تذكرني !

 





شخصيات عربية وإسلامية علماء ومفكرين شعراء وأدباء ومشاهير

أورانج زيب الرجل الفذ في الموقف الصعب

"أورانج زيب" الرجل الفذ في الموقف الصعب ــــــــــــــــــــــ (يحيي بركات) ــــــــ 26 / 5 / 1436 هــ 17 / 3 / 2015 م ــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-17-2015, 08:40 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 18,005
ورقة أورانج زيب الرجل الفذ في الموقف الصعب


"أورانج زيب" الرجل الفذ في الموقف الصعب
ــــــــــــــــــــــ

(يحيي بركات)
ــــــــ

26 / 5 / 1436 هــ
17 / 3 / 2015 م
ــــــــــــ

أورانج الرجل الفذ الموقف الصعب 4056.jpg


خلق الله للحروب رجالا .. ورجالا لقصعة وثريد ...

هكذا قالت العرب منذ فترة طويلة جدا، في بيت من موروثاتها المتناقلة القديمة التي تؤصل لفكرة مهمة وهي أن الرجال يعرفون بمواقفهم لا بسماتهم الشكلية أو الجسمانية فحسب، وأن قوة البدن وعظم الخلقة وجمال الهيئة لا يكفون وحدهم كدلالة على الرجولة الحقيقية التي تحتاجها الأمة في جميع مراحلها من القادة الحقيقيين لها.

وخلق الله المرأة للرجل لتكون سكنا لنفسه وليستريح من مشقة الحياة ومتاعبها معها لفترة ثمن يعاود بنشاطه مرة أخرى ولتقوم هي أيضا بمهامها التي أوكلها الله إليها، ولكن أن يركن إليها الرجل –وخاصة إن كان في موقع الحكم والمسئولية– ويترك أعظم المهام من اجل أن يأنس بامرأته ويضيع مصالح المسلمين فهذا غير مقبول منه وينبغي عليه حينئذ أن يترك مكانه لغيره وليتفرغ كما شاء ليأنس بمن يشاء دون تضييع حق الأمة.

والتاريخ الإسلامي زاخر بالرجال القادة الذين قاموا بمهام ومسئوليات قيادتهم للأمة في جميع مراحل عمرها الممتد لخمسة عشر قرنا من الزمان وعلى اختلاف واتساع رقعتها من المشرق إلى المغرب.

وإذا كنا نحن كمسلمين نتذكر بأسى محنة سقوط الأندلس وتبكي عيوننا دما عليها، فان القلة القليلة تذكر أن هناك مأساة أخرى لا تقل عنها أهمية وقوة عن مأساة ضياع الأندلس، وهي أن شبه القارة الهندية ظلت لمدة تزيد عن الثمانية قرون وهي تحكم بالإسلام منذ عهد السلطان الأفغاني المجاهد محمود الغزنوي عام (392هـ، 1001م).

فأقام الغزنوي دولة حكمها الإسلام وتعاقبت من بعده الممالك حتى جاءت إمبراطورية المغول المسلمين التي أسسها ظهير الدين بابر في النصف الأول من القرن العاشر الهجري، فحكمت وحدها الهند بالإسلام نحو ثلاثة قرون كآخر دولة إسلامية حتى احتلت بريطانيا الهند وقضت على مظاهر الإسلام فيها وقضت على الحكم الإسلامي.

ومن هؤلاء الحكام من كان من أهل الصلابة والقوة ومنهم من كان من أهل الضعف لأسباب عدة يمكن جمعها في غلبة حرصهم على مباهج الدنيا وفتنها وزينتها حتى ولو كانت هذه المباهج متاحة مباحة، فكان إسرافهم فيها السبب الأول في ضعفهم وضعف هيبة مملكة المسلمين في أعين أعدائهم.

فكان من هؤلاء السلطان "شاه جهان" الذي أسرف في حب زوجته "ممتاز محل" والتي كلف بها حتى أخذت كل وقته وتفكيره حتى بنى لها عند وفاتها ضريحا يعتبر احد أهم وأجمل التحف المعمارية في العالم وهو مبنى "تاج محل" أحد روائع الفن المعماري وأحد عجائب الدنيا.

ومع أن الرجل لم يرتكب منكرا شرعيا في كلفه وعشقه لزوجته وحزنه عليها بعد وفاتها إلا أن عشقه لها وانشغاله بها أضعف الدولة الإسلامية كثيرا وتراخت قبضتها في مواجهة أعدائها وكثر طمع الطامعين فيها من الخارج والداخل، فأضحى كل غيور على الدين والملة والأمة متمنيا تنحية هذا السلطان وتولية غيره مكانه ليعيد هيبة امة الإسلام في الهند في مواجهة أعدائها.

