تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 01-20-2015, 08:44 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,080
ورقة الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين

الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(خالد أبو الفتوح)
ــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ





الأمة الواعية هي التي تراجع نفسها من حين لآخر، تتأمل ماضيها بعين البصير، وتنقد حاضرها بعين الرقيب، وتستشرف مستقبلها بعين الناصح الأمين .
والعلماء (ورثة الأنبياء) يضطلعون بالدور الأكبر في هذه المراجعة، دور الطبيب الحاذق الخبير، الذي يتفحص الأعراض والظواهر؛ ليقف على حقيقة العلة والداء، ثم يصف بناءً على ذلك مسترشداً بالنور وشفاء الصدور علاج هذا الداء وطريقة استئصاله، ليعمل أهل الخير وطائفة الحق منطلقين من أرضية ثابتة، معلومة الأبعاد لتصحيح ما فسد، وإقامة ما اعوج .
والرسالة التي نحن بصددها هي من هذا النوع المُعِين على الوقوف على حال الأمة وواقعها بعد عهود من انفراج خط الانحراف، حتى وصل إلى مرحلة يصعب فيها إلا على من وفقه الله (عز وجل) إبصار الصراط المستقيم، وسط تشويش الداعين إلى أبواب الضلال .
وهذه الرسالة من الأهمية بمكان في هذا المجال، حتى قال عنها مقدمها والمشرف عليها الشيخ محمد قطب (وفقه الله) في تقدير بالغ ممزوج بتواضع جم : ( .. ولكني أشهد أن رؤيتي لهذه القضية كانت رؤية الخطوط العريضة فحسب، أما الباحث : فقد حاول وبنجاح أن يقرأ الخطوط الدقيقة، وقد فوجئت وأنا الذي وجهته ووجهت طلابي إلى هذه النقطة بأن واقع الأمة الذي أحدثهم عنه كان أسوأ بكثير مما حدثتهم عنه، وأسوأ بكثير مما كنت أعرف منه .. ) .
( ولقد وضع يده على أخبار وحوادث لم أكن على علم بها، وهذه شهادة مني له، شهادة تقدير للعمل الذي قام به) .
وموضوع الرسالة : (الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة)[*] .
وهي رسالة علمية تقدم بها مؤلفها الباحث (علي بن بخيت الزهراني) إلى قسم الدراسات العليا الشرعية، فرع العقيدة، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونال عنها درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية فرع العقيدة، بتقدير ممتاز، مع التوصية بطبع الرسالة وتبادلها، وخرجت الرسالة بعد طبعها فيما يزيد عن ألف صفحة، من القطع العادي (17سم) .
وقد قسم الباحث أطروحته التي أمضى خمس سنوات لإتمامها إلى :
مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة :
اشتملت المقدمة على بيان الموضوع، وأهميته، والأسباب التي دعت إلى اختياره، وبعض ما اعترضه من عقبات، وعرض خطة البحث .
أما التمهيد : فتناول فيه باختصار : أحوال الأمة الإسلامية قبل القرنين محل الدراسة، وركز فيه على أهمية العقيدة في حياة الأمة، مع بيان حال الصدر الأول من الصحابة، وأثر العقيدة فيهم، ثم عرّج على ظهور الفِرَق وبذور الانحرافات قبل القرنين المقصودين بالدراسة .
وكان موضوع الباب الأول : الأحوال العقدية والعلمية عند المسلمين في القرنين الماضيين، ويعتبر هذا الباب عمدة الرسالة وأساسها، وقد حوى تسعة فصول :
ناقش في الأول : انحصار مفهوم العبادة، والآثار السيئة التي ترتبت على ظن كثير من الناس أن العبادة هي مجرد أداء الشعائر التعبدية فقط .
وعرض في الثاني : الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من الإيمان، وخطورة هذا الانحراف الذي هيمن على ساحة الفكر الإسلامي .. حتى قال عنه الأزهري : (ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) .
وكان الفصل الثالث عن : ضعف عقيدة الولاء والبراء، التي تحولت إلى عقيدة عمياء عند أبناء المسلمين، وأوضح الأدوار التي أسهمت في إضعافها، بدءاً من دور السلطان العثماني (محمود الثاني) الذي قال : (إنني لا أريد ابتداءً من الآن أن يميز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة، واليهود إلا في المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية ( ! ) أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق، وبحمايتي الأبوية .. ) .
ثم عرض الباحث لأدوار أخرى أضعفت هذه العقيدة .
وفي الفصل الرابع : بيّن غربة العقيدة الصحيحة ومقاومتها، والافتراءات الكاذبة والتهم الباطلة التي حوربت بها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) .
ثم أوضح في الفصل الخامس : هيمنة الفلسفة وعلم الكلام على علماء العقيدة ومؤلفاتها، بدءاً من العصر العباسي، وكيف انتهت دراسة العقيدة إلى مجرد دراسات لعلم الكلام في الكليات الشرعية في الجامعات الإسلامية المشهورة .
وأما الفصل السادس : فقد أطنب في بيان انتشار مظاهر الشرك والبدع والخرافات، وقسمه إلى قسمين : أولاً : انتشار مظاهر الشرك، ثانياً : انتشار البدع والخرافات .
فتحدث في القسم الأول : عن بناء المساجد على الأضرحة والقبور، والاستغاثة والاستعانة بأصحاب هذه الأضرحة، والذبح والنذر لها، ... وغير ذلك من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر التي هيمنت على حياة الناس، الذين وصل الغلو ببعضهم إلى القول ( بإسقاط فريضة الحج عمن يشد الرحال إلى بعض الأضرحة التي يعظمونها ويعبدونها من دون الله عز وجل)، وأصبح عندما (يداهم الأمة عدو أو ينزل بها خطب فلا تستعد كما يجب إن هي استعدت أصلاً؛ لأن عندها من (الأرباب) ما لم يخل منهم قُطر ولا مصر، فإذا دهمهم خطر فسرعان ما يهرع كل أهل بلد إلى مربوبهم ! (مقبورهم) ... فيلوذون به ويستغيثون بجنابه ... ) ! نعوذ بالله من الخذلان .
وفي القسم الثاني : تحدث عن انتشار البدع والخرافات، ومنها الموالد والاحتفالات .
ثم كان طبيعيّاً أن يكون الحديث في الفصل السابع عن : الصوفية في هذين القرنين : نشأتها، وأسباب انتشارها، ونفوذ أربابها في العالم الإسلامي، ونظرتهم إلى العلم والحياة، ودعائم نظامهم التربوي وعقائدهم المنحرفة .
ثم تحدث في الفصل الثامن عن : ازدياد نشاط الفرق المنحرفة وحربها للمسلمين في هذين القرنين، من رافضة، ونصيريّة، ودروز، وإسماعيلية . وبهائية، وقاديانية ...
وكان الفصل التاسع والأخير من أهم فصول هذا الباب، حيث تحدث عن :
موقف العلماء، وأنه لم يكن على المستوى المطلوب، فقد تجافى كثير منهم عن المشاركة في الحياة العامة والتأثير في الأحداث، كما شارك كثير منهم في الابتداع في الدين، مما جعل الإسلام أشبه ما يكون بالديانات المحرفة؛ لكثرة ما ابتُدِعَ فيه، كما انغمس كثير منهم في متاع الحياة الدنيا، فكانت النتيجة : عدم قيامهم بالأمانة التي حمّلهم الله (عز وجل) إياها، (بينما البقية الصالحة منهم قد قبعت في بيوتها، أو انزوت في الدرس والكتاب، تحسب أن مهمتها قد انتهت إذا لقنت الناس العلم) .
وبذلك انتهى الباب الأول الذي استغرق حوالي نصف الرسالة، إذ هو كما يقول الباحث : (المقصود الأعظم من البحث) .
أما الباب الثاني : فقد كان موضوعه : الانحرافات العلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، وقد فصله إلى فصول ثلاثة :
تحدث في الفصل الأول عن : المستوى التعليمي ومناهج التعليم، حيث (حدث تقلص ضخم (في مناهج التعليم) أبعد بالتدريج كل العلوم (الدنيوية) من معاهد العلم، في ذات الوقت الذي اقتصرت فيه العلوم الشرعية على فكر القرن الخامس على أكثر تقدير .. ) وبدون أي تغيير، فكان المستوى التعليمي مقيداً بالمختصرات والشروح والحواشي والتقريرات، مع عدم اهتمام العلماء بعلم الحديث .
وفي الفصل الثاني : تناول : التعصب المذهبي وآثاره السيئة على الحياة العلمية في هذين القرنين .
وختم هذا الباب بالحديث في الفصل الثالث عن رفض إعادة فتح باب الاجتهاد الذي أغلق منذ القرن الخامس الهجري؛ لعدم الحاجة إليه آنذاك ! !، وقد أشار الكاتب إلى الأسباب التي دعت إلى إعلان غلق باب الاجتهاد، ونوّه بجهود الإمام الشوكاني في مقاومة تلك المشكلة، وذَكَر الآثار المترتبة على رفض إعادة فتح باب الاجتهاد، التي كان من أهمها : تجميد حياة الأمة وتوقفها عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها، ثم خروج هذه الحياة عن هذه القوالب، في الوقت الذي تخرج فيه من ظل الشريعة، فكان استيراد المبادئ والنظم الأوروبية بديلاً عن مرونة الاجتهاد الذي أُغلق بابه .
وكان الباب الثالث : نتيجة حتمية للبابين السابقين، حيث تحدث عن الآثار المترتبة على الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين محل الدراسة، فتحدث بعد التمهيد في الفصل الأول عن : الآثار الداخلية (تفشي الضعف في الأمة)، فتناول : الضعف السياسي والحربي، الذي كانت ذروته : سقوط الدولة العثمانية، وتفكك ولاياتها، وما سبق ذلك من امتيازات أجنبية، وما وقع من ضعف حربي عسكري، كان سبباً مباشراً في هزائم المسلمين .
وتناول أيضاً : الضعف الاقتصادي الذي أحاط بالعالم الإسلامي في تلك الفترة، وأسباب حدوثه .
ثم أوضح ثالثاً : الضعف العلمي، حيث التخلف في كل المجالات، ومن ذلك : الأمية التي ما زالت نسبتها مرتفعة جدّاً، ووصل الضعف في هذا المجال إلى حد دراسة الدين واللغة والتاريخ في جامعات الغرب .
ثم تحدث أخيراً عن : الضعف الأخلاقي والاجتماعي، وسقوط كثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية، بعد أن تحولت إلى مجرد تقاليد خاوية وعادات جوفاء لا رصيد لها من الدين .
أما الفصل الثاني، فكان عن : الآثار الخارجية، واشتمل على ثلاث نقاط :
أولاً : الاستعمار الذي بسط سيطرته إثر قابلية العالم الإسلامي له؛ نتيجة الانحرافات المشار إليها سابقاً، ولم يكن رحيله إلا ظاهريّاً في أكثر الأحيان .
ثانياً : الغزو الفكري واستيراد المبادئ والنظم من الغرب، وقد كان الواقع العقدي المنحرف مدعاة للتغريبيين أن يقودوا الأمة حيث يريدون، حيث ركزوا على تنحية الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة (العلمانية)، وقضية تحرير المرأة، وقضية التطور ونبذ الدين، وقضية القومية والوطنية ... وقضايا أخرى كثيرة حاولوا استغلالها لتهميش الإسلام والطعن فيه .
ثم كان المبحث الثالث في هذا الفصل عن : النشاط التنصيري في العالم الإسلامي : حيث استفحل هذا النشاط، مستغلاً الظروف الاجتماعية السيئة من فقر وجهل ومرض وتخلف ... ولئن أخفق هذا النشاط في تنصير أحد من المسلمين إلا في النادر إلا إنه نجح في زعزعة إيمانهم، وخلخلة عقيدتهم، وبث سمومه الفكرية والأخلاقية فيهم، ونزع الثقة من نفوسهم، حتى تمكن من هزيمة أرواحهم وأسر عقولهم .
وكان الباب الرابع والأخير عن : الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل، وقسمه إلى فصلين : تحدث في الأول عن : أثر حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العالم الإسلامي، وقد اهتم فيه ببيان زيف ادعاء تأثر بعض الحركات والشخصيات بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)، أكثر من اهـتمامه بمن تأثر بدعوته حقيقة، وبيّن أن الأثر الأكبر لدعوة الشيخ كان في تبوؤ المنهج السلفي مكانة مرموقة في فكر شباب الصحوة الملتزمين بذلك المنهج .
أما الفصل الثاني فكان عن : الصحوة الإسلامية في العصر الحاضر، فتناول أولاً : العقبات في طريق الصحوة، وأهمها : استمرار الانحرافات العقدية، وما يقع من تفرق وتشاحن بين الفصائل داخل الصحوة، بالإضافة إلى تواطؤ أعداء الإسلام من منافقين ومشركين ويهود ونصارى على ضرب الصحوة، وحربها، والعمل على إجهاضها .
ثم تناول ثانياً : المبشرات في طريق الصحوة وآفاق المستقبل، حيث ذكر بعض المبشرات الواقعية : كاتساع القاعدة الجماهيرية، وإفلاس المذاهب المعادية للدين، ثم تحدث عن آفاق المستقبل في ضوء النصوص الشرعية .
وأخيراً : أنهى الكاتب بحثه بخاتمة موجزة حوت سبع عشرة خلاصة، هي أهـم النتائج التي توصل إليها .
وبعد : فإننا لا نستطيع إلا أن نشيد بهذا الجهد، الذي ندعو الله (عز وجل) أن ينفع به، وأن يكون ذخراً لكاتبه وكل من أسهم فيه .
وإن كانت هناك بعض الملاحظات (التكميلية) للرقي بهذا العمل إلى أقصى درجات النفع (من وجهة نظري الشخصية)، ومن ذلك :
1- طول البحث وكثرة استطراداته ووفرة شواهده، وهذا إن كان ميزة في أطروحة علمية كما هو أصل الكتاب إلا أنه كان ينبغي إعادة النظر في ذلك عند نشره كمطبوعة يتم تداولها بين المخاطبين بالكتاب، وذلك حتى تتسع دائرة المستفيدين منه؛ لكي (لا ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)، ولعل الله (عز وجل) ييسر اختصاره أو تهذيبه؛ لتعم الفائدة منه .
2- عدم اعتنائه بذكر ودراسة الشخصيات والحركات التي حاولت مقاومة تلك الانحرافات، مكتفياً بالتنويه بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط، فمع أهمية جهود حركة الشيخ (رحمه الله)، إلا أنه كان ينبغي عدم إغفال الجهود الأخرى لهؤلاء، حتى لو كان هناك على بعض هذه الشخصيات والحركات بعض المآخد والملاحظات، فكان لا ينبغي إهمال جهودهم في تصحيح انحرافات عديدة (شرك القبور العلمانية الولاء والبراء التعصب المذهبي والجمود الفقهي ... )، ومن هؤلاء على سبيل المثال : الصنعاني الشوكاني القاسمي مصطفى صبري عبدالحميد بن باديس وجمعية العلماء بالجزائر سيد قطب محمد رشيد رضا جماعة أنصار السنة المودودي والجماعة الإسلامية بباكستان ...
كما كان ينبغي دراسة مدى نجاح أو فشل جهودهم، وأسباب ذلك، فمن وجهة نظري : كان ينبغي إفراد باب لهذه الجهود، وعدم الاكتفاء بذكرها عرضاً كما فعل الباحث، مع الاعتراف بأن هذه النقطة تبعد قليلاً عن عنوان البحث، ولكنها مهمة .
وفي هذا الباب : كان سيبدو الفصل الرابع من الباب الأول والفصل الأول من الباب الرابع في مكانهما الصحيح؛ حيث بدا الفصل الرابع (غربة العقيدة الصحيحة [التي حملتها حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ] ومقاومتها (غريباً موضوعيّاً عن فصول الباب الأخرى، كما بدا الفصل الأول من الباب الرابع (أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي) غير وافٍ لموضوع الباب (الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل) .
3- ومما يتعلق بما سبق، فقد كان تناوله لأثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يشوبه بعض العاطفية وعدم العمق، وكنا ننتظر اتباع الباحث المنهج العلمي الرصين، الذي اتبعه في بقية الرسالة، خاصة مع حركة بثقل وتأثير حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) .
4- كما كان يحسن بالباحث (تكميلاً لجهوده) بحث طرق ووسائل علاج الانحرافات المذكورة؛ لتكمل إنارة الطريق لشباب الصحوة المباركة .
والرسالة على العموم جهد طيب وعمل مشكور جدير بالاطلاع عليه .. وملاحظاتي هذه لا تغض من أهمية الرسالة وقيمتها العلمية .
--------------
(*) نشر هذا البحث عن طريق دار الرسالة للنشر والتوزيع بمكة المكرمة .
------------------------
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-20-2015, 08:51 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,080
ورقة انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها(2/2)

انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها(2/2)
ـــــــــــــــــــــــــــ

(خالد بن محمد حامد)
ــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ



لا تحمل الخرافة في ذاتها قوة الدفع اللازمة لاستمرار ترويجها لدى المصابين بها؛ فهي لا تصمد أمام الحقائق العقلية والشرعية في حلبة صراع الأفكار، ومع ذلك فقد استمر داء تقديس القبور والأضرحة، بل انتشر واستفحل حتى إنه يذكر عن عدد الذين يحضرون مولد البدوي أو الدسوقي في مصر مثلاً أنهم : يقدرون بالملايين من البشر[1]، فما هي العوامل التي ساعدت على هذا الانتشار والاستمرار ؟
إن المتأمل في شأن القبورية يستطيع القول : إنه لم يكن السبب في هذا الانتشار عاملاً واحداً، بل هناك عدة عوامل متشابكة عملت جميعها على ذلك الانتشار والاستمرار، نذكر منها : العوامل الدينية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية .. وإليك بيان بعض هذه العوامل :
العوامل الدينية :
فـ (فلسفة القبورية) تعد من أهم عوامل استفحال داء تقديس القبور والأضرحة، وأعني بذلك : مع تقديم مسوّغات لهذه الممارسات، ووجود الفراغ (التوحيدي) لدى القبوريين مع بقاء الدافع الفطري في (التأله) لدى البشر عموماً، كما أن القبوريين توهموا سهولة الدخول تحت طقوس القبور والأضرحة مقابل تخليهم عما عدوه صعوبة تكاليف التوحيد الخالص، فكانوا كما قال فيهم ابن قيم الجوزية نقلاً عن أبي الوفاء بن عقيل رحمهما الله : (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم ... )[2] ، فإذا أضفنا إلى ذلك : ترويج مشايخ القبورية لشبهات ساقطة على أنها أدلة شرعية وحقائق دينية تسمح بهذه الطقوس لازداد تأثير هذا العامل في ترسيخ فتنة القبورية، لذلك فإننا نلمح أن انتشار هذا الداء يتناسب عكسيّاً مع تصاعد أمرين :
الأمر الأول : محاولة القضاء على الدين عموماً والعمل على قتل فطرة الإيمان بالغيبيات في القلوب، الأمر الذي يصرف هذه الفطرة إلى نوع آخر من الإيمان بنوع تأليه للمادة والعقل بدلاً من الغيب والخرافة، وهذا ما ظهر واضحاً عقب الانقلاب العلماني على الخلافة العثمانية، (ويذكر رشيد رضا لعباد القبور ما فعله ملاحدة الأتراك عندما استلموا الحكم، فقد حارب هؤلاء البدع والخرافات وعبادة القبور، وقاموا بنبش قبور بعض الأولياء، وعرضوا أمام الناس رميم عظامهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم وعن مراقدهم، بله أن يجلبوا النفع أو يدفعوا الضر عن الناس)[3] .
الأمر الثاني : ملء الفراغ التوحيدي الذي شغلته الخرافة عندما تألهت القلوب للأضرحة والقبور وساكنيها، كما يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله : (من غَمَرَ قلبه بمحبة الله تعالى وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه)[4] ، لذا : رأينا أن انتشار هذا الداء تناقص نسبياً في الأماكن والأوقات التي نمت فيها الصحوة الإسلامية المباركة، التي أخذت على عاتقها الدعوة إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك كبيره وصغيره، والرد على شبهات أهل الزيغ، وهنا يبرز الدور الخطير سلباً وإيجاباً الذي يمكن أن يقوم به العلماء والدعاة، فعلى الرغم من جهود مشكورة لكثير من العلماء والدعاة الذين بينوا للناس حقيقة التوحيد وحذروهم من الوقوع في الشرك إلا أن القبوريين خادعوا أنفسهم ووجدوا ملاذاً لهم في بعض من ينسب إلى العلم والدين فأبوا إلا أن يُصغوا آذانهم ويفتحوا مغاليق قلوبهم لكل من ساهم بقول أو فعل في التلبيس على الناس وفتنتهم عن دينهم الحق .
وإليك إيضاحاً لبعض مواقف هؤلاء الداعين بأقوالهم أو أفعالهم إلى القبورية :
فحضور هؤلاء المشائخ لهذه الأماكن وعدم إنكارهم لما يحدث فيها، بل مشاركتهم في طقوسها في أحيان كثيرة .. فتنَ كثيراً من الدهماء . فمما يذكره الجبرتي بعد وصف المنكرات التي تحدث في أحد الموالد (مولد العفيفي) : ( .. ويجتمع لذلك أيضاً الفقهاء والعلماء ... ويقتدي بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار، بل ويعتقدون أن ذلك قربة وعبادة، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء ... فضلاً عن كونهم يفعلونه .. )[5] .
ويقول محمد أحمد درنيقة : (وهذه الأمور كانت تجري في بيت الله ويراها ويسمعها العلماء الذين لا يفعلون شيئاً للتخلص من هذه الانحرافات، لا، بل ... ذهب بعض العلماء إلى تهنئة هذه الفئة بهذا الموسم الشريف والدعاء لهم بأن يطول بهم العمر لإحياء مثله أعواماً عديدة . يرى رشيد رضا أن هذا السكوت من قِبَل العلماء قد أوقع في ذهن العامة أن هذه الأعمال وأضرابها من مهمات الدين)[6] .
ومن المواقف المعاصرة العديدة في ذلك : أنه (قد زعم الخليفة الحالي للسيد البدوي في مولد عام 1991م : (أن السيد البدوي موجود معك أينما كنت، ولو استعنت به في شدتك وقلت : يا بدوي مدد، لأعانك وأغاثك) ! قال ذلك أمام الجموع المحتشدة بسرادق وزارة الأوقاف في القاهرة أمام العلماء والوزراء، وقد تناقلته الإذاعات وشاشات التلفاز)[7] .
ليس هذا فحسب، بل تؤلف الكتب في الدعوة إلى ذلك، ويتواطأ (العلماء) في إقرارها، فقد ذكر رشيد رضا أن أحد (المنسوبين للعلم) ألّف كتاباً يدعو فيه إلى ذلك التوجه (المنافي للحنيفية)، (وواطأه على ضلاله وإضلاله (63) عالماً أزهرياً كما ادعى، وذكر أسماءهم وإمضاءات أكثرهم بخطوطهم، وبنى على هذا أنه انعقد الإجماع؛ لأن سائر علماء الأزهر يوافقونهم فيه، وأنه يجب على جميع المسلمين اعتقاده والعمل به .. )[8] ..
والأمر تجاوز التنظير والتسويغ ليصل إلى الممارسة الفعلية كما يقوم بها أي خرافي، فهذا (أحد المشايخ الكبار في عهد إسماعيل باشا كتب شكوى ضده وأرسلها بالبريد إلى طنطا، ومنها إلى قبر السيد البدوي، حيث تقوم محكمته داخل قبره ! )[9]، (ولما وقع صراع بين الأحناف والشوافع حول مشيخة الأزهر بسبب تعيين أحد مشايخ الأحناف شيخاً للأزهر، هرع الشوافع بقيادة الشيخ محمد بن الجوهري الشافعي إلى ضريح الإمام الشافعي، ولم يزالوا فيه حتى نقضوا ما أبرمه العلماء والأمراء وردوا المشيخة إلى الشافعية ! )[10] .
وانظر إلى إنكارهم .. لأي شيء وقع ؟ ! : (فعندما صودر أولاد سعد الخادم وهم سدنة ضريح السيد البدوي هاج العلماء في الأزهر وامتنعوا عن التدريس إنكاراً لمن قام بمصادرته، ولم يعودوا إلا بعد أن طيبت خواطرهم ووعدوا بتلبية رغبتهم)[11] .
ثم انظر إلى إقرارهم .. على أي شيء وقع ؟ : (ذكر الشيخ رشيد رضا أنه كان مرة في قبة الإمام الشافعي، وكان ثَمّ جماعة من أكابر علماء الأزهر وأشهرهم، فأذن المؤذن العصر مستدبراً القبلة، فقال لهم : لِمَ لم يستقبل هذا المؤذن القبلة كما هي السنة ؟ فقال أحدهم : إنه يستقبل ضريح الإمام ! .. وذكر أيضاً أنهم لا ينكرون على من يستقبل قبر الإمام في صلاته)[12] .
ثم هم لا يسكتون على من يقوم بواجب إنكار المنكر حقيقة، بل ينكرون على من ينكر المنكر الشركي، (كما حدث حين اعترض الواعظ الرومي (التركي) في سنة 1711م ... وأبدى رأيه في اعتباره زيارة الأضرحة وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم من قبيل الكفر، بل وطالب بهدم الأضرحة والتكايا، فثار عليه مشايخ الأزهر الصوفية وأصدروا فتوى بكرامات الأولياء وتوسطوا لدى الحاكم السياسي حتى نفاه)[13] .
فما الذي يحمل هؤلاء (العلماء) على تلك الممارسات ؟
يحملهم على ذلك ما يحمل غيرهم من دهماء القبوريين :
