تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 04-13-2015, 07:20 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة عصمة الأئمة بين أهل السنة والشيعة من خلال (منهاج السنة النبوية)

عصمة الأئمة بين أهل السنة والشيعة من خلال (منهاج السنة النبوية)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(أحمد بن عبدالرحمن الصويان)
ــــــــــــــــــ

24 / 6 / 1436 هــ
13 / 4 / 2015 م
ـــــــــــ




من الكتب الجليلة التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله): (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)، ردّ فيه على كتاب: (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة) لابن المُطَهّر الحلي الرافضي، وقد طبع أخيراً بعناية الدكتور محمد رشاد سالم (رحمه الله)[*]، وتأتي أهمية هذا السفر الجليل لعدة أسباب، أذكر منها:

1- أنّ الشيعة من أقدم الفرق ظهوراً في التاريخ الإسلامي، ومن أكثرها انتشاراً في العصر الحاضر.

2- أن ابن تيمية اهـتم بالردّ عليهم معتمداً على النقل الدقيق من أكثر كتبهم رواجاً وانتشاراً في عصره.

3- أن ابن المطهر الحلي الذي ردّ عليه ابن تيمية كان يُعدّ عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل يقول بعضهم: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقاً [1].

4- يُعدّ كتاب (منهاج السنة النبوية) من أوسع كتب أهل السنة وأجمعها في الرد على الشيعة الإمامية خاصة، وقد استوعب ابن تيمية فيه الرد على كثير من شبهاتهم وافتراءاتهم التي كانوا وما زالوا يرددونها، ويكتبون فيها الرسائل والمدونات.

5- وحيث إن مذهب الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنّهم جهمية في الصفات، قدرية على مذهب المعتزلة، رافضة في الصحابة [2] فإن ابن تيمية استطرد استطرادات نفيسة للرد على الجهمية والمعتزلة والفلاسفة.. وغيرهم من طوائف المبتدعة ورؤوس الضلال.
وقد ناقش ابن تيمية في هذا الكتاب مسائل متعددة أثارها ابن المطهر في أبواب مختلفة، ولعلّ من أهم هذه المسائل وأجمعها:

أولاً: منزلة الصحابة (رضي الله عنهم أجمعين)، ومواقفهم بعد وفاة النبي، والرد على المطاعن والأكاذيب التي ذكرها ابن المطهر.

ثانياً: الإمامة والعصمة.

ثالثاً: منهج أهل السنة في الصفات والقدر، ومقارنته بمنهج الرافضة وأشياخهم المعتزلة، والرد على أكاذيبهم ومخازيهم.
وسوف أقتصر في هذه المقالة على مقارنة مختصرة بين منهجي أهل السنة والرافضة في عصمة الأئمة من خلال هذا السفر الجليل.

عصمة الأئمة عند الشيعة:
-----------------

لعل موضوع الإمامة هو الموضوع الرئيس الذي يدور حوله كتاب ابن المطهر: (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة)، ولذا: فإنه أبرز الموضوعات التي تكلم عنها فيما بعد شيخ الإسلام ابن تيمية في: (منهاج السنة النبوية)، وسوف أشير في هذا المبحث إلى منهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم، ثم أختمه ببيان منهج أهل السنة في العصمة.

* أقسام الأئمة الاثني عشر:
----------------------
ذكر ابن تيمية أن: (أصول الدين عند الإمامية أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، فالإمامة هي آخرالمراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ذلك) [3].

ويقسم ابن تيمية الأئمة الاثني عشر أربعة أقسام:

القسم الأول: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين (رضي الله عنهم) وهم صحابة أجلاء، لا يُشَكّ في فضلهم وإمامتهم، ولكن شَرِكَهُم في فضل الصحبة خلق كثير، وفي الصحابة من هو أفضل منهم [4] بأدلة صحيحة عن النبي.

القسم الثاني: علي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر [5]، وهؤلاء من العلماء الثقات المعتد بهم، وقد أشار ابن تيمية في مواضع عديدة إلى تقديرهم ومحبتهم، وجواز تقليدهم لمن عجز عن الاستدلال، حالهم في ذلك كحال بقية علماء الأمة [6].

القسم الثالث: علي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي بن موسى الجواد، وعلي بن محمد بن علي العسكري، والحسن بن علي بن محمد العسكري.
وقد أثنى ابن تيمية على الأئمة الثلاثة: علي بن الحسين، وابنه أبي جعفر، وجعفر بن محمد، ثم قال: (وأما من بعد الثلاثة كالعسكريين، فهؤلاء لم يظهر عليهم علمٌ تستفيده الأمة، ولا كان لهم يدٌ تستعين بها الأمة، بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين، لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين، وأما ما يختص به أهـل العلم، فهذا لم يُعرف عنهم، ولهذا: لم يأخذ عنهم أهل العلم كما أخذوا عن أولئك الثلاثة، ولو وجدوا ما يُستفاد لأخذوا، ولكن طالب العلم يعرف مقصوده) [7].

القسم الرابع: محمد بن الحسن العسكري المنتظر.

وهذا من غرائب الشيعة، حيث لم يُرَ له عينٌ ولا أثر، ولا سُمع له حسّ ولا خبر.
والشيعة يجعلون له مشاهد ينتظرونه عندها، كمشهد سامراء [8].!
أصول الشرعيات عند الرافضة وغلوهم في الأئمة:
ذكر ابن تيمية في عدة مواضع: أن الرافضة الإمامية أصّلوا لهم أصولاً اعتمدوها في كلّ ما يُنقل عن أئمة البيت، وهذه الأصول هي:

الأصل الأول: أن هؤلاء الأئمة معصومون كعصمة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الأصل الثاني: أن كل ما يقوله هؤلاء الأئمة منقولٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الأصل الثالث: أن إجماع العترة حجة، ثم يدّعون أن العترة هم الاثنا عشر، ويدعون أن ما يُنقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه [9].

قال ابن تيمية بعد أن ذكر هذه الأصول: (فهذه أصول الشرعيات عندهم، وهي أصول فاسدة كما سنبين ذلك في موضعه، لا يعتمدون على القرآن ولا على الحديث ولا على الإجماع، إلا لكون المعصوم منهم، ولا على القياس وإن كان واضحاً جليّاً) [10].
فالرافضة إذن بالغوا في أئمتهم، وجعلوا: (الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين) [11]، بل إنهم جعلوا الإمامة: (أحد أركان الإيمان) [12].
ومن غلوّ الرافضة في الأئمة: اعتقادهم أن (كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال) [13].
والرافضة: (تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء، لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدتها النصارى في المسيح) [14].
(وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم) [15].
ولهذا: فإن الغلو لا يوجد في (طائفة أكثر مما يوجد فيهم، ومنهم من ادعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي -صلى الله عليه وسلم- وادعى العصمة في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف) [16].
وتزعم الرافضة أن (كل ما أفتى به الواحد من هؤلاء فهو منقول عنده عن النبي -صلى الله عليه وسلم-) [17].
ثم ترتب على هذا الغلو أن (الرافضة تزعم أن الدين مُسَلّم إلى الأئمة، فالحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه) [18].
وحقيقة قول الرافضة: أنهم (يُريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول الذي بعثه الله إلى جميع المؤمنين، بمنزلة القرآن والمتواتر من السنة) [19].
ومن عجائب بعضهم: ترجيحهم للقول الذي لا يُعرف قائله؛ لأنّ المنتظر المعصوم يقول به. فكان دينهم مبنيّاً على مجهول ومعدوم..! [20]

انحراف الرافضة في الأئمة:

مع ذلك الغلو والتعظيم الشديد للأئمة، فإن الرافضة وقعوا في الأمور التالية:

الأمر الأول: اختلافهم في تعيين الأئمة:
-----------------------

اختلفت الرافضة في تعيين أولئك الأئمةاختلافاً متبايناً، وكل فرقة من فرقهم تدعي أنها هي التي على الحق، بدون حجة أو برهان [21].

الأمر الثاني: مخالفتهم لأئمتهم:
-----------------

مع أن الرافضة يغلون في الأئمة وتعظيمهم، إلا أنهم لم يأخذوا بأقوالهم، ولم يقتدوا بهم؛ ولهذا قال ابن تيمية: (لا نُسلّم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت: لا الاثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي (رضي الله عنه) وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة... والنقل بذلك مستفيضٌ في كتب أهل العلم، بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علماً ضروريّاً بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم) [22].
الأمر الثالث: أن الرافضة لا يهتمون بتمييز المنقولات عن الأئمة، ولا خبرة لهم بالأسانيد ومعرفة الثقات:
قال ابن تيمية: (وعمدتهم في الشرعيات ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت، وذلك النقل منه ما هو صدق، ومنه ما هو كذب عمداً أو خطأً وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث) [23].

الأمر الرابع: كذب الرافضة على أئمتهم:
------------------------

لم يقف الرافضة مع أئمتهم عند حد القصور في تمييز المنقولات عنهم، بل تعدوه إلى الكذب والافتراء؛ قال ابن تيمية: (الكذب على هؤلاء [يعني: الأئمة الاثني عشر] في الرافضة أعظم الأمور، لا سيما على جعفر بن محمد الصادق، فإنه ما كُذب على أحدٍ ما كُذب عليه، حتى نسبوا إليه: كتاب الجَفْر والبطاقة، والهفت.
وفي الجملة: فمن جرّب الرافضة في كتابهم وخطابهم علم أنهم من أكذب خلق الله، فكيف يثق القلب بنقلِ من كثر منهم الكذب قبل أن يعرف صدق الناقل؟) [24].


الأمر الخامس: اتباع الرافضة لشيوخهم لا لأئمتهم:
-------------------------

قال ابن تيمية: (إن الأئمة الذين يُدّعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمئة وخمسين سنة، وعند آخرين هو معدوم لم يوجد، والذين يُطاعون شيوخٌ من شيوخ الرافضة، أو كتب صنفها بعض شيوخ الرافضة، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين، وهؤلاء الشيوخ المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق، ولا مقطوعاً لهم بالنجاة.
فإذن: الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم، فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ولا بنجاة أئمتهم الذين يُباشرونهم بالأمر والنهي، وهم أئمتهم حقّاً، وإنهم في انتسابهم إلى أولئك بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة، ولا يدرون بماذا أمر، ولا عن ماذا نهى، بل له أتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه وأن يتخذوهم أرباباً) [25].

