تذكرني !

 





المعاونةُ لا تستلزم الموالاة..

المعاونةُ لا تستلزم الموالاة.. ـــــــــــــ (عبدالعزيز الصويتي التميمي) ـــــــــــــــ 12 / 1 / 1437 هــ 25 / 10 / 2015 م ــــــــــــ أوراقٌ علميةٌ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-25-2015, 09:07 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة المعاونةُ لا تستلزم الموالاة..


المعاونةُ لا تستلزم الموالاة..
ـــــــــــــ

(عبدالعزيز الصويتي التميمي)
ـــــــــــــــ

12 / 1 / 1437 هــ
25 / 10 / 2015 م
ــــــــــــ




أوراقٌ علميةٌ في عقيدةِ تنظيمِ الدولة

الورقةُ الأولى: المعاونةُ لا تستلزم الموالاة..

الحمد لله..أما بعد:

فإنَّ مظاهرةَ المشركين مِنْ القضايا الشائكة التي تناولتها أقلامٌ مختلفةُ المشاربِ، متنوعةُ المذاهب، وقد تردَّدت أصداؤها في وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدَّث عنها كثيرٌ ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ممن لا علم له بأصول أهل السنة، ولا بأصول أهل البدع من المرجئة والوعيدية، فحصل منهم خلطٌ في المسائل، وحيفٌ في الدلائل، ورميٌ للأحكام صُبرةً دون مكيال أو ميزان، في أعظم المسائل المتعلقة بالكفر والإيمان!

وقد نَزَعَ كثيرٌ ممن تكلَّم في هذه المسائل-غلواً أو جفاءً- من جِمَام المتأخرين، وترتَّبت مقدمات دلائلهم في نفوسهم، وأُشْرِبوا حبها في قلوبهم؛ فلم يحفِلوا بكلام السلف الأولين، ولم تنشرح له قلوبهم، بل تشمئز منه حين يقرع أسماعهم، كالمريض الذي يستنكر طعم الماء الزلال، ويتَّهِمون الحافلين بعلومهم، والمقتفين لآثارهم، بالإرجاء تارة، أو بالغلو تارات، فلم يأخذوا من الحقائق غير أسمائها، ولا من الدلائل غير رسومها؛ ينظرون إلى النتائج مُشِيْحِين أبصارَهم عن المقدمات، وصارفين قلوبَهم عن الدلائل البينات، فمبلغُ علمِهم تصنيف الناس بجهالة، فزادوا ضِغثاً على إبَّالة، فجعلوا المجتمع أوزاعاً، ونفخوا الفتنة أوزاغاً، فليس كل من كفَّر معيناً برئ من الإرجاء، ولا كل من لم يكفِّر معيناً برئ من الغلو؛ فالمرجئة لا يقتصرون على التكفير بالتكذيب المجرد، بل يتوسعون في لوازمه، فهذا الباقلاني-وهو أقرب إلى الجهمية في الإيمان-بعد أن قرَّر أن الكفر لا يكون إلا بالجهل بالله أو التكذيب له، قال في تمهيد الأوائل( 394):( وإن جاز أن يسمى أحيانا ما جُعِل عَلَمَاً على الكفر كفرا نحو عبادة الأفلاك، والنيران، واستحلال المحرمات، وقتل الأنبياء، وما جرى مجرى ذلك مما ورد به التوقيف، وصح الإجماع على أنه لا يقع إلا من كافر بالله مكذب له وجاحد له).

ومعلومٌ أن عبادة الأفلاك لا تستلزم الجهل بالله أعني:لا تستلزم عدم العلم به جملة، وقتل الأنبياء لا يستلزم التكذيب، لكنهم يتوسعون في لوازم التكذيب مما ورد به النقل والإجماع، وما جرى مجراه!

ويقول القرافي-وهو من المرجئة واضعاً معياراً لأدنى رتب الكفريات- في الفروق(1/ 124):(فعلى الفقيه أن يستقرئ كتب الفقهاء في المسائل التي يكفر بها المتفق عليها والمختلف فيها فإذا كمل استقراؤه نظر إلى أقربها إلى عدم التكفير بالنظر السديد إن كان من أهل النظر في هذه المسائل فإنه ليس كل الفقهاء له أهلية النظر في مسائل التكفير، فإذا صح ذلك اعتقد حينئذ أن تلك الرتبة أدنى رتبة التكفير).

فنلاحظ أنه يرجع هذه المسائل إلى استقراء كلام الفقهاء، ثم يقيس عليها، وهو من جنس كلام الباقلاني، ومما يوضح توسعهم في اللوازم هو أنه لانزاع في أن إبليس لم يكن جاهلاً بالله، ولا صدر منه تكذيبٌ صريح، وهو كافر باتفاق المسلمين، قال ابن عطية في تفسيره(1/ 126):(ولا خلاف أنه كان عالماً بالله قبل كفره)، ومن قال إنه سُلِب المعرفة، أو كان كافراً قبل ذلك، فكلام ساقط لاحاجة للاشتغال به، وإنما توسع طائفة منهم في لوازم التكذيب، فقال القرافي في الفروق(1/ 124):(إنما كفر إبليس بنسبة الله تعالى إلى الجور وأنه أمر بالسجود لمن هو أولى أن يسجد له وأن ذلك ليس عدلا لقوله:"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" فهذا منه إشارة إلى التجوير والتسفيه ومن نسب الله تعالى إلى ذلك فلا شك في كفره فهذه الجراءة على الله تعالى هي سبب كفره).

فنلاحظ أن التسفيه والجراءة على الله تعالى لا تستلزم التكذيب في الحقيقة، ولا تضاد التصديق الذي هو مدار الإيمان عندهم، لكنهم يتوسعون في ذلك، فيجعلون المحبة والتعظيم من لوازم التصديق، قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى(6/ 518):(ولهذا كان عامة أئمة المرجئة الذين يجعلون الإيمان مجرد ما في القلب أو ما في القلب واللسان يدخلون في ذلك محبة القلب وخضوعه للحق لا يجعلون ذلك مجرد علم القلب).

وإبليس عند أهل السنة كَفَرَ بالإباء والاستكبار، قال أبوعبيد القاسم في الإيمان(57):(فإنه قال:"إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين" فجعله الله بالاستكبار كافرا, وهو مقر به غير جاحد له).

والمقصود أن المرجئة قد يتوسعون في لوازم التَّكفير، بل قد يكفِّرون بأعمال لا يكفِّر عليها أهل السنة ، فذهبت طائفة من المرجئة إلى كفر شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية( 84):(تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه، وبدعوة بل كفره كثير منهم).

والخوارج لا يكفِّرون أنفسهم، فالأزرقي لا يكفر الأزرقي على معتقده، والإباضي لا يكفر الإباضي على معتقده، ومن أهل السنة من كفَّرهم كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.

والمقصود أن مجرَّد التكفير بالفعل المعين، وعلى الشخص المعين= لا يستلزم نسبة الشخص إلى مذهب بعينه ما لم ينظر إلى مقدمات التكفير وأسبابه، فقد تتشابه النتائج والمطالب ولا يستلزم ذلك تشابه المذاهب.

والحكم بردة المسلم المعين هو حكمٌ على باطنه من خلال ظاهره؛ ولهذا لا ينبغي أن يجترئ المسلم في تكفير المسلمين إلا بما لا يحتمل غير الكفر بخلاف الحكم بإسلامه فهو حكم على الظاهر المجرد؛ ولهذا يتساهل في إدخال الإنسان في الإسلام ولا يتساهل في إخراج المسلم منه إلى الكفر إلا بيقين.



حسناً..دعنا نحرر كلام شرعيي تنظيم الدولة في معاونة المشركين.

قد لا يجد المتتبع لعقيدة "تنظيم الدولة" في مسألة المظاهرة أي مشقة في تحديد مضمون عقيدتهم في هذا الباب؛ إذ يرون أن المسلم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام بمجرد إعانتهم بأي نوع من أنواع الإعانة.

قال أبو بكر البغدادي في مقطع بعنوان(هذه عقيدتنا):(ثامنا:نرى كفر وردة من أمد المحتل وأعوانه بأي نوع من أنواع المعونة من لباس أو طعام أو علاج ونحوه مما يعينه ويقويه، وأنه بهذا الفعل صار هدفا لنا مستباح الدم).

وقال أبومصعب الزرقاوي عن منهج الديمقراطية وأهله:(فكل من يسعى في قيام هذا المنهج بالمساعدة والمعونة فهو متول له ولأهله، وحكمه كحكم الداعين إليه والمظاهرين له.).

وقالت الهيئة الشرعية للدولة الإسلامية:(تولي أمراء الجبهة للمرتدين وموافقتهم لما هم عليه من الكفر؛ وذلك لعضويتهم في هيئة الأركان)

تلاحظون أن مجرد عضويتهم في هيئة الأركان(المرتدة) يعد توليا مخرجا من الملة!

وقالت:(وكل من تولى الأركان والائتلاف، أو ناصرهم، أو أعانهم، أو قاتل تحت رايتهم؛ فحكمه حكمهم سواء بسواء).

ثم بيَّنتْ أن الجبهة الإسلامية لم تظهر توبتها من تلك الردة بل أتت بما يناقضها؛ إذ قالت الجبهة في ميثاقها: المادة(11):(الجماعات والفصائل والألوية التي تعمل على حرب النظام الأسدي وإسقاطه:هي جماعات حليفة نتفق معها في الهدف، وننسق ونتعاون معها في سبيل تحقيقه).

فقالت الهيئة معلَّقة:(فيكون التعاون والتنسيق مع جميع مكونات الثورة، وبغض النظر عن توجهاتهم السياسية سواء كانت ديمقراطية أم لم تكن)، ثم قالت:(فيدخل في ذلك كتائب وألوية الجيش الحر التابعة للأركان والإئتلاف. والذي سوغ لهم هذا التعاون والتنسيق مع دعاة الديمقراطية:أنهم لا يكفرون أهل الديمقراطية في ميثاقهم).

ثم ذكرت أن الجبهة الإسلامية تسعى لأن تتمتع بعلاقات جيدة مع الدول، وذكرت المادة(14)، ونصها:(تحرص الجبهة الإسلامية على أن تتمتع بعلاقات دولية جيدة مع جميع الدول لم تناصبها العداء بما يحقق المصلحة وفق الضوابط الشرعية)

ثم ذكرت أن الجبهة الإسلامية 8/12/2013 حمت مقرات ومستودعات أسلحة هيئة الأركان التي تقاتل لإقامة دولة ديمقراطية تعددية..

ثم قالت:(وهذا الفعل منهم هو صريح التولي للمرتدين ومظاهرتهم على المسلمين).



حسنا..دعنا نكتفي بهذه النقولات الكاشفة عن عقيدة (تنظيم الدولة) في باب مظاهرة المشركين وأنها صريحة في كفر كل من أعان الكفار على المسلمين مطلقا دون تفصيل وبأي إعانة، بل في كفر كل من أعان الكافر الحربي مطلقا!

وعقيدة (تنظيم الدولة) في إكفار كل من أعان الكافرين الحربيين دون تفصيل توقع الأتباع في إشكاليات كثيرة؛ إذ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه ليس كل إعانة كفر وردة، وإنما توصلوا إلى هذه النتيجة عبر مقدمتين:

المقدمة الأولى:أن كل معاونة= موالاة.

والمقدمة الثانية:أن كل موالاة= كفر

والنتيجة:أن كل معاونة= كفر

والحقيقة أنه بفساد إحدى المقدمتين تفسد النتيجة، فكيف إذا تبين بطلان المقدمتين معا؟؟

ولو استطاع هؤلاء إثبات هاتين المقدمتين؛ فيلزمهم إثبات مقدمة ثالثة في حق المعين وهي وجود الشروط وانتفاء الموانع..

وعلى أي حال ما زال ثبوت المقدمتين أو نفيهما مجرد دعاوى تحتاج إلى بيِّنات- من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة- من الطرفين..

وسيتمحَّضُ الحديثُ-في هذه الورقةِ- حول المقدمة الأولى، وهي هل المعاونة مستلزمة للموالاة مطلقا؟، وسيتبعها أوراقٌ أخرى بإذن الله قريبا، وقد اختطت لنفسي في هذه الأوراق الاقتصاد في الدلائل فيما يغلب على ظني أن مجرد إيراد كلام أهل العلم يفي بالمقصود، ولم يكن في المسألة نزاعٌ، أو كان فيها نزاعٌ لم يحكم أحدُ طرفيه بالكفر فيها.



فهل كلُ معاونةٍ للمشركين تستلزم الموالاة؟

معاونة المشركين: إما أن تكون من أجل شركهم، وإما لغير لغير شركهم، فالأول:شركٌ باتفاق المسلمين سواء حصلت معاونة لهم أو لم تحصل، والثاني:هو محل البحث في هذه الأوراق العلمية، ومحل البحث في هذه الورقة:هو هل كل معاونة تستلزم الموالاة كما يقرره تنظيم الدولة؟ وهل قال أحد من السلف من القرون المفضلة بأن كل معاونة للمشركين-لغير شركهم- شركٌ؟

ولاريب أن هناك معاونة هي موالاة، ولكنَّ السلف قرروا أنه ليس كل معاونة لهم موالاة فضلا عن أن تكون كفرا؛ يوضح ذلك نقولاتٌ سلفيةٌ مؤيدةٌ بالكتاب والسنة يقرِّرون فيها جواز إعانة المشرك في حالات معينة، وأن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها في شيء، وينتظم بيان ذلك في خمسة مطالب:

المطلب الأول:مشروعية صلة المشرك الذمي والإحسان إليه.
-----------------------------------

فقد اتفق العلماء من شتى المذاهب الفقهية على جواز صلة الكافر الذمي، وهي إعانة مالية له، فكيف تكون موالاة أو كفرا مخرجا من الملة؟.

قال السرخسي في شرح السير الكبير(96):(لا بأس بأن يصل المسلم المشرك قريبا كان أو بعيدا، محاربا كان أو ذميا).

وهو مذهب مالك كما في النوادر والزيادات(11/ 349):(عن مالك: فيمن نذر صدقةً على كافر أن ذلك يلزمه وفي موضع آخر قال مالي صدقة على فقراء اليهود أنه يلزمه صدقة ثلث ماله عليهم، وقد قال الله تعالى:"ويُطعِمُون الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً" والأسير الكافر).

وقال النووي في روضة الطالبين(6/ 107):(الوصية للذمي صحيحة بلا خلاف)

وقال ابن قدامة في المغني(6/ 217):(وتصح وصية المسلم للذمي، والذمي للمسلم، والذمي للذمي. روي إجازة وصية المسلم للذمي عن شريح، والشعبي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وقال محمد بن الحنفية، وعطاء، وقتادة، في قوله تعالى:"إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا" هو وصية المسلم لليهودي والنصراني).

وقال حمد بن معمر كما في الدرر السنية(5/ 265):( فقد ذكر أهل العلم ما يدل على أن المسلم يثاب على الصدقة على الكافر، كما يدل عليه قوله تعالى:"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". وذكر أهل التفسير عند قوله تعالى:"وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ"، أنها نزلت في الصدقة على أهل الذمة.)

وقال الشيخ ابن باز في مجموع فتاويه(1/ 302):(معنى الآية المذكورة عند أهل العلم: الرخصة في الإحسان إلى الكفار، والصدقة عليهم إذا كانوا مسالمين لنا، بموجب عهد أو أمان أو ذمة).

فهذا المطلب من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى بسط أدلة عليه، وقد يقول أحدهم:هذه مسألة مفروغ منها، وإنما الحديث عن الكافر الحربي!

فيقال لكم:إن كلامكم عام، ومع هذا سنستجيب لطلبكم وننظر في حكم الوصية للكافر الحربي من أجل قرابته في المطلب التالي.

المطلب الثاني:مشروعية صلة المشرك الحربي والإحسان إليه.
---------------------------------------

إن الإحسان إلى الكافر الحربي بالصدقة والوصية ونحوها قد أجازه جمهور العلماء من الأئمة وغيرهم.

فأبو حنيفة له روايتان فيما يبدو:

الرواية الأولى:النهي عن صلة الحربي، وهذا القول اختاره الجصاص، فقال في أحكام القرآن(5/ 327):(فيه النهي عن الصدقة على أهل الحرب لقوله:" إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين").

والرواية الثانية:جواز ذلك، وهذا القول اختاره السرخسي، فقال في شرح السير الكبير(96):(لا بأس بأن يصل المسلم المشرك قريبا كان أو بعيدا، محاربا كان أو ذميا).

وحرر الكاساني ذلك فقال في بدائع الصنائع(7/ 341):(وتجوز الوصية للذمي، وكذا الحربي المستأمن، وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يجوز، وهذه الرواية بقول أصحابنا - رحمهم الله -أشبه فإنهم قالوا: إنه لا يجوز صرف الكفارة والنذر وصدقة الفطر والأضحية إلى الحربي المستأمن لما فيه من الإعانة على الحراب، ويجوز صرفها إلى الذمي).

وللإمام مالك روايتان الجواز في رواية ابن وهب، والكراهة في رواية ابن القاسم، فرواية الجواز ذكرها أبو زيد القيرواني في النوادر والزيادات(11/ 349):(روى ابن وهب عن مالك قال: وصية المسلم للكافر جائزة واحتج بالجبة التي كسا عمر أخاه - وقاله ابن القاسم وأشهب. قال أشهب: كان ذا قرابة أو أجنبياً، وقد أوصت صفية بنت حي إلى أخ بها كافر، وقال ابن حبيب عن أصبغ: تجوز وصية المسلم للذمي ولا تجوز للحربي لأن ذلك قوةٌ لهم على حربهم ويرجع ذلك ميراثاً ولا يُجعل في صدقة ولا غيرها وكل ذي أوصى بما لا يحل، وأما الذمي فجعل الله في قتله، ديةً، وفي مُوطإٍ ابن وهب عن مالك: فيمن نذر صدقةً على كافر أن ذلك يلزمه وفي موضع آخر:قال مالي صدقة على فقراء اليهود أنه يلزمه صدقة ثلث ماله عليهم، وقد قال الله تعالى (ويُطعِمُون الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً" والأسير الكافر).

