تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

الصوفية

الصوفية ــــ آل البيت .. منزلتهم - خصائصهم --------------------- (عبد الحكيم بن محمد بلال) ---------------- 29 / 3 / 1436 هــ 20 / 1 / 2015 م

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-20-2015, 08:20 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,057
ورقة الصوفية


الصوفية
ــــ

آل البيت .. منزلتهم - خصائصهم
---------------------

(عبد الحكيم بن محمد بلال)
----------------

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ

الصوفية images?q=tbn:ANd9GcS9G1OScRYPNr-GW-ZYMdOXqPAZpkKR6bBDwLlDD-okS8g5oJ9A

أولاً : التعريف، والمراد بهم :
------------------

(الآل) في اللغة : من الأَوْل، وهو : الرجوع . وآلُ الرجل : أهل بيته، وعياله؛ لأنه إليه مآلهم، وإليهم مآله[1] .
المراد بآل النبي[2] : اختلف في آل بيت الرسول على قولين :
القول الأول : أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم : بنو هاشم، وبنو عبدالمطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛ وهذا القول هو اختيار الأكثرين . ولا شك أن بعضهم أخص بكونه من آل البيت من بعض، فعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين : أخص من غيرهم .[3]
ومن أدلة هذا القول :
أ- حديث (غدير خمّ) عن زيد بن أرقم أن النبي خطبهم، وفيه : أنه حث على التمسك بكتاب الله ورغب فيه، ثم قال : (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهـل بيتي)، فقال له : حصين : ومَنْ أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم . وفي رواية : قيل مَنْ أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال : لا، وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته : أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده)[4] .
ب- حديث عمر بن سلمة قال : نزلت هذه الآية على النبي : { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } [الأحزاب : 33] في بيت أم سلمة، فدعى النبي فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال : (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)[5] .

القول الثاني : أنهم ذريته وأزواجه خاصة :
---------------------------
ومن أدلة هذا القول :

أ- قوله (تعالى) : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ .... } حتى قوله : { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } [الأحزاب : 30-33] فدخلن في آل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه .

ب - ما جاء في روايات حديث الصلاة على النبي بعد التشهد : (اللهم صل على محمد وآل محمد)، قالوا : فإنه مفسر بمثل حديث أبي حميد : (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)[6] ، فجعل مكان الآل : الأزواج، والذرية؛ مفسراً له بذلك .

ج - أن الله (تعالى) جعل امرأة إبراهيم من آله، فقال : { رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ .. } [ هود : 73] كما جعل امرأة لوط من أهله، فقال : { ... إنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلاَّ امْرَأَتَكَ ... } [العنكبوت : 33] .
وقيل في معنى (الآل) أقوال أخرى لا تصح .هل أزواج النبي من آله ؟ :
يأتي إفراد هذه المسألة من أهميتها؛ فالرافضة ينكرون كون أزواج النبي من آله، وحجة من ذهب إلى هذا من أهل العلم : حديث زيد، وحديث ابن سلمة .

ويمكن مناقشة الاستدلال بهما كما يلي :

أولاً : حديث زيد، إنما وقع فيه نفيه في الرواية الثانية على أن يكون المراد بأهل بيته نساؤه فقط دون غيرهن، ولذا : قال في الرواية الأولى : (نساؤه من أهل بيته)، فأثبت كونهن من أهل بيته، ونفى كونهن أهل بيته دون غيرهن، ويحتمل أيضاً : أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث بالآل الذين حرموا الصدقة استقلالاً، وهم قرابته دون أزواجه، ولكن الاحتمال الأول أرجح؛ جمعاً بين الروايتين، وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة[7] .

ثانياً : وأما استدلالهم بحديث عمر بن سلمة، فمناقشته من أوجه :

1- أن الحديث يحمل على أن النبي ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية، وجعلهم أهل بيته، كما ألحق المدينة بمكة في حكم الحرَمِيّة، وعليه : فأهل الكساء جُعلوا من أهل بيته بدعائه، أو بتأويل الآية على محاملها .

2- أن الحديث لا يقتضي حصر آل البيت في أولئك؛ لما جاء في الرواية الأخرى : (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق)[8] ، وهذا غايته أن قرابته أحق بهذه التسمية، وليس فيه إخراج الأزواج من الآل .
3- أن قصر أهل البيت على المذكورين في الحديث (يقتضي أن تكون الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها) .
4- أن قوله لأم سلمة حين قالت : وأنا معهم يا رسول الله ؟ : (أنت على مكانك، وأنت إلى خير)[9] ليس فيه ما يفيد منعها من ذلك؛ لأن المراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها، وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها به[10] . وبعد هذه المناقشة يتبين أن القول الذي تجتمع به الأدلة هو : شمول الآل للقرابة والأزواج، وهذا القول هو اختيار كثير من أهل العلم، وصححه ابن تيمية[11] .

واليوم : فإن نسل البيت الطاهر لم ينقطع، كما دلت أحاديث خروج المهدي على أنه من نسله، ولكن لا يثبت النسب لكل مدع، إذ لا بد من إثبات النسب، فإن كان ذاك فلآل بيت رسول الله ما سيأتي ذكره من الخصائص والحقوق والواجبات .

ثانياً : خصائصهم ومناقبهم :
--------------
1- خصائصهم :

أ- تحريم أكل الصدقة عليهم قال : (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد) .[12]

ب- إعطاؤهم خُمُس خمس الغنيمة، وخمس الفيء : قال (تعالى) : {واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } [الأنفال : 41]، وقال : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } [الحشر : 7]، فإذا حرموا نصيبهم هذا أعطوا من الصدقة .

ج- فضل النسب وطهارة الحسب :

قال : (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفاني من بني هاشم)[13] .
2- مناقبهم العامة :

أ- تخصيصهم بالصلاة عليهم : وذلك كما في التشهد في الصلاة عليه وعلى آله .
ب- وصية الرسول بهم : كما تقدم .
ولا يثبت لآل البيت والله أعلم غير ذلك من الخصائص العامة، فيجب الحذر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ودسائس المبتدعة .

3- المناقب والفضائل الخاصة ببعض آل البيت :

قد ثبت لكثير من أفراد آل البيت مناقب كثيرة، حفظتها السنة، ففضائل علي أشهر من أن تذكر، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وخديجة خير النساء، وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام[14] ، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وحمزة سيد الشهداء يوم القيامة ... وهذا غيض من فيض .
ثالثاً : عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت :

تتلخص عقيدة أهل السنة في آل البيت في أنهم يحبون المؤمنين من آل البيت، ويرون أن المؤمن من آل البيت له حقان عليهم : إيمانه، وقرابته .
ويرون أنهم ما شرفوا إلا لقربهم من الرسول، وليس هو الذي شَرُف بهم، ويتبرؤون من طريقة الروافض، ومن طريقة النواصب، ويحفظون فيهم وصية الرسول، ولازم هذه المحبة : توليهم ونصرتهم، وهي من لوازم حفظ الوصية فيهم .
ويرون أنهم مراتب ومنازل، وأنهم وإن تميزوا فلا يعني أن لهم الفضل المطلق على من فضلهم في العلم والإيمان، فالثلاثة : أبو بكر، وعمر، وعثمان، أفضل من علي، وإن امتاز عنهم بخصوصيات؛ لأن هناك فرقاً بين الإطلاق والتقييد[15] .
(وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه (رضي الله عنهن)، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين)[16] .
قال ابن كثير (رحمه الله) : (ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم، وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين)[17] .
ويبين الطحاوي أن البراءة من النفاق لا تكون إلا بسلامة المعتقد في آل البيت فيقول : (ومن أحسنَ القولَ في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق)[18] .
ولقد كانت حياة سلف الأمة شاهدة على رعايتهم وصية رسول الله في أهل بيته، والوقائع كثيرة، هاك شيئاً منها :
-قال أبو بكر (رضي الله عنه) : (ارقبوا محمداً في آل بيته) يخاطب الناس بذلك ويوصيهم به، يقول : احفظوه فيهم؛ فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم[19] .
وقال (رضي الله عنه) : (والله، لَقرابة رسول الله أحب إليّ من أصل قرابتي)[20] .
-وقال عمر للعباس (رضي الله عنهما) : (والله، لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب)[21] .
هذه بعض الشواهد، وإلا فإن الأمر أكبر من هذا، كما شملت هذه الرعاية أزواجَ النبي؛ فإن أهل السنة يعرفون لهن حقّهن، فإنهن أمهات المؤمنين بنص القرآن، وأفضلهن : خديجة وعائشة (رضي الله عنهن أجمعين) .
وقد كان بقية آل البيت فضلاً عن سائر الصحابة يعرفون مكانتهن؛ فقد قيل لابن عباس (رضي الله عنهما) بعد صلاة الصبح : ماتت فلانة لبعض أزواج النبي فسجد، قيل له : أتسجد في هذه الساعة ؟ فقال : أليس قال رسول الله (إذا رأيتم آية فاسجدوا)، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ؟[22] .
ولما كان صحابة رسول الله يحفظون لآل البيت قدرهم، فقد كان آل البيت أيضاً يعرفون منزلة إخوانهم من الصحابة، ويقدرون صاحب الفضل منهم (رضي الله عن الجميع) ويكفي الشاهد التالي : عن ابن عباس قال : (إني لواقف في قوم، فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي فقال : رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله يقول : كنتُ وأبو بكر وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتّ فإذا علي بن أبي طالب)[23] فهذا هو علي (رضي الله عنه) الذي يرفعه الرافضة فوق منزلته، ويزعمون ظلم الصحابة له وسلبهم حقوقه، إنه (رضي الله عنه) يرد عليهم بفعله وقوله . ومن أجمل ما في هذا الباب : رسالة للشوكاني سماها (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي )، ذكر فيها إجماع أهل البيت على تحريم سب الصحابة، من اثني عشر طريقاً، ثم سردها عن جماعة من أكابرهم . ثم ذكر طائفة من أقوالهم، تبين معتقدهم في صحابة رسول الله، والترضي عنهم، وتحريم سبهم، وأن السب إنما هو من فعل الروافض الضلاّل، ومن تشبه بهم في فعلتهم هلك معهم، وذكر في آخر رسالته أن من لم يقنع بما ذكر من الأدلة والإجماع فهو : إما جاهل، أو مكابر . وصدق (يرحمه الله) .

رابعاً : معتقد أهل البدع والضلال في آل البيت :

افترق الناس في آل البيت، فهلكوا، ونجا أهل السنة، وهذا بحكم علي (رضي الله عنه) حيث قال : (يهلك فيّ رجلان : مفرط في حبي، ومفرط في بغضي)[24] ، وأهل السنة وسط بين طرفين، وقد سلك أهـل الزيغ في آل البيت مسلكين : مفرط في الحب وهم الروافض والصوفية، ومفرط في البغض وهم النواصب .
المسلك الأول : مسلك الرافضة والصوفية :
معتقد الرافضة في آل البيت :
غلا الرافضة في محبتهم كما غلت النصارى في المسيح[25] ، وقالوا : لا ولاء إلا ببراء، أي : لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)[26]، وأطلقوا (النّصْب) على من تولى الشيخين (رضي الله عنهما)؛ بناءً على أن : (من أحبهما فقد أبغض عليًّا)، و (من أبغضه فهو ناصبي)، وهاتان مقدمتان، أولاهما باطلة[27] . ورفعوهم فوق منزلتهم، وادعوا لهم ما لم يثبت، بل ما لا تقبله العقول !
وقد تبرأ خيرة آل البيت من تلك المحبة ودعوا إلى الاعتدال فيها، قال علي بن الحسين (رحمه الله تعالى) : (يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً)[28]، وعن الحسن بن الحسن أنه قال لرجل يغلو فيهم : (ويحك ! أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان الله نافعاً أحداً بقرابة من رسول الله بغير طاعة، لنفع بذلك أباه وأمه، قولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى منكم)[29] .
قولهم بإمامة الاثني عشر :[30]
الإمامة عندهم في المرتبة الرابعة من أصول الدين، بعد التوحيد والعدل والنبوة، فزعموا فيها أن النبي نصّ على إمامتهم نصًّا جليًّا أو خفيًّا . ومن أصول الرافضة في الإمامة :

أ - أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة الأنبياء .
ب- أن كل ما يقولونه فقد تلقوه عن النبي .
ج- أن إجماع العترة (وهم الأئمة الاثني عشر) حُجة، وأن كل ما قاله أحدهم فقد أجمعوا عليه كلهم ! .
وبراءة آل البيت من لزوم طاعتهم على ما قرره الرافضة ثابتة : فعن علي بن الحسين أنه قال : (من زعم منا أهل البيت أو غيره أن طاعته مفترضة على العباد فقد كذب علينا، ونحن منهم براء، فاحذر ذلك إلا لرسول الله ولأولي الأمر من بعده)[31] . وعن أبي جعفر محمد بن علي، قال : (يزعمون أني مهدي، وإني إلى أجلي أدنى مني إلى ما يدعون)[32] .

انحراف الرافضة في أئمتهم :
---------------
وقد بلغ مبلغاً عظيماً، ومن صوره :
أولاً : اختلافهم في تعيين الأئمة اختلافاً متبايناً، كلّ يدعي الحق دون حجة ولا برهان .
ثانياً : مخالفتهم لأئمتهم، حيث فارقوا أهل السنة والجماعة .
ثالثاً : أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات .
رابعاً : كذب الرافضة على أئمتهم :
فلم يقفوا عند حدّ القصور في تمييز المنقولات، وقد عظم كذبهم، لا سيما على جعفر الصادق، فإنه ما كُذب على أحد مثل ما كذب عليه، حتى نسبوا إليه : كتاب الجَفْر، والبطاقة، والهَفْت، واختلاج الأعضاء، وجدول الهلال، وأحكام الرعود والبروق ... وغيرها .
خامساً : اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم :
فقد مات الأئمة من سنين كثيرة، فأين مهديّهم ؟ ! والذين يوجهون الرافضة، ويطيعهم الرافضة، هم الشيوخ، أو كتب صنفها الشيوخ .
سادساً : سخافة قول الرافضة في أئمتهم :
وماذا حصّلوا من انتظارهم إمامهم المزعوم محمد بن الحسن العسكري إلا العناء وسخرية العقلاء بهم ؟ ! .
سابعاً : زعمهم اختصاص آل البيت بشيء من التشريع، لم يعلم به غيرهم :
ومن ذلك : زعمهم اختصاصهم بمصحف فاطمة، ويكفينا هنا رد علي نفسه لما سئل : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما كان في كتاب الله ؟ قال : (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن ... )، ولمسلم : (ما خصنا رسول الله بشيء لم يعم به الناس كافة)[33] .
ثامناً : شرك الرافضة في أئمتهم :
حيث ينسبون إليهم أفعالاً لا تليق إلا بمقام الربوبية، وتأمل هذه القصة : عن القاسم المطرّز، قال : دخلت على عبّاد الكوفة، وكان يمتحن الطلبة، فقال : من حفر البحر ؟ قلت : الله، قال : هو ذاك، ولكن من حفره ؟ قلت : يذكُرُ الشيخ، قال : حفره علي ! ! فمن أجراه ؟ قلت : الله، قال : هو كذاك، ولكن من أجراه ؟ قلت : يفيدني الشيخ، قال : أجراه الحسين، وكان ضريراً، فرأيت سيفاً وحَجَفَة، فقلت : لمن هذا ؟ قال : أعددته لأقاتل به مع المهدي، فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال : من حفر البحر ؟ قلت : حفره معاوية (رضي الله عنه)، وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبتُ وعَدَوْتُ فجعل يصيح : أدركوا الفاسق عدوّ الله، فاقتلوه .[34]
حقيقة مذهب الرافضة :
والحقيقة التي ينبغي أن تُعلم : أن كل ما يدعيه الرافضة لآل البيت، لم يكن مودة لآل البيت، ولا محبة فيهم !، فإن القوم قوم بُهت، وأهل كيد وخداع، وإن وراء الأكمة ما وراءها، ويشهد التاريخ أنهم كادوا للإسلام ويكيدون له؛ فهم قوم منافقون باطنيون أقصد أهل زماننا من الرافضة،قال الإمام الدارمي : (حدثنا الزهراني أبو الربيع قال : كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من رأيه الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فقال رجل ممن يخالطه ويعرف مذهبه : قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه، فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي ؟ قال : إذن أصدقك أنا، إنْ أظهرنا رأينا الذي نعتقده رُمينا بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقواماً ينتحلون حب علي ويظهرونه، ثم يقعون بمن شاؤوا، ويعتقدون ما شاؤوا، ويقولون ما شاؤوا، فنُسبوا إلى التشيع، فلم نر لمذهبنا أمراً ألطف من انتحال حب هذا الرجل ثم نقول ما شئنا، ونعتقد ما شئنا، ونقع بمن شئنا، فلأن يقال لنا : رافضة أو شيعة، أحب إلينا من أن يقال زنادقة كفار، وما علي عندنا أحسن من غيره ممن نقع بهم .
ثم قال : وصدق هذا الرجل فيما عبر عن نفسه ولم يراوغ . وقد استبان ذلك من بعض كبرائهم وبصرائهم ... ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم، إن أهل العلم منهم لعلى يقين)[35] .
معتقد الصوفية في آل البيت :
والصوفية يرون أن آل البيت هم خواص الأمة؛ ومن هنا أتى غلوهم في الأولياء . وينبغي أن يعلم أن لهم اصطلاحاً في الولاية يخالف اصطلاح أهل السنة، فأهل السنة يعرفون الولي بأنه : كل مؤمن تقي، ليس بنبي .
أما ولي الله عند الصوفية فهو : من اختاره الله وجذبه إليه، ولا يشترط الصلاح ولا التقوى عندهم، بل هي وَهْب إلهي دون سبب ولا حكمة، وجعلوا المجاذيب والمجانين والفسقة والظلمة أولياء، وقسموا الأولياء إلى مراتب : الغوث، والأبدال، والنجباء، ولكل منهم تصرف في الكون حسب مرتبته .
والمطلع على حقيقة مذهبي الرافضة والصوفية يجد الأصل واحداً، والغاية واحدة، كما يجد الاشتراك في كثير من العقائد والشرائع[36] ، وخير مثال على ذلك ما نحن بصدده، وهو :
1- الإمامة الشيعية والولاية الصوفية :
زعم الرافضة أن أئمتهم مختارون من الله، خُصوا بخصائص دون غيرهم، ورفعوهم فوق مقامات الأنبياء، وهذا نفسه ما ادعاه الصوفية لأوليائهم، وكما جعل الرافضة للأئمة مقامات بعد مقام الولاية كالنقباء، وهم وكلاء الإمام ...، فقد جعل الصوفية المقام الأعظم للقطب الغوث، ثم الأبدال السبعة، ثم النجباء السبعين ...

