تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #13  
قديم 01-17-2015, 09:51 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة منطلقات شرعية في نصرة خير البرية

منطلقات شرعية في نصرة خير البرية
ـــــــــــــــــــ

(عبد العزيز بن ناصر الجليل)
ــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ




إن ما يشهده العالم الإسلامي هذه الأيام من غضبة عارمة، وحملة مباركة لنصرة سيد البشر نبينا - صلى الله عليه وسلم -، والدفاع عن عرضه الشريف أمام الهجمة الشرسة القذرة التي يشنها الغرب الصليبي على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتتولى كبرها بلاد الدانمارك . إن في هذه القومة المباركة لنصرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر ويبث الأمل في النفوس ويؤكد أن أمة الإسلام أمة مباركة ومرحومة ولا زال فيها الخير، والرصيد العظيم في مقاومة أعدائها والنكاية بهم حتى ولو كانت ذليلة مستضعفة ؛ فكيف لو كانت قوية ومتمكنة ؟
ولقد ظهر في هذه الحملة قدرة الأمة على النهوض والتكاتف والتعاون على إلحاق الأذى الشديد بالعدو المتربص . وقد ظهر ذلك في هذه القومة الشاملة لمختلف شرائح الأمة رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، أغنياء وفقراء، عوامَّ ومثقفين ؛ وذلك في الكتابات الكثيرة المتنوعة لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك في المقاطعة المباركة التي آتت أُكُلها وثمارها في إنهاك اقتصاد المعتدين .
أسأل الله - عز وجل - أن يبارك في جهود القائمين بهذه النصرة سواء من كتب أو خطب أو قاطع وهجر منتجات القوم . وليس هذا بكثير في نصرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، والذي هو أوْلى بنا من أنفسنا، والذي قال لنا ربنا- سبحانه - عنه : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ( التوبة : 128 ) . والذي بلغ الكمال الإنساني في الشمائل والأخلاق وفي عبادة ربه - سبحانه وتعالى - . وكل هذا يفرض علينا أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأولادنا وأموالنا، وأن نفديه بالنفوس والمهج والأولاد والأموال .
وبما أن الحديث عن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن حقوقه، وحقيقة أعدائه وحقدهم قد قام به المسلمون في شتى بلدان المسلمين بأقوالهم ورسائلهم وكتاباتهم ومقاطعتهم، فلن أكرر ما كُتب وقيل ؛ ففيه إن شاء الله الكفاية .
غير أن هناك بعض الوصايا التي أنصح بها نفسي وإخواني المسلمين في ضوء هذا الحدث الجلل أرى أنها من حقوق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وهي من لوازم نصرته وموجبات محبته . ولكن قد تغيب عن بعضنا وتُنسى في زحمة الردود واشتعال المشاعر والعواطف .

* الوصية الأولى :
------------

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » [ البخاري : 1 ] وعندما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء . أي ذلك في سبيل الله ؟ » قال : « من قاتل لتكون
كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله » [ البخاري ( 2810 )، مسلم ( 1904 ) ] .
والمقصود من إيراد هذين الحديثين الشريفين أن يحاسب كل منا نفسه، وهو يشارك في هذه الحملة المباركة للدفاع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم – ويتفقد نيته في قومته هذه . هل هي خالصة لله - تعالى - ؟ أم أن هناك شائبة من شوائب الدنيا قد خالطت نيته كأن يظهر للناس غيرته وحرصه على الدين وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو تكون مجرد حمية وعصبية ومفاخرة أو إرادة دنيا ومكانة بين الناس، أو غير ذلك من الأغراض . وهذا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله - عز وجل - . ومع إحسان الظن بالقائمين بهذه النصرة وأنهم إن شاء الله - تعالى - إنما قاموا بذلك حباً لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ إلا أن محاسبة النفس في هذا الشأن، وغيره من العبادات أمر واجب على كل مسلم حتى يبارك الله - عز وجل - في الأعمال، ويحصل منها الأجر والثواب، وإلا ذهبت هباءً منثوراً ؛ إن لم يأثم صاحبها ويعاقب على ذلك.

