
كما ظهر أنَّ في الأمَّة الإسلامية خيراً كثيراً، لم يزل أثره يتجدَّد حيناً بعد حين، ولعلَّ في هذه الإساءة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنبيهاً لبعض السادرين في لهوهم، أو الجالسين فوق التل يرقبون ما يحدث للإسلام ورسوله - عليه الصلاة والسلام - من إهانة وسخرية من قِبَلِ أعداء الله، لعلَّها تثير بقايا صدق طاهر في الولاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذب عنه ونصرته والغيرة عليه ...
وبما أنَّ هذه القضيَّة أضرمت نيرانها بدءاً من ذلك البلد الصليبي، بحجَّة حريَّة الرأي ! فقد اتَّجهتُ إلى أحد العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في الدانمارك، ونثرت أمامه شيئاً من التساؤلات التي يجيش بها قلب كلِّ مسلم يحبُّ الله ورسوله ليجيب عنها ؛ ذلكم هو الشيخ الداعية : رائد حليحل رئيس اللجنة الأوروبيَّة لمناصرة خير البريَّة - صلى الله عليه وسلم - ؛ وقد أثرانا جزاه الله خيراً بإجابته عن الأسئلة التي طرحتها عليه، فبيَّن الحقَّ والحقيقة، وأوضح ملابسات الحدث، وما وراء السديم .
نسأل الله - عزَّ وجل - أن يجزل له الأجر والمثوبة، وأن يحفظنا وإيَّاه وجميع المسلمين من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحسبنا الله ونعم ال**** .

وإلى نصّ الحوار :

البيان : فضيلةَ الشيخ رائد ! نرحب بك في مستهَلًّ هذا اللقاء، ونرجو من فضيلتكم أن تعطينا لمحة موجزة عن المسلمين في الدانمارك أصولهم عددهم وظائفهم سبب وجودهم موقف الدانمارك من المسلمين وأوضاعهم فيها ؟

- الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين . أما بعد :
فإني أتقدم لمجلتكم الموقرة بشكري على إتاحة هذه الفرصة من أجل إطلاع قرائكم الكرام على تفاصيل قضية مهمة وحساسة لطالما سعيت أن يشاركنا العالم الإسلامي كله في معالجتها ؛ وذلك لأهميتها البالغة ؛ إحقاقاً للحق ونصرة لسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ؛ فبارك الله فيكم وجزاكم خيراً على ما تبذلونه من تنوير ودعوة مباركة عبر منبر - البيان - .

وَفَدَ المسلمون إلى مملكة الدانمارك من فترات ليست بعيدة، وكانت وفادتهم لأسباب شتى وأغراض متباينة، ويتميَّز المجتمع الدانمركي بعمومه بعدم التواصل مع الآخرين والانكفاء على الذات، وهناك مشاعر مخزونة في تفكيرهم تجعلهم يتوجسون دائماً من الآخر وينظرون له وكأنه يريد أن يسلبهم ما في أيديهم ؛ علماً أن تجربة التواصل مع شعوب من ديانات وأعراف مختلفة تعتبر بالنسبة للدانمركيين حديثة وليست كغيرها من بعض البلاد الأوروبية التي لها سابق احتكاك مع الشعوب، مما جعل إمكانية التعايش وقبول الآخر تتعثر في كل محطة من محطات حياتهم .

ومن أقدم الجاليات المسلمة وفوداً للدانمرك هم الأتراك الذين قدموا للعمل، ثم المغاربة و الباكستانيون، وأغلب هؤلاء قدم طمعاً ورغبة في تحسين مستوى عيشه، ثم بدأت حملة لجوء واسعة ابتدأت من ثمانينيات القرن الميلادي الماضي إثر حروب ونكبات، والأبرز من هؤلاء هم من لبنان، وأغلبهم من اللاجئين الفلسطينيين . ثم أناس من العراق وكذلك البوسنة و الصومال .

وهناك قاسم مشترك بين الوافدين وهو أنهم ليسوا من أصحاب الأموال ليشكلوا قوة اقتصاديةً ضاغطةً، ومن جهة أخرى فإن من أتى فارّاً من ويلات الحروب، لا بد أن تكون بصمات تلك الحروب ظاهرة عليه ؛ فعندما يصل إلى بلد مرفَّه نوعاً ما، يخلد للعيش المطمئن، وهو الشيء الذي حال دون بزوغ نوعيات متميِّزة في مجالات العلوم اللهم إلا بعض الظواهر الشابة التي استفادت مما يتاح هنا من إمكانية البروز العلمي ونحوه، وهذا يبشر بخير في مستقبل الأيام - إن شاء الله - فلا بد من تقرير مسألة وهي : أن الذي حالَ دون ظهور شخصيات - كما في بعض البلاد - على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي، مرده إلى أن الجالية تعد ناشئة في هذه الديار، وإذا ما نظرنا إلى خلفية أبناء البلد الأصليين الثقافية والاجتماعية فإنها قد تجلِّي سبب هذا التأخر في بروز دور واضح ؛ هذا إذا ما أضفنا عليه اختلاف أجناس وأعراق وخلفيات أبناء هذه الجالية مما حال دون غاية موحدة مشتركة يسعى الجميع لتحقيقها، ولكن لعل تتالي المحن وهذه آخرها تسهم في ضرورة توحد ظهرت بوادره باجتماع المسلمين صوماليين و عرباً و أتراكاً و باكستانيين، راجين أن يكون لهذا اللقاء استمرار نافع .
علماً أن عدم الاعتراف الرسمي بالإسلام، ومع تراكم الأحداث العالمية والحملة الشعواء على المسلمين في العالم، إلى جانب النظر إلى الخلفية ( ثقافية أو اجتماعية ) لدى المجتمع الدانمركي فإن هذا كله أسهم في حالة توجس من المسلمين، وقد انعكس ذلك على الواقع لا سيما عندما يصل للحكم بعض الأحزاب اليمينية كما هو الحال اليوم من وصول الحزب الليبرالي إلى الحكم .

البيان : تناقلت وكالات الأنباء خبر الاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الصحف الدانماركيَّة بالرسوم الهزليَّة ؛ فكيف بدأت هذه القضيَّة ؟
وماذا تنقم الصحف الدانماركيَّة من رسول الله ؟ وهل الدافع ديني أم سياسي ؟
وهل نظرة الغرب عموماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتلك الطريقة ؟

- لقد أساءنا جداً ما تجرأت على نشره - عن سابق إصرار وترصد – تلك الجريدة الآثمة صاحبة التوجه المعادي للمسلمين ؛ فقد نشرت ما لا يقبله عقل من جرأة على مقام النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك على خلفية امتناع الرسَّامين عن رسم صورة ساخرة بنبينا لتوضع على غلاف كتاب للأطفال نُشر في الأسواق ( 24/1/2006 ) مما عُدّ نسفاً لمبدأ حرية التعبير ( ! ) فقد قامت هذه الجريدة الغيورة على الديمقراطية وحامية حمى الرأي والتعبير ! بتحدي مشاعر المسلمين عبر نشر تلك الصور بقصد التهكم زاعمة أنَّه ينبغي أن يلاقَى ذلك من قِبَل المسلمين برحابة صدر .

وإن هذا الفعل الذي كان واضحاً في كونه استفزازاً ظاهراً حركه جانبان : الأول : نظرة راسخة في العقل الباطن من نظرة تكذيب وخوف وازدراء بالإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - . ودافع آخر : لعله سياسي، والمقصود منه التنبيه على الخطر المتنامي في الغرب بسبب وجود الإسلام، وكأن المقصود بنشر تلك الصور هو محاولة جس لنبض الساحة، وكيف سيكون تفاعلها مع هذه القضية، ومحاولة إيجاد جو انهزامي لدى المسلمين يمكنه قبول أي شيء مهما كان، بحجة مراعاة حرية الرأي والتعبير . وهذا لا يتنافى مع وجود أصوات أنصفت عندما أقرت بعظمة الدين ولا سيما بإنصافها لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ إلا أن الجو العام والذي ساعده على الظهور هو التشويه الإعلامي واستغلال كل حدث لتوظيفه في هذا السياق من التوجس خيفةً من الإسلام إن لم نقل العداء له . والله المستعان .

البيان : ما سبب عدم اعتذار الصحف الدانماركيَّة للمسلمين من سخريتها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل تراه كافياً لو حدث تجاه تصرُّفهم الأرعن ؟

- حتى نعرف هل يمكن لهؤلاء أن يعتذروا ؛ فإنه لا بد من تسليط الضوء على أمر مهم ألا وهو أن مما يميز الشعب الدانمركي أنه معتز بنفسه كثيراً لا يقبل النقد لما يقوله، ويصعب عليه الاعتذار، وينظر لغيره لا سيما إذا كان مخالفاً له في ثقافته نظرة ازدراء، وكأنهم يقولون : مَنْ هؤلاء حتى يعلِّمونا ما يجب علينا ؟

ولكأني بهم يريدون ( أنا خير منه ) . هذا من ناحية، ثم ناحية ثانية : إذا علمنا لماذا فعل هؤلاء هذه الفعلة ( ما دوافعهم وما النتائج التي يصبون إليها ) فإني أستبعد جداً أن يعتذروا ؛ لأنهم جعلوا القضية قضية قيم ومبادئ وطنيَّة ناضلوا من أجلها، ومن ثَم ليسوا على استعداد لاعتذار يعدُّونه هزيمة وتراجعاً ؛ فالمسألة عندهم معركة وجود والعياذ بالله ؛ علماً أن مطلب الاعتذار يعد مناسباً لحجم وفداحة تلك الجريمة، ولكن لخطورة الفعل من جهة ولعلمنا بطبع هؤلاء وثقافتهم اكتفينا بهذا الطلب على أن يصحبه شيء من إصلاح تلك الصورة السيئة التي وصلت للقارئ الدانمركي بأن يسمحوا لنا بإخراج بعض الصور المشرقة التي تسلِّط الضوء على جوانب مشرقة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون منهم ضمانة بعدم تكرار مثل
هذا الفعل، ولكن للأسف الاعتذار عن ذلك يعد عندهم بمثابة الردة عندنا . فالله المستعان .