ورواية الكراهة ذكرها ابن رشد في البيان والتحصيل (12/ 477):(قال ابن القاسم: وكره مالك الوصية لليهود والنصارى، قال سحنون: قال ابن القاسم: وكان قبل ذلك يجيزه ولست أرى به بأسا إذا كان ذلك على وجه الصلة مثلَ أن يكون أبوه نصرانيا أو يهوديا أو أخوه أو أخته فيصلهم على وجه صلة الرحم فلا أرى به بأسا وأراه حسنا، وأما بغير هذا فلا).

وظاهر رواية ابن القاسم القاضية بالكراهة أنها متأخرة، وحملها على الحربي دون الذمي، أو على البعيد دون القريب= حمل ضعيف؛ لأن رواية ابن وهب عن مالك ظاهرة في إباحة الوصية للحربي البعيد، وإنما يصح حمل رواية ابن القاسم الكارهة للوصية لهم على ما إذا كانت ذريعة إلى تقويتهم في حربهم على المسلمين، وتحمل رواية ابن وهب على الجواز عند انتفاء الذريعة؛ إذ ليس كل حربي يقاتل أو ينفق على الحرب، وهو مناسب لأصول مالك في سد الذرائع ومناسب لقواعد الشريعة ونصوصها. والله أعلم.

وذهب الإمام الشافعي إلى جواز صلة الحربي، فقال في الأم(7/ 368):(أرأيت صلة أهل الحرب بالمال وإطعامهم الطعام أليس بأقوى لهم في كثير من الحالات من بيع عبد أو عبدين منهم وقد «أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأسماء بنت أبي بكر فقالت إن أمي أتتني وهي راغبة في عهد قريش أفأصلها؟ قال نعم» وأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فكسا ذا قرابة له بمكة وقال الله عز وجل:"ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" مع ما وصفت من بيع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المشركين سبي بني قريظة).

وذهب الإمام أحمد في المنصوص عنه في مواضع إلى جواز صلة الحربي، فقال في مسائله وإسحاق بن راهويه (8/ 4308):(قال أحمد: إذا أسلم الرومي، وله أخت بأرض الروم إن شاء أوصى لها، وتوصي هي له، لا بأس به).

وقال الخلال في أحكام أهل الملل والردة( 61):(أخْبَرَنَا أبو داود، قَالَ: سمعت أحمد سئل عن اليهودي والنصراني يعطون من الزكاة؟ قَالَ: من غير الفريضة يعطون.).

وفي الجملة: فصلة الكافر الحربي بالمال فيما لا تعلق له بحربه ضد المسلمين- لا ينبغي النزاع في جوازها لذاتها لوضوح الأدلة في ذلك، بل حكي الإجماع على جواز ذلك، قال ابن عبدالبر في التمهيد(14/ 300):(لا خلاف علمته بين العلماء في جواز وصية المسلم لقرابته الكفار لأنهم لا يرثونه وقد أوصت صفية بنت حيي لأخ لها يهودي).

وبهذا يتبيَّن أن هذا النوع من الإعانة ليس من الموالاة للمشركين في شيء!

فإن قيل:إن المقصود هو الإحسان إلى الكافر الحربي الذي لم يسبق له أن حارب المسلمين، أو لم يكن من المنافقين أو المرتدين..أما من كان كذلك= فهو الذي يكون الإحسان إليه ومعاونته مطلقا موالاةً وردةً!

والجواب:أن كلام العلماء عام لم يفرقوا بين هذا وهذا؛ فإن كانت معاونة الكافر-فيما لا تعلُّق له بحربه على الإسلام ونحوه- جائزة= فلا فرق بين كونه حربيا أو منافقا أو مرتدا؛ لأن إعانتهم هنا فيما لاتعلّق له بحربه ضد المسلمين وعداوته، وإنما جهة الإحسان إليه منفكة وهي القرابة أو المعروف أو الرحمة، ولا يلزم منها إعانتهم على كفرهم ونفاقهم وحربهم، قال ابن جرير في تفسيره(23/ 323):(لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح).

وقال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية(6/ 270):(ولو كان منافقا لم يكن الإحسان إليه موجبا للطعن في عثمان فإن الله - تعالى - يقول:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".

وقد ثبت في الصحيح أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال:«نعم صلي أمك» . وقد أوصت صفية بنت حيي بن أخطب لقرابة لها من اليهود. فإذا كان الرجل المؤمن قد يصل أقاربه الكفار، ولا يخرجه ذلك عن الإيمان، فكيف إذا وصل أقاربه المسلمين، وغاية ما فيهم أن يتهموا بالنفاق؟).

فإن قلتم:كلامنا عن إعانة الحربي فيما يتعلق بحربه، وليس من أجل القرابة ونحوها.

قيل لكم:كلامكم عام يتناول كل إعانة، ومع هذا سنستجيب لكم، ونوضح أن ثمة حالات معينة فيها إعانة للكفار وجيشهم وتقوية لهم وهي مشروعة، وليست موالاة لهم، يوضح ذلك المطالب التالي.

المطلب الثالث:مشروعية إعانة للكفار المحاربين بغير قتال ولا سلاح للمصلحة الراجحة.
--------------------------------------

إن إعانة الكافر الحربي لدرء مفسدة راجحة، أو *** مصلحة راجحة مشروع في الجملة، كالمنِّ على أسراهم، أو قبول مفاداتهم، أو بذل المال لهم لتأليف قلوبهم، أو دفع شرهم، ونحو ذلك.

وفيه مسألتان:
------------

المسألة الأولى:بذل المال للكفار لترغيبهم في الإسلام أو درء شرهم عن المسلمين؛ فهذا المال المبذول لهم لاشك أنه إعانة لهم، ولكنه ليس كفرا باتفاق أهل السنة، بل هو إعانة مشروعة في الجملة.

قال أبويوسف-وهو ممن يرى الإيمان قول وعمل- في الخراج( 226):(وإن حصر قوم من العدو قوما من المسلمين في حصن فخافوا على أنفسهم ولم يكن لهم قوة عليهم؛ فلا بأس بأن يوادعوهم ويفتدوا منهم بمال ويشترطوا لهم أن يردوا لهم من جاء منهم مسلما، وإذا كان بالمسلمين قوة عليهم لم يحل لهم أن يعطوهم واحدا من هذين الأمرين.

حدثني محمد بن إسحاق عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد يوم الخندق أن يفتدي بثلث ثمار المدينة، فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة؛ فقال: "إني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، وقد رأيت أن نفتدي بثلث ثمار المدينة ونكسرهم بذلك إلى أمد ما"؛ فقالا: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء على شرك وهم لا يطمعون من ذلك في ثمرة إلا شراء أو في قرى2؛ فنحن إذ جاء الله بك وبالإسلام نعطيهم أموالنا ليس لنا بهذا حاجة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأنتم وذلك".)

قال ابن المنذر في الأوسط(11/ 336):(قال الأوزاعي في أهل حصن من المسلمين نزل به العدو، فخاف المسلمون أن لا يكون لهم به طاقة، ألهم أن يصالحوهم، على أن يدفعوا إليهم سلاحهم، وأموالهم، وكراعهم، على أن يرتحلوا عنهم؟، فقال: لا بأس بذلك).

وقال الشافعي في الأم(4/ 199):(فيخافون أن يصطلحوا لكثرة العدو وقلتهم وخلة فيهم فلا بأس أن يعطوا في تلك الحال شيئا من أموالهم على أن يتخلصوا من المشركين؛ لأنه من معاني الضرورات يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها).

فإعطاء المشركين من الأموال كفَّاً لشرهم مشروع للمصلحة الراجحة، كما أن إعطاء المشرك مالا تأليفا لقلبه مشروع، ولا يمنع منه سوى الخوارج، قال ابن تيمية عن طريقة الخوارج كما في مجموع الفتاوى (28/ 294):(وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار؛ لا بمال ولا بنفع ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم).

وقال كما في مجموع الفتاوى(28/ 290):(المؤلفة قلوبهم نوعان: كافر، ومسلم. فالكافر: إما أن يرجى بعطيته منفعةً: كإسلامه؛ أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك).

وقال كما مجموع الفتاوى (1/ 145):(روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقي لهم فاستسقى لهم وكان ذلك إحسانا منه إليهم يتألف به قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك.).

وقال الخلال في أحكام أهل الملل والردة( 10):(أن أبا طالب حدثهم، قال: سئل أبو عبد الله عن الرجل يقول للرجل اليهودي: أسلم حتى أعطيك ألف درهم، فيسلم، فلا يعطيه شيئا؟

قال: قد كان النبي-صلى الله عليه وسلم-يتألف الناس على الإسلام، لا يعجبني إلا أن يفي له).

وهذه المسألة من جنس صلة القريب الذمي والحربي؛ لدعوته إلى الإسلام، بل أولى من الصلة المجردة من أجل القرابة.

وإنما حصل النزاع في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم مع اتفاقهم أن سهمهم مذكور في الأصناف الثمانية للزكاة في القرآن، وأن النبي-صلى الله عليه وسلم-أعطى نفرا من المشركين يتألفهم على الإسلام، وإنما حصل النزاع -بسبب نزاعهم هل هو خاص بالنبي-صلى الله عليه وسلم-أو منسوخ- على قولين:

قال أبوعبيد القاسم في الأموال( 721):(فقال بعضهم: قد ذهب أهل هذه الآية، وإنما كان في دهر النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأما ما قاله الحسن، وابن شهاب، فعلى أن الأمر ماض أبدا، وهذا هو القول عندي؛ لأن الآية محكمة، لا نعلم لها ناسخا من كتاب ولا سنة.).

وذهب جمهور العلماء إلى أن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط في وقتهم، قال ابن بطال في شرح صحيح البخارى(3/ 547):(وقال مالك والكوفيون: المؤلفة قلوبهم قد سقطوا ولا مؤلفة اليوم،..وقال الشافعى: المؤلفة قلوبهم من دخل في الإسلام، ولا يعطى مشرك يتألف على الإسلام.).

فنلاحظ أن الحنفية والمالكية قرروا سقوط السهم في وقتهم لا سقوطه مطلقا في كل وقت؛ ولهذا قال الكاساني في بدائع الصنائع(2/ 45):(ولأنه ثبت باتفاق الأمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يعطيهم ليتألفهم على الإسلام ولهذا سماهم الله المؤلفة قلوبهم والإسلام يومئذ في ضعف وأهله في قلة وأولئك كثير ذو قوة وعدد واليوم بحمد الله عز الإسلام وكثر أهله واشتدت دعائمه ورسخ بنيانه وصار أهل الشرك أذلاء، والحكم متى ثبت معقولا بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك المعنى.)

وقال ابن الجلاب المالكي في التفريع(1/ 167):(ويجوز دفع ذلك إليهم قبل إسلامهم، وقد سقط في هذا الوقت سهمهم للغنى عنهم، فإن احتيج في وقت إلى تأليفهم جاز أن يدفع إليهم.).

وأما الشافعي-مع أنه يمنع من ذلك- جوزه في بعض الحالات، مثل من كان من جنس صفوان الذي ناصر النبي-صلى الله عليه وسلم- وأعاره أدرعا، فقال في الأم للشافعي(2/ 92):(وقد أعطى صفوان بن أمية قبل أن يسلم)، ثم قال:( فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطى من سهم النبي- صلى الله عليه وسلم -، وهذا أحب إلي للاقتداء بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).

ولهذا جوز أن يعطى كل مشرك من الزكاة إذا احتاج المسلمون إلى نصرته في النوازل، فقال في الأم للشافعي(2/ 93):(فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة مما ينزل إن شاء الله تعالى، وذلك أن يكون فيها العدو بموضع شاط لا تناله الجيوش إلا بمؤنة ويكون العدو بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بنية فأرى أن يقوى بسهم سبيل الله من الصدقات، وأما أن يكون لا يقاتلون إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة، أو ما يكفيهم منه، وكذلك إن كان العرب أشرافا ممتنعين غير ذي نية إن أعطوا من صدقاتهم هذين السهمين، أو أحدهما إذا كانوا إن أعطوا أعانوا على المشركين فيما أعانوا على الصدقة، وإن لم يعطوا لم يوثق بمعونتهم رأيت أن يعطوا بهذا المعنى إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه تبعد دارهم وتثقل مؤنتهم ويضعفون عنه، فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمان أبي بكر مع امتناع أكثر العرب بالصدقة على الردة وغيرها لم أر أن يعطى أحد منهم من سهم المؤلفة قلوبهم).

وأما أحمد فله روايتان، قال القاضي أبويعلى في المسائل الفقهية(2/ 43):(فنقل أبو طالب وإبراهيم بن الحارث: جواز ذلك وهو اختيار الخرقي وأبي بكر ونقل حنبل لا يجوز، وأن حكمهم قد انقطع اليوم).

فنلاحظ أن رواية المنع مبنية على أنها انقطعت وقتهم لا مطلقا؛ ولهذا وجه القاضي هذه الرواية يقوله بعد ذلك، المسائل الفقهية(2/ 43):(ووجه الثانية: أن عمر وعثمان وعلياً ما كانوا يعطون المؤلفة شيئاً ولأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن أن يتألف له من يكف شره من المشركين أو يرجى إسلامه منهم.).

والأظهر هو بقاء سهم المؤلفة قلوبهم، وسواء ثبت هذا أو لم يثبت، فإعطاء المشرك من المال الخاص تأليفا لقلبه على الإسلام من الجهاد المالي، وهو وإن كان إعانة للكافر إلا أنه مغتفر للمصلحة الراجحة وهي أولى بالجواز من صلته من أجل القرابة.

قال أبوعبيد القاسم في الأموال( 251):(فإذا خاف من عدو غلبه لا يقدر على دفعهم إلا بعطية يردهم بها فعل، كالذي صنع النبي-صلى الله عليه وسلم- بالأحزاب يوم الخندق، وكذلك لو أبوا أن يسلموا إلا على شيء يجعله لهم، وكان في إسلامهم عز للإسلام، ولم يأمن معرتهم وبأسهم أعطاهم ذلك ليتألفهم به، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمؤلفة قلوبهم، إلى أن يرغبوا في الإسلام وتحسن فيه نيتهم).

المسألة الثانية:في المنّ على الأسرى ومفاداتهم.
--------------------------------

من المعلوم أن المنَّ على الأسير الكافر وقبول مفاداته قد يكون فيه تقوية للكفار وتكثيرا لسوادهم، فهل يجوز المنّ عليهم أو مفاداتهم؟

قال ابن المنذر في الأوسط (11/ 224):(اختلف أهل العلم في الأسارى، فقالت طائفة: الإمام بالخيار إن شاء منَّ عليهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء فادى بهم، وإن شاء من على بعضهم، وقتل بعضهم، وفادى بعضهم، ولا ينبغي له أن يقتلهم إلا على النظر للمسلمين من تقوية دين الله وتوهين عدوه وغيظهم، وقتلهم بكل حال مباح، هذا قول الشافعي، وبه قال أبو ثور، وهو مذهب أحمد بن حنبل. وقال مالك في الرجال البالغين: ذلك إن شاء قتلهم وإن شاء فادى بهم أسرى المسلمين. وقال الأوزاعي في الأسير: يقتله إن شاء، وإن شاء عرض عليه الإسلام، فإن أسلم فهو عبد للمسلمين، وإن شاء من عليه، وإن شاء فادى به أسرى المسلمين، وكان سفيان الثوري، وأبو عبيد يقولان: الإمام مخير في أسرى المشركين إن شاء قتلهم، وإن شاء فادى بهم، وإن شاء من عليهم، وإن شاء استرقهم، وقال أصحاب الرأي في الرجال البالغين: إن شاء أن يعرض عليهم الإسلام فعل، وإن لم يعرض فلا بأس، فإن شاء ضرب أعناقهم، وإن رأى أن يمن عليهم ويصيرهم فيئا يقسم بين المسلمين فعل).

ونلاحظ أن جمهور العلماء على جواز المنّ على الأسرى، وقال ابن المناصف في الإنجاد في أبواب الجهاد( 263):(مذهب مالكٍ، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيدٍ، وغيرهم؛ لأنهم كلهم يرون جواز القتل والمنّ والفداء للإمام بحسب ما يرى في الأسرى من مصلحة المسلمين.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز المنُّ ولا الفداء، كأنه رأى ذلك منسوخاً).

ولم يختلف العلماء-فيما أعلم- أن النبي-صلى الله عليه وسلم-منَّ على بعض الأسرى، وإنما خالف أصحاب الرأي وغيرهم في جوازه بعد ذلك، إما لأنه منسوخ أو من باب أن الحرب خدعة ونحو ذلك، وأما جمهور العلماء فعلى جواز المنّ عليهم، وليس هذا حكما اعتباطيا، وإنما هو مشروط بحصول مصلحة راجحة تغتفر بها مفسدة التقوية لهم بالمن ّوتكثير عددهم.

قال الشافعي في الأم(4/ 275):(ولا ينبغي له أن يمن عليهم إلا بأن يكون يرى له سببا ممن من عليه يرجو إسلامه، أو كفه المشركين، أو تخذيلهم عن المسلمين، أو ترهيبهم بأي وجه ما كان، وإن فعل على غير هذا المعنى كرهت له ولا يضمن شيئا).

وهل اشتراط المال لفكاك أسارى الكافرين من المصلحة الراجحة الجائزة؟ قولان مشهوران!

