تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #13  
قديم 01-20-2015, 09:31 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة منهج في دراسة التصوف

منهج في دراسة التصوف
ـــــــــــــــ

(لطف الله بن عبد العظيم خوجه)
ـــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــــ




إن للإسلام أصولاً وأحكاماً معلومة متميزة من التزم بها فهو كامل الإسلام؛ فإن أخل بشيء من أحكامه نقص من إسلامه بقدر ذلك، من غير أن ينتفي عنه وصف الإسلام، وإن أخل بأصله عامداً عن علم ورضى وأظهر ذلك انتفى عنه الوصف كلياً، فإن لم يُظهر فهو منافق له اسم الإسلام الظاهر .
ومنه يتبين أن الإسلام في أصوله وأحكامه وخصائصه ثابت لا يتغير، والمنتسبون إليه يتغيرون ويختلفون؛ فمنهم الكامل، ومنهم دون ذلك، ومنهم المفرط، ومنهم من ليس له من الإسلام إلا الاسم .
وهكذا كل ملة ونحلة قد ثبتت أصولها واستقرت : قد لا تتغير كما يتغير أهلها ويتفاوتون بحسب تطبيقهم لأصولها وفروعها .
والتصوف فكرة ونحلة وملة قديمة، موجودة قبل الإسلام، أصولها وأحكامها معروفة مستقرة ثابتة، بإقرار كافة الباحثين، من متصوفة وغير متصوفة ومستشرقين، والمنتسبون إليه منهم المتحقق بالتصوف، ومنهم دون ذلك، ومنهم من ليس له إلا الاسم دون الحقيقة .
وبناء على هذا : إن أردنا التعرف على دين أو نحلة أو فكرة ما، فعلينا أن نعتمد مصادرها التي منها نبعت وظهرت واستقرت، وبذلك نفهم حقيقة الفكرة كما هي، ولا يصح أن نلجأ إلى المنتسبين فنعتمدهم مصدراً؛ إذ يتفاوتون في الالتزام والتحقق، كما يندر أن تكون جميع حركاتهم مردها اتباع قواعد الفكرة :
- فالإسلام مثلاً : لا تُعرف حقيقته كما هي إلا من خلال القرآن والسنة . أما محاولة معرفة ذلك من خلال ما يصدر من المسلمين فهو محض الخطأ؛ فليسوا كلهم يطبقون الإسلام كما هو، وليس كل ما يصدر منهم يكون بالضرورة عن تطبيق لتعاليم الإسلام؛ إذ الإنسان في طبعه اقتراف الحسنة والسيئة .
- وكذلك التصوف لا يمكن معرفة حقيقته كما هي إلا بالوقوف على مصادره الأصلية، وهو الذي نشأ وتأسس واستقر في الثقافات القديمة، بشهادة كافة الباحثين .
أما الاعتماد على المنتسبين المقلدين من المسلمين فخطأ منهجي؛ فليسوا كلهم يطبقون التعاليم كما هي، وليس كل ما يصدر منهم يكون بالضرورة عن التزام بالتصوف .
إن من الخطأ في دراسة التصوف : أن يُنظر إلى الإمام الصوفي في الإسلام على أنه فكرة صوفية في كل ما يصدر عنه !! .. إن معنى ذلك أن يلصق بالتصوف ما ليس منه، مما قد يناقضه، كقولهم : « علمنا مقيد بالكتاب والسنة »[1]، فهذه المقولة توافق الإسلام؛ لأن المعرفة في الإسلام مصدرها من خارج النفس، من الوحي، لكن لا توافق التصوف؛ لأن المعرفة في التصوف مصدرها من داخل النفس، من الذوق والكشف والمنام؛ فعندما يطلق أحد الصوفية هذه المقولة فمن الجناية نسبة هذا الأصل في التلقي إلى التصوف؛ لأنه يتناقض معه كلياً، والواجب هنا : وضع كل تصرف يصدر من الصوفية في سياقه الخاص به الموافق لأصوله، بدون أن تحشر جميعها في سياق واحد ولو تشتتت أصولها؛ فالقائل : « علمنا مقيد بالكتاب والسنة » إنما يتمثل الإسلام بقوله هذا، فلا تجوز إذن تزكية التصوف به، نعم ! قد يكون باباً لتزكية قائله، أو دفع تهمة عنه، أو إحسان ظن به، أو الاعتذار له، لكن دون زيادة . ولذا فإن المنهج الصحيح هو التفريق بين الفكرة والمنتسبين إليها؛ فالفكرة الصوفية باطناً وظاهراً مخالفة للإسلام، أما المنتسبون فمنهم كذلك، ومنهم دون ذلك، ومنهم ليس كذلك، معذور بجهل، أو قلة بصيرة وإدراك، أو شبهة، ونحو ذلك .
وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بأحوال المتصوفة لتزكية التصوف، كأن يقال :هذا إمام صوفي كان مجاهداً، وهذا كان محدِّثاً، وهذا نصر الله به الإسلام، وهذا قال كذا من الحق .. إلخ؛ فكيف تذمون التصوف ؟!
فكل هذه الأخبار صحيحة، وفي الطوائف الأخرى أمثلة مثلها، لكن ليس هذا هو محل النزاع، إنما النزاع في الفكرة ذاتها؛ فهل الإسلام يقبل أن يضم إلى أصوله القول بالحلول والاتحاد والوحدة، تحت أي ظرف كان ؟
فما يكون من متصوفة الإسلام من أعمال صادقة فمردها إلى تعاليم الإسلام، لا للتصوف، وهم في ذلك مسلمون مستنون بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ليسوا متصوفة؛ فالتصوف لا يأمر بجهاد، ولا بطلب علم، ولا يجادل في هذا إلا من لا يعرف حقيقة التصوف كما هي، ولذا كان من الخطأ الفاحش نسبة هذه الأعمال ذات المقامات العالية إلى التصوف .
هذا هو المنهج العلمي : ( معرفة حقيقة الفكرة من المصدر، لا من المنتسبين ) .
غير أن طائفة من الباحثين في التصوف لم تراعِ هذا المنهج، فاختل تقويمها وتحقيقها، ذلك أنها عمدت إلى أئمة التصوف في الإسلام فجعلتهم مصدراً لمعرفة صورة الفكرة الصوفية، فنسبت إلى التصوف كل ما صدر منهم، ولما كان أئمة التصوف يمزجون، في أقوالهم وأفعالهم، بين تعاليم التصوف الذي استمدوه من الثقافات القديمة، وتعاليم الإسلام الذي استمدوه من محيطهم، اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين، فظنوا ذلك المزيج هو الصورة الحقيقية للتصوف[2]، وقد كان هذا خطأ ظاهراً؛ إذ بذلك جمعوا بين النقيضين؛ حيث إن أصل الإسلام التوحيد، وأصل التصوف الوحدة، وتوحيد الله تعالى ووحدة الوجود نقيضان لا يجتمعان، وهذا مما حمل المستشرق نيكلسون على إظهار تعجبه من تقبل المسلمين للمتصوفة وهذه عقيدتهم[3] .
وقد ترتب على ذلك : الخطأ في تصوير الإسلام نفسه؛ حيث أُلحق به ما ليس منه مما يناقضه، وكذلك الخطأ في تصوير التصوف كما هو؛ حيث أُدرجت أصوله قسراً تحت معاني النصوص الشرعية المخالفة لها، ولما كانت مناقضة التصوف للإسلام واضحة لا تخفى، فقد اضطر طائفة من الباحثين كانوا أمثل طريقة من غيرهم، محاولة للتوفيق والجمع أن يجعلوا التصوف على قسمين : إسلامي، وفلسفي . فنسبوا إلى الفلسفي كل ما يناقض الإسلام، من الحلول والاتحاد والوحدة، وما عدا ذلك من الزهد والذكر والمجاهدة جعلوه من الإسلام، وهكذا قسموا الفكرة الواحدة إلى نقيضين، مخالفين بذلك العقل والواقع[4] .
وعلى ذلك : فالمنهج الصحيح لدراسة التصوف يكون وفق الطريقة التالية :
1 - حصر المنتسبين لهذه الطريقة، ممن عرف بالتصوف وأقر على نفسه بالانتساب إليه، دون من لم يقر بذلك؛ إذ قد أُلحق بالتصوف من لم يعرفه أصلاً .
2 - جمع ما نسب إليهم من أقوال وأفعال، سواء في كتبهم أو مما نقل على ألسنتهم، لأجل فحصها وتحليلها ومعرفة ما تدور عليه من معنى أو معانٍ .
3 - بعد تحديد المعاني واتجاهات كل إمام صوفي، تعقد مقارنة بينها وبين أصول الإسلام وأحكامه؛ فما وافق الإسلام فيلحق به، وما خالفه في شيء عزل جانباً .
4 - ينظر في هذا المعزول، للدراسة والتحليل، لمعرفة حقيقته أو حقائقه، ووسائله وغاياته، ولا بد في هذه العملية من الدقة والتمهل، لتمييز الأفكار والأصول منها خاصة، حتى لا تختلط بغيرها لمجرد شبه جزئي أو عارض .
5 - إذا عرفت حقيقة الفكرة ومعانيها، حينذاك تعرض على أدلة الشريعة، لمعرفة موقفها، وحكمها، ودرجة ردها، وهل هي من المكروهات ؟ أو من الكبائر ؟ أو من الكفر ؟
6 - هنا نصل إلى الحكم على الفكرة؛ فبعد معرفة حقيقتها، وعرضها على الأدلة الشرعية نخلص إلى الحكم النهائي على الفكرة . أما المنتسبون إليها فيؤجل إصدار الأحكام عليهم بالتعيين، للحاجة إلى معرفة تحقق الشروط وانتفاء الموانع .
7 - بعد ثبوت أجنبية الفكرة عن الإسلام، تأتي المرحلة الأخيرة في الدراسة وهي : البحث عن مصادر هذه الفكرة الدخيلة، فينظر في كتب المقالات المتعلقة منها بمقالات أهل الأديان والملل القديمة قبل الإسلام تحديداً، لمعرفة موضوعها وأصولها، ويتم ذلك عن طريق ما يلي :
أ - حين تتردد في تلك الثقافات كلمة « صوفية » أو اشتقاقاتها، فالبحث يقتضي تتبع هذه الكلمة ومعرفة كل ما ورد فيها من معانٍ، فهي المقصودة بالبحث أصالة .
ب - بعد حصر تلك المعاني والأصول، تعقد المقارنة بينها وبين الأفكار التي وردت عن أئمة التصوف في هذا المعنى لمعرفة مدى موافقتهم لأصول وفروع الفكرة في القديم، وما زادوا فيه وما نقصوا .
8 - بهذا تتم الدراسة من جميع جوانبها : عرضاً، ونقداً، ورداً إلى المصادر والجذور . تلك مسألة، وأخرى تتعلق بنسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف .. فقد كان لثناء الإمام ابن تيمية على بعض أئمة التصوف أثراً في المعظمين لعلمه وجهاده، حملهم على التشكيك في صحة نسبة الأقوال المنحرفة إلى أولئك الأئمة، وترجيح عدالتهم وصحة طريقتهم، وبنوا على ذلك صحة تقسيم التصوف إلى :
- معتدلٍ : وهم رجال القشيري والغزالي ونحوهم، على حد قول أبي الوفا التفتازاني[5] .
- وغالٍ : يمثله الذين ثبت عنهم القول بالحلول .
وقد استفاد المتصوفة من موقف الإمام ابن تيمية لتخفيف حدة النقد، وبعضهم جعله من المتصوفة لأجل موقفه هذا، وبالغ آخرون فزعموا أنه لا خلاف بين التصوف والسلفية !! .. فهنا مسألتان جديرتان بالبحث :
- المسألة الأولى : التحقيق في نسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف .
- المسألة الثانية : تحليل موقف الإمام ابن تيمية من التصوف .
* المسألة الأولى : التحقيق في نسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف .
الأقوال المنسوبة إلى أحد أئمة التصوف : إما أن تكون واردة في كتاب للإمام نفسه، أو نقله عنه أحد المصنفين . فإن كانت في كتاب له، فإما أن يكون الكتاب صحيح النسبة إليه فالقول ثابت، وإلا فلا .
وإن كان نقله عنه أحد المصنفين في التصوف، فإما أن يكون تلقاه منه مباشرة فالقول ثابت حينئذ، إذا كان المصنف ثقة، أو بوساطة، فإن كانوا ثقات فالقول ثابت، وإلا فلا، وكذا إن رواه بغير سند .
فالحاصل أن نسبة القول إلى أحد الأئمة تعتبر ثابتة :
إذا كان في كتاب له، قاله على سبيل التقرير . أو إذا كان الناقل ثقة، أو النقلة ثقات .
- فيما يتعلق بالحالة الأولى : فقد صنف الأئمة القدماء في التصوف، كأبي سعيد الخراز، و الحلاج، و الطوسي، و الكلاباذي، و القشيري، و السلمي، و أبي طالب المكي، و الحكيم الترمذي، و الهروي على تفاوت بينهم كتباً ورسائل لم يشكك أحد في نسبتها إليهم، لا من المتصوفة ولا غيرهم، فيها كل الأقوال والأفكار الغالية التي تمثل أصول التصوف؛ فهي إذن وثيقة صوفية تثبت أن مصنفي تلك الكتب يعتقدون بكل تلك الأقوال والأفكار المنحرفة؛ فإنهم ما علقوها على سبيل الحكاية، كلاَّ، بل على سبيل التقرير والتأصيل، ما لم يرد ما يخالفه .
ومعلوم أن مقام التقرير والتأصيل ليس كمقام الإخبار والنقل المحض؛ فالذي ينقل الأقوال في حالة التأصيل والتقرير لفكر ما، وهو منتسب إلى ذلك الفكر، لا شك هو مؤمن معتقد بتلك الأقوال .
- فيما يتعلق بالحالة الثانية : فإن الملاحظ أن كثيراً من أقوال الصوفية ليست بأسانيد أصلاً، وما كان منها بأسانيد قد يكون البحث في صحتها مفيداً، من حيث تبرئة بعض الأئمة مما نسب إليهم من القول الغالي في حال بطلان السند؛ غير أنه لا يفيد في تبرئة الفكر الصوفي من الانحراف، بعدما امتلأت مصنفات التصوف بهذه الأقوال على جهة التقرير والتأصيل؛ وذلك كافٍ في الحكم على التصوف، ووصفه بالوصف الذي يستحقه بحسب ما في تلك الأقوال من معانٍ .
غير أن مما قد يحتج به من لا يبرئ الأئمة أنفسهم مما نسب إليهم من الأقوال الغالية : ما جاء في تراجمهم من تعرضهم لإنكار العلماء، حتى لا تكاد تجد إماماً صوفياً إلا وقد تعرض للإنكار عليه من أهل العلم . أفلا ينم ذلك عن صدق ما نسب إليهم ؟[6] .
وفي كل حال نقول : إن الحكم والوصف إنما هو في حق الفكرة لا الأشخاص؛ فالفكر الصوفي ليس من الإسلام في شيء، وما عليه الفكر الصوفي من حق :
- إما أن يكون حقاً متفقاً عليه عند جميع العقلاء، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، كالصدق وعدم الكذب، وتوقير الكبير والضعيف، وعدم الغش، أو السرقة، أو الخيانة، ونحو ذلك ..
- وإما أن يكون أصله مما جاء به الإسلام، كالاجتهاد في العبادات .. ثم إن الصوفية زادوا فيها .
لكن ذلك لا يسوغ تصحيح التصوف وقبوله؛ فإن الاشتراك في الوصايا الإنسانية، أو في بعض ما جاءت به الشريعة لا يلزم منه التصحيح والقبول، إلا بشرط الاشتراك في الأصول الأساسية، وأصل دين الإسلام هو التوحيد الخالص لله وحده في : ربوبيته، وإلهيته . ومخالفة أية طائفة لهذا الأصل يقطع ما بينها وبين الإسلام من صلة، ولو اشتركت معه في أصل الزهد والذكر والمجاهدة .. إلخ .
* المسألة الثانية : تحليل موقف ابن تيمية من التصوف .
في تحليل موقف ابن تيمية لا بد من ملاحظة أن ثناءه لم يكن على الفكرة الصوفية، بل على بعض الأئمة، وليس كلهم، ثم لم يكن ثناؤه عليهم بإطلاق، بل بكلمات صدرت عنهم تؤكد وجوب التقيد بالكتاب والسنة، ومن موقف كهذا لا يمكن انتزاع تزكية للفكرة والمذهب؛ فالثناء على الأشخاص لا يلزم منه تصحيح المذهب، وقد كان هذا منهجه، فردوده على المتصوفة وغيرهم من الفرق لم يكن يمنعه من التنويه والإشادة بما أصابوا فيه .
وهذا مفيد لعامة المتصوفة الذين جعلوا من الشيخ إماماً لا يخالفونه في شيء، ولو خالف الشرع؛ فاستثمار مثل هذه الكلمات لهدم هذا الصنم الصوفي المسمى بالشيخ، والعود بالمتصوفة إلى التقيد بالكتاب والسنة مكسب كبير، يدل على فطنة هذا الإمام، حيث استطاع نقض هذه الفكرة الغالية من الداخل؛ فالأتباع لا يسمعون إلا للمشايخ، فلِمَ لا تستثمر كلماتهم في نقض مذهبهم ؟
ومما يؤكد أن ابن تيمية لم يقصد بثنائه على بعض الأئمة تزكية المنهج الصوفي : ردوده على البسطامي و الحلاج و ابن عربي و ابن الفارض و ابن سبعين و التلمساني وغيرهم، من الذين بينوا حقيقة التصوف؛ فالفكرة الصوفية كانت محل نقد الإمام، في قولهم : بالتشبه بالإله، والفناء، والحلول، والاتحاد، والوحدة[7] . حتى الهروي صاحب ( منازل السائرين ) كان محل نقد الإمام؛ هذا مع كونه من كبار أئمة المتصوفة، ومواقفه في باب الصفات معروفة[8] .
وبعد : فإن أهمية نقد الفكر الصوفي تأتي من جهتين :
الأولى : تتعلق بأصل الدين الأعظم الذي به أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجله خلق الجن والإنس : ألاَّ يعبد إلا الله وحده لا شريك له، والإعراض عن عبادة ما سواه؛ فالرد على المتصوفة في هذا الباب تحقيق لهذا الأصل، الذي خالفوه وعارضوه .
الثانية : الحضور الكبير للتصوف في العالم الإسلامي؛ فما من بلد إلا ولهم فيه وجود، وهم في بعضها السواد الأعظم، ونعني بذلك كل من انتسب إلى التصوف ولو ظاهراً بالاسم؛ فإن من المتيقن أن الذين يدركون حقيقة هذا الفكر من الصوفية أنفسهم قليلون . وأما أكثرهم فلا يعرفون منه إلا الموالد والذكر، دون القضايا الفلسفية التي تمثل أصول الفكرة .
إن كل واحد من هذين الأمرين، منفرداً، سبب كافٍ للكلام في التصوف عرضاً ونقداً؛ فكيف إذا انضم بعضهما إلى بعض ؟
ومن هذا كانت العناية بدراسة التصوف، ومعرفة المنهج الصحيح لذلك، ولعلي أسهمت ولو يسيراً في فتح هذا الباب . والله الموفق .