البيان : ما دور الحكَّام العلماء رجال الأعمال الشعوب الهيئات، تجاه تلك الحملة الشرسة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل ترى أنَّ موقف المسلمين كان مناسباً ؟

- إن حق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كبير جداً، ولئن كان يجب على المسلم الذب عن أخيه المسلم ونصرته، ولا يجوز له أن يسلمه ولا أن يخذله ؛ فما بالكم بحق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ؟ وإننا نهيب بعالمنا الإسلامي كله أن يتحرك حركة تناسب الحدث من جهة شناعة الفعلة ومن جهة حرمة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وضرورة نصرته، ولقد طالبنا من أول أيام تلك المحنة أن يناضل كل بحسبه ؛ فما يُطلب من الحكام يعجز عنه العامة، وما يطلب من العلماء ويتوقع منهم لا يجيده دهماء الناس، وما ننتظر من أهل الدثور لا يحسنه من قُدِرَ عليه رزقه ؛ وهكذا أقول للجميع : كل منكم أدرى بنفسه وقدرته فلا يتوانَ أحد عن هذه النصرة الواجبة : { بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } ( القيامة : 14 ) والله - عز وجل - لا يكلف نفساً إلا وسعها، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، واعلموا أنكم إن ساهمتم فأنتم في معركة معلومة العواقب فاتقوا الله في رسوله علكم تنالون بذلك شفاعته يوم القيامة .
وإنني أقولها بصراحة على قدر ما كنت حزيناً أول أيام الأزمة ؛ لأننا سعينا جاهدين أن نوصل القضية للعالم ليتحرك، وقد تناولت بعض القنوات الفضائية ذلك في مطلع شهر رمضان ومع ذلك لم نسمع ما يثلج صدورنا حتى إني كنت أقول لنفسي : أيعقل هذا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تخذله، وقد لمتُ وعاتبتُ البعض، ولكنَّ ما رأيته في هذه الأيام أعاد لي الأمل في هذه الأمة وأنها ما زالت بخير والحمد لله، ولكني أهيب بالجميع أن لا يكون ذلك ردة فعل عاطفية مع أن العواطف مطلوبة، لكن نأمل أن نضع خطة متكاملة فيها الذب عن النبي قولاً وفعلاً فنواجه من يعتدي عليه، وعلينا أن نجتهد في تعريف العالم بشخصية النبي الكريم على شتى الصعد، ولعلنا بذلك إن اجتهدنا أن نكفِّر عن تقصيرنا، ونساهم في رفع العقاب عنا لو سكتنا عن منكر عظيم كهذا .

البيان : ما رأيك بالمقاطعة الإسلاميَّة لمنتجات الدانمارك : هل ستؤثر سلبياً على المنتجات الدانماركيَّة ؟ لأنَّ بعضهم يقول إنَّ المقاطعة فكرة غير ذات جدوى اقتصادياً ؛ لأنَّ هذه المنتجات الدانماركيَّة تندرج تحت قائمة الامتياز التجاري، فالمتضرر من المقاطعة هم الوكلاء التجاريون، الذين يحملون امتياز بيعها في البلاد، فما رأيكم بهذا القول ؟

- موضوع المقاطعة من باب : ( آخرُ الدواء الكيّ )، واسمحوا لي أن أقول إن المقاطعة ستؤثر دون شك اقتصادياً على الدانمرك، لكن خسارة الدانمرك القيمية والمعنوية أكبر بكثير من خسارتها المادية ؛ لأن خسارة المال قد تعوض مثلاً من الاتحاد الأوروبي أو غير ذلك، لكن الذي خسرته الدانمرك اليوم هو سمعتها التي ينبغي أن تكون جميلة على مستوى العالم وهي التي لديها مقدرات تعينها على أن تتبوأ منزلة قويَّة في عالمنا اليوم .
ونحن حذرنا الدانمرك أن عواقب العناد على هذه الإساءة قد تكون أكبر من كل التوقعات، وما حصل اليوم خير دليل على صدق نصحنا للمجتمع الدانماركي وحتى لا يتضرر بسبب فعلة الجريدة تغاضي الحكومة .

لذا فإن ضرر هذه الحملة لن يقتصر على وكلاء الشركات، بل على الشركات نفسها ؛ ولو لم يكن لها فعل في ذلك، لكنا نعلم أنه ما من أسلوب يراد منه الضغط لانتزاع حق إلا وسيكون معه مثل ذلك ولكنه مفيد عندما يتأثر المتضرر مادياً فيضغط مع المسلمين المتضررين معنوياً لانتزاع الحق بالقهر بعد أن سلب ولم يرجع بالنقاش والحوار .

البيان : ما العوامل الدافعة للنيْل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
وهل ذلك يمثِّل مخطَّطاً صليبياً للكيد للإسلام ؟

- أرى والله أعلم أنه في المخزون الفكري لدى غالبية الأوروبيين نوع من توارث عداء تقليدي للإسلام وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ولو اتصفوا بالعلمانية ؛ لذا لا أستطيع أن أنفي وجود دوافع دينية غير ظاهرة، إلا أن الدافع السياسي ظهر ؛ وذلك من تصريحات عدة تدل على أن الغاية منها هو تحدي المسلمين لاستفزازهم تمشياً مع نغمة الجرأة على الإسلام على وقع أنغام ( الحرب على الإرهاب )، واختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذات للطعن به، وذاك مقدمة للطعن بدينه كله، ولعلمهم بمكانته وقدسيته ؛ فهو أفضل اختيار لاستفزاز المسلمين عبره .
البيان : هل ترى أنَّ هذه السخرية لجسِّ نبض المسلمين، تجاه دفاعهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

- إن التأمل في الواقع ليس داخل الدانمرك فحسب بل على صعيد أوروبا قاطبة، إن لم نقل العالم ؛ يدفع إلى الخشية من أن تكون هذه الفعلة عبارة عن ( بالون اختبار ) لجس نبض الساحة داخلياً وخارجياً، ومن ثَم سيكون مستوى الرد مؤشراً على حجم وقوة وتفاعل المسلمين ومدى بقاء الإسلام حياً في نفوسهم . ثم يتبع ذلك تعميم لهذه التجربة ونتائجها . وهذا ما نخشاه أن يُجعَلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - محل تجربة ( والعياذ بالله ) ويعقب ذلك خطوت متبنَّاة في الغرب حسب إيحاءات مستوى ردة الفعل الإسلامي .

البيان : ألا يتعارض ذلك مع حرية التعبير ؟ وهل تجرؤ الصحف الدانماركيَّة بفتح المجال لنقد الصهاينة وبخاصَّة مسألة ( الهولوكوست ) التي استُغلَّت أيما استغلال مما يفضح ديموقراطيَّتهم المزعومة ؟

- المشكلة أن التخفي وراء شعار حرية التعبير، يعتبر حيدة عن الحقيقة، وذلك أننا نجد المعايير مزدوجة، وإننا لنعجب لما تكون الحرية في أوسع مجالاتها عندما يتعلق الأمر بالإساءة للإسلام، أما في غيره فإنَّا نجد لها حدوداُ، فإن الكلام عن السامية عموماً فضلاً عن التشكيك في المحرقة أصلاً أو وصفها حجماً وكمّاً، ومجرد الحديث عن ذلك لا يُسمح به تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير ؛ فهذه الأمور ريب وشكوك ؛ علماً أن الحرية بمعناها المعروف أنها التي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين .

وقد يكون حسناً هنا التنبيه في وقت يراد أن يصوَّر فيه المسلمون على أنهم الأعداء العظام للحرية، فنقول إن الحرية أمر قد نادى به ديننا حتى في أدق الأمور، بل أجلِّها وهو التوحيد : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ( البقرة : 256 ) فالخلاصة أن الحرية تكفل لك أن تدين بما تشاء لا أن تتهكم بمن تشاء .
ومن العجب أن يطالب المسلمون دائماً باحترام الآخرين وقيمهم ومقدساتهم مهما كانت باطلة ونجد في الوقت نفسه محل هجمة شرسة علينا، فنطالب إذاً بعمل متناقض أن لا ننتقدهم، وأن نقبل في اللحظة ذاتها إساءتهم فتأمل !

البيان : ما دور عقلاء النصارى أمام هذه الهجمة ؟ ولماذا هذا السكوت الكنسي عن سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

- إن ديننا علمنا الإنصاف { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ( المائدة : 8 ) وقد سمعنا بعض الأصوات المستنكرة هنا لهذا الفعل، لكنها كانت خافتة، وهذا طبيعي فلن تكون بحجم ردة فعل المسلم، وما كان منها وإن كان قليلاً هادئاً ليس فيه الحماسة الكافية إلا أنه لم يبرز بالشكل الكافي حتى لا يعكر على الجو العام السائد الذي يريد تفعيل هذه الأزمة - للأسف - .
البيان : ألا ترى أنَّ ذلك يسبِّب مشكلة وخطورة على الدانمارك، بمعنى أنه سيفتح عليها جبهات قد تؤذيها ممَّا يؤجِّج ويزيد حال العداوة من المسلمين تجاه الغرب ؟
- لقد حذرنا مراراً الدانمارك من مغبة تلك الفعلة النكراء، ولكن للأسف بدل أن يحمل كلامنا محمل المشفق الناصح الأمين، حُوِّر الكلام حتى صُوِّر وكأنه تهديد، وقلنا مراراً إن هذا سيزيد الإحساس بالغبن مما يضاعف من مشاعر الكراهية من المسلمين للغرب والعكس أيضاً، ولكن العناد لم يكن يوماً طريقاً صحيحاً للحوار والتفاهم، ويكرس الهوة الكبيرة بين الثقافتين إن لم يكن مقدمة عملية لتأجيج حرب حضارات .

البيان : ما رأيك ببعض المواقع على الإنترنت وتدَّعي الانتساب للإسلام، تضع استفتاء عن سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهل هو مقبول بدعوى حرية الرأي أم لا ؟

- إن قضية تعظيم الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - عموماً لا سيما مقابل أي إساءة أو إرادة انتقاص فإنه ينبغي أن لا تحمل في ثناياها أي ضعف، بل ينبغي أن تكون كل المؤشرات في سياق واحد وهو التعظيم، وإني أرى أنه من الخطأ أصلاً التقليل من شأنها لتُجعل محل نقاش، بل ينبغي أن يكون مستقراً أنها لا دخل لها إطلاقاً بمبدأ حرية الرأي، بل كان ينبغي أن يكون التساؤل حاملاً في طياته النكير الكبير وليس هذا الأسلوب الذي يوهم أنه من الممكن أن تكون هذه القضية قابلة للنقاش .

البيان : كلمتكم تجاه رجال الأعمال الكبار الذين قاطعوا المنتجات الدانماركيَّة ؟

- من الأمور القطعية التي لا مرية فيها أن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم من حب الولد والوالد والمال بل والنفس ؛ وعليه فإنَّنا نفديه بآبائنا وأمهاتنا وكل شيء يرخص فدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كل من ضحى بشيء إكراماً لرسول الله فإني أقول له : عوَّضك الله خيراً، بل قد عوَّضك ؛ لأن مجرد حبك للنبي هو أخير وأفضل من الدنيا وما فيها . وأقول للجميع إن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً في الدنيا والآخرة، وإنه لجميل جداً أن نرى أن الكل يعبر عن حبه لرسول الله ؛ كل بحسبه، وكل بطريقته، وإنه ما دامت النوايا خالصة فإنه لا يضيع شيء عند الله، ويكفي من يفدي رسول الله أن يطمح إلى نيل شفاعته يوم القيامة وصحبته في جنات النعيم - اللهم آمين .