2- تقديس القبور وتعظيم المشاهد :

الشيعة أول من بنى المشاهد والمساجد على القبور في الإسلام، وكان ذلك منذ بداية القرن الثالث الهجري، ولكن بعض خلفاء بني العباس شرعوا يهدمونها ... ونسج الصوفية على المنوال نفسه؛ فجعلوا أهم مشاعرهم : تعظيم القبور والأضرحة، والطواف والتبرك بها ...
ولعل من الأمثلة على شدة التقارب بين الفئتين : ما قام به الرافضة في بلد إسلامي من بناء مسجد عظيم أنفقوا فيه بسخاء على مقام (السيدة زينب)، وهو من المقامات التي أنشأها الصوفية، بل صار مزاراً عظيماً للرافضة ! ! ويكفي في بيان التقارب : أن التشيع ما دخل إفريقيا في العصر الحديث إلا عن طريق الصوفية التي كانت ضاربة أطنابها في إفريقيا ولا زالت، بل إن دولة العبيديين (الفاطميين) كانت تسعى لنشر التشيع والرفض، وما أراد العبيديون أصلاً بإنشاء الأزهر إلا ليكون معلماً للرفض، ومركزاً لنشر تلك العقيدة المزيفة، ولكن الله رد كيدهم، ولما سقطت دولتهم على يد صلاح الدين، الذي أعاد الله به ضياء السنة، بقي دين الرفض مختبئاً، واتخذ طريق التصوف أسلوباً وسبيلاً لمحاولة بقائه .
المسلك الثاني من مسالك أهل البدع في آل البيت :
سبهم وتكفيرهم، كما يفعلون مع بقية الصحابة (رضي الله عنهم)، وهذا مسلك المارقة الخوارج الحرورية .
والأدلة على تحريم سب الصحابة وآل البيت ظاهرة، وأقوال السلف في حبس سابّهم وعقوبته متكاثرة، قال (تعالى) : { وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } [الحجرات : 12]، وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً، وقال (تعالى) : {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [الهمزة : 1]، وقال (تعالى) : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإثْماً مُّبِيناً } [الأحزاب : 58]، والله (تعالى) قد رضي عن الصحابة رضاءً مطلقاً، فقال : { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [التوبة : 100]، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً .
وقال رسول الله : (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه)[37] . وقد فصل ابن تيمية في الصارم المسلول حكم ساب الصحابة بعد أن نقل نقولاً كثيرةً عن العلماء، وهناك جملة من أنواع سب الصحابة مما يعدّ ناقضاً من نواقض الإيمان[38] ، وهي :
1- أن يسب الصحابة أو جمهورهم، سبًّا يقدح في دينهم وعدالتهم؛ كأن يرميهم بالكفر، أو الفسق، أو الضلال .
2- أن يسب صحابيًّا تواتر فضله .
3- أن يقذف عائشة، أو غيرها من أمهات المؤمنين .
وواضح أن هذا السب قاسم مشترك بين الروافض والنواصب ! ! .
ولماذا كان السب ناقضاً للإيمان ومكفراً ؟
لأن في سب الصحابة (رضي الله عنهم) تكذيباً للقرآن الكريم، وإنكاراً لما تضمنته آيات القرآن من تزكيتهم والثناء عليهم .
لأن سبهم يستلزم نسبة الجهل إلى الله (تعالى)، أو العبث في تلك النصوص الكثيرة التي تقرر الثناء على الصحابة .
ولأن فيه تنقصّاً وأذى للرسول؛ فهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم .
ولأن سبهم طعن في الدين، وإبطال للشريعة، وهدم لأصله؛ لأنهم هم نقلة الدين، فإذا طعن فيهم انعدم النقل المأمون للدين .
ونحن نبرأ إلى الله من فعل الخوارج الذين يناصبون الصحابة وآل البيت العداء، وقتلوا عليًّا على يد ابن ملجم (عليه من الله ما يستحق) . كما نبرأ من صنيع الروافض وافترائهم وبهتانهم .
وأخيراً : أما وقد ثبت هذا الفضل لآل البيت، فهل يا ترى يناله كل من كان منتسباً لهذا النسب الشريف كائناً من كان ؟ .
إن أصول الشريعة لتدل دلالة واضحة على أن النسب بحد ذاته لا يمكن أن يكون كافياً لتحصيل تلك المزية والمنقبة وذلك الفضل، إذ لو كان كافياً لنفع أبا لهب وأبا طالب، إذ لا بد أن ينضاف إليه الإيمان والعمل الصالح؛ فإن النسب وحده لا يعني حصول العصمة، ولا سقوط التكاليف .. هذا أمر .
وأمر آخر وهو : أن القرب من النبي كما أنه تشريف، فهو تكليف أيضاً؛ فإن الله (تعالى) ضاعف الأجر لأزواج النبي وهنّ من آله وبيّن لهنّ مضاعفة العقوبة، وهذا من خصائصهن (رضي الله عنهن) لعظم قدرهن؛ لأن قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها، قال (تعالى) : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاًتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } [الأحزاب : 30، 31]، فلما كانت مكانتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا؛ صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع .
إذن : فالفضل الوارد لآل البيت إنما يستحقه المؤمنون منهم، المتبعون للسنة، وهم الذين ندين لله (تعالى) بحبهم، والاعتراف بفضلهم، وموالاتهم، ومعاداة من عاداهم .
أما الواقع المشاهد لبعض المنتسبين لآل البيت، من الذين بدلوا وغيروا وحرفوا، وصاروا دعاة للضلالة، ناصرين للبدعة، محيين للشرك الصراح، موالين لأهل الكفر، أما هؤلاء فلا حب لهم ولا كرامة، فإنهم لا يعتبرون من آل البيت، بل حقهم الكراهية والبغض والبراءة والعداوة، كما هو مقرر في باب الولاء والبراء، فتسري عليهم أحكام الشريعة، كما تسري على غيرهم، في حين أن الأمر في حقهم أشد وأقبح؛ فهم يسيئون إليه، ويؤذونه و آل بيته (رضي الله عنهم)، لكن أفعالهم الشنيعة، وأعمالهم البشعة لا تغض من قدر آل البيت شيئاً، بل قدرهم عند أهل السنة محفوظ، لا يزيله تحريف غالٍ، ولا انتحال مبطل، ولا تأويل جاهل .
إن كثيراً من أولئك الدجاجلة الأفاكون استغلوا نسبتهم لآل البيت، وصدقوا معتقد الرافضة وغلاة الصوفية في أئمتهم، فادّعوا العصمة لأنفسهم وصاروا دعاة على أبواب جنهم، ينشرون البدع والضلال والكفر والشرك الأكبر ! .
ألا فليعلم أولئك، والمغترون بهم، والسائرون في ركابهم، أنهم ليسوا على شيء؛ فإن الله (تعالى) ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا سبب، إلا سبب الإيمان والعمل الصالح، وإن النبي لا يغني عن أحد شيئاً، ولو كان أقرب قريب، ولو كان نافعاً أحداً لنفع أباه، وقد قرر ذلك أعظم تقرير وأوضحه، ولكن القوم في غيهم يعمهون . عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال : لما أنزلت هذه الآية : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } [الشعراء : 214] دعى رسول الله قريشاً، فاجتمعوا، فعمّ وخصّ، فقال : ( ... يابني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ... ) .[39]

----------------------------------
(1) لسان العرب، م1 ص171 .
(2) انظر جلاء الأفهام، لابن القيم، ص 210 228 .
(3) انظر منهاج السنة، ج7 ص75 78 .
(4) رواه مسلم، ح/2408 .
(5) أخرجه الترمذي، ح/3787، ومسلم بمعناه، ح/2424 .
(6) أخرجه مسلم، ح/407 .
(7) انظر تفسير ابن كثير، ج3 ص486 .
(8) المسند، ج4 ص170 .
(9) تفسير الطبري، ج10 ص297، بنحوه .
(10) انظر : تفسير ابن عاشور، ج22 ص16 .
(11) منهاج السنة، ج7 ص76، ج4 ص24 .
(12) أخرجه مسلم ح/1072 ص6 .
(13) أخرجه مسلم ح 2276 .
(14) أخرجه مسلم ح 2276 .
(15) مسلم، ح/2430 وما بعده 8 .
(16) انظر شرح مقدمة التفسير، لابن عثيمين ص108 .
(17) عقيدة الإمام الصابوني، ج4 ص113 .
(18) تفسير ابن كثير، ج4 ص113 .
(19) شرح الطحاوية، م2 ص737 .
(20) انظر الفتح ج7، ص98، والأثر في الصحيح .
(21) أخرجه البخاري، ح3712 .
(22) تفسير ابن كثير، ج4 ص113 .
(23) أخرجه الترمذي، ح3891، وهو صحيح .
(24) أخرجه البخاري، ح3677 .
(25) أخرجه اللالكائي، م7ص1397، وإسناده قوي .
(26) شرح الطحاوية، م2ص697 .
(27) انظر التدمرية، ص122 .
(28) أخرجه اللالكائي، م7 ص1398 .
(29) السابق، م7 ص1400 .
(30) انظر مجلة البيان، ع93 ص8-19 .
(31) أخرجه اللالكائي، م7 ص1398 .
(32) السير، ج4 ص407 11 .
(33) أخرجه البخاري، ح3047، ح1978 بنحوه .
(34) السير، ج11 ص538، وإسنادها صحيح .
(35) الرد على الجهمية، ص179 180 .
(36) انظر : الفكر الصوفي، عبدالرحمن عبدالخالق، ص514 48 .
(37) أخرجه مسلم، ح/204 .
(38) انظر نواقض الإيمان، د عبدالعزيز العبداللطيف، ص405 .
(39) أخرجه مسلم، ح 2540 .
------------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


hgw,tdm

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-20-2015, 08:27 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,057
ورقة الأضرحة في العالم الإسلامي "مشاهد متفرقة"

الأضرحة في العالم الإسلامي "مشاهد متفرقة"*
ــــــــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ





الخرطوم : عثمان محمد سليمان
دكا : عبد الله الشهيد
القاهرة : أحمد محمد
أسمرة : إدريس محمد إدريس

هذه بعض المشاهدات التي أرسلها للبيان بعض الكتاب نضعها بين يدي القارئ ليزداد بصيرة بحجم هذا المرض الفتاك (تقديس القبور والأضرحة) وللمارسات غير الشرعية التي تقوم بها العامة تحت سمع وبصر بعض العلماء، ومما يندى له الجبين أن بعض العلماء يشارك في هذه الطقوس المبتدعة تحت اسم مولد الولي فلان أو الرجل الصالح علان .
ومن هذا القبيل شد الرحال لما يسمى بالعتبات المقدسة وما يحصل فيها من استغاثات للأموات وتمسح بها . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
- البيان -
----------
القبور والأضرحة مزيد من البيان :
---------------------
منذ عصر دولة بني عبيد بن القداح الذين ادعوا زوراً وبهتاناً أنهم فاطميون عرفت البدع الشركية طريقها إلى السودان، وأخذت تنتشر وتستفحل، ثم زاد الطين بلة وجود التوجهات الصوفية البدعية في عصر الدولة العثمانية، فأعطت زخماً جديداً لهذه البدع التي أضحت أحد العناصر الأساس في الحياة الاجتماعية لأكثر السودانيين، قبل أن تأتي الدعوة السلفية وتحاول الوقوف أمام هذا الطوفان ..
ويقف على رأس هذه البدع : ما يتعلق بالقبور؛ فقد أصبح اتخاذ القباب والأضرحة على قبور من يُعتقد صلاحهم أحد ذرائع البدع القولية والعملية، والكبيرة والصغيرة في حياة الناس .
والقبة عبارة عن بناء شاهق يُتخذ على شكل مخروطي أو نصف كروي، يقام على قبر من يُعتقد فيه الصلاح والولاية .. ولكن كيف يعرف احتواء هذا القبر على من يعتقد في صاحبه الصلاح أو الولاية ؟ ..
يتم ذلك عن طريق ما يسمونه بـ (البيان) !، فحسب الاعتقاد السائد في السودان : يمكن أن يرى شخص ما رؤية منامية، يرى فيها شيخاً من الشيوخ ممن ماتوا ودفنوا في مكان ما، فيرى الرائي أن هذا الشيخ دله على مكان معين و (بيّن)، أي : ظهر فيه، فيبادر هذا الرائي عند استيقاظه بالتوجه إلى ذلك المكان فيرفعه عن سطح الأرض، وينصب عليه الخرق والرايات، معلناً أن الشيخ الفلاني بيّن في هذا المكان، فيعرف المكان بأنه (بيان) الشيخ الفلاني، ثم يزار كغيره من الأضرحة والقباب، وتُعقد له وحوله الطقوس المعروفة بهذه الأضرحة .
ومن حيث أماكن اتخاذها تنقسم القباب والأضرحة إلى قسمين :
أ - قباب تبنى في مقابر المسلمين العامة، حيث تبدو القبة شاهقة وسط القبور .
ب - قباب تبنى في المساجد، أو تبنى عليها المساجد، وقد تكون في قبلة المسجد، أو في الخلف، أو في أحد جوانبه .

ومن أشهر القباب والأضرحة في السودان :
------------------------
* قبة الشيخ/ محمد عثمان عبده البرهاني (شيخ الطريقة البرهانية) بالخرطوم السوق الشعبي .
* قبة الشيخ/ قريب الله، بأم درمان، ودنوباوي .
* قبة الشيخ/ دفع الله الصائم ديمة، بأم درمان أميدة .
* قبة الشيخ/ حسن ود حسّونة، بالخرطوم بحري .
* قبة الشيخ/ دفع الله الفرقان، بأم درمان، جنوب السوق .
* قبة الشيخ/ أبو زيد، بأم درمان، سوق ليبيا .
* قبة الشيخ/ حمد النيل، بأم درمان .
* قبة الشيخ/ محمد بن عبد الله كريم الدين (شيخ الطريقة المحمدية الأحمدية الإدريسية) .
* قبة الشيخ/ إبراهيم ود بَلاّل، بالقطينة .
* قبة الشيخ/ الطيب ود السايح، بأبي شنيب، قرب الحداحيد .
* قبة الشيخ/ حمد ود أم مريوم، بالخرطوم بحري، حي حِلّة حمد .
* قبة الشيخ/ خوجلي أبو الجاز، بالخرطوم بحري، حلة خوجلي .
* قبة الشيخ/ صديق ود بُساطي، غرب النيل الأبيض .
* قبة الشيخ/ طه الأبيض البطحاني، بشمال الجزيرة .
* قبة الشيخ/ الطريفي ود الشيخ يوسف، بأبي حراز .
* قبة الشيخ/ عبد الرحيم ود الشيخ محمد يونس، بأبي حراز .
وجدير بالذكر أن منطقة أبي حراز بها ما يقارب (36) قبة، من أشهرها إضافة إلى ما سبق :
* قبة الشيخ أحمد الريح، وقبة الشيخ دفع الله المصوبن (أبو النعلين) .
وقد لوحظ على بعض القباب أنها حظيت برعاية بعض القادة السياسيين، مثل قبة الشيخ يوسف أبو سترة، التي شيدت برعاية الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وكذلك قبة الشيخ مدني السني، بمدينة ود مدني، كما لوحظ أيضاً عدم اقتصار اتخاذ القباب على قبور المعظمين في المسلمين، بل من شدة الجهل والغفلة اتخذت قبة على مقبرة (الرفيق) الصيني الشيوعي يانغ تشي تشنغ، في ود مدني، ولوحظ كذلك : أن بعض هذه القباب يتوسط المساكن .

أما في إريتريا : فمن أشهر الأضرحة التي يرتادها الناس :
---------------------------
* ضريح الشيخ بن علي بقرية (أم بيرم) القريبة من مدينة مصوع الميناء الرئيس لإريتريا .
* ضريح سيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية بمدينة مصوع، وعلى كل من هذين القبرين مبنى مستقل على شكل مكعب ومغطى بالقماش مثل الكعبة، وفي كل زاوية منه خشبة مستديرة الشكل يتبرك بها بعد الانتهاء من الطواف بالقبر !
* ضريح الشيخ جمال الأنصاري، وله وقت مخصص لزيارته، وإن كانت أهميته لدى الناس أقل من سابقيه .
* ضريح جعفر، وقد بني عليه مسجد، ويقوم المصلون في المسجد بزيارته بعد كل صلاة مفروضة .
* ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو ضريح وهمي في قرية (حوطيت) بالقرب من مدينة جندع على ساحل البحر الأحمر .
* ضريح الشيخ الأمين المقام في أحد مساجد مدينة (أسمرا) العاصمة .
* ضريح سيدي هاشم في مدينة (كرن) التي تقع على الساحل الجنوبي من إريتريا، وهو يعتبر من أكبر المشاهد التي يقصدها الناس من أنحاء عديدة في البلاد، بل ومن الدول المجاورة كالسودان .
* ضريح أحمد النجاشي في (عدي قرات) التي تقع على الحدود الإريترية الإثيوبية، وله يوم محدد (مولد) يقصده الناس فيه من أنحاء إريتريا وإثيوبيا .