---------------------------------------
(1) من قول الجنيد، انظر : الرسالة القشيرية، 1/117 - 118 .
(2) كان هذا سبيل كل من قسم التصوف إلى : إسلامي، وفلسفي، وهو تقسيم فاسد؛ لأنه يجعل من الفكرة الواحدة جامعة للنقيضين، وهو محال، فإما إيمان وإما كفر، أما الجمع بينهما فمحال .
(3) قال : (ولعله أن يقال : كيف يمكن لدين أقامه محمد على التوحيد الخالص المتشدد أن يصبر على هذه النحلة الجديدة، بله أن يكون معها على وفاق ؟ وإنه ليبدو أن ليس في الوسع التوفيق بين الشخصية الإلهية المنزهة، وبين الحقيقة الباطنة الموجودة في كل شيء، التي هي حياة العالم وروحه، وبرغم هذا فالصوفية بدل أن يطردوا من دائرة الإسلام، قد تقبلوا فيها وفي تذكرة الأولياء شواهد على الشطحات الغالية للحلولية الشرقية)، [الصوفية في الإسلام، ص 31]، مع ملاحظة أن هناك تجاوزات في تعبيرات المستشرق كقوله (التوحيد المتشدد)، وقوله (الشخصية الإلهية) .
(4) انظر مثلاً كتاب : (مدخل إلى التصوف الإسلامي) لأبي الوفا الغنيمي .
(5) انظر كتابه : (مدخل إلى التصوف الإسلامي)، ص 19 .
(6) انظر اللمع للطوسي، باب : ذكر جماعة المشايخ الذين رموهم بالكفر، ص 497 .
(7) انظر : المجلد الثاني، والعاشر، والحادي عشر، من مجموع الفتاوى، فأما الثاني فقد خصص للرد على الغلاة .
(8) انظر : الفتاوى، 5/485 .

---------------------------------
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 01-20-2015, 09:37 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة هذه هي الصوفية

هذه هي الصوفية
ــــــــ

(لطف الله بن عبد العظيم خوجه)
ـــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هـ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــــ




مما لا يُختلف فيه : أن الفكر الصوفي حادث في الإسلام .

