تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #9  
قديم 05-03-2015, 07:17 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة حول كتاب (ما بعد السلفية)!!

حول كتاب (ما بعد السلفية)!!
ـــــــــــــــ

(محمد عبد الواحد ـ خالد بهاء)
ــــــــــــــ

14 / 7 / 1436 هــ
3 / 5 / 2015 م
ـــــــــــ




الحمد لله وحده، وبعد:
-----

فهذا تعليق مقتضب على كتاب (ما بعد السلفية) للشيخين والصديقين العزيزين أحمد سالم، وعمرو بسيوني، ألجأنا إليه:

أ- كثرة ما وجه إلينا من الأسئلة حوله، كل واحد على انفراد، وبعضهم صرّح بانتظاره لرأيينا معًا، رغم حداثة الكتاب!

ب- وكذلك ما قد يظنه بعضهم من أننا معتمدان موافقان لكل ما فيه، لأسباب يعرفها المتابعون على هذا الموقع، لا نطيل بذكرها.

ج- وكذلك شروع الجهلة والباغين في ممارسة دورهم المعهود من الظلم والبهتان في حق المؤلفَين، وهي بداية هجمة معتاد مثلها، لا يتحقق فيها أدنى الواجب من العلم ولا الموضوعية ولا الأدب!

فنقول بعد الاستعاذة من الشيطان ووساوسه، والتبري من الحول والقوة:

أولًا، بخصوص النقود التي بدأت تتناول المؤلفَين والكتاب:

1- قد أبدى بعض الناس رأيه، وعامة ما رأيناه إلى هذه اللحظة موافقة ساذجة، أو مخالفة باغية مجرمة، تتجاوز الكتاب وأفكاره، إلى الكلام في المؤلفَين، والدخول في النيات، وصناعة أوهام من الاتهامات الباهتة ليس لها أدنى مصداقية، ولم يقم عليها أي دليل.

2- ننصح هؤلاء بالتوبة من هذا البهتان؛ فإنه كبيرة، والكف عن ظلم أنفسهم بتحميلها ما لا تطيقه من الإثم والعدوان، ونذكرهم بقول الله عز وجل {ستكتب شهادتهم ويسألون}؛ فإننا نعتقد أنهم لا يملكون إجابة عن هذا الكذب، وإن هو إلا البغي والظلم والتعدي بالبهتان الخالص، وكلها من أعظم الكبائر وأشدها عند الله.
وقد وصل الحال ببعضهم في التماهي مع عقليته المتشبعة بنظرية المؤامرة؛ أن يطعن في الناشر وتوجهه، ويدعي أنه هتك ستار الغيب، فعلم أنهم مسيّسون، موجّهون، هكذا ضربة لازب!
وساق على ذلك خيوط العنكبوت أدلةً، فلا حاجة لنا بذكر فساد هذا التوجه، وليس عندنا من ردٍّ عليه ولا على من أقنعته نفسه بوجاهة كلامه إلا الدعاء بالهداية وسلامة العقل!

3- وأما من لم يبد رأيه حتى الآن؛ فننصحه أن يتفقد موضع قدميه، ولا يقدم على ما لا يحسنه، وألا يردد شيئًا من هذا التخرًّص الذي ليس عليه برهان قط، فإنه من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وهو عين الكذب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال».
والمقصود: أننا نعتقد أن علاقتنا القريبة بالمؤلفَين؛ كافية جدًّا لنشهد أن ما قيل عنه شخصيهما كذب خلاف ما نعرفه وشهدناه منهما، والظن أنه ما حمل على هذا الظلم إلا الحسد، أو العجز، أو شدة الجهل!

4- وأما من وافق على جميع الكتاب، أو المادحون له جملة وتفصيلا، أو بإطلاق، بلا قراءة ولا تدبر، ولا فهم ولا وعي لما بين دفتيه من مسائل، مع أن كثيرًا من تقريراته لم يقل به أحد من قبل:
فننصحهم بالتمعّن والتأني، وألا يكون قولهم في الكتاب متسرعًا، ولا ردّة فعل لهذا البغي والبهتان الذي بدأ على شخصَي المؤلفين، وإننا لنعجب ممن سارع بمدح الكتاب ولم يقرأ منه إلا القليل، أو قرأ، لكنه ليس ممن يمارس مثل هذه المسائل الدقيقة!
فإن في الكتاب مسائل أصلية وفرعية، وأقوالا مستجادة، تحتاج دربة على هذا النوع من العلم، وبحثًا وسؤالا واستبيانًا واستفصالا، ودرسا عميقًا، كل ذلك قبل اعتقاد صحة ما فيه فضلا عن أن يُبنى عليه شيء، عملٌ أو حكمٌ، وهذه سمة عامة كتب المناهج ونقد الأفكار والأشخاص، فكيف وفي الكتاب أقوال كثيرة وبعضها خطير لم يقل بها أحد من قبل؟!

ثانيًا، بخصوص تقييمنا للكتاب:

1- بداية، نعلن بوضوح تام: خلافنا مع مسائل (أصلية) واردة في الكتاب ومفاصل فيه، خلافا تامًّا، أي: (المسائل التي يعتمد عليها الكتاب، ويقوم بها)، وأن الكتاب أسس مسائل وأفكارًا مغلوطة، وهدم أخرى وشتت شملها وهي عندنا حق ثابت ودليله راسخ، ومنها ما لم تختلف الأمة فيه!

2- إذا كانت فكرة الكتاب قائمة على تقديم معيار للسلفية، أو لقضية (الاتباع)، ثم محاكمة التحقق الإسلامي (السلفي خاصة) عبر الأجيال إلى هذا المعيار، ثم استشراف المستقبل؛ فإننا:

(أ) فأما المعيار: فلا نعتقد أن المؤلفَين قد وفّقا في تقديم معيار صحيح أو نظرية متماسكة لقضية (الاتباع) أو للـ(سلفية)!
بل وجدنا بعض الدعاوي الخطيرة، الأصلية والمحورية في صناعة هذا المعيار؛ قد برهنا عليها تارة بأسلوب خطابي لا قيمة له، وتارة بأدلة غير خالية من شوائب استدلاليّة مبطلة له، مثل: التحكّم، أو الإجمال المعيب، أو الانتقال عن محل البحث، أو القصور في إيراد نصوص ونقولات حاكمة مهمة، أو التأثر (وهو أعجبها إلينا!) بأوهام المسرح السلفي المعاصر، بل؛ دون أي برهان أحيانًا!
فضلا عن التزام بعض لوازم هي عندنا ظاهرة البطلان، وبعضها لم يكونا بحاجة إليه أصلا!