الأمر السادس: سخافة قول الرافضة في أئمتهم:
-------------------------

مع أن الإمامة عند الرافضة من أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل المسلمين، إلا أنهم: (قد قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين) [26].
وقال ابن تيمية أيضاً: (ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه يعني: المنتظر، لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في سرداب، ليس له عمل ولا خطاب، ولو كان موجوداً بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء الناس يعلمون أنه ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ولم يُعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما من أهل العلم بالنسب؟!..) [27].

الأمر السابع: شرك الرافضة في أئمتهم:
----------------------------

من غلوّ الرافضة في الأئمة: أنهم حوّلوا حبهم لهم إلى شرك وعبادة لغير الله (تعالى)، قال ابن تيمية: (.. وكذلك الرافضة غلوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذّبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم، فتجدهم يُعطلون المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فلا يصلون فيها جمعة ولا جماعة، وليس لها عندهم كبير حُرمة، وإن صلوا فيها صلوا وحداناً، ويُعظمون المشاهد المبنية على القبور، فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا)..) [28].
(وقد صنف شيخهم ابن النعمان، المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ الموسوي والطوسي كتاباً سماه: (مناسك المشاهد)، جعل قبور المخلوقين تُحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يُطاف إلا به، ولا يُصلى إلا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر بما ذكروه من أمر المشاهد، ولا شرع لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين، بل هذا من دين المشركين) [29].
منهج أهل السنة في العصمة:
بعد هذا العرض لمنهج الرافضة في التلقي عن أئمتهم وأشياخهم، أنتقل إلى عرض منهج أهل السنة في هذا الباب:

أولاً: الطاعة المطلقة لا تكون لمخلوق إلا للرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين):
--------------------------

قال ابن تيمية: (والرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المبلغ عن الله أمره ونهيه، فلا يُطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو، فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله يُدعى مع مغيبه وبعد موته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يُريد وينهى عما يُريد كان الميت مُشبّهاً بالله (تعالى) والحي مشبّها برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله) [30].
وقال أيضاً: (المعصوم تجب طاعته مطلقاً بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد، والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة؛ قال (تعالى): } وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً{ [الجن: 23]، فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قُدّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي فرق به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره.
ولهذا اتفق أهـل العلم (أهل الكتاب والسنة) على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة، كما قال (تعالى): } فَلَنَسْئَلَنَّ الَذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ{ [الأعراف: 6]..) [31].

ثانياً: أهل السنة لا ينتصرون إلا لقول الرسول:
-----------------------

قال ابن تيمية: (فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يغضبون لقول غيره، إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله) [32].

ثالثاً: ليس أحدٌ من البشر واسطة بين الله وخلقه في الخلق والرزق: قال ابن تيمية: (ليس أحد من البشر واسطة بين الله وخلقه في رزقه وخلقه، وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل. وأما خلقه ورزقه، وهداه ونصره، فلا يقدرعليه إلا الله (تعالى)، فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلاً، بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أو غيرهم، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف في البشر، وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر، أو أن أحداً من البشر يتولى ذلك كله، ونحو ذلك، فهذا كله باطل) [33].

رابعاً: الردّ عند التنازع لا يكون إلا لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم-: ذكر ابن تيمية قول الله (تعالى): { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء: 59]، ثم قال: (فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأمرهم بالرد إليه، فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا الرسول -صلى الله عليه وسلم-) [34]. وقال في موضع آخر: (فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصاً معصوماً غير الرسول-صلى الله عليه وسلم-، أوجب ردّ ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول-صلى الله عليه وسلم-، وهذا خلاف القرآن) [35].

خامساً: مقالة أهل السنة في العصمة:
-------------------
ذكر ابن تيمية بأن أهل السنة: (متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله (تعالى)، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقرّ في ذلك شيء من الخطأ) [36].
ولهذا فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (معصومٌ في التبليغ بالاتفاق، والعصمة المتفق عليها: أنه لا يُقر على خطأ في التبليغ بالإجماع) [37].
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المعصوم: (الذي لا ريب في عصمته، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي فرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والنور والظلمة، وأهل السعادة وأهل الشقاوة..) [38].
من أجل ذلك فإن أهل الحديث: (جعلوا الرسول الذي بعثه الله إلى الخلق هو إمامهم المعصوم، عنه يأخذون دينهم، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وكل قول يخالف قوله فهو مردود عندهم وإن كان الذي قاله من خيار المسلمين وأعلمهم وهو مأجور فيه على اجتهاده، لكنهم لا يُعارضون قول الله وقول رسوله بشيء أصلاً: لا نقل نُقل عن غيره، ولا رأي رآه غيره.
ومن سواه من أهل العلم فإنما هم وسائط في التبليغ عنه: إما للفظ حديثه، وإما لمعناه، فقوم بلغوا ما سمعوا منه من قرآن وحديث، وقوم تفقهوا في ذلك وعرفوا معناه، وما تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول) [39].

سادساً: لا عصمة لأحدٍ بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم-: قال ابن تيمية: (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم-، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ) [40].

سابعاً: العصمة لمجموع الأمة:
-------------------

قال ابن تيمية: (والله (تعالى) قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن يجعل عدداً من العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا: لما كان في قول بعضهم من الخطأ في مسائل، كبعض المسائل التي أوردها، كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً) [41].
وقال أيضاً: (.. فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول، وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع، فإنما يُخالف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفاً للسنة الثابتة..) [42].
وقال أيضاً في بيان الواجب على المسلم: (ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً عاماً، إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاًعاماً، إلا للصحابة (رضي الله عنهم أجمعين)؛ فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يُجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسلّماً إلى عالم واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم..) [43].
ثامناً: طاعة الأئمة والولاة في المعروف لا في المعاصي:
قال ابن تيمية: (.. النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً، كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقاً، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته، وهذا يُبيّن أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا معصومين..) [44].
وذكر أيضاً أن أهل السنة: (لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يُجوّزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلاً، وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه مثل: أن يأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق، والعدل، والحج، والجهاد في سبيل الله فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم يَجُز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق، فأهل السنة لا يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما قال (تعالى): { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] فأمر بطاعة الله مطلقاً، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله: { مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [النساء: 80]، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: { وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة، لأن ولي الأمر لا يُطاع طاعة مطلقة، إنما يُطاع في المعروف) [45].
----------------------------------------------------
(*) طبع طبعة علمية محققة، مراجعة على ثلاثة عشر مصدراً خطيّاً، بالإضافة إلى مراجعته على طبعة بولاق، وعلى كتاب (منهاج الكرامة) لابن المطهر، المطبوع في إيران عام 1880م، وظهرت هذه الطبعة في تسعة مجلدات كبار، خصص التاسع منها للفهارس، ونشرته جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض.
(1) (4/127) و (5/461).
(2) انظر: (4/131) و (8/10).
(3) (1/99) وانظر: (3/484).
(4) انظر: (1/169).
(5) موسى بن جعفر قد يُلحق بالقسم الثالث.
(6) انظر: (2/243، 244).
(7) (6/387).
(8) انظر: (1/113، 114) و (1/44-46).
(9) انظر: (1/69) و (5/164، 165).
(10) (1/69).
(11) (1/74).
(12) (1/106).
(13) (4/104).
(14) (1/481، 482).
(15) (1/474).
(16) (2/34).
(17) (2/462) و (5/164).
(18) (1/482) و (5/176).
(19) (5/165).
(20) انظر (1/89، 90) و (6/442).
(21) انظر: (3/369-484) و (4/17، 18).
(22) (4/16، 17).
(23) (1/69).
(24) (2/464-467) وانظر: (4/54، 55).
(25) (3/488، 489).
(26) (1/100).
(27) (1/121، 122).
(28) أخرجه: البخاري (1/91) (2/88 و102، 103)، ومسلم (1/ 376، 377).
(29) (1/474-476).
(30) (3/490).
(31) (6/190، 191)، وانظر: (4/182).
(32) (6/368).
(33) (1/97).
(34) (3/381).
(35) (6/190).
(36) (1/470، 471)، وانظر: (2/396).
(37) (2/410).
(38) (6/417)، وانظر: (6/384).
(39) (5/165، 166).
(40) (6/196)، وانظر: (4/310).
(41) (3/408، 409).
(42) (5/166، 167).
(43) (5/262)، وانظر: (6/409 و461).
(44) (1/115، 116).
(45) (3/387)، وانظر: (1/82 و84، 85).
------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-14-2015, 07:29 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الروم حاضرة... والفرس عائدة... والعرب نائمة...

الروم حاضرة... والفرس عائدة... والعرب نائمة...
ــــــــــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
_______

25 / 6 / 1436 هــ
14 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ




اندثار الدول وظهورها رهين مقادير الله - سبحانه - تمضي بها سننه ووفقها تسير، أيام يداولها الله بين الناس، فتارة هذه تَغِْلب، وأخرى تدافعها تلك فتُغلَب.
مد وجزر، غلبة واندحار، هكذا تجري الأحداث بالدول والأمم، ومنها دولتا الفرس و الروم، القوتان العظميان على مدى قرون طويلة، واللتان تبدوان الآن للعالم بثياب أكثر إبهاراً وأوفر تقنية، من دون أن تفارقهما خصوصية لازمت علاقتهما عبر الزمان، فلا التاريخ يعود القهقرى، ولا السنن تفارق مستجدات الحاضر.

{ الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }(الروم:1-7)

هكذا تُليت حلقة واحدة من حلقات الصراع المزمن بين الفرس و الروم في محكم التنزيل على أسماع العالم، وفي أول مرة كان التأثير العربي مقتصراً على الرصد والمتابعة والميل لانتصار هذا الطرف أو ذاك، سواء أكان هذا الرصد من كفار قريش أم من المسلمين، فالغلبة الفارسية أسعدت من يناظرها من أهل الأوثان، والكرَّة الرومية فرح لها المسلمون برغم أنهم كانوا على موعد قريب مع منازلة الروم.
التفاعل حينئذ كان سيداً وإن ارتدى لبوس المراقب؛ كون الفريقين (المسلم والوثني القرشي) أقل استعداداً للدخول كخصم قوي لأي من القوتين الأعظم حينئذ، فهو مراقب حذق يرمق المستقبل بعين ثاقبة.
لم يكن يعيب المسلمين العرب يومها ألاَّ يشاركوا في هذه المعركة، فتلك ليست معركتهم الآن؛ ففي الأفق معركتهم قادمة، ومن بين سنابك الخيل كان الغبار يوشك أن يطامن بعد أن أثارته كتائب الفتوح ليكشف عن نصر على تلكما الدولتين العتيدتين، أَلَقُ النصر الإسلامي وعبقه غمر المدائن الفارسية و أنطاكية الرومية حاضرتي الإمبراطوريتين المتراميتين الأطراف، سنوات قليلة ما لبثت أن انقضت على نزول الوحي بهذه الآيات حتى ارتفعت البيارق الخضراء في الشرق والغرب، وقرون مضت بعد ذلك، وكاد التاريخ يكرر نفسه في مناخ مختلف، استطالةٌ فارسية ورومية وانكماشٌ عربي رهيب، بَنَتْ الإمبراطوريتان نفسيهما، وأعادتا توطيد أركان حكميهما، ولم يعد العربُ استراتيجياً للفترة المكيّة بل إلى مجاهل التاريخ؛ فدولتا الحيرة الموالية للفرس والمناذرة الموالية للروم قبل الإسلام كانتا أحسن حالاً من الحالة العربية المزرية.

هنا الروم غُلبت من جديد، مُنِيَت بهزيمة تكتيكية نافذة من دون طلقة واحدة، وبعد هيمنة شبه مطلقة رومية (غربية) على العالم وعلى قلبه المتوسط؛ لملمت فارس (إيران) جراح إمبراطوريتها الضائعة لتضع الحصان أمام العربة الأمريكية الطائشة، ومهما قيل من بعد عن تنسيق (إيراني / أمريكي) أو (فارسي / رومي) استصحاباً لجملة من المعطيات المؤكدة في هذا المضمار؛ فإن الضربة الفارسية كانت أسبق من كل حدس رانه باحث استراتيجي أو خبير أممي تغص بهم مراكز الدراسات الأمريكية، إذ الحاصل قنوات إيرانية قد سالت فيها مياه الخليج و دجلة و الفرات و الليطاني، وأوراق طاشت من الحقيبة الأمريكية في لحظة دولية فارقة، وفي حاضر أمريكي مأزوم.

الروم حاضرة، والفرس عائدة، والعُرب غائبة، هذه المعادلة وذاك المشهد، والتاريخ يطرق الأجراس ويقرع الطبول؛ بيد أن الآذان بعدُ صماء، أو ربما سمعت بـ (مهران بن بهرام) القائد الفارسي في (عين التمر) التي كانت تضم إلى جواره القائد النصراني العربي (عقة بن أبي عقة) على قبائل (تغلب) النصرانية إبان زحف (خالد بن الوليد) إليها (12هـ)، ولم تأبه لشرحه لقادته الفرس لما نزل عن دعوة (عقة) له بترك القتال له، متخلياً عن القتال للأخرق ( عقة): « دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم (أي للفرس) وشر لهم (أي الروم)، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم (أي المسلمين)، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على (خالد) فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء »، فما قاله (مهران) لم يكن يحمل إلا أجندة يقرأ منها (ملالي فارس) في هذه اللحظة سياستهم في العراق وغير العراق، « دعوني، فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم (أي لإيران) وشر لهم ( أي الأمريكان)، إنه قد جاءكم من أضاع إمبراطوريتكم، وفل حدكم، فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على المقاومة فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء »!
ثمة تعاون بغير جدل، لكنه أفضى إلى إيجاد حالة صراعية جديدة، الصوت الأعلى فيها انفراداً وتمايزاً للإمبراطورية الصاعدة التي غلبت الروم في معركة إقليمية وتسليحية نوعية، وجازت بها من إستراتيجية الاحتواء المزدوج الأمريكية ( لإيران والعراق) إبَّان حكمَيْ (ريجان و بوش الأول)، وتفادت إستراتيجية الحروب الاستباقية إلى أمد في عهدَيْ (كلينتون والأولى لبوش الثاني) إلى إستراتيجية الاحتواء المزدوج من جديد، ولكن هذه المرة بلاعب مختلف هو اللاعب الفارسي الذي بضربة واحدة نفذ إستراتيجيته الخاصة باحتواء الولايات المتحدة والعراق!

إن هناك بالتأكيد أكثر من اعتراض قد ينشأ على هذا التفسير؛ فدونه تفسيرات أخرى ترى الإمبراطورية الفارسية الجديدة مقدمة على حتفها باستعداء الروم بكل جبروتهم العسكري ونفوذهم الواسع، وأن صعودها هو عنوان تآكلها بعد أن أصبحت خطراً على حلف الأطلسي برمته، من الشرق التركي صاحب أكبر قوة أرضية في أوروبا إلى الغرب الأمريكي صاحب أكبر آلة عسكرية جوية وبحرية ودفاعية في العالم، وهذا مفهوم ومعتبر، وآخر يرمي كراته دوماً في سلة تتسع لقواسم تجمع الدولتين (الإيرانية والأمريكية) في معاداة العرب، وعلى مرمى البصر ترى حاجة الأخيرة للأولى في فك الدول العربية، وإعادة تركيبها وفقاً لـ (سايكس - بيكو) جديدة لا تضمن أمريكا استقرارها دون الارتكان لشريك آخر غير « إسرائيل »، ضارباً الذكر صفحاً عن انطلاق السياستين (الإيرانية والأمريكية) من أجندتين غير متطابقتين بطبيعة الحال والمصالح والأيديولوجيات المختلفة، وهو تفسير أيضاً معتبر لكنه مفرط في أحادية منطقه بعض الشيء وتعززه عدة شواهد، منها:

- أن الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الصوت الزاعق في رفض المشروع النووي الإيراني هي بالأساس من وضعت لبنة تأسيسه، وفي العام (1974م) كانت (إيران والولايات المتحدة) توقعان اتفاقية تزويد أمريكا لإيران بالوقود النووي، بعدما اشترى الشاه (رضا بهلوي) أول مفاعل نووي أمريكي لمركز ( أمير باد) للأبحاث النووية.

- أن الولايات المتحدة الأمريكية وإن كُبلت اليوم عن تنفيذ ضربة تكتيكية للطموح النووي الإيراني؛ فإنها لم تكن كذلك إبَّان الهجوم الصهيوني على المفاعل العراقي (1981م) حين كان المشروع العراقي يبدأ خطواته الأولى، وكان بمقدورها أن تجهض البرنامج النووي الإيراني في مهده، لكنها لم ترَ داعياً لذلك في أي وقت حتى الآن.

- أن من شأن النمو العسكري الإيراني أن يزعج جيران إيران، ما يمد الرقعة الزمنية الترهيبية اللازمة لبقاء الشراكة (الأمريكية / الخليجية) على خلفية الحاجة الدائمة لبقاء القوات الأمريكية في المنطقة العربية، بما يستبقي السيوف لزمن ممتد خارج الأغماد بعد سنوات ثلاث من انهيار الدولة العراقية، ويدعم الأطماع الغربية الشرهة في بلاد العرب.