فقد مر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجيل الصحابة - رضوان الله عليهم -، والتابعين، وتابعيهم - رحمهم الله -، دون أن يكون لهذا الفكر أثر واضح، حتى حدث وظهر في نهاية القرن الثاني، والصوفية يقرون بهذا، لكن من جهة اللفظ دون المعنى . يقول النواوي : « فأما كلمة التصوف؛ فقد أجمع الكاتبون في هذا المقام على : أنها من الكلمات الاصطلاحية التي طرأت في أواخر القرن الثاني للهجرة »[1] .
فالصوفية يقرون بأن مصطلح ( الصوفية ) حادث، لكنهم يقولون : الأحوال الصوفية موجودة منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، تمثلت في أهل الصُّفَّة .
ولأجله ذهب بعضهم إلى أن أصل التصوف مشتق من ( الصُّفّة )، وهو مكان كان يأوي إليه الفقراء في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - . ومن ترجم منهم لأئمة التصوف : جعل أبا بكر، و عمر، و عثمان، و علياً - رضوان الله عليهم - أوائل الصوفية، ونسب إليهم كلمات في المقامات والأحوال .
والوصف المشترك بين جميع من نُسبوا إلى التصوف من أئمة القرون الثلاثة الأولى هو : الزهد، والمجاهدة . الزهد في متاع الحياة الدنيا، ومجاهدة النفس لتهذيبها، ونفي عيوبها .
ونتيجة هذا : تمثل التصوف في الزهد والمجاهدة؛ فكل زاهدٍ مجاهدٍ متصوفٌ، ومن له حال في الزهد والمجاهدة فهو : صوفي . هكذا قال بعضهم .
لكنهم لم يتفقوا على رأي واحد في أصل كلمة ( صوفية ) واشتقاقها؛ فما قرره بعضهم نقضه آخرون، وقد رجعوا بالكلمة إلى أصول ستة أو سبعة، هي :
1 - الصُّفّة :
وبهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي : « التصوف مأخوذ من أهل الصُّفَّة »[2] .
وقال الكلاباذي : « وقال قوم : إنما سموا : صوفية . لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - »[3] .
وقال السهروردي : « وقيل : سُموا صوفية؛ نسبةً إلى الصفَّة .. وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي، ولكنه صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكلهم حال أولئك، لكونهم مجتمعين متآلفين، متصاحبين لله، وفي الله، كأصحاب الصفَّة »[4] .
2 - الصفاء :
قال الكلاباذي : « قالت طائفة : إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها .
وقال بشر بن الحارث : الصوفي من صفا قلبه لله »[5] .
وقال السهروردي : « قيل : كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً »[6] .
وذكر نيكولسون : أن جمهور الصوفية ذهبوا إلى أن الصوفي مشتق من الصفاء، وأنه أحد خاصة الله، الذين طهر الله قلوبهم من كدورات الدنيا[7] .
3 - الصف الأول :
قال الكلاباذي : « وقال قوم : إنما سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله - عز وجل - بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه »[8] .
وقال السهروردي كقول الكلاباذي : « سموا صوفية؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله - عز وجل - بارتفاع هممهم، وإقبالهم على الله- تعالى - بقلوبهم، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه »[9] .
4 - الصوف :
يقول الطوسي : « نُسبوا إلى ظاهر اللبس، ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون؛ لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء - عليهم السلام -، والصديقين، وشعار المساكين المتنسكين »[10] .
ويقول السهروردي : « ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية نسبة لهم إلى ظاهر اللبسة؛ لأنهم اختاروا لبس الصوف لكونه أرفق، ولكونه كان لباس الأنبياء - عليهم السلام - . فكان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة الدنيا، وقناعتهم بسد الجوعة، وسترة العورة، واستغراقهم في أمر الآخرة، فلم يتفرغوا لملاذ النفوس وراحتها، لشدة شغلهم بخدمة مولاهم، وانصراف همهم إلى أمر الآخرة، وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق؛ لأنه يقال : تصوَّف؛ إذا لبس الصوف، كما يقال : تقمَّص؛ إذا لبس القميص »[11] .
5 - صوفة :
ذكر ابن طاهر المقدسي القيسراني بسنده إلى الحافظ أبي محمد عبد الغني بن سعيد المقدسي قال : « سألت وليد بن القاسم : إلى أي شيء نسب الصوفي ؟ فقال : كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة، انقطعوا إلى الله - عز وجل -، وقطنوا الكعبة؛ فمن تشبه بهم فهم الصوفية .
قال عبد الغني : هؤلاء المعروفون بصوفة، هم ولد الغوث بن مر »[12] .
قال ابن الجوزي : « كانت النسبة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان والإسلام، فيقال : مؤمن مسلم . ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقاً تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله - سبحانه وتعالى - عند بيته الحرام، رجل يقال له : صوفة . واسمه الغوث بن مر، فانتسبوا إليه، لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله - سبحانه وتعالى -، فسُموا بالصوفية »[13] .
ثم ذكر أثر عبد الغني المقدسي الآنف الذكر، ثم قال : « وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال : كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أدّ بن طابخة، ثم كانت في ولده، وكان يقال لهم : صوفة . وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب : أجز صوفة . قال الزبير : قال أبو عبيدة : وصوفة وصوفان . يقال : لكل من ولي من البيت شيئاً من غير أهله، أو قام بشيء من أمر المناسك، يقال لهم : صوفة وصوفان .
قال الزبير : حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال : إنما سمي الغوث بن مر صوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنَّه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له : صوفة، ولولده من بعده »[14] .
6 - صوفانة :
قال ابن الجوزي : « وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة، وهي بقلة رعناء قصيرة، فنُسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه لو نُسبوا إليها لقيل : صوفاني .
وقال : آخرون : هو منسوب إلى صوفة القفا . وهي الشعيرات النابتة في مؤخره، كأن الصوفي عطف به إلى الحق، وصرفه عن الخلق »[15] .
7 - النسبة إلى جميع ما سبق : الصف الأول، والصُّفَّة، والصوف، والصفاء :
نحا إلى هذا الرأي الكلاباذي؛ حيث صحح نسبة الصوفية إلى جميع ما ذكر باعتبار المعنى، وإن كان يقر باستحالة ذلك لغة، قال :
- « وأما من نسبهم إلى الصُّفَّة والصوف؛ فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم؛ وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا .
- ومن نسبهم إلى الصفة والصف الأول؛ فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم .
- فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها، ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامي القوم وألقابهم، وصححت هذه العبارات، وقربت هذه المآخذ .
وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر؛ فإن المعاني متفقة :
- لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت : صفوية .
- وإن أضيفت إلى الصف والصُّفَّة، كانت : صَفية، وصُفِّية .
- ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية[16]، وزيادتها في لفظ : الصَفية . والصُفِّية إنما كانت من تداول الألسن .
- وإن جعل مأخذه من الصوف، استقام اللفظ، وصحت العبارة من حيث اللغة .
- وجميع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان ولزوم الأسفار »[17] .
وصنيع الكلاباذي ليس بغريب على النهج الصوفي؛ فقد رأيناه في كلام السهروردي حينما قال : « قيل : كان الاسم في الأصل صفوي، فاستثقل ذلك فجعل صوفياً »[18] .
والملاحظ في كلامه افتراض أن أصل الكلمة هي :
- صَفيّة : من الصف .
- وصُفِّيّة : من الصُّفَّة .
- وصفوية : من الصفاء .
وإنما انقلبت إلى ( صوفية ) بسبب تداول الألسن، حيث زيدت الواو في : صَفيّة، وصُفِّيّة .
وتبادل الواو والفاء المواقع في : صفوية .
وهذا قول يحتاج إلى دليل، ولم يستند إلى شيء، ولم أره لغيره .
* نقد الصوفية لهذه التعريفات :
أكثر هذه الأقوال رواجاً : النسبة إلى الصفاء؛ فقد ذكر ( نيكلسون ) : أن مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى الصُّفَّة اثنا عشر تعريفاً ينسبها إلى الصفاء؛ وذلك بالنظر في تعريفات الأئمة الصوفية، في المدة بين عام 200 إلى 440 هـ، وقد نقلها في كتابه، ثم قال : « يتبين من النظر في التعريفات أن الزمن الذي وضعت فيه يكاد يقرب من قرنين ونصف؛ لأن أولها هو تعريف معروف الكرخي المتوفى سنة 200هـ، وآخرها تعريف أبي سعيد بن أبي الخير المتوفى سنة 440 هـ، ويتبين أيضاً أنها تعريفات من أنواع مختلفة :
- إذ منها الثيوسوفي المتصل بأحوال الصوفية .
- ومنها المتصل بوحدة الوجود .
- كما أن منها الأخلاقي اللغوي، وهو ما أشبه بالحكم .
وليس في عصرنا الحاضر من ينكر اشتقاق كلمة الصوفي من الصوف، ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها سيظهر له في وضوح أن الوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء »[19] .
فهذا ما اشتهر في تعريفات من تقدم من الأئمة المتصوفة : النسبة إلى الصفاء . فهو التعريف الشائع المشهور . أما مَنْ بعدَهم فقد صاروا إلى ترجيح النسبة إلى الصوف، على الرغم من أن أئمة الصوفية لم يأبهوا لهذا الرأي، كما ذكر ( نيكلسون ) آنفاً، وكما يذكر ( القشيري ) و ( الهجويري ) .
ثم تأتي في المرتبة بعدهما النسبة إلى الصُّفَّة وإلى الصف الأول؛ فقد قال بها جمع من المتقدمين، لكن يبدو أن القائلين بالنسبة إلى الصفة أكثر .