(ب) وأما محاكمة التحققات التاريخية لهذا المعيار: فنعتقد جازمَين أن بعض مضامين النقد لها وللأئمة وأقوالهم ومواقفهم، ولا سيما الطبقات المتقدمة كأحمد وأقرانه = خارج عن طرق أهل السنة في النقد، مندرج في مسالك التنويريين والحداثيين، وهذا أيضًا من أعجب شيء إلينا!
كما أننا لاحظنا بعض الجرأة على التراث ومضامينه بنزعات لا ينبغي أن تصدر من متشرع، وأما التهويل بتحميل الأئمة تبعات غلو أو توسع بعض المنتسبين إليهم، أو حتى العوام؛ فمسلك غريب لا يستقيم مع ما يدور عليه الأئمة من الأجر والأجرين، بلا خلاف.

3- نعتقد جازمَين أن أهم مباحث الكتاب مستعجَل عليه، وتم تناوله بسطحية، ولم يأخذ حقه من الاستدلال، فبعض الدعاوي أعم من دليلها أو أخص، بصورة واضحة لنا جدًّا، كما أن بعضها لم يقم عليه دليل أصلا كما سبق!
وغير خاف أن العجلة والسطحية هما أكثر آفتين تؤديان للتناقض الذي بدا لنا واضحًا، بحيث يقال الكلام وضده!
وهما أيضًا أشد آفتين يعاني منهما التيار السلفي المعاصر!

4- عليه: فمن عجائب المفارقات: أننا نرى بوضوح في بناء حجة الكتاب: بعضَ آفات الممارسة العلمية للسلفيين المعاصرين، نقدًا وتأسيسًا، والنفوذ إلى تأسيس معيار لقضية الاتباع بعقلية السلفيين المعاصرين!
هذا على الرغم من بناء فكرة الكتاب على كشف كثير من آفاتهم، وتتمثل في تلك المسائل التي تُعُجّل بها قبل استوائها، ودون أن يُقدَّم عليها دليل متماسك، وفي عدم إعطاء التراث والأئمة حقهما الكافي من التعظيم، لا للأشخاص فحسب، بل للأقوال والمواقف، التي مرت على الدهور الطويلة، والعقول الألمعية، بلا نقد لها مطلقًا(!!) (آفة إيراد الأسئلة الساذجة على أقوال الأئمة وأفعالهم، أو تحميلها ما لا تحتمل!).

5- وهنا نحب أن نؤكد: أن نقدنا للكتاب: لا يعني بحال أننا ضمن من يعتقد صحة الممارسة العلمية، أو الدعوية، أو السياسية، أو حتى الاجتماعية، للسلفيين المعاصرين!
بل نظنّ أننا من أكثر من بيّن خلافه مع كثير منهم، في قضايا ومسائل لا حصر لها، وأن ما هم عليه ليس هو (تحقيق الاتباع، بلا شوائب) كما يروجون لأنفسهم، وزيّفنا ضعفهم العلمي، وضحالة اطلاعهم، وتناقضهم الكثير، وبينّا أخطاءهم الدعوية وجرأتهم على العلم بلا استئهال ولا مكنة ولا دربة على مسائل العلم، وسخطنا عليهم خذلانهم لمواطن الحق، وعدم قبولهم للنصح، وندرة رجوعهم إلى الصواب أو الامتثال للناصح المحق، وإن برهن لهم على خطئهم، وأنكرنا تحزب بعضهم على الباطل!

6- ننبه بوضوح تام: أن بعض أهم اختلافاتنا وعدم رضائنا عن الكتاب؛ هي كثير من خلافاتنا مع أحد المؤلفَين منذ سنوات، ووقائعها مشهورة للمتابع القديم، ونحن نعلم بقاء هذه الخلافات على حالها، ومع ذلك؛ فلم يمنعنا هذا من التعاون على الخير والبر والتقوى، والتقارب والتناصح، بل؛ والتآخي والمحبة في الله.
فنحن بقدر اعتقادنا خطورة بعض هذه التقريرات، وخلافنا الشديد معها؛ نعتقد حرمة التدابر والتشاحن والرمي بالبهتان، والوقوع في الأعراض كما يفعله الجهلة الظلمة.

7- وأهم من كل ذلك: نعتقد أن الحوار المثمر بالعلم والحلم الواجبين شرعًا، هو أكثر ما يحتاجه جيلنا المظلوم، وهي الطريق الوحيدة للخروج من حالة الهوان المعرفي المظلم التي نعيشها، وصاحبانا مؤلفا الكتاب من أولى من يمكن أن يثري مثل هذه الحوارات، لما نعلمه عنهما وعايناه وخبرناه بأنفسنا من ذكاء واطلاع وحرص، كذلك نحسبهما والله حسيبهما.

8- هذا الإجمال في نقد الكتاب يناسب مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما حمَلَنا عليه ما قدّمناه في أول المنشور، وأما الكتاب فهو قريب من 700 صفحة، وكتاب في مثل قضاياه تلك، طولا ودقّة؛ يستحق النقد التفصيلي، والحجاج الدقيق، وهذا لا يناسب هذا الموقع غالبا.

9- لذلك: فكل واحد منا يحتفظ منفردًا بكامل حقه في تقدير التوقيت والأسلوب المناسبَين لتقديم نقد أكثر تفصيلا وعلميّة من هذا الإجمال، على هذا الموقع (على تقدير مناسبته أو حدوث ما يستدعيه) أو غيره!
وخلافا لما يظنه بعض الناس، فمجرد إبداء الرأي في قيمة كتاب ما، وإظهار الموافقة عليه أو رفضه؛ مفيدة من بعض الناس، ولو لبعض الناس دون بعض.

10- تقييمنا النهائي للكتاب: أنه سيّء في الجملة، وفيه كثير من المجازفات، والأقوال غير المحررة، ويقيننا بعد قراءته: أنه مستعجَل عليه، فكرةً، ومعالجة، وإخراجًا، بما في ذلك أخطاء اللغة والإملاء!
وكنا نحب لأخوَينا ألا يقدِما على نشر مثله، غفر الله لنا ولهما، ولا حرمنا وإياهما من مراجعة النفس في كل قول، ورزقنا وإياهما الهدى التام، والثبات عليه إلى يوم لقائه !

وبناء عليه: فننصح غير المتأهل القادر على تمييز الغث من السمين، ألا يشغل نفسه بقراءة الكتاب ولا تستفزه المناقشات الدائرة حوله فيخوض بحرًا هائجًا بلا طوق نجاة، وليحرص على التضلع من علوم الشرع، وليلزم غرز أئمته الراسخين فيه المجمع على هدايتهم ودرايتهم. وبالله العصمة، والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.

سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد ألا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

محمد عبد الواحد
خالد بهاء

-------------------------------------
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-03-2015, 07:28 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة وقفاتٌ مع كتاب "ما بعدَ السَّلفيَّة"

وقفاتٌ مع كتاب "ما بعدَ السَّلفيَّة"
ـــــــــــــــ

(الدكتور صالح حسَّاب الغامدي)
ـــــــــــــــ

14 / 7 / 1436 هــ
3 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ



بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

"إنَّ عيبَ الانتقاء هو عيبٌ أيديولوجيٌّ بالأساس، يتَّسم به كلُّ مؤدلج، بين مُقلٍّ ومُستكثِر، بمعنى قيام الفِكر الأيديولوجي في تفسير العالَم على: الإقصاء، والانتقاء، انتقاء ما يخدُم التفسيرَ الضيِّق، وإقصاء ما لا يَخدُمه"

ما بعد السلفية/ 595

هل سَلِم كتابُ "ما بعد السلفية" لمؤلِّفَيه أحمد سالم وعمرو بسيوني، من هذا الانتقاءِ أم لا؟
لعلَّ هذه الورقاتِ تُسهِم في إجابةِ هذا السؤال.

بِدايةً أودُّ أنْ أُشير إلى أنَّ هذا الكتاب (696 صفحة) حوى بين دفَّتيه أطروحاتٍ متنوِّعةً ومفيدةً، أرى فيها الحقَّ والخير، وبما أنَّ الكتاب كتابٌ نقديٌّ فإنَّ تلك المواضِعَ لا تكفي للحُكم بصلاحية الكتاب؛ لأنَّ النقدَ عبارةٌ عن كُتلة متَّصلة، يخدُم أولُها آخِرَها، وبالتالي فإنَّ الوقفاتِ الآتيةَ تتناول كتاب "ما بعد السَّلفيَّة" على هذا الأساس؛ فهو من وجهةِ نظري بِناءٌ نقديٌّ، وإنِ اختلفْنا مع طبيعة ذلك النَّقد، وقدْ سِرتُ فيها سَيرَ التحليلِ والتوصيف، بعيدًا عن المناقشةِ التفصيليَّة، والتي أُراها غيرَ مُجديةٍ، وفي الختام سأذكُر السَّبب.

الوقفة الأولى: نظرةٌ عامَّة على الكتاب
العنوان الفرعي لكِتاب "ما بعد السلفية" هو: "قراءة نقديَّة في الخِطاب السلفيِّ المعاصِر"؛ وهي كذلك.. قراءة نقديَّة؛ ولكن السؤال: أيُّ نوعٍ من أنواع القِراءات النقديَّة هي؟
لعلَّ الأسطرَ الآتية تُجيب..

جاء في مُقدِّمة "ما بعد السلفية" «هناك مَن يقرأ (الما بعد) بوصفِه انهيارًا للقِيَم التي خرَج عليها، وهذا قراءةٌ غير حصريَّة أو حتمية تنفي غيرَها من القراءات؛ فـ (الما بعد) يمكن أن نقرأه بوصفه تجليًا جديدًا وتفسيرًا مختلفًا، وليس سالبًا، كما أنَّه لا يعني موتَ الذي تمَّ الخروج عليه»[13]. هذه الفقرة الذكيَّة من الكاتبينِ إنَّما هي مَخرجٌ مبكِّرٌ لهما مِن تَبِعات القراءة النقديَّة التي اعتمَداها، وهي القراءةُ "التفكيكيَّة" أو "القويضيَّة"، والتي ارتبطتْ في الأدبيَّات الفلسفيَّة الغربيَّة بـ"ما بعد الحداثة"، وقد كانتْ في بدايتها الأسلوبَ النقديَّ الذي اتَّبعه الفيلسوف الفرنسيُّ المعاصر "جاك دريدا" لمهاجمةِ الفِكر الغربي الميتافيزيقي (الماورائي)، وسمَّى أسلوبَه ذلك بـ"التقويض"، والذي يُترجِمُه البعضُ بـ"التفكيك"، وهي ترجمةٌ بعيدةٌ عن مراد "دريدا"؛ وهو الذي يصِف الفكرَ الغربيَّ الدِّيني باستمرار بأنَّه "صرْح" أو معمار يجب تقويضُه(1).

يقول عبدالوهاب المسيري -رحمه الله-: «الفلسفة التفكيكيَّة (ما بعد الحداثة) فلسفةٌ تهاجم فِكرة الأساس نفْسها؛ (ولذا يُطلق عليها بالإنجليزيَّة أنتي فونديشناليزم anti-foundationlism)، أي: رفْض المرجعيَّة، وهي تحاول إثباتَ أنَّ النُّظُمَ الفلسفيَّة كافةً تحتوي على تناقُضاتٍ أساسيَّة لا يُمكن تجاوزُها، ومِن ثَمَّ لا تُصبح هذه النظمُ بذاتها طريقةً لتنظيم الواقِع، وإنَّما علامة على عدَمِ وجود حقيقة، بل مجرَّد مجموعةٍ من الحقائق المتناثِرة فقط»(2).
ويُضيف المسيري بأنَّ "جاك دريدا" استخدَم في أُولَى دِراساته الفلسفيَّة اصطلاحَ "تخريب" أو "تقويض" (destruction)، ثم استخدَمَ مصطلح تفكيك (deconstruction) ربَّما ليُخبِّئ الطبيعةَ العَدميَّة لمشروعه الفلسفي(3).
ويقول أيضًا: «وكلمة "تفكيك" تأتي في بعض الأدبيَّات مرادفةٌ لمصطلح "ما بعد الحداثة"، ولكنَّنا نذهب إلى أنَّ التفكيكيَّة إحدى أوجُهِ ما بعد الحداثة، ففِكر ما بعد الحداثة فكرٌ تقويضيٌّ مُعادٍ للعقلانيَّات وللكليَّات، سواء أكانت دِينيَّة أم ماديَّة»(4).