- أن العلاقات (الإيرانية / الأمريكية) كانت دوماً محل التقاء بعيداً عن « تطفل » الإعلام، رشح منها فضيحة تسليح إيران في عهد (ريجان)، وتصريح (أبطحي) مستشار (خاتمي) سابقاً « لولانا ما سقطت بغداد وكابول »، والتعاون الممتد فيما قبل الإعلان العلني عن نية التفاوض بين البلدين في العراق، والذي جاء مقترحاً على لسان رئيس المجلس الأعلى للثورة في العراق (عبد العزيز الحكيم) وعززه الموافقة الإيجابية من جانب (علي لاريجاني) الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي والمكلف بالملف النووي، وهناك مؤشرات عديدة تشير إلى علاقة براجماتية تجمع بين « الشيطان الأكبر » و « أحد أقطاب محور الشر » أمريكا وإيران، أو الروم والفرس، فالحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران منذ الثورة الإيرانية تخترقه هي على الدوام بحسب ( كنت تيمرمن) الباحث الأشهر في وكالة الاستخبارات الأمريكية للشؤون الإيرانية القائل: « أمريكا نفسها لا تنفذ هذا الحظر »، كما أن وزير خارجية أمريكا السابق (كولن باول) كان يعتقد وقت شغله منصبه أن: « إيران ليست في موقع يسمح لها بالإضرار كثيراً بالمصالح الأميركية في المنطقة » وفق صحيفة (كيهان 8/4/2001م)، أما النفط الذي تملك إيران من احتياطه ( 10%)، و (25%) من احتياطيات الغاز الطبيعي فـ « من الذي يستطيع أن يمنع إنتاج 2.5 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني في الوقت الذي وصلت أسعار النفط إلى ما وصلت إليه مؤخراً؟ » كما يقول (باتريك كلاوسون) نائب مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، ومن ذا يتجاهل 70 مليون نسمة هم عدد سكان إيران وأكبر سوق محتمل للولايات المتحدة في المنطقة، ومن يطلق اليد الأمريكية في الإفادة من نفط بحر (قزوين) وترتيب أوضاع دول آسيا الوسطى إذا لم تعقد تفاهماً - لا مغامرة غير محسوبة - مع إيران؟! ومن يغض طرفه عن 12 رجل أعمال إيرانيين كانوا من كبار المتبرعين لحملة (بوش) الماضية ( الشرق الأوسط 9/6/2001م)، أو يغمض عينيه عن مليوني إيراني نقلوا حوزاتهم العلمية واستثماراتهم المالية الضخمة في بلاد « الشيطان الأكبر »، ونثروا في جنباتها (آياتهم وملاليهم) ومنهم آية الله (حسن قزويني) أحد مستشاري (بوش) الدينيين، ومراكزهم الدينية التي سمحت لهم الدولة الرومية العظمى بأن ينشئوا أكبر مركز ديني ينسب للمسلمين فيها؟ وأرمد من فاته الاطلاع على غابة القنوات الفضائية المرتبطة بإيران في سماء المنطقة، وأولها كان السبق فيه لمنظمة توصف في أدبيات السياسة الأمريكية بـ « الإرهابية »؛ والمقصود بالطبع (حزب الله) اللبناني الشيعي.
هذه التفسيرات وتلك الاعتراضات لها وجاهتها بالتأكيد كما أسلفت، ولكن ما الذي يدعونا لئلا نصهر هذه الاعتراضات والتفسيرات في بوتقة تجمع الشواهد لا للتعارض؛ وإنما لمحاولة النظر من جديد للأمور بنظرة أكثر شمولاً مستصحبة تجربة تاريخية ثرية وموحية؟ يقول (أ. د محمد السعيد عبد المؤمن) أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة (عين شمس) عن المشروع النووي منذ بدايته في زمن ( الشاه): « يبدو أن (الشاه) قد استطاع أن يعزف على أوتار عقائدية وقومية عند الإيرانيين، فالطاقة النووية تمثل في الوجدان الإيراني قمة الوصول بـ (النار) ذات القيمة الخاصة التي تصل إلى درجة التقديس لغايتها، فلم ينظر الإيرانيون إلى ما سوف ينفقه (الشاه) على هذا المشروع نفس نظريتهم لما أنفقه على احتفال مرور ألفين وخمسمائة عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، فرغم أن كليهما يمجدان الشخصية الإيرانية إلا أن الأول أدخل إلى الوجدان والعقائد من الثاني، وعندما نجحت الثورة الإسلامية في إسقاط (الشاه ونظامه) قضت على آثار الملكية كلها، وأوقفت مشروعاتها إلا ما ارتبط منها بالجانب الوجداني العقائدي للإيرانيين، ومنها المشروع النووي الذي أصبح إرثًا قوميًّا، على نظام الجمهورية الإسلامية أن يتحمل تبعاته، وإلا فقد أهليته في نظر الشعب »، فلوعة غياب الدولة الفارسية بجبروتها ونارها المقدسة ما زالت تعمل مفاعيلها التأثيرية النافذة في الوجدان الإيراني، ولم تندمل الجراح التي خلَّفَها انطفاء النار المقدسة قبل أربعة عشر قرناً باتقادها نفطياً من جديد مع الثورة النفطية التي اجتاحتها قبل نصف قرن، وإنما استوجب تأمينُها قوة نووية وصعوداً (تسليحياً وسياسياً) موائماً للرغبة العارمة في إعادة الإمبراطورية الفارسية مجدداً.

ولنرجع ثانية إلى التفسيرات المتعارضة في ظاهرها، جاهدين في لملمتها في صيغةٍ من خلالها يمكن المزج بين التاريخ والحاضر؛ فمن حيث المبدأ لابد من الإقرار بأن الإمبراطوريتين (الرومية والفارسية) وجدتا محطات التقاء على مر التاريخ؛ تخندقتا فيها ضد عدو مشترك، ففي العام الثاني عشر للهجرة وإثر انتصار المسلمين في (ذات السلاسل) كان على القائدَيْن الفارسيين (الأندر زغر) و (بهمن جاذويه) أن يتحالفا مع نصارى الحيرة و قبائل بني تغلب بـ « مباركة » من الدولة الرومية التي تربطها بهما روابط دينية في معركة أليس الصغرى ( نهر الدم)، ولم يكن هذا إلا تكراراً لما تم قبل أربعة أشهر في معركة (عين التمر)، من « تفاهم » بين الفرس والمتعاطفين مع الروم.
وبعد انهيار الإمبراطورية الفارسية بستة قرون شهد العالم (650 هـ) تحالفاً قوياً بين الدولة الصفوية (وريثة الإمبراطورية الفارسية و البرتغاليين ضد العثمانيين، يقول الدكتور (محمد عبد اللطيف هريدي): « وهكذا بدلاً من أن يضع الصفويون يدهم في يد العثمانيين لحماية الحرمين الشريفين من التهديد البرتغالي، ولتطهير البحار الإسلامية منهم وضعوا أنفسهم في خدمة الأسطول البرتغالي، لطعن الدولة العثمانية من الخلف، ورغم انتصار العثمانيين عليهم؛ فإن الحروب معهم كانت استنزافاً لجهود العثمانيين على الساحة الأوروبية، وعرقلة للفتوح الإسلامية » [الحروب العثمانية الفارسية ص 70]، بيد أن التاريخ سائده يتحدث عن تعارض في المصالح بين الإمبراطوريتين، يتحدث أيضاً عن حضارة ( بالمعنى المدني لها) لأرض فارس تؤهلها لأن تصعد أو تسعى بإصرار لأن تتبوأ مكانها قوة عالمية مرهوبة في العالم وإن وجدت نفسها في حقبة رومية إن جاز التعبير، فقبل أن نطنب في عرض أدوات فارس لكسر هيمنتها أو اختصار مدتها الزمنية، نعود إلى صفحات التأريخ الصراعية الأبرز هذه المرة:

- معركة (حرَّان) في العام (53) قبل الميلاد في زمن (يوليوس قيصر):

أبيد فيها الجيش الرومي على يد (أورود الفرثي) الفارسي عن بكرة أبيه.

- معركة (نصيبين) حوالي العام 100 قبل الميلاد في زمن الإمبراطور الروماني (تراجان): تكبَّد فيها الرومان خسائر فادحة في مسعاهم لتوسيع الإمبراطورية بعد أن نجحوا قبلها في ضم أغلب ممتلكات الفرس، وكان زمن استطالة للرومان على الفرس.

- المعركة الكبرى والاستيلاء على (أنطاكية) أواسط القرن الثالث الميلادي زمن (سابور) الجند الفارسي: أعطى قادة الرومان الجزية بصغار لـ (سابور).

- محاصرة القسطنطينية من قبل (كسرى الثاني) والاستيلاء على آسيا الوسطى: لم يحصل مثل هذا النصر لفارسي من قبل ولا من بعد، وفي المعركة التي جرت بـ (أذرعات) وفقاً لجمهور المفسرين نزلت الآيات: }الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ { (الروم: 1-2) سنة 614 م.

- انتصار (هرقل) على (كسرى): وهو ما بشرت به الآيات } وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ { (الروم: 3-4)، وحدث في يوم بدر، أو يوم بيعة الرضوان، أو يوم الحديبية، مثلما ذكر (الإمام القرطبي) في تفسير الآية.

وهو ما يشي بالحالة الأرِقة الدائمة في السجال الحربي بين الإمبراطوريتين العظميين على مر القرون السالفة للإسلام.
والآن تسعى دولة الفرس من جديد للصعود بأدوات تؤهلها لأن تعود إلى الواجهة من جديد، لتغييرها للمعادلة النووية في العالم، واستخدام لغة دبلوماسية بارعة، ومراكمة أوراق لعبتها مع الروم بذكاء مَرَدَ عليه حكماء فارس على مر القرون، ولئن ضيَّقت الولايات المتحدة الأمريكية عليها الخناق في زمن بسطت فيه قوتها العسكرية والاقتصادية الضخمة على العالم، لقد وجدت دولة الفرس ما يعوضها عن هذا الجفاف مع الدولة العظمى، فمدت علاقاتها المتينة مع أوروبا و آسيا، فإيران الآن تشتري الآلات من ألمانيا، والحاسبات والأجهزة العلمية من فرنسا، والمصانع العسكرية من روسيا و الصين وما يرافقها من تجهيزات لا عسكرية، ألم يك لافتاً أن تعارض روسيا والصين بشدة قراراً أممياً ضد إيران؟

وأن يعتبر رئيس الوزراء الفرنسي (دومينيك دو فيلبان) أن العمل العسكري « ليس الحل » موضحاً: « لقد اختبرنا سابقاً سيناريو مماثلاً لا يؤدي إلى نتيجة كما حصل في العراق ». (الوكالات 5/5/2006م)، وأن يُشِير الرئيس الأمريكي فور إعلان نظيره الإيراني عن دخول إيران النادي النووي إلى التباحث مع الشركاء في أوروبا خاصة وألمانيا تحديداً؟ ففي الحقيقة إيران تدير معركتها مع الولايات المتحدة الأمريكية نيابة عن روسيا والصين، وهذه الأخيرة تتساوق سياستها الحالية مع تاريخها الذي كانت فيه ضنينة بالحروب، وتسعى لاستخدام أدوات أخرى للاحتفاظ بقوتها العسكرية لوقت الضرورة، كلا الدولتين لهما مصالح عسكرية واقتصادية جَمَّة لا تقفان عند حد الصفقات التسليحية الهائلة ولا الاستثمار والإمداد النفطي؛ وإنما تتعدى ذلك إلى نشاطات اقتصادية وسياسية أخرى (نسأل عرضاً: لماذا وجدت فارس اليوم ضالتها في دول غير كتابية؟!)، أما فرنسا التي أدار مرشد الثورة السابق (الخوميني) معركته مع ( الشاه) انطلاقاً منها، فهي تحتفظ بعلاقات نفطية متميزة تخترق بها شركة ( توتال) الفرنسية جدران الحظر الأمريكية وهمهمات حقوق الإنسان الأوروبية، وأما ألمانيا فإمدادها لإيران بالمعدات الثقيلة لم يبرئ ساحتها من التورط في تزويد إيران بمعدات الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم.
إذن الفرس تعود بحبال من الناس متينة، وحين نتحدث هنا عن الفرس فليس بدافع رغبة في *** تسمية أضحت غوراً في أغماق التاريخ؛ بل لأن هذه التسمية حاضرة فعلاً في لغة السياسة الإيرانية ذاتها، وإلا فلماذا رهنت إيران مشاركتها الرياضية في دورة الألعاب بـ (قطر) هذا العام بعدول الدولة المنظمة عن تسمية الخليج العربي بـ « الفارسي »؟ ولماذا احتجت لدى مجلة (انترناشيونال جيوجرافيك) العالمية لتدفعها إلى تسمية الخليج بالفارسي بدلاً من العربي أو حتى الإسلامي برغم كون جميع حواضره من العرب بدءاً من الأهواز إلى الإمارات؟
ولماذا تكاد تخلو قيادة إيران من غير الفرس فيما عدا (خاتمي) وقلة أخرى برغم كونهم لا يتجاوزون (52%) من الإيرانيين؟