البيان : سمعنا أنَّ الدانماركيين بيَّتوا نيَّة إحراق المصاحف في أكبر ساحة في كوبنهاجن نرجو منك التوضيح لملابسات هذا الحدث ؟

- الحمد والمنة لله وحده أنه لم يحصل شيء من ذلك أبداً، والقضية قد بدأت بالظهور بعد إحراق العلم الدانمركي - أول مرة في فلسطين - والعَلَم عندهم له قدسية مما مكَّننا أن نحتجَّ عليهم ألا ينكروا علينا انزعاجنا من إهانة مقدساتنا كما حصل لهم عند إحراق علمهم .
المهم أنه بُعَيْد ذلك انتشرت رسالة قصيرة عبر الجوال وكان انتشارها سريعاًجداً - كعادة الفتن - ولم يعرف مصدرها الأصلي وطبعاً لم تتجرأ أي جهة على تبنيها وكان فيها دعوة الشباب الدانمركي للتجمع في الساحة العامة يوم السبت في 4/2/2006 وذلك لإحراق المصحف الشريف - عياذاً بالله - ولكن وبعد إبلاغنا الجهات الأمنية وتحذيرنا لهم من كون هذا العمل سيحدث ردة فعل أعظم مما أحدثته الرسومات، فإنهم وعدوا بملاحقة الأمر ومنع حدوثه، ونحن بدورنا نصحنا بعدم تناقل تلك الرسالة حتى لا تشيع بل تخبت، ونعمل على وأدها، وفي هذا اليوم الموعود احتشد عدد كبير من المسلمين لا سيما الشباب مع وجود مكثف للشرطة، بل مع وجود بعض الدانمركيين المتعاطفين أو الخائفين من عواقب هذا الفعل، وقد حصلت هناك مواجهات ولغط أعقبه توقيف البعض، وتحولت الحشود من ساحة لأخرى ولكن باءت كل المحاولات بإحراق المصحف بالفشل الذريع ؛ فالحمد لله على ذلك ؛ علماً أن شعار المسلمين يومها كان ( لا يمكن أن يحرق المصحف وفينا عرق ينبض ) وطبعاً كلنا يعلم أن الحكومة ليس من مصلحتها الإذن بمثل هذا الأمر حتى لا تدخل نفسها في أزمة أكبر .

البيان : هل صحيح أن الجريدة التي رسمت صور مسيئة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفضت قبل سنتين أن ترسم صوراً للمسيح عيسى بن مريم، وإذا كان ذلك صحيحاً أفلا ترى أنَّ في ذلك تناقضاً صارخاً في دعاوى الحريَّة ؟

- نعم ! لقد صرح غير واحد من المطلعين بل المتخصصين أن الجريدة في عام 2003 عُرضت عليها رسومات للمسيح - عليه السلام - تحكي قيامته - عندهم - إلا أنهم بادروا برفضها، وعللوا ذلك أنهم سيغضبون القراء، ولن يروق لهم مشاهدة تلك الرسومات وقد تثير احتجاجات هم بغنى عنها، وقد أوردت هذا الخبر جريدة محلية دانمركية إلى جانب المواقع العالمية .

وقد شاع خبر أن الصحيفة ستنشر هذه الصور ورسومات عن اليهود يوم الأحد القادم، ولعل ذلك مرده إلى مقابلة أجرتها ( CNN ) مع المحرر الثقافي الذي نشر الرسومات المسيئة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - . وقد رفع أثناء المقابلة رسم قنبلة عليها نجمة الصهاينة ؛ إلا أنه بُعَيْد المقابلة وعلى موقع جريدتهم ظهر اعتذار واضح وصريح على لسان هذا الشخص امتثالاً لأمر رئيس التحرير يقول :
لا يمكن أن ننشر شيئاً عن المسيح أو الهولوكوست . والأعجب من ذلك كله وهو آخر خبر أن المخطئ - رغم اعتذاره - قد أُعطِيَ في إجازة مفتوحة . فتأمل مدى حرية الرأي والتعبير، وكيف أنها تطبق في مجال وتمنع في آخر، ألا ينبغي بعد ذلك كله أخذ إجراءات صارمة لمنع مثل هذه الترهات تحت هذه الشعارات الزائفة ؟

البيان : هل الشعب الدانماركي يجهل حقيقة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وبماذا توصي المسلمين لتبيين حقيقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للشعب الدانماركي ؟

- إنما جرى ويجري وما واكب ذلك من مواقف يدل بوضوح على جهل القوم بشخصية نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل الخلفية الفكرية والثقافية التي أقصت الدين عن كل مناحي الحياة وأضعفت في النفوس معاني الاحترام والقداسة، كل ذلك لعب دوراً كبيراً في الجرأة على نشر تلك الرسومات يدل عليه موافقة أكثرية ( حسب إحصائهم ) وعدم مبالاة الباقين ؛ لأن القضية لا تعنيهم، وكأن شيئاً لم يكن ؛ لذا فإنه ولا سيما بعد تكرار نشر تلك الرسومات في أغلب البلاد الأوروبية فإنه لا بد من السعي على جهتين : الأولى : جهة دعوية تُعنَى بتوصيل رسالة الإسلام وسماحته لهؤلاء عبر كل الوسائل المتاحة، بل ابتكار كل ما من شأنه أن يوصل هذا الصوت المبارك . وهنا أنصح بالتنسيق الكامل بين العلماء الربانيين وبين المثقفين المأمونين الذين يعون الغرب تماماً وكيف يمكن مخاطبته .

الثانية : الجهة القانونية ؛ وذلك بالعمل لاستصدار قانون دانمراكي، بل أوروبي إن لم أقل عالمياً، يحرم نشر مثل تلك الأمور بل يعاقب ويجرم مرتكبيها ؛ لأنه إن غابت القداسة لم يعد ثَّمَ وازع يردع، ولم يبق إلا الجانب القانوني ؛ لأنه يُحترَم في الغرب ويردع كثيراً لخوفهم من عواقب المخالفة ؛ فإن تحقق فهو خير عظيم ؛ لأنه ي*** مصلحة ويدفع مفسدة .

البيان : السؤال الأخير : سمعنا أنَّ رئيس تحرير إحدى الجرائد المتورِّطة قدَّم اعتذاراً شفهيّاً للجالية المسلمة بالدانمارك، وأنَّ الدانمارك نفسها قدَّمت اعتذاراً للمسلمين، برأيكم هل هذا صحيح، وهل آتى هذا الاعتذار أُكُله، وخصوصاً أنَّ الاستهزاء عاد مرَّة أخرى في يوم 22 و23 من الشهر الجاري ؟

- أخي الكريم أحب أن أشهد شهادة للتاريخ أُسأل عنها أمام الله أنه حتى هذه اللحظة 11/1/1427هـ لم يصدر أي اعتذار من جانب الدانماركيين على الصعيدين الرسمي أو الإعلامي من قِبَل الجريدة، عما نشر من إساءة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

أما من جهة الجريدة فإنها إبَّان ظهور الضجة العارمة، ولا سيما المقاطعة التي نودي بها في بلاد الحرمين، فإنَّ الجريدة وجَّهت خطاباً - باللغة العربية - على صفحتها في الإنترنت عنونته بـ ( إلى مواطني المملكة العربية السعودية المحترمين ) وقد تضمن هذا المقال أغاليط كثيرة، كنت قد رددت عليها بمقال هو على صفحتنا net .islamudeni.www عنونته ( ردود موثقة على مزاعم ملفقة ) وغاية ما في خطابهم الأسف لمشاعر الحزن التي لحقت بالمسلمين جراء نشر تلك الرسومات، وليس فيه أي اعتذار عنها أو عن نشرها .

وكان ذلك محاولة ماكرة من الجريدة بعد ضغوط كثيرة عليها من داخل الدانمارك ( سياسياً واقتصادياً ) بتحميلها مسؤولية ما يجري على الدانمارك، فأرادت بذلك تخفيف الحملة ظناً منها أنها بذلك ستنهي المشكلة . ولا ينقضي عجبنا هنا من هذا الإصرار على معاملة المسلمين وكأنهم غير عقلاء لا يفهمون ما بين السطور .

ولما لم تجد أن رسالتها هذه قد أفادت، ومع تزايد الضغوطات المترامية الأطراف عمدت الجريدة إلى حيلة عجيبة سبقت خروج رئيس تحريرها على التلفاز الدانماركي بلحظات وهو يتبجح قائلاً : إنَّ الرسومات لا تخالف القانون وأنه لن يعتذر عن نشرها، ولكن بعد لحظات تفاجأ المراقبون بمقالهم باللغتين العربية والدانماركية وعلى موقعهم بعنوان صريح وواضح ( صحيفة اليولاند بوستن تعتذر عن الإساءة للمسلمين ) وقدم لمقال أرسله رئيس التحرير لوكالة الأنباء الأردنية بجملة ليست فيه أصلاً ( تعتذر صحيفة اليولاند بوستن، وبما لا يدع مجالاً للشك على أنها أهانت العديد من المسلمين من خلال رسومات للنبي محمد ) .
ولكن الريبة من هذا الكلام كان سيد الموقف ؛ لأنه في ثنايا المقال ليس هناك اعتذار واضح، بل تلاعب مُرِّر معه التدليل على قانونية نشر تلك الرسومات، ولكن انجلت الأمور بعد أربعين دقيقة تماماً عندما سحبوا هذا المقال ووضعوا الكلام الأصلي بعنوان مغاير تماماً ( حضرات المواطنين العرب ) وليس فيه تلك الجمل المصرحة بالاعتذار، وقد حصل ذلك كله يوم الإثنين ليلاً في 30/1/2006 وكأنها مخادعة إعلامية من أجل تمرير الخبر ليهدأ العالم الإسلامي وللأسف تلقفت بعض القنوات هذا الاعتذار المزعوم، وقامت بدور مشبوه في إقناع المشاهد أن الاعتذار قد حصل، وأن الله قد كفى المؤمنين القتال .
ولما لم يُجْدِ ذلك نفعاً غيَّروا عنوان المقال فقط ( حضرات المواطنين المسلمين ) وهكذا أصبح مقال رئيس التحرير وكأنه نص من كتابهم المقدس له عدة شروحات وتفسيرات ! كيف وقد طالعنا رئيس التحرير مراراً عبر التلفاز وعلى صفحات جريدته بما يتعارض مع مزاعم الاعتذار كان من آخرها مقال يوم 9/11/ 1427هـ حاول فيه إقناع الرأي العام عن مدى إيجابيته ومدى استعداده لحوار المسلمين كي تنتهي الأزمة وقد ضمن رسالته هذه ثلاثة شروط :

الأول : قد يعتذر ولكن عن الإساءة الناتجة عن نشر الرسومات، وليس عن الرسومات نفسها ولا عن نشرها .