* الوصية الثانية :
-----------

قال الله - تعالى - : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ( آل عمران : 31 ) .
ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به » .
« يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند تلك الآية : هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه وفي الأمر نفسه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » . ولهذا قال : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( آل عمران : 31 ) أي : يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم ؛ وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء : ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ . وقال الحسن البصري وغيره من السلف زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( آل عمران : 31 )
ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - « لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى ؛ فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلِيُّ حرقة الشجِيِّ . فتنوع المدعون في الشهود . فقيل لا تُقبل الدعوى إلا ببينة : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ( آل عمران : 31 ) فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع ****** في أفعاله وأخلاقه » ( من مدارج السالكين 3/9 ) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : « فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، ليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود و النصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب، فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين . وهكذا أهل البدع ؛ فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شَوْب من محبة المشركين واليهود والنصارى، بحسب ما فيه من البدعة ؛ فإن البدع التي ليست مشروعة، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر » ( الفتاوى 8/361، 360 ) .
والمقصود من إيراد ألآيه التي في سورة آل عمران وكلام أهل العلم عندها، وكذلك الحديث، التنبيه في هذه الحملة المباركة إلى أن يراجع كل منا نفسه ويختبر صدق محبته لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - في قومته ونصرته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ إن علامة حبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصدقنا في نصرته أن نكون متبعين لشرعه وسنته، وأن لا يكون في حياتنا أمور تسيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } ( الصف : 2-3 ) .
- فيا أيها الذي تعبد الله - تعالى - بغير ما شرع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقام لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : زادك الله غيرة وغضباً لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ! ولكن اعلم أن الذي قمتَ لنصرته هو القائل : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » [ البخاري : 2697 ] وعليه فإن أي ابتداع في الدين سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال لمما يؤذي نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - ويسيء إليه . فاحذر أن تكون ممن يدعي محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في نفس الوقت يؤذيه ويعصيه ؛ فإن هذا يقدح في صدق المحبة والاتباع، ويتناقض مع نصرته ونصرة سنته . وأشنع من هذا من يدعي محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم – ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر ويدعوه أو يدعو علياً والحسين وغيرهم من الأولياء من دون الله . أو يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسب أزواجه أو أصحابه ؛ فإن كل ذلك يدل على كذب أولئك المدعين .
- ويا أرباب البيوت والأسر الذين قمتم لنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ! إن هذا منكم لعمل طيب مشكور ؛ ولكن تفقَّدوا أنفسكم فلعل عندكم وفي بيوتكم وبين أهليكم ما يغضب الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من آلات اللهو، وقنوات الإفساد ومجلات اللهو والمجون ؛ فإن كان كذلك فاعلموا أن إصراركم عليها واستمراءكم لها لمما يسيء إلى الرسول ويؤذيه، ويتناقض مع صدق محبته ؛ إذ إن صدق المحبة له تقتضي طاعته واتباعه ؛ لأن المحب لمن يحب مطيع .
- ويا أيها التاجر الذي أنعم الله - تعالى - عليه بالمال والتجارة ! إنه لعمل شريف، وكرم أصل أن تهبَّ لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وتهجر وتقاطع منتجات القوم الكفرة الذين أساؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآذوه . ولكن تفقَّد نفسك ومالك عسى أن لا تكون ممن يستمرئ الربا في تنمية أمواله، أو ممن يقع في البيوع المحرمة، أو يبيع السلع المحرمة التي تضر بأخلاق المسلمين وأعراضهم وعقولهم . فإن كنت كذلك فحاسب نفسك وراجع صدق محبتك للرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قمت لنصرته . ألا تعلم أنك بأكلك الربا تعد محارباً لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وصدق القيام لنصرته . قال الله - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } ( البقرة : 278-279 ) ألا تعلم أن الأوْلى بالمقاطعة والهجر هو هجر ما حرم الله - عز وجل - من الربا والبيوع المحرمة والسلع المحرمة التي قد استمرأها الكثير من التجار ؟ قال الرسول – صلى الله عليه وسلم - : « المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » ( البخاري : 10 ) .
ولا يعني هذا التهوين من مقاطعة منتجات القوم، بل أرى الصمود في ذلك، ولكن أردت التنبيه إلى ضرورة تخليص حياتنا من هذه الازدواجية، وعدم المصداقية .
- ويا أيها القائمون على المؤسسات الإعلامية من صحافة، وإذاعات وتلفزة، وقنوات فضائية في بلدان المسلمين ! إنه لعمل مشكور هذا الذي تشاركون به في حملة الانتصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ألا يعلم بعضكم أنه يعيش حالة من التناقض، إن لم يكن ضرباً من النفاق، وذلك عندما يدعي محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصرته ممن أساء إليه من الكفرة، ثم هو في نفس الوقت يبث في صحيفته أو إذاعته أو تلفازه أو قناته الفضائية ما يسيء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويؤذيه ؛ وذلك مما حرم الله - عز وجل - وحرمه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من إشاعة الفاحشة، وتحسين الرذيلة، وبث الشبهات، والشهوات، و النيل من أولياء الله - عز وجل - وأولياء رسول - صلى الله عليه وسلم - والاستهزاء بهم وبسمتهم وهديهم وعقيدتهم والله – عز وجل - يقول : « من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب » [ البخاري : 11/292 ] .
فكيف تعرِّضون أنفسكم لحرب الله - عز وجل - وأنتم تدَّعون نصرة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والذب عنه ؟ إن الذب عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - إنما يكون بالتزام سنته، والذب عنها والتوبة من كل ما يقدح فيها، والتزام طاعته - صلى الله عليه وسلم - والصدق في محبته، وإلا كان هذا الانتصار مجرد ادعاء ومفاخرة ونفاق ؛ نعوذ بالله من ذلك .
- ويا أصحاب الحل والعقد في بلدان المسلمين ! إن أمانتكم لثقيلة فالحكم والتحاكم بأيديكم، والإعلام والاقتصاد بأيديكم، والتربية والتعليم بأيديكم، وحماية أمن المجتمع، وحماية الثغور بأيديكم ؛ فما أعظم أمانتكم ومسؤوليتكم أمام ربكم - عز وجل - وأمام أمتكم ؛ فهل تعلمون أن من رفض منكم الحكم بما أنزل الله - عز وجل - واستحل ما حرم الله - عز وجل - إنما هو من أعظم المسيئين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمناوئين له ... ؟
وفي ختام هذه الوصية : أرجو أن لا يُفهم من كلامي أني أهوِّن من هذه الحملة القوية لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والدفاع عن عرضه الشريف، أو أني أدعو إلى تأجيلها حتى تصلح أحوالنا حكاماً ومحكومين . كلاَّ ؛ بل إني أدعو إلى مزيد من هذا الانتصار والمقاطعة والتعاون في ذلك كما هو الحاصل الآن والحمد لله رب العالمين، ولكنني أردت أيضاً الالتفات إلى أحوالنا وتفقد إيماننا، وصدقنا في محبتنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والانتصار له، بأن نبرهن على ذلك بطاعته - عليه الصلاة والسلام – واتباعنا لشريعته والذب عنها والاستسلام لها باطناً وظاهراً . قال الله - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ( البقرة : 208 ) . وقال - تعالى - : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً مُّبِيناً } ( الأحزاب : 36 ) . وقال -تعالى - : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } ( النساء : 65 ) .

* الوصية الثالثة :
-------------

إن ما حصل من إساءة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الإعلام الدنماركي، والنرويجي وغيرهما جرم عظيم ينم عن حقد متأصل في قلوب القوم، ولكن ينبغي أن لا تنسينا مدافعة هؤلاء القوم من هو أشد منهم خبثاً وحقداً وضرراً على المسلمين، ألا وهي طاغية العصر أمريكا حيث جمعت الشر كله، فوقعت فيما وقع فيه هؤلاء من الإساءة إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإهانة كتاب ربنا - سبحانه - وتنجيسه وتمزيقه على مرأى من العالم، وزادت على القوم بقتل أهلنا ونسائنا وأطفالنا في أفغانستان و العراق و فلسطين، وسامت الدعاة والمجاهدين سوء العذاب في أبي غريب وأفغانستان، وسجونها السرية في الغرب والشرق، فيجب أن يكون لها الحظ الأكبر من البراءة والانتصار منها لربنا عز وجل ولكتابه - سبحانه - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ننبه الناس في هذه الحملة الميمونة إلى هذا العدو الأكبر وأنه يجب أن يكون في حقه من إظهار العداوة له والبراءة منه ومقطاعته كما كان في حق الدانمارك بل أكثر وأشد .
وأتوجه بهذه المناسبة إلى المنادين بمصطلح ( نحن والآخر ) والمطالبين بالتسامح مع الآخر الكافر وعدم إظهار الكراهية له، أقول لهم : هذا هو الآخر الذي تطلبون وده وتتحرجون من تسميته بالكافر . إنه يرفض ودكم، ويعلن كراهيته لديننا ونبينا، وكتاب ربنا - سبحانه - فماذا أنتم قائلون ؟ ! وهذا من عدونا غيض من فيض، وصدق ربنا - سبحانه - إذ يقول في وصفهم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ( آل عمران : 118 ) .-