قال أبو عبيد القاسم في الأموال( 162):(وأما أكثر العلماء فعلى الكراهة؛ لأن يفادى المشركون بمال يؤخذ منهم ويمدوا بالرجال، لما في ذلك من القوة لهم، وممن كرهه: الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان، فيما يروى عنهم).

والأظهر-والله أعلم-هو جواز افتكاك أسراهم بالمال إذا وجدت مصلحة راجحة وهو مذهب الشافعي وأحمد وهو ما يميل إليه أبوعبيد القاسم فيما يظهر.

قال الشافعي في الأم(7/ 368):(إذا سبى المسلمون رجالا ونساء وصبيانهم معهم فلا بأس أن يباعوا من أهل الحرب، ولا بأس في الرجال البالغين بأن يمن عليهم، أو يفادي بهم ويؤخذ منهم على أن يخلوا والذي قال أبو يوسف من هذا خلاف أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسارى يوم بدر فقتل بعضهم وأخذ الفدية من بعضهم ومن على بعض ثم أسر بعدهم بدهر ثمامة بن أثال فمن عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مشرك ثم أسلم بعد ومنّ على غير واحد من رجال المشركين، ووهب الزبير بن باطا لثابت بن قيس بن شماس ليمنّ عليه فسأل الزبير أن يقتله وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبي بني قريظة فيهم النساء والولدان فبعث بثلث إلى نجد وثلث إلى تهامة وثلث قبل الشام فبيعوا في كل موضع من المشركين وفدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا برجلين. أخبرنا سفيان بن عيينة وعبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدى رجلا برجلين» ).

وفي مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ( 333):(سمعت أحمد، سئل عن الأسير يحلف لهم أن يبعث إليهم بمال، أيفي لهم به؟ قال: نعم).

قال أبو عبيد القاسم في الأموال( 161):(عن ضبة بن محصن، قال: شاكيت أبا موسى الأشعري في بعض ما يشاكي الرجل أميره، فانطلقت إلى عمر وذلك عند حضور من وفادة أبي موسى، فقلت يا أمير المؤمنين، اصطفى أبو موسى من أبناء الأساورة أربعين لنفسه - في حديث طويل ذكره - قال: فما لبثنا إلا قليلا حتى قدم أبو موسى، فقال له عمر: ما بال الأربعين الذين اصطفيتهم من أبناء الأساورة لنفسك؟ قال: نعم، اصطفيتهم وخشيت أن يخدع الجند عنهم، وكنت أعلم بفدائهم، فاجتهدت في الفداء ثم خمست وقسمت قال: يقول ضبة صادق والله، قال: فوالله ما كذبه أمير المؤمنين ولا كذبته.

قال أبو عبيد: قوله: فاجتهدت في الفداء ثم خمست وقسمت ينبئك أنه إنما افتداهم بالمال، لا بافتكاك المسلمين من أيديهم وهذا رأي يترخص فيه الناس).

ولهذا أعطى النبي-صلى الله عليه وسلم- المؤلفة قلوبهم أموالا طائلة، وأعطى أحدهم واديا من غنم، قال الخطابي في معالم السنن(2/ 290):(وأما الذين اعتلوا به من تقوية الكفر فإن الإمام إذا رأى أن يعطي كافرا عطية يستميله بها إلى الإسلام كان ذلك جائزا وإن كان في ذلك تقوية لهم فكذلك هذا، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الكفار غنما بين جبلين).

ومما يوضح هذا أن عامة العلماء-ممن يرى جواز المنّ عليهم وممن لا يرى ذلك كجمهور الحنفية-يرون جواز مفاداة الأسرى بأسرى مسلمين، مع أن فيه تقوية لهم إلا أن هذا معفوٌ عنه للمصلحة.

قال أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي( 62):(وأما الرجال والنساء فقد صاروا فيئا للمسلمين فأكره أن يردوا إلى دار الحرب أرأيت تاجرا مسلما أراد أن يدخل دار الحرب برقيق للمسلمين كفارا أو رقيق من رقيق أهل الذمة رجالا ونساءا أكنت تدعه وذلك ألا ترى أن هذا مما يتكثرون به وتعمر بلادهم ألا ترى أني لا أترك تاجرا يدخل إليهم بشيء من السلاح والحديد وشيء من الكراع مما يتقوون به في القتال ألا ترى أن هؤلاء قد صاروا مع المسلمين ولهم في ملكهم ولا ينبغي أن يفتنوا ولا يصنع بهم ما يقرب إلى الفتنة وأما مفاداة المسلم بهم فلا بأس بذلك).

وقال أبو عبيد القاسم في الأموال( 164):(وكلهم يرى أن يفادى الرجال والنساء بعضهم ببعض).

فظَهَرَ بذلك أن هذا النوع من الإعانة في حربهم؛ لوجود مصلحة راجحة= ليس من الموالاة في شيء، فكيف يكون كفرا وردة كما يزعم تنظيم الدولة؟



المطلب الرابع: بذل السلاح والكراع ونحو ذلك للكفار لمصلحة راجحة.
------------------------------------


وصورتها:أن يقوم المسلمون بإعانة جيش كافر بالسلاح والكراع(الخيل) على جيش آخر كافر للمصلحة الراجحة؛ لغرض إضعاف أشدهما عداوة، أو أكثرهما قوة، ونحو ذلك من المصالح، ولاحظ أن الكلام هنا على الجواز من غير ضرورة!

ولا ريب أن المعاونة هنا ليست من أجل الشرك ولا من أجل المشركين، بل هي من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا ريب أن حقيقة هذه المعاونة لجيش كافر هي إضعاف لجيش كافر أعتى منه، ومفسدة هذه المعاونة أدنى من مصلحة إضعاف كافر أشد منه، بل قد يكون فيها إضعاف الطرفين وهو الغالب، وقواعد الإسلام جاءت باحتمال أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما، وقد أشار إلى هذا الإمام ابن حبيب المالكي كما في النوادر والزيادات(3/ 35)فقال:(ولا بأس أن يقوم بمن سالمه من الحربيين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه, ويأمرهم بنكايتهم، ولا بأس أن يكون من سالمه منهم بحذاء عسكره وقربه ومسايرين له يقوون بظلمه على من حاربه منهم ما لم يكونوا في داخل عسكره).

فمن عاون مشركا بالسلاح ونحوه لإسقاط نظام بشار الأسد كان فعله مشروعا هذا في حال الاختيار، فكيف بحال الاضطرار؟ وكيف يكون المشروع ممنوعا؟ وكيف يكون كفرا مخرجا من الملة؟

وهذا على التسليم أن من أعانوه كان مشركا مرتدا، وإلا فإن غالب أحكام الكفر والردة التي أطقها تنظيم الدولة على خصومه إنما هي بمثل هذه الموالاة الموهومة ونظائرها.



المطلب الخامس: حماية أهل الذمة والمستأمنين والمهادنين.
--------------------------------

فالعلماء قرروا أن حماية أهل الذمة والمستأمنين والمهادنين من المسلمين التابعين للدولة الإسلامية واجبة؛ لأن حمايتهم ليس من أجل دينهم، وإنما هي من أجل ما أعطيناهم إياه من الذمة والعهد؛ فحمايتهم إن كانت بإزاء عوض أو جزية؛ لحقن دمائهم، أو سكنى بلاد المسلمين= فهي من جنس عقد الإجارة، وهي لازمة باتفاق الأئمة، وإن لم تكن بإزاء عوض كالمستأمن= فهي من جنس الوعود التي لا يجوز إخلافها، وكلها داخلة في قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) فإليكم جملة من كلام العلماء توضح ذلك:

قال محمد بن الحسن كما في شرح السير الكبير( 1853):(الأصل أنه يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا، وأن ينصفهم ممن يظلمهم، كما يجب عليه ذلك في حق أهل الذمة؛ لأنهم تحت ولايته، ما داموا في دار الإسلام، فكان حكمهم كحكم أهل الذمة).

وقال الشافعي الأم(4/ 219):(وينبغي للإمام أن يظهر لهم أنهم إن كانوا في بلاد الإسلام، أو بين أظهر أهل الإسلام منفردين، أو مجتمعين= فعليه أن يمنعهم من أن يسبيهم العدو، أو يقتلهم منعه ذلك من المسلمين).

وقال ابن قدامة في المغني(9/ 362):(وإذا عقد الذمة، فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة؛ لأنه التزم بالعهد حفظهم، ولهذا قال علي - رضي الله عنه -: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا. وقال عمر - رضي الله عنه - في وصيته للخليفة بعده: وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرا، أن يوفي لهم بعهدهم، ويحاط من ورائهم.)

وقال ابن تيمية في الهدنة العدة شرح العمدة (651):("وعليه حمايتهم من المسلمين دون أهل الحرب"؛ لأنه أمنهم ممن هو في قبضته وتحت يده، ومن أتلف من المسلمين أو أهل الذمة عليهم شيئاً أو قتل منهم أحداً فعليه ضمانه، ولا يلزم الإمام حمايتهم من أهل الحرب، ولا حماية بعضهم من بعض؛ لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.)

وقال ابن تيمية كما في المستدرك على مجموع الفتاوى(4/ 130):(فإن المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة: بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم، وأموالهم، وفداء أسراهم).

تنبيـــــــــــــــــــه:
--------------------------

ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن بعض الباحثين المعاصرين يبرِّر عدم نصرة المسلمين لإخوانهم بوجود مواثيق دولية ينبغي احترامها، فيقول الشيخ عبدالعزيز الحميدي في الاقتصادية 11 رمضان 1431هـ، ثم نشر أخرى في سبق 28 ربيع الأول 1432ه، يقول:(من حق إمام المسلمين وولي أمرهم أن يلتزم بالعهود والمواثيق التي وقعها مع الدول الكافرة، وأن يقدم هذا الالتزام على واجب النصرة لدولة مسلمة وقع عليها عدوان من الدولة الكافرة التي وقع معها ميثاقا وعهدا).

وهكذا يقرر الشيخ عبدالعزيز الريس في كتابه مهمات في الجهاد(50):(كل دولة مستقلة في الحكم؛ فإذا كان بينها وبين دولة كافرة عهد وميثاق، فاعتدت هذه الدولة الكافرة على دولة أخرى مسلمة، فلا يصح للدولة المسلمة أن تنصر أختها المسلمة على الكافرة ما دام بينها وبين الكافرة عهد وميثاق). ونظائر ذلك من الإطلاقات!

وهذا غلط ظاهر؛ فإن المواثيق بين الدول المعاصرة غير مؤقتة؛ فإن كانت هدنة دائمة لازمة= لم تصح باتفاق المسلمين، وإن كانت هدنة مطلقة جائزة-وهي الهدنة التي يصح لكل واحدة من الدولتين نقض الهدنة بشرط إعلام الدولة الأخرى- = فهي صحيحة على قول طائفة من أهل العلم كالشافعي وأحمد في رواية، واختارها ابن تيمية، وابن القيم، وهو الصواب، وإنما الميثاق الذي يمنع من نصرة المسلمين هو الهدنة المؤقتة اللازمة.

قال الشافعي في الأم(4/ 200):(فإذا أراد الإمام أن يهادنهم إلى غير مدة هادنهم على أنه إذا بدا له نقض الهدنة فذلك إليه).

وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة(2/ 876):(الصواب أنه يجوز عقدها مطلقة ومؤقتة، فإذا كانت مؤقتة جاز أن تجعل لازمة، ولو جعلت جائزة بحيث يجوز لكل منهما فسخها متى شاء كالشركة، والوكالة، والمضاربة ونحوها= جاز ذلك، لكن بشرط أن ينبذ إليهم على سواء.

ويجوز عقدها مطلقة، وإذا كانت مطلقة لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد، بل متى شاء نقضها، وذلك أن الأصل في العقود أن تعقد على أي صفة كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في هذا وهذا).

وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى(29/ 140):(وأما قوله سبحانه:"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" فتلك عهود جائزة لا لازمة؛ فإنها كانت مطلقة، وكان مخيرا بين إمضائها ونقضها كالوكالة ونحوها، ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الهدنة لا تصح إلا مؤقتة: فقوله-مع أنه مخالف لأصول أحمد-يرده القرآن، وترده سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في أكثر المعاهدين؛ فإنه لم يوقت معهم وقتا، فأما من كان عهده مؤقتاً فلم يبح له نقضه بدليل قوله:"إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين").

ونلاحظ أن (الهدنة المطلقة) تشبه إقرار الكفار في بلاد المسلمين من غير دفع جزية، والفرق بينهما أن المسلمين في الهدنة المطلقة إما لم يقدروا على قهر الكافرين ولا إلزامهم بالجزية، أو كان في مهادنتهم مهادنة مطلقة -جائزة غير لازمة-حاجة ماسة للمسلمين كما هادن يهود خيبر للمصلحة الراجحة للمسلمين؛ من أجل قيامهم بشؤون الفلاحة، وهذه الهدنة مع أنها كانت قبل آية الجزية إلا أن النبي-صلى الله عليه وسلم-وأصحابه= لم يفرضوها عليهم بعد نزول آية الجزية، بينما الجزية عقد واجب لازم عند القدرة على ذلك.

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى(19/ 23):(أقر اليهود بخيبر فلاحين بلا جزية إلى أن أجلاهم عمر؛ لأنهم كانوا مهادنين له وكانوا فلاحين في الأرض فأقرهم لحاجة المسلمين إليهم ثم أمر بإجلائهم قبل موته وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب).

وقد ظن كثير من التنويرين وأضرابهم أن مصالحة النبي-صلى الله عليه وسلم- لليهود حين قديم المدينة، أو لأهل خيبر من المواثيق اللازمة، قال د.حاكم المطيري في تحرير الإنسان(129):(ففي هذه الصحيفة الدستورية تجلى مبدأ المواطنة لكل من يعيش على أرض المدينة من يهود المدينة ومواليهم في كافة الحقوق دون تمييز أو ظلم)

بل أدهى من ذلك أن نواف القديمي في أشواق الحرية(102):(وطن فيه مسلمون ويهود تشاركوا في وضع دستور هذا الوطن).

وهذا كله غلط ظاهر؛ وإنما هذه هدنة مطلقة فيها المشاركة على حماية المدينة، كما هادن يهود خيبر هدنة مطلقة على المشاركة في المزارعة؛ لوجود المصلحة في ذلك، والحكم في ذلك للنبي-صلى الله عليه وسلم-وليس لليهود من ذلك شيء، ولم يعامل اليهود أفرادا كل واحد منهم يمثل نفسه كما هو مقتضى المواطنة، وإنما عاملهم كأمم مستقلة، وهو عقد جائز غير لازم، يزول حسب المشيئة، أو بالخيانة عن تلك الأمة، والمواطنة عقد لازم، فلا تزال عنه بالمخالفة، وإنما يعاقب عليها الفرد، وأي مواطنة والنبي-صلى الله عليه سلم-حين رجع من بدر هدد يهود بني قينقاع، فقد أخرج أبوداود في سننه(3/ 154):(عن ابن عباس، قال: لما أصاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قريشا يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال:"يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا"، قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا، لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله عز وجل في ذلك:"قل للذين كفروا ستغلبون").وحسن إسناده ابن حجر في الفتح(7/ 332).

فإن قلتم:إسناد ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد، قيل لكم:ومراسيل الزهري أضعف منه، وهو حجتكم في صحيفة المدينة!

ثم إنه يلزم من كلامهم أن لو كان اليهود أكثرية فالحكم لهم ولو كانت القوة مع النبي-صلى الله عليه وسلم-، وهذا بلا ريب غلط، ومن سبر التاريخ عرف أن عدد اليهود بشتى بطونهم في المدينة مقارب لعدد الأنصار في المدينة أو أزيد، فالقبائل اليهودية الكبرى يقدر عدد كل واحدة منها سبعمائة مقاتل، فمجموع الثلاث ما يقارب الألفين ومائة مقاتل، أضف إلى ذلك عشرين بطنا من اليهود يقطنون المدينة لو قدِّر عدد كل واحد منها بمائة مقاتل، فمجموع عدد المقاتلين من هؤلاء البطون الصغيرة يساوي ألفين، فإذا أضفنا إليها عدد البطون الثلاث الكبرى= صار مجموع القبائل اليهودية كلها في المدينة أكثر من أربعة ألاف مقاتل!

أضف إلى ذلك أن كثيرا من قبائل الأنصار لم تعلن إسلامها عند مقدم النبي-صلى الله عليه وسلم-وإنما لزمت الحياد، ثم وجد المنافقون، وهم يتناقصون عاما بعد عام؛ لأن من خالطة بشاشة قلبه الإيمان لم يرد في العادة.

ولو قدِّر أن الصحيفة النبوية تعارض دفع الجزية لكانت منسوخة بآية الجزية التي لم تنزل يومئذ باتفاق المسلمين.

والغرض من إيراد مثل هذه الأقوال أنها مع محاولتها لدفع الغلو في التكفير إلا أن ضعفها بادٍ عليها لأغلب عوام المسلمين، فكيف بطلبة العلم النابهين؟؛ مما يجعل تلك الأسئلة الملحة خلواً من الأجوبة الصحيحة، والانحراف أياً كان لا يعالج بالظلم والجهل، وإنما يعالج بالعلم والعدل.



وفي الجملة:فإن هذه المطالب وغيرها توضِّح بما لا يدع مجالاً للشك أن إعانة الكفار تباح في مثل هذه المواضع ونظائرها مما أضربت عنها صفحا مما يحتاج إليها المسلمون إذا وجدت مصلحة راجحة يعرفها أهل المعرفة بذلك؛ مما يبين خطأ من أطلق لفظ الكفر على كل إعانة دون الالتفات إلى شرط أو مانع كما يطلقه شرعيوا تنظيم الدولة كقول هيئتهم الشرعية:(وكل من تولى الأركان والائتلاف، أو ناصرهم، أو أعانهم، أو قاتل تحت رايتهم؛ فحكمه حكمهم سواء بسواء).