فهم يرون أن ذلك من شعائر الدين، حتى إن أحد علماء الأزهر كتب مقالاً يقول فيه لمنكر وجود السيدة زينب في هذا القبر ووجود رأس الحسين في القبر المنسوب إليه : (إنك (جئت تفجأ المسلمين في اعتقاداتهم المقدسة النبوية، فإنك تريد أن تطيّر البقية من دينه( [14] .
وهم يعتقدون في القبور والأضرحة وأصحابها الضر والنفع، تماماً مثلما يعتقد الدهماء والعامة من القبوريين، (ويبين رشيد رضا أن الذي دفع العلماء إلى السكوت عن هذه الأمور خوفهم من الوقوع في قضية إنكار الكرامات أو الاعتراض على الأولياء الذي يخشى معه أن يلحقوا بهم الأذى والضرر)[15] ، وليس أدل على ذلك من أنه (في أيام حكم السلطان المملوكي جقمق قيل لأحد العلماء أن يفتي بإبطال مولد البدوي لما يحدث فيه من زنا وفسق ولواط وتجارة مخدرات، وما يشيعه الصوفية من أن البدوي سيشفع لزوار مولده، فأبى هذا العالم أن يفتي، قائلاً ما معناه : إن البدوي ذو بطش شديد)[16] ..
فإذا كان هذا هو حال شريحة من العلماء المقتدى بهم، فماذا يُنتظر من العامة والدهماء ؟ .. إن الذي يعرض منهم عن السماع للعلماء الربانيين ويتخذ مثل هؤلاء قدوة وأسوة فلا بد أن يتخبط من مس الخرافة والأوهام .
العوامل النفسية :
يرتبط بما سبق بعض الأسباب النفسية التي تعمل على انتشار تقديس القبور والأضرحة واستمراره، حيث يمثل (الخوف) منها الذي نتج عن الاعتقاد فيها حاجزاً لمنع هدم الأسطورة التي قامت عليها، وكذلك تمثل (المسرة والحبور) الناتجين عن الاعتقاد فيها أيضاً أحد المرغبات في استمرار هذا الكيان .
وهذا ما يذكره الأستاذ عبد المنعم الجداوي عن تجربته القبورية .. (شيء آخر أشعل في فؤادي لهباً يأكل طمأنينتي في بطء .. أن الدكتور [الذي يدعوه إلى الكفر بهذه الطقوس الوثنية] يضعني في مواجهة صريحة ضد أصحاب الأضرحة الأولياء، والخطباء على المنابر صباح مساء يعلنونها صريحة : إن الذي يؤذي ولياً فهو في حرب مع الله سبحانه وتعالى .. وأنا لا أريد أن أدخل في حرب ضد أصحاب القبور والأضرحة؛ لأنني أعوذ بالله من أن أدخل في حرب معه جل جلاله )[17] .
وعن أحد أسباب عشقهم يقول : ( ... لأني أحب أشعارهم، وأحب موسيقاهم وألحانهم التي هي مزيج من التراث الشعبي، وخليط من ألحان قديمة متنوعة ... أو ناي مصري حزين ينفرد بالأنين مع بعض أشعارهم التي تتحدث عن لقاء الحبيب بمحبوبه ... وكل حجتي التي أبسطها في معارضة (الدكتور) أنه وأمثاله من الذين يدعون إلى (التوحيد) لا يريدون للدين روحاً، وإنما يجردونه من الخيال ! )[18] ..
ولعل ذلك الخيال الذي كان يريد للدين أن يسبح فيه هو ما عبّر عنه بقوله : (أحياناً أخترع لهم كرامات، أو أتصورها، أو أتخيلها .. )[19] .
وهنا تلعب الإشاعات ونسج الأكاذيب دوراً مهماً في بناء العامل النفسي؛ فالصوفية دأبوا على تحذير الناس من غضب (الأولياء)، (وقد صاغوا هذه الأفكار المخيفة في صورة حكايات مرعبة حول رجال لهم سمعتهم العلمية ومكانتهم الفقهية اعترضوا على الصوفية فأذاقهم طواغيتهم من العذاب الأليم ألواناً)[20] .. وليس هذا الإرهاب النفسي مع العلماء والفقهاء فقط، (فمع أن الحكام من المماليك كانوا يسيرون في ترهات أباطيل الصوفية ويقيمون لهم الخوانق والرباطات والزوايا، فلم تخل قصص التخويف من تخويفهم، وأطلقوا على البدوي لقب : العطاب)[21] ..
فإذا كان هذا الحال هو ما يشاع بين العلماء والحكام فما بالنا بما يروج بين دهماء الناس ويؤثر على نفسيتهم المستسلمة لهذا الداء ؟ .. لننظر إلى بعض الصور : فأهالي الإسكندرية بمصر يتحدثون بكثرة عن الكرامات التي تحدث لضريح أبي الدرداء، (ويذكرون على سبيل المثال ما حدث عندما أرادت بلدية الإسكندرية سنة 1947م نقل الضريح إلى مكان آخر ... وبدأت فعلاً في تنفيذ المشروع، ولكن واحداً من العمال الذين يعملون في نقل الضريح توقفت يداه وأصيب بالشلل !، فامتنع باقي العمال عن العمل ... واضطرت البلدية أن ترضخ لاعتقاد العامة وأبقت الضريح كما هو[22]) .
ومما رصده الشيخ رشيد رضا بخصوص هذه الظاهرة أنه (شاع لدى العامة أن من تعوّد على حضور هذه الموالد أو على إنفاق شيء فيها، ثم امتنع عن قيامه بعادته تلك : لا بد أن يصاب بنكبة أو مصيبة .. )[23] .
فماذا لو تم بالفعل إبطال أحد الموالد ؟ ! .. (حدث أن السلطان جقمق أبطل مولد البدوي لما فيه من الوثنيات الموبقات والفواحش بين الرجال والنساء، وحدث لبعض المقيمين بإبطال هذا المولد ابتلاء لهم ... فمنهم من عزل من منصبه، ومنهم من أمر السلطان بنفيه، ومنهم من وضع في السجن، فأشاع الصوفية أن كل ذلك من عمل البدوي؛ لأنه غضبان عليهم)[24] فآلة الحرب النفسية الصوفية تعمل على كل حال .
وهناك بعد آخر في العامل النفسي، وهو أن أضرحة الأولياء تمثل للعامة تعويضاً وهميّاً لانتصارها أوقات الاستبداد والتسلط السياسي؛ (فالإنسان المقهور يكون بحاجة إلى قوة تحميه تجسدت في الأولياء، فهم المحامون والملاذ؛ ويتضح هذا جليّاً في كرامات الأولياء؛ فهي تشكل النقيض تماماً لوضعية الإنسان المقهور، وحيث ترسم صورة الإنسان المتفوق ضد الإنسان المهان واقعيّاً، وتجسد أماني المغلوبين في الخلاص من خلال وجود نموذج الولي صاحب الخوارق الذي يفلت من قيود الزمان والمكان، ولذا : نرى أن الجماهير المقهورة تتجمع حول أضرحة الأولياء كما يتجمع أعضاء حزب معين حول شخص زعيمهم)[25] .
النساء والعامل النفسي في استفحال داء القبور والأضرحة :
لوحظ من خلال متابعة الواقع وتتبع الوقائع أن للنساء دوراً ملحوظاً في ترويج تقديس القبور والأضرحة والمزارات، نشأةً وارتياداً :
فأم الخليفة العباسي المنتصر هي أول من أنشأ قبة في الإسلام كما مر ذكره في حلقة سابقة، ويذكر أن الخيزرانة أم هارون الرشيد هي أول من كسا الحجرة النبوية الشريفة، وصارت من بعدها سنة الملوك والسلاطين[26]، ويذكر أيضاً أنها أول من حوّل البيت الذي ولد فيه الرسول إلى مسجد [27]، كما قامت والدة السلطان العثماني عبد العزيز بترميم قبب مسجد الزبير بن العوام بالبصرة وتكبيره [28] .
ويسجل الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني ظاهرة كثرة ارتياد النساء للقبور والأضرحة في الهند فيقول : (وأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهن، يطلبن دفع البلية من هذه الأسماء الخالية عن المسميات، ومفتونات بأداء مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصاً وقت عروض مرض الجدري ... بحيث لا تكاد توجد امرأة خالية من دقائق هذا الشرك .. إلا من عصمها الله تعالى .. )[29] .
كما لوحظ أيضاً تخصيص بعض الأضرحة والمزارات بالنساء، كمزار (بنات العين) بالأردن الذي يعرف بـ (المستشفى النسائي)، وضريح الشيخة مريم التي (اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم)، وضريح الشيخة صباح بطنطا التي اشتهرت بالبركة ذاتها ![30] ... إلى غير ذلك من الأضرحة والمزارات الخاصة بالنساء، بينما لم يبلغ علمنا اهتمام الرجال بتخصيص أضرحة تقتصر عليهم وحدهم أو يزعمون أن لها ميزات تخصهم دون غيرهم .
ولعل ذلك راجع إلى طبيعة نفسية النساء التي تغلب عليها العاطفة والانبهار بالمظاهر، كما يتعاظم فيهن الإحساس الفطري بالضعف البشري وحاجتهن إلى قوة خفية تجبر هذا الضعف، ولعل لهذا السبب أيضاً جاء في السنة النبوية تخصيص النساء بالزجر الشديد عن أن يكن زوارات للقبور، فعن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (لعن زوارات القبور) [31]، وورد فيهن كذلك أنهن أكثر أتباع الدجال ( ... فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه)[32] .
العوامل الاجتماعية :