* الوصية الرابعة :
---------------
إن من علامة صدق النصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نفرق في بغضنا وغضبتنا بين جنس وآخر ممن آذى نبينا - عليه الصلاة والسلام - وأساء إليه أو إلى دين الإسلام ؛ بل يجب أن تكون غضبتنا لله - تعالى – وتكون عداوتنا لكل من أساء إلى ربنا أو ديننا أو نبينا - صلى الله عليه وسلم - من أي جنس كان ولو كان من بني جلدتنا ويتكلم بألسنتنا . كما هو الحاصل من بعض كتاب الصحافة، والرواية، وشعراء الحداثة، والذين يلمحون تارة ويصرحون تارة أخرى بالنيل من أحكام ديننا وعقيدتنا، وإيذاء نبينا - صلى الله عليه وسلم -، بل وصل أذاهم وسبهم للذات الإلهية العلية تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً . فأين غضبتنا على هؤلاء، وأين الذين ينتصرون لله - تعالى - ودينه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من فضح هؤلاء والمطالبة بإقامة حكم الله فيهم ليكونوا عبرة لغيرهم ؟ إن الانتصار من هؤلاء لا يقل شأناً عن الانتصار ممن سب ديننا ونبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - في دول الغرب الكافر . يقول الله – عز وجل - : { لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ } ( المجادلة : 22 ) .

* الوصية الخامسة :
---------------

يقول الله - عز وجل - : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ( الإسراء : 36 ) .
يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية بعد أن ذكر أقوال أهل العلم : ( ومضمون ما ذكروه أن الله - تعالى - نهى عن القول بلا علم، بل الظن الذي هو التوهم والخيال كما قال - تعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } ( الحجرات : 12 )، وفي الحديث : « إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذب الحديث »، وفي سنن أبي داوود : « بئس مطية الرجل زعموا » ... وقوله : { كُلُّ أُوْلَئِكَ } ( الإسراء : 36 ) أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد { كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ( الإسراء : 36 ) أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها ) ا . هـ .
وفي ضوء هذه الآية الكريمة وما ورد في معناها نخرج بمنهج عادل وقويم في التعامل مع الأحداث، والمواقف ينصحنا الله - عز وجل - به، حتى لا تزلَّ الأقدام، وتضل الأفهام، وحتى لا يقع المسلم في عاقبة تهوره وعجلته . وذلك بأن لا ينساق وراء عاطفته، وحماسته الفائرة دون علم وتثبت مما رأى أو سمع فيقول بلا علم أو يتخذ موقفاً دون تثبُّت وتروٍّ .
إن المسلم المستسلم لشريعة ربه سبحانه محكوم في جميع أقواله ومواقفه وحبه وبغضه، ورضاه وسخطه بما جاء في الكتاب والسنة من الميزان العدل، والقسطاس المستقيم ؛ فإن لم يضبط المسلم عاطفته وحماسه بالعلم الشرعي والعقل والتروي فإن حماسته هذه قد تجره إلى أمور قد يندم على عجلته فيها .
والمقصود هنا التحذير من العجلة، والجوْر في الأحكام، والمواقف خاصة عندما تكثر الشائعات ويخوض فيها الخائضون بلا علم أو عدل، بل لا بد من التثبت ومشاورة أهل العلم والشرع وأهل الفهم بالواقع .
ومن أمثلة هذه المواقف المتسرعة في هذا الحدث ما تناقلته بعض المطويات ورسائل الجوال من وجوب المقاطعة لبضائع كثيرة بعضها ليست من منتجات القوم المقصودين بالمقاطعة، ومن ذلك التسرع في الحكم على من لم يقاطع بأنه آثم لا يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكما جاء في قول القائل : ( قاطع من لم يقاطع ) . ومن ذلك الإكثار من الرؤى والمنامات، والاستناد عليها في تصحيح موقف ما أو تخطئته، فهذا غلو خطير لا مبرر له .
وبعد : فهذا ما يسَّره الله - عز وجل - من هذه الوصايا التي أخص بها نفسي وإخواني المسلمين في كل مكان ؛ مع التأكيد على ضرورة الصمود والمصابرة في البراءة من القوم، ومقاطعة منتجاتهم ؛ فما كان في هذه الوصايا من صواب فمن الله - عز وجل - فهو المانُّ بذلك، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي و الشيطان، وأستغفر الله - عز وجل - وأتوب إليه . والحمد لله رب العالمين .

---------------------------------------
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 01-17-2015, 09:54 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
افتراضي

الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقـيره*
ـــــــــــــــــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين خير الأولين والآخرين، أما بعد:
فمحبة المسلمين للرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم وتوقيرهم له والذبّ عنه، ليس مجرد عمل عاطفي تجاه شخصية محبوبة، وإنما هو دين يتديّنون به أثبته الله تعالى في كتابه، وجعل الفلاح من نصيب القائمين به، كما قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]. وقد قام أصحاب الرسول الكرام الأماجد - رضي الله عنهم - بذلك خيرَ قيام، وتابعهم في ذلك التابعون، وذلك مستمر بإذن الله تعالى إلى يوم الدين يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد اقتضت سنة الله تعالى أن يكون للحق أعداء محاربون كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْـمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 31]، وكما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]، وقوله: {مَا يُقَالُ لَكَ إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43]، وكلما كان الحق أوضح وأشد نصاعة؛ جَهِد الأعداء المحاربون لله ورسله من الجن والإنس في عداوتهم للحق والسعي الشديد والكيد لإطفاء نوره. وأشد صور الحق نصاعة هو ما جاءت به رسل الله تعالى - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً -، وما جاء به رسولنا الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا في ذلك. ومن شأن الحق الواضح الجلي الذي لا تشوبه شائبة أن يمتلك القدرة الفائقة التي لا يُستطاع مقاومتها على خلع المشركين وأهل الجهل والضلالة مما هم فيه، ونقلهم بسرعة وقوة إلى معسكر الإيمان والتوحيد؛ ليكونوا من جنده المخلصين، ومن ثم كانت عداوة أهل الشرك والضلالة له صلى الله عليه وسلم، سواء في القديم أو الحديث، أشد وأشد، فقالوا عنه صلى الله عليه وسلم في القديم شاعر، وقالوا ساحر، وقالوا مجنون، لكن أقوالهم الفاجرة الآثمة، إضافة إلى حربهم، لم تقوَ على إطفاء نور الحق أو حجبه عن الناس، فآمن به مَن كان مِن أشد الناس له عداوة وانتقل إلى حزب المؤمنين وصار من المدافعين بأموالهم وأنفسهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كله تصديق لقوله تعالى له: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31]، فقد تكفّل الله تعالى بهدايته للحق وتبصيره بالرشد، وضمن له النصر على من ناوأه وعاداه من الإنس والجن جميعهم.
ولم تقتصر عداوة من عاداه صلى الله عليه وسلم على القديم، بل في العصر الحديث أيضاً، وربما كانت العداوة الآن أشد وأقسى، وذلك من جانبين:
1- جانب تيقن المشركين من قوة هذا الدين وثبات حقائقه ومن ثم ثبات أهله وتيقنهم منه، ومن ثم لا بد من بذل الجهود القوية المضاعفة لزحزحة بعض أتباعه عنه.
2- ضعف المسلمين الآن بالقياس إلى قوتهم في الأزمنة الغابرة، والذي يغري المشركين بالتطاول عليهم والطمع في تحقيق اختراق في جبهتهم، تمهيداً لإزالة الحق دين الإسلام، وهيهات ثم هيهات، ولو اجتمع من بأقطارها على ذلك فلن يفلحوا ولن ينجحوا.
فبعدما بَهرت أضواء الحق أبصار المشركين، وغزت دلائله وبيّناته عقولهم وقلوبهم، رغم ضعف إمكانات المسلمين العسكرية والتقنية، وانتقال كثير من المشركين من دائرة الكفر والشرك إلى دائرة التوحيد والإسلام والإيمان، وشعور أهل الكفر بغلبة الإسلام لهم وأنه قادم إلى عقر دارهم ليقتلع جذور الشرك من أرضهم النكدة؛ رأوا بأفكارهم العفنة وعقولهم النتنة أن القدح والطعن في سيد الخلق أجمعين محمد رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن أجمعين، ربما يعوق تقدم الإسلام في ديارهم، فاعتمدوا هذه الخطة الخبيثة وراحوا يطعنون ويسخرون ويرسمون ويمثلون بزعم حقهم في حرية التعبير. والحقيقة التي تفضحها الوقائع أن المسألة ليست مسألة حرية تعبير، بل هي الحرب والكيد للإسلام ولرسوله العظيم، وذلك:

أولاً: لأن ما يذكرونه ليس تعبيراً عن رأي في مسألة في الإسلام أو في رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو كذب واختلاق وسخرية واستهزاء، وليس ذلك رأياً، بل فجور وسفاهة وإجرام وعدوان، ونحن نتحداهم إن كان لهم رأي يقوم على أدلة وبراهين أن يبرزوا لمناظرة علماء الإسلام وليستعينوا في ذلك بما شاؤوا، وليس ينتظرهم غير الخيبة والخسران وانكشاف باطلهم كما حاق بمن قبلهم من بني جلدتهم في كل مناظراتهم التي حدثت مع علماء المسلمين.

ثانياً: أن الحرية التي يزعمون يكبتونها ويسنون لها القوانين لمنعها وعقوبة فاعلها إذا كان في ذلك ما يحقق للمسلمين بعض أحكام دينهم؛ كما منعت فرنسا ارتداء المسلمات لحجابهن الشرعي، ثم سنت قانوناً لمعاقبة كل من تخالف ذلك من النسوة المسلمات، ولم ينظروا لمسألة الحرية التي بها يتشدّقون؛ وكذلك منعت هولندا بناء المآذن ولم تنظر لمسألة الحرية.