الثاني : مطالبته المسلمين بتوقيع على إقرار ( الديمقراطية الدانمركية ) والتي أخبرنا مراراً أنها تبيح له فعلته هذه، وأن عمله على ضوئها قانوني تماماً وكأنه يريد منا ما قاله الله : { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً } ( النساء : 27 )

الثالث وهو الأدهى - وقد سحب بعد سويعة من هذا المقال - : أنه لا يستطيع أن يعد المسلمين بعدم تكرار إهانتهم مرة أخرى ! ! فتأمل بارك الله فيك ! أيعقل بعد ذلك كله أن يقال إنهم قد اعتذروا ؟! أما من الجهة الرسمية فهناك إصرار على أنهم لا يمكنهم الاعتذار عن عمل الصحيفة ولا حتى التنديد بعملها . والذي التبس على الناس ما قاله رئيس الوزراء أنه يرحب باعتذار الجريدة ( الذي بينَّا حاله سابقاً ) بينما في صبيحة تلك الليلة المخادعة عنونت الصحف نقلاً عن رئيس الوزراء : ( لن نعتذر ) فهل يعقل قبول اعتذار خجول وغير واضح ولا ثابت ولو لساعات، بل حتى لم ينشر على صحيفتهم اليومية، بل نشروه على موقعهم لغاية غير مخفية ؟
------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-17-2015, 09:11 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة وقفات شرعية مع جريمة الإساءة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم

وقفات شرعية مع جريمة الإساءة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(محمد صالح المنجد)
ـــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ



ساء كلّ مسلم غيور على دينه ما قام به السفهاء المجرمون من الاستهزاء بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه .
وهذه الوقاحة ليست غريبة عنهم ؛ فهم أحق بها وأهلها ؛ فقد كفروا بالله - تعالى - وسبوه ونسبوا إليه الصاحبة والولد .
فماذا ينقم هؤلاء من سيد البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟!
هل ينقمون منه أنه دعا إلى توحيد الله - تعالى - وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية ؟
أم ينقمون منه أنه عَظَّمَ ربه - تبارك وتعالى - ونزَّهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسبون إليه النقص والصاحبة والولد ؟
أم ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وتَرْك سفسافها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كل باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضى أخلاقية وجنسية عارمة ؟
يريدون أن يغرقوا في مستنقع الشهوات والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا ! أم ينقمون منه أنه رسول الله ؛ والله - تعالى - هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه ؟
ودلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم - أكثر من أن تحصر : شق الله له القمر ليُري الكفار آية، ونبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - مرات، وتكلمت الشاة المسمومة فأخبرته أن بذراعها سُمّاً، وأعطاه خمساً لم يعطهن أحداً من الأنبياء قبله، منها نصره بالرعب مسيرة شهر، وبعثه للناس كافة :
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ( سبأ : 28 ) .
أم لم يسمعوا عن آيته الكبرى، هذا القرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي حفظه الله - تعالى - فلم تمتد إليه يد العابثين المحرفين، أما كتبهم المنزلة على أنبيائهم فتلاعبوا بها أيما تلاعب : { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ } ( البقرة : 79 ) .
بل من أعظم الأدلة على صدق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، بقاء دينه هذه القرون الطويلة ظاهراً منصوراً، وقد كان أمره - صلى الله عليه وسلم - في حياته دائماً إلى ظهور وعلو على أعدائه، وحكمة الله - تعالى - تأبى أن يُمَكِّن كاذباً عليه وعلى دينه من العلو في الأرض هذه المدة الطويلة، بل في كتبهم التي كتمها علماؤهم وحرفوها أن الكذاب ( مدعي النبوة ) لا يمكن أن يبقى إلا مدة يسيرة ثم ينكشف أمره ويضمحل .
كما ذُكِر عن أحد ملوكهم أنه أُتِي برجل من أهل دينه ( نصراني ) كان يسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرميه بالكذب، فجمع الملك علماء ملته، وسألهم : كم يبقى الكذاب ؟ فقالوا : كذا وكذا . ثلاثين سنة، أو نحوها، فقال الملك : وهذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة، أو ستمائة سنة ( يعني : في أيام هذا الملك )، وهو ظاهر مقبول متبوع ؛ فكيف يكون هذا كذاباً ؟ ثم ضرب عنق ذلك الرجل }1{ !!
ألم يعلموا أن كثيراًً من عقلائهم وملوكهم وعلمائهم لما وصلت إليهم دعوة الإسلام بيضاء نقية لم يملكوا إلا الإقرار بصحة هذا الدين، وعَظَّموا النبي – صلى الله عليه وسلم -، ومنهم من أعلن الدخول في الإسلام .
فقد أقر ملك الحبشة النجاشي بذلك، ودخل في الإسلام . ولما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاباً إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام أقرّ هرقل بصحة نبوته، وهمّ أن يُعلن إسلامه وتمنى أن يذهب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويكون خادماً عنده، إلا أنه خاف على نفسه من أهل ملته ثم ضنَّ بملكه وأخذته شهوة الرئاسة، فبقي على الكفر ومات عليه .
ولم يزل الكثير من مفكريهم وكتّابهم ومؤرخيهم المنصفين يعلنون الثناء على محمد - صلى الله عليه وسلم-.
1 - برنارد شو الإنكليزي، له مؤلف أسماه ( محمد ) يقول : « إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوّاً للنصرانية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للنصرانية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوُفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمِّن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها » .
2 - ويقول آن بيزيت : « من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علَّم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء » .
3 - شبرك النمساوي : « إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها ؛ إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته » .
4 - ويقول ( جوته ) المفكر الألماني : « إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد » }2{ .
وقد ميز الله - سبحانه وتعالى - نبينا محمداًً - صلى الله عليه وسلم – وكرَّمه بعدد من المعجزات الباهرات كما خصه بأشياء دون غيره من الأنبياء، ومعرفة هذه الخصائص تزيدنا في معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتجعلنا نحبه ويزداد إيماننا به فنزداد له تبجيلاً ونزداد له شوقاً .
والخصائص النبوية : ( هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي – صلى الله عليه وسلم - وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء وإمّا عن سائر البشر ) .
فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم
بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ
وخصائصه - عليه الصلاة والسلام - التي اختُص بها دون بقية الأنبياء -عليهم السلام - كثيرة، دنيوية وأخروية .
* فمن الخصائص الدنيوية :
اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بأن آيته العظمى في كتابه وبأن كتابه مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وفُضِّل بالمفصَّل وبخواتيم سورة البقرة وببقاء معجزته إلى يوم الدين .
جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَانصَرَمَت
وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ
ومنها : اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه خاتم النبيين وبإرساله إلى الثقلين ومنها : اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن السماء حُرست بمبعثه، وباختصاصه بالإسراء والمعراج، وأنه - عليه الصلاة والسلام - أَمَّهم جميعاً فكانوا وراءه، هو الإمام وهم المأمومون، واختصاصه بأخذ الميثاق له من جميع الأنبياء بالإيمان به ونصرته وأنه سيد ولد آدم، وبأنه أوتي مفاتيح خزائن الأرض .
* وأما خصائصه الأخروية فمنها :
اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بأنه أول من تُشَق عنه الأرض يوم القيامة وبإعطائه لواء الحمد، وبأن الله - تعالى - يبعثه يوم القيامة مقاماً محموداً وأنه أول من يدخل الجنة يوم القيامة، وبأنه أول شفيع في الجنة وأول من يقرع بابها، وبأنه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة ويدخل من أمته الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وبأنه أول من يجوز الصراط من الرسل بأمته وبإعطائه الكوثر : { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } ( النساء : 113 ) .
ربَّاكَ ربُّكَ .. جلَّ من ربَّاكا
ورعاكَ في كنفِ الهدى وحماكاَ
سبحانه أعطاك فيضَ فضائلٍ
لم يُعْطها في العالمين سواكاَ
ولما كان ذلك كذلك فإن من واجب العالم كله ولا محيص له عن ذلك أن يجعل عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الخلق جميعًا فوق كل عظمة، وفضله فوق كل فضل، وتقديره أكبر من كل تقدير، ويجب على العالم أجمع أن يؤمن برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه خاتم أنبياء الله الكرام .
ونحن نغتنم هذه الفرصة وندعو هؤلاء إلى الإسلام، فإن ما اقترفته أيديهم الآثمة لا يمحوه إلا الإسلام، فإن عاندوا وكابروا وأصروا على ما هم عليه فليبشروا بعذاب النار خالدين فيها أبداً . قال الله - تعالى - : { وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ( المائدة : 72 ) .
وقال - تعالى - : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ } ( آل عمران : 85 ) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ » رواه مسلم ( 153 ) .
* ولنا مع هذا الحدث وقفات :
- أولاً : مصالح وبشارات :
قال الله - تعالى - : {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } ( النساء : 19 ) . وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ » رواه مسلم ( 2999 ) .
وقديماً قيل :
قد يُنْعِمُ اللهُ بالبلوى وإنْ عَظُمَتْ
ويبتلي اللهُ بعضَ الخلقِ بالنعمِ
وقيل : وربما صحت الأبدان بالعلل .
فما وقع من الاستهزاء أثار حميّةَ المسلمين للهِ - تعالى - ولرسوله – صلى الله عليه وسلم -، وأيقظهم من سباتهم، وبصّرهم بأعدائهم ؛ فهي طعنة آلمتنا ولكنها أيقظتنا، وقد قال الله - تعالى - في حادثة الإفك التي هي صورة من صور أذيَّته - صلى الله عليه وسلم - : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ( النور : 11 ) .
فمثل هذه الهجمات صارت سبباً في حصول خير كثير للمسلمين، وحصول الخزي والصغار لأعدائهم، فمن ذلك :
- اختلاف الأعداء وانقسامهم :
إذ حصل خلاف بين الشركات الكبرى التي تأثرت من المقاطعة من جهة والجهات التي نشرت ما نشرت من جهة أخرى، كما انقسم الشعب الدانماركي على نفسه إزاء ما حصل : هل هو فعلاً من حرية الرأي ؟ أم أنه اعتداء وعدوان ؟
- علو الصوت الإسلامي :
فهذه الأزمة أعادت الاعتبار للمسلمين وجعلت لهم وزناً، وأصبح كل حاقد
على الإسلام يعيد حساباته قبل أن ينال من الإسلام وأهله . وتملَّق الكثير من المنافقين للمد الإسلامي، واشترك بعضهم في المقاطعة قائلاً : لقد تعدَّت القضية الخط الأحمر، بل حتى إن بعض القنوات الهابطة أصبحت تعلن أخبار الغضب الإسلامي وتظهر تأييده، وفرضت مجريات الأحداث على وسائل الإعلام العالمية أن تقوم بتغطيتها تغطية كاملة، وتكلَّم الساسة الكبار وزعماء الدول وأدلوا بتصريحات حول الموضوع .
- في الأمة خير كثير :
أثبتتْ هذه الحادثة الدنيئة، أنَّ أمّتنا أمّة عظيمة، وأنها إذا مرضت فإنها لا تموت، وفيها رجال يذودون بكل ما أوتوا دونَ نبيّهم الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وأن فيها خيراً كثيراً، ولكنها تعيش فترة من التخدير والخمول، وأنها إذا استيقظت فستتحرك كالبركان، وهذا ما رأيناه من التسابق في المساهمة والبذل، وما نسمعه من استنفار الأمة كلها، والتحرك في جميع المجالات ؛ حيث شارك في هذه الحملة المحامون والتجار والصناع والأكاديميون والطلاب والصغار والكبار والرجال والنساء .
- توحيد صفوف المسلمين، فرأينا ولله الحمد تكاتف المسلمين وتبنّيهم لنفس المواقف، وإن اختلفت البلدان، واللغات . ويمكننا القول : إن الأمة الإسلامية في العصر الحديث قلَّما قابلت حدثاً كان له مثل هذا التأثير .
عرضي فدا عرض ****** محمد
وفداه مهجةُ خافقي وجَنانيِ
وفداه كلُّ صغيرنا وكبيرنا
وفداه ما نظرت له العينانِ
- إحياء جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، فقد رأينا من ردة فعل المسلمين ما يدل على محبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى من عنده شيء من التفريط في بعض واجبات الدين، ثار دفاعاً عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - .
ولا عجب في ذلك ؛ فإن للرسول - صلى الله عليه وسلم - في قلوب المسلمين المكانة العظمى والمحبة الكبرى .
- ظهر في الأزمة أن أهل التوحيد الخالص هم أهل النصرة والمحبة الحقيقية، بخلاف بعض أهل البدع والخرافات الذين ضعفت أصواتهم إلا ما قلَّ في الذود عن عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوَّل الأمر، فدعوى محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته وحدها لا تكفي، بل لا بد من النصرة بالقول والعمل والمبادرة إلى ذلك .
- تبين من الأزمة حرص عدد من الغيورين على الدعوة إلى الإسلام، وبيان الصورة المشرقة الحقيقية لهذا الدين، من خلال ما رأينا من تسابق الكثيرين إلى طباعة الكتب بلغة أولئك وبذل المال في سبيل هذا، وهذا مظهر يُحمَد ويحتاج إلى ترشيد ووعي .
- مسايرة الإعلام وبعض كبار المسؤولين لمواقف الشعوب الإسلامية وحركتها المباركة .
- إرسال رسالة واضحة للغرب، أننا نحن المسلمين لا نرضى أبداً أن يُمَسَّ دينُنا أو يُنَال منه، أو يعتدى على رسولنا ؛ فكلّنا فداء له ؛ بأبي هو وأمي – صلى الله عليه وسلم - .
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي
لعِرضِ محمدٍ منكم فداءُ
- { إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ } :
قال ابن سعدي - رحمه الله - : ( وقد فعل تعالى فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة )، فهذه الجريمة النكراء مع أنها تمزق قلوبنا، وتملؤها غيظاً وغضباً، ونود أن نفدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنفسنا إلا أنها مع ذلك مما نستبشر به بهلاك هؤلاء، وقرب زوال دولتهم ؛ إذ الله - تعالى - يكفي نبيه - صلى الله عليه وسلم - المستهزئين المجرمين .
وقد كان المسلمون إذا حاصروا أهل حصن واستعصى عليهم، ثم سمعوهم يقعون في النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسبونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلا وقت يسير، ويأتي الله - تعالى - بالفتح من عنده ؛ انتقاماً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - . « الصارم المسلول » ( ص 116-117 ) .
وشواهد التاريخ كثيرة على هلاك وفضيحة المستهزئين بالنبي محمد – صلى الله عليه وسلم - .
- ظهور اتحاد الغرب على الإسلام :
فما أن استنجدت تلك الدولة باتحادهم حتى وقفوا جميعاً بجانبها، وتواصى بعض المجرمين على نشر هذه الصور في صحافتهم تعاوناً على الإثم والعدوان وتفتيتاً للمقاطعة وتأكيداً لحرية النشر بزعمهم، وكان بعض ساستهم يأسف لإهانة
مشاعر المسلمين ثم يتصل بكبير الدانمارك ليؤيده ويقول : { إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } ( البقرة : 14 )، حتى يُعلموا المسلمين أنهم جميعاً في خندق واحد، وأننا لا نستطيع مواجهتهم جميعاً .
- ظهور الحقد الصليبي الدفين :
حيث عبَّر بعض مسؤوليهم عن أنه لا بد من إيقاف المقاطعة ولو أدى ذلك إلى شن حرب صليبية جديدة، وهذا وإن لم يصرح به كثير منهم إلا أنها زلة تمثل رأي طائفة منهم : { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ( آل عمران : 118 ) .
- اتضاح غطرسة الغرب وعناده :
فهو يرفض الاعتذار حكومةً وشعباً وينظر للمسلمين نظرة استحقار، بل يصرح بعض مسؤوليهم أنهم لا يريدون الاعتذار ولا يرغبون فيه .
- اتضح في هذه الأزمة موقف المنافقين :
وهم الواقفون مواقف الرّيبة من هذه الجريمة، إمّا بالسّكوت تارة، أو بالتّبرير تارة، أو بالتّهوين تارة، أو بالاستهزاء من استنكار المسلمين لهذه الجريمة تارات وتارات .
- ازدياد أهمية التقليل من الحجم الهائل لمستوردات الدول الإسلامية من العالم الغربي :
والسعي للتعويض عن ذلك بمنتجات دول إسلامية أخرى من خلال اشتراك الموارد مع المال مع الخبرات .
- ظهور جدوى تلك المقاطعة التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على مقام الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - :
فلم تتحرك دولتهم لمطالب رسمية أو سياسية، لكن لما قامت المقاطعة لم يمض عليها إلا أيام قليلة حتى هبت الصحيفة الآثمة ورئيس تحريرها لتدارك الأمر، وتغير أسلوب رئيس وزرائهم المكابر، فَلانَ شيئاً ما مع المسلمين لا بل مع مصالحه وبهذا يظهر سلاح جديد للمسلمين أفراداً وجماعات يمكن أن يستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاق الضرر بهم .
* المقاطعة الاقتصادية [3] :
لا شك أن للاقتصاد في هذا الزمن تأثيراً كبيراً وفعَّالاً على مواقف الدول واتجاهاتها ؛ وقد أصبحت الدعوة إلى مقاطعة البضائع والمنتجات التي تصدِّرها الدول التي تحارب المسلمين من وسائل الضغط عليها لتوقف أو تخفف من موقفها المعادي للمسلمين .
وسلاح المقاطعة سلاح مؤثر بلا شك في المواجهة مع الأعداء .
وقد استُخدم هذا السلاح قديماً وحديثاً .
فقديماً : استخدمته قريش ضد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يسمى بـ « شِعْب أبي طالب »، واستمر ثلاث سنوات، وكان تأثيره على المسلمين بالغاً .
وهدد به ثمامة بن أثال قريشاً عندما منع الحنطة منبلاد نجد، حتى جاءت قريش وناشدت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لثمامة أن يبيعهم الحنطة . والقصة في صحيح البخاري برقم ( 4372 ) .
وأما حديثاً : فقد استُخدمت المقاطعة في الحرب العالمية بين المتحاربين، واستُخدمت مؤخراً ضد عدد من البلاد الإسلامية كالعراق و ليبيا و أفغانستان و السودان .
واستخدمتها الدول الإسلامية قبل معاهدات السلام ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل .
وفي الحقيقة إن المتابع لمجريات الأحداث يلمس ما لهذه المقاطعة من آثارٍ كبيرة تدفع بعض الشركات إلى التبرُّؤ من العدوان والضغط على الساسة في بلدانهم لاتخاذ ما يوقفها .
هذا من الناحية الواقعية، أما من ناحية الحكم الشرعي للمقاطعة الاقتصادية :
فإن الأصل جواز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو محاربين، فلا تُمنع المقاطعة، ولا تُشرع، ولكن هذا الحكم قد يتغير بالنظر إلى ما يترتب على المقاطعة الاقتصادية من مصالح أو مفاسد :
فإذا غلب على الظن إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى الإضرار بالكفار الحربيين من غير أن يترتب على ذلك مفسدة تعود على المسلمين، فهنا يتأكد الأمر وقد يصل إلى الوجوب ؛ فكل ما يُلحِق الضرر بمن أعلن لنا العداء مطلوب ومأمور به، ولا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة ؛ فهو الآن أوسع وأشمل، ولا شك في ارتباط الاقتصاد الآن بالسياسة وتأثيره، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على قريش أن تضَّيق عليهم معيشتهم ؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال : « اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف » فأصابتهم سَنَةٌ حصّت كل شيء ( أي أذْهَبَتْه ) [4] حتى كانوا يأكلون الميتة، وكان يقوم أحدهم، فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجَهْد والجوع، فأتاه أبو سفيان فقال : أيْ محمد ! إن قومك هلكوا ؛ فادع الله أن يكشف عنهم . ( صحيح البخاري 4823 ) .