حيث تمثل المسايرة الاجتماعية والمجاملات دوراً مهماً في انتشار هذا الداء وعدم الانخلاع عنه، وهذا ما يسجله الأستاذ عبد المنعم الجداوي في تجربته أثناء خروجه من الاعتقادات القبورية، وذلك عندما وجد نفسه في صراع بين ما اعتقده من خطأ هذه الاعتقادات الباطلة وما يمليه عليه الواجب الاجتماعي من ضرورة مجاملة ابنة خالته وأسرتها، بمشاركته لهم في الوفاء بنذر تقديم (القربان) إلى السيد البدوي؛ حتى يعيش ابنهم الوحيد كما يعتقدون[33] .
ويدخل في هذه العوامل أيضاً : صفة الهيبة والوجاهة الاجتماعية التي يخلعها تقديس القبور والأضرحة على سدنتها وخدمها والقائمين عليها، مما يصعب معه إلا على من رحم الله الاعتراف بخطأ الاعتقادات والممارسات التي تقام وتنسج حول هذه الأضرحة؛ الأمر الذي يعني تخليهم عن هذه المكانة التي أكسبتها لهم الأضرحة والقبور، فلقد (كان سادن الضريح سيداً مطاعاً وشخصاً مهاباً، يستمد طاعته وهيبته من الضريح الذي يقوم على سدانته ... وكانت سدانة الأضرحة وظيفة متوارثة يرثها الأبناء عن الآباء، وتنتقل في عقبهم وذراريهم، ولا ينزعها منهم إلا ظالم كما يزعمون، ولم تكن لتنزع من أسرة إلا ليعهد بها إلى أسرة أخرى)[34] .
ويدخل في هذه العوامل كذلك : التفاخر بين أهل القرى والمدن والمحلات بهذه القبور والأضرحة؛ حيث يعتبر المعتقدون فيها أن وجود ضريح وخاصة إذا كان من ذوي الشهرة والمكانة من دواعي فخرهم بين أهل البلاد الأخرى، يقول الغزي بعد أن ذكر الخلاف في دفين الجامع الأموي بحلب : (وعلى كل حال فليس يخلو الجامع من أثر شريف نبوي جدير أن تفتخر حلب بوجوده)[35] .. ومن هذا الوجه أيضاً : الاهتمام بالأضرحة باعتبارها آثاراً وتراثاً تاريخياً ينبغي عدم تضييعه، فالدكتورة سعاد ماهر ترثي وتأسف لحال ضريح (ذي النون المصري)، حيث تقول : (والضريح في مكان مهجور خرب وبحالة سيئة للغاية، ومكانه بجوار مسجد سيدي عقبة بن عامر بجبانة الإمام الليث، وإني أناشد وزارة الأوقاف أن تعيد بناء ضريح أول صوفي في مصر الإسلامية، بل ومن أبرز متصوفي الرعيل الأول في العالم الإسلامي كله)[36] .
فكيف بعد هذا كله يستمعون لمن يقول لهم : إن بقاء هذا الكيان عار على عقيدتهم ودينهم وعقولهم ؟
العوامل الاقتصادية :
ونستطيع أن نطلق عليها : المنافع المادية، وهذه المنافع ظهرت مصاحبة لهذا الداء، فمنذ القدم استعمل الشيعة القبور والأضرحة والعتبات المقدسة وسيلة للتكسب والعيش، مثل الفاتحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد والقبور[37]، وعندما راجت هذه التجارة وازدهرت ظهر من يبتكر للناس أصنافاً من هذه الأضرحة لزيادة دخله، وهذا ما يذكره ابن تيمية رحمه الله، حيث يقول : ( .. حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان، وكان أحدهما قد اتخذ قبراً تجبى إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال، فعمد الآخر إلى قبر، وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له رائحة عظيمة)[38] ، واستمرت هذه البضاعة رائجة عند أهل الوهم والدجل حتى أضحى استمرار تقديس القبور والأضرحة ضماناً لاستمرار تدفق مورد رزق مهم لكثير من فئات المنتفعين بترويج هذا الداء .
ويقف على رأس هؤلاء المنتفعين : سدنة الأضرحة وخدمها والقائمون عليها، فقد مثّلت هذه الأضرحة مراكز حضرية جذابة، مما دعا الأهالي إلى (بناء مساكن حول الأضرحة، وأصبحت الأضرحة بذلك وسط المدن والقرى توحي للسكان باستمرار هذه العادات .
ومن أهم العادات التي تبعت هذه العادة : تقديم النذور والصدقات، وهو أمر أثّر في مزيد من الإقبال على العمل في هذه الأضرحة ..[39]، فصناديق النذور شكّلت وعاءً استثمارياً مهماً لمروجي الخرافة، و (مما يوضح أهمية هذا المورد بالنسبة للمجلس الصوفي وكافة الطرق التابعة له أيضا : الموقف الشديد الذي وقفوه ضد المفتي حين أصدر فتوى شرعية ببطلان النذور شرعاً، واعتبار الباب الثالث من لائحة الطرق الصوفية الذي يقر ويبيح هذه النذور مخالفاً للشرع والدين ... وهذا الأمر يدعو البعض لتفسيره بأنه دفاع عن مصالح طبقية أكثر من كونه دفاعاً عن مبادئ شرعية . ومن الموارد المهمة أيضاً : الصدقات التي كان يمنحها أصحاب الجاه والقادرون سواء أكان عطاؤها سراً أم جهراً، وسواء أكانت عينية أم نقدية .. )[40] .
ليس ذلك فحسب، بل يضاف إلى ذلك : الموارد الرسمية كالأوقاف التي كانت توقف على هذه الأضرحة وخدامها وسدنتها، والإعانات المالية والعينية التي تصرف لهم من وزارتي الأوقاف والشؤون الاجتماعية[41] ، وهكذا صار لهذه الأضرحة (ألوف من السدنة يعيشون في رغد وثراء من ورائها، وكانوا يتوارثون هذه الوظائف ... ويكفي أن تعلم أن ما كان يصل إلى ضريح الجيلاني في السنة من أموال الزائرين، يفوق ما كانت تنفقه الدولة العثمانية على الحرمين الشريفين في السنة الواحدة أضعافاً مضاعفة)[42] .
والأمر لا يقتصر فقط على الأوقاف والصدقات والنذور التي يدفعها المعتقدون في الأضرحة لدفع الضرر عن أنفسهم أو لشكر نعمة، والتي تمثل المصدر الرئيس لهذا الدخل، بل يتعداه إلى كل الطرق الموصلة إلى المال بما فيها الاحتيال على السذج المعتقدين في هذه الأضرحة، فعند تغيير كسوة الضريح وعمامة الولي يمزقون الكسوة والعمامة القديمتين إلى قصاصات صغيرة، وهنا (تظهر العملية التجارية غير الرسمية التي يقوم بها خدم المسجد، فيبيعون هذه القصاصات نظير مبالغ كبيرة)[43] ، وبالطبع يتم ذلك وسط تهافت هؤلاء المعتقدين في الأضرحة للحصول على أي بركة من (ريحة) الولي .. وربما لأجل مثل هذه النشاطات وغيرها ذكر الجبرتي عن سدنة الأضرحة أنهم أغنى الناس ![44] .
ويتحدث الدكتور زكريا سليمان بيومي عن أهمية فئة خدام الأضرحة باعتبارها مركز ثقل دعائي واقتصادي للطرق الصوفية فيقول : ( ... فئة خدام الأضرحة، التي تشكل أكبر فئة من حيث العدد والأهمية الاجتماعية والاقتصادية بالنسبة للطرق الصوفية، فهم بمثابة مراكز متناثرة في كل مصر لنثر أساليب هذه الطرق والدعوة لها، ويروجون للاعتقاد في الأولياء بكل مراتبهم، ويكثرون من ذكر كراماتهم وخوارقهم، مدفوعين إلى ذلك بدافع الانتماء للطرق من خلال عملهم، وبدافع أساسي وهو أن هذه الأضرحة تمثل مصدر معيشتهم ... وكانت هذه الأضرحة تستوعب عدداً كبيراً من الخدم، فمن الممكن أن نجد أسرة كاملة تخدم في ضريح واحد، ولم تكن هذه الوظيفة مقصورة على الفقراء والمحتاجين، بل كانت لما تدره من دخل كبير مغرية لفئات متعددة؛ فنجد مشايخ طرق كبيرة يسعون لهذه الوظيفة، بل ويفضلونها أحياناً على مشيخة الطرق .. )[45] .
فكيف يهدمون بأيديهم الكيان الذي يغلون من وراء إقامته مصدر دخلهم ورغد عيشهم ؟ لا بد أنهم سينافحون بكل ما يملكون لاستمرار هذا الكيان، إلا من رحمه الله ولفظ من قلبه حب الدنيا وشهواتها .
ومن المنتفعين باستمرار وجود كيان الأضرحة والقبور : (آلاف من الفقراء الذين يتعيشون بجوار الأضرحة ويستفيدون من الموالد، وهذا أمر واضح عياناً بياناً، لاحظه الباحث في كل الأضرحة التي زارها، وخاصة الحسين والسيدة زينب .. ) [46]، ولقد كان الفلاحون يحرصون على المشاركة في الولائم التي تقام حول الضريح، حيث (يقصدون بها استجلاب البركة)[47] .. كما أن هناك مئات الأسر التي تتعيش على استمرار الأضرحة من خلال المقاهي والمطاعم والفنادق وغيرها من الخدمات المنتشرة حول كل ضريح، إضافة إلى السيارات ووسائل المواصلات التي تغدو وتروح على حساب الزوار[48] .
ومن الموارد المهمة التي ارتبطت بتقديس القبور والأضرحة : ما يجري في الاحتفالات والموالد التي تقام لهذه الأضرحة التي (اعتبرها رجال الصوفية مواسم للإرشاد وتعليم الآداب الاجتماعية والدينية، وكمدارس شعبية للوعظ والإرشاد الديني .. ) [49]، ولكنها تحولت إلى بؤر متحركة لنشر المفاسد والانحرافات، وقد تعددت هذه الموالد وكثرت حتى إنها لم تكن تقام أحياناً (بمناسبة تاريخ وفاة صاحب الضريح أو مولده، وكان يصادف أحياناً أن تقام في مواسم الحصاد ... ونادراً ما كان يحدث مولد لشيخين في ليلة واحدة إلا إذا كانت المسافة بينهما بعيدة حيث كان مشايخ الطرق يحرصون على ترتيب هذه الموالد بحيث يتمكنون من الانتقال بينها .. )[50] ، وقد كانت ليالي الموالد تصل في بعض الأحيان إلى شهرين ونصف[51] ، يصاحبها نشاط وافر لفئام من المنشدين والمداحين والمشببين الذين يحيون هذه الموالد بشتى أنواع الاحتفالات، ومنها ما يطلقون عليه : (الذكر)، (وقد اعتاد من يحضر (الذكر) أو يمارسه أو يشاهده خصوصاً في السرادقات المقامة أمام المسجد من أن يقوم بدفع (النقوط)، وهي المبالغ التي تدفع للمنشد لتشجيعه على حسن الأداء، وهي في هذه المناسبة تعتبر تحية لولي الله نفسه، حيث يعتقد بأن هذه النقوط هدية ترد إلى مقدمها من جانب الولي صاحب المولد، سوف يردها في شكل آخر، فينعم عليه بكثير من الهبات التي تتمثل في زيادة الدخل ووفرة المحصول وسداد الديون ... ) [52]، أما النشاطات الأخرى : فـ (يبدو الجامع كتلة من الأنوار المبهرة، وتنتشر السرادقات حوله في ساحته وفي المنطقة المحيطة به، وتظل المطاعم والمقاهي تستقبل روادها طوال (24) ساعة، ومع غروب الشمس ليس هناك موطئ لقدم، ضجيج الميكروفونات يتصاعد من جميع السرادقات ... روائح البخور والعطارة والشواء تتضوع في الأجواء، شوادر الحمص والحلوى بأنواعهتا تشارك بالإعلان عن بضاعتها في الضجيج العام، باعة الشاي على الأرصفة، وباعة المسابح والطراطير الملونة ولعب الأطفال..)[53] ..
فهي أنشطة حياتية متكاملة، وهذا ما أكده علي مبارك باشا، فيقول : (وفي هذه الموالد ما لا يخفى على أحد من المزايا والمنافع، كمنفعة من يكترى منهم الدواب أو المراكب أو سكة الحديد للمضي إليه والانصراف عنه، ومنفعة من يكون فيه من الفراشين والطباخين وغيرهم من أرباب الحرف والصناع وأصحاب الدور التي تكترى والأشياء التي تشترى، ثم ما يكون فيه من سعة التجارة، فإنا نرى كثيراً من التجار في طنطا وغيرها من سائر مدن مصر يعلقون أداء ديونهم وقضاء بعض شؤونهم على هذا المولد .. )[54] .
وبالطبع : فخلف كل نشاط جمهور من المنتفعين الذين يحرصون على استمرار هذه الموالد التي تقام حول الأضرحة ضماناً لتدفق مورد رزقهم .
وأخيراً : فإن من العوامل الاقتصادية لاستمرار تقديس القبور والأضرحة : اهتمام بعض الدول بهذه الأضرحة باعتبار ما تدره الأنشطة المرتبطة بها وحصيلة صناديق نذورها والأوقاف التي توقف عليها ... أحد الموارد الاقتصادية للدولة التي بها مثل هذه الأضرحة .