*تحليل الاضطراب في فهم العلاقة بين( التعاون، والحب الفطري، والحب الشرعي).

دعونا نحلل العلاقة بين هذه المفردات الثلاث(التعاون أو التعامل-الحب الفطري-الحب الشرعي)؛ إذ التعاون مع الكافرين إما أن يكون من أجل باطلهم، وإما أن يكون لغير باطلهم، فالأول:كفر باتفاق المسلمين، والثاني:إما أن لا يستلزم إعانتهم على باطلهم وإما أن يستلزم؟، فالأول:مشروع في الجملة، والثاني:إما أن لا توجد مصلحة في إعانتهم أو توجد، فالأول:ممنوع، والثاني:إما أن تكون مصلحة مرجوحة وإما أن تكون مصلحة راجحة؟ فالأول:ممنوع، والثاني:مشروع.

فنلاحظ أن معاونتهم مشروعة في موضعين:

الموضع الأول:عندما تكون إعانتهم لغرض مشروع وغير مستلزمة لإعانتهم على الكفر.

والموضع الثاني:عندما تستلزم إعانتهم على شيء من الباطل، لكن وجدت مصلحة راجحة.

ويظهر أن كثيرا ممن خلط في هذه المسائل بنى كلامه على أصلين باطلين:

الأصل الأول:أن الكافر المعيَّن لا يجتمع فيه بغض وحب من وجهين مختلفين؛ وبناءً على هذا الأصل ضلت طائفتان:

الطائفة الأولى:حينما ظنوا التعارض بينهما= فقرروا أن الكافر لا يحب مطلقا سواء كان محاربا أو غير محارب، ولو كان أقرب قريب؛ إذ محبته لقرابته مستلزمة لمحبته لكفره؛ ولهذا لا يجوز الإحسان إليه ولا إعانته بأي نوع من أنواع الإعانة مطلقا؛ لأن هذه الإعانة والإحسان مستلزمة لمحبته المنافية للإيمان، كما قال تعالى:(لا تجد قوما..)وهذا هو مقتضى تنظيرات تنظيم الدولة.

الطائفة الثانية:حينما ظنوا التعارض بينهما= فقرروا أن الكافر المسالم= يحب مطلقا، والكافر المحارب= يبغض مطلقا، وهو ما قرره الشيخ القرضاوي والشيخ الزحيلي وغيرهما، واستدلوا بقوله تعالى:( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

والصواب أنه لا تعارض بينهما أصلا، وأن الكافر يبغض لكفره في السِلم والحرب، ويحب لقرابته في السِلم والحرب، وتوضيح ذلك:هو أن محبة المؤمن لإيمانه تتنافى مع محبته الكافر لكفره؛ إذ الإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأما محبته لهم من أجل قرابة ونحوها لا تتنافى مع محبته للإيمان إلا إذا حصل من قرابته محاداة لدين الله وحرب عليه، فإن العمل بمقتضى المحبة الفطرية في ذلك الموضع وتلك الجهة يتنافى مع العمل بمقتضى المحبة الإيمانية، فيجب عليه تقديم محبته الإيمانية على ما سواها من المحاب الفطرية؛ وتكون المحاب الإيمانية لاغيةً حكماً لمصادمتها ما هو أقوى منها، بل تكون تلك المحاب الفطرية مكروهة لا لذاتها، وإنما لمعارضتها لما هو أقوى منها، كمن يذهب يشتري أحد الطعامين المحبوبين إليه، ولا يستطيع شراءهما معا، وأحدهما أحب إليه؛ فإذا أعطي الأدنى رفضه وكرهه لا لذاته؛ وإنما لمعارضته لما هو أحب إليه منه.

والمقصود أن المحبة الفطرية باقية، لكنها تكون مكروهة لا لذاتها عند مصادمتها لمحبته الإيمانية كما قال تعالى:( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

الأصل الثاني:ظنهم التعارض المطلق بين التعامل الحسن والبغض، وهي قريبة من الأصل الأول، وقد ضلت في نفس الطائفتين:

الطائفة الأولى:لما ظنت التعارض بينهما= فقدمت البغض للكافر على حسن التعامل معه مطلقا، وقرروا أن التعامل الحسن يتنافى مع الإيمان وهو من الموالاة بل من الكفر والردة، وهو ظاهر كلام تنظيم الدولة كما تقدم تقرير كلامهم.

الطائفة الثانية:لما ظنت التعارض بينهما= فقررت أن الكافر غير المحارب يحب ولا يبغض كما يعامل تعاملا حسنا، ويبر، ويقسط إليه، وأما الكافر المحارب فيبغض مطلقا كما لا يعامل معاملة حسنة، ولا يبر، ولا يقسط إليه، وهو تقرير الشيخ القرضاوي والشيخ الزحيلي وغيرهما.

والحق أن بغض الكافرين لكفرهم لا يتنافى مع حسن التعامل معهم، وبرهم، والإقساط إليهم، وإنما ينافي الإعزاز والتبجيل والرفعة ونظائر ذلك، وإنما الذي ينافي حب الإيمان والمؤمنين هو كل تعاملٍ، وبرٍ، وإحسانٍ يستلزم ضررا على المسلمين، أو نصرة للكفر والكافرين، فهاهنا يحصل التعارض بينهما، قال ابن جرير في تفسيره(23/ 323):(لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح).

قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة(1/ 602):(فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم، توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة).

والمقصود من هذه المباحث هو تقرير أنه ليس كل معاونة موالاة، وسيأتي في الأوراق القادمة-إن شاء الله- تقريرات توضيحية في أن كثيرا من أنواع المعاونة= هي موالاة منهي عنها، لكن الموالاة شعب ودرجات..



عبدالعزيز الصويتي التميمي

9 / 11 / 1436 هــ

------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


hgluh,kmE gh jsjg.l hgl,hghm>>

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-25-2015, 09:13 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة

المعاونةُ لا تستلزم الموالاة..
ـــــــــــــ

(عبدالعزيز الصويتي التميمي)
ـــــــــــــــ

12 / 1 / 1437 هــ
25 / 10 / 2015 م
ــــــــــــ


الورقةُ الثانيةُ: معاونةُ الكفَّارِ المختلَفِ في كونِها موالاةً أم لا؟

الحمدُ للهِ..أمَّا بعدُ:

فقدْ ثارَ نقعُ كتاباتِ تنظيمِ الدولةِ الإسلاميةِ في بلدان المسلمين بإكفارِ كلِ مَنْ عاونَ الكافرين لاسيما في حروبِهم سواءً ضدَّ طائفةٍ مِن المسلمين، أو ضدَّ طائفةٍ مِن الكافرين؛ لأنَّ إعانةَ الدولةِ الكافرةِ مستلزمٌ لأعنتِها على كفرِها، ودعمِ قوانينِها الكفريةِ!

قالتْ الهيئةُ الشرعيةُ في الدولةِ الإسلاميةِ:(وكل من تولى الأركان والائتلاف، أو ناصرهم، أو أعانهم، أو قاتل تحت رايتهم؛ فحكمه حكمهم سواء بسواء).

ومِن نتائجِ تكفيرِهم لكلِّ معاونٍ للكفار سواءً كان ضدَّ مسلمين أو ضدَّ كافرين، أنْ كفَّروا جنودَ حكامِ ديارِ المسلمين ضباطاً وأفراداً؛ بحجةِ إعانتِهم للطواغيت!

قال أبو بكرٍ البغدادي-أمير تنظيمِ الدولةِ-:(فيا أبناء الحرمين، يا أهل التوحيد، يا أهل الولاء والبراء، إنما عندكم رأس الأفعى ومعقل الداء، ألا فلتسلوا سيوفكم، ولتكسروا أغمادكم، فلا أمن لآل سلول وجنودهم)[1].

قال أبو محمدٍ العدناني-المتحدث الرسمي لتنظيمِ الدولةِ-:(لا بد لنا أن نصدع بحقيقة مرة لطالما كتمها العلماء ألا وهي:كفر الجيوش الحامية لأنظمة الطواغيت)ثم قال:(إن جيوش الطواغيت من حكام ديار المسلمين هي بعمومها جيوش ردة وكفر، وإن القول اليوم بكفر هذه الجيوش وردتها وخروجها من الدين، بل ووجوب قتالها لهو القول الذي لا يصح في دين الله خلافه)[2].

وفي مجلةِ دابقٍ[3]-التابعة لتنظيمِ الدولةِ الإسلاميةِ-:(آلُ سلولٍ وجنودهم وضباطهم..كفارٌ بلا جدال).

وقد بسطتُ شيئاً مِن كلامِهم في الورقةِ الأولى، وبينتُ أنَّ هذه الكتاباتِ مبنيةٌ على مقدِّمتين:

المقدِّمةُ الأولى:أنَّ كلَّ معاونةٍ للكفَّار= موالاةٌ، وقد بسطتُ الكلام حول هذه المقدمةِ في الورقةِ الأولى.

المقدِّمةُ الثانيةِ:أنَّ كلَّ موالاةٍ للكفَّارِ= كفرٌ، وسيأتي في الورقةِ الرابعةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى بسطُ الموالاةِ المنهيِّ عنها وأنها شُعَبٌ.

وفي هذه الورقةِ اقتصرْتُ على بعضِ المسائلِ في إعانةِ الكفَّارِ المُختَلَفِ فيها، وهل هِيَ موالاةٌ، أمْ ليستْ موالاةً؟، فَمَنْ يرى أنَّها ليستْ موالاةً، فيضعُها مِن جُملةِ صُورِ المقدِّمةِ الأولى، وأنَّه ليس كلُ معاونةٍ موالاةً، ومَنْ يرى أنَّها مِن جُملةِ الموالاةِ المنهيِّ عنها، فيضعُها في المقدِّمةِ الثانيةِ، وأنَّ الموالاةَ لا تستلزمُ الكفرَ باتفاقٍ كما سيأتي بإذنِ اللهِ.

والمُعاوناتُ المختلَفُ فيها: هِيَ ما كانتْ ضدَّ كافرين آخرين في الجُملةِ، وهذا التعاونُ الاختياري لا يخلو:إمَّا أنْ تكون يدُ المسلمين غالبةً، أو يدُهم مغلوبةً، أو يدُهم لا غالبةً ولا مغلوبةً..وفي كلِّ واحدةٍ عِدَّةُ مسائلٍ مِن جِهة نوعِ الإعانةِ(أهيَ باللسان، أمْ بالسِّلاح، أمْ بالقتال في صُفوفِهم..).

وسوف نستعرضُ-بإذنِ اللهِ-في هذه الورقةِ أبرزَ المسائلِ في معاونةِ الكفَّارِ ضدَّ كفَّارٍ آخرين، وأمَّهاتُها أربعُ مسائلٍ:

المسألةُ الأولى:أنْ تكون يدُ المسلمين هِيَ الغالبةُ والكفارُ تبعٌ لنا، فهلْ يجوز لنا أنْ نستعين بِكافرٍ أو بِكافرين ضدَّ كافرين آخرين؟، وهلْ هذه الاستعانةُ مِن الموالاةِ؟

تحريرُ محلِّ النِّزاعِ:

1-لمْ أرَ نزاعاً بين العلماءِ في أنَّه لا يجوزُ الاستعانةُ بالكفَّارِ إذا كانوا مخذِّلين، أو كانتْ في إعانتِهم مضرةٌ راجحةٌ.

2-يخرجُ عنْ محلِّ النِّزاعِ الذي نَقصِدُ إلى بسطِه هنا ما إذا وُجِدتْ حاجةٌ ماسةٌ في الاستعانةِ بهم، أو وُجِدتْ ضرورةٌ مِن بابٍ أولى.

قال الشافعيُّ:(وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم، أو مشرك وكانت عليه دلائل الهزيمة والحرص على غلبة المسلمين وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به، وإن غزا به لم يرضخ له؛ لأن هذا إذا كان في المنافقين مع استتارهم بالإسلام كان في المكتشفين في الشرك مثله فيهم، أو أكثر إذا كانت أفعالهم كأفعالهم، أو أكثر)[4].

3-واختلفوا في الاستعانةِ بهم مِن بابِ الكمالِ، وزيادةِ قوةِ المسلمين، هلْ هِيَ جائزةٌ أمْ ممنوعةٌ؟ على قولين:

القولُ الأولُ:جوازُ الاستعانةِ بهم، وهو مذهبُ جمهورِ السلفِ كالأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجديدِ، وغيرهم.

قال الأوزاعيُّ:( لا أكره أن يستعان بهم)[5].

وفي السيرِ الصغيرِ[6]:(وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب هل ترى بذلك بأسا وهل لهم سهم في الغنيمة قال لا بأس بأن يستعان بهم إذا كان الحكم حكم أهل الإسلام وهو القاهر الغالب فلا بأس بأن يستعان بأهل الشرك).

وقال الشافعيُّ:(من كان من المشركين على خلاف هذه الصفة فكانت فيه منفعة للمسلمين بدلالة على عورة عدو، أو طريق، أو ضيعة، أو نصيحة للمسلمين فلا بأس أن يغزى به)[7].

واستدلَّوا بالآتي:

الدليلُ الأولُ:ما رواه مالكٌ عن الزهريِّ، وفيه:(فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره أداة، وسلاحا عنده، فقال صفوان: أطوعا، أم كرها؟، فقال:بل طوعا؛ فأعاره الأداة، والسلاح التي عنده، ثم رجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كافر، فشهد حنينا، والطائف، وهو كافر، وامرأته مسلمة)[8].

قال الشافعيُّ:(وأمر صفوان وعكرمة وأزواجهما أمر معروف عند أهل العلم بالمغازي)[9].

وقال ابنُ عبدِالبرِ:(هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهل السير وعالمهم، وكذلك الشعبي، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله)[10].

ويناقشُ مِن وجهين:

الوجهُ الأولُ:بأنَّه خبرٌ مرسلٌ، ومراسيلُ الزهريِّ مِن أضعفِ المراسيلِ كما ذكر ابنُ القطان، ويحيى بنُ معينٍ، والشافعيُّ، وغيرهم[11].

الوجهُ الثانيْ:أنَّه لو ثبتَ الخبرُ فغايتُه أنَّ صفوانَ هو مَنْ أعانَ بنفسِه، ولم يَستعنْ به النبيُّ-صلى الله عليه وسلم-، قال ابنُ عبدِالبرِ:(وأما شهود صفوان بن أمية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف وهو كافر فإن مالكا قال لم يكن ذلك بأمر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-)[12].

ويجابُ عنهما:بأنَّه وردتْ مشاركةُ صفوانَ-وهو كافرٌ- بسندٍ متصلٍ:من طريق محمَّد بنِ إسحاقٍ قال: حدَّثني عاصمُ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ جابرٍ، عنْ أبيه جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال:(لما انهزم الناس يوم حنين جعل أبو سفيان بن حرب يقول: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية: ألا بطل ***** اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن)[13].

ثم قال الطحاويُّ:(فصار ما ذكره مالك عن ابن شهاب في أمر صفوان موجودا في حديث جابر الذي رويناه متصلا)[14].

وأمَّا تفريقُ مالكٍ-رحمه الله-بين حضورِه بنفسِه وحضورِه بإذنِ النبيِّ-صلَّى الله عليه وسلم-ففرقٌ غيرُ مؤثرٍ؛ لأنَّه في المحصِّلةِ: قدْ حَصَلَتْ الاستعانةُ به، والنبيُّ-صلى الله عليه وسلم- عالمٌ بإعانتِه، ولم يمنعه مِن أنْ يُعينَهم، وهو المطلوبُ، بلْ فيه قرينةٌ أنَّ مالكاً يصحِّحُ خبرَ إعانةِ صفوانَ للمسلمين.

الدليلُ الثاني:رُوي أنَّه استعان باليهودِ في القتالِ، فعنْ ابنِ عبَّاسٍ-رضي الله عنهما- أنَّه قال:(استعان رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلم-بيهودِ قينقاعٍ فرَضَخَ لهم ولم يسهمْ لهم)[15].

وقال الشافعيُّ:(الحديث في هذا معروف مشهور، والسنة فيه معروفة)[16].

ويناقشُ:بأنَّه خبرٌ ضعيفٌ، قال أحمدُ: تفرَّد به الحسنُ بنِ عمارةَ، وهو متروكٌ[17].

الدليلُ الثالثُ:عنْ الزهريِّ أنَّ رسولَ الله-صلَّى الله عليه وسلم-(غزا بناس من اليهود فأسهم لهم)[18].

ويناقشُ:أنَّه خبرٌ مرسلٌ.

الدليلُ الرابعُ:عنْ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ-رضي الله عنه- قال:(غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم)[19].

ويناقشُ:بأنَّه منقطعٌ[20]

الدليلُ الخامسُ:عنْ جابرٍ قال:(سألتُ الشعبيَّ عنْ المسلمين يغزون بأهل الكتاب؟ فقال الشعبي:(أدركت الأئمة الفقيه منهم وغير الفقيه يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم؛ فذلك لهم نفل حسن)[21].

وقال ابنُ حزمٍ:(والشعبي ولد في أول أيام علي وأدرك من بعده من الصحابة - رضي الله عنهم -)[22].

فالشعبيُّ يحكي إجماعَ الأمةِ-عامَّتَها وخاصَّتَها-، وهذا مِن أقوى الإجماعاتِ!

ويناقشُ:بأنَّ جُلَّ مَنْ أدركهم مِن التابعين، وليسوا مِن الصحابةِ، وقدْ خالفَه الأئمةُ ممنْ لا يخفى عليهم الإجماعُ، وإنِّما حَكى ما نتهى إليه علمُه لا علمُ غيرِه= فلا يَصحُ الإجماعُ ولا يثبتُ.

الدليلُ السادسُ:عنْ القاسمِ بنِ محمَّدٍ، أنَّ سلمانَ بنِ ربيعةَ غزا بلنجر، فاستعانَ بناسٍ مِن المشركين، فقال:(يحمل أعداء الله على أعداء الله)[23].