ففي هذا إشارة إلى استخدام السلاح الاقتصادي ضد الأعداء المحاربين . - وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا يترتب عليها إضرار بالكفار، بل تعود على المسلمين أنفسهم بالضرر، فهنا يتوجه القول بالتحريم . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : « الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنْهى عنه » . « مجموع الفتاوى » ( 1/164 ) .
- وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية ستوقع الضرر بالكفار لكنها في المقابل ستوقع ضرراً بالمسلمين أيضاً ؛ فهنا تعارضت مصلحة الإضرار بالكفار مع مفسدة وقوع الضرر على المسلمين، فينظر : فإن كانت المفسدة على المسلمين غالبة منعت المقاطعة، وإن كانت المصلحة بمقاطعتهم غالبة كانت مأموراً بها، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدم على *** المصالح .
- وأما إذا كانت المقاطعة الاقتصادية لا مصلحة فيها من حيث الإضرار بالكفار، ولا مفسدة فيها على المسلمين، فلا حرج من القول باستحبابها ؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن السخط ضد ممارسات الكفار العدوانية، فلو لم ينتج عن هذه المقاطعة إلا التعبير عن عقيدة الولاء بين أهل الإيمان والبراءة من أهل الشرك والكفران، والتعبير كذلك عن إرادة الشعوب الإسلامية لكفى، فهي على الأقل « تسجيل موقف للشعوب الإسلامية » .
* دعوات وشعارات تساقطت :
لقد أظهرت هذه الأزمة حقائق كانت خافية على جمّ غفير من الناس ؛ فهؤلاء القوم الذين ما فتئوا يدَّعون أن بلادهم رمز للحرية والديمقراطية، ويتشدَّقون باحترامهم لجميع الأديان، أظهرت هذه الأزمة ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المجرمين من الحقد والكره للمسلمين، وإن تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون : { قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } ( آل عمران : 118 ) .
ومنها : انكشاف تزوير الغرب في معاييره ؛ فهنا يحتجُّون بحرية الرأي والتعبير، وكل عاقل يعلم أن حرية الرأي المزعومة تقف عند المساس بحرمة الآخرين والاعتداء عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حرية الرأي ؛ فكلنا يذكر ما حدث منذ سنوات قريبة عندما أقدمت حكومة إسلامية على تكسير أوثان وأصنام عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها !! فأين كانت حرية الرأي المزعومة ؟! ولماذا لم يعتبروا هذا أيضاً من حرية الرأي ؟!
وإذا كان الشرع والعقل بل والقانون يمنع الإنسان أن يتصرف في بيته بما يؤذي جاره، كالأصوات المزعجة أو الروائح الكريهة ؛ فكيف تُقْدِم الصحيفة على هذه الجريمة التي فيها استهانة بمشاعر مليار و300 مليون مسلم، ثم تحتج بحرية الرأي ؟
ومنها : بيان بطلان ما يدعو إليه بعض المتغربين من أبناء جلدتنا بمثل قولهم : ( لا تقولوا على غير المسلمين كفاراً، بل قولوا « الآخر » حتى لا تشعلوا نار الفتنة بيننا وبينهم ) .
فتبيَّن من الجريمة من الذي يكره الآخر، ولا يراعي حرمته ويعلن الحرب عليه .
ومنها : كذب دعاويهم التي ملؤوا بها الدنيا من ( حوار الحضارات ) القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداء عليه !! فأي حوار يريدون ؟ وأي احترام يزعمون ؟
إنهم يريدون منا أن نحترمهم ونوقرهم ونعظمهم، بل ونركع لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون إلا استهزاءً بنا وسخرية وظلماً !
- ومن المعاني التي تساقطت أيضاً في هذه الأزمة : انهزامية الأمة تجاه الغرب، فقد كان الغربيون ينظرون إلى الأمة الإسلامية كأنها الرجل المريض الذي أُصِيب بالشلل، فمهما ضربته فلن يتأوه، ولن يكون له رد فعل، ثم إذا بالموازين تنقلب بعد نشر تلك الرسومات، وبدأ رئيس الوزراء الدانماركي الذي كان يرفض مجرد لقاء سفراء البلاد الإسلامية في بلده يستأجر بعض القنوات العربية للظهور في مقابلات، محاولاً تبرير موقفه وموقف بلاده، وكذلك رأينا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتحدث منتقداً هذه الرسومات، وكذا الرئيس الفرنسي والأمين العام للأمم المتحدة وغيرهم من الساسة ؛ إذ أذهلتهم ردود أفعال المسلمين فكان لا بد لهم من التحدث بالاستنكار ولو تصنُّعاً ومجاراةً .
فظهر أن مرض الأمة مؤقت، وأنها متى أخذت بأسباب السلامة والعافية ومن أعظمها : اتحادها فسوف تفعل الكثير والكثير .
* المخذلون كثر :
في ظل توحد المسلمين واجتماع كلمتهم على موقف واحد في التصدي لهذه الهجمة يُسَرُّ المرء لما يرى ويشاهد من الغَيْرة الإسلامية العظيمة المتولدة من الغضب لانتهاك حرمته - صلى الله عليه وسلم - .
إلا أننا نرى هنا وهناك من يحاول تخذيل المسلمين، والوقوف في صف أعدائهم .
فقد أغاظتْ هذه المقاطعة كثيراً من المنافقين، فحاولوا التبرير تارة، والتهوين تارة، وزعم الإصلاح وإرادة الخير تارة أخرى !
فمِن زاعمٍ أَنَّ المقاطعة ستقطع الحوار معهم !
وهل نقبل الحوار مع من يهزأ بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويسخر بثوابتنا ؟!
ومن زاعمٍ : أَنَّ سبب جناية تلك الصحيفة هو تقصير المسلمين أنفسهم في تعريفهم بالإسلام ! فمرادُه تبرئة هؤلاء المعتدين من جنايتهم، أو تبريرها لهم، وإناطة جُرْمِها بالمسلمين !
وقد جهل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أدى الرسالة، وبلَّغ الأمانة أعظم التبليغ، ومع ذلك لم يسلم من سخرية كفار قريش .
ومن مستهزئٍ بالمقاطعة فيقول : هذا غاية ما تملكون ؛ ترك أكل الزبدة والجبنة !!
وهذا شبيه بموقف المنافقين الذين كانوا يسخرون من المؤمنين لكونهم يتصدقون بالقليل من المال، مع أنه غاية ما يستطيعونه : { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ( التوبة : 79 ) .
ومن زاعمٍ : أنَّ المسلمين « عمَّموا خطأ جريدة على دولة كاملة لا تملك بحكم القانون أي سيطرة على هذه الجريدة » !!
والجواب عن هذا :
أولاً : أن حكومتهم قد وقفت بجانب الجريدة وبررت فعلتها، بأنها حرية الرأي .
وثانياً : أن شعبهم نفسه قد وافق غالبيته الجريدة والحكومة على موقفهما ؛ ففي
استطلاع للرأي رأى 79% ممن شملهم الاستطلاع أن رئيس الوزراء يجب ألا يعتذر نيابة عن الدانمارك، بينما قال 18% : إن عليه الاعتذار .
وقال 62% منهم : إنه لا يتعين على الصحيفة تقديم اعتذار، بينما قال 31% : إن عليها أن تعتذر . [ موقع إسلام أون لاين ] .
ويرى بعضهم أن هذه المقاطعة لن تفيد شيئاً ؛ فهل تغافلوا عن استغاثات الدانمارك المتكررة بالاتحاد الأوروبي لإنهاء المقاطعة الإسلاميَّة ؟ وهل تجاهلوا الخسائر الدانماركيَّة التي ستصاب بها حين تقاطعها الأمة الإسلامية ؟ حيث بلغت خسارة شركة واحدة من شركاتهم للألبان في دولة إسلامية واحدة ما يتراوح بين ثمانمائة ألف ومليون وستمائة ألف دولار يومياً، كما صرح بذلك مدير هذه الشركة، فضلاً عن فرص الوظائف التي سيفقدها أصحابها [ موقع الجزيرة ] . بل قد صرح بعضهم أن ما بنوه في عشرات السنوات أي من السمعة الحسنة لبضائعهم التجارية قد تهدَّم في أيام قليلات .
ويرى آخرون أن المتضررين من المقاطعة إنما هم الوكلاء التجاريون الذين يحملون امتياز بيعها في البلدان الإسلاميَّة !! وهذا عجيب، أن يتولى هؤلاء الدفاع عن أولئك التجار ؛ مع أن التجار أنفسهم لهم مواقف مشرفة ؛ فقد رأيناهم تداعوا بشجاعة لطلب المقاطعة ؛ فهل هو أحرص منهم على أموالهم أم أنَّها عقليات التطبيع ؟
ومن هؤلاء من بدأ يدعونا للتسامح معهم والسكوت عن أذاهم، وما علموا أن التسامح لا يكون مشروعاً إلا إذا وقع موقعه الصحيح، وأولئك المستهزئون بمقامه - صلى الله عليه وسلم - ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، بل التسامح مع أمثال هؤلاء المجرمين جريمة شرعية، ولئن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحق في التجاوز عمن أساء إليه فإن هذا ليس إلى الأمة، بل الأخذ بحقه والغضب له واجب شرعي لا يجوز أن يمس أو يتبرع أحد بالتنازل عنه .
ومن زاعمٍ : أن المقاطعة مجرد رد فعل عاطفي، ولا ينبغي أن تكون تصرفاتنا مبنية على ردود الأفعال وهذا الزعم لا بد له من وقفة تبين أهمية ردود الأفعال والتأصيل الشرعي لها من خلال ما يلي :
- أمر الشارع بإنكار المنكر مثال واقعي لاعتبار ردود الأفعال في الشريعة :
قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ » رواه مسلم ( 70 ) .
فإنكار المنكر وتغييره باليد هو رد فعل على ظهور المنكر ورؤيته، وهو رد فعل أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - « فليغيره بيده »، وهو واجب بإجماع المسلمين، كما نقله النووي .
- الغضب على انتهاك حرمات الله صورة من صور ردود الأفعال المأمور بها :
إذ من الغضب ما يكون محموداً بل ما يكون واجباً، وهو الغضب لله – عز وجل -، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء . فعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : « وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ » رواه البخاري ( 6288 ) .
- بل إن التعامل برد الفعل أمر جِبِلِّي :
ولقد أحسن الإمام الشافعي - رحمه الله - حين قال : « من استُغضب ولم يغضب فهو حمار » !! ( سير أعلام النبلاء 10/43 ) .
فالإنسان مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، فلا بد أن يتأثر بما يدور حوله ويكون له رد فعل عليه .
والميْت هو الذي لا يوجد لديه ردود أفعال، كما قال الشاعر :
جَرَحُوه فَمَا تألَّّم جُرْحاً
ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
ومن أمثلة ردود الأفعال من السنُّة :
قنوته - صلى الله عليه وسلم - شهراً على رعل وذكوان وبعض أحياء العرب لما غدروا بالقراء في بئر معونة . البخاري ( 3064 ) ومسلم ( 677 ) .
ودعوته - صلى الله عليه وسلم - للبيعة على القتال لما بلغته شائعة قتل عثمان في الحديبية، ثم لما تبين كذب الشائعة كان الصلح .
[ ابن أبي شيبة مرويات غزوة الحديبية ص 124] .
وكغضبه - صلى الله عليه وسلم - حينما اختصم أصحابه في القَدَر حتى كأنما يُفقَأ في وجهه حب الرمان كما عبر الراوي - ابن ماجة ( 82 ) .
وغير ذلك كثير من صور غضبه - صلى الله عليه وسلم - تفاعلاً مع ما يطَّلع عليه أو يُنقل إليه من أقوال أو أفعال .
ومن ردود أفعال الصحابة - رضي الله عنهم - بحضرته - صلى الله عليه وسلم - :
مقولات عمر بن الخطاب المتعددة « دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ » وما شابهها كما كان مع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين لما قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . البخاري ( 4905 ) .
وكما حصل مع ذي الخويصرة اليماني الذي قال : اعدل يا رسول الله . البخاري ( 3341 ) مسلم ( 1675 ) .
ولذلك فإن ردود أفعال المسلمين تجاه هذا السب لخير من وطئت قدماه الأرض، مهمٌّ جداً ؛ لأنه نوع من إنكار المنكر أولاً، وهو أمر واجب، بل هذا من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم – بتغيير المنكر باليد، فإن لم يُستَطع فباللسان، فإن لم يُستَطع فبالقلب قال : « وذلك أضعف الإيمان » وفي حديث آخر : « وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » رواه مسلم ( 4676 ) .
وثانياً : من أجل تقزيم هؤلاء المعتدين والمفترين، كي لا يستمرئوا هذا السب والاعتداء .
أما ألاَّ يكون هناك غيرة على حرمات الله، ولا يتمعر وجهنا غيرة وغضباً ؛ فيُسَبّ دين الله، ويُسَبّ نبينا، دون أن يحرك ذلك فينا ساكناً ؛ فهذه والله هي الكارثة .
* الواجب علينا :
على كل مؤمن يحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويغار على دينه أن ينتصر لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يقدِّم كل ما في وسعه لرد هذه الهجمة الشرسة، ومهما بذلنا فهو قليل في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما تفصيل دورنا في هذا فمنه :
1 - إعلان النكير على كل الأصعدة وبشدة :
فعلى الدول الإسلامية أن تهب على جميع مستوياتها لنصرة نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وتستنكر ذلك في المؤتمرات والمحافل العامة، وتتخذ موقفاً حازماًَ يتناسب مع شناعة الجريمة .
وكذلك يكون الاحتجاج على مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية كوزارات الأوقاف، ودور الفتيا، والجامعات، وإعلان الاستنكار من الشخصيات العامة كالعلماء، والمفكرين، ورجال الإعلام .
وكذلك الإنكار على المستوى الفردي، كلٌّ حسب ما يستطيع : بإرسال رسالة، أو كتابة مقالة، أو اتصال هاتفي بحكومتهم وخارجيتهم وصحافتهم، ومراسلة المنظمات والجامعات والأفراد المؤثرين في الغرب، ولو نفر المسلمون بإرسال آلاف الرسائل الرصينة القوية إلى المنظمات والأفراد فإن هذا سيكون له أثره اللافت قطعاً .
2 - مطالبة هؤلاء الجناة بالاعتذار الجاد الواضح، لا الخداع وتبرير الجريمة الذي يسمونه اعتذاراً، فلا نريد اعتذاراً لإهانة المسلمين، وإنما نريد إقراراً واضحاً بالخطأ، واعتذاراً عنه، ومعاقبة رادعة للمجرمين على جرمهم، وأن تكف حكوماتهم عن العداء للإسلام والمسلمين .
3 - ذكر فتاوى علماء الأمة التي تبين حكم من تعرض لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - بشيء من الانتقاص ووجوب بغض من فعل ذلك والبراءة منه .
4 - بيان حُسن الإسلام وموافقته للعقول الصريحة، والرد على شبهات المجرمين من خلال قيام المؤسسات الإعلامية والصحف والمجلات والمواقع الإسلامية بكتابة ردود على هذه الافتراءات، وأن تسطر على صفحاتها شمائل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتبين الدور العظيم الذي قام به - صلى الله عليه وسلم - لإنقاذ البشرية، وأنه أُرسل رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين .
5 - استئجار ساعات لبرامج في المحطات الإذاعية والتلفزيونية لا سيما في البلدان الغربية لتدافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتذب عن جنابه، ويستضاف فيها ذوو القدرة والرسوخ، والدراية بمخاطبة العقلية الغربية بإقناع، وهم بحمد الله كثر .
6 - إعداد المقالات القوية الرصينة لتنشر في المجلات والصحف ومواقع الإنترنت باللغات المتنوعة .
7 - مطالبة الكتّاب والصحفيين والإعلاميين بل كل غيور بالقيام بدور النصرة للنبي - عليه الصلاة والسلام - من خلال محاولة إثارة الرأي الغربي ضد هذا الانتهاك والتدنيس العلني للمعتقدات الدينية .
8 - إنشاء مراكز متخصصة لبحوث ودراسات في السيرة النبوية والإسلام وفضائله وترجمة ذلك إلى اللغات العالمية .
9 - الحرص على دعوة هذه الشعوب ؛ فإننا وإن كنا ننظر إليهم بعين الغضب والسخط والغيظ، إلا أننا أيضاً ننظر إليهم بعين الشفقة عليهم، فهم عما قريب سيموتون، ويكونون من أهل النار إن ماتوا على ذلك، فدعوتهم إلى الإسلام والنجاة رحمةٌ بهم، وشفقةٌ عليهم ؛ ولا سيما عوامهم الذين غُيِّبَتْ عنهم صورة الإسلام المشرقة، حتى نقيم الحجة ونوصل نور الهداية والحق إليهم فيعرفوا عن ديننا وعظمة نبينا - صلى الله عليه وسلم - : { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } ( الأنفال : 42 ) .
10 - ترجمة الكتب التي تدعو إلى الإسلام، والكتب التي تعرّف بالإسلام ونبيّ الإسلام، وتبيِّن سيرته الحسنة العطرة وفضائله بلغة هؤلاء القوم .
11 - إنشاء مواقع إسلامية وبرامج متخصصة في الإذاعات والقنوات والشبكة المعلوماتية للتعريف بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وشمائله وأخلاقه الكريمة باللغات المختلفة، ونشر ذلك في المطبوعات من الصحف والمجلات ونحوها .
12 - عقد المؤتمرات العلمية التي يُتكلم فيها عن نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، مع التركيز على تلك الدول التي تحتاج إلى تصحيح صورتهم عن الإسلام .
13 - نشر ما ذكره المنصفون من غير المسلمين بشأنه - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو أدعى لقبول أقوامهم له .
14 - بيان خصائص دعوته ورسالته - صلى الله عليه وسلم -، وأنه بعث بالحنيفية السمحة، وأن الأصل في دعوته .
15 - المشاركة في حوارات علمية رصينة مع غير المسلمين من المختصين أصحاب القدرات العلمية واللغوية، ودعوة أولئك الباحثين بالحكمة لدراسة شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدين الذي جاء به .
16 - الإعلان في محركات البحث المشهورة عن بعض الكتب أو المحاضرات التي تتحدث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
17 - التمسك بالسنة والتزام هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء والصبر على ذلك ؛ إذ بهذا يكفينا الله كيدهم : { وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } ( آل عمران : 120 ) .
18 - مقاطعة منتجاتهم ما دام لها تأثير عليهم وهذا هو الواقع والبحث عن شركات بديلة يمتلكها مسلمون ترسيخاً لمبدأ الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين .
19 - الوعي لكيفية إدارة أعداء الإسلام لصراعهم مع المسلمين وعدم استبعاد التعمُّد والتخطيط المسبق منهم لهذه الجريمة، مع الدراسة المتأنية للمواقف المتوقعة منهم والتدابير التي ينبغي اتخاذها مع كل موقف حتى لا يخلصوا إلا شق الصف وإضعاف قوة وحدة الموقف .
20 - تبادل الأفكار في هذه القضية، وإضافة الجديد منها والتواصي بها، وبحث كل واحد عما يناسب ميوله وتخصصه منها، وبهذا سيجد كل محب لرسوله - صلى الله عليه وسلم - مجالاً لإظهار حبه وغيرته وتعظيمه ؛ فهذا يأتي بفكرة، وذاك يكتب مقالة، وهذا يترجم، وذاك يرسل، وآخر يموِّل، في نفير عام لنصرة أفضل الخلق - عليه الصلاة والسلام - .
رسولَ الحُبِّ في ذكراك قُربى
وتحتَ لواكَ أطواقُ النجاةِ
عليك صلاةُ ربِّكَ ما تجلى
ضياءٌ .. واعتلى صوتُ الهُداة
ِيحارُ اللفظُ في حُسناك عجزاً
وفي القلب اتقادُ المورياتِ
ولو سُفكتْ دمانا ما قضينا
وفاءك والحقوقَ الواجباتِ