ثالثاً: أن هناك من الأمور التي يمكن بقوة إدراجها في حرية التعبير، إلا أنه يُمنع الناس من التعبير فيها، بل سُنّت القوانين لتجريم من يخالف الرواية المعتمدة من السلطات، ولم ينظروا لمسألة الحرية؛ فحرق اليهود في أفران الغاز من قبل النازيين مسألة تاريخية تثبت أو تنفى بالدلائل، ومع ذلك اعتمدت سلطات كثير من البلدان الرواية اليهودية في حرقهم في أفران الغاز بحيث يجرّم من خالفها ويعاقب على ذلك بالسجن، ولم ينظروا لحرية الرأي، ولا للأدلة التي يقدمها من ينفي هذه الواقعة أو من يبين المبالغة المتعمدة فيها.
فحرية الفكر المدّعاة أكذوبة من أكذوباتهم التي لا تفنّد.
ولو قُدّر أن هؤلاء القوم عندهم حرية تعبير فعلاً ويقدرونها حق قدرها، فإن مسائل ديننا لا تؤخذ من مجرد الفكر والتصور، بل هي قائمة على أدلة، وما يزعم من فكر في هذا المجال فهو من كذبهم واختلاقهم.
ولا ينبغي لنا أن نسكت على كذبهم وإفكهم وسخريتهم برسولنا الكريم واستهزائهم به لرؤيتهم أن هذا من قبيل حرية التعبير، فديننا ورسولنا ورسل الله جميعهم لا يمكن للمسلم أن يتنازل في حقهم وتعظيمهم لمن يرى أن من حقه السخرية منهم والطعن فيهم، وما تجرّأ الكفار المشركون على تكرار التنقص من رسولنا الكريم إلا لما رأوا من ضعف رد المسلمين على إفكهم، ولو كان رد المسلمين رداً مكافئاً لجرمهم بالمقياس الشرعي لما كرّروا ذلك الأمر ولأدبهم الرد الشرعي عن محاولة تكراره، فقد بدأ ذلك المجرم المرتد سلمان رشدي بكتابة آيات شيطانية، وقد لعبت السياسة دورها في حصر المشكلة في رد فعل الشيعة على سلمان رشدي، لكن الفتوى التي أصدرها إمام الشيعة في زمنه أخافته وأخافتهم كثيراً، فلما هدأت العاصفة كرّمت ملكة بريطانيا المرتد سلمان رشدي وقلدته وسام الفارس وهو لم يقدم شيئاً يخدم به أمة الإنجليز، وكان الذي قدمه هو كتابه الفاجر «آيات شيطانية»، فهي تكرمه على قدحه في الإسلام، ما يدل على أن المسألة خارجة عن حرية التعبير، ثم قامت جريدة دنماركية بنشر رسوم كاريكاتورية فيها سخرية بسيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وكان رد الفعل ضعيفاً لم يتجاوز المقاطعة الاقتصادية التي ما لبثت أن تروجع عنها ولم تمكث طويلاً، ثم كانت ثالثة الأثافي الفيلم الذي أنتجه النصارى العرب في أمريكا يسخرون فيه من سيد البشرية، ولم يزد رد الفعل عن مقاطعة موقعي «جوجل» و«يوتيوب» المسؤولين عن نشره على المواقع الإلكترونية، والمقاطعة ليست كافية في ذلك ولا تمنع من هذا العمل ولا من تكراره مرة أخرى، كما أن هناك حكماً شرعياً فيمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو سخر منه أو تنقصه، وحكمه في ذلك القتل حداً، فلو أسلم وتاب لم يسقط عنه حد القتل، فالساب أو المستهزئ أو الساخر من سيد ولد آدم يقتل حداً، سواء كان مسلماً أو كافراً معاهداً أو كافراً حربياً، ولن يوقف هذا المسلك المشين من هؤلاء المشركين إخوان القردة والخنازير؛ غير تطبيق الحكم الشرعي عليهم، والذي أراه في ذلك أن يحدَّد القائمون بذلك العمل العدواني على مقدسات المسلمين، وتجرى التحقيقات حول ذلك، وتطالب البلدان التي تأويهم بتسليمهم لمحاكمتهم على ما اقترفوه، فإن أبت تلك الدول تسليمهم حوكموا غيابياً، فإذا صدرت الأحكام بحقهم طولبت تلك الدول طلباً حثيثاً بتسليمهم، فإن لم تقبل بتسليمهم نظر لتلك الدول على أنها دول تأوي مجرمين مطلوبين للعدالة الإسلامية، ثم تبيح الدولة التي أصدر قضاتها الحكم لرعاياها العمل على تنفيذ الحكم الصادر، ومثل هذا سيؤدي بكل تأكيد إلى دخول هذه الفئران إلى جحورها وعدم قدرتها على الظهور العلني، وسيقلص إلى أكبر حد ممكن من هذه التصرفات المجرمة، وستشعر تلك الدول التي تأوي هذه الجراثيم البشرية أن المسلمين جادون في عقوبة من ينتقص دينهم بكل سبيل، عقوبة حقيقية موجعة، ومن ثم فإنهم سيتعاهدون على كف سفهائهم عن تلك التصرفات. لقد أباحت أمريكا لقواتها أن تقوم بتنفيذ العدالة من وجهة نظرهم على من يعاديها، وسنت لذلك القوانين، ورأينا لذلك الطائرات التي تعمل من دون طيار تخترق أجواء الدول دون أذن، وتقوم بالدخول إلى المناطق التي يظنون فيها وجود من يبحثون عنهم، وقتلهم، ويعدون ذلك التصرف تصرفاً قانونياً، فلا يصلح أن يكون حرص هؤلاء على دنياهم أشد من حرصنا على ديننا وتعظيم رسولنا والذبّ عنه، فليس هناك ما يحول بيننا وبين إجراء هذه المحاكمات إذا كنا ننوي الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

---------------------------------------------
*{م:البيان}
ــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 01-17-2015, 09:58 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة هل ستنتصر الأمم المتحدة لسـيد المرسـلين؟!