----------------------------------------
(1) انظر : موالد مصر المحروسة، ص40، والأضرحة وشرك الاعتقاد، ص64، وعقيدة المسلم، لمحمد الغزالي، ص76 .
(2) إغاثة اللهفان، ج 1، ص195 .
(3) عن : السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، لمحمد أحمد درنيقة، ص223- 224 .
(4) إغاثة اللهفان، ج 1، ص214 .
(5) عن : هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل، ص161، وجهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي، ص1004 .
(6) السيد محمد رشيد رضا، إصلاحاته الاجتماعية والدينية، ص208 .
(7) محمد حامد الناصر، بدع الاعتقاد، ص256، عن : السيد البدوي، دراسة نقدية، وانظر : الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص121 .
(8) مجلة المنار، ج3، م33، ص216 .
(9) الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص116 .
(10) الانحرافات العقدية، ص352 .
(11) السابق، ص306 .
(12) السابق، ص350 .
(13) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص83 84 .
(14) مجلة المنار، ج3، م33، ص 222 .
(15) محمد أحمد درنيقة، مرجع سابق، ص 207 .
(16) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص 120 .
(17) اعترافات كنت قبورياً، ص 9 10 .
(18) السابق، ص12 .
(19) السابق، ص 8 .
(20) د عبد الكريم دهينة، الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص125 .
(21) السابق، 127 .
(22) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، د سعاد ماهر فهمي، ج2، ص 33 .
(23) محمد أحمد درنيقة، مصدر سابق، ص211 .
(24) الأضرحة وشرك الاعتقاد، ص127 .
(25) د مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكيولوجية الإنسان المقهور، ص149- 150، انظر : الصوفية والسياسة، ص180 .
(26) انظر : الانحرافات العقدية، ص275 .
(27) انظر : مقال (تأملات في حقيقة أمر أولياء الله الصالحين)، ص134 135 .
(28) انظر : الانحرافات العقدية، 292 .
(29) عن : جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، د شمس الدين السلفي الأفغاني، ص452، ولزيادة توضيح مثل هذه الأحوال، انظر : الانحرافات العقدية، ص311، ومقال (مسلمو أوزبكستان)، مجلة (دراسات إسلامية)، ع/1، ص 218، ومقال (تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين)، مجلة العربي، ع/226، ص135 .
(30) انظر : المزارات في شرقي الأردن، ص907، وموالد مصر المحروسة، ص53، والانحرافات العقدية، ص336 .
(31) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والبيهقي، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، وهكذا حكم الألباني على الحديث، انظر : مشكاة المصابيح، ح/ 1770، وصحيح سنن ابن ماجه، ح/1281 .
(32) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، 2/67، وابن ماجه، وهو صحيح لغيره، انظر : الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لمصطفى العدوي، ص497 .
(33) انظر : اعترافات كنت قبورياً، ص 20 .
(34) الانحرافات العقدية، ص 306 .
(35) السابق، ص 280 .
(36) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، ج 1، ص 134 .
(37) انظر : الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق، ص 427 .
(38) مجموع الفتاوى، ج 27، ص 459 .
(39) د زكريا سليمان بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 129 .
(40) السابق، ص 104 105 .
(41) انظر : السابق، ص 99 102 .
(42) محمد حامد الناصر، بدع الاعتقاد، ص 267 .
(43) هيام فتحي دربك، مقال (موالد الأولياء في مصر)، المجلة العربية، ع/131، ص 43، 44.
(44) انظر : الانحرافات العقدية، ص 309 .
(45) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 126، 127 .
(46) عمار علي حسن، الصوفية والسياسة في مصر، ص 110 .
(47) السابق، ص 129 .
(48) انظر : شهر في دمشق، لعبد الله بن محمد الخميس، ص 67 .
(49) الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة، ص 130 .
(50) السابق، ص 106 .
(51) انظر : السابق .
(52) هيام فتحي دربك، مصدر سابق، ص 44 .
(53) موالد مصر المحروسة، ص50، وانظر : ص 51 55 .
(54) عن : (السيد البدوي ودولة الدراويش في مصر)، لمحمد فهمي عبد اللطيف، ص 127 .

--------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-20-2015, 08:57 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,080
ورقة انحرافات القبوريين الداء والدواء (2/2)

انحرافات القبوريين الداء والدواء (2/2)
ــــــــــــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ـــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هـــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ




في عرضه لسبل معالجة انحرافات القبوريين تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلى المسلك الدعوي، وأوضح فيه ضرورة أن يُعنى العلماء بتقرير التوحيد وتربية الأمة على الانقياد للشرع انقياداً والتزاماً، ومخاطبة عقول الناس لبيان تهافت اعتقادات القبورية، ثم شرع في إيضاح المسلك الثاني، وهو : المسلك العلمي الذي بين فيه ضرورة إيضاح قواعد الاستدالال عند أهل السنة وأهل البدع، والتنبيه على أن أدلة اعتقاد أهل السنة هي غالباً من المحكمات بخلاف أهل البدع، ثم بين تهافت استدلالات القبوريين على انحرافاتهم، ويواصل في هذه الحلقة مقارعة ما تبقى من دعاويهم، وبيان جوانب أخرى في الموضوع .
- البيان -
------------

4- ومن دعاويهم العريضة : احتجاجهم بأن الكثير من المسلمين في القديم والحديث يبنون على القبور، ويتخذون المشاهد والقباب، ويتحرون الدعاء عندها .