الحالة الدولية تتبدل ملامحها هذه الأيام، وفي غياب الفضائيات وأدوات التخاطب والمعلوماتية عبر الإنترنت وأجهزة الاتصالات الحديثة، كان المسلمون والعرب معنيّين بتشكل خريطة الصراع في محيطهم وأبعد من محيطهم، الأدوات كانت بدائية والنفوس كانت طموحة أبيّة، ثمة إدراك لدائرة الدول ومدى تأثيرها على موازين الصراع، } وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ { (الروم: 4-5)، ليس فرح المتفرجين الصائحين كما في ملاعب الكرة، بل فرح نصرٍ يرومونه من خلال مشاركة في صناعة الأحداث، يبدأ من هنا، من قلب مكة، من مركز الأرض إلى « أدنى الأرض »؛ إذ الأحداث لا يصنعها النائمون، وحيث لا غرو أن يكون المسلمون في مهد دعوتهم خارج المعادلة الدولية حينئذ؛ فإن انكسار النفوس لابدّ وأن يلازم قوماً تسيَّدوا، وأذابوا ملح الإمبراطورتين العظميين في بحار حضارتهم، ثم نكسوا على رؤوسهم، وقد غار الماء وعاد الملح.

وصارت المعادلة الدولية تخلو إلا من الروم وفارس، وحتى كرَّة مرجُوَّة سيظل الحاضر بدوننا، وسنظل بانتظار مخبوء القدر، } لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ { (الروم: 4-7).

--------------------------------------
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 04-14-2015, 07:38 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة المحافظون والإصلاحيون في إيران ... من يحل عمامة الفقيه ؟!

المحافظون والإصلاحيون في إيران ... من يحل عمامة الفقيه ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ


(أمير سعيد)
_______

25 / 6 / 1436 هــ
14 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ



مرت حادثة تفجير قنبلة بواسطة (انتحاري) أو مؤقتة في مرقد مرشد الثورة الإيرانية الأول الخميني بفتور، ولم تسترعِ انتباه أحد، وكأنها تخص قبر مجهول في جبل كردي، ولم تُثِر كثيراً حفيظة الشعب الإيراني، ولا الإعلام الثوري، ولا الجهات الأمنية المعنية؛ فلم نسمع شيئاً عمَّن يقف وراء الإرهابي الانتحاري الذي لم تُكشف هويته حتى الآن!

ولم تنتش أقلام الناطقين باسم الحوزة القُمِّيَّة من صحفيي إيران وآلتها الإعلامية الفارسية والإنجليزية والعربية، ولا كتَّاب التومان [1] العرب بترديد حديث (النواصب، التكفيريين، الوهابيين...) الذين تم اتهامهم فوراً بالمسؤوليةعن تفجير مرقَدَي (علي الهادي و الحسن العسكري) في سامراء قبل ثلاثة أعوام، وهي الحادثة التي حولت وجه الأحداث في العراق، واستفزت ميليشيات إيران في العراق لتخريب 100 مسجد سُنِّي خلال 24 ساعة فقط من التفجير، وفقاً لبيان للحزب الإسلامي حينها، وفُرِض تعتيم هائل على المجازر بحق العراقيين السُّنة، والتي بدأت بذبح الصحفية (أطوار بهجت) التي حصلت على معلومات تقود إلى مرتكبي التفجير الذي لم يكن في النهاية إلا شرارة مؤقتة؛ لتفجير العنف ضد السُّنة، وصافرة البداية؛ لتفريغ بغداد من السُّنة أو كسر شوكتهم فيها على الأقل.

هل هان الخميني على أتباعه لهذه الدرجة؟ (للحد الذي يستنكفون عن النياحة واللطم على مرقده) وهو الغائب الحاضر على لسانَي (نجاد وموسوي) في صراعهما المحترم على الرئاسة الإيرانية، أم أنهم مشغولون أكثر بالتركة عنه؟ وهل كان الفاعل واحداً في سامراء و طهران، وأراد هذه المرة هدفاً لم ينجح في تحقيقه فسارع إلى تبريد الملف فوراً، لكي لا يُفسح المجال للقيل والقال؟ وهل يطيب لأهل طهران تفجير مراقدهم بأيديهم، تحمَرُّ أنوفهم إذا قيل إن من فَجَّرها سُنِّيون؟!

قد يكون من الواجب الإجابة عن تلك الأسئلة بشكل مستقل، إلَّا أنه ليس هذا هو مناط المقصود، فالشاهد أن الخميني الذي أقيمت له احتفالية كبيرة في ذكرى وفاته قُبَيل الانتخابات بقليل، لم يُستفَز أحدٌ للتنديد بمحاولة تفجير مرقده أو التشويش بها على الأحداث! وغالب الظن أن تلك العملية لم تكن إلا إحدى حلقات الصراع الداخلي بين أركان الحكم في طهران و قُم، وتمَّت على أيدي تابعي إحدى الأجهزة الأمنية الإيرانية ذاتها، وقد تكون هي أيضاً مَنْ فَجَّرت مرقَدَي (الإمامين الإثني عشريين) في سامراء بعد عام واحد من تصعيد محافظ بلدية طهران ( محمود أحمدي نجاد) إلى سُدَّة الرئاسة الإيرانية (يونيو 2005م) عَبْر عملية انتخابية رئاسية تم فيها تخفيض عدد الأصوات التي حصل عليها المرشح هاشمي رفسنجاني من 17 مليوناً إلى 10 ملايين لتترجَّح كفَّة مرشح المرشد الأعلى الإيراني (علي خامنئي) محمود أحمدي نجاد، وهو في ذلك الوقت - أيضاً - مرشح المرجع الشيعي (مصباح يزدي) المصنَّف أحد رؤوس المحافظين في إيران.

كان المطلوب حينها أن يباشر الرئيس الجديد (نجاد) دوراً في الداخل والمحيط الإقليمي تحت مظلَّة من (البروباجندا) الإعلامية الرامية إلى تصدير الأزمة الداخلية للخارج، واستيراد المبررات الثورية للداخل المحتَقِن، بموازاة ذلك رفع السقف (الثوري) المُصاحب للبرنامج النووي الإيراني ومحطاته المصيرية الأخيرة.
قام نجاد بالمطلوب جيداً في العراق، وأحدث ضجيجاً مطلوباً للمشروع النووي، وحاول تجييش الشعب الإيراني من جديد خلف لافتة التحدي الثوري للقوى الغربية، لكنه لم يفلح بالتأكيد في تسويق ذلك بالداخل، كما لم ينجح في إبعاد الخصوم السياسيين للمرشد الأعلى (خامنئي).
مشكلة نجاد الحقيقية فيما تَبَدَّى أنه جاء في لحظة متأخرة كثيراً؛ لترميم بناء بدأ يتشقق من كل مكان، فأرهقه الترميم بدلاً من أن يساعده على القيام.

غير أن مشكلة خامنئي أعمق منه؛ فالرجل يحاذر من تيارين متصارعين يقف بينهما ثالث شديد البراجماتية يقوده الداهية (هاشمي رفسنجاني) الذي أزاحه المرشد في انتخابات 2005 فلم يغفرها له، ويقود الأول (مصباح يزدي) المتشدد، وهو الأب الروحي لنجاد، و (الإصلاحي) محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق وفاقه الآن شعبية زعيم المعارضة القوي (مير موسوي).

عندما سمح خامنئي لمير موسوي بالترشح للرئاسة - وقد كان بوسعه منعه ابتداءً لو كان الأمر لم يزل بيده عملياً، وهو لم يعد كذلك بعد أن فَقَد بعض أوراق دستورية مهمة لم يعد بمقدوره استخدامها وقت الحاجة - كان المرشد يدرك أنه يناوش به القوى التي تريد وراثته حياً من المحافظين، أو الحد من مكانته كلية من ( الإصلاحيين) والبراجماتيين، وكان يعلم أنه لا يمكنه أن يُخْرِج التيارين الأخيرين من الحَلَبة من دون أن يدفع فاتورة باهظة جداً قد تُكلِّفه منصبه.
لكنَّ نجاد لم يُلْجم المناوئين للمرشد، ولم يتمكن من تمرير سيناريو (التعيين الانتخابي) له دون خسائر؛ فقد فتح الإعلان عن فوز نجاد في انتخابات يونيو 2009 أبواب النار على المرشد؛ إذ لم تكن التربة الإيرانية مهيأة لاستنبات الوهم من جديد، والأسباب كثيرة في تغيُّر تلك التربة، ليس للأحسن بالضرورة، وإنما لِما يُعاكس طموحات الملتصقين بمرقد (الإمام) أيّاً كان.