ويرَى محمد البنكي أنَّ العلاقة بين ما بعد الحداثة والتفكيك هي علاقةُ الكلِّ بالجزء(5).
والذي أراه واضحًا أنَّنا بين يدَي تفكيكيَّة/ تقويضيَّة جديدة مُسْتنسَخة؛ تتمثَّل في كتاب "ما بعد السلفية"!
والذي يبدو لي أيضًا أنَّ هذه القراءةَ النقديَّة التقويضيَّة للسلفيَّة انطلقتْ من مُسبَّقات ذِهنيَّة لدَى المؤلفَين؛ والتي ربَّما أفْرَزها الاشتغالُ الفلسفي بعينٍ، والنظر إلى الواقِع بالعينِ الأخرى، وأبرز تِلك الـمُسبَّقاتِ الذِّهنيَّة التي لاحظتُ حضورَ مُخرجاتها بقوَّة في الكتاب ما يلي:

"احتكار الحقِّ"
"لا هيبةَ لأحد" (مُخفَّفة من: لا قَداسةَ لأحد)
"تطور/تعدُّد السلفيَّة"
"تخلُّف السلفية معرفيًّا"
"فشل السلفيَّة واقعيًّا"

"أُفول السلفيَّة"

وبما أنَّ التقويضَ يَستلزمُ القوَّة؛ فإنَّ النَّفَس النقديَّ البعيد عن الهدوءِ والإنصافِ كان هو الحالةَ الطاغية على الكِتاب؛ ولذلك مارس الكاتبانِ ثورةً صادمةً لتقويضِ السلفيَّة، لَبِسَا لها ثوبًا من التعالُم الموسوعيِّ العجيب! وعزَّزاه بقِلَّة الإحالات، وبمحاولةِ تعميق عِبارات الكتاب، وتزيينه بالألفاظ الغربيَّة (أبستمولوجي- جيتو- يوتوبيا... إلخ)، وأضافَا إلى ذلك نوعًا من الحِياد الظاهريِّ المتكلَّف، عَبْرَ تجريدِ الأعلامِ تمامًا عن الألقاب وصِيغ المدْحِ وعِبارات الترحُّم إلَّا فيما ندَر، والواقِعُ أنَّه الأمر الذي يتَّسق تمامًا مع منهجِ التقويضِ الذي اتَّبعاه!
وبعدُ؛ فإنَّ هذه الأمورَ السابقةَ بتفاصيلها الصادِمة في الكِتاب تُشعِرك وكأنَّك تقرأُ تقريرًا لمؤسَّسة راند، أو لمركز المسبار!

الوقفة الثانية: مع عاصِفة التقويض

لم تَمضِ السَّبعون ورقةً الأولى من الكتاب حتى كَسَر (هدَم) الكاتبانِ ما تَوهَّماه مُستَمْسَكًا سلفيًّا لاحتكارِ الحقِّ، وهُما: حديث الفِرقة الناجية، وحديث الطَّائفة المنصورة(6)؛ فتوصَّلَا إلى رأيٍ عجيبٍ في حديثِ الفرقةِ الناجيةِ، وهو أنَّ قولَ المصطفى صلى الله عليه وسلم في آخِر الحديثِ: ((هي ما أنا عليه وأصحابي)) «مَفهومٌ ذهنيٌّ لا يكادُ يتحقَّقُ في الخارج إلَّا في السابقين المقرَّبين..»[56]!، وبَنَيَا على هذا الرأي أنَّ كلَّ فرقةٍ يُمكن أن تدخل جزئيًّا بما معها من الحقِّ في النَّجاة «سواء أكانتْ هذه الفرقةُ هي أهلَ السُّنَّة والجماعة، أو أهل الحديث، أو المعتزلة، أو الأشاعرة، أو الشِّيعة، أو غيرهم»!! [56].
وعلى ذاتِ المنوالِ جرَيَا في حديثِ الطائفة المنصورة؛ فقد خَلَصَا أيضًا إلى فَهمٍ غريبٍ عجيبٍ لهذا الحديث، وهو أنَّ «مِن هذه الطائفة المنصورة مَن يكون مِن أهل الحديث، ومنهم مَن يكون مِن أهل الفِقه، ومنهم مَن يكون من أهل السُّلوك، أو أهل القرآن، ومنهم مَن يكون سلفيَّ الاعتقاد، ومنهم مَن يكون غيرَ سلفيِّ الاعتقاد؛ فهو في كلِّ حال ظاهرٌ على الحقِّ في شيء لا في كلِّ الأشياء»!! [67].

وأمَّا تقويضُ هيبةِ أهلِ العِلم (ورثة الأنبياء) فقدْ بلغَا في ذلك الذُّروةَ!

فزعمَا بعدَ مفهومهما العجيبِ لحديثِ الفرقة الناجية أنَّ الإمام أحمد -رحمه الله- قد يكون من الفرقةِ الناجية في بابٍ، ومن الفرقة المتوعَّدة بالنار في أبوابٍ أخرى حصَل فيها منه الذنبُ المحض !![56]
ووصفَا شيخَ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- بالبراجماتية، فزعَمَا «أنَّ كثيرًا من استعمال ابن تيمية لأقوال العلماء في بحْثِه السجاليِّ هو استعمالٌ توظيفيٌّ، ذو طابع براجماتي»! [315].
ووصفَا الشيخ الألبانيَّ -رحمه الله- في غيرِ ما موضعٍ بالراديكاليَّة! [440، 475، 547].
ووصفَا بها أيضًا بعضَ مواقف الشيخ بن باز -رحمه الله-[472]، وزعمَا أيضًا أنَّه «في فترةٍ سابقةٍ على شُهرته كان مُتَّسمًا بالحميِّة الإسلاميَّة..»! [483].
هذا من الناحية التوصيفيَّة لأهل العِلم، وأمَّا من ناحية التقويمِ فالأمر أشدُّ!

ففقامَا بتخطئةِ الإمامِ أحمد -رحمه الله- في إحدى المسائِل، واعتبرَا رأيَه نوعًا من البغيِ وعدمِ العدلِ! [95]. والإمام أحمدُ ليس بمعصومٍ عن الخطأ، ولكن هذا التوصيفُ منهما مبنيٌّ - كما زعمَا- على المعاملةِ بالمِثل! والواقعُ أنَّه نوعٌ من تقويضِ الهيبةِ.