والجواب عن هذه الدعوى من وجوه :

أحدها : أن أكثر هذه المشاهد مكذوبة لا تصح نسبتها إلى أصحابها، وكما يقول شيخ الإسلام : (وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح؛ فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبيّ بن كعب الذي في دمشق، اتفق العلماء على أنه كذب)[1] .
ويقول في موضع آخر : (عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق، لا يكاد يوقف منه على العلم إلا في القليل منها بعد بحث شديد؛ وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام .. بل قد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يفعله المبتدعون عندها .. )[2] .
ثانياً : إن البناء على القبور وتحري الدعاء عندها ونحو ذلك من البدع المنكرة التي حذّر منها الشارع أيما تحذير، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذّر ما صنعوا) متفق عليه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (قد كان من قبور أصحاب رسول بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا استسقوا عند قبره ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به . ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جُهّالهم)[3] .
ويقول ابن القيم مبيّناً أن صنيع القبوريين مفارق لما كان عليه سلف الأمة :
(هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم [ أي : السلف الصالح ] بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلاً أن يصلّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك...)[4] .
يقول العلامة الصنعاني جواباً عن هذه الشبهة : (إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل وقبيلاً بعد قبيل؛ فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل بلدته يلقنونه : أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له، ويرحلون إلى محل قبره ... فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير ... ولا يخفى على أحد يعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم على وقوع المنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر)[5] .
ويقول العلامة الشوكاني : (اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول -صلى الله عليه وسلم- لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين)[6] .
ثالثاً : أن سكوت العلماء عن هذه المظاهر الشركية والبدعية عند المشاهد والقبور لا يعني الرضا والإقرار، فقد يتعذر عليهم الإنكار باليد وباللسان، ولم يبق لهم إلا الإنكار بالقلب، لا سيما وهذه المشاهد والقباب قد بناها حكام وسلاطين؛ كما يقول الصنعاني : (فما كل سكوت رضى؛ فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلامه، فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد . فإن هذه القباب والمشاهد أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، وغالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة إما على قريب لهم، أو على من يحسنون الظن فيه ... )[7] .
ومن هذا القبيل ما يحتج به القبوريون بأن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ضُمّن المسجد النبوي دون نكير، ولو كان ذلك حراماً لم يدفن فيه، كما يحتجون بوجود القبة على قبره صلى الله عليه وآله وسلم .
والجواب : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها شرقي المسجد، فلم يدفن في المسجد، والأنبياء يدفنون حيث يموتون كما جاءت بذلك الأحاديث .
كما أن الصحابة رضي الله عنهم دفنوه في حجرة عائشة كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت : فلولا ذلك أُبرِزَ قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) أخرجه البخاري ومسلم .
وأمر آخر وهو أن الحجرة النبوية إنما أُدخلت في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة[8] ؛ حيث أمر الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجر أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه على سبيل التوسعة، فأدخل فيه الحجرةَ النبويةَ حجرةَ عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد[9] .
فلا يصح الاحتجاج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الثابتة وما فهمه سلف الأمة، وقد أخطأ الوليد في إدخاله الحجرة النبوية ضمن المسجد، وكان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة النبوية[10] .
وأما دعوى عدم الإنكار فهذه دعوى بلا دليل، وعدم العلم ليس علماً بالعدم، وسكوت العلماء لا يعني الرضا والإقرار؛ كما سبق الإشارة إليه آنفاً؛ لا سيما وأن الذي أدخل القبر النبوي ضمن المسجد خليفة ذو شوكة وسلطان وهو الوليد بن عبد الملك وكذا الذي اتخذ القبة هو السلطان قلاوون .
ومع ذلك فإن المعوّل عليه هو الدليل والبرهان وليس واقع الناس وحالهم . والله المستعان .
ومما يبين تهافت هذه الدعوى : ما نقل عن علماء أنكروا هذا الصنيع وحذّروا منه .
فيحكى عن سعيد بن المسيب رحمه الله : أنه أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد، كأنه خشي أن يتخذ مسجداً[11] .
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى إنكار هذه القبة؛ حيث قال : (ثم بعد ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه)[12] .
يقول العلاّمة حسين بن مهدي النعمي في الرد على هذه الدعوى : (قوله [أي المخالف] : ومن المعلوم أنه -صلى الله عليه وسلم- له قبة، وأولياء المدينة وأولياء سائر البلدان .
أقول : الأمر كذلك؛ فكان ماذا ؟ بعد أن حذر -صلى الله عليه وسلم- وأنذر وبرأ جانبه المقدس الأطهر -صلى الله عليه وسلم-، فصنعتم له ما نهى عنه، أفلا كان هذا كافياً لكم عن أن تجعلوا أيضاً مخالفتكم عن أمره حجة عليه وتقدماً بين يديه ! فهل أشار بشيء من هذا أو رضيه أو لم ينه عنه ؟ )[13] .
وقال العلاّمة الصنعاني في الجواب عن هذه الشبهة : (فإن قلت : هذا قبر رسول الله قد عمرت عليه قبة عظيمة، أنفقت فيها الأموال . قلت : هذا جهل عظيم بحقيقة الحال : فإن هذه القبة ليس بناؤها منه، ولا من الصحابة، ولا من تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره -صلى الله عليه وسلم-، من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور في سنة 678هـ، ذكره في تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة، فهذه أمور دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخر الأول)[14] .
ويُذكر أن الإخوان رحمهم الله قد هموا في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله عند دخولهم المدينة المنورة أن يزيلوا هذه القبة، ولكنهم خشوا من قيام فتنة أعظم من إزالة القبة[15] .
ج - المسلك الاحتسابي : وهذا مسلك يقوم به أصحاب الحسبة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لاسيما أصحاب النفوذ والسلطة والشوكة .

ويتمثل هذا المسلك في أمرين :
------------------
أحدهما : أن يسعى إلى هدم هذه القباب ونقضها وإزالتها، امتثالاً للوصية النبوية واتباعاً لسلف الأمة .
فعن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) . أخرجه مسلم .
ولما ذكر ابن القيم هدم مسجد الضرار وتحريقه، قال : ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساداً منه، كالمساجد المبنية على القبور، فإن حكم الإسلام فيها أن تهدّم كلها حتى تسوّى بالأرض، وهي أوْلى بالهدم من مسجد الضرار، وكذلك القباب التي على القبور، يجب أن تهدم كلها؛ لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور .. فبناءٌ أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم)[16] .
ومن الأمثلة على هذا المسلك الاحتسابي ما فعله الحارث بن مسكين رحمه الله (ت 250هـ) عندما هدم مسجداً كان قد بني بين القبور[17] .
قال ابن كثير في حوادث سنة 236ه : (فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس : من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبنا به إلى المطبق (السجن [18] .
وقال أبو شامة (ت 665هـ) : (ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبينأني أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدّب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت : امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله : فإنا في ***** ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذّن الصبح عليها، ثم قال : اللهم إني هدمتُها لك فلا ترفع لها رأساً، قال : (فما رُفِعَ لها رأس إلى الآن)[19] .
وذكر ابن غنام في تاريخه ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مع عثمان بن معمر من هدم القباب وأبنية القبور فقال : (فخرج الشيخ محمد بن الوهاب ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي يعظمها عامة الناس والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ هو الذي هدم قبة زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه)[20] .
ومما يجدر التنبيه عليه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد سلك هذا المسلك الاحتسابي العملي لما كان عنده من شوكة وقوة، ولكنه كان في أول أمره قد سلك مسلك الدعوة برفق ولين كما قال تلميذه وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله : (كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ابتداء دعوته، فإذا سمعهم يدعون زيد ابن الخطاب -رضي الله عنه- قال : (الله خير من زيد) تمريناً لهم على نفي الشرك بلين الكلام، نظراً إلى المصلحة وعدم النفرة)[21] .
ويذكر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخولهم مكة شرّفها الله سنة 1218هـ فكان مما قاله : (فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يُعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع الضر بسببه مع جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يُعبد؛ فالحمد لله على ذلك)[22] .
ومما سطره المؤرخ ابن بشر عن بعض الأعمال التي قام بها الأمير سعود بن عبد العزيز رحمه الله ما يلي :
ففي حوادث سنة 1216هـ حين توجه سعود بالجيوش إلى كربلاء، فهدم القبة الموضوعة على قبر الحسين)[23] .
ويقول أيضاً : (وفي حوادث سنة 1217هـ حين دخل سعود مكة وطاف وسعى، فرّق جيوشه يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشركية، وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها، وأعلاها، ووسطها، وبيوتها) .
فأقام فيها أكثر من عشرين يوماً، ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر يوماً يهدمون، يباكرون إلى هدمها كل يوم، وللواحد الأحد يتقربون، حتى لم يبق في مكة شيء من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها، وجعلوها تراباً)[24] .
وفي سنة 1343هـ قام أتباع الدعوة السلفية بهدم القباب والأبنية على القبور بمكة، مثل القبة المبنية على قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها .
وقام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في جنوب الجزيرة العربية بهدم قبة في الساحل بمشاركة بعض زملائه، وبقايا قبة على قبر الشريف حمود المكرمي في سامطة[25] .
ويقول الشيخ الألباني : (ومن تلك الأشجار شجرة كنت رأيتها من عشر سنين شرقي مقبرة شهداء أحد، خارج سورها، وعليها خرق كثيرة، ثم رأيتها سنة 1371هـ قد استأصلت من أصلها، والحمد لله، وحمى المسلمين من شر غيرها من الشجر وغيره من الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى )[26] .
الأمر الثاني : أن يسعى إلى فضح وكشف مكائد أرباب القبور وسدنتها، وبيان حقيقة هؤلاء الدجالين الملبسين، وما هم عليه من الفجور والولوغ في الفواحش، وأكل أموال الناس بالباطل، وأنهم خونة وعملاء للاستعمار وأذنابه .
وقد كشف أهل العلم حقائق مخزية وأحوالاً فاضحة لأولئك السدنة المضلين وأتباعهم، وما يرتكبونه من انخلاع عن شرائع الله تعالى، وولع بالفجور والقاذورات .
يقول العلاّمة النعمي حاكياً بعض أوضاعهم : (ومن ذلك أن رجلاً سأل من فيه مسكة عقل، فقال : كيف رأيتَ الجمع لزيارة الشيخ ؟ فأجابه : لم أرَ أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الأيام فريضة .
فقال السائل : قد تحمّلها عنهم الشيخ .
قلت [النعمي] : وباب (قد تحمّل عنهم الشيخ) مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد)[27] .
ومما سوّده المؤرخ الجبرتي في شأن مشهد عبد الوهاب العفيفي (ت 1172هـ) وما يحصل عنده من أنواع الفسوق والفجور ما يلي : (ثم إنهم ابتدعوا له موسماً وعيداً في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد، فينصبون خياماً كثيرة ومطابخ وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي الأرياف وأرباب الملاهي والبغايا، فيملؤون الصحراء، فيطؤون القبور ويوقدون عليها النيران، ويصبون عليها القاذورات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر)[28] .
وتحدث الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن مفاسد عُبّاد القبور، فكان مما قاله : (ومنها : ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من الفجور والفواحش، وترك الصلوات وفعل الخلاعات التي هي في الحقيقة خلع لربقة الدين والتكليف، ومشابهة لما يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج ببلاد فرنسا وغيرها من الفجور والطبول والزمور والخمور)[29] .
ويصف الشيخ عبد الرحمن الوكيل أحوال عبّاد القبور من الصوفية وغيرهم ويشير إلى جملة من صور الكفر والفجور في تلك المشاهد والموالد، فيقول : (وسلِ الآمّين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها .. فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبّحون بحمد جيفتها، ويسجدون أذلاء لرمتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام الخمر و (الحشيش)، والأجساد التي طرحها الإثم على الإثم فجوراً ومعصية، ويسمونها موالد، أو مواسم عبر وذكريات خوالد ... )[30] .
وسرد الكاتب أحمد منصور أقوال المؤرخين في الانحلال الخلقي عند مشهد الإنبابي .. وأن فيه من الفساد ما لا يوصف، حتى إن الناس وجدوا حول هذا المشهد أكثر من ألف جرة خمر فارغة، وأما ما حكي من الزنا واللواط فكثير لا يحصى .. حتى أرسل الله تعالى عليهم ريحاً في تلك الليلة كادت تقتلع الأرض بمن عليها ...[31] .
وأمعن عبّاد القبور في أكل أموال الناس بالباطل، وارتكبوا أنواع الأكاذيب والدجل في سبيل نهب أموال العامة وممتلكاتهم .
وقد حكى العلامة الشوكاني هذه الحالة فقال : ( وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق ويقنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولون ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً ... )[32] .
وصندوق النذور عند ضريح البدوي في مصر يستقطع من الدهماء ملايين الجنيهات، وللحكومة 39% من هذه الأموال ! ! وسائر الأموال لسدنة الضريح والعاملين عليه ! ! وحسبك أن تعلم أن ما يناله خادم الضريح من هذه الأموال أكثر مما يناله كبار الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات ... ومع ذلك لم يقف طمع أولئك السدنة وشرههم عند هذا الحد، بل ويعمدون إلى التلاعب والتزوير في هذا الصندوق من أجل مزيد من الأموال[33].
وأما الحديث عن خيانتهم وعمالتهم للاستعمار، فنكتفي بهذا المثال وهو أن فرنسياً أسلم وتنسّك وصار إماماً لمسجد كبير في القيروان بتونس، فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل الضريح ثم خرج مهولاً لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم، فاتبع أولئك البسطاء قوله واستسلموا لعدوهم[34].