وأما النسبة إلى الصوفة، فهي تأتي على معنيين :
- الأول : نسبة إلى رجل يدعى : صوفة . وهو الغوث بن مر بن أدّ .
- الثاني : نسبة إلى صوفة القفا، وهي : شعيرات مهملة في قفا الرأس .
فهذه النسبة، والنسبة إلى الصوفانة : بقلة تنبت في الصحراء قد ذكرت، لكن ليس على ألسنة المتصوفة، وليس لها اعتبار ثقل يوازي الأقوال الأربعة الأولى، وإن كانت الأربعة فيما بينها متفاوتة، على ما سبق تفصيله .
ويلاحظ أن جميع النسب السابقة لا تصح لغة، باعتراف أئمة التصوف، وإن كان ثبوتها أو بطلانها لغة لا تشترط فيها شهادتهم، بل يرجع إلى اللغة، غير أن إقرارهم مفيد في كل حال .
يقول القشيري : « هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة، فيقال : رجل صوفي . وللجماعة : صوفية . ومن يتوصل إلى ذلك، يقال له : متصوف .
وللجماعة : المتصوفة .
وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية : قياس ولا اشتقاق . والأظهر فيه : أنه كاللقب .
- فأما قول من قال : إنه من الصوف؛ ولهذا يقال : تصوَّف؛ إذا لبس الصوف . كما يقال : تقمَّص؛ إذا لبس القميص . فذلك وجه، لكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .
- ومن قال : إنهم منسوبون إلى صُفَّة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالنسبة إلى الصُّفَّة لا تجيء على نحو الصوفي[20] .
- ومن قال إنه مشتق من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة .
- وقول من قال : إنه مشتق من الصف؛ فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم؛ فالمعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف .
ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ، واستحقاق اشتقاق »[21] .
يلخص القشيري رأيه في كلمات :
« وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية : قياس ولا اشتقاق . والأظهر فيه : أنه كاللقب » .
لقد رفض هذه النسب جميعاً لغةً واشتقاقاً، ولم يأبه للنسبة إلى الصفة والصفاء من حيث المعنى، إلا الصف؛ فصحح المعنى، ورد الاشتقاق . وأما الصوف؛ فقد صحح الاشتقاق منه لغة، لكنه حكم ببطلان النسبة إليه، وعلل ذلك بأن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .
فالنسب كلها باطلة لغةً إذن، يستثنى منها :
- النسبة إلى الصوف .
- والنسبة إلى صوفة .
فهاتان النسبتان صحيحتان لغةً، لكن الثانية منها غير مشهورة، فأئمة التصوف كالطوسي، و الكلاباذي، و القشيري، والسهروردي وغيرهم، لم يذكروها ألبتة؛ فهي مطّرحة عندهم إذن، ويشكل عليها : أن لقب ( صوفية ) لم يعرف ولم يشتهر إلا في القرن الثاني، بينما هؤلاء الزهاد والعباد ظهروا في زمن مبكر من القرن الأول في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم -؛ فلو كان هذا اللقب مستمداً من هذا الاسم ( صوفة ) فلِمَ لم يطلق عليهم في ذلك الوقت ؟ ولِمَ تأخر حتى منتصف القرن الثاني إلى نهايته ؟ فالاسم ( صوفة ) موجود منذ الجاهلية، والمنقطعون الزهاد العباد موجودون، ومع ذلك لم يطلق عليهم اسم ( صوفية ) حتى حل القرن الثاني، ومر نصفه، ثم بدأ هذا الاسم بالظهور، كما ثبت بالبحث التاريخي؛ فهذا مما يضعف هذه النسبة .
- فلم تبق نسبة صحيحة منها، من حيث اللغة، سوى النسبة إلى الصوف .
فهذه مقبولة لغة . أما من حيث المعنى فقد رُدّت كذلك بأقوال أقطاب التصوف كالقشيري والهجويري، وإن كانت مقبولة عند غيرهما كالطوسي والسهروردي .
والنتيجة التي نخرج بها من هذا العرض : أن الصوفية لم يتفقوا على نسبة معينة؛ فإذا اطَّرحنا ما ثبت بطلانه لغة، وهو الواجب؛ لأنه لا وجه لإثبات نسبة خاطئة لغة إلا سفسطة، بقيت النسبة الصحيحة لغةً : ( الصوف ) . وهذه أيضاً لم تسلم من النقد والرد، وكان علة ذلك، كما ذكر القشيري أن القوم لم يختصوا ولم يشتهروا به . قال : « القوم لم يختصوا بلبس الصوف »[22] [**] .
وشهادة القشيري خطيرة، فيها نقض لقول من ادعى أن الصوفية اشتهروا بلباس الصوف، شهد بها إمام عارف من أئمة الصوفية المتقدمين، العارفين بأحوال بدايات التصوف؛ حيث عاش في القرنين الرابع والخامس ( 377 - 465 )، فهو من الجيل الثالث أو الرابع، والتصوف إنما نشأ في هذه الأجيال الممتدة ما بين القرن الثالث إلى الخامس، وكل ما لم يكن في هذه المدة فليس من التصوف قطعاً؛ لأن أهلها هم أئمة المذهب، وواضعوا أسسه، لا يختلف على هذا أحد .
ومما يعطي الشهادة قيمة أكبر، أنَّا لم نسمع بإمام صوفي انبرى للرد عليه وإبطال زعمه هذا، فسكوتهم دليل موافقتهم له، ويبعد أن يكونوا غير مطلعين على كتابه، بل يستحيل، فكتابه ( الرسالة ) من أشهر كتب التصوف، فمن الذي لا يعرفه من الصوفية ؟ بل سايره على هذا الرأي، ووافقه : إمام آخر معاصر له هو الهجويري، حيث قال : « واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى؛ لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه، وهم يشتقون الشيء من شيء مجانس له، وكل ما هو كائن ضد الصفاء، ولا يشتق الشيء من ضده، وهذا المعنى أظهر من الشمس عند أهله، ولا يحتاج إلى العبارة »[23] .* القول الراجح في نسبة الصوفية :
بقيت نسبة أخيرة لم يذكرها أحد من المتصوفة؛ فقد رجع بعض الباحثين والمؤرخين المختصين بعلوم الديانات القديمة : الهندية والفلسفية من غير المتصوفة، بالكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة : ( سوفيا )، ومعناها : الحكمة .
وأول من عرَّف بهذا الرأي : البيروني في كتابه : « تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة » وتبعه عليه جمع، خصوصاً الباحثين المعاصرين، وفيما يلي أقوال الذين يقررون أجنبية المصطلح والفكرة عن البيئة الإسلامية :
1 - يقول أبو الريحان البيروني مبيناً أصول التصوف في الفكر الفلسفي الهندي : « ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليها، وأن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حق، والحق هو الواحد الأول فقط .
- وهذا رأي ( السوفية ) وهم الحكماء، فإن ( سوف ) باليونانية الحكمة، وبها سمي الفيلسوف ( بيلاسوفا )، أي محب الحكمة .
- ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم، سُموا باسمهم، ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكل إلى ( الصُّفَّة )، وأنهم أصحابها في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم صُحّف بعد ذلك، فصُيّر من صوف التيوس »[24] .
2 - وبهذا قال كل من : المستشرق الألماني ( فون هامر )، و ( محمد لطفي جمعة )، و ( عبد العزيز إسلامبولي ) وذهبوا إلى ما ذكره البيروني آنفاً[25] .
3 - المستشرق نيكلسون في كتابه : ( الصوفية في الإسلام ) قال : « وكلمة Mystic التي انحدرت من الديانة الإغريقية إلى الآداب الأوروبية، يقابلها في العربية والفارسية والتركية، لغات الإسلام الثلاث الرئيسة، كلمة ( صوفي )، واللفظان على كل حال ليسا مترادفين تماماً؛ لأن للفظة الصوفي مدلول ديني خاص، وقد قيدها بالصوفية الذين يدينون بالدين الإسلامي، والكلمة العربية وإن اكتسبت على مدى الأيام مدلول الكلمة الإغريقية الواسع : شفاه مقفلة بالأسرار القدسية، وعيون مغمضة على النشوة الحالمة؛ إلا أن مدلولها كان متواضعاً يوم جرت على الألسنة لأول مرة، حوالي نهاية القرن الثاني الهجري »[26] .
- الشاهد من كلامه : أن الكلمة اكتسبت مدلول الكلمة الإغريقية على مدى الأيام؛ فهذا الرأي يرجع بمضمون الفكرة إلى جهة إغريقية، وهذا هو المهم .
4 - إبراهيم هلال قال : « على أن الأصل في تسمية هذا المذهب بالتصوف، وأصحابه بالصوفية، يوقفنا على أن التصوف في أصله إنما هو استيراد أجنبي، ليس للإسلام فيه شيء، لا في نشأته، ولا في طريقته المتزيدة، ولا في غايته أو غاياته المتعددة »[27] .
5 - الدكتور محمد جميل غازي، الذي قال : « الصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة ( صوفيا ) وليس كما يقولون إنه مأخوذ من الصوف »[28] .
6 - المقبلي قال : « فالتصوف ليس من مسمى الدين؛ لأن الدين كَمُلَ قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة؛ لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام؛ لأن الإسلام تم قبله، وهم معترفون بالغيرية؛ فحينئذ هو بدعة ضلالة »[29] .
ولهذا الرأي أدلة ترجحه على النسب السابقة، وبخاصة النسبة إلى الصوف؛ فمن ذلك :
أولاً : التشابه ما بين كلمتي ( صوفية ) و ( سوفية ) في اللفظ والرسم، وجواز التبديل بين حرفي السين والصاد .
ثانياً : اتحاد مدلول الكلمتين : ( سوفية )، ( صوفية )؛ فمدلولهما : الحكمة .
يبين هذا :
- أن الصوفي عند الصوفية هو الحكيم، وهو صاحب الحكمة . لذا يكثر دورانهم على هذا المعنى، ويجعلونه وصفاً لازماً للصوفي؛ فمن لم يكن حكيماً فليس له حظٌّ من اللقب، هكذا يقرر ابن عربي وغيره فيقول : « ومن شروط المنعوت بالتصوف : أن يكون حكيماً ذا حكمة؛ وإن لم يكن فلا حظَّ له من هذا اللقب »[30] .
- وكلمة ( سوف ) باليونانية تعني الحكمة كذلك، والفيلسوف هو محب الحكمة، وفق ما ذكر البيروني آنفاً .
فإذا كانت ( الحكمة ) هي ( التصوف )، و ( الحكيم ) هو ( الصوفي ) .. و ( الحكمة ) هي ( سوف )، و ( الحكماء ) هم ( السوفية )، فأي اتفاق بعد هذا ؟
يقول نيكلسون : « بعض الباحثين من الأوروبيين يردها إلى الكلمة الإغريقية : سوفوس، بمعنى ثيوصوفي »[31] .
وكلمة « ثيوصوفي » معناها : الحكمة الإلهية . ( ثيو = إله )، ( صوفي = الحكمة )[32] .
ويقول عبد الواحد يحيى، وهو فرنسي معاصر، أسلم وتصوف : « وأما أصل الكلمة؛ فقد اختلف فيه اختلافاً كبيراً، ووضعت فروض متعددة، وليس بعضها أوْلى من بعض، وكلها غير مقبولة، إنها في الحقيقة تسمية رمزية .