هل ستنتصر الأمم المتحدة لسـيد المرسـلين؟!
ـــــــــــــــــــــــــ

(فيصل بن علي الكاملي)
ـــــــــــ

26 / 3 / 1436 هـــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ



تردَّدت في أعقاب الهجمة الأخيرة المعهودة من أهل الكتاب على خير البشر - صلى الله عليه وسلم - دعواتٌ من جهات شتى مطالبةً الأمم المتحدة باستصدار قرار يقضي بعدم الاعتداء على المقدسات أو المساس بالأديان.
إنه لمن المؤسف حقاً أن يظن بعض المسلمين أن استصدار مثل هذا القرار سيضمن حماية لمقدساتهم وعقيدتهم دون التنازل عن ثوابتهم مقابل هذه «الحماية الدولية». فهذه الدعوة ليست نتيجة الأحداث الأخيرة التي هي سنة ربانية في حق الرسل وأتباعهم من المؤمنين، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْـمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 31]، بل هي واحدة من محاولات بدأت على الأقل منذ عام 1999م لوضع ضوابط كلية تهدف الأمم المتحدة من خلالها إلى توجيه عقائد العالم كما توجه سياساته، وهو ما يمكن تسميته «عولمة الدين».
لما قامت شركة الأزياء الفرنسية (Marithé François Girbaud) عام 2005 بتمثيل المسيح - عليه السلام - وحوارييه (وفقاً للمعتقد الكاثوليكي) بطريقة تحاكي لوحة «العشاء الأخير» التي رسمها ليوناردو دا فنشي؛ سارع القضاء الفرنسي إلى تجريم هذا الفعل ومنع نشر الإعلان، واصفاً إياه بـ «التدخل السافر غير المبرر في عقائد الناس الجوهرية»[1]، ثم أصدرت الحكومة الإيطالية قراراً مشابهاً لأن في الإعلان اعتداء على الطائفة الكاثوليكية. لقد توقفت حرية التعبير عندما جُرحت مشاعر البابوية، فسارعت الدولتان الكاثوليكيتان فرنسا وإيطاليا إلى تكميم الأفواه لما كان الأمر متعلقاً بمرجعيتهما، لكن اعتداء زعيم الصليبية على الإسلام ونبيه # لم يحرك في دول الغرب ساكناً ولم يعتذر هو عن ذلك، بل لم تتجرأ الحكومة الأمريكية على نقده لما تعدى على الطائفة البروتستانتية في زيارته للولايات المتحدة عام 2007م وعَدَّ كنائسها باطلة.
لكننا هذه المرة أمام تجاوز غير كاثوليكي (بل قبطي أورثودكسي في الظاهر) يمكن أن يستغل ليُستصدر به قانون يحفظ حقوق الأقليات النصرانية باسم الدفاع عن الأديان، ولهذا أعرب الفاتيكان عن رفضه للفيلم ودعوته إلى السلام في لغة مزدوجة مألوفة من معقل الصليبية الذي كان بالأمس القريب طعّاناً في الإسلام. وتبعاً لذلك سارع البطريرك الماروني بشارة الراعي بعد لقائه سيده البابا بندكت السادس عشر، إلى الدعوة لقانون يمنع الاعتداء على الأديان، وأعرب في ثنايا دعوته عن أن النيل من الإسلام نيل من جميع الأديان. لكن بطريرك المارون لم يخفِ غرضه من الدعوة، بل صرح - وفقاً لوكالة الأنباء (Romereports) – بأن النصرانية مستهدفة غالباً، وأن يسوع (عيسى عليه السلام) والكنيسة والكتاب المقدس، يتعرضون للهجوم والشتم في الأفلام والوثائقيات، وللحيلولة دون ذلك يريد من الأمم المتحدة أن تتدخل بإصدار قرار[2].
وهذا مربط الفرس بالنسبة لكبراء النصارى الداعين إلى قانون يجرّم الاعتداء على الأديان والمقدسات، فهم سيتخذون من هذا الحدث سُلَّماً يرتقون به إلى ما يضمن مصالحهم، وعلى رأس هذه المصالح حماية وتسمين الأقليات النصرانية في بلاد الإسلام بعد أن تبيّن جلياً سعي دول الغرب الاستعمارية في الأعوام الأخيرة إلى استغلال بعض الأحداث المتعلّقة بالأقليات في العراق ومصر وغيرهما في محاولة للتدخل في شؤون البلاد الإسلامية، لكن هذا التدخل قد يتخذ في المستقبل مجرىً رسمياً دولياً تحت مظلة الأمم المتحدة.
لعل صيغة القرار النهائية لقانون مناهضة الاعتداء على الأديان، محفوظة في الأدراج لحين الحاجة إليها، بل إننا نمتلك صيغة مشابهة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والستين بتاريخ 11 أبريل 2011م، عنوان القرار «مناهضة تشويه صورة الأديان»، وهاك فقرات من تلك الوثيقة:
«ترحب [الجمعية] بما أعرب عنه في إعلان اﻷمم المتحدة لﻸلفية الذي اعتمدته الجمعية العامة في 8 أيلول/ سبتمبر 2000 منتصميم على اتخاذ تدابير للقضاء على اﻷفعال العنصرية وكراهية اﻷجانب المتزايدة في مجتمعات كثيرة».
«وإذ تعرب [الجمعية] عن بالغ القلق إزاء ازدياد العنف العنصري واﻷفكار الداعية إلى كراهية اﻷجانب في أنحاء عديدة من العالم وفي الدوائر السياسية ولدى الرأي العام وفي المجتمع ككل، نتيجة لأمور عدة، منها: معاودة اﻷحزاب والرابطات السياسية المنشأة على أساس برامج ومواثيق عنصرية ومحرضة على كراهية اﻷجانب وقائمة على فكرة التفوق اﻹيديولوجي... والتمادي في استغلال تلك البرامج واﳌواثيق للترويج لﻺيديولوجيات العنصرية أو التحريض على اعتناقها».
«تﻼحظ [الجمعية] مع القلق أن الحط من شأن اﻷديان والتحريض على الكراهية الدينية عموماً، يمكن أن يؤديا إلى التنافر اﻻجتماعي وانتهاك حقوق اﻹنسان، وإذ يثير جزعها عدم اتخاذ بعض الدول أي إجراءات لمكافحة هذا الاتجاه المتنامي وما ينجم عنه من ممارسات تمييزية ضد معتنقي أديان معينة».
خلاصة القول: إن قرار الأمم المتحدة المعَدّ سابقاً سيساوي بين الضحية والجلاد، وسيسعى إلى تسوية دين الله الحق بغيره من أديان البشر تحت ذريعة محاربة الأحزاب والجماعات التي تمارس العنف لقيامها «على فكرة التفوق الإيديولوجي». وسيترتب على هذا تمييع القضايا العقدية الجوهرية كالولاء والبراء، وسيعد استعمال بعض الألفاظ الشرعية كـ «الكافر» و«المبتدع» من الدعوة إلى الكراهية والتعدي على حقوق الإنسان، وقد يمنع المسلم من نقض عقائد التثليث والصلب ونحوهما في سياق دعوته النصارى باعتباره تجاوزاً على خصوصيات الآخر، وقد يُجرَّم القائل بأن كتب اليهود والنصارى محرفة. وقد قلت قبل عامين تقريباً لأحد الإخوة مُتندِّراً: يوماً ما قد يُصادَق على الأحكام الشرعية في بلاد الإسلام من قبل الأمم المتحدة، ولا أراه بعيداً.
إن دور الأمم المتحدة على الصعيد الديني لن يقل خطورة ومراوغة عن دورها على الصعيد السياسي، وهو حلقة في مشروع العولمة (أو النظام العالمي الجديد)، الذي يسعى للقضاء على ثوابت الدين وتتبناه هذه المنظمة، بل تتولى كبره.
-----------------------------------------

[1]  BBC News «French Court Bans Christ Advert».
[2]http://www.romereports.com/palio/catholic-patriarch-un-resolution-thatoutlaws-religious-defamation-is-needed-english-7740.html#.UGaqTpjMiJo.


-------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 01-17-2015, 10:02 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الكنيسـة المصرية ودماء الإساءة للنبي الكريم