----------------------------------------
(1) الرد على البكري، ص 310، وانظر : اقتضاء الصراط المستقيم، 2 /646 649، ومجموع الفتاوى، 27/459 .
(2) مجموع الفتاوى، 27/449، 450، باختصار .
(3) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/681 .
(4) إغاثة اللهفان، 1/318 .
(5) تطهير الاعتقاد، ص 36، باختصار .
(6) شرح الصدور، ص 8 .
(7) تطهير الاعتقاد، ص 41 .
(8) انظر : الرد على الأخنائي، ص 184، ومجموع الفتاوى، 27 323 .
(9) انظر : تاريخ ابن كثير، 9/74 .
(10) انظر : تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للألباني، ص 93، وصراع بين الحق والباطل، لسعد صادق محمد، ص 106 .
(11) انظر بحثاً : حول القبة المبنية على قبر الرسول، لمقبل الوادعي، ص 357 .
(12) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/279 .
(13) معارج الألباب، ص 147، بتصرف يسير .
(14) تطهير الاعتقاد، ص 43 .
(15) انظر بحثاً حول القبة المبنية على قبر الرسول، لمقبل الوادعي ص 275 .
(16) إغاثة اللهفان، 1/327 .
(17) انظر : ترتيب المدارك للقاضي عياض، 1/332، والديباج المذهب، لابن فرحون، 1/339 .
(18) تاريخ ابن كثير، 1/315 .
(19) الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص 103، 104 .
(20) تاريخ ابن غنام، 1/78، بتصرف يسير .
(21) مجموع التوحيد، ص 339 .
(22) الهدية السنية، ص 37 .
(23) عنوان المجد، 1/257 .
(24) المرجع السابق، 1/263 .
(25) انظر : الشيخ حافظ الحكمي، حياته ومنهجه في العقيدة، لأحمد علوش، ص 357 .
(26) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، ص 139 .
(27) معارج الألباب، ص 177 .
(28) تاريخ الجبرتي، 1/304، باختصار .
(29) منهاج التأسيس، ص 55 .
(30) هذه هي الصوفية، ص160، 161، باختصار .
(31) انظر : السيد البدوي، ص 323 236، وانظر : الصراع بين الحق والباطل، لسعد صادق، ص 49، 50، والألوهية في العقائد الشعبية، لعبد السلام البسيوني، ص 9698 .
(32) الدر النضيد، ص 27 .
(33) انظر تفصيل ذلك في كتاب : (الله توحيد وليس وحدة) لمحمد البلتاجي، ص 302، 308، وكتاب : البدوي، لأحمد منصور، ص 298، 299 .
(34) انظر : التصوف بين الحق والخلق، لمحمد الشقفة، ص 211، 212 .

-----------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-20-2015, 09:02 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,080
ورقة البدعة وأثرها في الانحراف في الاعتقاد

البدعة وأثرها في الانحراف في الاعتقاد
ـــــــــــــــــــ

(فضيلة الشيخ. عبدالله بن سليمان المنيع)
ــــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــــ



الحمد لله حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكمال وجهه، والصلاة على رسوله الهادي إلى صراطه المستقيم بالحكمة والبصيرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واستن بسنته وسلك سبيله إلى يوم الدين، وبعد .