ويناقشُ:بأنَّ سندَه ضعيفٌ؛ لأنَّ الحجَّاج مدلسٌ، وقد صَّرح أنَّه لم يسمعْ مِن ابنِ القاسمِ[24].

الدليلُ السابعُ:عنْ عائشةَ-رضي الله عنها-وفيه:(واستأجر النبي-صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر رجلاً من بني الديل، ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا - الخريت: الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش)[25].

ويناقشُ:أنَّ هذه حالةٌ اضطراريةٌ، والنِّزاعُ في الحالةِ الاختياريةِ؛ ولهذا بوَّب البخاريُّ:(بابٌ: استئجار المشركين عند الضرورة، أو:إذا لم يوجد أهل الإسلام)[26].

وفي الجملةِ:جميعُ الأخبارِ الواردةِ في الاستعانةِ-سوى الحديثِ الأخيرِ وهو خارجُ محلِّ النِّزاعِ-معلولةٌ لا تصحُ، قال البيهقيُّ-وهو شافعيٌّ-:(لم يبلغنا في هذا حديث صحيح)[27].



القولُ الثانيْ: المنعُ مِن الاستعانةِ بهم، وهو مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ في القديمِ، وأحمدَ في المنصوصِ عنه.

قال مالكٌ:(ولا أرى أن يُستعان بالمشركين على قتال المشركين إلا أن يكونوا خدماً، أو نواتية).[28]

وقال البيهقيُّ:(وقد كره الشافعي في القديم في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه الاستعانة بالمشركين)[29].

وقال الخلالُ:(رأيتُ في كتاب الحسن البزار، قال: سُئل أبو عبد الله عن أهل الذمة يغزون مع المسلمين؟ قال: فيه اختلاف، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم:"لا يستعان بالمشركين على المشركين" .

ما أحب أن يغزوا، ولكن إن غزوا وشهدوا الوقعة ضرب لهم بسهم.

قيل له: فالحربي يستأمن إلينا، ثم يغزوا معنا؟ قال: لا يغزون، فإن غزوا وشهدوا الوقعة ضرب لهم بسهم)[30].

واستدلُّوا على المنعِ بالآتي:

الدليلُ الأولُ: عنْ عائشةَ-رضي الله عنها-في رجلٍ أدرك النبيَّ-صلى الله عليه وسلم-فقال:جئتُ لأتبعَك، وأصيبَ معك، قال له رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلم-:(تؤمن بالله ورسوله؟) قال: لا، قال:(فارجع، فلن أستعين بمشرك)[31].

قال ابنُ حزمٍ:(وهذا عموم مانع من أن يستعان به في ولاية، أو قتال، أو شيء من الأشياء)[32].

ويناقشُ:أنَّه ليس فيه نهيٌ عن الاستعانةِ بالمشركين، وإنِّما فيه أنَّ النبيَّ-صلَّى الله عليه وسلم-لم يشأ أنْ يستعين به؛ لمعنىً من المعاني كما أنَّ له أنْ لا يستعين بأحدٍ مِن المسلمين؛ لمعنىً من المعاني، قال الشافعيُّ:(لأن له الخيار أن يستعين بمسلم أو يرده كما يكون له رد المسلم من معنى يخافه منه، أو لشدة به فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان رده لأنه لم ير أن يستعين بمشرك= فقد نسخه ما بعده من استعانته بمشركين، فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا)[33].

الدليلُ الثانيْ: عن خبيبِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ خبيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال:خرجَ رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلم- يريدُ وجها، فأتيتُه أنا ورجلٌ مِن قومي، فقلنا:إنْ شهِد قومُنا مشهداً لا نشهده معهم، قال:(أسلمتما؟) قلنا: لا، قال:(فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين) قال: فأسلمنا وشهدنا معه[34].

الدليلُ الثالثُ:عن سعيدِ بنِ المنذرِ عن أبي حميدٍ الساعدي قال: خرج رسول الله-صلى الله عليه وسلم- إلى أُحدٍ، فلمَّا خَلَفَ ثنيَّة الوداعِ، نظر خلْفه، فإذا كتيبة حسناء، فقال:(من هؤلاء؟) قالوا: عبد الله بن أبي ابن سلول ومواليه من اليهود فقال: وقد أسلموا؟ قالوا: لا، قال:(فإنا لا نستعين بالكفار على المشركين)[35].

الترجيح:

يظهرُ للباحثِ رجحانُ القولِ الثانيْ وهو المنعُ مِن الاستعانةِ بهم؛ لأنَّ في الاستعانةِ بهم مِن غيرِ حاجةٍ= تسويةً لهم بالمسلمين، والأصلُ في مَنْ كَفَرَ بالله أنْ يُهانَ ولا يُكرَّم ولا يُعزَّ، وأمَّا الاستعانةُ بهم في الخدمةِ كما يقول مالكٌ فجائزةٌ فيما يظهرُ؛ لما فيها مِن الإذلالِ لهم، وأمَّا إنْ حَصَلَت حاجةٌ ماسةٌ في الاستعانةِ بهم= لم يُنه عنه فيما يبدو، وهو مذهبُ مالكٍ في روايةٍ حكاها أبو الفرجِ[36]، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ؛ وعليه فالاستعانةُ بهم من غيرِ حاجةٍ مِن الموالاةِ المكروهةِ، وأمَّا إذا وُجِدتْ حاجةٌ أو ضرورةٌ= لم تكن مِن الموالاةِ في شيءٍ.

فإنْ قيل:وما شأنُ الأخبارِ الواردةِ، وكيف نجمعُ بينها؟

والجوابُ:أنْ أصحَّ ما وَرَدَ مِن هذه الأخبارِ حديثُ عائشةَ-رضي الله عنها-وفيه:(فلن أستعين بمشرك).أخرجه مسلم[37].

وليس هذا نهياً جازماً وعاماً للمسلمين عن الاستعانةِ بالمشركين، نحو:لا تفعلوا، أو لا تستعينوا، وإنما فيه إخبارٌ عن نفسِه أنَّه لا يفعلُ ذلك، ولا يستعينُ بهم، وهذه الصيغةُ تدلُّ على الكراهةِ؛ نظيرَ قولِه:(لا آكل متكئاً)، ولم يختلفْ العلماءُ-فيما أعلم-أنَّ الاتكاءَ في الأكلِ ليس محرماً، قال ابنُ القيِّم:(أما لفظة: أما أنا فلا أفعل فالمتحقق من الكراهة)[38].

والكراهةُ تتناولُ كلَّ المسلمين؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ اختصاصِ النبيِّ-صلَّى الله عليه وسلم-بالأحكامِ لاسيما أنَّه علَّل ذلك بالشركِ، وهو وصفٌ مشتقٌ مناسبٌ، وهو الموافقُ للآثارِ الواردةِ عن الصحابةِ وغيرِهم مِن كراهةِ استعمالِ المشركين والاستعانةِ بهم في أمورِ المسلمين مِن غيرِ حاجةٍ ماسةٍ إليهم؛ ولهذا لم يستعنْ النبيُّ-صلَّى الله عليه وسلم-بذلك المشركِ؛ لعدمِ الحاجةِ إليه لاسيما أنَّه مجرَّد رجلٍ واحدٍ لا تُعوزُ الحاجةُ إليه في الغالبِ، لكنْ لو وُجِدتْ حاجةٌ إلى الاستعانةِ بهم زالتْ الكراهةُ كما هو متقرِّر عند العلماءِ أنَّ الكراهةَ تزولُ للحاجةِ[39]، وتُحمَلُ الأخبارُ الواردةُ في استعانةِ النبيِّ-صلَّى الله عليه وسلم-ببني قينقاعٍ، وصفوانَ، وغيرِهم، على وجودِ الحاجةِ إليهم، لاسيما أنَّها وقائعُ أحوالٍ لا عمومَ لها، فيصحُّ حملُها على الصورةِ الجائزةِ التي لم يتناولها المنعُ كما تقدَّم.



المسألةُ الثانيةُ:أنْ تكون يدُ الكافرين هي الغالبةُ والمسلمُ تابعٌ لهم، فهلْ يجوزُ للمسلمِ أنْ يقاتلَ معهم ضدَّ كافرين آخرين مِن أجلِ المالِ ونحوِه؟

تحريرُ محلِّ النِّزاعِ.

1-لا تدخلُ في محلِّ الِّنزاعِ صورةُ مَنْ قاتلَ معهم مِن أجلِ مصلحةٍ شرعيةٍ، أو مِن أجلِ ضرورةٍ.

2-واختلف العلماءُ في جوازِ الانضمامِ في جيشِهم والقتالِ معهم ضدَّ كافرين آخرين؛ مِن أجلِ أطماعٍ دنيويةٍ، كطلبِ مالٍ ونحوِه، فقد اختلفوا فيها على أربعةِ أقوالٍ:

القولُ الأولُ: تحريمُ القتالِ معهم، وهو مذهبُ مالكٍ، ففي "المدونة"[40]:(قلت: أرأيت لو أن قوماً من المسلمين أسارى في بلاد الشرك، أو تجارا استعان بهم صاحب تلك البلاد على قوم من المشركين ناوءوه من أهل مملكته، أو من غير أهل مملكته، أترى أن يقاتلوا معه أم لا؟

قال: سمعت مالكا يقول في الأسارى يكونون في بلاد المشركين فيستعين بهم الملك على أن يقاتلوا معه عدوه ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين؟

قال: قال مالك: لا أرى أن يقاتلوا على هذا ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك، قال مالك: وإنما يقاتل الناس ليدخلوا في الإسلام من الشرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا دماءهم في ذلك، فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمه على هذا).

وقال سحنون:(ولو استعانوا بهم المشركون على قتال عدو لهم لم ينبغ أن يعينوهم، إلا أن يغير عليهم بعض أهل الشرك ويسبوهم فيخاف المسلمون على أنفسهم من ذلك، فلا بأس أن يقاتلوا حينئذ مع الذين هم معهم)ثم قال:( وقاله كله ابن الماجشون وأصبغ)[41].

القولُ الثانيْ:يُكرهُ القتالُ في صفوفِهم، وهو مذهبُ الحنفيةِ، والشافعيةِ، وغيرِهم.

قال محمَّدُ بنُ الحسنِ:(وإن كان حكم أهل الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا مع أهل الشرك إلا أن يخافوا على أنفسهم فيدفعون عنها)[42].

قال الطحاويُّ:(قال أصحابنا لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين إذا كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، وإنما يكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك الظاهر، وهو قول الشافعي)[43].

وقال الشافعيُّ:(وإن لم يستكرهوهم على قتالهم كان أحب إلي أن لا يقاتلوا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت، ولو ثبت كان النجاشي مسلما كان آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصَّلى النبي - صلى الله عليه وسلم -عليه)[44].

القولُ الثالثُ:التوقف، وهذا مذهب أحمد بن حنبل، قال أبوداود:(قلت لأحمد: لو نزل عدو بأهل قسطنطينية، فقال الملك للأسرى: اخرجوا فقاتلوا، واعطيكم كذا وكذا؟ قال: إن قال لهم: أخلي عنكم فلا بأس رجاء أن ينجوا، قلت: فإن قال: أعطيكم وأحسن إليكم؟ قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" , لا أدري)[45].

فنلاحظُ أنَّ أحمدَ توقَّفَ في إعانتِهم مِن أجلِ المالِ، فما كان دون المالِ ونحوِه كإعانتهم دون مقابلٍ فهو منهيٌ عنه، وإنْ كان يَظهرُ مِن تعليلِ أحمدَ بالحديث أنَّ المنعَ مِن إعانتِهم مِن أجلِ المالِ أقربُ إليه، قال ابنُ مفلحٍ:(ونُحرِّم إعانتهم على عدوهم إلا خوفاً، وتوقف أحمد في أسير لم يشرطوا إطلاقه ولم يخفهم, ونقل أبو طالب: لا يقاتل معهم بدونه)[46].

هذه الثلاثةُ الأقوالُ(التحريم، الكراهة، التوقف) متقاربةٌ مِن حيثُ الدلائلِ:

الدليلُ الأولُ: عن جريرٍ، قال: بعث رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- سريةً إلى خثعم، فاعتصمَ ناسٌ بالسجودِ فأسرعَ فيهم القتلُ، فبلغَ ذلك النبيَّ-صلى الله عليه وسلم- فأمرَهم بنصفِ العقلِ، وقال: (أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين ) قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: (لا ترايا ناراهما )[47].

وجهُ ذلك:أنَّ النبيَّ-صلَّى الله عليه وسلم-تبرَّأ ممنْ أقامَ في دارِهم وساكنَهم، وإنْ لم يُعِنْهم، فكيف بمن ساكنَهم في جيشِهم، واستظلَّ برماحِهم، وتحت رايتِهم، واستدفأ بنارِهم، وقاتلَ معهم، وأعانَهم؟؟

قال الطحاويُّ:(القتال الذي دعاه ولاؤه إلى المسلمين هو قتال تحت راية الكفر، وقد قال النبي-صلى الله عليه وسلم- أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا يتراءى ناراهما)[48].

فهذا يدلُّ على التحريمِ الشديدِ، بل ظاهرُ الحديثِ كفرُ مَنْ فَعَلَ ذلك، قال ابنُ حزمٍ:(وهو-عليه السلام- لا يبرأ إلا من كافر)[49].

ويناقشُ مِن خمسةِ أوجهٍ:

الوجهُ الأولُ:أنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ، والأئمةُ يُعِلُّونه بالإرسالِ كأحمدَ[50]، والبخاريّ[51]، وأبي حاتمٍ[52]، والدارقطنيّ[53]، والبيهقيّ[54]، وغيرِهم.

قلتُ:وهو وإنْ كان سنده ضعيفاً كما قال الأئمةُ بشأن هذا الحديث إلا أنَّ له شواهداً تقويْ معناه[55]، ولم يزلْ الأئمةُ يحتجُّون به وبأمثالِه على النهي عن الإقامةِ بين ظهراني الكافرين.

الوجهُ الثانيْ:أنَّ القتالَ معهم لا يستلزمُ الإقامةَ، وأغلبُ أحوالِ الجيوشِ السفرُ، ومَنْ سافرَ إليهم، وقاتلَ معهم ضدَّ كفَّارٍ آخرين= لم يكنْ بذلك مقيماً، وقدْ حَصَلَ بين العلماءِ نزاعٌ في المدَّةِ التي إنْ قضاها، أو نوى ذلك =كان مقيماً، هلْ هِيَ أربعةُ أيامٍ؟، أمْ خمسةَ عشرَ يوماً؟، أم عشرون يوماً؟، أم بحسبِ العرفِ، ولا يكفرُ أحدٌ مع وجودِ احتمالٍ، وعامتُهم أنَّ المسافرَ ما لم يعزمْ على الإقامةِ فيقصرُ أبداً= فهو غيرُ مقيمٍ؛ وبهذا تكونُ كثيرٌ مِن الصورِ لم يتناولْها النهيُ في الحديثِ.

الوجهُ الثالثُ:أنَّ الحديثَ فيمَنْ أقامَ بين ظهراني المشركين مختاراً، ولا يتناولُ مَنْ ذهبَ إليهم خائفاً مِن ظلمٍ ونحوِه، أو مَنْ لا يستطيعُ ذلك لمشاكلِ الجنسيةِ ونحوِها، ومَنْ كان معذوراً بإقامتِه= لم يتناولْه النهيُ في قتالِه مع المشركين عندئذٍ، أيْ: أنَّه يجوزُ له الإقامةُ بين ظهرانيهم؛ لما ذكرنا؛ فإنْ أعانهم بعد ذلك ودَخَلَ في جيشِهم وقاتلَ معهم؛ لغرضِ المالِ= لم يتناولْه حديثُ النهيِ!

الوجهُ الرابعُ:أنَّ السلفَ-الذين لم يُعرفْ عنهم بدعةٌ-لم يتنازعوا أنَّ الإقامةَ بين ظهراني المشركين اختياراً= ليستْ كفراً؛ وبدليلِ إجماعِهم على التوارثِ بين المهاجرِ وغيرِ المهاجرِ، ومعلومٌ أنَّ الكافرَ لا يرثُ مِن المسلمِ، قال الحارثُ المحاسبيُّ[56]:(فأجمعوا أن الآية الأولى منسوخة، وأن الله-جل ثناؤه-أثبت الميراث بالقرابة للمؤمنين لا بالهجرة)[57].ثم قال:(فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة فكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه، فنسخ ذلك "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين")[58]، وقدْ أوجبَ اللهُ نُصرةَ مَنْ لم يهاجرْ إنْ استنصرونا في الدين، فقال تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

وسيأتي بسطُ هذه المسألةِ إنْ شاءَ اللهُ عند بحثِ مناطاتِ الكفرِ.

الوجهُ الخامسُ:أنَّ أهلَ العلمِ فسَّروا هذا الحديثَ بِعدَّةِ تفسيراتٍ لا يلزمُ منها كفرُ مَنْ أقامَ بين أظهرِ المشركين، وهيَ كالآتي:

التفسيرُ الأولُ:أيْ: بَرِيءَ من ديته، ومِن القصاصِ مِن فاعلِه، قال الشافعيُّ:(إن كان هذا يثبت فأحسب النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى من أعطى منهم متطوعا وأعلمهم أنه بريء من كل مسلم مع مشرك والله أعلم في دار الشرك ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود)[59]، وقال ابن حزم:(أنه جان على نفسه بذلك، فإن قتله من لا يدري أنه مسلم فلا قود، ولا دية، إنما فيه الكفارة فقط؛ بنص القرآن)[60].