الكنيسـة المصرية ودماء الإساءة للنبي الكريم
ـــــــــــــــــــــــ

(عصام زيدان)
ـــــــــــ

26 / 3 / 1436 هــ
17 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ




بعدما تولى شنودة الثالث منصبه كرأس للكنيسة في بداية السبعينيات من القرن الماضي خلفاً للبابا كيرلس، اختلف حال الكنيسة الأرثوذكسية في مصر اختلافاً جذرياً، حيث خطّ شنودة للأقباط خطاً مغايراً لكل من سبقه، وقاد الكنيسة إلى ما يمكن أن نسميه «المسيحيّة السياسية».
فكانت الكنيسة، حتى قبيل تولي شنودة منصبه، تكتفي بدورها الكهنوتي الديني، ولم يكن يعرف لها بعد سياسي، وحينما تولى شنودة سدة البابوية راح يتخذ من الأدوات والآليات التي تسمح بتمدّد نفوذ الكنيسة من الرهبنة والنشاط الديني إلى المعترك والمسرح السياسي، معتقداً أن هذا التمدد يمكن أن يحقق للأقباط امتيازات ومكاسب ضخمة على الأصعدة كافة، وفي مقدمتها السياسة.
وهكذا انتقلت مهمات الكنيسة المصرية من مجرد الإشراف والتوجيه الديني إلى تحديد الخيارات السياسية للأقباط والتفاوض نيابة عنهم مع النظام الموجود حينذاك.
واللافت في تلك الحقبة التي كان فيها شنودة على رأس الكنيسة، أيضاً، تزايد الاستفزاز لمشاعر المسلمين الذي مارسته الكنيسة والذي لا يمكن وصفه بالعفوي أو غير المقصود، وقد تجلى ذلك على سبيل المثال في حادثة كنيسة محرم بك في الإسكندرية عام 2005، وإخراج مسرحية تسخر من بعض الشعائر والمقدسات الإسلامية، ومن قبلها كان الإصرار على تسليم «وفاء قسطنطين» إلى الكنيسة واعتقالها في أحد الأديرة بوادي النطرون، حيث مقر اعتكاف البابا شنودة عام 2004.
ولذا؛ فإن ما جاء في الفيلم المسيء للنبي الكريم، الذي ظهر مؤخراً، هو على وجه الحقيقة يتردّد منذ زمن في الكنيسة الأرثوذكسية، وفي القنوات الفضائية المسيحية، والغرف الصوتية، والمنتديات التنصيرية، ومن شخصيات رسمية كنسية.
وقد عكس تصريح خطير للأنبا ماكس ميشيل، المعروف باسم ماكسيموس الأول، «راعي كنيسة المقطم»؛ هذه الحالة في عهد شنودة بقوله: «لم تشهد مصر أي أحداث طائفية إلا في عهد البابا شنودة؛ نظراً لتعامله مع هذه الأحداث بشكل تسبّب في تأجيج الوضع الطائفي، فكانت سياساته بمنزلة الذي يسكب الزيت على النار، فقد كان يحرض الأقباط على الثأر من المسلمين وحمل السلاح، وقد شاهدت إحدى هذه الوقائع بعيني عندما كنت في الكنيسة وسمعته يطالب مجموعة من المسيحيين برفع راية الاستشهاد وعدم العودة إلى الكنيسة إلا وهم أموات». (المصري اليوم 2/7/2006).
وفي إطار تسييس الكنيسة الأرثوذكسية، كذلك، لا يخفى الدور الذي لعبه شنودة في دعم وتكوين ما عُرف بمنظمات أقباط المهجر، فعندما تولى شنودة منصب البابوية لم يتجاوز عدد الكنائس القبطية في المهجر سبع كنائس فقط، أما الآن فقد قاربت المائتي كنيسة؛ منها 80 كنيسة تقريباً في الولايات المتحدة، و50 في أوروبا، وقد اعتبرت هذه المنظمات بمنزلة قنطرة التأثير السياسي من الخارج على صانع القرار المصري.
وفي مرحلة ما بعد شنودة وجدت الكنيسة المصرية نفسها في مأزق كبير تمثل في ثلاثة متغيرات:
الأول: غياب شنودة، العقل المدبّر لهذا التوجه.
الثاني: تغيير نظام الحكم في مصر بتغييب السلطة التي طالما خضعت لضغوط الأقباط.
الثالث: صعود تيار الإسلام السياسي على منصة الحكم.
والظاهر أن الكنيسة أرادت أن تستمر في أداء دورها والاستمرار على النهج الذي تركها عليه شنودة، والذي يتمثل في ثلاث ركائز أساسية:
الركيزة الأولى: التأثير في القرار السياسي بما يخدم مصالح الأقباط كطائفة داخل المجتمع المصري ولو على حساب المجتمع بأسره.
الركيزة الثانية: الاعتماد على الذراع الخارجية الممثلة في أقباط المهجر للضغط على النظام السياسي الداخلي، وتحقيق مكاسب قبطية، فالكنيسة، بدلاً من أن تمارس أدوارها السياسية بذاتها وتدخل في مواجهة ربما لا تكون محسوبة مع تغير البيئة السياسية في الداخل المصري وذهاب الظهير المساند الممثل في النظام المخلوع الذي صاحبه، كذلك، غياب الموجه والمؤسس لهذا التوجه؛ اتخذت من أقباط المهجر رافعة للوصول إلى مآربها وأهدافها.
الركيزة الثالثة: إيجاد مناعة لدى جمهور النصارى في مصر من التأثر بالإسلام؛ من خلال الإساءات المستمرة للمقدسات الإسلامية، واستنفار حاستهم الدينية في مواجهة المسلمين.
ومن هنا، نستطيع أن نفهم دور الكنيسة المصرية في الفيلم المسيء للنبي الكريم، والمسمى «براءة المسلمين»، فمن البداية سنجد الخيوط كلها تقودنا إلى مسؤولية الكنيسة في مصر عن هذا الفيلم، كونها الراعية الرسمية لأقباط المهجر الذين يأتمرون بأمر تلك الكنيسة التي كان لها اليد الطولى في إنشاء وتمكين أقباط المهجر، خاصة في الولايات المتحدة، على نحو ما عرضنا سابقاً.
كما أن أقباط المهجر التسعة المشاركين في إنتاج الفيلم المسيء، أنتجوه باللغة العامية المصرية، وليس باللغة العربية الفصحى، وهو ما يحمل دلالة على السوق الذي أراد منتجو الفيلم أن يتوجه إليه، فهل يمكن أن يغزو هؤلاء التسعة بلادنا بهذه الإساءة دون علم ومعرفة وموافقة الكنيسة الأم في مصر؟!
وللتأكيد على الدور الذي لعبته الكنيسة المصرية في إنتاج هذا الفيلم، سنجد أن كاتبه المسيء، نيقولا باسيلي، اعتمد على مصدرين اثنين في الكتابة: الأول: رواية مسيئة للرسول الكريم كتبها القمص مرقس عزيز، وهو كاهن كنيسة من مصر مقيم في الولايات المتحدة. والمصدر الثاني: مجلة رسوم ساخرة من الرسول الكريم طبعها القمص ذاته في الولايات المتحدة عام 2010.