وأمَّا رموزُ الدَّعوةِ السَّلفيَّة ومشايخِها فقدْ غرِقوا في بحرِ تقويمِهما المتلاطِم (المتعالِم)!
ومِن ذلك -على سبيل المثال- قولهما: «يغلبُ على ابن باز الطابعُ المحافِظ، والترجيحُ في إطار الأدلَّة القريبة»![371]، وابن عثيمين «كان أقربَ إلى المنهج التيميِّ، بمعنى الاجتهاد، الذي لا يَخلو من المحافظةِ، مع جودةِ الأدواتِ الفقهيَّة نسبيًّا»[344]، ويُضيفان بأنَّ «لكلٍّ مِن الشيخينِ اختيارات فِقهيَّة، جمعَها بعضُ تلاميذِه، ولكنَّها ليستْ بالجِدَّة التي تُعدُّ فيها اختياراتٍ تَستأهِلُ الدَّرسَ والاعتناءَ»!! [371]
ولم يكُن الشيخُ الألبانيُّ -رحمه الله- معهما بأسعدَ مِن الشيخينِ، فزَعَما بأنَّ «فقْر أدوات الألبانيِّ الأصوليَّة، والفقهية، وكذلك نَظرتُه الحديثيَّة لم يُتِحْ له ذلك الاقترابَ أكثرَ من مباني ابنِ تيميَّة الفقهيَّة»!! [344]
وزعَمَا أيضًا بأنَّ «أجودَ الشروحِ الفقهيَّة السعوديَّة في ذلك الإطارِ: الشرح الصوتي لمحمَّد المختار الشنقيطيِّ على زاد المستقنع، والذي يكشفُ عن تفقُّهٍ متوسِّط العُمق ومحافِظ مذهبيًّا»! [370]
وأُشير هنا إلى ورقةٍ نقديَّة قيِّمة لهذا الجانبِ التقويضيِّ مِن كتاب " مابعد السلفية " كتبها مشاري بن سعد الشتري ".
وأما مُسبَّقة "تطوُّر/ تعدُّد السلفيَّة"، والتي كانتْ مِن أسلحتهما للتقويض، فرَغمَ إيرادِهما لمفهومِ وأصولِ وقواعدِ وخصائصِ المنهجِ السلفيِّ [30]، وتأكيدهما على أنَّ هذا يكادُ يكون متَّفقًا عليه بين التيَّارات السلفيَّة المعاصِرة؛ إلَّا أنَّهما جعلَا من الاختياراتِ العلميَّة والمواقِف العمَليَّة مُتَّكأً لإثباتِ أنَّ السلفيَّة مرَّت بمراحلَ تاريخيَّة، ولكلِّ مرحلةٍ طابعُها، ثم تكلَّفَا في محاولة إيجادِ الفوارقِ بين كلِّ مرحلة وَفقَ ما سمَّيَاه بـ"التحقُّقات التاريخيَّة"، والخلاصة بعد ذلك: أنَّ ذلك المفهومَ السلفيَّ وتِلك الأصول والقواعد التي أثْبَتاها تلاشَتْ أمامَ سلفيَّاتٍ مُتشظِّية ينقبضُ منها فؤادُ القارئ!!

وأمَّا عن مُسبَّقتي "التخلُّف السلفي معرفيًّا" و" الفَشَل واقعيًّا" فإنَّ عينَ القارئ لا تكادُ تُخطئ هيمنتَهما على الكِتاب، مِن مبدئِه إلى مُنتهاه، فعلى سبيل المثال: قالَا في بداية الكتاب :«إنَّ أوَّل خُطوات انتزاعِ السلفيَّة المعاصرة من حالة السُّبات الوثوقيِّ التي تعيش فيها: هي أن نُبيِّن للمنتسبين لها حقيقةً صُلبةً، وهي: أنَّ السلفيَّ لم يَحُلَّ مشكلةَ التنازع التأويليِّ للكتاب والسُّنَّة بأنْ يَرُدَّ الناسَ لفَهم السلف» [11]، فانبريَا في سبيلِ هذا البيان إلى تقويضِ وتقزيمِ السلفيَّة (وبخاصَّة المعاصِرة)، ولبِسَا لذلك أولًا لَأْمَةَ "مؤرِّخ الأفكار" فقطَّعَا –كما ذكرت آنفًا- جسدَ السلفيَّة أوصالًا؛ منذُ الصحابةِ إلى يومِنا هذا، حتى ليظنَّ القارئُ أنَّ السلفيَّة مجرَّدُ تراكُم تاريخيٍّ! كيف لا وقد أَذهبَ رأيُهما العجيبُ حديثَيِ الناجية والمنصورة أدراجَ الرِّياح؟!

وأمَّا مفهوم السلفيَّة وأصولها وقواعدها فقدْ كانت بمثابةِ "تَحلِّة البحث" لا أكثر! إذ لا تأثيرَ لها في الكتاب سِوى عددِ الورقاتِ التي أُثبِتَتْ فيها!!
ولَمَّا شارفَا في نهاية الكتاب على خلْعِ لَأْمَةِ "مؤرِّخ الأفكار" عادَا في ذكاءٍ لا يَخفى، وأكَّدَا بأنَّه «في نظر مؤرِّخ الأفكار يظلُّ الفردُ أو الفصيلُ السلفيُّ الذي يقوم بمراجعاتٍ للتراث الفقهيِّ والعقديِّ والإبستمولوجيِّ..، ضِمنَ إطار السلفيَّة، وتحقُّقًا من تحققاتها؛ طالَما ما زال ملتزمًا بأصولها الإبستمولوجيَّة الأساسيَّة»!! [689]
وفي مرحلةٍ من مراحلِ الكتاب لبِسَا لَأْمَة "العالم الموسوعي"، فصغرتْ دون موسوعيتِهما السلفيَّةُ (منهجًا وأتْباعًا)!! فأصدرَا جُملةً من الأحكام "الهوائيَّة" (الخالية من البُرهان العلمي)، والتي تَجعَلُ من السلفيَّة (وبخاصَّة المعاصرة) عِبئًا على الأمَّة الإسلاميَّة، ولا يُنكَر على مَن سعَى لتقويضِها وتخليصِ الناسِ منها..

ومن تلك الأحكام التقويضيَّة على سبيل المثال:

- في أصول الفقه حَكمَا بأنَّه: «ليس هناك اهتمامٌ سلفيٌّ حقيقيٌّ بأصولِ الفِقه» [289]

- وفي اللغة العربيَّة قرَّرَا بأنَّ: «إهمال السلفيَّة بالتحديد لهذا البابِ غيرُ مفهومٍ، فضلًا عن الخلطِ الكثير الذي يقعُ منهم فيها» [390].

- وأمَّا عن الفكر الإسلامي فزعَمَا أنَّ السلفيِّين «بصِفةٍ غالبةٍ ازدَرْوا هذا الفرعَ المعرفيَّ، وظلوا يُقيمون مقابلةً بينه وبين الشَّرع» [394].

- وفي مجال العلوم الإنسانيَّة حَكمَا بأنَّ «الواقع يشهدُ بأنَّ مجالاتِ العلوم الإنسانيَّة وإمكاناتِ تفعيلها سواء لفهمِ الواقِع أو لخِدمة العلوم الدِّينيَّة = من أبرز وجوه الاشتغالِ العِلميِّ المهجورة عند السلفيَّة» [392].

- وزعمَا بأنَّ «هناك حالةً من الاستعذابِ والالتذاذِ في الأوساط السلفيَّة بمخالفةِ المجتمَع» [599].

