تذكرني !

 





مقالات وتحليلات مختارة مقالات ..تقارير صحفية .. تحليلات وآراء ، مقابلات صحفية منقولة من مختلف المصادر

حملة الصليب المزدوج

حملة الصليب المزدوج ـــــــــ الغرق الروسي في البحر السوري ---------------------- (د. سامي بن محمد صالح الدلال) ـــــــــــــــ 4 / 5 / 1437 هــ 13 / 2 /

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-13-2016, 09:27 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة حملة الصليب المزدوج


حملة الصليب المزدوج
ـــــــــ

الغرق الروسي في البحر السوري
----------------------

(د. سامي بن محمد صالح الدلال)
ـــــــــــــــ

4 / 5 / 1437 هــ
13 / 2 / 2016 م
ـــــــــ

حملة الصليب المزدوج 12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jpg?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77



سلك بشار ونظامه الطائفي النصيري جميع الطرق التي يمكن أن يجابه بها غضبة شعبه وليوقف بها زحف المجاهدين الصادقين لإسقاطه عن عرشه، وذلك ضمن سلسلة من الاستقواءات أسوقها فيما يلي:

• استقوى بحزبه البعثي فلم ينفعه.
• استقوى بجيشه وآلته التدميرية فلم ينفعه.
• استقوى بمخابراته فلم تنفعه.
• استقوى بطائفته النصيرية فلم تنفعه.
• استقوى بالشبيحة وأصحاب المصالح فلم ينفعوه.
• استقوى بالمعارضة المزيفة الداخلية التي اصطنعها فلم تنفعه.
• استقوى بحزب الله اللبناني الشيعي فلم ينفعه.
• استقوى بالحرس الثوري الإيراني فلم ينفعه.
• استقوى بالدعم اللوجستي والمالي الإيراني فلم ينفعه.
• استقوى بالحشد العراقي الشيعي وبالدعم السياسي والعسكري الرسمي الشيعي فلم ينفعه.
• استقوى بالأفغان الشيعة المدربين عسكريًّا فلم ينفعوه.
• استقوى بالتنسيق السري مع «داعش» فلم ينفعه.
• استقوى بالتواطؤ الغربي والأمريكي معه فلم ينفعه.
• استقوى بدعم بعض الحكومات العربية فلم ينفعه.

• استقوى بالصمت والخذلان العربي للشعب السوري على مستوى معظم الحكومات والشعوب فلم ينفعه.
جميع ما ذكرت لم ينفع بشار ونظامه في حسم المعركة مع المجاهدين ومع شعبه لصالح تحقيق أهدافه والوصول إلى مآربه، فعندما أفلس على أصعدة جميع ما ذكرت قرر أن يضيف إلى القائمة السابقة الاستقواء بروسيا، ولن تنفعه. وأحسب - والله تعالى أعلم - أن هذا آخر سهم بقي في جعبته.

وقد عبَّر بشار عن ذلك تعليقًا على استنجاده بالدولة الروسية قائلًا في مقابلة متلفزة مع قناة إيرانية: «إن سوريا وروسيا وإيران والعراق متحدة في قتال الإرهاب وستنجح على الأرجح!! ويجب أن يكتب لها النجاح!! وإلا فنحن أمام تدمير منطقة بأكملها [يقصد الشرق الأوسط]» (رويترز: 4/10/2015م).
ولكن فليعلم بشار أن استنصاره بأعداء الإسلام من الصليبيين الروس هو دقٌّ للمسمار الأخير في نعشه، إذ لم يبقَ له من الأرض السورية الواقعة تحت سلطته أكثر من 17% بعد أن استنفذ أكثر من 90% من قدراته العسكرية واستنزفت إيران في سبيل دعمه وإبقائه حوالي 40 مليار دولار، ولم تعد قادرة على استمرار اللعب في الحلبة لولا أن تداركت نفسها بتوقيع الاتفاق النووي مع مجموعة (5 + 1) لتتمكن من الإفراج عن أموالها المجمدة في المصارف الأمريكية والأوربية، ثم سعت إلى روسيا لتشاركها مسؤولية حماية بشار والحيلولة دون سقوطه، فقد قام قاسم سليماني بزيارة لموسكو في يوليو 2015م لهذا الغرض، وذلك بأمر من خامنئي الذي كان قد اجتمع قبل بضعة أشهر بوزير الخارجية الروسي لافروف بغرض الاتفاق على التدخل العسكري الروسي في سوريا، وقد قام سليماني بشرح الوضع العسكري في سوريا للجانب الروسي مدعومًا بالخرائط (نقلًا عن رويترز: 7 أكتوبر 2015م، بتصرف).