وإذا أردنا تفسيرها، ينبغي لنا أن نرجع إلى القيمة العددية لحروفها، وإنه لمن الرائع أن نلاحظ : أن القيمة العددية لحروف ( صوفي ) تمثل القيمة العدديةلحروف ( الحكيم الإلهي ) . فيكون الصوفي الحقيقي إذن هو : الرجل الذي وصل إلى الحكمة، إنه ( العارف بالله )؛ إذ إن الله لا يُعرف إلا به »[33] .
وتأتي قيمة هذا النص، من كونه في نظر الدكتور عبد الحليم محمود : صوفياً متحققاً بالتصوف، من العارفين بالله [34]، وهذه شهادة من صوفي كبير، لا خلاف في إمامته، وعليه فهذا الفرنسي المسلم المتصوف، إنما يعبر عن التصوف بعمق وإدراك لحقائقه إذن .
ثالثاً : مضمون التصوف يوافق مضمون الفلسفة ( سوفية )، فكلاهما يرميان إلى التشبه بالإله، وهذا يتبين من تعريف ( التصوف ) و ( الفلسفة ) :
- قال الجرجاني : « الفلسفة التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية، لتحصيل السعادة الأبدية، كما أمر الصادق - صلى الله عليه وسلم - في قوله : « تخلَّقوا بأخلاق الله »[35]؛ أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات، والتجرد من الجسميات »[36] .

- وابن عربي يقول :

فاعلم أن التصوف تشبيه بخالقنا لأنه خلق فانظر ترى عجبا[37]

رابعاً : كان عند قدماء اليونان : مذهب روحي يعتنقه النساك والزهاد، ينأون بجانبهم عن الدنيا، ويلجؤون إلى أنواع المجاهدات والرياضات الروحية، يتقربون بأرواحهم إلى خالقهم، لتلقِّي الحكمة والمعارف القدسية، كان يطلق عليهم لقب : ( تيو صوفية )، ومعناه : الحكماء الإلهيون . وإذا تأملنا هذا المذهب، وما يدعو إليه الصوفية، وجدناهما سواء، كما أنهما سواء في اللقب[38] .
خامساً : من هذا القبيل طائفة من الهنود القدامى، كانوا يُعرفون باسم : ( جيمنو صوفيا ) ومعناه : الحكيم العاري . كانوا يقضون حياتهم في السياحة، متأملين الله - تعالى - . وهذا أيضاً مذهب يعتنقه صوفية الإسلام : السياحة، والتأمل[39] .
إذن هي فكرة قديمة، تجتمع كلها في لقب الحكمة ( = صوفية، أو سوفية ) .
ولهذا الرأي إشارة محتملة في كلام القشيري والهجويري، اللذين قررا أنها كلمة جامدة غير مشتقة، وربما سبب جمودها كونها أعجمية .. نعم ! يوجد في العربية ألفاظ جامدة، والكلمات المعرّبة كذلك جامدة، وليس هذا بحثنا، إنما تحرير كلام هؤلاء الذين نفوا اشتقاقها؛ فإنه يحتمل الإشارة إلى أجنبيتها؛ فلنُعِد النظر فيما قاله القشيري والهجويري في هذا المقام :
- قال القشيري : « وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب .. القوم لم يختصوا بلبس الصوف »[40] .
- وقال الهجويري : « واشتقاق هذا الاسم لا يصلح على مقتضى اللغة، من أي معنى »[41] .
- وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره المستشرق نيكلسون بقوله : « ولكن الناظر في التعريفات التي ذكرناها، سيظهر له في وضوح أن الصوفية أنفسهم لم يأخذوا بهذا الرأي؛ فإنا نجد في مقابل كل تعريف ينسب الصوفية إلى لبس الصوف، اثني عشر تعريفاً، يشير إلى اشتقاق كلمة الصوفي من الصفاء »[42] .
إذن النتيجة المهمة هنا :
- أن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .
- ولا يشهد لاسم ( صوفية ) من حيث العربية، قياس ولا اشتقاق .
- والصوفية لم يأخذوا بهذا الرأي .
فالقشيري استظهر أنه لقب، ومنع هو والهجويري أن يكون له أصل لغوي .
كل هذه إشارات إلى أعجمية الكلمة، وإن لم يصرحا بذلك، وإن حاولا التفلت من هذه النتيجة بأشياء، من قبيل تعظيم الاسم أن يكون له جنس يشتق منه، كما فعل الهجويري، غير أن هذا التسليم بمنع اشتقاق الكلمة لغةً، مع استظهار القشيري أنها لقب، يرجِّح أن الكلمة أعجمية، يدل على هذا : أن أحداً من أهل اللغة لم يقل في هذه الكلمة إنها جامدة، كما قيل في لفظ الجلالة « الله » .