التفسيرُ الثانيْ:أنَّه يحتملُ أنَّ معنى الحديثِ البراءةُ مِن ولايتِهم التي هي الميراث، وهيَ مِن جِنْسِ معنى قولِه تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، وأجمعَ العلماءُ أنَّ المقصودَ بها الميراثُ، ولكنَّها نُسِختْ.[61]

التفسيرُ الثالثُ:أنَّه بَرِيءَ مِن حِمايةِ دمِ أيْ مسلمٍ يقيمُ بين أظهرِ المشركين مختاراً؛ لأنَّه هو الجانيْ على نفسِه، أو لأنَّ الأحكامَ تابعةٌ للدارِ كما هو مذهبُ الحنفيةِ، قال الجصاصُ:(لا قيمة لدمه كأهل الحرب الذين لا ذمة لهم)[62].

ويناقشُ:أنَّ اللهَ أوجبَ نُصرتَهم إنْ استنصروهم في الدينِ، فقال تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، ونصرتُهم فرعٌ عن ثبوتِ إسلامِهم ظاهرا!

التفسيرُ الرابعُ:أنَّه محمولٌ على معنى البراءةِ مِن إقامتِه وفعلِه، لا البراءة مِن المقيمِ نفسِه؛ نظيرَ قولِه:(من حمل علينا السلاح فليس منا)، و(من غشنا فليس منا) ونظائر ذلك.

التفسيرُ الخامسُ:أنَّ هذا حين كانتْ الهجرةُ فرضاً، لكنَّها نُسِختْ بعدَ فتحِ مكةَ، وهو اختيارُ الكيا الهراسي[63]، والرازي[64]، وغيرُهما.

التفسيرُ السادسُ:أنَّه محمولٌ على مَنْ سكنَ في دارِ المشركين، ولم يمكنْه أنْ يُظهِرَ شيئاً مِن دِينه، أو خَشِيَ أنْ يُفتتنَ فيها، فإنَّه بريءٌ مِن مقامِه بينهم، ويجبُ عليه الهجرةُ، وأنَّه إذا أَمِن فإقامتُه في دارِهم مكروهةٌ، وقد أشارَ إلى هذا الماوردي[65]، وقال الشافعيُّ:(ودلَّت سُنَّة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على أنَّ فرضَ الهجرةِ على من أطاقها، إنما هو على من فُتِنَ عن دينِه بالبلد الذي يَسلَمُ بها؛ لأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم، فيهم العباس بن عبد المطلب، وغيره؛ إذا لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم:إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب المسلمين، وليس يُخيرهم إلا فيما يحلُّ لهم)[66].

التفسيرُ السابعُ:أنَّه برِئ ممن لِحقَ بالكفَّارِ محارباً للمسلمين، قال ابنُ حزمٍ:(من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لم يبرأ من مسلم)[67].

الدليلُ الثانيْ:أنَّ القتالَ المشروعَ هو ما كانَ مِن أجلِ إعلاءِ لا إله إلا الله، وهذا ليس كذلك، بل هذا إعانةٌ للكفارِ ضدَّ كفارٍ آخرين مِن أجلِ غرضٍ دنيويٍ صِرفٍ.

ويناقشُ:بأنَّ طلبَ المالِ مِن الحوائجِ المشروعةِ، وأباحَ اللهُ الموتَ دون المالِ، وسمَّاه شهيداً.

ويجابُ عنه:بأنَّ النبيَّ-صلى الله عليه وسلم-ذَكَرَ أنَّ مَنْ ماتَ دونَ مالِه فهو شهيدٌ، وهو هنا لم يصبح مالاً له بعدُ؛ بل طريقُ كسبِه له غيرُ مشروعٍ، فكيف يكون مالاً له؟

الدليلُ الثالثُ:أنَّ في قتالِه معهم ضدَّ كافرين تعريضاً لإزهاق نفسِه مِن أجلِ حطامٍ زائلٍ؛ يتسبَّب بدخولِهم مِن حكم ِكافرٍ إلى حكمِ كافرٍ آخر= وهذه غايةٌ لا يجوز للمسلمِ تعريضُ نفسِه مِن أجلِها.

الدليل الرابع:أنَّ القتالَ طلباً للمالِ مِن جنسِ القتالِ من أجلِ العلوِّ في الأرض، وهذا قتالُ غيرُ مشروعٍ لاسيما أنَّه قتالُ لا مراعاةَ فيه لأحكامِ الله، بخلافِ قتالِ المسلمين الذين يدعون الكفارَ إلى الإسلامِ قبلَ القتالِ، ويفعلون بالأسرى ما فيه مصلحةٌ للإسلام والمسلمين، ويخمَّسون الغنائم، ونظائر ذلك من الأحكام التي ليس لمن قاتلَ مع الكفارِ يدٌ في فرضها عليهم، وأشارَ إلى هذا الإمام الشافعيُّ فقال:(..أن واجبا على من ظهر من المسلمين على المشركين فغنم فالخمس لأهل الخمس وهم متفرقون في البلدان، وهذا لا يجد السبيل إلى أن يكون الخمس مما غنم لأهل الخمس ليؤديه إلى الإمام فيفرقه وواجب عليهم إن قاتلوا أهل الكتاب فأعطوا الجزية أن يحقنوا دماءهم وهذا إن أعطوا الجزية لم يقدر على أن يمنعهم حتى يحقنوا دماءهم كان مذهبا)[68].

وقال ابنُ المناصفِ:(لا يجوزُ لمجردِ الغَلبةِ والنَّيل منهم على الإطلاق، ألاَ ترى أنَّ الدعوة تَجِبُ قبلَ ذلك فيمن لم تبلغه باتفاق، فقتالهم معهم لم يكن لذلك، بل هو عونٌ للكفار على الكُفَّار، وذلك غير مشروع)[69].

الدليلُ الخامسُ:أنَّ القتالَ مع جيشِ الكفارِ براياتِه الكفريةِ مستلزمٌ لإعانتِهم على الكفرِ= ولا يجوزُ إعانتُهم على الكفرِ!

ويناقشُ من وجهين:

الوجه الأول:أنَّ قتالَ الكفارِ لغيرهم من الكافرين ليس كفراً ناشئاً من القتالِ، وإنِّما هو استمرارٌ للكفرِ، ولو كان كفراً ناشئاً لوجبَ على المسلمين منعُهم من الاقتتالِ بينهم عند القدرة، أو السعيُ إلى الصلحِ بينهم، ولأصبح الفرحُ بانتصارِ بعضِهم على بعضٍ كالفرحِ بانتصارِ الكفرِ= وهو كفرٌ، وهذا باطلٌ باتفاق المسلمين!

الوجهُ الثانيْ:أنَّ جنسَ قتالِ الكفارِ ليس محرماً في نفسِه، ولهذا يُشرعُ قتالهم طلباً ودفعاً، والمالُ باعثٌ مشروعٌ في الجملةِ، والمخاطرةُ من أجلِ المالِ مشروعةٌ كالمخاطرةِ في حفرِ القُلُبِ، وتشييدِ البروجِ، وترويضِ الخيولِ والإبلِ، ونحوِ ذلك، وما يحصلُ من إعانةٍ للكفارِ على كفرِهم= حاصلٌ بالعرض لا بالذات كما أنَّ هزيمةَ كفارٍ آخرين مصلحةٌ حاصلةٌ بالعرضِ لا بالذاتِ إنْ لم يقصدْ إضعافَ الكافرين ونحو ذلك من المقاصدِ الحسنةِ، فاستوتْ المفسدةُ والمصلحةُ، وطلبُ المالِ رجَّح كفةَ القتالِ معهم، فإن وُجدِتْ نيةٌ حسنةٌ من هزيمةِ الكفارِ وإضعافِهم-وهو الظن بالمسلم- كانتْ المصلحةُ مقصودةً راجحةً على تلك المفسدةِ الحاصلةِ بالعرضِ، فكان أقرب إلى الجوازِ.

ويجابُ عنه:بأنَّ القتالَ في الإسلامِ لا يشرعُ إلا من أجلِ الحقِ وفي سبيلِه، فكيف إذا انضمَ إلى مفسدةِ القتالِ لغيرِ الحقِ مفسدةُ الذلِ والهوانِ تحت رايتِهم الكفريةِ؟. والمخاطرةُ بالنفسِ في القتالِ أعظمُ في مجاري العادات من المخاطرةِ في حفرِ القُلُبِ ونحوِها.



فهذه الدلائلُ شاملةٌ للأقوالِ الثلاثةِ، فمنهم من جعلها دالَّةً على التحريمِ، ومنهم من جعلها دالَّةً على الكراهةِ، ومنهم من توقَّف فيها.

القولُ الرابعُ: جوازُ ذلك، وهو مذهبُ سفيان الثوريِّ[70]، وأشار إليه الشافعيُّ؛ إذ قال:(ولو أسر جماعة من المسلمين فاستعان بهم المشركون على مشركين مثلهم؛ ليقاتلوهم، فقد قيل: يقاتلونهم، وقيل: قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن مشركين، ومن قال هذا القول، قال:وما يحرم من القتال معهم ودماء الذين يقاتلونهم وأموالهم مباحة بالشرك)[71].

وأشار إليه السرخسيُّ فقال:(فبظاهر هذا الحديث يستدل من يجوِّز قتال المسلمين مع المشركين تحت رايتهم)[72].

واستدلُّوا بالآتي:

الدليلُ الأولُ:قصةُ الزبيرِ وأصحابِه حين أعانوا المشركين ببلادِ الحبشةِ على مشركين آخرين، وهي قصةٌ مشهورةٌ في كتب السيرِ والمغازي[73].

وتناقشُ من أربعةِ أوجهِ:

الوجهُ الأولُ:بأنها قصةٌ لا تثبتُ، قال الشافعيُّ:(ولا نعلم خبر الزبير يثبت)[74].

ويجابُ عنه:أنَّ الخبرَ رواه ابنُ إسحاقٍ[75] وغيرِه من أهلِ السيرِ والمغازي، ورواه أحمدُ في مسندِه[76]، قال الهيثميُّ:(ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق، وقد صرح بالسماع)[77]، ويقصدُ أنَّ ابنَ إسحاقٍ مدلسٌ، لكنَّه صَّرحَ بالسماعِ فزالتْ العلةُ، وصحَّحه أحمدُ شاكر[78].

الوجهُ الثانيْ:أنَّ النجاشيَّ كان مسلماً= فهِيَ مِن إعانةِ المسلمِ لأخيه المسلمِ، قال الشافعيُّ:(ولو ثبت: كان النجاشي مسلما كان آمن برسول الله-صلى الله عليه وسلم-)[79].

ويجابُ عنه:أنَّ النجاشيَّ كان يخفي إسلامَه، ولا يحكمُ به بلادَ الحبشةِ، بل لا تزالُ أجراسُ الكنائسِ تدقُّ في جَنَبَات البلاد، وراياتُ الصليبِ ترفرفُ في سمائها= فحكومتُه ليست حكومةً إسلاميةً، وكان القتال بين جيشين صليبيين تُرفع فيهما راياتُ الصليبِ، ولم يكنْ أصلُ القتالِ بين الإسلامِ والكفرِ باتفاق المسمين، ولا يُتَصور هذا عن جيشٍ حاكمه يُظهِرُ النصرانيةَ ويخفي الإسلام!

صحيحٌ أنه قد تكون نيةُ النجاشيِّ-على تقدير إسلامه-نيةً حَسَنَةً كأن لا يريدُ أن يوسَّد حكمُ الحبشةِ إلى كافرٍ، لكنَّ الجيش والراية كلها قتالُ كفارٍ ضد كفار!

مع أنَّ ظاهرَ القصةِ أنَّ النجاشيَّ الذي قاتلَ لم يكنْ مسلماً يومئذٍ؛ لأنَّ الزبيرَ وأصحابَه ذكروا أنَّهم أرادوا نصرتَه خوفاً مِن ظلمِ غيرِه، ولم يذكروا أنَّه مِن أجلِ إسلامِه، قال ابنُ إسحاقٍ يحكي قصَّتهم:(فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد منه، فرقاً أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف، فجعلنا ندعوا الله، ونستنصره للنجاشي)[80].

الوجهُ الثالثُ:تُحْمَلُ على حاجةِ المسلمين ومصلحتِهم في انتصارِه؛ لأنَّ البديلَ عن النجاشيِّ لنْ يكون مثلَه، قال السرخسيُّ:(أنه لم يكن للمسلمين يومئذ ملجأ غيره..)[81].

وطَلَبُ المالِ ليس مِن هذا الباب.

الوجهُ الرابعُ:أنَّ حضورَ الزبيرِ للوقعةِ مع النجاشيِّ لا يلزم منه الإعانةَ، بل ظاهرُ حضورِه للواقعةِ إنَّما هو لاطلاعِه على أحوالِ المعركةِ لا غير؛ ليرجعَ إلى أصحابِه بالخبرِ، ولم يُشارك معهم في القتالِ، قال الطحاويُّ):فلم يذكر فيه قتال وإنما ذهب يعرف خبرهم فأخبر المهاجرين)[82].

ويجابُ عنه:أنَّ دعاءَهم للنجاشيِّ، وفرحِهم بنصرِه، وحضورَ الزبيرِ الوقعةِ تحت رايةِ النجاشيِّ الصليبيةِ سواء قاتل أو لم يقاتل= يدلَّ على جواز مناصرتِهم؛ إذا كان فيه مصلحةٌ للإسلام والمسلمين؛ إذْ الأمر دائرٌ بين كفرين، أو حاكمين، وأحدهما أهون من الآخر؛ فيدفعُ أشد الضررين باحتمال أدناهما.

الدليل الثاني:أنَّ غايةَ القتالِ مع كافرين ضدَّ كافرين= هو أنْ يَقتلَ المسلمُ الكفارَ، ولا محذورَ فيه؛ لأنَّ دمائَهم مستباحةً بالكفرِ.

ويناقشُ مِن ثلاثةِ أوجهٍ:

الوجهُ الأولُ:أنَّه لا يحِلُّ قتلُهم بمجردِ الكفرِ الأصليِّ وهم لم يقاتلوا المسلمين قولاً أو فعلاً، قال ابن تيمية:(وأما من لم يكن من أهل الممانعة، والمقاتلة: كالنساء، والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزمن، ونحوهم= فلا يقتل عند جمهور العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله، أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر؛ إلا النساء والصبيان؛ لكونهم مالا للمسلمين، والأول هو الصواب)[83].

الوجه الثاني:أنَّ المشروعَ دعوتُهم إلى الإسلامِ، ثم إلى الجزيةِ، قبل قتالِهم، قال ابنُ المناصف:(من عُلِمَ وتُحقِّق أنه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عُلِمَ ماذا يُراد منه بالقتال، فلا خلاف يُعرفُ أنه يجبُ أن يُدعَى قبلُ إلى الإسلام، ويَعلم بما يجب في ذلك، فإن امتنعوا قوتلوا حينئذ)[84].

الوجهُ الثالثُ:أنَّ في قتالِه معهم مفاسدٌ: من الدخولِ تحت رايتِهم الكفريةِ، ومن جعلِ سلطانٍ عليه من الكافرين.

الدليلُ الثالثُ:أنَّ إلحاقَ الذلِ والصغارِ والهزيمةِ بطائفةٍ مِن الكفارِ مِن المقاصدِ الشرعيةِ مِن إدحاضِ الباطلِ وإزهاقِه، فإنْ كان في إعانةِ طائفةٍ مِن الكفارِ تحقيقٌ لهذا المقصدِ الشرعيِّ= لم يكنْ منهياً عنه، وما فيه مِن مفاسدَ تعريضِ النفسِ للهلاك، والذلِ بالدخول في جيشهم وتحت إمرتهم.. مغتفرٌ بتحقيقِ ذلك المقصدِ الشرعيِّ.

ويناقشُ:أننا سلَّمنا أنَّ ضربَ الصَّغارِ على الكفَّارِ من المقاصدِ الشرعيةِ، لكنْ بإزاءِ ذلك مفسدةُ علوِّ طائفةٍ مِن الكافرين وإعزازِها= فاستوتْ المفسدةُ والمصلحةُ، وبقيتْ مفاسدُ أخرى مِن دخولِ المسلمِ تحت رايتِهم، وفرضِ الذلِ عليه، وتعريضِ نفسِه للهلاكِ= كل ذلك من أجل المال!



الترجيح: يظهر للباحث رجحان تحريم القتال معهم من أجل المال ونحوه من الأطماع الدنيوية؛ لقوة أدلة المحرمين؛ وعليه فالقتال معهم في صفوفهم من الموالاة المحرمة على الصحيح من أقوال أهل العلم، بل جرت العادة أنه لا يعتاد القتال معهم ضد كافرين آخرين إلا من هو فاسق أو دون ذلك، قال ابن تيمية عمن يقاتل مع التتر ضد كافرين آخرين:(لا يقاتل معهم غير مكره إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق)[85].

وفي الجملةِ:لم أرَ بعدَ البحثِ والتفتيشِ في أقوالِ السلفِ غيرَ هذه الأقوالِ الأربعةِ، وليس في واحدٍ منها إكفارُ مَنْ انضمَّ معهم في جيشِهم وقاتلَ معهم ضدَّ كافرين آخرين مِن أجلِ المالِ ونحوِهِ؛ وبهذا تبطل تقريرات أمراء التنظيم وشرعييه من تكفير كل معاون للكفار= حين كفَّروا مَن يسمونَهم جنودَ الطواغيتِ، أو كفَّروا المجاهدين بمجردِ التعاونِ، قالتْ الهيئةُ الشرعيةُ لتنظيمِ الدولةِ حين كفَّروا الجبهةَ الإسلاميةَ بمجرد عضويتِهم في الأركان:(تولي أمراء الجبهة للمرتدين وموافقتهم لما هم عليه من الكفر؛ وذلك لعضويتهم في هيئة الأركان).