بنجلاديش :
-------

ولا تختلف الصورة كثيراً في شرق العالم الإسلامي حيث تنتشر الأضرحة و (المزارات) ففي بنغلاديش، خاصة في مدن داكا (العاصمة) وشيتاغونج وسلهت وخولنا، ولكن من الغريب ارتياد الناس لمزارات يوجد بها سلاحف وتماسيح يعتقد فيها بعض الجهلاء النفع والضر، فيقدمون الأكل لها أملاً في الحصول على وظيفة أو لتفريج كربة، وتحرص بعض النساء على مس هذه الحيوانات أملاً في حدوث الحمل والرزق بالذرية، وقد نتجت هذه الاعتقادات والممارسات عن الزعم بأن هذه الحيوانات تحولت إلى هذه الصورة بعد أن كانت من الأولياء الصالحين ! وهناك أيضاً مزارات تحتوي على أشجار يعتقد فيها وتعلق على أغصانها الخيوط والخرق .
ويولي المعتقدون في هذه الأضرحة والمزارات اهتماماً كبيراً بعمارتها ومظهرها حيث تكون المباني مزخرفة ومزينة، ولكل قبر قبة مبنية بأحجار قيمة، وتقوم على أمر هذه المزارات لجنة تضم أصحاب السلطة والمنتفعين من ورائها؛ حتى أصبح حالنا وحال هذه الأضرحة كما قال الشاعر المصري حافظ إبراهيم :
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم وبألف ألف يرزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة قامت على أحجارها الصلوات
تعددت المظاهر والانحراف واحد :
يعتبر الغلو والبدع والانحراف عن التوحيد الخالص عوامل مشتركة بين مرتادي الأضرحة والمعتقدين فيها وإن تنوعت المظاهر حسب بيئة كل بلد وعادات أهله .
ففي إريتريا يقصد كثير من القبوريين الأضرحة حاملين معهم الأغنام والأبقار والسكر والقهوة والشاي وغيرها من أنواع الأطعمة إضافة إلى الأموال؛ ليقدموها قرباناً إلى صاحب الضريح، وقد يذبحون الأنعام تقرباً أيضا للولي أو الشيخ، ويطوفون بالقبر وبتمرغون بترابه، ويطلبون قضاء الحوائج وتفريج الكربات منه، كما يحصل من الفساد الأخلاقي حول الأضرحة ما يستحيي الإنسان من ذكر تفاصيله وخاصة الاختلاط وانتهاك الأعراض، وتكثر هذه الممارسات حول الأضرحة الشهيرة، كضريح الشيخ (بن علي) وضريح سيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية، وضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وضريح سيدي هاشم وضريح أحمد النجاشي .
ويزداد الأمر سوءاً في السودان؛ حيث يحرص أتباع هذه الأضرحة والمنتفعون منها على التأصيل لهذه الانحرافات، فتلقى المحاضرات وتؤلف الكتب في الحث على ذلك، ومن أشهرها :
رسالة عبد الله المحجوب الميرغني، المتوفى سنة (1207ه)، واسمها : (تحريض الأغبياء على الاستعانة بالأنبياء والأولياء)، يقول فيها :
(ولهذا يتبين لك (وجوب) التعلق بالوسائل والأسباب، وتأكد لزوم التزام الوسائط والأبواب، فتعلق بالوسائل والأسباب، والجأ واستغث، وانده [من النداء] لخواص الله والأحباب، واطرق لدى الخطوب ما شئت من الأبواب، تنل بذلك من فيض الوهاب ما لا يدخل في حساب) .
ونتج عن إشاعة هذا الاعتقاد والدعوة إليه أن تأثيره لم يقتصر على الطرقيين فقط، بل امتد ليشمل جماهير عريضة في الشعب السوداني، وهذا ما شاهدته بنفسي أثناء مطالعتي لتلك المزارات، فهناك عادات ارتبطت بتلك القباب، يقوم بها روادها، منها :
1- ينبغي أن يخلع الزوار نعالهم خارج القبة، وبعضهم يخلعها خارج ساحة المسجد، احتراماً لصاحب الضريح . وعلى أية حال : فمن المسلّم به عندهم أنه لا يجوز دخول القبة بالنعلين .
2- يتم دخول القبة بإذن من حارسها، كما يتولى خادم الضريح (تطويف) الزوار .
3- يتبرك الزوار بالضريح والقبة بطرق شتى : فمنهم من يأخذ من ترابها، ومنهم من يضع يديه على السياج المعدني الذي حول القبر ويتمسح بها، ثم يمسح على جسده وملابسه .
4- الطواف داخل القبة حول القبر من الممارسات الشائعة والمألوفة عند هؤلاء الزائرين .
5- وكذلك دعاء المقبور والاستعانة به والإلحاح عليه في الدعاء، فقد رأيت بعض الزائرين يجلس عند القبر ممسكاً بسياجه، ويلح في طلب حاجته، وأحياناً يصرخ، وبعضهم الآخر يدعو المقبور أثناء الطواف حول القبر، ومما يندى له الجبين أن امرأة شوهدت عند قبة الشيخ عبد الباقي تحمل طفلاً، ترفعه بيديها وتهزه وهي تخاطب الشيخ المقبور راجية منه البركة في صغيرها، ثم تقول : (يا شيخ .. سمعت ؟ ) لتتيقن سماعه وقضاء حاجتها !
6- ومنهم من يلتزم القبر بداخل القبة، ويصيح عنده ويجأر به .
7- ورأيت من يسجد وهو مستقبل القبة نسأل الله السلامة .
8- ومن المعتاد : تقديم النذور عند هذه القباب .
9- ومن الناس من يعكف عندها أياماً وشهوراً، التماساً للشفاء أو لقضاء حاجة من حوائجه، وقد أُلحقت ببعض القباب غرف انتظار الزائرين لهذا الغرض .
10- وقد لوحظ أن زيارة القباب تتم في جميع أيام الأسبوع، وتزداد في أيام الجمع والأعياد؛ حيث يكتظ كثير من القباب بالزوار في هذه المناسبات، كما لوحظ اختلاط الرجال والنساء في هذه الزيارات، وأن معظم الزائرين من النساء .
وفي بنجلاديش يأتي الناس إلى المزارات ويظنون أنها أقدس مكان على وجه الأرض، لذا : فهم يسجدون أمام الأضرحة إجلالاً لها واحتراماً، ويطلبون من أصحابها الذرية ودفع المصائب وتفريج الكروب، كما يقدمون لهم النذور من الأموال والحيوانات كالغنم والبقر التي تذبح باسم صاحب القبر، وأخيراً ينصرفون وهم يظنون أنهم فعلوا خيراً كثيراً؛ لأنهم يعتقدون أن لأصحاب هذه الأضرحة يداً في تصريف الأمور، بل وفي إدخالهم الجنة، ويكون عدد المترددين أكثر بعد العصر وخاصة ليلة الجمعة .
وينتشر حول هذه الأضرحة بعض القبوريين الذين يعيشون في ساحاتها ويلازمونها، وهم صنفان من حيث مظهرهم :

الأول : أناس أصحاب هيئة رثة لا يلبسون إلا القليل من الملابس، التي تكاد ألا تستر غير عوراتهم، ويطلقون شعورهم ولحاهم وشواربهم التي بدا عليها التلبد والقذارة، فهم لا يغتسلون من أوساخهم ولا ينظفون ملابسهم .. ومع ذلك يختلط الناس بهم طلباً للبركة منهم، وتبيت معهم النساء، ولا يتحرزن عن معاشرتهم .
الثاني : يهتمون بمظهرهم وينظفون ملابسهم إلى حد ما، يجلس الواحد منهم في ساحة الضريح وحوله الناس ينادونه بكل شوق ورغبة باسم (بابا)، وهم دائماً يحققون ما يأمر به، وتبيت النساء أيضاً عنده من غير تحرز عن ارتكاب الفواحش معه، حيث يتناولون المخدرات والمسكرات ويغنون بإيقاع خاص أشعار الشرك والفجور، ولا يتورعون عن ارتكاب الزنا .

وفي مصر تلقى الأضرحة احتراماً وتبجيلاً لدى كثير من الناس، حيث يندفع أكثرهم لا شعورياً للقيام ببعض الممارسات المتنوعة والمتعلقة بهذه الأضرحة، وتبدأ هذه الممارسات بالحرص على الصلاة في المسجد الذي به الضريح، ثم الحرص على زيارته وترديد بعض الكلمات والصلوات والدعوات . وبالطبع فإن هذا الحرص يتفاوت حسب شهرة الضريح ومكانته في نفوس الناس وحسب دوافع الزائر له، ويلي ذلك : التمسح بالضريح وتقبيله طلباً للبركة، ويليه : التوسل بجاه صاحب الضريح اعتقاداً أن ذلك أقرب إلى إجابة الدعاء، ثم ينتهي المطاف ببلوغ غاية الضلال والخرافة عندما يتوجه إلى صاحب الضريح بالدعاء والرجاء وطلب قضاء الحاجات منه، وغالباً ما يصحب الدعاء استقبال للضريح حتى ولو كانت القبلة خلف ظهره، كما يظهر على الزائر الخشوع والسكينة والتأثر الذي قد يصل إلى حد البكاء، وقد يصل الولع والوجد ببعضهم إلى الإغراق في حالة من انعدام الوعي، فيصبح (مجذوباً) .
وعادة ما يضع الزائر بعض ما تجود به نفسه في صندوق النذور صدقة أو قربة لصاحب الضريح .
ومن الملاحظ أن طبيعة النذور المقدمة تطورت من الماضي إلى الحاضر، كما أنها تختلف بحسب وجود الضريح في وسط قرى ريفية أو وسط تجمعات عمرانية حضرية .
ومن الملاحظ أيضاً : أن حركة الناس في الدخول إلى الضريح والخروج منه تختلف حسب مكانة صاحب الضريح، ولكنها عموماً تزداد في أوقات الصلوات، وهذا بالطبع بخلاف أوقات الموالد التي تعج بالزائرين .
وماذا عن الموالد ؟
-------------

تكثر الموالد في مصر، ويشتهر منها : المولد النبوي، ومولد البدوي الذي حضره عام 1996م حوالي 3 ملايين زائر، حسب تقرير الحالة الدينية في مصر الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية، ومولد إبراهيم الدسوقي، ومولد أبي الحسن الشاذلي، ومولد المرسي أبي العباس، ومولد أبي الحجاج الأقصري، ومولد إبراهيم القنائي .

والاحتفال بالمولد النبوي كغيره من الموالد يغلب عليه مظاهر الاحتفال الشعبي الفولكلوري المصطبغ بالصبغة الدينية، ويشترك مع غيره من الموالد في سمة حضور جمهور كبير من أنحاء متفرقة، وإقامة بعضهم حول أحد الأضرحة، وإنشاد المدائح الخاصة بصاحب المولد، مع نشاط اقتصادي واجتماعي حول أحد الضريح، إضافة إلى ما سبق أن ذكرناه من ممارسات وطقوس يقوم بها الزائر تجاه صاحب الضريح . وتعجب أشد العجب أن تجد بعضاً ممن ينتسب إلى العلم والدعوة يحضر بعض هذه الموالد، بل ويروج لها عند العامة، ولا يتورع عن ممارسة بعض البدعيات المحدثة، فيكون قدوة سيئة للجهلة، نعوذ بالله من الخذلان .

ويوم الاحتفال بالمولد النبوي يكون إجازة رسمية في البلاد، ويقام بصفة رسمية في كل محافظة بمصر حيث تشرف عليه السلطات لضمان سيره بانتظام وأمان، وهو يقام في ساحة عامة بجوار أحد المساجد الكبيرة غالباً، وعادة يكون المسجد ضريحاً لأحد الأولياء المشهورين، وقبل المولد تهيأ الساحة والشوارع بالزينات والأضواء، ويستعد أصحاب كل نشاط بما يلزم من جلب البضائع ونصب الملاهي، ويزدهر نشاط الباعة والمحلات وبخاصة أنشطة بيع الحلوى والألعاب وأنشطة المقاهي والمطاعم وبيع الأدوات المنزلية، وتزدحم الفنادق، وهي غالباً ذات مستوى متدنٍ .. ويشيع جو من المرح والضجيج في مكان المولد .
وقد شاهد مندوب البيان احتفال (الليلة الكبيرة) للمولد النبوي في القاهرة، حيث سار موكب ممثلي الطرق الصوفية لمدة (45) دقيقة تقريباً مشياً على الأقدام حاملين الأعلام والرايات في جو من البهجة والاحتفال بدءاً من ضريح الشيخ صالح الجعفري بمنطقة الدرّاسة إلى مسجد الحسين، وهناك وجدوا في انتظارهم بعض المستقبلين، على رأسهم شيخ مشايخ الطرق الصوفية، فقاموا بالسلام عليه وقراءة الفاتحة والدعاء جماعيّاً . ويشهد هذا الاحتفال أيضاً كبار رجال الدولة أو ممثلون عنهم، وعلى رأسهم شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية ورئيس جامعة الأزهر ووزير الأوقاف ومحافظ القاهرة؛ حيث يلقي معظمهم كلمات في الاحتفال، كما يشهد حضوراً إعلاميّاً واضحاً من صحافة وإذاعة وتلفاز .
وبعد نهاية الاحتفال الرسمي ينصرف أتباع الطرق الصوفية لإلقاء أناشيدهم ومدائحهم وأذكارهم في أماكن معدة لذلك سلفاً، ويستمرون في ذلك حتى منتصف الليل تقريباً .
ولا تختلف نوعية زوار المولد النبوي عما ذكره (تقرير الحالة الدينية بمصر) عن زوار مولد البدوي، فهم يشملون :
* فريقاً هدفه إحياء ذكرى المحتفل به .
* وآخرين يحرصون على التبرك، ومنهم البسطاء والفقراء والأغنياء، الأميون والمثقفون، ويرى هؤلاء أنه إذا لم يتمكنوا من الحضور لأي سبب، سواء أكان بإرادتهم أو رغماً عنهم، فسيصيبهم أذى أو ضرر، ويعتقدون أن الزيارة ستفتح أبواب الرزق أمامهم، بل وتغمرهم بسعادة بالغة .
* ومنهم من كان مريضاً جاء لطلب الشفاء، أو من كانت عاقراً وعقيماً تأمل في تحقيق أملها بإنجاب طفل .
* وفريقاً آخر يبحث عن الترفيه والسياحة وقضاء وقت ممتع، وهم الفئة الشبابية .
* وهناك نمط آخر من الزوار يهدف للتسويق والتجارة سواء بالبيع أو الشراء .
وبالإضافة إلى ذلك : هناك الجمع الغفير من أتباع الطرق الصوفية، هدفهم إحياء الذكرى ونوال البركة ونشر طريقتهم الصوفية . أما عن المشاركة بين المسلمين والأقباط فهي قديمة جدّاً؛ إذ إن التاريخ يذكر أن ابن طولون كان يقيم الولائم وكان المسلمون يحتفلون بالأعياد القبطية مشاركة للأقباط، وسار على نهج الطولونيين الإخشيديون في الاحتفال بأعياد النصارى .. ولا تزال هذه المشاركة موجودة حتى عصرنا الراهن ! ومن أغرب الأمور بهذا الصدد؛ أن مولداً يقام سنوياً باسم (مولد سيدي أبو حصيرة) وهو يقام عند ضريح لرجل يهودي بهذا الاسم، وتأتيه كل عام وفود كبيرة من السياح اليهود من إسرائيل، وتقام حراسة مشددة لحماية الاحتفال حتى ينفض ! !

وفي السودان يتم الاحتفال بالمولد النبوي في صورتين :
--------------------------------

الصورة الأولى : الاحتفال في الميادين والساحات :
-----------------------------

وقد تأصل هذا النوع من الاحتفالات حتى خصصت لها ميادين معينة، عرفت بميادين المولد؛ ففي كل مدينة ميدان يسمى ميدان المولد الكبير، وهو ساحة متسعة مخصصة لهذا الغرض، وتلتقي فيه كل الطرق الصوفية المشتركة في الاحتفال بالمولد، وتتم المشاركة فيه بعد الحصول على تصديق رسمي من الدولة يتم بموجبه السماح للطريقة المعينة بنصب سرادقها في المكان المخصص لها في ساحة المولد، وعمل تجهيزاتها اللازمة لها ..
وتقوم كل طريقة بعمل الأذكار التي تخصها والمدائح المتعلقة بالمولد، كما تتم قراءة الكتب المؤلفة في المولد النبوي في شكل حلقات تشبه حلقات تلاوة القرآن، وعند مرورهم بمواطن معينة في هذه الموالد المؤلفة يقف الحاضرون اعتقاداً منهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحضر عند ذكر ولادته، ويرددون في صوت واحد عبارة (مرحبا بالمصطفى يا مرحبا ... ) وفي بعض المواضع من القراءة يضعون الأيدي على الرؤوس، وفي مواضع أخرى يضربونها أو يوجهونها نحو الأرض عند الاستعاذة من بعض الأمراض أثناء قراءة المولد .
وفي المولد يضربون أيضاً على الطبول الكبيرة (النوبة) التي تصدر أصواتاً قوية، ويرددون معها القصائد الملحنة كنوع من الذكر الذي يُتقرب به إلى الله .. وكل هذا مع الحركة والاضطراب الشديد، وربما دار أحد الدراويش على رجل واحدة وهو (يترجم)، أي : يصدر أصواتاً لا تفهم، فيوصف بأنه غرق في الذكر .
ويزداد الزحام في الليلة الأخيرة، ويكون الناس في هذه الساحات خليطاً من الرجال والنساء، وقد شاهدت في أحد الموالد نساءً يصفقن ويتحركن مع رجال يضربون هذه الدفوف (النوبة) حتى انتهين إلى أحد السرادقات المقامة وهن يصفقن على أصوات المديح، ويتحركن على صوت ضربات الطبول، إلى أن يستقبلهن شيخ ممسك بمسبحته وهو يهز رأسه استحساناً لهذا الصنيع .