ولم يكن هناك أحرص ولا أقدر على ذلك من ولده "أورانج زيب عالمكير" الذي استطاع تنحية والده عن الحكم فأعاد للأمة الإسلامية عامة وللمسلمين في الهند خاصة إشراقة الملوك الكبار والخلفاء العظام، ونجح في إنشاء حكومة قوية أمسكت بتلابيب كل الأمور وحلت غالب المشكلات الذي تسبب فيها والده ونهض بالدولة نهضة عظيمة مستمدا قوته من تمسكه بالسنة النبوية، فقد كان لقبه "عالمكير" الذي اشتهر به معناه المحيط بالعلم، فأشرف بنفسه على الموسوعة المعروفة بالفتاوى الهندية أو العالمكيرية نسبة إليه، فضلا عن كونه عادلا وزاهدا، حكم الهند نحو خمسين سنة كانت من أزهى عصور الإسلام في الهند، ولم يأت بعده وربما قبله في الهند مثله حتى لقبه كثيرون منهم الشيخ علي طنطاوي ببقية الخلفاء الراشدين إعجابا بسلوكه وقوته مع تقواه وورعه وعلمه وحسن عبادته.

ووصفه المحبي في خلاصة الأثر "وأورنك زيب": ممن يوصف :بـ الملك العادل الزاهد، وبلغ من الزهد مبلغا أناف فيه على ابن أدهم – أي إبراهيم بن أدهم الزاهد المشهور- فإنه مع سعة سلطانه يأكل في شهر رمضان رغيفا من خبز الشعير من كسب يمينه ويصلى بالناس التراويح، وله نعم بارَّة، وخيرات دارَّة جدا، وأمر من حين ولى السلطنة برفع المكوس والمظالم عن المسلمين، ونصب الجزية بعد أن لم تكن على الكفار، وتم له ذلك مع أنه لم يتم لأحد من أسلافه أخْذُ الجزية منهم؛ لكثرتهم وتغلبهم على إقليم الهند، وأقام فيها دولة العلم، وبالغ فى تعظيم أهله وعظمت شوكته، وفتح الفتوحات العظيمة، وهو مع كثرة أعدائه وقوتهم غير مبال بهم، مشتغل بالعبادات، وليس له في عصره من الملوك نظير في حسن السيرة والخوف من الله تعالى والقيام بنصرة الدين رحمه الله تعالى. [1]

خطوات اورانج زيب الإصلاحية
---------------------

بعد هذه الفترة التي سبقته والاهتراء الذي كانت عليه الدولة الإسلامية في الهند وجرأة المتجرئين عليها واجهت أورانج زيب عدة عقبات كثيرة تغلب عليها بفضل الله بتوكله عليه سبحانه وحسن إدارته للأمور، فواجه مشكلاته الداخلية والخارجية بعدة أمور منها:-

- مشكلته مع أسرته.
-----------------

كانت مشكلته الأولى مع والده نفسه ومع شقيقه، حيث عانى أورانج زيب من صراع كبير بين بره بأبيه وإحسانه وهو الفريضة الإسلامية وبين حال الأمة الذي يتدهور يوما بعد يوم وخاصة بعد دخول والده في حالة حزن كبيرة إصابته بعد وفاة زوجته ممتاز محل فلم يلتفت للبلاد ولا للأعداء المتربصين بها، وكان من إخوته من يريد القفز إلى كرسي السلطنة استغلالا لضعف الأب منهم شقيقه "داراشكوه" الذي كان يعتنق مذهبا غريبا يسمى بـ "المذهب الإلهي"، وهو خليط بين النصرانية والبوذية والهندوسية والإسلام، فلم يجد أورانج زيب بدا من وضع والده تحت إقامة جبرية في أحد القصور ومعه من يخدمه ويقوم برعايته عدد من الموالي والجواري دون أن يتدخل في الحكم، ثم حارب شقيقه حتى سلم له أمر الهند، ورغم هذا ظل أورانج زيب سني عمره كلها يدعو الله أن يسامحه على ما رأى أنه قد عق أباه به.

- إحياء الأمة برفع المظالم.
----------------

كانت المظالم منتشرة في بلاده بصورة كبيرة قبله وبعده وحتى اليوم لا تزال الهند تعج بالمظالم الناتجة عن التفاوت الطبقي الكبير بين أفراد مجتمعها، فعلم أورانج زيب بان الله عز وجل جعل العدل ضمانة لصيانة الملك، تنفيذا لأوامر الله ولسنة رسوله واسترشادا بنصيحة خامس الخلفاء الراشدين حينما كتب إليه أحد ولاته يطلب منه أن يُقطعه مالا (أي يحدد له ميزانية) لترميم المدينة التي يتولى أمرها، ويبني حولها سورا يحصّنها به.

فكتب إليه الخليفة عمر بن عبد العزيز ردّا يقول فيه "بل حصّنها بالعدل، ورمّمها بتنقية طرقها من الظلم" [2]، فرفع أورانج زيب الكثير من المكوس والضرائب التي كانت تثقل كاهلهم وتدفعهم إلى إعادة تصدير الظلم فيما بينهم.

- إماتة البدع والمنكرات.
------------------

علم أورانج زيب أن قوة الأمة في حسن صلتها بالله وأن ضعفها سببه الأول بعدهم عن الله سبحانه عن طريق الشبهات والشهوات فأبطل الاحتفال بالأعياد الوثنية مثل عيد النيروز وغيره ومنع عادة تقبيل الأرض بين يديه والانحناء له كما منع التزلف إليه بالخطب الطويلة التى تقال عادة تحية للسلطان وألزم الجميع بالاكتفاء بتحيته بتحية الإسلام ومنع دخول الخمر إلى بلاده وصرف أهل الموسيقى والغناء عن بلاطه، فاستعادت الأمة عافيتها كما يستعيد المريض المشرف على الهلاك وعيه ثانية.