وهذا لو كانتْ عضويتُهم لأطماعٍ دنيويةٍ مِن نيلِ مالٍ ونحوِه، فأمَّا إنْ كانتْ مِن أجلِ مصلحةٍ شرعيةٍ، أو حاجةٍ ماسةٍ، فهِيَ مِن المسائلِ الآتيةِ.



المسألة الثالثة:أنْ تكون يدُ الكافرين هِيَ الغالبةُ، والمسلمُ لهم تبعٌ، فهلْ يجوزُ للأسيرِ المسلمِ-الذي لا يخشى على نفسه الافتتان في الأسر- أنْ يقاتلَ معهم ضدَّ كافرين آخرين مِن أجلِ إطلاقِ أسرِه؟

اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:

القولُ الأولُ:المنعُ مِن القتالِ معهم، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ومذهبُ مالكٍ، وظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ.

قال محمدُ بنُ الحسنِ:(وإن كان حكم أهل الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا مع أهل الشرك إلا أن يخافوا على أنفسهم فيدفعون عنها)[86].

وقال السرخسيُّ:(لو قال أهل الحرب لأسراء فيهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين-وهم لا يخافونهم على أنفسهم إن لم يفعلوا-= فليس ينبغي أن يقاتلوهم معهم؛ لأن في هذا القتال إظهار الشرك، والمقاتل يخاطر بنفسه فلا رخصة في ذلك)[87].

وفي المدونة[88]:(قال: سمعت مالكا يقول في الأسارى يكونون في بلاد المشركين فيستعين بهم الملك على أن يقاتلوا معه عدوه ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين؟

قال: قال مالك: لا أرى أن يقاتلوا على هذا ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك، قال مالك: وإنما يقاتل الناس ليدخلوا في الإسلام من الشرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا دماءهم في ذلك، فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمه على هذا).

وقال الشافعيُّ:(وإن لم يستكرهوهم على قتالهم كان أحب إلي أن لا يقاتلوا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت، ولو ثبت كان النجاشي مسلما كان آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصَّلى النبي - صلى الله عليه وسلم -عليه)[89].

وقال ابنُ حبيبٍ:(ويكره للإمام أن يكون معه أحد من المشركين أو يستعين ببعضهم على بعض. قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"لن أستعين بمشرك". قال ابن حبيب: وهذا في الزحف والصف وشبهه, فأما في هدم حصن أو رمي مجانيق، أو صنعه أو خدمه= فلا باس، ولا باس أن يقوم بمن سالمه من الحربيين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه , ويأمرهم بنكايتهم، ولا بأس أن يكون من سالمه منهم بحذاء عسكره وقربه ومسايرين له يقوون بظلمه على من حاربه منهم ما لم يكونوا في داخل عسكره)[90].

واستدل هؤلاء بالآتي:

الدليلُ الأولُ:أنَّ إعانةَ الكفارِ على الكفارِ فيه مفسدةُ إظهارِ الشركِ، وإعلاءِ كلمتِه، وهذا مِنهيٌّ عنه، فهو قتالٌ غيرُ مشروعٍ، قال ابنُ المناصفِ:(لأن قتال الكفار إنما شُرِعَ لإعلاء كلمة الإسلام والدعاءِ إليه، لا لإعلاءِ كُفرٍ على كُفرٍ، بل لا يجوزُ لمجردِ الغَلبةِ والنَّيل منهم على الإطلاق، ألاَ ترى أنَّ الدعوة تَجِبُ قبلَ ذلك فيمن لم تبلغه باتفاق، فقتالهم معهم لم يكن لذلك، بل هو عونٌ للكفار على الكُفَّار، وذلك غير مشروع)[91].

ويناقشُ مِن ثلاثة أوجه:

الوجهُ الأولُ:أنَّ في معاونةِ كفارٍ على قتالِ كفارٍ آخرين تعاونٌ على دحرِ الكفرِ والباطلِ، وهو محمودٌ، وهو من جنسِ حلفِ الفضولِ الذي تعاونوا فيه على دفع الظلم[92]، فكيف إذا كان فيه مصلحةٌ من فكاكِ أسيرٍ مسلمٍ؟

ويجابُ عنه:بأنَّ الإسلامَ يأمرُ بدفعِ الظلمِ بالحقِ، وهو مضمونُ حلفِ الفضولِ، ولا يأمرُ بدفعِ ظلمٍ بظلمٍ مثلِه= فهذا عبثٌ لا يأمرُ الإسلامُ به، فكيف إذا كان فيه مفسدةُ تعريضِ النفسِ للهلاكِ، والدخولِ تحت رايتِهم؟

الوجهُ الثانيْ:أنَّ هذا القتالَ لو كان فيه إعانةٌ على الكفرِ= فهو جائزٌ من أجلِ الفكاكِ من الأسرِ؛ لأنَّ الحبسَ من معاني الضروراتِ المبيحةِ للتلفظِ بالكفرِ وفعلِه مع اطمئنانِ القلبِ بالإيمانِ، فكيف بما دون ذلك؟، وكيف إذا كانتْ تلك الإعانةُ لا تزيدُ الَمُعَانَ كفراً على أصل كفره؟؟

الوجهُ الثالثُ:أنَّ المتكلمَ نَظَرَ إلى مفسدةِ علوِّ طائفةٍ من الكفارِ، وأنَّه مستلزمٌ لعلوِّ الكفرِ، وهذا نَظَرٌ قاصرٌ، بل فيه مصلحةُ قهرِ طائفةٍ من الكفارِ، والمقاتلُ لم يقصدْ علوَّ الكفرِ قطعاً؛ لأنَّه يحاربُ مَن كان من جنسِهم، ومفسدةُ إظهارِ الكفرِ مساويةٌ لمصلحةِ إدحاضِ الكفرِ، فليس فيه مفسدةٌ راجحةٌ من هذه الجهة، وإنما يمنع من أجل مفسدة الذلِ والهوانِ، وتعريضِ النفسِ للهلاك، لكنْ هذه المفسدةُ مغمورةٌ بمصلحةِ فكاكه مِن الأسر؛ لأن تلك المفسدةَ-وهي الذلُ والهوانُ، وتعريضُ النفسِ للهلاكِ-موجودةٌ في الأسرِ أيضاً، مع مصلحةِ فكاكِ أسرِه، والقتالُ مِن أجلِ دفعِ الظلمِ عن نفسِه مشروعٌ، وهو مِن القتالِ في سبيلِ اللهِ، وإذا جازَ القتالُ لدفعِ الظلمِ الواقعِ على مالِ المسلمِ كما في الصحيحِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ-رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي-صلى الله عليه وسلم-يقول:(من قتل دون ماله فهو شهيد)[93]، فدفعُه عن النفسِ مِن بابٍ أولى، ولهذا يجوزُ أنَّ يفتدي نفسَه بالمالِ عند الجمهورِ؛ ولأنَّه يُخشى عليه الافتتانُ في الأسرِ، بل ثبتَ أنَّه أباحَ القتالَ دون النفسِ، فعن سعيدِ بنِ زيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-:(من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد)[94].

الدليلُ الثانيْ:أنَّ في القتالِ معهم هواناً وذلاً، وجَعْلَ سبيلٍ على مَنْ قاتلَ معهم، وجريانِ أحكامِهم الظالمةِ التي لم يأمرْ بها اللهُ المحاربين مِن الدعوةِ إلى الإسلامِ، وقبولِ الجزيةِ، وأحكامِ الأسرى، والكفِ عمن أسلم، ونظائرِ ذلك، دون قدرةٍ منه على تغييرها= وهذا منافٍ لهيمنةِ الإسلامِ على الدينِ كلِه، ومنافٍ للعزةِ الإيمانيةِ التي أمرَ اللهُ بها.

ويناقشُ:أنَّ هذه لا شك مفسدةٌ، ولا يجوزُ الإقدامُ عليها مِن غيرِ حاجةٍ، لكنَّها تُغتفرُ لوجودِ مصلحةٍ راجحةٍ مِن افتكاكِ الأسرى، فحقيقتُها تعارضُ مفسدتين، المفسدةِ المذكورة، والمفسدةِ من بقاء الأسرى في ربقةِ الكافرين= فتُدفعُ المفسدةُ الأشدُ بالمفسدةِ الأدنى.



القولُ الثانيْ:أنَّ القتالَ في صفوفِهم مباحٌ؛ لافتكاكِ نفسِه مِن الأسرِ، وهذا مذهبُ الأوزاعيِّ، والثوريِّ، وأحمدَ ابنِ حنبلٍ.

قال الأوزاعيُّ:(لا يقاتلون إلا أن يشترطوا عليهم إن غلبوا أن يردوهم إلى دار الإسلام)[95].

وقال الثوريُّ:(يقاتلون معهم)[96].

وقال أبوداودُ:(قلت لأحمد: لو نزل عدو بأهل قسطنطينية، فقال الملك للأسرى: اخرجوا فقاتلوا، وأعطيكم كذا وكذا؟ قال: إن قال لهم: أخلي عنكم فلا بأس رجاء أن ينجوا)[97].

واستدلُّوا بالآتي:

الدليلُ الأولُ: عن سعيدِ بنِ زيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-:(من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد)[98]. والأسيرُ غرضُه دفعُ الظلمِ عن نفسِه ضدَّ مَنْ يجوزُ له قتالُهم في الأصلِ، إلا ما فيها من مفسدةِ الذلِ، وتعريضِ النفسِ للهلاكِ، ونحوِ ذلك، ومفسدةُ الأسرِ أعظمُ مِن مفسدةِ القتالِ معهم ضدَّ كافرين؛ إذ في الأسر ذلٌ وإهانةٌ لا يوجدُ مثله في القتالِ معهم، ويُخشى عليه مِن الفتنةِ.

الدليلُ الثانيْ:أنَّ الأسيرَ-وإنْ لم يخشَ على نفسِه الآن-قد تتغيرُ الأوضاعُ؛ فيُفتتنَ في دينِه= فقتالُه لافتكاكِ نفسِه مِن الأسرِ خيرٌ له.

الدليلُ الثالثُ:أنَّ قتالَه بمنزلةِ الفداءِ بالمالِ وهو جائزٌ؛ وذلك أنَّه جَعَلَ مِن نفسِه أجيراً في القتالِ معهم، فإذا جازَ أحدُ العوضين المتساويين جازَ الآخرُ.

ويناقشُ:أنَّ هذا العِوضَ-أعني القتالَ معهم كالأجيرِ- يلزمُ منه أنْ يكونَ المسلمُ تحت رايتِهم بخلافِ الفداءِ فلا يلزمُ منه ذلك.

الدليلُ الرابعُ:قصةُ الزبيرِ وأصحابِه حين أعانوا المشركين ببلادِ الحبشةِ على مشركين آخرين، وهي قصةٌ مشهورةٌ في كتبِ السيرِ والمغازي[99]، وإذا جازَ إعانةُ جيش ٍكافرٍ براياتِه الصليبيةِ مِن أجلِ بقائِهم في بلادِه للحاجةِ، فلأنْ يجوز قتالهُم مِن أجلِ إطلاقِ أسرِهم مِن بابٍ أولى

وتناقشُ مِن ثلاثةِ أوجهٍ:

الوجهُ الأولُ:بأنَّها قصةٌ لا تثبتُ، قال الشافعيُّ:(ولا نعلم خبر الزبير يثبت)[100].

ويجابُ عنه:بأنَّ الخبرَ رواه ابنُ اسحاقٍ[101] وغيرِه مِن أهلِ السيرِ والمغازي، ورواه أحمدُ في مسندِه[102]، قال الهيثميُّ:(ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق، وقد صرح بالسماع)[103]، ويقصدُ أنَّ ابنَ اسحاقٍ مدلسٌ، لكنَّه صرَّح بالسماعِ فزالتْ العلةُ، وصحَّحه أحمدُ شاكرٍ[104].

الوجهُ الثانيْ:أنَّ النجاشيَّ كان مسلماً= فهِيَ مِن إعانةِ المسلمِ لأخيه المسلمِ، قال الشافعيُّ:(ولو ثبت كان النجاشي مسلما كان آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم)[105].

ويجابُ عنه:أنَّ النجاشيَّ كان يخفي إسلامَه، ولا يحكمُ به بلادَ الحبشةِ، بل لا تزالُ أجراسُ الكنائسِ تدقُّ في جَنَبَاتِ البلادِ، وراياتُ الصليبِ ترفرفُ في سمائها= فحكومتُه ليستْ حكومةً إسلاميةً، وحقيقةُ القتالِ أنَّه بين جيشين صليبيين تُرفع فيهما راياتُ الصليبِ، ولم يكنْ أصلُ القتالِ بين الإسلامِ والكفرِ باتفاقِ أهلِ المعرفة، ولا يُتصور هذا عن جيشٍ حاكمُه يظهرُ النصرانيةَ ويخفي الإسلامَ!

صحيحٌ أنَّه قد تكون نيةُ النجاشيِّ-على تقديرِ إسلامِه-نيةً حسنةً كأنْ لا يريد أنْ يوسَّدَ حكمُ الحبشةِ إلى كافرٍ، لكنَّ الجيشَ والراياتِ كلَّها قتال ُكفارٍ ضدَّ كفارٍ!

مع أنَّ ظاهرَ القصةِ أنَّ النجاشيَّ الذي قاتلَ لم يكنْ مسلماً يومئذٍ؛ لأنَّ الزبيرَ وأصحابَه ذكروا أنَّهم أرادوا انتصارَه خوفاً مِن ظلمِ غيرِه، ولم يذكروا أنَّه مِن أجل إسلامِه، قال ابنُ إسحاقٍ يحكي قصتَهم:(فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد منه، فرقاً أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف، فجعلنا ندعوا الله، ونستنصره للنجاشي)[106].

الوجهُ الثالثُ:أنَّ حضورَ الزبيرِ للوقعةِ مع النجاشيِّ لا يلزمُ منه الإعانةُ، بل ظاهرُ حضورِه معهم، إنمَّا هو لاطلاعِه على أحوالِ المعركةِ؛ ليرجعَ إلى أصحابِه بالخبرِ، ولم يشاركْ معهم، قال الطحاويُّ):فلم يذكر فيه قتال وإنما ذهب يعرف خبرهم فأخبر المهاجرين)[107].

ويجابُ عنه:أنَّ دعاءَهم له، وفرحَهم بنصرِه، مع حضورِ الزبيرِ الوقعةِ تحت رايةِ النجاشيِّ الصليبية-قاتلَ أو لم يقاتلْ-= يَدلُّ على جوازِ مناصرتِهم؛ إذا كان فيه مصلحةٌ للإسلامِ والمسلمين؛ إذْ الأمرُ دائرٌ بين كفْرَين، أو حاكمَين، وأحدُهما أهونُ مِن الآخرِ؛ فندفعُ أشدَّهما باحتمالِ أدناهما.





الترجيح:يظهرُ للباحثِ رجحانَ القولِ الثانيْ، وأنَّه لا دليلَ يمنعُ مِن قتالِه معهم مِن أجلِ إطلاقِه مِن الأسرِ؛ وعليه لا يكون القتالُ معهم في هذه المسألةِ مِن الموالاةِ لهم. والله أعلم.



المسألةُ الرابعةُ:أنْ تكون يدُ الكافرين هي الغالبةٌ وهو لهم تبعٌ، فهل يجوزُ القتالُ معهم من أجلِ مصلحةِ الإسلامِ أو المسلمين، والنكايةِ بأعدائِهم الكافرين، أو الخوفِ ممن هو شرٌ منهم وما فيه من المفاسد لو هُزموا، ونحو ذلك من *** المصالح ودفع المفاسد؟

تحرير محل النزاع:

1-غيرُ داخلٍ في محلِّ النزاعِ إذا وجدتْ ضرورةٌ كحصول إبادةٍ جماعيةٍ للمسلمين إذا لم يقاتلوا، أو حاجةٍ ملجئةٍ كحصارِ حصنٍ واشترطوا لفك الحصارِ مقاتلاً يعرفُ المنطقةَ ويشاركهم في حربهم على كفار آخرين.

2-غيرُ داخلٍ في محلِّ النزاعِ إذا لم توجدْ مصلحةٌ شرعيةٌ، أو وجدتْ مصلحةٌ شرعيةٌ مرجوحةٌ، أو وجدتْ مصلحةٌ شرعيةٌ راجحةٌ، لكنْ أمكنَ معاونتُهم على عدوِّهم بالمالِ، أو السلاحِ، ونحوِ ذلك، مِن غيرِ قتالٍ معهم.

3-واختلفَ العلماءُ في القتالِ مع المشركين وتحت رايتِهم؛ للمصلحةِ الشرعيةِ الراجحةِ: من نصرةِ مسلمين مستضعفين، أو إضعافِ كافرين أعظمَ قوةً، وأشدَ عداءً، وأكثرَ ظلماً، وأرغبَ في قتالِ المسلمين، ونصرةِ كافرين أدنى عداوةً، وأقلَّ ضرراً، ونحوِ ذلك مما يغلبُ على الظنِّ رجحان المصلحة، أو اندفاع المفسدة، فاختلفوا في ذلك على قولين:

القولُ الأولُ:المنعُ مِن القتالِ معهم، وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ، واختيارُ ابنِ حبيبٍ.

قال الشافعيُّ:(وإن لم يستكرهوهم على قتالهم كان أحب إلي أن لا يقاتلوا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت، ولو ثبت كان النجاشي مسلما كان آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصَّلى النبي - صلى الله عليه وسلم -عليه)[108].

فنلاحظُ أنَّه ذكر قصةَ النجاشيِّ-وهي تُشبه مسألتنا هذه-وأجابَ عنها، ولو كان مؤيداً لها= لم يحتجْ أنْ يجيبَ عنها، وإنما اكتفى ببيانِ الفرقِ بين الأسيرِ، وما كان للمصلحة العامة لطائفة من المسلمين!.