أما الصورة الثانية للمولد : فهي الاحتفال به في المساجد والزوايا الخاصة :
----------------------------------------

وفيها يتم قراءة كتاب المولد المؤلف لكل طريقة، وإطعام الطعام لا سيما في الليلة الختامية، ويكون صبيحة هذه الليلة عطلة رسمية في البلاد بمناسبة ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- .
وفي بنجلاديش تكون الاحتفالات حول الأضرحة أسبوعية وسنوية، حيث تعتبر ليلة الجمعة عيداً أسبوعيّاً حول الضريح يأتي إليه الزوار من جميع الأصناف :
أغنياء، وفقراء، ومسؤولين في الحكومة، وغيرهم، ويشاركون في المعاصي من شرك واختلاط وغناء وتكون الفرصة مهيأة للفاحشة والزنا، ويستمر هذا الاحتفال حتى الصباح، ويكون لكل (بابا) مجلس خاص ويتحلق حوله مريدوه .
وبمثل هذا ولكن بشكل موسع يتم الاحتفال السنوي الذي يسمى (عرساً) تحت إشراف لجنة نظامية حكومية ويستمر مدة أطول قد تصل إلى أسبوع، فيجتمع الناس من أماكن مختلفة بعيدة حاملين معهم نذورهم من ماشية وأموال، وتنتشر كل مجموعة حول صاحب بدعة (البابا) الذي يرتدي ملابس غير ساترة مدعين أنهم وصلوا إلى مرتبة تؤهلهم لعدم التمثل بشريعة الله، ويصدقهم الجهلاء في ذلك، ويشيع في هذه الاحتفالات شرب الخمر والمخدرات ولعب الميسر والخرافات إضافة إلى ترك الصلاة، وأيضاً السجود لغير الله، وغير ذلك من الشرك الصريح .
كما يحضرها كذلك كبار المسؤولين والأغنياء والفقراء على حد سواء، وبعض هؤلاء من يشاركون (البابات) الإثراء والمنافع المادية الكبيرة من وراء رواج سوق الخرافة حول الأضرحة .
ونلاحظ أن أهل البدع ينقسمون أقساماً عدة في ممارساتهم البدعية:
فمنهم : أناس لا يؤدون الشعائر ويلبسون الملابس القصيرة، ولا يهتمون بنظافتهم، ويقيمون في بيوت أتباعهم حفلات أسبوعية كل ليلة جمعة، يبدؤون الحفلة بما يسمونه (ذكر الله) بصوت مرتفع، ثم ذكر بعض من سيرة السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم ثم يوردون بعضاً من أخبار عبد القادر الجيلاني، ثم بعد ذلك يدخلون في ذكر جماعي مختلط، تنزع فيه النساء الحجاب؛ لأنهمن يزعمن أن الحجاب الأصلي هو الحجاب الداخلي في القلب، فلا حاجة للحجاب الخارجي، ويرقص الجميع مع الموسيقى، ثم تُطفأ الأنوار، ويحدث ما يحدث . (والله المستعان)
ومنهم : من يدعي أنه يؤمن بالله ورسوله وأنه محب للرسول ويطيل شعره ولحيته ويلبس الملابس البيضاء، وهو مع ذلك لا يصلي ويستحل الغناء والموسيقى، ولكنه لا يصل إلى أفعال القسم الأول، ويظن أنه بهذه الأفعال يدخل الجنة .
ومنهم : من يصلي ويصوم ويدعي أنه أقرب الناس إلى الله، ولكن مرشده لا يشدد عليه لاتباع الشريعة كلها، ويكتفي ببعض النصائح فقط، وأتباع هذا الشيخ يظنون أنه أقرب الناس إلى الله، وأن له قدرة على تفريج كروب الدنيا والآخرة، ويقبل الناس قدمه ويسجدون عليها من غير إنكار منه؛ لأنه مستفيد من وراء استمرار هذه الأوضاع في الأعراس وغيرها .
نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الفتن ويهدينا وإياهم سواء السبيل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{م:البيان}
ـــــــــــ
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-20-2015, 08:35 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,057
ورقة دوافع تقديس القبور والأضرحة وآثارها (1/2)

دوافع تقديس القبور والأضرحة وآثارها (1/2)
ـــــــــــــــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ




ليس من الطبيعي أن يتوجه إنسان إلى حجر أو شجر أو قبر أو أي مخلوق آخر بأشكال التقديس والتقرب، ولذا : فإن الصورة الساذجة المباشرة لهذه الأعمال لا يتصور أنها تنطلي من أول وهلة وبصورتها الساذجة على المخلوق المكرم بعقله، المميز بفطرته؛ إذ لا بد من وجود حجج وحيثيات تزين هذا الانحراف وتسوغه
له، أي : لا بد من وجود (فلسفة) لهذا الأمر حتى ولو لم تظهر مصاحبة له، فهي في كثير من الأحيان تظهر في صورة أشبه ما تكون بالاتجاه النفسي[1] لدى المبتلين بهذا الداء، وهنا تكمن الصعوبة في هذا الجانب من البحث؛ لأننا نريد دخول منطقة (اللاوعي) عند القبوريين للخروج بالوعي الكامن الذي يحركهم ويدفعهم إلى هذه الأفعال التي من المفترض ألا يقبلها عقل راشد، ولا تستسيغها فطرة سليمة، ولا تسمح بها شريعة منزلة .. فكيف فعلها هؤلاء ؟ بل كيف تمسكوا بها ودافعوا عنها ؟
عودة إلى الوراء :
الأمر يستدعي منا أن نعود إلى الوراء لننظر : كيف كان يُدعى الناس من خلال (الحكمة والفلسفة) إلى الانحراف العقدي ؟في البدء كان التوحيد، ولم يكن شرك على وجه الأرض، وكان في الناس بعض المميزين بصلاحهم المبرزين بعبادتهم، ثم طالت فترة الناس عن نور الوحي فقلّ فيهم عدد هؤلاء المميزين، ولكن يبقى الناس مجلين هؤلاء الصالحين، متمسكين بشعاع التقوى والعبادة يريدون عدم الانسلاخ منه، وهنا يبرز الشيطان مزيناً بداية خط الانحراف : (لو صوّرتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم)، و (أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه به)، فقط اتخاذ (الرمز)؛ للتذكرة بالعبادة والصلاح .. !، فصوروا، ثم ماتوا .. فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس : (إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها) فعبدوها . إنه (التقليد) ..
فباتخاذ (الرمز) واحترامه وتعظيمه، ثم بـ (التقليد) الذي قاد إلى التقديس حدث أول شرك، وهذا ما حدث في قوم نوح عليه السلام[2] . فكيف كانت (فلسفة) الشرك في قوم إبراهيم عليه السلام ؟ !
نشأت عبادة الكواكب عندهم من التعلق بالملائكة، واعتقاد أنهم (وسطاء) بين الله وخلقه، وأنهم موكول إليهم تصريف هذا العالم، ثم اعتقدوا أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى، وزعموا أنها أحياء ناطقة مدبرة للعالم، وأنها بالنسبة للملائكة كالجسد للروح، فهي الهياكل، والملائكة الأرواح، وأنها متصفة بصفات مخصوصة، ولوجود هذه الصفات استحقت أن تكون آلهة تعبد .. فكانوا يتقربون إلى الهياكل تقرباً إلى ********ات، ويتقربون إلى ********ات تقرباً إلى الباري تعالى، وهؤلاء يسمون (أصحاب الهياكل) .
ولما كانت هذه الكواكب يختفي أكثرها في النهار وفي بعض الليل لما يعرض في الجو من الغيوم والضباب ونحو ذلك رأوا أن ينصبوا لهذه الكواكب أصناماً وتماثيل على هيئة الكواكب السبعة (الشمس، والقمر، والزهرة، والمشتري، وعطارد، والمريخ، وزحل) حينما تصدر أفعالها عنها كما يزعمون، كل تمثال يقابل هيكلاً ... واعتقدوا أن التقرب إلى هذه الأصنام هو (الوسيلة) إلى الهياكل التي هي وسيلة إلى ********ات، التي هي وسيلة إلى الله تعالى .. وهؤلاء يسمون (أصحاب الأشخاص)[3] .
مرة أخرى : إنه (الرمز)، ولكن يظهر هنا جليّاً دور قدسية (الأرواح) التي نسبوها إلى الملائكة، وعقيدة (الواسطة) و (الوسيلة) .
ويعيد إبراهيم عليه السلام إرساء عقيدة التوحيد صافية نقية، وينشر إسماعيل عليه السلام ملة أبيه إبراهيم بين العرب، ويظل أبناؤه على ذلك التوحيد، معظّمين أول بيت وضع للناس الذي جدده خليل الله مع ابنه إسماعيل .. إلى أن بعدت الفترة بين العرب ونور النبوة، ثم اندرس كثير من آثار العلم، فقلّت حصانتهم ضد الانحراف، وأصبحت الفرصة مواتية للتحريف، وهنا برز عمرو بن لحيّ الخزاعي آتياً بالأصنام إلى مكة، فنصبها وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها[4]، فعبدوها، ولكنهم لم يعبدوها لمجرد كونها حجارة أو أخشاباً، بل عبدوها (معتقدين أنها منازل الأرواح كما بيّن الإخباريون )[5] .. مرة أخرى : إنه ( الرمز ) و (الأرواح) .. ثم : بسبب (التقليد) وبسبب ضعف تمثل تعاليم الملة الحنيفية في نفوس الناس بل ربما كانت تفاصيل هذه التعاليم قد ضاعت استمرت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها عقوداً متتابعة[6]، ووصل الولع
بـ (تقديس الرمز) إلى هاوية سحيقة، حيث روى أبو الرجاء العطاردي : (كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو أخير ( ! ) ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به .. )[7] .. ومع ذلك قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر : 3]، وقالوا أيضاً :
{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّه } [يونس : 18] ... إنها : (الواسطة) و (الوسيلة) .
ونفترض هنا سؤالاً مهماً : لو كان عمرو بن لحي خرج في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى عبادة الأوثان تقرباً إلى الرحمن، أكان يجد من يتبعه منهم ؟ بداهة : لا، وإذا كان الأمر كذلك : فلماذا لم يرفض العرب ما جاء به عمرو من تحريف دين إبراهيم وعبادة الأصنام من أول وهلة ؟ ..
يوضح الإجابة على مثل ذلك كلام لابن القيم رحمه الله حيث يقول : (قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيانفكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع ... وسر ذلك : أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته ... )[8] .
لم يكن عمرو بن لحيّ أول من ألقى إلى العرب مفهوم تقديس الرمز وإن كان هو أول من جسده في صورة أوثان وأصنام، لقد كان العرب بسبب ضعف آثار علم النبوة الذي أشرنا إليه، وبذريعة (تقديس الرمز) وصلوا إلى ما يمكن أن نطلق عليه: (حالة القابلية للشرك)، فلقد ذكر ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) وابن إسحاق في سيرته (أنهم كانوا لا يظعن من مكة ظاعن إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم؛ تعظيماً للحرم وصبابة به، فحيثما حل وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمناً منهم بها، وصبابة بالحرم، وحباّ له)[9] .
فتقديس (الرمز) ذريعة إلى الشرك، (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيراً من الأمم : إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب، ونحو ذلك، فلأن يُشْرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه .. أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها، ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد، بل ولا في السّحَر .. )[10] .
حقيقة القبورية :
وهنا نأتي إلى القبوريين : كيف تبدأ علاقتهم بالقبر أو الضريح ؟ وكيف تنتهي بهم إلى الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك حسب تعبير ابن تيمية رحمه الله ؟ .. تبدأ العلاقة بتقديس (الرمز) .. رمز الصلاح والتقوى والمنزلة الرفيعة عند الله، ومن ثم : تستحب زيارة تلك البقاع، ليس لتذكر الموت والآخرة، بل لتذكر (الرمز) والاعتبار به، ولأن هذه الأماكن (مباركة)، ولأن الملائكة و (الأرواح) تنتشر حولها كما يزعمون، فإن دعاء الله يحسن عندها، فهو أرجح منه في البيت والمسجد وأوقات السّحَر، كما أن البركة (تفيض) على كل شيء حول القبر، فمن أراد التزود منها فليلمس، ويقبّل، ويتمسح، فإذا تقرر ذلك هبط إلى دركة تالية : من دعاء الله عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به، أي : اتخاذه (واسطة) و(وسيلة) للاستشفاع به عند الله؛ فصاحب الضريح طاهر مكرم مقرب له جاه عند الله، بينما صاحب الذنب أو الحاجة يتلطخ في أوحال خطيئته، غير مؤهل لدعاء الله، فإذا تقرر ذلك هبط إلى دركة أخرى : فما دام هذا المقبور مكرماً فليس بممتنع أن يعطيه الله القدرة على التصرف في بعض الأمور التي لا يقدر عليها طالب الحاجة، فيُدعى صاحب القبر، يُرجى ويُخشى، يستغاث به، ويطلب المدد منه، ولِمَ لا ؟ !؛ فهو صاحب (السر) الذي توجل منه النفوس، وترتجف له القلوب، وتتحير فيه العقول !، فإذا تقرر ذلك هبط دركة ليست أخيرة، حيث (يتخذ قبره وثناً، يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله، واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده، ثم ينقله[الشيطان] درجة أخرى : إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ... )[11] .
هذا هو الواقع : ليست المسألة مظاهر وطقوساً مجردة، بل هي أعمال جوارح، نتجت عن أعمال قلوب، تحركها تصورات واعتقادات رسخت في النفوس وتخللتها وذابت فيها إلى الحد الذي لم تعد فيه بارزة منفصلة عن تلك المظاهر والطقوس .. هذا هو التصور المقنع لما يعمله أي إنسان عاقل؛ ف (مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة . فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها)[12] .
فالحقيقة أن : (من يدعو الأموات ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، لا يصدر منه ذلك إلا عن اعتقاد كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم، هذا إن أراد من الميت الذي يعتقده ما كان تطلبه الجاهلية من أصنامها من تقربهم إلى الله، فلا فرق بين الأمرين . وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية ... )[13] .
فالمسألة في حقيقتها : تقديس (الرمز) واتخاذه (واسطة) أو (وسيلة) لقضاء الحاجات وللشفاعة عند الله ..
هكذا هي في أدبيات القبوريين : (جاء في الرسالة (42) من رسائل إخوان الصفا[14] (4/21) قولهم : من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين والتعظيم لهم ومساجدهم ... فإن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلا اتباع آثارهم والعمل بوصاياهم والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار، وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم وتعرف أحوالهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك، طلباً للقربة إلى الله والزلفى لديه ... )[15] ..، ومما نقله الشيخ محمد رشيد رضا عن كتاب لأحد دعاة القبور : (وكل ما في الأمر أنه[اي : المتوسّل بغير الله] يرى نفسه ملطخاً بقاذورات المعاصي، أبعدته الغفلات عنه[اي : عن الله] أيما إبعاد، فيفهم من هذا أنه جدير بالحرمان من تحقيق مطالبه وقضاء حاجاته، وله الحق في هذا الفهم ... )[16] .
وهكذا هي في مكنون تراثهم الشعبي؛ فإذا استطلعنا الأمثال الشعبية المصرية كنموذج لهذا التراث في العالم الإسلامي نجد منه قولهم : (من زار الاعتاب ما خاب) أي : من زار الأضرحة والأعتاب (المقدسة) قضيت حاجته ونال مراده، (فالاعتقاد الشعبي في الأولياء يتلخص في أن الله قد منح بعض عباده المقربين (امتيازات) لا حدود لها .. يكوّنون حول الرسول ديواناً سماوياً ينشر قدرته)[17] .
ونجد في هذا التراث أيضاً : (يوضع سره في أضعف خلقه)، والمفهوم من كلمة (سره) أنها القدرة المستندة إلى أسباب غيبية ومحيرة، وأضعف خلقه مقصود بهم : المجانين والمجاذيب والأطفال ...
ولعل من دقيق فقه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في دين الله، وإحاطة فقهه بواقع الناس وحالهم .. ما جاء في معرض تعريفه للألوهية والإله؛ حيث قال : (فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا : السر، والولاية . والإله معناه : الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه : الفقير، والشيخ، وتسميه العامة : السيد، وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلجأ إليهم، ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله)[18]، ويقول أيضاً : ( ... هذا الذي يسميه المشركون في زماننا : الاعتقاد، هو الشرك الذي نزل فيه القرآن .. )[19] .
وكذلك هي في واقعهم؛ يقول أحدهم : (إن الوهابيين يقولون : إن أولياء الله لا يستطيعون دفع الذباب عن قبورهم، ولكنهم لا يعلمون أن لهم قدرة أن يقلبوا العالم كله، ولكنهم لا يتوجهون إلى ذلك)، ونقلوا عن محمد الحنفي أنه قال في مرض موته : (من كانت له حاجة فليأت إلى قبري، ويطلب حاجته أقضها له)[20]، (فالاعتقاد السائد : أن البركة إنما تسري من الولي إلى الضريح إلى المناديل والملابس التي مسحت بها، والأغرب من ذلك : ما يحدث عند تغيير كسوة الضريح وعمامة الولي الخاصة، هنا يسعى الجميع للحصول على قطع من هذه الكسوة أو العمامة مع استعدادهم لسداد أي مبلغ يطلب منهم ... )[21] .
وذكر المؤرخ الحضرمي صلاح البكري : أن بعض المرضى يأكلون من تراب بعض تلك القبور طلباً للشفاء[22]، وتقول إحدى الفرق في قبر شيخها : (إن قبره ومزاره دار الشفاء للمرضى، وأنه حلاّل المشاكل، ومسهّل الأمور، وقاضي الحاجات) و (إن المرضى كانوا يستشفون من عيسى، ولكن أحمد رضا يحيي الأموات ! )[23] .
والمسألة في حقيقتها : اعتقاد في تأثير (الأرواح)؛ (فإنهم قالوا : الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات؛ فإذا علق الزائر روحه به وأدناه منه : فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوهما على الجسم المقابل له)[24] .
ويقول الشيخ أخلاق حسين القاسمي، أحد أبناء طائفة الديوبندية الصوفية : (إن أرواح المؤمنين وخاصة أرواح الأولياء والصالحين قادرة على التصرف في هذا الكون بعد مفارقة الأجساد ... )[25] .
وهذا ما يشهد به واقعهم : فأعراب شرق الأردن يسمّون المقام ولياً؛ لأن أرواح الصالحين تقطن في ذلك البناء، بل يزعمون (أن أرواح الأولياء تسكن في القبور حيث يرقد جثمانها، وهي كالبشر في جميع احتياجاتهم من أكل وشرب، فيدّعون أن الرياح والثلوج تؤثر بهم، والجوع يفنيهم)[26] .
وينقل الشيخ محمد رشيد رضا عن أحد دعاة القبورية قوله : (إن الدعاء والاستغاثة بالموتى وبالأحياء من هؤلاء الأحباب سواء؛ لأن الموتى منهم أحياء في قبورهم يفعلون أفعال الأحياء فيها وفي خارجها)[27]، ويقول آخر : (إن تصرف الأولياء يزداد بعد وفاتهم)[28] .
فالقبوريون (أمام قبر الولي يركعون ويبكون ويتوسلون إليه، معتقدين أن الولي ينظر إليهم ويراهم، وأن روحه الطاهرة تحوم حولهم)[29] .
ومما يؤكد اعتقاد القبوريين في تأثير أرواح (الأولياء) بالتصرف أن كثيراً من هؤلاء المقبورين كانوا في معظم حياتهم ( غير فعالين ) في الخوارق، ووجد القبوريون فيهم ذلك بعد مماتهم؛ فالشيخ عبد الله في معان بالأردن عاش بالصلاح والتقوى وكان خطيباً ينذر القوم بالوعد والوعيد، فلم يجد في عشيرته من يعي كلامه ويحفظه، فلما استوفى أيامه أظهر الله كراماته بشفاء كثير على ما زعموا[30] ...
بل وصل الأمر إلى حد (أن الأكراد عظموا شريفاً صالحاً مر عليهم في سفره، ولحبهم فيه أرادوا قتله ليبنوا عليه قبة يتوسلون بها)[31] .
وهكذا هي في التراث الشعبي، فمن الأمثال الشعبية المصرية : (بعد ما راح المقبرة بقى سكّره) أي : أصبح مرغوباً فيه مثل السكر .. فما الفرق بين الحياة والممات إلا في انفصال (الروح) عن الجسد ؟ ! .
والمسألة في حقيقتها : تعلق القلوب بالضريح وصاحبه والتوجه إليه بمشاعر الإجلال والمهابة ..
هكذا يشهد حالهم : (فإن عباد القبور يعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع ورقّة القلب والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه)[32] .
ولعل السبب في ذلك أن (غرّهم الشيطان، فقال : بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيماً، وأشد فيهم غلوّاً، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد)[33] .
وهذا ما يقرره أحد مشائخ القبوريين، الذي يقول : (إن صاحب هذا القبر شيخنا محمد إلياس يوزع النور الذي ينزل من السماء في قبره بين مريديه حسب قوة الارتباط والتعلق به)[34] .
فكلما توغل القبوري في غيّه كلما حرص على إبراز قوة الارتباط والتعلق بالضريح وشدة تعظيمه وغلوه فيه، وفي ذلك قال ابن الرومي في (شرح المختار) : (قد قرر الشيطان في عقول الجهال أن الإقسام على الله بالولي والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك)[35]، وعلى ذلك ( فقد يقسم الأعرابي بالله دفعات متوالية على أنه يخشى أن يذكر اسم (شعيب) بالكذب مرة واحدة؛ لأنه ( مظهر الأسرار وموضح الخفيّات ([36]، وعندما سئل أحد التجار : لماذا يقسم بصندوق ضريح القرية، ولا يقسم بالله عندما يحاسب زبائنه ؟ أجاب : (إنهم هنا لا يرضون بقسم الله، ولا يرضون إلا بقسم صندوق نذور الضريح أو سور الضريح لسيدنا فلان)[37] .. فهل هذا إلا للتعظيم والإجلال والرهبة وتعلق القلب بالضريح وصاحبه ؟
وأحوالهم في ذلك عديدة : فمقام (النبي هارون) بالأردن : (يهجع الزائر (المؤمن) تحت ظله فيشعر بما لا يوصف من المسرة والحبور)، وتزور المرأة العاقر مقام (النبي يوشع) (حافية خاشعة، وتجثو أمام الضريح وتقبله بدموع وتضرع .. ومنهن من يرقدن الليالي الطويلة بين أسواره بالصوم والصلاة ثم يغادرنه وفي أنفسهنّ الآمال والمسرات)[38] .. ويلخص هذا التعلق أبو الثناء الآلوسي عندما يصف موقفاً مر به في إحدى زياراته للأضرحة والمزارات، فيقول : (حتى أتينا قرية يقال لها (قارحين) وهناك قبر عليه قبة ثلجية قد زرناه فلم نحس منه ( بروحانية([39] .. ويقول البريلوي أحمد رضا المسمي نفسه بعبد المصطفى : (إنني لم أستعن في حياتي بأحد ولم أستغث بغير الشيخ عبد القادر، وكلما أستغيث أستغيث به، ومرة حاولت أن أستغيث وأستعين بولي آخر، وعندما أردت النطق باسمه للاستغاثة والاستعانة ما نطقت إلا بـ (يا غَوْثاه)، فإن لساني يأبى أن ينطق الاستعانة بغيره)[40] .. وهذا الموقف النفسي يرصده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما يتحدث عن تفرق القبوريين حسب تمسك كل منهم بالضريح الذي تتوق نفسه إليه، فيقول : (ولهذا كان المتخذون القبور مساجد لما كان فيهم من الشرك ما فيهم قد فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فتجد كل قوم يعظمون متبوعهم أو نبيهم، ويقولون : الدعاء عند قبره يستجاب، وقلوبهم معلقة به دون غيره من قبور الأنبياء والصالحين وإن كان أفضل منه، كما أن عباد الكواكب والأصنام كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، فهو يعبد ما يألهه وإن كان غيره أفضل منه)[41] .
وهكذا هي في تراثهم الشعبي، فيقول المثل الشعبي : (الشيخ البعيد سره باتع)، أي : صاحب الضريح البعيد سره مؤكد مقطوع به، والبعد : مسألة نسبية، فالبعيد بالنسبة إلى هؤلاء قريب لغيرهم، والقريب إليهم الذي لا يرغبونه بعيد عن غيرهم، فما الذي يجعل الضريح البعيد مرغوباً أكثر من غيره ؟ .. إنه شوق القلب وحنينه الذي يساعد البعد في تولده، وهذا ما يعبرون عنه في مثل آخر يقول : (ابعد حبة (بعض الشيء) تزيد محبة) .. فتعلق القلب رغبة ورهبة ومحبة تجعل (آمال وآلام الزائرين لا تمضي إلى أي ضريح بالمصادفة، ولكن شهرة الولي واختصاصه بالشفاعة، والبعد المكاني، لهم تأثير كبير في قصد الزيارة؛ فالضريح الذي نتكبد إليه مشاق السفر يصبح أكثر جذباً ورهبة من ذلك الضريح القريب المتاح زيارته في أي وقت)[42].
وتبقى التساؤلات :
- ما الذي يدفعهم للاعتقاد في الأضرحة أنها قوة قاهرة وسلطة نافذة وإن اعتبروها (واسطة) و (وسيلة) ؟
- وما الذي يدفعهم لإسناد ذلك إلى الأرواح، أو بتعبير أدق إلى سرّ غيبي محيّر ؟
- وما الذي يدفعهم إلى التوجه بمشاعر قلوبهم نحوها لجلب رضاها أو دفع مضرتها، أو للتمتع بالمسرة والحبور في أنفسهم ؟
- لماذا تحولت العلاقة بالرمز من ذكرى واحترام إلى تقديس واعتقاد إلى تعلق وانجذاب ؟
إن الذي حملهم على كل ذلك وحمل غيرهم على نظيره هو إشباع (التأله) لدى قلوبهم المحرومة من التأله للإله الحق؛ وهذا ما يقرره الإمام ابن تيمية رحمه الله حين يقول : (ومن لم يكن محبّاً مخلصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبّداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين ... وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ فالقلب إن لم يكن حنيفاً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه، كان مشركاً)[43] .
ويقرر ذلك أيضاً تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله، حين يقول : (العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة)[44] .
وهذا ما تقرره أيضاً الدراسات الإنسانية الحديثة، فقد ( أيدت دراسات الأنثربولوجيا[علم الإنسان] وعلم الأديان أن الحاجة إلى الدين موجودة عند جميع الناس في كل العصور وفي جميع المجتمعات، فالإنسان منذ القدم وهو يبحث عن إله يعبده، ويتوسل إليه، يعتقد أنه قوي مسيطر على الكون، خالق كل شيء، حي لا يموت)[45]، ( هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين : لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد)[46] .
وهذه الغريزة هي التي أضفت على (الرمز) حتى عند أهل الإلحاد أشكال المهابة و (القداسة)، ف (في ظل نظام كالنظام الشيوعي الذي لا مكان للدين في فكره العلمي، اصطبغ الإيمان بالمادية الديالكتيكية بصبغة الحماس الديني، واتخذت الاجتماعات والاستعراضات سمة الاحتفالات والمواكب الدينية، وأحيط واضعو النظرية ومؤسسو الدولة بهالة دونها هالة القديسين والرسل؛ فهم يوصفون بالخالدين، أو بالشمس التي لا تغرب، وها هي تماثيلهم الضخمة وصورهم وقد حلت مكان التماثيل الدينية والأيقونات تطل على الجماهير في الساحات وكافة المباني العامة، وعلى الأفراد في مساكنهم الخاصة، وها هي قبورهم وقد تحولت إلى مزارات مقدسة تحج إليها الملايين، وتصطف الصفوف خارجها لساعات من أجل إلقاء نظرة، أما كتبهم فهي بمثابة الكتب المقدسة، من قبيل التجديف أن ينسب إلى فكرة فيها الخطأ، بل ويبيت البعض ليلهم (كالحرس الأحمر في الصين) وهي إلى جوارهم أو تحت وسائدهم حتى تصرف الشرور عنهم ! )[47] .
ويؤيد القول بأن دافع إشباع التأله هو الذي يحرك القبوريين عدة أمور، منها :
أولاً : إن بعض طقوس القبوريين تعتبر امتداداً لعادات وثنية كانت سائدة في أجدادهم قبل الإسلام، (وأول هذه العادات : تقديس الأولياء، تلك العادة التي لقيت رواجاً سريعاً وعميقاً في نفوس المصريين لارتباطها بطبيعتهم منذ فجر التاريخ، ففكرة تشييد المساجد الجميلة فوق أجساد الموتى وتقديسهم تتصل بجذور الفكر الديني المصري منذ العصر الفرعوني، ولا سند لها في القرآن والسنة .. )[48] .
وعلى ذلك نرى أن الطقوس التي كانت تقام داخل معبد الأقصر للإله (آمون) في عصر الفراعنة هي الطقوس ذاتها التي تتبع في مولد (أبي الحجاج الأقصري) والذي يقع ضريحه داخل معبد الأقصر نفسه، وأهم ظاهرة في هذا المولد : تلك المراكب التي يجرها جموع المريدين وسط صيحات التكبير والتهليل، مما يلقي بظلاله على ما كان يحدث في المهرجانات الدينية في عصور الفراعنة؛ حيث كان لمعظم الآلهة عدد من القوارب التي تلعب دوراً رئيساً في طقوس الاحتفالات الدينية، وإلى الآن يستمر هذا التقليد في مولد (أبي الحجاج الأقصري)، على الرغم من تأكيد أهالي الأقصر على أن هذه القوارب مرتبطة بمجيء أبي الحجاج من مكة، أو
بحجه إليها، كما يتماثل أيضاً في مولد (عبد الرحيم القنائي) الذي أقيم قبره على طلل معبد إله من آلهة قدماء المصريين[49] .. ولعل منشأ كل ذلك عائد إلى التقديس الخاطئ للرموز الإسلامية إضافة إلى القياس الفاسد على من كانوا يعظمونهم في جاهليتهم، فقد يبدأ الأمر بالرغبة في تعظيم الرمز الإسلامي والزعم بأن الأولياء ليسوا بأقل من الذين كانوا يعظمونهم في جاهليتهم، فيعظمونهم بمثل ما كانوا يمارسونه مع معبوداتهم الوثنية .
ومن أمثلة ذلك أيضاً : ضريح الشيخ (هلال) المقام على قبر مزعوم قرب دمشق، حيث كان القدماء يعبدون (القمر) .. وكذلك : فإن عبادة الأشجار معروفة في الوثنيات القديمة و (الحديثة)، وقد ظهر التأثر بهذا الانحراف الوثني عند القبوريين إما في صورة شجرة قائمة إلى جوار الضريح، وإما بزعم أن روح الولي المقبور تسكن فيها، وكثيراً ما يحظر قطع الأشجار المحيطة بقبر الولي[50] .
ثانياً : إن بعض هذه الطقوس تعتبر طقوساً مشتركة بين القبوريين وأصحاب الديانات الأخرى، يقول الشيخ محمد رشيد رضا معقباً على ما ادعاه أحد مشايخ القبورية في تسويغ اتخاذ القبور والأضرحة واسطة للشفاعة : (هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله تعالى عنهم ... وهو ما يفعله بعض النصارى عند قبور القديسين)، ويقول أيضاً : (ولا تظنوا أن الهندوس ليس عندهم كهنة يتأولون لهم بدعهم الوثنية كما تأول هذا العالم الأزهري ... واحتج لهم بأنهم كأنجاس الهند المنبوذين، ليس لأحدهم أن يتقرب إلى الله تعالى بنفسه، بل لا بد له من أحد هؤلاء المعتقدين ليقربه إليه زلفى)[51]، ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي : (وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم؛ فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومدّ يد الطلب والضراعة إليهم، كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم ..)[52]، ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا صورة من هذا التشابه، فيقول : (في بنارس[في الهند] قبر أبي البشر آدم عليه السلام وقبر زوجه وقبر أمه ! (ويقال : إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة) وقبور قضاته، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب كقبة أمير المؤمنين علي في النجف وقباب غيره ... وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها والتمسح بها وتلاوة الأدعية والأوراد عندها كغيرها من تماثيل معبوداتهم، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور لها ولسدنتها وكهنتها، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات فيها أن علماء وثنيي الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها، وأنهم ليس لهم فلسفة في عبادتها)[53] .
ومن الطرائف ذات المغزى في هذا المعنى أن شريف مكة (الشريف عون) عندما استجاب للشيخ أحمد بن عيسى في هدم جميع القباب بالحجاز، اعترض القناصل الأجانب في جدة على هدم قبر حواء، بحجة أن حواء أم لجميع الناس وليست أمّاً للمسلمين فقط[54] .
فحقيقة الأمر : أن ما يفعله القبوريون عند القبر والضريح هو بعينه الذي تفعله الجاهلية الوثنية (وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغير
المعاني)[55] .
ثالثاً : إن الاهتمام بالقبور والتوجه إليها تجاوز حواجز الملل والمذهبيات والفرق ليشكل طقساً مشتركاً من طقوس التدين (الباطل) يجتمع عليه القبوريون مع إخوانهم في التأله للمقبورين؛ ففي كثير من الأحيان يمارس القبوريون هذه الطقوس بالاشتراك مع غيرهم ممن أشرنا إليهم .
ولأن النصارى يعيشون بين المسلمين أكثر من غيرهم من أهل الديانات الأخرى فقد ظهر هذا الاشتراك جليّاً منذ القِدَم، فقد ثبت أن منشأ الأضرحة الموهومة والمكذوبة كان واحداً عند النصارى والقبوريين، وهو (أضرحة الرؤيا)، إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل أخذ شكل الاشتراك العملي في ممارسة الطقوس والعبادات؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر أن كثيراً (من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم)[56] .
وكثير من (موالد) النصارى ليست مقصورة عليهم، بل يشارك فيها كثير من جهلة المسلمين (وهذا أمر ليس بمستغرب، فهم يذهبون أيضاً لبعض القساوسة ليخلصوهم من الأرواح الشريرة ! .. وكما تتردد بعض القبطيات على أضرحة الأولياء؛ لتحقيق أمنية بالحمل، وتنذر نذراً إن تحققت أمنيتها .. )[57]، وأيضاً فإن بعض النصارى يشارك جهلة المسلمين في الاعتقاد في ضريح الشيخ أبي الحجاج الأقصري[58] .
ومثل ما توضع الرسائل في أضرحة الأولياء وخاصة ضريح الإمام الشافعي توجد أوراق وأقلام على قبر البابا كيرلس السادس وغيره، لمن يرغب في تحقيق أمنية أو رجاء منه، ويوضع في مدخل الكنيسة أو الدير صندوق للنذور، كذلك توهب الأضاحي التي تذبح هناك[59] .
والأهالي على اختلاف مللهم ومذاهبهم وطبقاتهم يزورون مقام (النبي يوشع) في أكبر الأعياد الإسلامية وأيام المصائب والنكبات[60] .
ويحكي الأستاذ عبد المنعم الجداوي عن تجربة شخصية له كيف أن إحدى قريباته عندما مرضت أصر أهلها على الطواف بها على بعض الأضرحة والكنائس أيضاً[61] .
فما الذي جعل هؤلاء يشاركون أولئك إلا أنهم جميعاً وجدوا في القيام بتلك المظاهر إشباعاً لدافع واحد يجمعهم هو : التدين، أو (التأله) ؟
رابعاً : من أوضح الأمور التي تدل على أن الدافع لدى القبوريين هو إشباع التأله في قلوبهم : تعلقهم بمشخصات لا علاقة لها بالأولياء مطلقاً، بل هي أنصاب وأوثان صريحة، يصرفون إليها مشاعر المحبة والخوف والرهبة والرجاء .. فإضافة إلى ما زعمه القبوريون من القبور المكذوبة على أصحابها، والقبور المنسوبة إلى صحابة وأولياء مزعومين ليس لهم وجود في السيرة والتاريخ .. هناك القبور الموهومة التي ليس بها أي دفين، فلقد (وُجِدت بعض الأضرحة الوهمية التي لا يوجد بها جثمان لأحد المشايخ، بل عبارة عن هيكل أو كوم من الطوب تحت قبة توارث الناس الاعتقاد فيها، وتفيد محافظ المجلس الصوفي عن حالة كهذه.. واتضح أنه ليس هناك شيخ، بل هناك كوم تراب يدعونه الناس سيدي فرج)[62] .
ولأن أمر هذه القبور المكذوبة والموهومة أصبح شائعاً، ولأن الأمر ليس في حقيقته إلا إشباع التأله في القلوب، فقد قرروا ذلك في صراحة، فقال أحدهم : (ولا يحتاج أن يطلب دليل وسند لصحة نسبة هذه الآثار إلى أصحابها، ويكفي أن تكون نسبتها مشهورة بين الناس)[63]، وقال الآخر : (وعلى كل حال : فلا بأس من زيارته[أي : القبر] على من توهم من وجوده)[64]، فالمهم أنه (يجب علينا التسليم في ذلك كله، واعتقاد تعظيم القبور المذكورة بما يعد تعظيماً، وبكل ما يليق من الاحترام، ولو على تقدير توهم الصحبة ... ) (10)، ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى أَضْرَحة (دواب الأولياء)، ففي اللاذقية بسورية حضرة يقال إنها مدفن الفرس التي كان يركبها الولي المغربي، لا تزال حتى اليوم تزار وتبخر[65]، فالقبوريون عباد كل ضريح حتى لو ثبت عدم صحة نسبة الضريح إلى صاحبه أو كان الضريح لدابة أو ثبت عدم وجود قبر أصلاً .
وما دام الأمر كذلك، فما الفرق بين كوم تراب وحجارة أو أخشاب أو نحاس... أو أي شيء من المخلوقات ؟ .. لا فرق .. المهم وجود (السر) والتوجه إلى صاحبه ! ..
وهذا ما أوقع القبوريين في وثنية صريحة لا خفاء فيها ولا مواربة .
ففي الهند (يأخذون قليلاً من التراب من مكان ما، ويعطونه حكم نعش الإمام الحسين، ويضعونه على مكان مرتفع كصُفّة وغيرها، ثم يقدمون له كل يوم أنواعاً من الشراب والحلاوة، والزهور والعطور وغيرها، ولا يسمحون لأحد أن يمر بتلك الصفة متنعلاً، ويسجدون لذلك التراب الذي أعطوه حكم قداسة جنازة الحسين، ويطلبون منه المال والأولاد ... )[66] .
ولقد شاهد الشيخ محمد رشيد رضا بعض الرجال والنساء من العامة في مسجد (الحسين) بالقاهرة (يطوفون بعمود من الرخام، ويتمسحون به التماساً للبركة وتقرباً إلى (السيد البدوي) ! معتقدين بأنه يجلس بجانب هذا العمود عند زيارة جده الحسين، ومنهم من يزعم أن روح السيد ترفرف دائماً هناك .. )[67]، وفي نابلس بفلسطين عمود حجري كان مقدساً قبل الإسلام فوجد من يطلق عليه بعد انحراف الناس عن دينهم الحق : قبر الشيخ العمود[68] .
وفي أوزبكستان أوقع الفراغ الروحي الذي خلفته الشيوعية الناس هناك في التعلق بأي شيء (مقدس)، وهذا ما دعاهم إلى ترتيب عملية سطو منظمة للظفر بقطعة من كسوة الكعبة، ومن ثم : جلبوها إلى بلادهم ووضعوها في إطار زجاجي علق في فناء المسجد؛ ليأتي الناس للتمسح والتبرك بها، كما يتبركون ويتمسحون هناك أيضاً بصورة الكعبة ![69] .
بل ويتزاحم الناس في مولد البدوي بمصر (حول حمار يأتي به دراويش الطريقة الشناوية إلى قبر السيد، فيتسابقون لنزع شعرات من جسمه يصنعون منها الأحجبة، وهذا بالضبط ما كان قدماء المصريين يفعلونه بهذا الحيوان ! )[70] .. إلى غير ذلك من مظاهر لا يقبلها عقل رشيد ولا دين صحيح .
هذا ما تيسر ذكره حسب المصادر المتاحة لي، وهي تعتبر عينة عشوائية لما يحدثه القبوريون في معظم أنحاء العالم الإسلامي ..
فما الذي دعاهم إلى هذا الاعتقاد وتقديم هذه القرابين والطقوس غير إغواء الشيطان لهم بالتأله لغير الله ؟ .. وإلى أي مدى تأخذ الخرافة والوهم والدجل من يريدون أن يضيئوا حياتهم بقبس من الظلمات ؟