- وزعمَا بأنَّ الإشكال الأساسيَّ الذي عادَ على المجتمع إنَّما هو «جرَّاء الطموحِ السياسيِّ والسلطويِّ عند الإسلاميِّين عمومًا، والسلفيِّين محلِّ بحثِنا» [622]

- وزعمَا بأنَّ «كوادر العمل الإسلاميِّ في الخليج أكثرُهم من المتخصِّصين في العلوم الشرعيَّة؛ لأنَّ لها هناك من الوجاهةِ والآثار الدنيويَّة ما يجعلها مقصودةً، ولا يحول بين الرجُل وبينها ضغطٌ أُسريٌّ» [628].
- وزعما أيضًا بأنَّ طلبة العِلم السلفيِّين «يتَّسمون بالفقرِ الكامِلِ في علومِ الآلةِ والفِقه المتْني القديم» [647].

- وفي طرْحهما للبديلِ الإصلاحيِّ زعَمَا بأنَّ «مجال نجاح البديل الأشعريِّ هو في أنَّه اشتَغَل على بعضِ نقاط ضَعْف الخِطابِ المعرفيِّ السلفيِّ، والذي يُعاني ضعفًا في الاشتغالِ بعلوم الآلةِ، والمدوَّنات التراثيَّة الفقهيَّة المذهبيَّة» ]648[

- وقبل الختام حكمَا بأنَّ «السلفية صارتْ بلا أجوبةٍ كليَّة وشامِلة وجاذبةٍ في الوقت نفْسه» [653].

- وفي بدايةِ حديثهما عن أفولِ السلفيَّة المعاصرة قرَّرَا بأنَّ «لزوم بقاء الدِّين الحقِّ في الناس، بضمانةِ الحِفظ الإلهي، لا يستلزمُ استمرارَ تيَّارٍ بعينه بحضورٍ رئيسي» [637].

وأودُّ أن أُشيرَ في خِتام هذه الوقفةِ إلى أنَّ عاصفة التقويض هذه استحالتْ بردًا وسلامًا على الاتجاهات التنويريَّة، وذلك حينما طرحَا البدائل، ومنها "البديل التنويري"! [يُنظر:648-649].

الوقفة الثالثة: مع التُّفاحة المحرَّمة

مَبحث "الإصلاح السِّياسي عند السلفيَّة" هو أطولُ مباحِث الكتاب (مئة صفحة) [406-507]، ولعلَّ في هذا الطول إشارةً إلى مدى اهتمامِ الكاتبين بالجانب السِّياسي، وهو مِن المواضِع التي طرحَا فيه رأيهما؛ ولهذا رأيتُ أن أقِفَ معه هذه الوقفةَ.

استهلَّ المؤلِّفان هذا المبحثَ بكلمةٍ لفريد الأنصاري -رحمه الله– يرَى فيها أنَّ السياسةَ مجرَّد وسيلةٍ لخدمة الدِّين، وليستْ ركنًا فيه، وبالتالي مَن يُراهن على الحلِّ السِّياسيِّ فقد مَسَّ عمَلَه الإسلاميَّ في جوهرِه وخرج عن معنى التعبُّد!! ثم ختمَا المبحثَ بما يُشبه تمامًا هذه النتيجة (العقلية)، ولكن بنوعٍ من التوسُّع والتهويل، فقالَا مثلًا: «السلطة هي التفَّاحة المحرَّمة التي تُحيط بها النارُ مِن كلِّ جانب، وأهليَّةُ الإسلاميِّين لخوض الصِّراع عليها بخُطَّة مفتوحةٍ منقوصةٍ غيرُ كافيةٍ ولا حامية، بل وممسوسة بالغصبيَّة للفِكرة الضيِّقة والأيديولوجيا، فلا سياسةَ حصَّلوا، ولا توسُّعَ مجتمعيَّ طالوا» [502]، وبالتالي رأيَا أنَّ إصلاح السُّلطة ابتداءً بإصلاحِ المجتمَع من الخطأ؛ «لأنه بذلك تتحوَّل الإصلاحيةُ المجتمعيَّةُ إلى وسيلةٍ؛ لتعبيدِ الطريقِ للسلطة، وهو منطقٌ مُعوَّجٌ وفاسدٌ» [503]، «فبقاء السُّلطة أمامَ عينك سيجعَلُ التمدُّدَ المجتمعيَّ مجردَ وسيلةٍ لها، ويُفقده حينئذ مُعظمَ براءته الإيمانيَّة، وصِدْقه العقائديَّ، وروعتهَ الأخلاقيَّة»!! [504].
وبالمقابل أيضًا قرَّرَا أيضًا بأنه: «لم يكُن التهوُّرُ السياسيُّ هو الخيارَ الأفضل، كان التوجُّه للبناء المجتمعيِّ واستغلال مساحة الحريَّة لهدْم العوائق السلطويَّة هو الخيارَ الصائبَ، وإنْ كان لا بدَّ من السياسة، فيَكفي منها ما لا يَجعلك خصمًا مناوئًا» [505]، والنتيجة أنَّ «إقامة الدِّين ليستْ محصورةً في السُّلطة» [505].

وخلاصة رأيهما: أنَّ إصلاحَ المجتمع لا بدَّ وأنْ يتجرَّدَ من النظر إلى السُّلطة، وأنَّ إقامة الدِّين ليستْ محصورةً في السلطة، وأنَّ ضماناتِ الحريَّة تقلُّ وقتَ الصِّراع على الرأس، وبالتالي فإنَّ للنهي عن السِّياسة بالكليَّة وجهًا.
هذا الرأي على ما يبدو كان في غفلةٍ من النصِّ واستغراقٍ عقليٍّ في المقاصد التي امتدحَا أصحابَها قبل ذلك [307]؛ لأنَّه بعدَ مِئة صفحة تقريبًا، وحينما اهتديَا بقبسٍ من الوحي (قصَّتي موسى وعيسى عليهما السلام) كتبَا «وهذا يُثبت فسادَ قولينِ؛ قول مَن يلغي طلبَ إصلاح السلطة من المطالِب الإصلاحيَّة، وأيضًا قولَ مَن يجعل إصلاحَ السلطة هو المركزيَّ أو تحصيل السلطة هو وسيلةَ الدعوة الأساسيَّة، كل ذلك باطل»[613].
والحاصل: أنَّهما بين رأي فريد الأنصاريِّ في بداية المبحث ورأيهما في نهايتِه اشتغلَا تقويضًا لكلِّ رأيٍ واجتهادٍ سلفيٍّ متعلِّق بالسياسة؛ ولا غروَ! فهو الحال المتَّفِق مع بناء الكتاب التقويضيِّ، أولًا؛ ثم مع رُؤيتهما السِّياسية الخاصَّة ثانيًا؛ ولذلك فحتى الرأي السَّلفي الذي يتقاطَعُ معهما في النتيجة (البُعد عن المشاركة السياسيَّة) لم يسلمْ منهما؛ لأنَّ مناطاتِ التحريم عند السلفيِّين -بزعمها- إنما هي «تجسيدٌ للخلل الفقهيِّ السلفيِّ، الذي سبَق الكلامُ حوله، المفتقِر للتحليلِ والتبسيط، المائِل للبَساطة والتسطيح، قليل التَّفْعيـل للنظر المصلـحيِّ»!! [413].
وأكتفى بهذا الاقتباسِ حتى لا أُثقِلَ كاهلَ هذه الورقات بمزيدٍ من الحطِّ مِن آراء أهل العِلم واجتهاداتهم.
وأقول: هنيئًا للتفاحة المحرَّمة بمِثل هذه الأقلام!