بل الذي قالوه إنها كلمة مولدة . يقول أحمد المقرئ :

- « تصوَّف الرجل، وهو صوفي، من قوم صوفية، كلمة مولدة »[43] .
وكأنهما عرفا بذلك، وهذا محتمل، لكن لم يكن من السهولة التصريح بأن أصل الكلمة يونانية فلسفية، تدل على مذهب قديم، له قواعد وأصول معروفة تتشابه مع أصول الصوفية في الإسلام؛ فمثل هذا لا يمكن أن يفصح به إمام صوفي، وإلا كان عوناً على نقض مذهبه .
فالكلمة إذن ليست عربية، بل هي يونانية، أصلها : ( سوفية )، ولما دخلت إلى العربية، بدخول فلسفتها ومضمونها، غُيّر حرف السين فأشبع فصُيّر صاداً، إما عمداً أو اتفاقاً، لقرب المخارج، فدخلت الكلمة في العربية لفظاً ومعنى، ساعد عليه جواز قلب السين صاد في اللغة العربية[44] .
واستفادوا من هذا التحوير : التعمية والتضليل عن أصل الفكرة؛ فهم ( صوفية ) في الظاهر، نسبة إلى اللباس، وفي الباطن ( سوفية ) نسبة إلى الفلسفة اليونانية الهندية . يقول الدكتور عمر فروخ : « كانوا، في حال اجتماعهم مع غيرهم، يحافظون على ظاهر الدين الإسلامي، وعلى فرائضه، أما في خلواتهم، وفيما بينهم، فكان لهم أشياء يستحي العاقل من ذكرها »[45] .

------------------------------------------------
(1) مقدمة التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 4، ويقول أحمد المقرئ : (تصوف الرجل، وهو صوفي، من قوم صوفية، كلمة مولدة) المصباح المنير، ص 134 .
(2) تسعة كتب في أصول التصوف والزهد، ص 365 .
(3) التعرف، ص 27 .
(4) عوارف المعارف، 5/ 84 .
(5) التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 26 .
(6) عوارف المعارف 5/84، ذهب إلى هذا الرأي الكلاباذي في التعرف، وسيأتي كلامه .
(7) انظر : في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص 66 .
(8) التعرف، ص 26 27 .
(9) عوارف المعارف، 5/ 84 .
(10) اللمع، ص 41 .
(11) عوارف المعارف، ملحق بالإحياء 5/83، وقد ذهب إلى هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية
11/195، و ابن خلدون في المقدمة، ص 467 .
(12) صفوة التصوف، ص 154 .
(13) تلبيس إبليس، ص 161 .
(14) تلبيس إبليس، ص 161، 162 .
(15) تلبيس إبليس، ص 163 .
(16) هكذا في الكتاب، ويفترض أن تكون : (صفوية) .
(17) التعرف 27 32 .
(18) عوارف المعارف 5/84، ذهب إلى هذا الرأي الكلاباذي في التعرف، وسيأتي كلامه .
(19) في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص 28، وكلمة (ثيو سوفي) يونانية، معناها الحكمة الإلهية، ثيو (Theism) : الإله؛ سوفي : (Sophy) الحكمة انظر : المعجم الفلسفي 1/ 360 (مادة : التوحيد)، المورد ص 879 مادة (Sophy) .
(20) ومن جهة المعنى كذلك، فلم يكن أهل الصفة متصوفة، ولا خبر لهم بأفكار الصوفية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في إبطال تصوف أهل الصفة انظر الفتاوى 11/37، 71، قال ابن الجوزي : (وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة؛ فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال، وخرجوا، ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل : صفي) تلبيس إبليس ص162، 163 .
(21) الرسالة القشيرية، 2/ 550، 551 .
(22) الرسالة، 2/ 550، 551 .
(**) رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية أن التصوف من لبس الصوف، وجاء هذا المعنى عند بعض المتقدمين كما في تلبيس إبليس، ووجه الاختصاص بالصوف؛ لأنهم يلبسونه على سبيل التزهد والتعبد، وكان النصارى يفعلون شيئاً من ذلك انظر منهاج السنة النبوية، 4/ 43 .
(23) كشف المحجوب، 1/230، 231 .
(24) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ص27، وفي قول البيروني جواب لقول من قال : لو كان (صوفي) مأخوذاً من (سوفيا) لقيل : (سوفي)، انظر التصوف في الإسلام، عمر فروخ، ص 24، 29 .
(25) انظر : التصوف المنشأ والمصادر، ص 33، قضية التصوف، المنقذ من الضلال، ص32 .
(26) ص10، عن كلمة (Mystic) ومعناها، ومرادفاتها في اللغات الأخرى، انظر : المعجم الفلسفي 1/282، 747 .
(27) قطر الولي، ص 181 .
(28) الصوفية الوجه الآخر، ص 47 .
(29) العلم الشامخ، ص 470 .
(30) الفتوحات المكية، 2/ 266 .
(31) الصوفية في الإسلام، ص 11 .
(32) كلمة (ثيو سوفي) يونانية، معناها الحكمة الإلهية، ثيو (Theism) الإله؛ سوفي . (Sophy) : الحكمة انظر : المعجم الفلسفي 1/360 (مادة : التوحيد)، المورد ص 879، مادة (Sophy) .
(33) قضية التصوف، المنقذ من الضلال، عبدالحليم محمود، ص32، وانظر : اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد الرومي 1/359 والمذكور فرنسي الأصل، كان اسمه : رينيه جينو انظر : م س قضية التصوف .
(34) انظر : قضية التصوف، المدرسة الشاذلية، ص 281 .
(35) لا أصل له السلسلة الضعيفة، للألباني، رقم (2822) .
(36) التعريفات ص 73 .
(37) الفتوحات، 2/ 266 .
(38) انظر : أضواء على التصوف، طلعت غنام، ص 66 .
(39) نشأة الفكر الفلسفي، 3/ 42 .
(40) الرسالة، 2/ 550، 551 .
(41) كشف المحجوب، 1/230، 231 .
(42) في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص 28 .
(42) المصباح المنير، ص 134 .
(44) شاهد هذا ما ورد عن أئمة القراءات جواز قراءة قوله تعالى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ) (الفاتحة : 6)، بالسين بدل الصاد .
(45) التصوف في الإسلام، ص 20، 21 .
------------------------------------
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 01-20-2015, 09:43 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة هل التصوف سائغ محمود مقبول ؟

هل التصوف سائغ محمود مقبول ؟
ــــــــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ــــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هــ
20 / 1 / 2015 م
ـــــــــ



كثيراً ما يقع الخلاف بسبب ألفاظ مشتركة، ومصطلحات مجملة تطلق على معان متعددة، ومن ذلك « التصوف » فهو لفظ مجمل، وحمّال وجوه؛ فقد يطلق على معان صحيحة : كالزهد، والورع، وصفاء السريرة، وقد يراد به أوراد بدعية وعبادات محدثة، كما يراد به الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، مما هو من مقالات أهل الزندقة والإلحاد .
ولما كان أهل السنة والجماعة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فقد بيّنوا ما في هذا التصوف من إجمال يحتاج إلى تفصيل، وتحدّثوا بعلم وعدل عن مفهومه وإطلاقاته .
يقول ابن تيمية : « لفظ التصوف قد أُدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سميت تصوفاً؛ لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر »، وقد أُدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يُدخِل فيه بعضهم نوعاً من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعاً من الرهبانية المبتدعة في الإسلام .