-----------------------------------------------
(1) الاتجاه النفسي : (ميل عام مكتسب، نسبي في ثبوته، عاطفي في أعماقه، يؤثر في الدوافع النوعية، ويوجه سلوك الفرد)، انظر : أسس علم النفس الاجتماعي، للدكتور مختار حمزة، ص244 .
(2) انظر : ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة نوح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى : [ ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ] [نوح : 23 ]، وانظر : تفسير الطبري، ج 29، ص62، وإغاثة اللهفان، لابن القيم، ج1، ص184 .
(3) بتصرف عن : التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام، لعبد المجيد بن سالم بن عبد الله المشعبي، ص43، ص45 وانظر : تفسير ابن كثير، ج2، ص140 141 .
(4) روى القصة بتفاصيلها ابن إسحاق (1/76) عن أبي هريرة مرفوعاً، وصححها محمد بن رزق بن طرهوني في (السيرة الذهبية)، 1/65، وانظر : فتح الباري، ج6 ص 634، وصحيح مسلم، ك/كسوف الشمس، باب رقم 9، 60، والمسند : 3/353، 5/137 .
(5) د أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ج1، ص84 .
(6) انظر : السابق، ص83، 84 .
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة .
(8) الفوائد، ص44، 45 .
(9) د محمد محمد أبو شهبة، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، ج 1، ص71 .
(10) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص 334، وانظر : حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد، لمحمد بن سلطان المعصومي .
(11) ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ج1، ص217 .
(12) ابن القيم، الفوائد، ص236 .
(13) الإمام محمد بن علي الشوكاني، رسالة وجوب توحيد الله عز وجل، ت : د محمد بن ربيع هادي المدخلي، ص80 .
(14) تعتبر (رسائل إخوان الصفا) مرجعاً مهماً في تسويغ عقائد الباطنية الشركية، وقد ألفها مجموعة من الفلاسفة أشياع الفاطميين (العبيديين) في القرن الرابع الهجري .
(15) عن : هذه مفاهيمنا، للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ص 32، ص102 .
(16) مجلة المنار، ج3، م33، ص216 .
(17) موالد مصر المحروسة، عرفة عبده علي، ص85 .
(18) رسالة (هدية طيبة)، ضمن مجموعة التوحيد، ص152 .
(19) رسالة (كشف الشبهات)، ضمن مجموعة التوحيد، ص102، ص 113 .
(20) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص1083، وانظر : البريلوية، عقائد وتاريخ، إحسان إلهي ظهير، ص74، ص59 .
(21) هيام فتحي دربك، مقال بعنوان : موالد الأولياء في مصر، المجلة العربية، ع/131، ذو الحجة 1408هـ، ص43 .
(22) انظر : الانحرافات العقدية، ص335 .
(23) البريلوية، ص75 .
(24) محيي الدين البركوي الحنفي، زيارة القبور الشرعية والشركية، ص 48 .
(25) الديوبندية تعريفها، عقائدها، سيد طالب الرحمن، ص78 .
(26) الخوري بولس سلمان، المزارات في شرقي الأردن، مجلة المشرق، 11/11/1920م، ص901 .
(27) المنار، ج3، م33، ص216 .
(28) البريلوية، عقائد وتاريخ، ص74 .
(29) هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص43 .
(30) المزارات في شرقي الأردن، مجلة المشرق، ص908 .
(31) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص23، هامش1 .
(32) ابن القيم، إغاثة اللهفان، ج1، ص198 .
(33) السابق، ص189 .
(34) الديوبندية، ص132 .
(35) حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد، لمحمد بن سلطان المعصومي الحنفي، ص25 .
(36) مجلة المشرق، المزارات في شرقي الأردن، ص905 .
(37) د عبد الكريم دهينة : الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص117 .
(38) مجلة المشرق، ص906، ص903، ص 913 .
(39) الانحرافات العقدية، ص347 .
(40) عن : البريلوية عقائد وتاريخ، إحسان إلهي ظهير، ص58 (10) مجموع الفتاوى، ج27 ص164 .
(41) موالد مصر المحروسة، ص81، 82 .
(42) رسالة العبودية، ت : محمد بشير عيون، ص65، 66، وانظر : مجموع الفتاوى، ج10، ص216 .
(43) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، تحقيق أبي حذيفة عبيد الله بن عالية، ص277.
(44) د محمد محمد عودة، ود كمال إبراهيم مرسي، الصحة النفسية في ضوء علم النفس والإسلام، ص103 .
(45) د يوسف القرضاوي، الإيمان والحياة، ص99 .
(46) حسين أحمد أمين، تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين، مجلة العربي، ع/226، رمضان 1397هـ، ص131 .
(47) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص128 .
(48) انظر : موالد مصر المحروسة، ص69، والصوفية والسياسة في مصر، ص50، ومقال : تأملات في حقيقة أولياء الله، ص137، ص136 .
(49) انظر : مقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، ص135 .
(50) مجلة المنار، ج3، م33، ص216 218 .
(51) عن : الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، لمحمد عبد الرؤوف القاسم، ص780.
(52) مجلة المنار، ج3، م33، ص220 .
(53) انظر : الانحرافات العقدية، ص304 .
(54) تطهير الاعتقاد، للإمام الصنعاني، ص18 19 .
(55) مجموع الفتاوى، ج27، ص461 .
(56) موالد مصر المحروسة، ص73 .
(57) الصوفية والسياسة، ص50 .
(58) انظر : موالد مصر المحروسة، ص72، 75 .
(59) انظر : مجلة المشرق، مقال : المزارات في شرقي الأردن، ص902 904 .
(60) اعترافات كنت قبورياً، ص30 .
(61) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص159 .
(62) البريلوية، ص138 .
(63) الانحرافات العقدية، ص285 .
(64) نفسه، ص293 .
(65) انظر : السابق، ص300 .
(66) رسالة في تحريم اتخاذ الضرائح، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، ص21 .
(67) عن : السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعة والدينية، لمحمد أحمد درنيقة، ص222 .
(68) انظر : مقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، ص 315 .
(69) انظر : مقال (مسلمو أوزبكستان)، د عبد الرحمن محمد عسيري، مجلة : دراسات إسلامية، ع/1، ص218 .
(70) حسين أحمد أمين، مقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، ص136 .

------------------------------------
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-20-2015, 08:40 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,057
ورقة دوافع تقديس القبور والأضرحة(2/2)

دوافع تقديس القبور والأضرحة(2/2)
ــــــــــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ




عندما أطلق (ماركس) عبارته الشهيرة ( الدين أفيون الشعوب ) لاقت رواجاً بين كثير من الشعوب الأوروبية؛ حيث كانت تتلطخ في أوحال النصرانية المحرفة المشبعة بالوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية التي آلت إلى طغيان كنسي شامل سيطر على عقول الناس وأرواحهم وأموالهم ونظم حياتهم، صاحبه فساد خلقي واسع لرجال الكنيسة واستعباد لأتباعهم وصل إلى حد توزيع قسائم حجوزات في الجنة (صكوك غفران) مقابل أموال يدفعها الراغبون، مستغلين في ذلك شيوع الخرافة والدجل بين هذه الشعوب .
جدت مقولة ( ماركس ) رواجاً بين هذه الشعوب التي أرادت أن تنعتق من طاغوت الكنيسة، فكفرت بما ينبغي الكفر به، ولكنها - بدلاً من الإيمان الصحيح بالله - انتقلت إلى عبادة طاغوت جديد قديم شعاره : تقديس المادة والعقل .
وما كان للإسلام أن تطوله هذه الشطحات أو تلك الخزعبلات، فهو من جهة يعلي قيمة التفكر والتدبر ويراعي الحاجات الطبيعية التي غرزها الله في بني الإنسان والتي تمثل عوامل الدفع للاستخلاف في الأرض وعمارتها، ومن جهة أخرى : فإن العروة الوثقى في دين الله تعني بكل وضوح : الإيمان بالله والدخول في عبوديته وحده لا شريك له، وذلك لا يتم إلا بالخروج من عبادة كل مخلوق أو الخضوع له، حياً كان أو ميتاً، تقياً كان أو فاجراً، عظيماً أو حقيراً، غنياً أو فقيراً .. { فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة : 256] : (جئنا لنخرج من شاء الله من العباد من عبادة العباد (كل العباد) إلى عبادة رب العباد) .
وعلى الرغم من وضوح هذه القيم في النصوص الشرعية وممارسات الرعيل الأول وأتباعهم، إلا أنه في غفلة من أهـل الإسلام تسلل رويداً رويداً انحراف عقدي وشذوذ فكري أخذ ينخر في جسد الأمة، فعشش في عقول كثير من أبنائها وتربع على قلوبهم حتى أفرخ وثنية سافرة حيناً ومستترة أحياناً .. أعني بذلك : داء تقديس القبور والأضرحة والمزارات !، ذلك الداء الذي فعل في أمة الإسلام – أو كاد - ما فعلته خرافات الكنيسة وطغيانها بأمة النصارى .. أفيون اجتماعي مدمر للشعوب تماثل آثاره أفيون المخدرات المدمر للأفراد مع تغييبهم وتخديرهم - إن لم تزد عليها - ..
فما هو حصاد السنين من نتائج وآثار تقديس القبور والأضرحة ؟ أصل الانحرافات وأخطرها :
من الصعب على الباحث أن يحصر آثار تقديس القبور والأضرحة، ولكن هناك آثاراً يمكن إبرازها، لخطورتها، ولكونها تعتبر أمهات لانحرافات أخرى نتجت عن هذا الداء، ويقف على رأس هذه الآثار : أظلم الظلم : الشرك بالله - تعالى -، فالراصد لأحوال القبوريين يلحظ بوضوح انتشار الشرك بينهم بجميع أنواعه وصوره ودرجاته .. شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات .. شرك أكبر، وشرك أصغر ... وما أدراك ما يحدثه الشرك من آثار نفسية واجتماعية على الفرد والمجتمع !
فمن شرك الربوبية ظهر واضحاً اعتقاد القبوريين في الأضرحة وأصحابها : أنهم يسمعون ويبصرون ويجيبون من يتوجه إليهم، وأنهم يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وأن لهم قدرة في التصرف والتأثير في الكون بما ليس في طاقة البشر : كالخلق والإفناء، والإحياء والإماتة، وشفاء الأمراض، والنفع والضر، والعطاء والمنع، والإغناء والإفقار، وتحويل الأشياء عن حقيقتها ... كما زعم القبوريون أن في الأضرحة وأصحابها القدرة على الرفع والوضع في الدنيا والآخرة، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومحو الذنوب وغفرانها..
وبناءً على هذا التصور المنحرف في الربوبية نشأ شرك الألوهية، حيث توجه القبوريون إلى الأضرحة وأصحابها بالعبادات والتقربات التي لا يصح صرفها إلا لله - عز وجل -، ففضلاً عن تبركهم بها على وجه غير مشروع وجعلهم إياها عيداً ومنسكاً حتى إنهم ليحجون إليها ... فإنهم عظموها كما لو كانوا يعظمون الله - سبحانه -، فاقسموا بها، واستشفوا، واستنصروا، ولاذوا .. وأيضا : فإنهم دعوها، واستغاثوا بها، وذبحوا لها، ونذروا، وطافوا حولها، وسيّبوا لها السوائب، وساقوا إليها الهدي ...
فإذا بدأنا بأقل الصور الشركية، وهو ما يحتمل أن يكون ذريعة إلى الشرك أو يكون شركاً أكبر نجد أن التبرك بالقبور والأضرحة من أبرز هذه الصور؛ فلقد اعتاد القبوريون على ( أنهم بزيارتهم لهذه الأضرحة ستأتيهم البركة ويشفون من مرضهم أو يفكون عقم نسلهم ... وكانوا يَمَسُّون عمامة صاحب الضريح – بعد الولائم - أملاً في شفاء أوجاع الرأس، ويَمَسّون قفطانه للعلاج من الحمى، ولحس الحجر لفك عسر اللسان، وتقديم العرائض طلباً لرفع الظلم، وتمسح النساء في الضريح أملاً في إنجاب الذكور .. )[1] ، ولم يستحي القبوريون في طلبهم المنهوم للبركة المزعومة أن يستسيغوا المعاشرة الزوجية في هذه الأضرحة، فهذا الشعراني صاحب أكبر سجل لخرافات القبوريين يذكر من (كرامات) البدوي أنه دعاه إلى فض بكارة زوجته فوق قبة قبره ( فكان الأمر ! )[2]، وفي السودان (وصل الأمر- في العصر الحاضر- عند بعض الرجال المخرفين إلى مجامعة زوجاتهم عند أضرحة الأولياء، بدعوى نيل البركة )[3] .
وبالطبع فإن هذا التبرك يفتح باب الرقى والتمائم الشركية على مصراعيه .
من الأصغر إلى الاكبر :
فإذا ما تركنا التبرك وقصدنا بيان الشرك الصريح في أقوال المعتقدين في الأضرحة وأفعالهم، فإننا نكاد ألا نستطيع الفصل بين أنواع الشرك في هذه الممارسات؛ فالشرك في الربوبية مصاحب للشرك في الأسماء والصفات، وينبني عليه باعتباره نتيجة حتمية : الشرك في الألوهية .. وإليك بعض نماذج لهذا الشرك أو ذاك :
من النماذج الصارخة التي تحوي أنواع الشرك كله (ربوبية - وألوهية - وأسماء وصفات) ما أورده أبوبكر العراقي عن أحد القبوريين ( وهو إمام وخطيب في أحد مساجد ديالى المهمة، يقول : دعوت الله ست سنوات أن يرزقني الولد فلم أرزق، وذهبت إلى شيخي مصطفى النقشبندي في أربيل فما أن استغثت به وطلبت منه الولد حتى رزقت بطفلين توأمين ! )[4] تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
فهذا (الإمام) أشرك في الربوبية لاعتقاده أن لشيخه النقشبندي القدرة على التصرف والتأثير في الكون بالنفع والعطاء من دون الله، ومن ثم فإنه : أشرك في أسماء الله الحسنى : النافع الضار، والوهاب، والرزاق .. وأشرك في الألوهية لصرفه عبادة لغير الله؛ وذلك بدعائه لشيخه النقشبندي أن يرزقه الذرية .
فالانحراف في توحيد الربوبية عند القبوريين يتبعه دوماً انحراف في توحيد الألوهية، وإليك إيضاحاً آخر :
يقول عرفة عبده علي : ( وقد احتشدت مؤلفات مناقب السيد البدوي بكرامات أسطورية غريبة لا تحصى، منها - على سبيل المثال - : إحياء الموتى، وانقاذ الأسرى في بلاد الفرنجة، وقوله للشيء كن فيكون بإذن الله ! ) ..
فماذا ترتب على هذا الاعتقاد في البدوي ؟ .. يقول الكاتب نفسه : ( وكثير من أتباعه يجعلونه في منزلة أسمى من مرتبة الأنبياء ! [5] .. فما هذه المنزلة ؟
استمع إلى شهادة أحد العلماء : فقد رأى الشيخ رشيد رضا جماعة من هؤلاء القبوريين ) تطوف حول قبر السيد البدوي، الذي تحول إلى كعبة ثانية، وكانت هذه الجماعة تطلب من السيد، لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقدرته العجيبة في قضاء الحوائج[6]، فإذا كان ذلك في أحد القبور، فهل يختلف الحال في الأضرحة الأخرى ؟