* ليس من النصرة :

إن ما نراه من ردود فعل غاضبة من المسلمين، وعمل جاد لمواجهة تلك الهجمة التي يتعرض لها الإسلام لَيبعثُ البهجة والسرور والأمل في نفس كل مسلم، غير أن بعض المسلمين وهم بحمد الله قلة قد مال بهم حماسهم عن الصواب، والمأمول من المسلمين أن يلزموا العدل والإنصاف، حتى مع أعدائهم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ( المائدة : 8 ) .
فليس من النصرة :
1 - الاعتداء على معصومي الدم والمال كالمستأمَنين، من أي دين كان .
2 - اختراق وتدمير مواقع صحف ومجلات لم تصدر منها بنبينا - صلى الله عليه وسلم - سخريةٌ ؛ فمثل هذا العمل يُحرضها هي الأخرى على سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والنيل منه، وينقلها من حِيادها إلى مُصافّة المعتدي في موقفه، ويحرض سفهاءهم على تدمير مواقعنا .
3 - ليس من النصرة في شيء أن نجود بأموالنا لكل من يدعونا إلى مشروع دعوي في تعريف الكفار بالإسلام وبنبيه الكريم وفي كشف ما يثار حوله من شبهات من غير أن نتوثق من صاحب المشروع والجهة المشرفة عليه، ومن غير أن نتبيَّن المضمونَ المراد نشره، ومن يزكِّي ذلك من أهل العلم .
4 - ما صاحَبَ بعض المظاهرات التي قام بها المسلمون في أماكن شتى من إتلاف للأنفس والممتلكات .
5 - عدم تحري البعض في نشر الأخبار قبل التثبُّتِ من صحتها، كالخبر بإسلام خمسين دانماركياً، أو خبر قتل الصحفي .
6 - نشر بعض البدع والتعلُّق بالمنامات، كالدعوة إلى توحيد الدعاء في ساعة معينة وصيغة معينة، أو تناقل رسائل بها مخالفات شرعية، أو التعسف في محاولة الربط بين رقم بعض الآيات القرآنية التي لها شيء من التعلق بالموضوع وبين الرقم التسلسلي الدولي لمنتجات الدولة المعتدية زاعمين أن ذلك من الإعجاز العددي القرآني .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أنصار دينه ونبيه - صلى الله عليه وسلم - بوعي وصدق، وأن يعلي دينه، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ( يوسف : 21 ) . وصلى الله وسلم على أشرف خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