وكما تقول صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فإن القس المصري المتطرف زكريا بطرس هو الآخر من المسؤولين عن الفيلم المسيء للرسول، مؤكدة أن كل صنّاع الفيلم، وعلى رأسهم عصمت زقلمة، الداعي إلى تقسيم مصر ورئيس الدولة القبطية المزعومة، وموريس صادق، الذي يهاجم مصر في كل المحافل الدولية؛ من أتباع القس زكريا بطرس والمؤمنين بأفكاره.
وبطرس، هذا، يتحدث دائماً وهو يرتدي الزي الرسمي للكنيسة المصرية، وكتبه تحمل صورة شنودة، وكان يلتقي شنودة في الولايات المتحدة كلما ذهب إليها هذا الأخير، بل حين سئل شنودة عما يردّده بطرس لم ينكر عليه، بل تحدث بما يشير إلى تأييده.
ثم إننا نجد أن باسيلي اعتمد في التمويل على أموال أرسلتها زوجته المصرية.. فهل تركته زوجته يدخل السجن في قضية مالية وأشفقت عليه وأغدقت عليه مالاً لينتج الفيلم المسيء، أم أن أموال الكنيسة المصرية الخارجة عن الرقابة كانت هي المصدر الرئيس لإنتاج وتمويل الفيلم؟!
فكل هذه الشواهد والدلالات تؤكد أن للكنيسة المصرية سهماً وافراً في هذا الفيلم المسيء، وتلوثت يدها بدماء الإساءة للنبي الكريم.
وهذا ما يقودنا إلى السؤال الأهم، وهو عن ماهية الأهداف التي تسعى إليها الكنيسة في مصر من نشر هذا الفيلم في هذا التوقيت؟
ونحن نرى أن هناك عدة أسباب كانت من وراء نشر هذا الفيلم في هذا التوقيت، منها:
أولاً: إعطاء رسالة واضحة لصنّاع السياسة في مصر، ولكاتبي الدستور المصري الجديد، أنه حتى مع غياب نظام الرئيس المخلوع، وهلاك رأس الكنيسة شنودة؛ فإن الكنيسة ما زال لها مخالب قوية تستطيع أن تؤثر بها على مسار الحياة الاجتماعية في مصر، ومن ثم لا بد من مراعاتها في بنية النظام السياسي الجديد، وعند كتابة الدستور، وإلا فإن موجات الإساءة وما تستتبعه من موجات غضب وافتعال مواقف حادة بين المسلمين والنصارى في مصر؛ لن تهدأ أبداً حتى ينال نصارى مصر ما يريدون.
ثانياً: التأثير في عصب العلاقة المصرية - الأمريكية، والاستحواذ على عصا التحويلة في هذه العلاقات، ومما لا شك فيه أن موجات الغضب التي تلت نشر هذا الفيلم، ومهاجمة سفارات الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وهي كلها أمور محسوبة ومعلومة؛ تركت بصمات سياسية في مسار تلك العلاقة بعد أن كانت في نقطة انطلاق صحيحة، حيث منعت الولايات المتحدة معونات اقتصادية عن مصر، وأغلق باب اللقاء المرتقب بين الرئيس المصري ونظيره الأمريكي، وتعالت الأصوات الأمريكية مجدداً مطالبة بضرورة إعادة النظر في سياستها مع مصر بعد تمكّن التيار الإسلامي من الوصول للقصر الرئاسي، وأصبحت، مصر، كما يقول الرئيس الأمريكي أوباما، «لا حليف ولا عدو».
ثالثاً: مع وجود التظاهرات الغاضبة على نشر الفيلم، وهو أمر معلوم ومحسوب بصورة جيدة، كما أسلفنا القول، تمكّن نصارى مصر من إعطاء انطباع خارجي متوهم بأنهم مضطهدون، ومن ثم جاءت الأصوات المنادية بدولة قبطية أو تدخل لحماية الأقباط، وهي ورقة أراد نصارى مصر أن يلاعبوا بها النظام السياسي الجديد في رسالة مضمونها أنهم وإن كانوا أقلية في الداخل، إلا أنهم أغلبية في الخارج، ولذا يجب على ساكني القصر الجدد فهم أوراق اللعب، وأن يعلموا أين مصادر القوة والتأثير.
رابعاً: إحراج القيادة الجديدة، في ثوبها الإسلامي، وإظهارها أمام العالم بأنها طائفية تمارس العمل السياسي بمنطلقات عقدية تضطهد النصارى، وذلك في حالة إذا ما اتخذت هذه القيادة رد فعل يناسب هذا الجرم الأخلاقي، أو إظهارها ضعيفة متخاذلة أمام أتباعها ومريديها، إن هي لم تتخذ القرار الذي يتناسب مع هذا العمل المسيء، وذلك كله بهدف إعادة ترسيم حدود القوى والنفوذ في المجتمع المصري.
وكما نرى فالكنيسة في مصر تمكّنت من تحقيق بعض أهدافها من إنتاج ونشر هذا الفيلم المسيء، وهو ما يستدعي من قوى المجتمع في مصر أن يتحسّسوا طريقاً لتحرير نصارى البلاد من قبضة الكنيسة، ثم يحرّروا الكنيسة من الغُلاة المتحكمين فيها، متحلين بالفطنة والذكاء، عامدين إلى قطع أنبوب التغذية الممتد من كنيسة مصر إلى أقباط المهجر، الذين هم آلة التأثير القبطي الخارجي والذراع التي تعتمد عليها الكنيسة في مواجهة الدولة والمجتمع.
-------------------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المتغطرسة, المسيئة, الرسول, والعقلية

« في بيان ما أشكل من أحاديث الاعتقاد | جناية الضعيف والموضوع »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حول الرد على الرسوم المسيئة محمد خطاب الكاتب محمد خطاب ( فلسطين) 1 01-24-2015 09:18 PM
صحيفة دنماركية تعيد نشر الرسوم المسيئة للرسول بعد هجوم «شارلي إيبدو» Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 01-08-2015 11:54 PM
12 قتيلا في هجوم على صحيفة "شارلي ايبدو" في باريس والمعروفة بنشر الرسوم المسيئة للرسول Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 01-07-2015 05:28 PM
التطوع لإزالة الرسوم المسيئة عن جدار مسجد برنيستون عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 03-23-2014 08:45 AM
رشق صاحب الرسوم المسيئة بالبيض في السويد Eng.Jordan المسلمون حول العالم 0 02-23-2012 05:00 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:30 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68