والإمام الخميني قال يوماً: (أنا أزعم وبكل جراءة أن الشعب الإيراني بجماهيره المليونية في العصر الراهن أفضل من أهل الحجاز في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفضل من أهل الكوفة) [2]، لكن هذه الملايين لم تعد الآن أفضل من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - حاشا صحابة رسول الله عمَّا يقول الخميني - بل قائمين بـ (بدعة غير مشروعة) على حد قول خامنئي واصفاً مظاهرات طهران المناوئة له، وهم - في ذلك - مندفعون بأفكار مختلفة تماماً عن تلك التي استطاع الداهية الخميني تجييشهم بها قبل ثلاثين عاماً.
الأمر في الواقع مختلف، والبيئة الحاضنة للجماهير اليوم تُغَاير تلك قبل عقود ثلاثة، والتغيُّر السريع في بِنْيَة المجتمع الإيراني واشية بأن الأمر أكثر مما يفوق طاقة (المحافظين) و (الإصلاحيين) معاً.
البيئة الجديدة:

في مجتمع نصف المليون مُعمَّماً، وعاصمة نصف المليون بَغِيّاً، يصعب ألا يصطدم الباحثون بِكمٍّ هائل من التناقضات الحاكمة لمزاج هذا المجتمع الذي يزيد تعداده عن 70 مليون نسمة، والتي رَشَح بشأنها أرقام لا تلبي شهية الدارسين، لكنها تعطي انطباعاً عن هذه البيئة الحاضنة للثورة الدينية ونقيضها في آن واحد.
وفي بلد يُجرِّم ويدعو ملاليه إلى البعد عن المخدرات، يصبح تقرير المخدرات العالمي الصادر من الأمم المتحدة في عام 2005، عن مدمني الأفيون في العالم، والذي يشير إلى أنه يوجد في إيران أعلى نسبة من المدمنين في العالم برقم يقارب 3 % من تعداد السكان، يصبح مثيراً لحفيظة المبشِّرين بالثورة الإيرانية خارج حدودها.

الأخطر أن الإيرانيين ذاتهم اعترفوا على لسان رئيس الشؤون الثقافية السابق لبلدية طهران محمد علي زام قبل تسعة أعوام بأن مجتمعهم القائم تحت ظل حكم ولاية الفقيه لا يصلي ثمانون بالمائة منه! بحسب زام ولا يركعون لله في بلاد تريد أن تصدِّر ثورتها الإسلامية للعالم الإسلامي [3]، علاوة على أرقام أخرى ساقها في مؤتمره الصحفي الجريء، حين تحدث عن (تجاوز نسبة الإباحية الجنسية الستين بالمائة، وتزايد نسبة الزنا خلال السنتين الأخيرتين فقط بنسبة 635%، وانخفاض معدَّل عُمْر الزناة من 27 سنة إلى 20 سنة).

الأرقام الرسمية تتحدث عن أن ثلث الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر، ومعدلات بطالة رهيبة تلامس النسبة ذاتها، وتدفع نحو‏180‏ ألف جامعي إيراني للهجرة كل عام إلى أوروبا، و أمريكا الشمالية، و أستراليا، و نيوزيلندا من الدولة النفطية التي تملك الاحتياطي النفطي الثاني في العالم (132 مليار برميل) وذلك بحسب أرقام إيرانية رسمية.

بينما يغادرها ذَوُو العقول لدرجة أن الأطباء الإيرانيين في كندا أصبحوا أكثر من الأطباء الإيرانيين في إيران ذاتها‏! والأهم أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً صاروا يمثلون أكثر من 70% من تعداد السكان، وهم لم يشهدوا الثورة الخمينية، ولا عاصروا الحرب مع العراق إلا صغاراً، وحتى أولئك الذين عاصروها لم تعد العراق تُمثِّل لهم الآن عدواً تنبني عليه عقيدة قتالية وثورية، وحتى ( الشيطان الأكبر) الولايات المتحدة لم يعد أحد من هؤلاء يُصدِّق أن الملالي الذين يكتسبون شرعية بعدائها، ومنهم بيدقهم (أحمدي نجاد) أنهم في حالة عداء حقيقي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وإن كانوا في حالة عداء حقيقية، فما الثمن الذي يتوجب على الشباب العاطل دفعه لهذا العداء الملتبِس، وما الدافع له في ظل تعاون إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق؟ الشباب الإيراني الذي يهوله منظر النساء الإيرانيات في الخارج سواء في دبي أو أوروبا أو حتى في الصين التي أضحى الزائرون لها يتحدثون عن منافسة الإيرانيات للصينيات في (الممارسات غير الأخلاقية)، يعجب لحرص الملالي على تصدير الثورة إلى أقصى بلاد إفريقيا و آسيا.
لماذا يدفع الفقراء في إيران ثمن الحرب في لبنان؟ وكثير من هذه الأسئلة التي تتزاحم لدى الواقعيين من الشباب الإيراني.

إن كثيرين من أنصار إيران في لبنان كتموا غيظهم في أعقاب حرب لبنان 2006، وهم يتساءلون: لماذا ندفع ثمن البرنامج النووي الإيراني من حياتنا واستقرارنا، مع أنه لم يسقط زجاج بيت واحد في طهران مقابل ذلك؟ فإن كان الثمن قد جاء على الفور إنقاذياً عبر (المال النظيف)؛ فإن الجانب الآخر هو أيضاً بدأ يتململ قائلاً: ولماذا ندفع نحن ثمن مقامرة (حسن نصر الله)؟

ثمَّة حراك حقيقي يدور لدى النخبة الإيرانية والشباب الذي لم تعد هتافات الثورة في ظل العولمة تطربه، لا سيما أن الأرقام التي تتحدث عن ترك الصلاة وغيرها لا تُشَجِّع كثيراً على تعويل أصحاب العمائم على هؤلاء للمحافظة على مكتسبات الثورة، في مقابل أن هؤلاء الشباب - وهم الغالبية من الشعب الإيراني - لا يجدون أنفسهم متحمِّسين لدفع فاتورة العداء الظاهري للغرب، وتصدير الثورة ودفع أموال حول العالم في جُهْدٍ تنوء به خزائن الإمبراطوريات الضخمة دون طائل مادي مرتجى للمجتمع الإيراني.

تحت لافتة الدفاع عن البلاد والإسلام والمذهب تم تجييش الشباب في الحقبة الأولى للثورة ومنهم نجاد ضد العراق، وتحت اللافتة نفسها تدفقت الميليشيات لا سيما جيش القدس والحرس الثوري للمساهمة في احتلال العراق إلى جانب الأمريكيين، وتوقع الإيرانيون أن تَحُلَّ عليهم (بركة) النفط العراقي المسلوب عبر عصابات التهريب، لكن هذه (البركة) لم ينلها كالعادة إلا أصحاب العمائم، الذين تضخمت ثرواتهم لحدِّ بعيد، حتى في ظل حكم الرئيس (الزاهد) نجاد، وهو الذي جاء مبشِّراً في الفترة الأولى بالقضاء على الفساد في مؤسسات الحكم، والشيء ذاته يقال عن فائض الميزانية قبل الأزمة الاقتصادية العالمية الإيرانية من ارتفاع أسعار النفط، والتي حصلت إبان حكم نجاد (الزاهد)، لكن شيئاً من ذلك لم ينعكس على أصحاب أكشاك الصفيح حول المدن الكبرى، ولم يغيِّر شيئاً من أرقام البطالة وتأخُّرِ سِنِّ الزواج والفساد والمخدرات.

إن شيئاً من ذلك لا يشجع الناخبين على التصويت لأصحاب العمائم، وإذا كان النظام لا يسمح إلا بالتصويت لمن يَمُر من فلاتر الملالي الضيقة فقط؛ فليكن التصويت لمن هم أقرب لطموح الشباب والفقراء والأقليات المضطهدة والمهمَّشة، حتى لو كانوا من أمثال رئيس وزراء حكومة الخميني السابقة مير حسين موسوي الذين لم يزالوا يبكون المؤسس وأيام حكمه.

الخريطة السياسية والتصدع المتوالي:
--------------------

قبل سبع سنوات كانت جموع الطلبة تهتف (ليُشْنق المرشد، ليمت خامنئي) وكتبت حينها كغيري أن (الحمم لم تزل في جوف البركان) وأن (المنتظَر ألا تكون مظاهرات الطلاب القادمة مجرد حركة احتجاجية عارضة؛ لأن وقود الثورة متوافر لها وبكثرة)، لكن ما كان في الماضي حبيس التكهنات، صار اليوم حقيقة؛ إذ كسرت تلك الاضطرابات كل البرامج الإيرانية الثورية، وجعلت رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام (رئيس مجلس الخبراء) يكرر تصريحاته المثيرة للجدل بأن (المهدي خرافة)، ونتيجةً لذلك فإن (الولي الفقيه) بدوره خرافة أخرى، وبناءً عليه؛ فإن إعلان رفسنجاني الولاء المطلق هو إعلان عن ولاء يخص المنافع الدنيوية من وراء هذا النظام القائم على التوازنات التي بلغت حدود التناقضات في الأزمة الأخيرة.