وقد يُقال:إنَّه لم يقصدْ استيفاء الأجوبةِ عليها، فذكر ما مِن شأنِه أنْ يفسدَ دليلَ القولِ الآخرِ، وأنَّه لو كانتْ قصةَ النجاشيِّ مثلَ الأسيرِ، فهِيَ قصةٌ لا تثبتُ، وهو مسلمٌ، فجوابُه على فرضِ تسليمِ التماثلِ بينهما، ويقوِّي هذا أنَّ السرخسيَّ أجابَ عن قصةِ النجاشيِّ بجوابٍ قريبٍ مِن جوابِ الشافعيِّ، وقد ذكرَ في موضعٍ آخر: أنَّه يرخَّصُ في القتالِ معهم مِن أجلِ إعزازِ الدينِ كما سأذكره في القولِ الثاني، وهذا محتملٌ. فالله أعلم.

وقال ابنُ حبيبٍ:(ويكره للإمام أن يكون معه أحد من المشركين أو يستعين ببعضهم على بعض. قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"لن أستعين بمشرك". قال ابن حبيب: وهذا في الزحف والصف وشبهه, فأما في هدم حصن أو رمي مجانيق، أو صنعه أو خدمه= فلا باس، ولا باس أن يقوم بمن سالمه من الحربيين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه , ويأمرهم بنكايتهم، ولا بأس أن يكون من سالمه منهم بحذاء عسكره وقربه ومسايرين له يقوون بظلمه على من حاربه منهم ما لم يكونوا في داخل عسكره)[109].



القولُ الثانيْ:إباحةُ القتالِ معهم مِن أجلِ المصلحةِ العامةِ الراجحةِ، وهو مذهبُ الأوزاعيِّ، والثوريِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وظاهرُ مذهبِ ابنِ حزمٍ، والسرخسيِّ، وغيرِهم.

أمَّا الثوريُّ فأباحَ القتالَ معهم مطلقاً كما تقدم[110]، وأمَّا الأوزاعيُّ وأحمدُ فأباحا القتالَ معهم مِن أجلِ أنْ يطلقوه مِن الأسرِ كما تقدم في المسألةِ السابقةِ، وهِيَ مصلحةٌ خاصةٌ مِن غيرِ تيقنِ افتتانٍ، فإباحةُ ذلك مِن أجلِ المصلحةِ العامةِ مِن نصرةِ أسرى المسلمين، أو نصرةِ جيشٍ مسلمٍ، أو بلدٍ مسلمٍ، أو دفعِ شر ِكافرين، أولى.

وقال ابنُ حزمٍ:(وإن أمكننا أن نضرب بين أهل الحرب من الكفار، حتى يقاتل بعضهم بعضا، ويدخل إليهم من المسلمين من يتوصل بهم إلى أذى غيرهم، بذلك حسن)[111].

وقد يُقال:إنَّه لم يقرِّرْ القتالَ معهم، وإنَّما ذكرَ الدخولَ إلى جيشِهم لإيقاعِ النزاعِ بينهم كما فعلَ نعيمُ بنُ مسعودٍ-رضي الله عنه- حين أثارَ النزاعَ بين اليهودِ والمشركين يومَ الأحزابِ، وهي أخصُّ مِن القتالِ معهم، أو أنَّ مقصودَه الدخولُ معهم، وتحريضُهم على قتالِ عدوِهم، وإرشادُهم إلى مكايدتِه وإيذائِه، ولا يلزمُ منه القتالَ معهم بالسلاحِ.

ويجابُ عنه: بأنَّ ابنَ حزمٍ قرَّرَ أنَّ له أنْ يدخلَ في جيشِ الكافرين، ويكونَ تحت رايتهم، ويرشدَهم إلى إيذاءِ عدوهم، والفرقُ بينهما أنَّ هذه مناصرةٌ بالإشارةِ واللسانِ، وتلك مناصرةٌ بالسيفِ والسنانِ، والفرقُ بينهما حينئذٍ يسيرٌ؛ لأنَّ كلاً منهما ناصرَهم تحت رايتِهم!

وقال السرخسيُّ:(قال أهل الحرب لأسراء فيهم قاتلوا معنا عدونا من المشركين، وهم لا يخافونهم على أنفسهم إن لم يفعلوا فليس ينبغي أن يقاتلوهم معهم؛ لأن في هذا القتال إظهار الشرك، والمقاتل يخاطر بنفسه فلا رخصة في ذلك إلا على قصد إعزاز الدين)[112].

وقال أيضاً:(وإذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار الحرب فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم؛ لأن في القتال تعريض النفس فلا يحل ذلك إلا على، وجه إعلاء كلمة الله عز وجل، وإعزاز الدين، وذلك لا يوجد ههنا؛ لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم، فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام فكان قتالهم في الصورة لإعلاء كلمة الشرك، وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم لا لإعلاء كلمة الشرك، والأصل فيه حديث جعفر - رضي الله عنه -، فإنه قاتل بالحبشة مع العدو الذي كان قصد النجاشي، وإنما فعل ذلك؛ لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمنا عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره، فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف)[113].

سببُ النزاعِ:

هو تعارضُ مفسدتين، وهُمَا مِن نوعٍ واحدٍ، بل والنصوصُ فيهما واحدةٌ، ومنها: قولُه تعالى:(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقولُه:(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)، وقولُه:(وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وقولُه:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) وقوله:(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، ونظائرُها..

فمَنْ قَبِلَ بالقتالِ تحت رايةِ الكفارِ؛ لنصرةِ مسلمينَ مستضعفينَ، أو لإضعافِ مَنْ هو أشدُ عداءً للإسلامِ والمسلمين= فمقصدُه إعزازُ الدين، ودرءُ شرِ الكافرين، كما حثَّتْ النصوصُ على ذلك، وفي تركِ القتالِ معهم مفسدةٌ: كبيرةٌ، وظنيةٌ-ظناً راجحاً-، وطويلةُ الأمدِ عادةً، وآجلةٌ!

ومَنْ امتنعَ عن القتالِ معهم= فمقصدُه أيضاً اتباعُ النصوصِ الحاثَّةِ على علوِّ المؤمنين، وعدمِ إعطائِهم الدنيةَ في دينِه، أو عدمِ جعْلِ سبيلٍ عليه، وفي القتالِ معهم مفسدةٌ: صغيرةٌ، متحققةٌ، عارضةٌ، عاجلةٌ!

وهذه المسألةُ أولى مِن مسألةِ أنْ يقاتلَ المسلمُ معهم مِن أجلِ إطلاقِ أسرِه منهم، وهِيَ مِن جنسِ مسألةِ أنْ يقاتلَ المسلمُ معهم مِن أجلِ إطلاقِ عشراتٍ مِن أسرى المسلمين أو أولى؛ لأنَّ قتلَ بعضِ أسرى المسلمين يجوزُ لمصلحةِ الإسلامِ والمسلمين كحالِ التترسِ عند أبي حنيفةَ[114]، وغيرِه[115]، ولا يجوزُ قتلُ بعضِهم مِن أجلِ فكاكِ أسرى مثلِهم باتفاقِ أهلِ العلمِ= فعُلِمَ أنَّ مصلحةَ الإسلامِ والمسلمين أرجحُ مِن فكاكِ بعضِ أسراهم، وكلُ دليلٍ للمسائلِ السابقةِ فهو دليلٌ لهذه المسألةِ مِن بابٍ أولى، وسيأتي مزيدُ بسطٍ لأدلةِ الجوازِ-إنْ شاءَ اللهُ-في الورقةِ الثالثةِ.

وفي الجملةِ:لم يقلْ أحدٌ مِن أئمةِ السلفِ في المسائلِ السابقةِ أنَّ معاونةَ الكفارِ ضدَّ كفارٍ آخرين كفرٌ سواءً كان مِن أجلِ المالِ، أو مِن أجلِ فكاكِ الأسرى، أو مِن أجلِ المصلحةِ الشرعيةِ الراجحةِ.



فماذا عن عقيدة تنظيم الدولة في مثل هذه المسائل؟

سبقَ أنْ ذكرتُ عِدَّةَ نصوصٍ عنهم تفيدُ أنَّهم يكفِّرون بكلِ تعاونٍ مع الكفارِ الحربيين، أو بمجردِ الانضمامِ إليهم دون تفريقٍ بين مصلحةٍ أو غيرِ ذلك..

فكيف بمنْ قاتلَ تحت رايتِهم الكفريةِ، وناصرَ دولتَهم الشركيةَ ذاتَ القوانين الوضعيةِ، وهلْ هذا عندهم إلا دعمٌ للكفرِ، ومساعدةٌ لظهورِه، ومساهمةٌ في علوِّه..؟

وهل يجوزُ معاونةُ دولةٍ كافرةٍ برايتِها الكفريةِ، وجيشِها الكافرِ، وقوانينها الكفريةِ، مِن أجلِ مالٍ زائلٍ، أو مصلحةِ فكاكِه مِن الأسرِ، أو مصلحةِ فكاكِ عددٍ مِن أسرى المسلمين، أو مصلحةِ بلدٍ إسلامي؟

والحقُ أنَّ تقريراتِ شرعيي التنظيمِ جليةٌ في أنَّ مثلَ هذه المعاونةِ كفرٌ أكبرٌ كما سبق، وقدْ ناقشتُ كثيراً مِن أنصارِهم في تويتر وغيرِه، ورأيتُهم يكفِّرون بدون ذلك بمراحلٍ، لكنَّي اشترطتُ أنْ لا أنقلَ إلا عن المشهورين مِن الشرعيين في التنظيمِ، أو عن هيئاتِهم الشرعيةِ كما تقدم.

وسأنتقلُ إلى مسألةٍ قريبةٍ مِن هذه المسائلِ كثرَ حولهَا كلامُهم، ونَضَحَتْ بالتكفيرِ أقلامُهم، وهي مسألةُ التصويتِ للدستورِ المصريِّ الحاويْ لبعضِ الموادِ الكفريةِ، هلْ التصويتُ مستلزمٌ للرضى؟، وما حدُّ الإكراهِ المبيحِ؟، وهلْ المصلحةُ تبيحُ التلفظَ بالكفرِ؟

سأتناولُ-إنْ شاءَ اللهُ تعالى-هذه الأسئلةَ وغيرَها في الورقةِ الثالثةِ في القريبِ العاجلِ.

وكتبه:عبدالعزيز الصويتي التميمي

--------------------------------------


[1] مجلة دابق، العدد الخامس، محرم، 1436هـ، ص26. نقلا من"قتل الأهل والأقارب عند التنظيم، للسكران.

[2] في شريط مسجل في اليوتوب من مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي، بعنوان"السلمية دين من" الدقيقة:15 نقلا من"قتل الأهل والأقارب عند التنظيم، للسكران.

[3] العدد الخامس، محرم، 1436هـ ص26 نقلا من"قتل الأهل والأقارب عند التنظيم، للسكران.

[4] الأم(4/ 175)

[5] مختصر اختلاف العلماء (3/ 428)

[6] (249)

[7] الأم(4/ 175)

[8] الموطأ(3/ 780)

[9] الأم(5/ 163)

[10] التمهيد(12/ 19)

[11] شرح علل الترمذي(1/ 535)

[12] التمهيد(12/ 35)

[13] شرح مشكل الآثار (6/ 412)

[14] شرح مشكل الآثار (6/ 412)

[15] أخرجه محمد بن الحسن في السير الصغير(99)، والشافعي في الأم(7/ 362).

[16] الأم(7/ 362).

[17] معرفة السنن والآثار للبيهقي(13/ 176)

[18] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفة(6/ 487)

[19] أخرجه أبويوسف في الخراج(225)، وابن أبي شيبة مصنفه(6/ 488)، و البيهقي في السنن الكبرى(9/ 64)كلهم من طريق أبي إسحاق الشيباني عن سعد به، والشيباني هو سليمان بن أبي سليمان ثقة باتفاق روى عن طائفة من الصحابة كما في تهذيب التهذيب(4/ 197)، لكن لايعرف له سماع من سعد.

[20] أبوإسحاق لا يعرف له سماع، وتقدم.

[21] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه(6/ 488)، وذكره ابن حزم في المحلى(5/ 398) واللفظ له.

[22] المحلى(5/ 398)

[23] أخرجه سعيد بن منصور في سننه(2/ 383)، وابن أبي شيبة في مصنفه(6/ 487)، وسليمان بن ربيعه قيل:له صحبة!

[24] كما في ابن أبي شيبة في مصنفه(6/ 487).

[25] أخرجه البخاري(3/ 88).

[26] أخرجه البخاري(3/ 88).

[27] السنن الكبرى(9/ 92)

[28] ذكره ابن عبدالبر في التمهيد(12/ 35)

[29] معرفة السنن والآثار(13/ 177)

[30] أحكام أهل الملل والردة(233)

[31] أخرجه مسلم(3/ 1449).

[32] المحلى(11/ 355)

[33] الأم(4/ 276)

[34] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه(6/ 487)

[35] أخرجه أحمد في مسنده(25/ 42)، وابن أبي شيبة في مصنفه(6/ 487)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني(4/ 97)، والسنن الكبرى للبيهقي (9/ 64)وقال:(وهذا الإسناد أصح)يعني من خبر إعانتهم له.

[36] قال المواق في التاج والإكليل(4/ 545):(وروى أبو الفرج عن مالك: لا بأس للإمام أن يستعين بالمشركين في قتال المشركين إذا احتاج إلى ذلك).

[37] أخرجه مسلم(3/ 1449).

[38] بدائع الفوائد (4/ 6)

[39] مجموع الفتاوى (21/ 203، 610).



[40] (1/ 518)

[41] النوادر والزيادات(14/ 551)

[42] السير الصغير(249)

[43] مختصر اختلاف العلماء(3/ 428)

[44] الأم (4/ 256)

[45] مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (332)

[46] الفروع(10/ 248)

[47] مصنف ابن أبي شيبة (6/ 468) سنن أبي داود (3/ 45) سنن الترمذي ت بشار (3/ 207) الديات لابن أبي عاصم (50) السنن الكبرى للنسائي (6/ 347)

[48] مختصر اختلاف العلماء (3/ 454)

[49] المحلى بالآثار (12/ 125)

[50] معرفة السنن والآثار (12/ 195)

[51] سنن الترمذي(3/ 208)

[52] علل الحديث لابن أبي حاتم (3/ 371)

[53] علل الدارقطني(13/ 464)

[54] معرفة السنن والآثار (12/ 195)

[55] ينظر:إرواء الغليل(5/ 31)

[56] قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (2/ 6):(وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله)، والحارث-رحمه الله- مأمون في نقله للإجماعات في الجملة، ويحتج بها ابن تيمية وغيره.

[57] فهم القرآن (428)

[58] فهم القرآن (430)

[59] الأم(6/ 37)

[60] المحلى بالآثار (10/ 254)

[61] فهم القرآن (428)

[62] أحكام القرآن للجصاص(3/ 217)

[63] أحكام القرآن للكيا الهراسي(2/ 474)

[64] مفاتيح الغيب(10/ 170)

[65] الحاوي الكبير (14/ 269)

[66] تفسير الإمام الشافعي (2/ 648)

[67] المحلى بالآثار (12/ 125)



[68] الأم(4/ 256)

[69] الإنجاد في أبواب الجهاد(160)

[70] قال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء(3/ 454):(قال الثوري يقاتلون معهم).

[71] الأم (4/ 256)

[72] شرح السير الكبير (1423)

[73] سيرة ابن اسحاق(216)

[74] الأم(4/ 256)

[75] سيرة ابن اسحاق(216)

[76] مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر (2/ 356)

[77] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/ 27)

[78] مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر (2/ 356)

[79] الأم(4/ 256)

[80] سيرة ابن اسحاق(216)

[81] شرح السير الكبير (ص: 1424)

[82] مختصر اختلاف العلماء (3/ 455)

[83] مجموع الفتاوى (28/ 354)

[84] الإنجاد في أبواب الجهاد(169)

[85] مجموع الفتاوى (28/ 552)

[86] السير الصغير(249)

[87] شرح السير الكبير (1516)

[88] (1/ 518)

[89] الأم (4/ 256)

[90] النوادر والزيادات (3/ 35)

[91] الإنجاد في أبواب الجهاد(161)

[92] راجع تعليق ابن جرير في تهذيب الآثار (30)حول حلف الفضول.

[93] صحيح البخاري (3/ 136)

[94] مسند أحمد تحقيق شاكر(2/ 298)

[95] مختصر اختلاف العلماء(3/ 454)

[96] مختصر اختلاف العلماء (3/ 454)

[97] مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (332)

[98] مسند أحمد تحقيق شاكر(2/ 298)

[99] سيرة ابن اسحاق(216)

[100] الأم(4/ 256)

[101] سيرة ابن اسحاق(216)

[102] مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر (2/ 356)

[103] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/ 27)

[104] مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر (2/ 356)

[105] الأم(4/ 256)

[106] سيرة ابن اسحاق(216)

[107] مختصر اختلاف العلماء (3/ 455)

[108] الأم (4/ 256)

[109] النوادر والزيادات (3/ 35)

[110] مختصر اختلاف العلماء (3/ 454)

[111] المحلى بالآثار (11/ 356)

[112] شرح السير الكبير (1516)



[113] المبسوط للسرخسي (10/ 97)



[114] الرد على سير الأوزاعي (66).

[115] قال ابن قدامة في المغني لابن قدامة (9/ 288):(وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم، جاز رميهم، ويقصد المقاتلة؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان» ، ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد، لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد، وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب). قال ابن تيمية في نقد مراتب الإجماع (302):(ولو لم يُخشَ على جيش المسلمين: ففي جواز الرمي قولان لهم: أحدهما: يجوز، كقول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. والثاني: لا يجوز، كالمعروف من مذهب أحمد والشافعي).

-----------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المعاونةُ, الموالاة.., تستلزم

« السيادة وثبات الأحكام | منهج ابن تيمية المعرفي »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:03 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68