إن الله بفضله ورحمته وشمول رعايته خلقه قضى بإنقاذ عباده من مكايد الشيطان ومخططاته، فأرسل رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- على فترة من الرسل وبعد أن تحولت الديانات السماوية بفعل الأحبار والرهبان إلى ديانات ممسوخة يمجها العقل وتأباها الفطر السليمة سواءً ما كان منها متعلقاً بعلاقة العبد بربه أو ما كان متعلقاً بعلاقة العباد مع بعضهم، فجاء -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً ورسولاً عاماً للثقلين الجن والإنس، مؤيداً بكتاب كريم من رب رحيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فيه العظة والعبرة، وفيه الحكمة والموعظة، وفيه الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وفيه التشريع الضامن لأحسن علاقة بين العبد وبين ربه، وبين العباد فيما بينهم، ضمن لهم الحفاظ على كامل الحقوق الأساسية - الدين والنفس والعقل والمال والعرض - وعلى كامل ما تفرع عنها مما يعود عليها بالكمال ورفع الحرج .
جاء -صلى الله عليه وسلم-كماوصفه ربه : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة : 128]، فبلغ - صلى الله عليه وسلم- رسالة ربه وأمانة من أرسله، ونصح -صلى الله عليه وسلم- للأمة النصح الكامل، ما من خير إلا دل الأمة عليه وما من شر إلا حذرها منه، فانقاد لدعوته -صلى الله عليه وسلم- صفوة مختارة من عباد الله، آمنوا بالله، وأخلصوا دينهم لله وجاهدوا مع رسول الله حق الجهاد مضحين في سبيل الله بأموالهم وديارهم وأهليهم، حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وحطم -صلى الله عليه وسلم- الأصنام التي حول الكعبة وهو يقول { وقُلْ جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } [الإسراء : 81] .
وكان -صلى الله عليه وسلم- مدركاً أن الشيطان حريص على نقض ما أبرمه - صلى الله عليه وسلم- من وحدة إسلامية ترجع في حياتها وفي تكييف علاقاتها إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وأن مداخل الشيطان على عباد الله مختلفة ومتنوعة، فمن كان إيمانه ضعيفاً انقض عليه بخيله ورجله في التشكيك وطرح الشبهات في أصول الإيمان وفروعه حتى يرتد عن دين الله بالكفر والإلحاد والزندقة . وإن كان إيمانه قوياً لا مدخل عليه في التشكيك والزعزعة دخل عليه من باب الابتداع ومن باب الغلو في الدين وأتباعه كما هي حاله لعنه الله مع الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى حيث انقادوا لوساوس الشيطان ومكايده وضلالالته، فحرفوا كتب الله، وغيروا مقتضيات شرعه، حتى صارت ديانات ممسوخة ليس لها عند الله القبول، قال تعالى : { ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ } لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدركاً طرق غواية الشيطان وإضلاله فركز -صلى الله عليه وسلم- لحماية هذا الدين على أمرين : أحدهما : التحذير من الغلو والإفراط في الدين ومجاوزة الحد في المدح والثناء إذا كان ذلك لغير الله، ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : إن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله » .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال : « إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .
ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- : « هلك المتنطعون » قالها ثلاثاً . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال : « أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند اله » .
ولهما عنها قالت : لما نزل برسول الله-صلى الله عليه وسلم- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » - يحذر ما صنعوا - ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً .
ولمسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول : « ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- : ما شاء الله وشئت، قال .« أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده » . رواه النسائى وابن ماجه .
ولأبي داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « سبحان الله سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أتدري ما الله ؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد » .
ولأبي داود بسند جيد عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : انطلقت مع وفد بني عامر إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقلنا : أنت سيدنا . فقال : « السيد الله تبارك وتعالى ». فقلنا : وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً . فقال : «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان » .
فهذه الأحاديث وغيرها من عشرات الأحاديث ومئات أمثالها كلها تؤكد حرص رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على سلامة أمته من وساوس الشيطان وخواطره وإيحاءاته وهمزاته، وتحذر هذه الأمة أن يدخل الشيطان عليها مع مداخله على من سبقها من الأمم من يهودية ونصرانية وغيرهما، فإن أكبر باب للشيطان للضلالة والإضلال هو باب الغلو والابتداع . فلقد نهى -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يتجاوزوا الحد في إطرائه ومدحه وتعظيمه، وحمى جناب التوحيد من أن تدنس مقتضياته أو تطمس معالمه، وأوضح في أكثر من مقام أن ضلال من قبلنا من اليهود والنصارى وغيرهم كان بسبب غلوهم في أنبيائهم وصالحيهم حيث كانوا يتخذون المساجد على قبورهم، فيعظمونها على سبيل العبادة، وكانوا بذلك شرار الخلق عند الله، وكانوا بذلك أبعد الخلق عن الله، وكانوا بذلك أولياء الشيطان وحزبه . { أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ } .
ومع هذا الحرص الشديد من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وتناقل علماء السنة الآثار الواردة في ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم- وإشاعتها بين عباد الله إلا أن الشيطان كان دائب الحركة في سبيل الغواية والضلال والإضلال، وقد وجد له من الصوفية والمتصوفة، من اتخذهم له أولياء واتخذوه لهم وليًّا فغلوا في دين الله، وشرعوا من الدين مالم يأذن به الله، فاعتقدوا النفع والضر عند غير الله، والمنع والعطاء لدى غير الله، لدى مشايخ الطرق وأدعياء التصوف والدجل والشعوذة أحياء وأمواتاً، وصرفوا للمخلوق مما هو محض حق الخالق حقوقاً لا تصح نسبتها إلا لله فهذا البوصيري يقول :
يا أكرم الخلق ما لي من أوذ به سواك عند حلول الحادث العم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا البرعي يقول :
يا سيدي يا رسول الله يا أملي يا موئلي يا ملاذ يوم تلقاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه عندي وإن بعدت داري وأوطاني
وهذا البكري يقول :
وناده إن أزمة أنشبت ظفارها واستحكم المعضل
عجل بأذهاب الذي اشتكى فإن توقفت فمن أسأل ؟ !
وهذا رابع يقول :
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي يا عمدتي بل وا ذخري ومفتخري
فإنني عبدك الراجي بودك ما أملته يا صفي السادة الغرر
وبالرغم من حركات الشيطان في الغواية والإضلال، وقدرته على اصطفاء مجموعة من عباد الله ليكونوا أعواناً في الضلال والإضلال؛ إلا أن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فلقد وعد الله تعالى بحفظ كتابه من التحريف والتغيير والتبديل، وتم وعد الله فلقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرناً وهو محفوظ بكل وسائل الحفظ سراجاً منيراً ومحجة بيضاء، كما أن الله تعالى قيض لسنة رسوله (ص) رجالاً أتقياء أذكياء صالحين نقلوها إلى الأمة الإسلامية نقية صافية وبذلك تحقق قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك » ؟ وقوله : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وسنة رسوله » الأمر الثاني من الأمرين اللذين ركز عليهما -صلى الله عليه سلم- في حماية الدين : الابتداع في الدين .
لقد عرَّف العلماء البدعة بأنها طريقة محدثة في الدين يضاهي بها أحد مقتضياته، إلا أن هذه المضاهاة تنطلق من معقول بشري محدود ليس له القدرة على استطلاع حكمة الله في تشريعه، ولا علم الله بما تصلح به أمور عباده، يأتي العقل البشري فيرى حسناً ما ليس بالحسن ويظن نقصاً فيما فيه الكمال، فيقول اجتهاداً أو انسياقاً وراء هوى أو إغواء شيطان ما ليس في الدين في شيء مما هو محض الإحداث والابتداع .
لقد كان -صلى الله عليه وسلم- حريصاً كل الحرص على تجنيب أمته شر الابتداع فأكثر من ذم الابتداع وحض الأمة على التمسك بسنته -صلى الله عليه وسلم- فقال : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار » .
وقال : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » وفي رواية : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » - وقال : « إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي رسول الله، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة » .
ولم يكن منه -صلى الله عليه وسلم- إلا أن التشريع مكتمل فما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، وقد حكى الله سبحانه وتعالى كمال الدين فقال : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } فلقد وقف -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة في حجة الوداع ومعه جمع كبير من أصحابه، فذكرهم ووعظهم وبين لهم ما على العبد من حقوق لله وحقوق لعباده، وكان -صلى الله عليه وسلم- في كل أمر يقوله لهم : « ألا هل بلغت اللهم فاشهد » ؟ ثم انتقل -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة أتم بلاغ، وأدى الأمانة أتم أداء .، ونصح للأمة النصح البالغ، وبين لهم حبائل الشيطان ووساوسه وخواطره ومكائده ومداخله على العباد .
لا شك أن الابتداع الطريق القصير إلى تشويه الدين وطمس معالم الإشراق فيه، والتحكم على الله وعلى رسوله، والاشتراك مع الله تبارك وتعالى في التشريع بما لم يأذن به الله، وفضلاً عن هذا الأثر السيء للابتداع فإنه يستلزم أموراً مهينة أهمها ما يلي :
أولاً : القول بلسان المقال أو بلسان الحال : أن الدين ناقص وأن هناك جوانب تكميلية ينبغي الأخذ بها تكملة للدين، وفي هذا رد قوله تعالى . { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } كما أن فيه تكذيباً لقول رسول الله-صلى الله عليه وسلم- : « تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك » ؟ فإن من يبتدع يعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة، ولكنه يدعي أنها عمل صالح . فما صلاح عمل لم يأمر به الله ولم يفعله رسوله الله ؟ ! وما صلاح عمل يراد به إكمال ما أكمله الله على أتم وجه ورضيه ؟ ! ولكنها وساوس الشيطان وهمزاته .
ثانياً : إن الابتداع يستلزم القدح في إبلاغ رسول الله رسالة ربه، فلقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره بإبلاغ الرسالة، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } فبلغها –صلى الله عليه وسلم- أتم بلاغ . فإذا كان المبتدع يرى في بدعته الخير والعمل الصالح، ويعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة ولكنها حسنة في نفسها - حسب زعمه - فإن هذا يعني أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-حاشاه وكلا - بين أمرين : إما أن يكون جاهلاً بما ينفغ الأمة وأن هناك جملة من جوانب الخير لا يعلمها فجاء معاصرو القرون المتأخرة فأخرجوها للأمة وأضافوها إلى الدين، أو أن يكون - صلى الله عليه وسلم- يعلم حسن هذه الأعمال المبتدعة، إلا أنه كتمها عن الأمة وهذا يعني تخونه والقدح في أدائه رسالة ربه، وكلا الأمرين شر وقدح في شهادة أن محمداً رسوله، ورسول الله-صلى الله عليه وسلم- مبرأ عنهما معاً .
ثالثاً : إن في الابتداع مخالفة صريحة لأوامر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فإنه -صلى الله عليه وسلم- أكد ضرورة التمسك بسنته والابتعاد عن الابتداع والإحداث في الدين، كما أكد أن الإحداث في الدين مردود ولا شك إن مخالفته -صلى الله عليه وسلم- مظنة الفتنة . قال تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
ولقد فهم أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وتابعوهم هذا الفهم، ففي الجامع لأبي بكر الخلال أن رجلاً جاء إلى مالك بن أنس فقال : من أين أحرم ؟ قال: من الميقات الذي وقت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وأحرم منه . فقال الرجل : فإن أحرمت من أبعد منه ؟ فقال مالك : لا أرى ذلك . فقال الرجل : ما تكره من ذلك ؟ قال : أكره عليك الفتنة . قال : وأي فتنة من ازدياد الخير ؟ فقال مالك : فإن الله تعالى يقول : { فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ؟ وأي فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله- صلى الله عليه وسلم-وفي رواية : وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسوله ؟ !
لقد حرص أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تبليغ الأمة سنة رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وبالغوا في التحذير عما يخالفها من قول أو فعل مهما كان ذلك وعلى أي وجه يكون، ولم يفرقوا في الإنكار بين ما ظاهره الحسن وما ظهر سوءه، فلم يقولوا بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، بل اعتبروا البدعة أمراً منكراً وزوراً من القول والعمل، وقولاً على الله بلا علم، وتشريعاً من الدين بما لم يأذن به الله، حجتهم في ذلك الإيمان بأن الله أكمل دينه وأن رسوله - صلى الله عليه وسلم- بلغ رسالة ربه وأدى أمانته وبين لعباد الله خصائص دينهم ومقتضيات أعمالهم وأن الأخذ بالبدعة يعني مناقضة ذلك الإيمان باعتبار أن البدعة في ظن مبتدعيها والآخذين بها إكمال نقص في الدين، كما أن حجتهم كذلك الامتثال للانتهاء عن الابتداع مطلقاً مهما كان وعلى أي سبيل يقع، يستوي في ذلك حسنة وسيئة للعموم في نفي البدع والابتداع، فقد حذر -صلى الله عليه وسلم- عن الابتداع بلفظ العموم فقال : « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » ؟ وبلفظ الاختصاص والحصر فقال : « إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة » .
ومن حججهم رحمهم الله في رد الابتداع إدراك أن الابتداع باب الشيطان إلى الغواية والإضلال والضلال، فمنه دخل على الأمم السابقة يضلهم ويمنيهم ويغويهم ويزين لهم أبواب الابتداع حتى غيروا كتب الله وحرفوها . وبدلوها فأحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله .
أدرك أصحاب رسول الله ذلك وكانوا حربًا على البدع والابتداع والإحداث والمحدثات، وفيما يلي مجموعة من الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله في محاربة البدعة .
فقد روى محمد بن وضاح القرطبي في كتاب البدع والنهي عنها بإسناده فقال : بلغ ابن مسعود رضي الله عنه أن عمرو بن عتبة- في أصحاب له - بنوا مسجداً بظهر الكوفة، فأمر عبد الله بذلك المسجد فهدم، ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحاً معلوماً، ويهللون ويكبرون، قال : فلبس برنسًا ثم انطلق فجلس إليهم فلما عرف ما يفعلون رفع البرنس عن رأسه ثم قال : أنا أبو عبد الرحمن، ثم قال : لقد فضلتم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- علماً أو لقد جئتم ببدعة ظلماً، قال : فقال عمرو بن عتبة : واللهِ ما فضلنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم- علماً ولا جئنا ببدعة ظلماً، ولكننا قوم نذكر ربنا، فقال : بلى والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم لتسبقن سبقاً بعيداً، ولئن حُرْتُم يميناً أو شمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً .
وذكر بإسناده عن بعض أصحاب عبد الله بن مسعود قال : مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول : سبحوا عشراً، وهللوا عشراً، فقال عبد الله : إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أو أضل، بل هذه، بل هذه، يعني : أضل .
وروى بإسناده عن أبان بن أبي عياش قال : لقيت طلق بن عبد الله بن كرز الخزاعي فقلت له : قوم من إخوانك من أهـل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوماً وفي بيت هذا يومًا، ويجتمعون يوم النيروز والمهرجان ويصومونهما، فقال طلق : بدعة من أشد البدع والله لهم أشد تعظيماً للنيروز والمهرجان من غيرهما ثم استيقظ أنس بن مالك فوثبت إليه فسألته كما سألت طلقاً فرد عليَّ كما رد علي طلق كأنما كانوا على ميعاد .
وروى بإسناده قال : ثوب المؤذن في المدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك فجاءه فقال له مالك : ما هذا الذي تفعل ؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا . فقال له مالك . لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بهذا البلد عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا مالم يكن فيه . فكف المؤذن عن ذلك، وأقام زماناً ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال : ما هذا الذي تفعل ؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر . فقال : ألم أنهك لا تحدث عندنا مالم يكن ؟ ! فقال : إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك : لا تفعل . فكف أيضاً زماناً، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له : ما هذا الذي تفعل ؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك : لا تفعل، لا تحدث في بلدنا مالم يكن فيه .
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله تفسير التثويب الذي نهى عنه مالك رحمه الله بأن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة حي على الفلاح . وذكر الشاطبي في كتابه الاعتصام قال : وقال ابن حبيب أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكاً يقول . من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-خان الدين لأن الله تعالى يقول : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً } وأختتم هذا البحث بما روى أبو داود والترمذي عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها الدموع فقلت : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال : «أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة » . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

-------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الصوفية

« العلاقات الدولية في الفكر السياسي الإسلامي | مذهبة الصراعات الإقليمية في المشرق »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البوذية وعلاقة الصوفية بها عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 08-03-2014 07:48 AM
آراء الصوفية في أركان الإيمان عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 07-26-2014 06:34 AM
الصوفية ولعبة المصالح والاستغلال عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 06-01-2014 06:34 AM
الصوفية في إيران عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 02-17-2014 09:06 AM
تورط الفرق الصوفية فى نشر التشيع فى مصر Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 12-15-2012 11:22 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:51 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73