الوقفة الرَّابعة: مع السِّياق الزمنيِّ

لا يُجادل مُنصِفٌ في أنَّ أحداث 11 سبتمبر كانتْ منعطفًا تاريخيًّا بالنسبة للدعوة السلفيَّة، فبَعدَ أنْ وُضِعتْ في قفصِ الاتِّهام وأُدِينت ظلمًا بالإرهاب، حُوربت بلا هوادةٍ وضُيِّق عليها في كافَّة أرجاء العالم، وهذا أمرٌ معلومٌ لا يتَّسع هذا المقامُ للتفصيل فيه، والملفِت أنَّ "مؤرِّخ الأفكار" (مُحقِّب السلفيَّة) لم يُلْقِ بالًا لهذا المنعطَف الخطير بالرغمِ مِن مُعايشته له! إلَّا في ورقتينِ وبِضعة أسطُر، وذلك حينما بدءَا الحديثَ عن عوامل أفول السلفيَّة! فجعلَا تلك الورقتينِ تحت عنوان "تحوُّلات السُّلطة"؛ كعاملٍ من عوامل أفول السلفيَّة! وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ هاتين الورقتين تُشيران إلى إدراكهما للحالةِ التي تمرُّ بها الدعوة السلفيَّة بعد 11 سبتمبر، وإنْ وظَّفاه هذا الإدراكَ لتعزيزِ قِراءة الكتاب التقويضيَّة.

فإذا كان الأمرُ كذلك بالنسبة لهما، وإذا كان الواقعُ أكثرَ ممَّا ذكرَا بكثير؛ حيث باتتِ الدعوةُ السلفيَّة (الوهابية) هدفًا للحرب الفكريَّة الأمريكيَّة الجديدة، والتي يُشبِّهها ساستُها صراحةً بالحرب الباردة ضدَّ الشيوعيَّة؛ فاستطالتْ إثرَ ذلك رؤوسُ أهل البِدع والضلالة والعلمانيِّين، وانتظموا في سلكِ تلك الحرب علنًا بلا حياء(7)، وبات ذاك العلمانيُّ يَطعُن في الدعوةِ السلفيَّة وهو متِّكئٌ على أريكتِه في الرِّياض، وآخَر يُدندن حولَ ما بعد الصَّحوة، وثالثٌ يُبشِّر بدولة سعوديَّة رابعة (أي: ليبرالية)، ويُسطِّر في ذلك كتابًا! وانتظَم معهم أيضًا ثُلَّةٌ من المنتكسين؛ فأصبحوا أشبهَ بحصان طروادة في جسَد الدعوة السلفيَّة، إلى غير ذلك من صُور المكرِ والتحزُّب والحرب المعلَنة على الدعوة السلفيَّة، وعلى مناشطِها ورموزِها في كلِّ بقاع العالَم الإسلاميِّ، بل في العالم أجمع.

أقول: إذا كان هذا هو الواقِعَ المشاهَدَ، فالسؤال الذي يَشغَل ذِهني طويلًا، ولا أُريد أن أُفلتَ لعقلي الزمامَ في تصوير جوابه، هو: لماذا يَصدُرُ هذا الكتابُ في هذا الوقتِ بالذات؟ ولِمَن يتَّجه مَضمونُه؟ ومَن المستفيدُ منه حقًّا؟!

الخاتمة
وبعدُ، فليس الإشكالُ إذًا في كتاب "ما بعد السلفيَّة" هو أنَّ الكاتبَينِ لا يَعرفانِ السلفيَّة، أو أنهما مِن غيرِ أهلِها؛ فهما يَعرفانها وهما مِن أهلها، بل الإشكالُ هو المنهجُ الغربيُّ النقدي (التقويضيَّة/التفكيكيَّة) الذي أعْمَلاه في الدعوة السلفيَّة، والذي ارتضيَا أن يكونَا طليعتَه في كتابهما هذا؛ فاستبدلَا الذي أدْنَى (الهدم) بالذي هو خيرٌ (البناء)! وأيُّ خيرٍ أعظمُ مِن الإصلاح على هدْي الكِتاب والسُّنة؟! وأيُّ إصلاحٍ أعظمُ من الاشتغال بالبناءِ وتسديدِ الخللِ بالنُّصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!

وعودًا على ما وعدتُ به في البَدء؛ فإنَّ السَّبب الذي لا أرَى معه جدْوَى مناقشة الكتاب تفصيليًّا هو المنطلَقُ التقويضيُّ للكتاب، وفرْق كبيرٌ بين مناقشةِ الناقِد الناصِح ومناقشةِ الناقِد الناقِض؛ ومن جِهةٍ أخرى أرَى أنَّ الدخول في نقاشات تفصيليَّة لمضمون الكتاب فيه اعترافٌ غيرُ مباشرٍ بأطروحة "تقويض السلفيَّة" المغلَّفة بمُسمَّى "ما بعد السلفيَّة".
هذا، وعلى الرغمِ من الألَم الذي لازَمني طيلةَ قِراءة الكتاب، إلَّا أنِّي لا زلتُ أتوسَّم في كاتبيه الخيرَ والرجوعَ إلى الحقِّ، لا سيَّما وأنَّهما أهلُ سبْق وفضْل، فيما أَحسِب.
أسألُ اللهَ أن يُثبِّتَنا وإيَّاهما على الحقِّ، وأنْ يَستعمِلَنا جميعًا فيما يُرضيه عنَّا؛ إنَّه جوَادٌ كريم.