ما حقيقة جناحي المحافظين والإصلاحيين؟
-----------------------

في الواقع إن ما يحدث في إيران يخرج كثيراً عن رغبة فريقين في الحكم يُسمَّيان: (المحافظين والإصلاحيين)؛ فكلاهما في النهاية جزء من النظام وإن اختلفت الاتجاهات؛ فمنتهى طموح الشباب في الشارع الإيراني يتجاوز بكثير وعود الإصلاحيين (واستُخدم المصطلحان لاشتهارهما، وإلا فليس هؤلاء محافظين بالمعنى الإيجابي، ولا أولئك إصلاحيون بالمعنى الشرعي)، لكن من الغبن أن ننكر التغيُّر في المزاج السياسي المفضي إلى تغيُّر تابع في أفكار ورؤى الإصلاحيين.
والإصلاح لدى الساسة في إيران معناه تقييد ولاية الفقيه، وتعزيز العمل المؤسسي، ومنح قَدْرٍ من الحريات للأقليات والأعراق في إيران، ومزيد من ( الحرية) للمرأة بمفهومها الغربي.
وقد كانت فترة حكم خاتمي اختباراً لرغبة الإصلاحيين في تغيير وجه إيران وتعاملها مع الخارج، وقد أدت سياسة خاتمي إلى تطبيع علاقات الجمهورية مع معظم دول الاتحاد الأوروبي، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الكويت في العام 1999م، وفي تعزيز العلاقات مع السعودية وتوقيع اتفاقية أمنية معها، وتحسين العلاقات مع بقية دول الجوار، وإطلاق (حوار الحضارات)، وشَهدَتْ أيام حكمه قيام ثلثي أعضاء البرلمان الإيراني بإرسال خطاب إلى المرشد الأعلى ( علي خامنئي) أيدوا فيه فصل الدين عن الدولة، كما وقَّع نحو ‏250‏ مثقفاً إيرانياً على خطاب آخر يدعون فيه إلى إقامة نظام ديمقراطي على غرار النُّظُم الديمقراطية الغربية يسمح بمساءلة المسؤولين باعتبارهم أشخاصاً عاديين وليسوا فوق القانون‏.
لكن مساعي الرئيس السابق محمد خاتمي اصطدمت بصخرة المرشد عندما حاولت تقييد سلطاته، وهو ما أدى في النهاية إلى انزواء التيار الإصلاحي بعدما أطلق المحافظون حملتهم لإخراج الإصلاحيين من الحكم، ونجحوا بعد منع 1250 مرشحاً إصلاحياً من الترشح للبرلمان، وهو ما أدى في النهاية إلى مجيء نجاد في عام 2005م؛ لإعادة الهيبة إلى المرشد الأعلى، ولتقليم أظافر الإصلاحيين ولجم طموحاتهم، مع أن هذه الهيبة لم تعد في الواقع بعدما تنازع المحافظون والإصلاحيون والبرجماتيون للإفادة منها.
لم يتمكن علي خامنئي من إزاحة الإصلاحيين بقسوة هذه المرة في الانتخابات الرئاسية؛ لأن المِرْجَل الشعبي لا بد من فتح بعض صِمَاماته الشعبية من خلال بعض القوى الإصلاحية التي تنتمي روحياً إلى النظام، وتُعدُّ واحدة من إفرازاته.
ولم يتمكن من فرض نجاد مباشرة؛ حيث يقف رفسنجاني الرجل القوي في موقع معاكس له تماماً، ويأخذ رفسنجاني على عاتقه الثأر من هذا التلميذ النجيب لخامنئي الخادم له وفق ما تقتضيه المصلحة الدينية الافتراضية.

داهية عهد ما بعد الخميني!
------------------

رفسنجاني (تاجر الفستق، البرجوازي البرجماتي، داهية عَهْدِ ما بعد الخميني) لم يَعُد في وفاق منذ فترة مع المرشد الأعلى، وهو مستعد للذهاب بأي اتجاه حفاظاً على مصالحه وأسرته الثرية التي تتوسع استثماراتها في مزارع الفستق وتجني أرباحاً (ثورية) كبيرة تذهب بعضها إلى بنوك أوروبا، وهو القادر على اتخاذ سياسة ونقيضها متى كانت المصلحة في ذلك!!
بـ (كذبة بيضاء) وَضَعَ خامنئي في سُدَّة الولاية العظمى، بعدما قال لكبار المرجعيات: إن الخميني قد « أسَرَّ إليه بما يفيد بأن خامنئي هو خليفته » قبل وفاته برغم أن خامنئي لم يكن الأجدر علمياً بتولي المنصب ودونه منتظري وغيره، وبخفَّة سياسية لعب دوراً محورياً في ترجيح كفَّة خاتمي على نوري في انتخابات 1996 بعدما كان المرشد يدعم الأخير.

وردها له المرشد في انتخابات 2005م عندما زوَّر الانتخابات لمصلحة أحمدي نجاد، مثلما أفاد بذلك (راي تاكيه) في كتابه القيِّم (إيران الخفية) [4]، مطيحاً بسبعة ملايين صوت من رصيد رفسنجاني لحساب نجاد: قال خامنئي في الانتخابات الأخيرة: « ليس من المعقول أن يكون التزوير في 11 مليون صوت »، ثم عاد رفسنجاني ودعم موسوي الإصلاحي ليحشر خامنئي في زاوية الخضوع، وليبدأ مرحلة كسر عظام عتيدة، قد تظل لحين ملتحفة بعباءة الوحدة والوفاق بينما تضمر احتقاناً مرشحاً للانفجار في أي لحظة.
أسدى خامنئي لنجاد - الذي لن يعدو قدره في الحقيقة كتكنوقراطي غير معمَّم لا مطامع له في حكم إيران - من كرسي الولي الفقيه خدمةً عندما وضعه على سدة الرئاسة تحت لافتة محاربة الفساد، لكن نجاد جاء به (الفساد)، وشهد عهده تسخيناً غير مقبول داخلياً مع دول العالم المختلفة، في مقابل إخفاق كبير في التنمية ولجم الفساد الذي مسَّ وزراء نجاد أنفسهم وحاصرهم في أكثر من ملف لا سيما الأخلاقي كوزير الداخلية الإيراني ومسؤولي بلديتين أخريين.

هِياج نجاد الذي أُريد له أن يعزز من سلطة الولي الفقيه [5]، أوهنها، وفتح شهية كبيرة للإصلاحيين للجم المرشد، وكان من قَبلُ قد اضطر إلى الإفراج عن أكبر المراجع الدينية أهمية في إيران (حسين علي منتظري) الذي هو في الحقيقة أحق بالمنصب المهيمن في النظام السياسي الإيراني، كما فتح شهية مصباح يزدي - الزعيم الروحي لنجاد - للشراكة بالحكم عبر مجلس شورى للولي الفقيه برغم تدني شعبية يزدي مؤخراً، تَأثُّراً بأداء نجاد السياسي داخلياً، وخارجياً، وتأثُّراً بمواقفه وفتاواه المتشددة التي أوجبت قتل أدباء وصحفيين.
ثم مؤخراً نسبت إليه صحيفة (الكوياريه ديلاسيرا) الإيطالية (2009/6/ 13) عَبْرَ مصادر أمريكية لم تسمِّها فتوى بإباحة دم المرشَّحَين الرئاسِيَّيْن موسوي وكروبي!

مواقف نجاد، ومحازبيه أضعفت وضع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وعززت من حظوظ الإصلاحيين في الشارع الإيراني، لكن من يا تُرى هؤلاء الإصلاحيون؟ إن أبرزهم في الحقيقة هو موسوي أحد أبواق الثورة الأشداء خلال ترؤسه صحيفة متشددة (جمهوري إسلامي) إبان حكم الخميني؛ حيث دافع عن الثورة بمقالات قوية حينها، ورئيس وزراء إيران في أحلك أيام الثورة الدموية.
أما أبرز داعميه بعد الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي؛ فهو رفسنجاني الذي رفض إيقاف الحرب العراقية الإيرانية، والمتهم بإدارة أموال الخمس لمصالحه وأولاده، والإفادة من الثورة لتحقيق ثروة، على حين كان نجاد ورفاقه يلعقون الدم على حدود العراق.

إن ما يمكن للمرء الخلوص إليه من قراءة المشهد السياسي في إيران، أن ثمة جناحين أو أكثر يحكمان النظام الإيراني، غير أن روافدهما الشعبية تختلف جذرياً عن مطامع الساسة الذين يديرون معارك النفوذ بطريقة عصيَّة على فهم البسطاء، وكلها بالتأكيد تحت ذرائع الحفاظ على الثورة، سواءٌ عبر تعزيز سلطتها أو تطوير وإصلاح أدائها، وفي النهاية يبقى الهمُّ الشعبي بعيداً نوعاً ما عمَّا يضمره الساسة ( معتدلوهم ومتشددوهم).
أما فيما يخص الشعوب الإسلامية خارج إيران؛ فأمور أخرى تخالف أحلام تجار الفستق والنفط والبازار الديني في قُمْ وطهران، وتتعلق بوضع الأقليات السُّنية والعربية في إيران بعد الأزمة، ومستقبل نشر التشييع حول العالم، والاختيار بين إمبراطورية علمانية في نهاية المطاف، أو إمبراطورية طائفية، وكلاهما تطمع فيما وراء الخليج العربي، ما بين الطاووس والعمامة، وكلاهما له رمزيته وتأثيره.
ستكون إيران - إصلاحية أو محافظة - دولة مؤثرة لها استراتيجيتها ومصالحها وتطلعاتها وأحلامها التي تصوغها بأي لغة تريد، لكنها ستكتب بها أجندتها على أي حال، وربما تقوى بـ (الإصلاح) أكثر من المحافظة على رتابة نظام الثورة الجاثم على صدور الإيرانيين، والتي تصرفت خلال السنوات الست الماضيات كإمبراطورية تتوسع أفقياً دون غطاء كثيف من الاقتصاد والعسكرية والسياسة؛ فخسرت كثيراً على الصعيد المعنوي، وانكشفت خارجياً كما انكشفت داخلياً، وباتت على مفترق خطير، واستحقاق مصيري.
بقي شخص لم يسقط سهواً من الحديث، هو الرئيس (الإصلاحي المعتدل) محمد خاتمي كأحد أكبر داعمي (الإصلاحي) موسوي، تذكَّروه جيداً، إنه الرجل الذي وقَّع مع الإدارة الأمريكية صك تدمير العراق...
اشتُهر كسرى أنوشروان بالحكمة والاعتدال وتحقيق العدل في مملكته، لكنه في سبيل تحقيق ذلك رفض العقيدة المزدكية وأعاد الزرادشتية للفرس، وأزهق ( في ضحوة واحدة - أرواح - مائة ألف زنديق - مزدكي - وصلبهم )[6]؛ فسمي لذلك أنوشروان أي الروح العالية!
تُرى هل كان أنوشروان إصلاحياً أم محافظاً؟
--------------------------------------------
(1) اسم العملة الإيرانية.
(2) كتاب الوصية السياسية الإلهية، ص 27.
(3) بي بي سي 7/7/2000م.
(4) ص 59.
(5) ولاية الفقيه نظرية اخترعها الخميني وأسس بواسطتها ثورته عام 1979م وعارضها كثير
من علماء وآيات إيران وغيرها من علماء الشيعة ومنهم آية الله منتظري وآية الله طبطبائي القمي والعلامة موسى الموسوي من إيران ومحمد جواد مغنية ومحمد حسين فضل الله من لبنان، انظر: الحقيقة وولايه الفقيه ونقدها علمياً في كتاب (فقه ولاية الفقيه) لمحمد مال الله - البيان.
(6) ابن الأثير/الكامل ج 1 ص 336.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 04-16-2015, 07:15 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة علماء الشيعة والنسب الهاشمي

علماء الشيعة والنسب الهاشمي
ــــــــــــــ

(د. سلمان الظفيري)
ـــــــــــ

27 / 6 / 1436 هــ
16 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ




كنت في جلسة مع بعض الأساتذة الشرعيين قبل سنوات فقلت: لماذا لا نحقق وندقق في قضية النسب الهاشمي التي كثرت كثرة فاحشة عند علماء الشيعة ولا سيما العجم منهم؟
وهذه القضية مهمة؛ لأن تفنيدها وكسر أضلاعها مما يساهم في تفتيت كثير من باطل الشيعة ولا سيما هذه التكأة أعني أهل البيت وتسترهم خلف هذا الاسم الشريف اللامع.
غير أن هؤلاء الإخوة منهم من سكت، ومنهم من قال الأمر فيه صعوبة؛ وذلك لأن النسب الهاشمي لا يعدو أن يكون نسباً يملكه صاحبه فقط فلا توجد سجلات عامة يمكن للباحث الاستفادة منها وتحقيق الدخيل في النسب.