تفشى الداء :
--------
إذا شملنا واقع الأضرحة بنظرة عامة وجدنا أن الطقوس التي يمارسها المعتقدون في القبور تعدت إلى كثير من الصور التي تجسد أنواع الشرك بدرجاته المختلفة، وهذا هو واقع القبوريين :
* فبالأضرحة والقبور أقسموا : يقول الإمام الصنعاني : ( ... ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله - تعالى - لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه )[7] ( ... ولن يصدق أحد من الحالف إلا إذا حلف بواحد منهم، وهذا كان شيئاً طبيعياً كنا نراه في القرى ونحن صغار، ولا زال يجري للآن )[8] .
وهذا الانحراف العقدي أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله - تعالى - : العظيم[*]، والرقيب، والشهيد، والعليم ...
* وبها لاذوا واحتموا : فكما جعل الله - سبحانه - البيت الحرام ملاذاً من دخله كان آمناً، جعل سدنة الأضرحة ( تلك الأضرحة الوثنية حرماً آمناً يهرع إليها المجرمون والفارون، ويلجأ إليها الخائفون، ليأمنوا في رحابها، ويستريحوا في ظلالها، ... وكثيراً ما عفي عن اللائذين بالأضرحة من المجرمين إكراماً للمدفونين أو خشية ورهبة من انتقامهم وبأسهم )[9] .
وقد يدخل ذلك في الإلحاد في أسمائه - تعالى - : الكافي، والولي، والنصير، والعزيز ...
* واليها توجهوا بالطلب والدعاء : وهذه بدأت بأن (بث بعض المتصوفة فكرة أن الدعاء عند قبور الأولياء والصالحين مستجاب )، وانتهت بأن (أخذ العوام يطوفون بقبور الصالحين، يستعينون بهم، ويخاطبونهم، ويستنهضون هممهم بالصياح والصراخ ) [10] ، حتى أصبح الواقع ( أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله - تعالى - من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل : يا سيدي فلان، أغثني .. )[11] .
ولا شك أن من الدعاء : الاستغاثة والاستعانة : ومن المفارقات أن تلك العبادة تتجلى واضحة عند القبوريين في المواطن التي كان المشركون يخلصون فيها الدعاء لله وحده؛ لأنهم يعلمون أن آلهتهم لا تجيبهم ولا تنفعهم في تلك المواطن، ويحكي محمد السنوسي أنه ( حين كان راكباً في البحر، وهاجت الرياح، وتلاطمت الأمواج حتى كادت السفينة أن تغرق، أخذ يستجير-كما يقول- بكل ما يستحضره من الأولياء كي يكشفوا كربته ! )[12] ، وليس هذا حالة خاصة، بل إن ( من المشاهد اليوم أن كثيراً من الناس يستغيثون بالمشائخ والأنبياء والأئمة والشهداء[13] .
فأمثال تلك المشاهدات المستقاة من الواقع الشركي للقبوريين دعت كثيراً من العلماء إلى التصريح بأن شرك الأولين من عباد الأصنام أخف وطأة من شرك القبوريين، وذلك من عدة وجوه بينوها في كتبهم[14] .
ومن الدعاء أيضا : الاستشفاء، ولعلنا نوضح هذا الجانب لاحقاً عند الحديث عن الآثار الاجتماعية للاعتقاد في القبور والأضرحة .
ولا شك أن هذا الانحراف في الدعاء أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله - تعالى - الحسنى، ومنها :
السميع، المجيب، المعطي، الرزاق، القادر، النافع , الضار، النصير، العليم، الشافي ...
* ولها ذبحوا ونذروا : وهذه أيضاً من الشعائر اللازمة للاعتقاد في القبور والأضرحة، فالرعاة في شرقي الأردن يطوفون بالأغنام حول مقام النبي يوشع) في أزمان الأوبئة ويختارون خير النعاج، ويصعدونها إلى سطح المقام وينحرونها فيسيل دمها على عتبته[15] ، فـ ( غاية الزيارات لمقامات الأولياء هي تقديم الذبائح ) [16] .
وكثيراً ما يقترن الذبح بالنذر، ولا شك أن الذبح والنذر ( سواء أكان ذبحاً، أو إهداء زيت، أو إعطاء نقود .. ) من العبادات التي لا تجوز إلا لله - تعالى -، لذلك يقول الإمام الصنعاني - رحمه الله - : ( والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً .
والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر وسماها ماءً, ما شرب إلا خمراً ... )[17] .

ابحث عن الضريح ! :
-------------
وكل ذلك لا يخص ضريحاً دون آخر، بل هو عام في جميع الأضرحة المقصودة بالتوجه والاعتقادت فحيثما كان ضريح يعتقد فيه؛ كان الشرك بجميع صوره وأنواعه ودرجاته؛ فهذا قبر ابن عربي بدمشق، يحكي عبد الله بن محمد بن خميس مشاهداته عنده، فيقول : ( لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق فوجدت فئاماً من الناس يغدون إليه ويروحون .. وجدتهم يطوفون حوله، ويتوسلون به، ويعلنون دعاءهم له من دون الله . وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح وتمرغه وتنادي : اغثني يا محيي الدين . وجدت الصبايا البريئات يجئن إليه، ويمددن أمامه الأكف، ويمسحن الوجوه، ويخشعن، ويتضرعن )[18] ..
باختصار : عند قبر ابى عربي في دمشق يمارس القبوريون شتى ألوان الشرك الأكبر )[19] .
وفي الهند : أصبح قبر الشيخ بهاء الدين زكريا الملتاني ( مرجع الخلائق في العصر الأخير، ويطوفون حوله، ويعملون ويصنعون على قبره جميع الأعمال اللائقة بالمعبود، كالسجود، والنذور، وما أشبه ذلك .. وضريح الشيخ علي الهجوري في لاهور في باكستان، وهو من القبور العظيمة، والناس يزورونه كل سنة، بل كل يوم، ويطوفون حوله، ويسجدون له، ويقدمون النذور، ويستغيثون به، ويطلبون العون والمدد )[20] ، و ( عند القبر المنسوب إلى هود في حضرموت يحدث من الشرك الأكبر ما يعجز القلم عن وصفه، شأنه في ذلك شأن كل الأضرحة في البلاد الأخرى . وقد بولغ في تقديس هذا الضريح، فتراهم يشدون الرحال لزيارته وعندهم شيء من بقايا الشعور الوثني الذي كان يشعر به العرب للات والعرى، يستعينون به ويتوجهون إليه، ويولون وجوههم شطره لقضاء الحاجات، واستنزال البركات، ودفع الكربات)[21] .
بل لقد اعترف أحد كبار منظِّري القبورية وهو الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري بوجود الشرك الأكبر والكفر الصراح في القبورية، فقال :( إن كثيراً من العوام بالمغرب ينطقون بما هو كفر في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء، فيسجد له، ويقبل الأرض بين يديه في حال سجوده، ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى والذرية، ونحو ذلك مما لا يطلب إلا من الله - تعالى - وإن عندنا بالمغرب من يقول في ابن مشيش : إنه الذي خلق الابن والدنيا، ومنهم من قال - والمطر نازل بشدة - : يا مولانا عبد السلام، الطف بعبادك ! . فهذا كفر )[22] .
بين الفرد والمجتمع :

كان هذا عرضاً لأهم صور الشرك، الذي هو أخطر مساوئ الاعتقاد في القبور والأضرحة على دين الإنسان ودنياه، فهو يناقض أساس الاسلام ويهدم الركن الأول منه، كما أنه يحمل في طياته مما يحمل : ( التمزق النفسي والتفكير الخرافي, فإذا أمعنا النظر إلى أثر هذا الشرك في المجتمعات وجدنا آثاراً لا يستهان بسوئها، اقترنت بهذه المظاهر الشركية، ومنها :

شرك في التوحيد وشرك فى التشريع :
----------------------
لا شك أن التشريع مرتبط بالتأله والتعبد، فهو أحد أقسام التوحيد، لذا : رأينا دائماً أن الانحراف في توحيد العبادة والنسك يصاحبه انحراف في توحيد التشريع والتحاكم، ) فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه : { ولا يشرك في حكمه أحدا } [الكهف : 26] ... وقال في الإشراك به في عبادته : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف : 110] فالأمران سواء كما ترى إيضاحه )[23]، وعلى هذا ( يرتبط التحليل والتحريم (التشريع) بالمعبود ارتباطاً وثيقاً، حتى لقد توافقت وتزامنت دعوة العرب للشرك بالله في عبادته وتغيير دين إبراهيم - عليه السلام -، مع إدخال تشريعات لم يأذن بها الله، بل أمر بها الطواغيت، فعمرو بن لحي الذي كان أول من غير دين إبراهيم - عليه السلام - وأدخل عبادة الأصنام في العرب، كان هو نفسه أول من سيَّب السوائب وشرع لهم الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها )[24] .
وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا : { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة : 103]، أنهم يفترون على الله الكذب بتحريم ما حرموا على أنفسهم، وأن ذلك من أعمال الكفر به، بل يظنون أنهم يتقربون إليه ولو بالواسطة، لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب .. ليست بزعمهم إلا وسائط بينهم وبين الله - تعالى - .. وهكذا شأن كل مبتدع في الدين بتحريم طعام أو غيره، وتسييب عجل للسيد البدوي أو سواه )[25] .
وتعدى أمر التشريع عند القبوريين تسييب عجل للضريح، إلى التلاعب في بعض العبادات المفروضة، ويمثل الحج أبرز مثال لهذا التلاعب، الذي بدأ بسن آداب وطقوس معينة لزيارة تلك الأضرحة، ( فالزيارة ليست مجرد مرور عابر، ويجب أن تؤخذ بمعناها الدقيق، فعملية الاستقبال داخل الضريح هي لقاء بين الولي (الداعي) والزائر (الضيف)[26]، لذلك لم يقتصر القبوريون ) .. على إقامة المباني والأضرحة عليها فحسب، بل صنعوا في آداب زيارتها وترتيبها المصنفات الطوال، منها : كتاب شمس الدين محمد بن الزيات المعروف (الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة)[27] .
ومن (آداب للزيارة) إلى (مناسك للحج)، فقد ( آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه : (مناسك حج المشاهد) مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عُبَّاد الأصنام )[28] .
ولم يكتفوا بتصنيف الكتب في ذلك، بل أشاعوا ذلك التشريع في جمهورهم، فالدكتور عبد الكريم دهينة يذكر عن قريته التي بها أكثر من ثلاثين ضريحاً تقام لها موالد ونذور ونسك، أنه ( قد أفتى بعضُ الفسقة بأن الحج ينفع إليهم )[29]، كما ( أن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوي بقنا .. فيه غناء عن أداء الحج إلى بيت الله الحرام .. )[30] .
وعلى ذلك فليس بمستغرب أن يقول السخاوي : ( جاء الحُجاج هذه السنة لسيدي أحمد البدوي من الشام وحلب ومكة، أكثر من حجاج الحرمين ! )[31] .
فهذا باب من التشريع، وهو أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله الحسنى : الحكيم، والحكم، والعليم، والعزيز، والملك، والعظيم ...
وكل ذلك أدى إلى الاستهانة بأوامر الله - عز وجل -، واستبدالها بتعظيم شعائر الأضرحة وأوامر سدنتها، وبذا كانت القبورية أحد الأسباب التي هيأت شعوب العالم الإسلامي لقبول العلمانية الوافدة وتشريع ما لم يأذن به الله .