- إحياء الأمة بالعلم الشرعي.
-------------------

بدأ أورانج زيب بالتخلي عن كل المنكرات والشبهات فأعاد للأمة وعيها وبدأت تبحث عن دروب البناء بعد هدم الباطل فأخذ أورانج زيب بأيديهم نحو الاستضاءة بنور العلم الشرعي بدين الله سبحانه، فقد كان رحمه الله عالما حنفيا جليلا ذا قدم راسخة في أصول مذهب الأحناف ومع هذا كان أيضا شاعرا فصيحا له معرفة واسعة بكثير من العلوم وفنون الأدب.

فأمر أورانج زيب بتعمير المساجد وإمدادها بالعلماء والوعاظ وأجرى عليهم وعلى طلابهم من الرواتب ما يشجعهم على الاستمرار في طلب العلم والتفرغ له وشجع غيرهم على الالتحاق بهم، وأقام نظام الحسبة ودعمه بنفسه وبمال الأمة حتى تقام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي صمام أمان الأمة، وأشرف بنفسه كعالم فقيه وليس كسلطان على كتابة "الفتاوى الهندية" فاستيقظت العقول والقلوب بعد خمولها ودعتها وأضحت الأمة مستعدة للتي تليها طيعة لينة محبة للبذل في سبيل إرضاء الله ومحبة للشهادة في سبيله.

- إحياء الأمة بالجهاد.
----------------

بعد أن صُححت عقيدة الأمة وأبطلت البدع والمنكرات ورفعت المظالم وأحييت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشر العلم نادى أورانج زيب الأمة بالجهاد لمواجهة طوائف الهندوس لخروجها على النظام وإثارتها للفتن والقلاقل وطمعها في ارض المسلمين وإغارتها عليها ولارتكابهم المظالم ضد أهلها، فقال المرادي: "وقام بنصرة الدين وأخذ الجزية من كفار الهند، ولم يأخذها منهم ملك قبله لقوتهم وكثرتهم ! وفتح الفتوحات العظيمة، ولم يزل يغزوهم، وكلما قصد بلداً سلكها ولم يزل في الاجتهاد في الجهاد، ولم يرجع إلى مقر ملكه وسلطنته بعد أن خرج منه، وكلما فتح بلاد أشرع في فتح أخرى، وعساكره لا يحصون كثرة، وعظمة وقوته لا يمكن التعبير عنها بعبارة تؤديها حقها ! والملك لله وحده" [3]

وفاته رحمه الله.
------------

وبعد عمر ناهز 90 سنة قضى منها 52 سنة حاكما على البلاد ملأها بالجهاد والعدل والعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزع فيها أوقاته كما وصفها المرادي في سلك الدرر: "وقت للعبادة ووقت للتدريس ووقت لمصالح العسكر ووقت للشكاة ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كل يوم وليلة"، فبعد هذه الحياة الحافلة بالإنجازات والمآثر العظيمة يُتوفى رحمه الله في ذي القعدة 1118 هـ / فبراير 1707م، وأوصى حين حضره أجله بأن يُدفن في أقرب مقابر للمسلمين وألا يزيدوا في ثمن كفنه عن خمس روبيات فحسب، فكفن في كفن اشتراه من كسب يده من ثمن طواقي كان يغزلها بيده ويبيعها سرا، ولم تزد تركته عن 300 روبية فقط وأوصى بها أيضا قبل موته للفقراء.

رحم الله هذا البطل المجاهد الذي أعاد للأمة نور وبهاء عصر الراشدين ورزق الله امة الإسلام من يقتفي أثره ويسلك مسلكه، فحاجة الأمة إلى أمثاله عظيمة لتنهض من كبوتها التي وقعت فيها منذ عشرات السنين.

ــــــــ

[1] خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد المحبي

[2] تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 223، 224

[3]: " سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر ، محمد خليل بن علي المرادي أبو الفضل

---------------------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


H,vhk[ .df hgv[g hgt` td hgl,rt hgwuf hgauf

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أورانج, الموقف, الرجل, الشعب, الفذ

« حارث الضاري مرشد المقاومة العراقية | العلامة محمد الخضر حسين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموقف الميداني في العراق عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات 0 06-17-2014 06:33 AM
الموقف الإسرائيلي من قضية القدس عبدالناصر محمود أخبار الكيان الصهيوني 0 02-04-2014 08:21 AM
الاستهتار فى صناعة الموقف والقرار عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 12-18-2013 08:20 AM
الشاعر الفذ هاشم الرفاعي ابراهيم الرفاعي أدبيات 2 06-26-2012 12:43 PM
سلوك الرجل الأوربي مع الشعب الجزائري عبدالناصر محمود التاريخ الإسلامي 2 02-26-2012 11:05 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:25 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73