________________________
(1) (شرح العقيدة الأصفهانية) لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - .
(2) للتوسع في النقول (الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة) محمد شريف الشيباني .
(3) كتاب (المقاطعة الاقتصادية حقيقتها و حكمها) لخالد الشمراني , و مقال مقاطعة بضائع الكفار
نظرة شرعية لهاني الجبير (مجلة البيان) عدد 179 .
(4) النهاية في غريب الحديث و الأثر 980 / 1 .
----------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-17-2015, 09:15 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة معالم من تلك الحادثة

معالم من تلك الحادثة
ــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ




أخبرني صاحبي وهو من الراصدين مواقع الصوفية على شبكة « الإنترنت » أنه تصفح قرابة ستين موقعاً للصوفية أثناء نازلة تطاول « الدانمارك » على سيّد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلم يرَ للقوم حديثاً، ولم يسمع لهم همساً في تلك الحادثة التي غدت مَشْغَلة السمع والبصر في جميع الأصقاع ؛ ثم تدارك صاحبي قائلاً : اللهمّ إلا أن واحداً من تلك الستين قد نقل مقالة من أحدالمواقع السنية ! وختم هذا الصاحب كلامه قائلاً : هؤلاء الصوفية يعرفون الرسول عند الطمع، ويتخلون عنه عند الفزع .
ولئن كشفت هذه الحقيقة زيف محبة القوم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتهافت دعاويهم العريضة، فهي تبيّن حالة « السُّكْر » الذي أغرقهم، و « الفناء » الذي استحوذ عليهم، فكأن الأمر لا يعنيهم، وكما لو كانوا خارج العالم ! ولو كان « السُّكْر » و « الاصطلام » أمراً ملازماً لهم لهان الخَطْب ؛ فالمجنون معفو عنه، إلا أن هذا السكر سرعان ما يزول عند صوفية الأرزاق، إذا كان في الصحو تحقيق لحظوظهم الشخصية ومطامعهم الدنيوية .
هذه الواقعة الموجعة مع تداعياتها المختلفة، والتي حرَّكت القلوب، فأظهرت محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمدت إلى الذبّ عنه، وعبّرت عن ذلك من خلال مقاطعات اقتصادية، ومظاهرات واحتجاجات، وتأليف كتب ورسائل في دعوة الكفار إلى الإسلام، والتعريف بسيّد الأنام - صلى الله عليه وسلم - ..
هذه الواقعة تقرر أن الخير فيما اختاره الله - تعالى -، وأنه - سبحانه وتعالى - لا يخلق شراً محضاً، { فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } ( النساء : 19 ) .
« فمن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة إنباء المرسلين :
ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين .. وذلك أن الحق إذا جُحد وعُورض بالشبهات أقام الله - تعالى - له ما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات والبينات » [1] .
هذه النازلة يمكن تسخيرها وتوظيفها في سبيل ترسيخ جملة من الأصول الشرعية، كوجوب محبة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ووجوب تعزيره وتوقيره، وأهمية الاتباع لسنته، والتحذير من الإحداث والابتداع في دين الله تعالى .
ورحم الله الشيخ محمد رشيد رضا إذ يقول : « من تتبع التاريخ يعلم أن أشدَّ المؤمنين حبّاً واتباعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - أقلهم غلواً فيه، ولا سيما أصحابه - رضي الله عنهم - ومن يليهم في خير القرون، وأن أضعفهم إيماناً وأقلهم اتباعاً له هم أشدهم غلواً في القول وابتداعاً في العمل وترى ذلك في شِعْر الفريقين » [2] .
ومن الأصول التي ينبغي تقريرها في هذا الشأن : تلازم الظاهر والباطن ؛ فالمحبة القلبية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن تظهر على الجوارح، من خلال الاتِّباع له والذبّ عنه وتعظيمه وإجلاله، وما المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الدانمارك إلا سبب من الأسباب العملية المشروعة في تحقيق تعزيره - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره، وردع أولئك السفهاء المتطاولين على خير البرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . كما أن هذه الواقعة لتكشف عن عداوة الكافرين لأهل الإسلام، وتواطئهم على ذلك، وهذا يؤكد أهمية أوثق عرى الإيمان : الحبّ في الله والبغض في الله، ووجوب البراءة منهم، وأن عداوتهم لأجل كفرهم لا تنافي العدل والقسط معهم، بل ينبغي دعوتهم إلى الإسلام بالطريقة الصحيحة الملائمة، والحذر من تمييع الإسلام أثناء تلك الدعوة والتعريف .
هذه الأمة كالغيث لا يُدرى أأوله خير أم آخره ؟ فقد أظهر أهل الإسلام احتساباً ونصرةً لمقام سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم -، وهذه المشاعر الصادقة والمواقف النبيلة توجب أهمية إحياء شَعِيرة الاحتساب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك على أوسع نطاق، وفي أكثر من مجال ؛ فهناك الاحتساب بالخطبة والمحاضرة، والاحتساب بالمقاطعة، والاحتساب بالمظاهرة والاحتجاج، والاحتساب بالرسالة والكتاب، وكما أن العلماء والدعاة احتسبوا في هذه النازلة ؛ فقد احتسب الساسة والتجار، والمثقفون والمفكرون، والعامة والصغار ؛ فهذه الواقعة حققت تجييشاً لأهل الإسلام، وحشداً لأنواع متعددة من المناشط والجهود في سبيل الذبّ عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يوجب على أهل الشأن إعداد برامج وخطط احتسابية تجاه هذه الواقعة ونظائرها .
غارت أمة الإسلام لرسول الأنام - صلى الله عليه وسلم -، وظهرتْ هذه الغَيْرة في صور صادقة ومشاهد مؤثِّرة، والمتعيَّن تحريك هذه الغيرة وتقويتها من جهة، وضبطها وفق ما توجبه الشريعة وتقتضيه المصلحة من جهة أخرى .
فابن تيمية احتسب على نصراني شتم نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وذلك سنة 693هـ، وألّف كتابه النفيس « الصارم المسلول في الردّ على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - »، ولما تحدّث عن أنواع السبّ في هذا الشأن، قال - رحمه الله - : « التكلم في تمثيل سبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين أو آثرين .. » [3] .
فغيرة ابن تيمية تجعله يتعاظم مجرد تصوير مسألة السبّ وحكايتها، لولا أن الحكم الشرعي يقتضي ذلك، وهذه الغيرة الصادقة اقترن بها المسلك الشرعي الملائم ؛ فقد كلّم شيخ الإسلام الأميرَ آنذاك، وسعى في الاحتساب على ذاك النصراني المخذول، وألّف كتابه « الصارم المسلول » بعد هذه الواقعة .
وها هو السبكي - رحمه الله - يقول في مطلع كتابه « السيف المسلول على من سبَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - » عن سبب تصنيفه : « كان الداعي إليه أن فُتيا رُفعت إليّ في نصراني سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُسْلم، فكتبتُ عليها : يُقتل النصراني المذكور كما قَتَل النبي - صلى الله عليه وسلم - كعبَ بن الأشرف، ويُطهّر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب .
لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
إلى أن قال : وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم أن قلبي كارهٌ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجِّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء، إنه عفوّ غفور » [4] .
فالسبكي بلغتْ غيرته ما بلغت، وصاحبَ ذلك موقفٌ عملي من خلال تحرير هذه الفتيا وكتاب « السيف المسلول » .
وهذا ابن عابدين - رحمه الله - يقول عن شقيٍّ استطال على سيد المرسلين :
« وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام .. » [5] .
والمقصود أن نجمع بين إحياء هذه الغَيْرة الإيمانية وتحريكها، وبين ضبطها وفق الأصول الشرعية والمصالح المرعية .
لعل هذه الحادثة تكون سبباً إلى فقه التعامل مع أهل القبلة، والتعاون مع أهل الإسلام في الأصول المتفق عليها، دون الإخلال بثوابت أهل السنة ومعالمهم ؛ فالذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محل اتفاق بين أهل الإسلام، ومدافعة التغريب والهيمنة الأمريكية كذلك .. وما أكثر القضايا التي هي محل إجماع بين أهل الإسلام . فمن المهم أن نبعث هذ التعاون والتنسيق بين أهل الإسلام، مع المحافظة على شعائر أهل السنة وأصولهم، لما في ذلك من المقاصد الشرعية، ونفوذ أهل الإسلام وتقويتهم .
فلقد تعاون أهل الإسلام من قبل في القرن الرابع الهجري في مواجهة المدّ العُبَيْدي الباطني، فكتب المعتزلة و الزيدية و الأشاعرة وكذا أهل السنة في فضح الباطنيين وهتك أستارهم .
فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعزّ فيه أهل الإيمان، ويُذلّ فيه أهل الكفر
والطغيان . معالم من تلك الحادثة

________________________
(1) الجواب الصحيح، لابن تيمية : 1/ 13، 14 .
(2) تعليق محمد رشيد رضا على كتاب ***** الإنسان للسهسواني، ص 244 .
(3) السيف المسلول : ص 113 114 .
(4) الصارم المسلول : 3/1005 .
(5) رسائل ابن عابدين : 1/293 .
---------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المتغطرسة, المسيئة, الرسول, والعقلية

« في بيان ما أشكل من أحاديث الاعتقاد | جناية الضعيف والموضوع »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حول الرد على الرسوم المسيئة محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 1 01-24-2015 09:18 PM
صحيفة دنماركية تعيد نشر الرسوم المسيئة للرسول بعد هجوم «شارلي إيبدو» Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 01-08-2015 11:54 PM
12 قتيلا في هجوم على صحيفة "شارلي ايبدو" في باريس والمعروفة بنشر الرسوم المسيئة للرسول Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 01-07-2015 05:28 PM
التطوع لإزالة الرسوم المسيئة عن جدار مسجد برنيستون عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 03-23-2014 08:45 AM
رشق صاحب الرسوم المسيئة بالبيض في السويد Eng.Jordan المسلمون حول العالم 0 02-23-2012 05:00 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:22 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68