والمؤمن الكيّس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا فيه الله ورسوله ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله »[1] .
وقال الشاطبي : « وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صحّ بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم .
ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولاً، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم؛ لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين » .
ثم ساق الشاطبي - رحمه الله - المعاني الصحيحة والفاسدة في التصوف[2] .
وإذا أردنا أن نحدد نوعية التصوف الحاضر الآن فلا بد أن نتعرّف على واقع طرق التصوف وأحوالها وأدبيّاتها، وأن نستبين مقالات أرباب التصوف المعاصرين؛ وبذلك نحدد نوعية التصوف السائد في كثير من الأمصار .
فلا يقتصر على إجابة مجملة وعائمة، لا تعالج واقعاً حاضراً، ولا تشفي عليلاً، بل ربما كانت تنصلاً عن تشخيص الواقع والحكم عليه .
وهذا ما ارتكبه بعض فضلاء هذا العصر؛ حيث قرروا « الصوفية الحقة » التي كان عليها الجنيد و الفضيل - رحمهما الله تعالى - ونحوهما؛ فأوقعوا بذلك التقرير لبساً وشكاً في انحراف الصوفية المعاصرة، وتهويناً لحالهم، واسترواحاً لبعض ممارساتهم في التزكية وأحوال القلوب .
مع أن زنادقة الصوفية القدامى مناقضون لمسلك الفضيل والجنيد، فضلاً عن متأخريهم ومعاصريهم؛ فابن عربي الطائي قد أنكر على الجنيد تقريره التوحيد؛ فكان الجنيد - رحمه الله - داعيةً إلى توحيد العبادة، وأما ابن عربي فناعق بوحدة الوجود »[3] .
فصوفية الجنيد والفضيل في ذاكرة التاريخ وبطون الكتب، فليس لها حضور أو ظهور عند الصوفية المعاصرة .
وأما التعويل على كلام شيخ الإسلام وما فيه من تقرير للتصوف الصحيح، فهذا ينطبق على العبّاد الأوائل من أمثال المذكورين - الجنيد والفضيل - ونحوهما .
وأما صوفية عصره، فقد حكى حالهم من خلال واقعهم وصنيعهم، فلم يكتف بمجرد التنظير، أو التقسيم لتصوف صحيح وفاسد، بل كشف شيخ الإسلام ابن تيمية عن مخالفة أولئك الصوفية لأصول ثلاثة كبار : ( التوحيد، والاتباع، والجهاد ) فقد تلبّسوا بالشرك الخفي والجلي، وأحدثوا بدعاً متعددة، « وأما الجهاد في سبيل الله، فالغالب عليهم أنهم أبعد عنه من غيرهم »[4] .
ويقول - رحمه الله - : « وهؤلاء يدّعون محبة الله في الابتداء، ويعظمون أمر محبته، ويستحبون السماع بالغناء والدفوف، ويرونه قربة؛ لأن ذلك بزعمهم يحرّك محبة الله في قلوبهم، وإذا حُقق أمرهم وجدتَ محبتهم تشبه محبة المشركين لا محبة الموحدين؛ فإن محبة الموحدين بمتابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله .
وهؤلاء لا يحققون متابعة الرسول، ولا الجهاد في سبيل الله، بل كثير منهم وأكثرهم يكرهون متابعة الرسول، وهم من أبعد الناس عن الجهاد في سبيل الله، بل يعاونون أعداءه، ويدّعون محبته »[5] .
إن ترك الجهاد في سبيل الله هو النتاج الطبيعي لمذهب يقول بالجبر وتعطيل الشرائع، كما أن إلغاء الجهاد عندهم هو محصلة ما يقررونه في السلوك من تربية المريدين على الاستعباد وعدم الاعتراض على الأشياخ .
يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - : « إن الدّجالين من رجال الطرق الصوفية كانوا يربون أتباعهم على التواضع بشتى الطرق المهينة، فإذا رأوا أنفة في مسلك أحدهم، أو دلائل عزة وترفع، جعلوا عليه مهمة حمل أحذية الجماعة، والمحافظة عليها، حتى تنكسر نفسه، وينخفض رأسه؛ وبذلك يكون مرشحاً لعبادة الله كما يجب .
ولم يَدْر المغفلون أنهم يرشحونه أيضاً ليكون عبداً للناس جميعاً، وأن مثل هذا الكائن الممسوخ هو أمل المستعمرين الذين يقيمون وجودهم على إذلال الأمم، وقتل الشعور بالكرامة في نفوس بنيها »[6] .
وأما كون بعض الحركات الجهادية لا تخلو من تصوف كالحركة السنوسية، فهذه الحركات إنما تُحمد بقدر اتباعها لنصوص الوحيين، وجهاد تلك الحركات باعثه تحقيق التوحيد واتباع سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فما كان التصوف باعثاً للجهاد .
فالسنوسية مثلاً تؤكد على تصحيح العقيدة وفق منهج أهل السنة، وكان أتباعها يتدارسون مقدمة ابن أبي زيد القيرواني، بل إن السنوسي انتقد ممارسات الصوفية في عصره .. كما هو مبسوط في موضعه »[7] .
إن الطرق الصوفية المعاصرة إجمالاً تترنح بين ابتداع ما لم يشرعه الله، وبين شرك ما أنزل الله به من سلطان، وهم في ذلك ما بين مستقلّ ومستكثر؛ ومن ذلك أن واحداً من المتصوفة المعاصرين والجاثمين على أكثر من قناة فضائية، يظهر للعامة والدهماء بصورة الواعظ المشفق، وربما بكى أو تباكى، وقد يدعو مخالفين إلى نقاش هادئ من خلال الكتاب والسنة .
وإذا خلا مع خاصته، تحدّث بلغة « الحقيقة » و « الباطن » فقلب ظهر وظاهر المجن، واستبدل بالنقاش الهادئ إقذاعاً في سبّ مخالفيه ( أهل السنة ) ووصفهم بالبلادة والجهل وانطماس البصيرة، وتجلى كشفه عن فجور في الخصومة مع جهل كثيف بأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فقد يحتج بأحاديث لا تثبت، وقد يردّ الأحاديث الصحيحة، مع تعويل على غرائب حكايات منكرة لا خطام لها ولا زمام .
ثم مع هذا كله فهو داعية إلى الوثنية؛ فقد جوّز دعاء الأموات، وزعم أن من استغاث بعبد القادر الجيلاني فإن عبد القادر يأتي إليه بروحه، أو بروحه وجسده .
ثم تراه ساخراً ومتهكماً بتوحيد العبادة واصفاً إياه بالتوحيد الإبليسي؛ فعلى دعاة الإسلام أن يحذِّروا من أفراخ عمرو بن لحي، وأن يكشفوا عن تلوّنهم وتقلّب آرائهم بين المجلات والقنوات، وبين الزاويا والخلوات، فهذا هو العدل الذي يستحقونه، فالعدل هو أن توضع الأمور في مواضعها، والنقاط على حروفها .
ولعل قارئاً يقول : إن كان التصوف المعاصر ينقض أصلَيِ الإسلام : عبادة الله - تعالى - وحده لا شريك له، واتباع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فما سر انتشاره ؟ فلا شك أن غلبة الجهل بدين الله - تعالى - من أبرز أسباب ذاك الانتشار؛ ولذا فإن أعظم أسباب وأد التصوف بذل الجهود، وتقديم البرامج في تقرير إفراد الله - تعالى - بالعبادة، وإظهار سنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - .
كما أن النفوس المتفلتة من الشرع المنزّل، والمسترسلة مع أهوائها وملذاتها، تجد في التصوف بغيتها، وتلوذ بأقوام يتدينون بالغناء والرقص وصحبة المردان ويجعلون ذلك قربة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : « ولقد حدّثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس لقي شيخاً ( أي المتصوفة ) وقد جمع الناس على اجتماع ( وأحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أحضر )، فقال له : يا شيخ ! إن كان هذا هو طريق الجنة؛ فأين طريق النار ؟ »[8] .
وقال ابن القيم : « وحكى لي شخص آخر أن مغنياً عزم على التوبة، فقيل له : عليك بصحبة الفقراء ( أي الصوفية ) فإنهم يعملون على حصول الأجر، والزهد في الدنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السماع، ولا تكاد التوبة تنتهي إليه، لتزاحمهم عليه فترك صحبتهم، وقال : أنا كنت عمري تائباً ولا أدري »[9] .
وانظر ما يسمى بـ ( طبقات الأولياء ) للشعراني، وما سوّده من كرامات السيد وحيش الذي كان يقارف الفواحش والقاذورات .. ومع الحمير !! وما قام به ولي آخر من خطبة الجمعة وهو عريان؛ أفليس هؤلاء أولياء الشيطان ؟
وانظر ما كتبه الجبرتي عما يحصل في مولد العفيفي ( ت 1172هـ ) من أنواع الخنا والفجور[10] .
ويصف الشيخ عبد الرحمن ال**** - رحمه الله - موالد الصوفية قائلاً : « وسل الأمين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها؛ فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبِّحون بحمد جيفتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام الخمر و « الحشيش » والأجساد التي طرحها الليل على الإثم فجوراً ومعصية »[11] .
إن التصوف الآن أفيون لمتعاطيه؛ فالتصوف غارق في مصطلحات الغناء والسكر والاصطلاح ونحو ذلك مما يحصل به غيبة العقل وزواله، وأرباب التصوف سادرون في الصعق والوجد و « العشق الإلهي » !
ومن أسباب انتشار التصوف ما يتحلى به المتصوفة من خيانة وعمالة للمستعمر، ومسارعة في الخنوع والانبطاح للأنظمة والحكومات .
ومن ذلك أن ( ليون روش ) الفرنسي قام برحلة إلى مصر سنة 1842م متنكراً في زي حاج مسلم، من أجل الحصول على موافقة من العلماء على نص فتوى جاء بها من الجزائر تجعل الجهاد ضد الفرنسيين من باب إلقاء النفس إلى التهلكة، ومن ثم ضرورة الرضا بحكم الفرنسيين في الجزائر، وعدم شرعية المقاومة التي يقودها الأمير عبد القادر الجزائري، وقد شارك ( روش ) في هذه الرحلة وصياغة مجموعة من شيوخ الصوفية[12] .
لذا لا غرابة أن يختار الغربُ التصوف سلاحاً في سبيل مواجهة المدّ السني السلفي .
وإن تفريط أهل السنة وتقصيرهم من أسباب انتشار التصوف، فقد فرّط بعض أهل السنة في تقرير وتحقيق أعمال القلوب، وما يتعلق بمسائل السلوك، وتزكية النفوس، والرقائق مع جلالة هذه الموضوعات، ومسيس الحاجة إلى الاشتغال .
وكذا تفريط بعض إخواننا في دعوة المتصوفة، ومناظرتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والردّ على انحرافاتهم بعلم وعدل . فنسأل الله - تعالى - أن يهدي ضال المسلمين، وأن يثبت مطيعهم وبالله التوفيق .