وقفات مع هذا الادعاء:
----------

أولاً:العادة المعروفة عند علماء الشيعة أن من كان هاشمياً فإنه يلبس العمامة السوداء، ومن كان من غير بني هاشم فإنه يلبس العمامة البيضاء.
وهذه العادة سارية مثل القانون في جميع البلاد التي يكون فيها للشيعة علماء مثل إيران و العراق وغيرها من البلاد.
ولكننا نجد هؤلاء الهاشميين فيما زعموا ألقابهم منسوبة إلى مدن من مدن البلاد الأعجمية مثل الميلاني والأردبيلي والخميني والخوئي.
وهؤلاء أحدهم لا يعرف نسب أجداده وإلا لانتسب إليهم بدل أن ينتسب إلى أسماء المدن.
وهذه الحقيقة المرة يقف الباحث إزاءها ويتعجب من كثرة من ينتسب إلى النسب الهاشمي بهذه الكثرة العظيمة من علماء الشيعة؛ ثم بعد ذلك هم ينتسبون إلى مدينة من مدن إيران؛ مما يدل على عدم قناعة أحدهم بهذا النسب.

ثانياً:من شعارات الشيعة المعروفة: (التقية ديني ودين آبائي، ومن لا تقية له لا دين له)، فإذا عرف هذا لاح لنا أن الكذب في هذه القضية له نصيب كبير.

ثالثاً:مما يشكك بهذه الدعوى رغبة علماء الشيعة في اللغة الفارسية واهتمامهم العظيم بها حتى إن الخوئي كان بالنجف يدرس باللغة الفارسية، وبنو هاشم هم عرب ولغتهم اللغة العربية وسيدهم صلى الله عليه وسلم هو أفصح من نطق بالضاد؛ فكيف لا يدعوهم هذا إلى الاهتمام بلغة القرآن الكريم ولغة سيدهم ( سيد بني هاشم) والإنسان ميال إلى أصله؟!

رابعاً:من المضحكات في هذه الدعوى أن المدعو التيجاني التونسي مؤلف كتاب (ثم اهتديت) الذي زعم أنه كان تيجانياً صوفياًَ ثم صار شيعياً جلداً قال وهو يتكلم عن مذهب الشيعة وعن ترجيحه الفاشل له: « وأبي أخبرني بأننا أصولنا من العراق، وأن نسبنا ينتهي إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ».
أقول وبهذه السهولة بحث في ذكرياته القديمة ودفاتره العتيقة إن كان صدق فإذا به سيد هاشمي يستطيع أخذ الخمس، وتأوي إليه كل راغبة ببركة المتعة لعلو أرومته ونصاعة نسبه!!

خامساً:شكك الدكتور موسى الموسوي بنسب الخميني (النسب الهاشمي)؛ وذلك لأن أصله من الهند؛ فقد جاء جده من الهند واستقر في مدينة خومين وتديرها؛ فلماذا قطع الخميني صلته بأقاربه؛ والعهد ليس ببعيد؛ فلا يعرف له صلة بقومه وأقاربه؛ فعلامَ يدل هذا؟[1].
أقول: يدل هذا على سر سعي الخميني إلى إخفائه تلك الصلة، وأن وراء الأكمة ما وراءها.

سادساً:ذكر الأستاذ أحمد الكاتب أن الخوئي كان أبوه يلبس العمامة البيضاء فلما صعد الخوئي بدأ يلبس العمامة السوداء[2]!

وهذا معناه أنه زوَّر نسبه وادعى الهاشمية.

سابعاً:ومما يزيد الشبهة قوة ما وقع من حوادث وقعت في النجف كشفت المغطى بستور غليظة؛ وقد سجلها بعض علماء الشيعة العائدين؛ إذ يقول: « توفي أحد السادة المدرسين في الحوزة النجفية، فغسلت جثمانه مبتغياً بذلك وجه الله، وساعدني في غسله بعض أولاده، فاكشتفت أثناء الغسل أن الفقيد الراحل غير مختون »[3].

والختان شائع عند المسلمين واليهود ولا يعمله النصارى، وهذا السيد الفقيد محسوب على بني هاشم؛ فهل بعد هذا التزوير في الدين والنسب تُصدَّق دعواهم؟! ويقول أيضاً: « وهناك بعض السادة في الحوزة لي عليهم ملاحظات تثير الشكوك حولهم والريب؛ وأنا والحمد لله دائب البحث والتحري للتأكد من حقيقتهم »[4].

أي حقيقة: حقيقة الدين، أم حقيقة النسب؟ لا شك أنه يريد حقيقة الدين: هل هم يهود، أم نصارى، أم مجوس؟ فهؤلاء أساتذة الحوزة من السادة (من بني هاشم) هذه حقيقتهم؛ فماذا تكون حقيقة السادة السياسيين؟-

اعترافات خطيرة:
-----------

في السنوات الأخيرة تاب ثلة من علماء الشيعة من أباطيلهم، واعترفوا بفساد العقيدة الشيعية، ومن هؤلاء الشيخ حسين الموسوي مؤلف كتاب: (لله ثم للتاريخ) حيث ذكر أحوالاً سافلة في تزوير النسب الهاشمي بأبخس الأثمان وأحط الأحوال.
ويحسن بي أن أنقل كلامه حول النسب الهاشمي وتزويره في النجف إذ يقول: « ويحسن بنا أن ننبه إلى أن الفقهاء والمراجع الدينية يزعمون أنهم من أهل البيت؛ فترى أحدهم يروي لك سلسلة نسبه إلى الكاظم (عليه السلام). اعلم أنه يستحيل أن يكون هذا الكم الهائل من فقهاء العراق وإيران و سوريا و لبنان ودول الخليج والهند و باكستان وغيرها من أهل البيت، ومن أحصى فقهاء العراق وجد أن من المحال أن يكون عددهم الذي لا يحصى من أهـل البيت؛ فكيف إذا ما أحصينا فقهاء البلاد الأخرى ومجتهديها؟ لا شك أن عددهم يبلغ أضعافاً مضاعفة؛ فهل يمكن أن يكون هؤلاء جميعاً من أهل البيت؟
وفوق ذلك فإن شجرة الأنساب تباع وتشترى في الحوزة؛ فمن أراد الحصول على شرف النسبة لأهل البيت فما عليه إلا أن يأتي بأخته أو امرأته إذا كانت جميلة إلى أحد السادة ليتمتع بها، أو أن يأتيه بمبلغ من المال وسيحصل بإحدى الطريقتين على شرف النسبة وهذا أمر معروف في الحوزة.
لذلك أقول لكم: لا يغرنكم ما يضعه بعض السادة والمؤلفين عندما يضع أحدهم شجرة نسبه في الصفحة الأولى من كتابه ليخدع البسطاء والمساكين كي يبعثوا له أخماس مكاسبهم »[5].
وبعد فإن نبينا صلى الله عليه وسلم نهانا عن الطعن في الأنساب، وأنها من الجاهلية وأخلاقها؛ غير أن الأمر هنا يتعلق بالدين والافتراء عليه، والتعلق بالنسب الهاشمي الشريف لتضليل العباد وتكفيرهم وهدم الإسلام والتفريق بين أبنائه؛ فكان على من علم أن ينصح ويحذر المسلمين، وعسى أن تكون هذه الكلمات طليعة لأقلام أخرى تساهم في إماطة اللثام عن وجه الحقيقة في هذه القضية الخطيرة.

------------------------------------------
(1) انظر: الخميني في الميزان، د موسى الموسوي، ص 148.
(2) وقد ذكر ذلك في المسجد المركزي في لندن لبعض إخواننا من طلبة العلم، والكاتب هذا في علماء الشيعة الذين يدعون إلى تصحيح المذهب ونبذ الخرافات، وقد نقض الإمامة الشيعية بأدلة
قوية، وله كتاب في ذلك اسمه: (تطور الفكر الشيعي).
(3) انظر: لله ثم للتاريخ، حسين الموسوي، ص 101، ط 4 دار الأمل القاهرة.
(4) المصدر السابق.
(5) لله ثم للتاريخ، مصدر سابق، ص 771 72.
--------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الخطر, الإيراني, يتمدد

« النظام الإيراني والتقيّة الكبرى! | أثر حفظ القرآن على المستوى العلمي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الخطر الشيعي عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 03-24-2015 08:43 AM
التبشير الخطر الداهم عبدالناصر محمود بحوث ودراسات منوعة 0 12-06-2014 08:40 AM
أمريكا الخطر الأكبر على العالم عبدالناصر محمود الملتقى العام 0 10-14-2014 08:19 AM
الخطر الحوثي يهدد اليمن عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 02-09-2014 08:38 AM
الخطر الإسلامي عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 2 02-22-2012 03:43 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:38 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68