والحمدُ لله ربِّ العالَمين،،

==============================
(1) ينظر: دليل الناقد الأدبي، ميجان الرويلي/سعد البازعي، 107
(2) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 2/62
(3) يُنظر: المرجع نفسه، 2/62
(4) المرجع نفسه، 2/164
(5) دريدا عربيًّا، محمد أحمد البنكي، 288
(6) أُشير فقط إلى أنَّ الحديثَينِ يَحمِلان في مضمونهما نتيجةَ التمسُّك بكتاب الله وسُنَّة رسوله الكريم  بفَهم السلف الصَّالح؛ من الصحابة وتابعيهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين، ونحسَب أنَّ أهل السُّنَّة والجماعة هم أهلُ هذا الوصف، وهم أهلٌ بإذن الله لتلك النَّتيجة، وهذا ما شقَّ -كما يظهر- على الكاتبين، فجعلَا منه احتكارًا!
(7) للمزيد حول هذه المسألة يُنظر كتاب: عندما يكون العمُّ سام ناسكًا.
--------------------------------------
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 05-03-2015, 07:37 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة تعليقات على الصفحتين الأوليين من كتاب ما بعد السلفية

تعليقات على الصفحتين الأوليين من كتاب ما بعد السلفية
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(المغرد التيمي)
-------

14 / 7 / 1436 هــ
3 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ








----------------------------
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 05-04-2015, 08:07 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة تناقض ما بعد السلفية .. أحمَد شَاكر واللحيَة!

تناقض ما بعد السلفية .. أحمَد شَاكر واللحيَة!
ـــــــــــــــــــــ

(إبراهيم بن الطيب داود)
ـــــــــــ

15 / 7 / 1436 هــ
4 / 5 / 2015 م
ــــــــــ



• بيَّن الكَاتبَان استيَاءهُما من كَون اللحيَة جُزء من الهُويَّة السَّلفيّة يقُومُون بالفرز على أساسهَا مع انَّها مُجرَّد خيار فقهي! وزَعما أنَّ الفقه السَّلفي يَرى أنَّ : الحليق المُسبل (غَير مُلتَزم) ! [ص:361]
وهَذا كَذبٌ أصلَع! فليأتنَا الكاتبَان بفتاوَى للعُلماء السَّلفيين يقُولون فيها بأنَّ الحليقَ غَيرُ سلفيٍّ، وإنَّما يصفُونه بالفسق أو التَّقصير وأنَّ الصلاة خلف المُلتحِي خَير من الصلاَّة خلف الحَليق ولو كَان الأخير أحفظ للقرآن (كمَا نقَل الكاتبان فتاوى ابن عُثيمين في ذَلك) وهَذا لا يستلزمُ أنَّهُ غيرُ سلفي كما هُو معلُوم، فاسمُ السلفيَّة كاسم الإسلاَم، فكما أن الفاسق لا يصيرُ غير مُسلم، فإن كان سلفيَّ العقيدَة لا يَخرُجُ منها بالفسق! كما أنَّ الائمَّة السلفيين لاَ يُوجد عندهُم تصنيفَات على أساس اللحيَة!
ولكنَّ الكاتبان أثَّر عليهما جوُّ السلفيَّة الحزبيَّة التي تَرعرعَا في كَنفهَا، التي تَتبنَّى تَصنيفَات كـ (المُلتحين) و (المُنقَّبات)، ومصطلحات كـ(الملتزمين) وهَذا لا يُوجد عندَ أئمَّة الدَّعوة !

• ثمَّ قالاَ : (ولذَلكَ يُصدَم كَثيرٌ من السَّلفيين عندمَا يطَّلعُون علَى صُور بعض أعلاَم السلفيَّة الحديثَة، ويجدُونهُم غَير مُلتحِين، كما هُو الحال مَع أحمَد شَاكر.) [361]
وهَذا قد يحصُل للبعض، ولكنَّ السَّلفيّين أوَّل ما يعلِّمُون أبناءهُم أنَّهُ لا أحدَ مَعصُوم، وقد يقعُ العالم العظيمُ القدر في المحرَّم أو البدعَة بتأويل أو جَهل، فعن أي سلفيين يتحدَّثان!؟ فالعلاَّمة تقي الدين الهلاَلي مثلاً كَانَ يحلقُ لحيَتهُ لأنَّهُ كان يحسب إعفاءها مُستحبّاً كباقي خصَال الفطرة التِي ذُكر إلى جَانبهَا في الحديث كما في صحيح مُسلم، ولكنَّهُ تراجَع وأفتَى بالحُرمَة بقيَّة حياته.
ثُمَّ تأمَّل قولهُما عن أحمَد شاكر هنا عند موضُوع اللحيَة : ( أعلاَم السلفيَّة الحديثَة).
وقالاَ عنهُ في نقدهما للضَّعف الأدبي عندَ السلفيِّين : (أحمد شَاكر ومحمُود شَاكر وعلى الرغم من حُضُورهم واتصَالهم الجُزئي بالسلفيَّة، واستحضَار الجيل الأخير من السلفيَّة المعاصرة لهُم، إلاَّ أن هذا الاستحضَار كان مُرتبطاً بالاتجَاه الفكري والشرعي عندهمَا، أما الإتجَاء الأدبي والذِي يُعد مَحمُود شَاكر بالذَّات علماً من أعلام التَّجديد فيه فإنَّهُ لم يلقَ اعتناءً.) [ص:385]
فكيفَ كان علماً من الأعلاَم في موضُوع اللحيَة ليصلح لهما توظيفه في نقض تلك السنَّة المحمَّديَّة، وصار ذَا اتصال جُزئي فقط في موضُوع الأدب!
فحِين تُذكر المثالبُ يُنسبُ إلى السَّلفيَّة بل يُجعلُ علماً من أعلامهَا، وحِين تُذكر المناقب يُجعل ذَا اتصالٍ جُزئيٍّ وتمَّ استحضاره من السلفيين فقط!
إن لم يكُن هذا تناقضاً فلا يُدرَى ما التَّناقُض!

إبراهيم بن الطيب داود

---------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
السَّلفيَّة, تعيش

« أفعال العباد بين السلف والمتكلمين | صفات الخوارج في السنة النبوية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تعيش 15 عاماً دون استخدام النقود عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 03-01-2015 08:48 AM
الأنبار تعيش مأساة عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 02-12-2015 07:55 AM
كيف تعيش الحياة بسعادة؟؟؟ صباح الورد الملتقى العام 0 11-17-2012 09:06 AM
إماراتية تعيش مع 270 حيواناً في منزلها Eng.Jordan الملتقى العام 0 05-03-2012 11:00 AM
كيف تعيش أسعد الناس ؟ Eng.Jordan الملتقى العام 0 01-09-2012 06:38 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:49 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68