---------------------------------------------
(1) الفتاوى، 11/28، 29 = باختصار وتصرف .
(2) انظر : الاعتصام، 1/ 265 269 .
(3) انظر : بسط ذلك في الاستقامة، لابن تيمية، 1/ 92، 93، ومجموع الفتاوى، 10/497، ومنهاج السنة، 5/40 .
(4) الاستقامة، 1/268 .
(5) منهاج السنة النبوية، 5/328، 329 = باختصار .
(6) تأملات في الدين والحياة، ص 173 .
(7) انظر : الحركة السنوسية في ليبيا، للدكتور علي الصلابي، 1/ 147 - 174 .
(8) الاستقامة، 1/317 = بتصرف يسير، وانظر : السماع، لابن القيم، ص 342 .
(9) السماع، لابن القيم، ص 342 .
(10) تاريخ الجبرتي، 1/304 .
(11) هذه هي الصوفية، ص 160، 161 = باختصار .
(12) انظر : الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية (من إصدار دارة الملك عبد العزيز بالرياض، 1/ 249، وتاريخ الجزيرة، لمسعود الجزائري، ص 284) .
-------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 01-20-2015, 09:48 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة وَذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً

وَذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً
ـــــــــــــــ

(د. عبد العزيز بن محمد آل عبداللطيف)
ـــــــــــــــــــ

29 / 3 / 1436 هـ
20 / 1 / 2015 م
ــــــــــ




شاهد بعض ملوك فارس اجتماعاً لبعض المتصوفة، وقد أُحضر فيه من الصور الجميلة والأصوات المطربة ما أُحضر، فقال الملك لشيخهم : يا شيخ ! إن كان هذا هو طريق الجنَّة؛ فأين طريق النار ؟[1]
لقد عكف فِئام من المتصوفة على سماع الْمُكاء والتصدية، والمصاحَب بالدفّ والشبابة والمزمار وضرب الأوتار، وإنما حدث هذا السماع بعد القرون المفضَّلة؛ فلما تأخر الزمان وفترت العزائم عن السماع المشروع مما أنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ استعاضوا عنه بالسماع المحدَث من العقائد والأشعار، والنظر إلى الصور المحرَّمة، وتمادوا في ذلك، حتى آلَ أمرهم إلى إنشاد قصائد الحلول والاتحاد ونحوها من البدع المكفِّرة [2] .
ومما استجدَّ في هذا العصر ما يسمى بالأغاني الدينية عند أهل الطرب والمجون؛ فبينما المغني ( يتكسّر ) بلهوه، ويترنَّم بمجونه على المسارح؛ إذا هو بعينه ينشد ( التواشيح الدينية )، ويتواجد في الزوايا والموالد، وبآلات العزف ولحون الغناء نفسها !
وأضحت ( الموالد ) و ( المشاهد ) أوكاراً للسماع المحدث وغناء المجون، واختلاط النساء بالرجال ومقارفة الفواحش .. ومن ذلك : ما سطّره المؤرخ الجبرتي في شأن مشهد عبد الوهاب العفيفي ( ت 1172هـ ) وما يحصل عنده من طرب وفحش فقال : ( ثم إنهم ابتدعوا له موسماً وعيداً في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وأرباب الملاهي والبغايا ... ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً .. )[3] .
ومثال آخر : مشهد الإنبابي بمصر؛ فقد ذكر المؤرخون أن فيه من الفساد ما لا يوصف، حتى إن الناس وجدوا حول هذا المشهد أكثر من ألف جرة خمر فارغة، وأما ما حكي عن الزنى واللواط فكثير لا يحصى[4] .
ومن أواخر هذه البلايا ما حصل في مولد أحمد البدوي بطنطا مصر آخر عام 1428هـ الذي مضى قريباً، من الشرك الصراح، والزعيق والصراخ، ورقص الرجال مع النساء مصحوباً بالمعازف والاختلاط ( والاحتضان )[5] !
ورحم الله الشيخ عبد الرحمن ال**** القائل : ( وسلِ الآمِّين تلك الموالدَ عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها، فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبِّحون بحمد جيفتها، ويحتسون آثام الخمر ( والحشيش )، والأجساد التي طرحها الإثم على الإثم فجوراً ومعصية .. )[6] .
لقد أنكر العلماء السابقون ما وقع عند المتصوفة في عصرهم من الرقص واللهو، والتقرّب إلى الله بذلك؛ فقد سئل الحلواني من علماء الحنفية عمّن سمّوا أنفسهم الصوفية، واختصوا بنوع لِبسة، واشتغلوا باللهو والرقص وادّعوا لأنفسهم المنزلة . فقال : أفتروا على الله، أم بهم جنة ؟!
وقال القرطبي في كتابه ( الُمفهِم ) : ( وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك؛ فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن يُنسب إلى الخير، حتى لقد ظهرتْ من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقحُ بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القُرَب وصالح الأعمال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل المخْرَقة، والله المستعان ) .
فكيف لو أدرك أولئك العلماء صوفيةَ هذا العصر، والمولعين بما هو أشنع وأقبح من أنواع المجون والفحش ؟!
ومع هذا التهتك والتفلُّت عن تحكيم الشرع واتِّباع السُّنَّة، إلا أن أولئك الصوفية أصحاب أمانٍ جامحة ودعاوى عريضة؛ فهم كما يرون أنفسهم أهل الذوق والوجد، وأرباب الصفا والحبّ، لكن هذه الدعاوى سرعان ما تتساقط وتزول عند أدنى ابتلاء أو امتحان، ( غاية الدعوى مع غاية العجز )، فأين الذوق وحبّ الله تعالى عند قوم نقضوا أعظم أسباب ذلك من الاتِّباع والجهاد في سبيل الله ؟!
والتنصُّل عن الصراط المستقيم، والانحلال من ربقة الاتِّباع هو ما تمليه النفوس الجاهلة والتي تركن إلى أهوائها، وتسترْوِح ملذاتها، وتأنف من التسليم والانقياد لأحكام الدين ( وذلك أن النفس فيها نوع من الكِبْر، فتحبّ أن تخرج من العبودية والاتِّباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري - رحمه الله - : ما ترك أحد شيئاً من السُّنَّة إلا لكِبْر في نفسه )[7] .
( وقال ابن عقيل : لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغَام، عَدَلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم )[8] .
إن التصوف بشهادة بعض المعجبين به تفرّد بالتجويد في الموسيقى والغناء، فكانت مجالس الذكر الصوفي مدارس لتخريج المغنين؛ إذ إن الذكر عندهم يكون وَفْق أنغام محددة، وآلات موسيقية[9] !
وسماع الصوفية بأصواته ولحونه له تأثيره على تلك النفوس؛ فهو يؤجج المشاعر ويحرك الوجدان، لكن بلا علم ولا كتاب منير ( ومعلوم أن النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيدة بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافتكّها من أسرها، وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين : إما غليظ كثيف الحجاب، وإما مكابر؛ فمضرة هذا السماع على النفوس أعظم من مضرة حُمَيَّا الكؤوس )[10] .
وهذا السماع وما يتفرع عنه من إنشاد متهتك، وصراخ وتواجد، وتواشيح مبتدَعة؛ لا ينفكُّ عن تشهِّي النساء وأشباههنَّ، بل يتجاوزه إلى الاختلاط والعشق والعناق ...
والمتأمل في العبادات الشرعية كالصلاة والصيام والاعتكاف والحج، يلحظ أن شأن هذه الشهوات ينافي تلك العبادات؛ ففي الصلاة مُنعت المرأة أن تؤمَّ الرجال، وأن تقف في صفهم، بل تتأخر عن صفوف الرجال، وجعل مرورها بين يدي المصلي قاطعاً لصلاته . ومُنِع المحرِم في الحج من النكاح والمباشرة والأسباب الداعية إلى ذلك . وكذلك الاعتكاف نُهي فيه عن مباشرة زوجه، وكذا الصيام؛ كل هذا لتخلو العبادات من التعلق بالنساء وصورهن، ويصير تعلّق القلب كله بالله وحده[11] .
كما أن السماع المحدَث دائر بين الكفر والفسوق والعصيان، بل اشتمل على أكثر ما حرّمه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الله تعالى قال : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (الأعراف : 33) .
فاشتمل هذا السماع على هذه الأمور التي هي قواعد المحرمات؛ فإن فيه الفواحش الظاهرة والباطنة والإعانة على أسبابها، والإثم، والبغي بغير الحق، والشرك بالله، والقول على الله بلا علمِ ما اللهُ به عليم؛ فإنه تنوَّعَ، وتفرَّقَ أهله فيه، لكل قوم ذوق ومشرب يفارقون به غيرهم، حتى في الأشعار والحركات والأذواق، فوقع فيه الاضطراب والاختلاف، وصار أهله من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون[12] .

----------------------------------
(1) انظر : الاستقامة : 1/317، الكلام على مسألة السماع، ص 342 .
(2) انظر : الدرء : 7/290، ومجموعة الرسائل الكبرى : 2/302، والاستقامة : 1/304 .
(3) تاريخ الجبرتي : 1/304؛ باختصار .
(4) انظر : السيد البدوي، لأحمد منصور، 323 .
(5) انظر : مجلة الصوفية الإلكترونية، العدد السادس .
(6) هذه هي الصوفية، 160 161 .
(7) اقتضاء الصراط المستقيم : 2/612، والمنهاج : 5/332 .
(8) تلبيس إبليس، ص 450 .
(9) انظر : التصوف الإسلامي، لزكي مبارك، ص 189 - 199 .
(10) الكلام على مسألة السماع، ص 333، وانظر : الاستقامة : 1/378 - 306 .
(11) انظر : الاستقامة : 1/314، والسماع لابن القيم، ص 341 .
(12) انظر : الاستقامة : 1/310، والسماع، ص 337 .
------------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الصوفية

« العلاقات الدولية في الفكر السياسي الإسلامي | مذهبة الصراعات الإقليمية في المشرق »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البوذية وعلاقة الصوفية بها عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 08-03-2014 07:48 AM
آراء الصوفية في أركان الإيمان عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 07-26-2014 06:34 AM
الصوفية ولعبة المصالح والاستغلال عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 06-01-2014 06:34 AM
الصوفية في إيران عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 02-17-2014 09:06 AM
تورط الفرق الصوفية فى نشر التشيع فى مصر Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 12-15-2012 11:22 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:33 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68