شرك في التوحيد، ونكوص عن مجاهدة الأعداء :
-------------------------
ولست هنا بصدد تقييم علاقة أهل التصوف بمقاومة الأعداء - سلباً وايجاباً -، ولكننا نريد بيان أثر الأضرحة في جهاد أعداء الأمة، ضمن تأثيرها على حياة الشعوب الإسلامية في شتى المناحي . والمتتبع لأثر الأضرحة في هذا المجال يجد أن الأضرحة والقبور هيمنت على هذا الجانب ضمن هيمنتها على الحياة كلها، فأصبحت الأضرحة والمزارات تمثل بحق (أفيون الشعوب الإسلامية) ! ..
فقد اتخذتها الشعوب مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، باعتبار أنها (الرموز المقدسة) التي لا ينبغي أن تمس، ( ففي ريف المغرب الذي كان يحتله الإسبان قامت القبائل هناك بثورة عارمة ضدهم، حين بنى الإسبانيون مركزاً للحراسة بقرب ضريح تقدسه القبائل )[32]، وقد فطن الأعداء لهذا الأمر، فحرصوا على عدم المساس بهذه القبور والأضرحة لعدم إثارة الذين يقدسونها، بل ساهموا في الترويج لها ولطقوسها، بينما كانوا يبدلون منهج حياة المسلمين تبديلاً كاملاً، وينهبون ثروات البلاد نهباً منظماً، (ويرحل بنا المؤرخ العظيم عبدالرحمن الجبرتي إلى زمن الحملة الفرنسية، يوم تقلد الشيخ خليل البكري نقابة الأشراف ... (وفيه سأل صاري عسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم ؟ !، فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقُّف الأحوال، فلم يقبل، وقال : لابد من ذلك، وأعطى له ثلاثمئة ريال فرنساوية معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد، ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ... )[33] .
وكما مثلت القبور والأضرحة لدى المعتقدين فيها مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، فإنها شكلت عندهم بديلاً لأي جيش يناهض هؤلاء الأعداء .
فهي عندهم (هيئة المستشارين) التي تقرر قتال الأعداء أو لا تقرره، يقول الدكتور عمر فروخ : ) لا ريب في أن الأوروبيين قد عرفوا ذلك واستغلوه في أعمالهم الاستعمارية، ذكر مصطفى كامل بطل الوطنية المصرية في كتابه (المسألة الشرقية ) قصة غريبة في أذن القارئ العادي، قال :
ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس : أن رجلاً فرنسياً دخل في الاسلام وسمى نفسه سيد أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماماً لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنساويون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل (سيد أحمد) الضريح، ثم خرج مهولاً بما سينالهم من المصائب، وقال لهم : إن الشيخ ينصحكم بالتسليم؛ لأن وقوع البلاد صار محتماً، فاتبع القوم البسطاء قوله ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنساويون آمنين في (26) أكتوبر سنة 1881 م)[34].
وهي عندهم (حرس الحدود) الذي يقوم على صد الأعداء، بل ومنع الفتن والأوبئة !، فـ(كل مدينة كبيرة أو صغيرة محروسة بولي من الأولياء، فهو الذي يحميها من العين ومن الغارات ومن نكبات الطبيعة، ومن طمع الطامعين ) [35]، وبناء على ذلك الاعتقاد يذكر الكوثري ( أن أرض الشام يحرسها من الآفات والبلايا أربعة من الأولياء الذين يتصرفون في قبورهم ! )[36] .
وبخلاف الأضرحة الكبرى التي (تحرس) المدن المهمة والمراكز الحيوية، يشيع هذا الاعتقاد أيضاً عند القبوريين في القرى والنجوع، ففي ( مركز مغاغة بالمنيا، وعلى وجه التحديد بقرية (بني واللمس) على البحر اليوسفي، يشتهر مقام سيدي (حسن أبو رايتين) ... ويعتقدون أنه يحرس القرية ويحفظها من السرقة وعداوات الدم، ويلجؤون إليه لرفع المظالم ... )[37] .
وهي عندهم (وسائل دفاع جوي ! )، فضريح (علي الروبي) بالفيوم بمصر ( أنقذ المدينة من الدمار خلال الحرب العالمية الثانية، ببركته التي حولت مسار القنابل إلى بحر يوسف ! )[38] .
وهي عندهم (معين المدد والذخيرة)، فأثناء الثورة العرابية روَّج القبوريون إشاعة قوية مفادها ( أن كبار الأولياء (الدسوقي - البدوي - عبد العال) أهدوا أحمد عرابي ثلاثة مدافع ليستعين بها على منازلة الإنجليز )[39] .
وعندما يستدعي الموقف الإمداد بـ (قوات خاصة) لمنازلة عدو شديد البأس يطلب القبوريون المدد من الأضرحة وأصحابها أيضاً، فعندما أغار التتار على بلاد الشام ( كان القبوريون يخرجون يستغيثون بالموتى عند القبور، ولذا قال بعض شعراء القبورية :
ياخائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر )[40]
وحين أغار جنود الفرنسيين والإفرنج على مصر ( صاح المحاربون في المسلمين وصرخوا مستغيثين بغير الله مع الله : ( يا رب يا لطيف، ويا رجال الله، ونحو ذلك) )[41] .
وذكر الشيخ رشيد رضا ( أنه عندما زحفت روسيا على مدينة بخارى فزع الناس إلى الاستغاثة بحامي بخارى ! - كما يسميه أهلها - شاه نقشبند، فلم يغن عنهم شيئاً )[42] .
وذكر أيضاً أنه ( انتشر بين أهل مراكش، عند حلول النوائب بهم، وتعدي الأجانب عليهم، الاجتماع حول قبر الشيخ إدريس في فاس، طالبين أن يكشف ما نزل بهم من الشدة، تاركين ما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم والإعداد العسكري للأعداء )[43] .
- وهي عندهم (جيوش متكاملة)، فلماذا الإعداد، والقبور والأضرحة عند المعتقدين فيها بمثابة جيوش متكاملة تفعل ما لا يستطيعه المحاربون ؟ !، فقد قال أحد كبار الصوفية في زمن احتلال الإنجليز لمصر، ما معناه : ( لو أراد إبراهيم الدسوقي خروج الإنجليز من مصر ما بقي إنجليزي واحد، وقال بعضهم في نكسة سنة 1967 م ما يدور حول هذه الفكرة )[44] .
وذكر الدكتور سيد عويس في كتابه المهم (رسائل إلى الإمام الشافعي) أن إحدى الرسائل الموجهة إلى ضريح الإمام الشافعي، والمؤرخة في أكتوبر سنة 1955م، يطلب صاحبها فيها ( عقد جلسة شريفة يحضر فيها معه سيدنا الحسين وسيدنا الحسن، والست زينب أم هاشم، وجميع أهل بيت النبي ! ويطلبون من الله مسح إسرائيل اليهود، وإزالتها من على وجه الأرض المقدسة في الأسبوع، ويكون- إن شاء الله - آخر ميعاد يوم الثلاثاء القادم ! ![45] .
ولها تعقد احتفالات النصر، فمما يذكره الجبرتي أنه عند ( مغادرة الفرنسيين للقاهرة سنة 1216هـ هرع قائد الجيش العثماني (حسين باشا القبطان) إلى زيارة المشهد الحسيني، وذبح فيه خمس جواميس وسبعة أكباش، واقتسمتها خدمة الضريح )[46] . فهل أضر مؤثر بقوة الأمة أعظم من هذا (التخدير) الذي سرى
في جسدها بفعل أفيون تقديس القبور والأضرحة ؟

شرك فى التوحيد وتخلف في المجتمع :
-------------------------
وترتفع الخرافة إلى ذروتها حينما يعمد القبوريون إلى إضافة التخصصات للأضرحة بعد تقسيم درجاتها إلى كبرى وصغرى، فمثلما كان للإغريق – ومن بعدهم للرومان واليونان - إله لكل شيء . إله للحرب، والهة للحب، وإلهة للخصب، إله للخمر .. وجدنا عند القبوريين أضرحة ومزارات تشتهر بتخصصها في حاجات مختلفة، يخصونها بالتوجه إليها لطلب هذه الحاجة منها .
ولعل من هذا القبيل : الأضرحة والمزارات النسائية، كمقام ( الشيخة مريم التي يحتفل بمولدها مرتين : مرة في شم النسيم[**]، والأخرى في ذكرى مولد النبي، وقد اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم )[47]، وكذلك يطلب القبوريون ( من ضريح الشيخة صباح في طنطا إبراء النساء من العقم )[48]، ومزار ( بنات عين) في معان بالأردن : ( انتشر ذكره بين العواقر، يفدن إليه بالقرابين والمصابيح لنيل البرء والشفاء، وهو مختص بالنساء فقط ويدعونه بالمستشفى النسائي! )[49]
وإضافة إلى تلك الأضرحة والمزارات التي اشتهرت بتخصصها النسائي، هناك ضريح (النبي شعيب) في وادي السلط الجنوبي بالأردن ( وهو ولي ! مرهوب مختص بالأقسام الكبرى، إذا أشكلت الدعاوى واستعجمت مذاهبها .. ويطلب القاضي البدوي القسم الرهيب في بركة شعيب .. )[50]، وفي حلب بسورية ( اعتاد بعض الناس هناك أن يسافروا إلى ضريح الشيخ ريح زاعمين أنهم يشفون من ريحهم ... وللناس في قبر أبي العلاء المعري [بمعرة النعمان بسورية أيضاً] اعتقاد عظيم، يبيِّتون على قبره شربة ماء ويستعملونها للبرء من الحمى .
وفي مدينة طنطا [بمصر] يطلب الناس هناك من ضريح عز الرجال – وهو أحد تلاميذ البدوي - شفاء الأطفال .. ومن ضريح محمد الحدري المعروف بالعمري شفاء أمراض الروماتيزم ! )[51] .
فإذا كان هذا الاعتقاد الناشئ عن الانحرافات في اسم الله - تعالى - : الشافي، دعا المعتقدين في الأضرحة إلى التوجه إليها بالقربات والعبادات لنيل مرادهم، فإنه أثمر أيضاً تخلفاً اجتماعياً مريعاً؛ حيث استغنى الناس بالأضرحة عن الطب وعلومه، فما حاجتهم إلى طب (الكفار ! ) وعندهم أضرحة المسلمين التي تشفيهم - وبأيسر السبل - مما يعجز عنه الأطباء ؟ !، وذلك صرف الناس عن تعلم الطب، فأثر ذلك بدوره في تدني مستوى الطب في المجتمع، مما كان يدفع الناس نحو الأضرحة مرة أخرى لطلب الشفاء منها .
وإضافة إلى إهمال تعلم الطب فقد أهملت العلوم الأخرى، بل أهملت الخدمات الاجتماعية للأحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات ! .

شرك فى التوحيد، وفساد في الأخلاق :
-------------------
إضافة إلى المفاسد الأخلاقية التي تحدث حول الأضرحة[52]، هناك أشكال من هذه المفاسد ارتبطت بها أيضاً، وفي ذلك تضرب (الموالد) بنصيب وافر، حيث يشيع فيها الفساد الأخلاقي مقترناً بالشرك الأكبر والأصغر .
ويجدر بالذكر هنا الإشارة إلى الأثر النصراني واليهودي في هذه الموالد، حيث تكاد تتطابق أشكال طقوس احتفالات أعياد الميلاد والموالد للقديسين و(الأولياء) النصارى واليهود مع ما يحدث في موالد الأولياء المسلمين[53]، حتى إن مولد (أبي حصيرة) اليهودي في قرية (ميتوه) بدمنهور في مصر - والذي كان يُحتفل به قبل التطبيع مع اليهود على أنه ولي مسلم، ويعقد مولده كل عام على هذا الأساس - يأتي إليه اليهود من أنحاء شتى ليقيموا مولده، وفيه :(تقاد الشموع وتسكب زجاجات الخمر على القبر، ويرقص النساء والرجال عرايا أو شبه عرايا على أنغام شرائط الكاسيت، وفي نهاية الليل يتمددون وهم سكارى فرادى ومتزاوجين في ظل حراسة جنود الشرطة والأمن المركزي ! )[54] .
هذه صورة من موالد (اليهود)، فماذا عن موالد (المسلمين) ؟
في صدر مقالها عن موالد الأولياء في مصر، تعرف هيام فتحي دربك (المولد) بأنه : ( الاحتفال بيوم ميلاد ولي من أولياء الله، والاحتفالات بالموالد تمارس في المنطقة التي فيها قبر الولي، وهي حفلات فولكلورية شعبية من غناء ورقص وتسلية، والاستماع إلى الموسيقى الصاخبة وألعاب الأطفال والمراجيح وحلقات الذكر الذي يتخذ مظهر الرقص أحياناً ومظهر الشعوذة أحياناً أخرى، ففيها يقوم الرجال بعمل حركات من قيام وقعود والى الشمال وإلى اليسار وهم يذكرون لفظ الجلالة .. الله، الله، حي، حي .. وقد يندمج بعضهم في حلقات الذكر فيشد شعره ويتمرغ على الأرض ! )[55] .
ولكن ماذا عن حالة المولد فيما مضى ؟ يصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول : ( ينصبون خياماً كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالَم الأكبر من أخلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً .. )[56] .
فالموالد ما هي إلا فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط .
فالمولد فرصة لأن ( تنتهك فيه حرمات النساء، وتشرب الخمور )، حتى إنه ( أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكاناً للهو والرقص والغناء الساقط )[57] .
وفي أيام الربيع في الأردن يفد الزائرون إلى مزار (جعفر الطيار) (فترى الفتيات يرقصنَ حول المزار بأغاني مطربة ونغمات رقيقة ..)[58] ..
فليس هذا خاصاً ببلد دون آخر، بل هو موجود حيثما كانت قبورية وأينما كانت موالد أو (احتفالات) أو (أعراس) للأضرحة .

وبعد :
---
فقد كانت هذه صورة لبعض نتائج تفشي داء تقديس القبور والأضرحة في العالم الإسلامي، والملاحظ أن هذه الصورة ما كانت إلا تعبيراً عن الهيمنة السلبية على حياة الناس كلها، وليس هذا الحال خاصاً بمحلة دون أخرى، بل وصل الحال إلى أن أصبح ( أكثر المسلمين في العالم قد عبدوا القبور بأنواع من العبادات، بل عبدوا الأشجار والغارات، وقد ارتكبوا أنواعاً من الشرك بالله - تعالى - ! )[59] ..
ولم يقتصر ذلك على الجهال والطغام، بل شمل جمهرة من المنتسبين إلى العلم الشرعي أو من يسمون أنفسهم بالمثقفين والمتحضرين !، لا ينجو من ذلك إلا المتحصن بعقيدته، المستحضر توحيد ربه، الذي امتلأ قلبه بمحبة الله - عز وجل- وخشيته ورجائه .
إن تقديس القبور والأضرحة داء يعمل في أعز مشخصات هذه الأمة وأبرز ما يميزها، وهو التوحيد، وإن من علامات صحة الجسد إحساسه بالألم؛ فالجسد الميت أو الواقع تحت تأثير مخدر لا يحس بالألم رغم وجود مقتضاه، وهذه الأمة لا تموت ولا تنتهي إلا عند الإيذان بانتهاء الحياة في هذه الدنيا، ولكنها قد تدخل في غيبوبة عن أمر دينها أو أمر دنياها، إما بسبب غفلة من أبنائها أو بسبب كيد من أعدائها، أو بكليهما، وعند ذاك فإن كل من يساهم في إزالة أثر المخدر عنها، وكل من يساعد في (إيلامها) أو إظهار ألمها، فإنه يضرب بسهم في معافاتها، لأنها عندما تحس بالألم تعرف أنه أصابها داء، وعندما تدرك أنها مريضة تبحث عن الداء الذي أصابها لتقضي عليه وتفيق من رقادها .
فهل يبذل الدعاة -بل كل مسلم موحد -جهودهم ويجردون سيوف دعوتهم لإنقاذ الغارقين في غيبوبة الخرافات والأوهام الشركية، الذين أوشكوا على الهلاك ؟
هذا ما نرجوه ونأمله، وندعو الله العلي القدير أن يوفقنا وإياهم لما يحب ويرضى .

------------------------------------------------
(1) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر، ص 129 .
(2) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص 744، نقلاً عن الطبقات الكبرى للشعراني .
(3) د ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع، التبرك - أنواعه وأحكامه، ص 473 - 474 .
(4) حوار مع الصوفية، ص 56 .
(5) موالد مصر المحروسة، ص 80 .
(6) محمد أحمد درنيقة، السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص 207 .
(7) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، ص 26 .
(8) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 89 .
(*) نلاحظ أن الإلحاد في اسمه - تعالى - : العظيم، يدخل فيه معظم الشركيات، لأنها ناتجة عن تعظيم القبوريين لهذه الأضرحة واصحابها.
(9) الانحرافات العقدية، ص 339 .
(10) محمد أحمد درنيقة، السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص217 .
(11) روح المعاني، م 3، ج6، ص 128 .
(12) الانحرافات العقدية، ص 321 .
(13) جهور علماء الحنفية، ص 416، نقلاً عن أبي الحسن الندوي في رسالته (تقوية الإيمان) .
(14) انظر على سبيل المثال : رسالة (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورسالة (أربع قواعد) له أيضاً، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، لمحمد بشير السهسواني الحنفي، ص 166، وغاية الأماني في الرد على النبهاني، لمحمود شكري الألوسي، 1 /295 .
(15) مقال (المزارات في شرقي الأردن)، ص 903 .
(16) ا لسابق، ص 914 .
(17) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، ص 18 - 19 .
(18) شهر في دمشق، ص 64 .
(19) علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العقدية، ص 327 .
(20) السابق .
(21) السابق، ص 326 .
(22) عن : جهود علماء الحنفية، ص 479 - 480، نقلاً عن : إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد على القبور، للغماري .
(23) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان، ج7، ص 162 .
(24) بتصرف عن : أضواء على ركن من التوحيد، لعبد العزيز بن حامد، ص 16، وحديث أن عمراً بن لحي ( أول من سيَّب السوائب ) في البخاري، ك / التفسير، ب /13 .
(25) تفسير المنار، ج7، ص 204 .
(26) موالد مصر المحروسة، ص 83 .
(27) د سعاد ماهر فهمي، مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج 1، ص 47 .
(28) إغاثة اللهفان، لابن القيم، ج 1، ص 197 .
(29) الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 128 .
(30) حسين أحمد أمين، مقال (تأملات في حقيقة أمر أولياء الله الصالحين)، ص 137 .
(31) نقلاً عن : بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص 268 .
(32) الانحرافات العقدية، ص 305 .
(33) عرفة عبده علي، موالد مصر المحروسة، ص 14 .
(34) نقلاً عن : التصوف بين الحق والخلق، لمحمد فهر شقفة، ص 211، وانظر : هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، ص 171 .
(35) ا لانحرافات العقدية، ص 324 .
(36) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص 461 .
(37) موالد مصر المحروسة، ص 53 - 54 .
(38) السابق، ص 53 .
(39) الصوفية والسياسة، ص 120 .
(40) جهود علماء الحنفية، ص 458 .
(41) السابق، ص 460 .
(42) عن : الانحرافات العقدية، ص 320 .
(43) محمد أحمد درنيقة، مصدر سابق، ص 218 .
(44) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 120 .
(45) نقلاً عن : مقال (الأضرحة - مدخل تاريخي واجتماعي)، للأستاذ/ وليد فكري فارس، مجلة التوحيد المصرية، السنة (24)، العدد (4)، وانظر : الصوفية والسياسة، ص 51 .
(46) عن : بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص 269 .
(**) أصله عيد فرعوني، ويراد له الانتشار الآن مزاحمة لأعياد المسلمين.
(47) موالد مصر المحروسة، ص 53 .
(48) الانحرافات العقدية، ص 336 .
(49) مجلة المشرق، 11 / 11 / 1920 م، مقال : المزارات في شرقي الأردن، ص 907 .
(50) السابق، ص 903 .
(51) الانحرافات العقدية، ص 336 .
(52) انظر على سبيل المثال : الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، للدكتور زكريا سليمان بيومي، ص133 - 137 .
(53) انظر : موالد مصر المحروسة، ص 17 .
(54) جريدة (الوفد) القاهرية، 4/8 /1416 هـ، ص 6 .
(55) هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص 41 .
(56) نقلاً عن : هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، ص 161 .
(57) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 131 .
(58) المزارات في شرقي الأردن، ص 906 .
(59) الشيخ مسعود الندوي، نقلاً عن : جهود علماء الحنفية، للدكتور شمس الدين السلفي، ص 472 .

--------------------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الصوفية

« العلاقات الدولية في الفكر السياسي الإسلامي | مذهبة الصراعات الإقليمية في المشرق »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البوذية وعلاقة الصوفية بها عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 08-03-2014 07:48 AM
آراء الصوفية في أركان الإيمان عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 07-26-2014 06:34 AM
الصوفية ولعبة المصالح والاستغلال عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 06-01-2014 06:34 AM
الصوفية في إيران عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 02-17-2014 09:06 AM
تورط الفرق الصوفية فى نشر التشيع فى مصر Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 12-15-2012 11:22 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:04 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73