الخلفية العقدية للتدخل الروسي:
---------------------

ليس ثمت شك للحظة واحدة في عداء روسيا الصليبية سابقًا ثم الشيوعية ثم الصليبية حاليًا للإسلام والمسلمين. وما تكاد تتقلب أيام التاريخ إلا وهي طافحة في صفحاتها بالتعبير عن هذا العداء المستحكم، ولسنا الآن بصدد تعداد كل ذلك، فإنه مما تنوء به المجلدات، ولكن تكفي الإشارة إلى تهجير نصارى القياصرة ثم من بعدهم الشيوعيون لمسلمي القرم، وما فعله الاتحاد السوفيتي الشيوعي في أفغانستان، وكذا في الجمهوريات الإسلامية التي ضمها إليه، ثم في الجمهوريات الإسلامية الواقعة في إطار الاتحاد الروسي الحالي.
إن الحكومة الروسية في الكرملين ترى أن سقوط بشار لصالح انتصار المجاهدين المسلمين في سوريا سيكون تطورًا خطيرًا سيترك آثاره وبصماته على إعادة إحياء الجهاد في الشيشان وغيرها من البقاع الإسلامية التي ترفل في سلاسل المستخرب (يسمى المستعمر وهذا خطأ) الروسي، ولذلك فإن روسيا ترى أن استعلاء عقيدة الإسلام في سوريا على أنقاض عقيدة بشار النصيرية والعلمانية سيعلي راية الإسلام خفاقة على حساب راية الكفر وراية الصليب، وضمن هذه الرؤية فإن هذا التدخل مدعوم سرًّا - سيكون علانية بعد برهة زمنية لن تطول - من جميع الدول الصليبية في أوربا وأمريكا؛ إنها في حقيقة الأمر «حرب صليبية» محضة.

أهداف وأبعاد التدخل الروسي:
--------------------

تتلخص أهداف وأبعاد التدخل الروسي في النقاط التالية:

استبقاء نظام بشار والحيلولة دون سقوطه باعتبار هذا النظام هو موطئ قدم الروس في المنطقة.
إفشال خطط الفصائل الإسلامية المجاهدة في سوريا، التي تريد إحلال نظام إسلامي على أنقاض النظام العلماني البعثي الحالي.
القضاء على المجاهدين في سوريا، سواء بالقتل أو بإلحاق الهزيمة بهم أو بشرذمتهم.
التمكين للنفوذ الإيراني في سوريا كي يستمر وليكتمل الهلال الإيراني في المنطقة.
تقديم الدعم للكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين من خلال إحاطته بالحماية الإيرانية الروسية المشتركة.
التمهيد لإيجاد واقع جغرافي جديد في سوريا موزع بين الإثنيات والطوائف في إطار تقسيم جديد لسوريا.
التمكن من إيجاد وسيلة ضغط مباشرة على دول المنطقة للانخراط في تلبية المطالب الروسية، وذلك من خلال التلويح بقوة الآلة العسكرية الروسية الموجودة على الأرض السورية.
إيجاد موطئ قدم عسكري روسي للانطلاق منه باتجاه العراق، وذلك لجعل العراق عمقًا إستراتيجيًّا للوجود العسكري الروسي في سوريا، ولتوسيع رقعة العمليات العسكرية في حالة حصول حرب ما في المنطقة (سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في الخليج العربي).
الإحاطة بتركيا من جهة جنوبها الجغرافي بما يشكل خطرًا عليها ولزعزعة نظامها السياسي ولإضعاف قوة أردوغان، ولربما جرَّها إلى حرب ضروس تقضي على آمال تركيا الاقتصادية والتنموية وتؤدي إلى تفككها الجغرافي على أسس إثنية ومذهبية، ولتقضي على مواقفها الداعمة للحقوق الإسلامية في العالم، ولتفكيك محورها مع كلٍّ من السعودية وقطر وباكستان.
إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في كل من اللاذقية وطرطوس السوريتين بما يهدد الخاصرة الجنوبية الشرقية للحلف الأطلسي، ويفتح عليه جبهة جديدة تقتضي إعادة النظر في إستراتيجيات المواجهة مع روسيا، وإعادة توزيع القوات الأطلسية وفق الوضع المستجد، مع ما يستتبعه ذلك من ميزانيات تمويلية وفتح خطوط إمداد لوجستية وما إلى ذلك.

تسعى روسيا لقطف الثمرة الاقتصادية فيما يتعلق بنقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية بعد أن يستتب الوضع السياسي في سوريا بانتصار بشار - فيما تزعم - وستحصل على مكافآت اقتصادية من إيران فيما يتعلق بالمخزون النفطي والغازي في بحر قزوين وغيره.
ترمي روسيا إلى تمكين الكفة الإيرانية في الخليج العربي على حساب القوة السعودية من خلال الدعم العسكري الروسي الذي يمكن أن تقدمه روسيا لإيران من جهة، ومن خلال استفادة إيران من الوجود الروسي في سوريا لتخفف من أعباء تواجدها هناك لتتفرغ للمواجهة مع السعودية ومن يقف معها من دول مجلس التعاون الخليجي.
ترمي روسيا من تحقيق نصر فائق في سوريا إلى إرسال رسالة إلى المجاهدين الإسلاميين في كل أنحاء العالم أنه لا فائدة من جهادهم، طمعًا في طمس عقيدة الجهاد في المسلمين وليقولوا لهم كفوا أيديكم فإن الزمن قد تجاوز تلك المفاهيم وليس أمامكم سوى المشاركة في «اللعبة الديمقراطية» حيثما وجدت، صحيح أنها رسالة مكلفة لكنها أيضًا خطيرة!
بهذا التدخل العسكري الروسي العنيف في سوريا فإن الكرملين يبث رسالة لجميع دول العالم ممثلة في حكوماتها بأننا معكم إذا وقفت شعوبكم ضدكم، ولكن بشرط انصياعكم لتحقيق مصالحنا، تمامًا كما فعل بشار الأسد، لقد انصاع لنا فقدمنا له المعونة، كونوا مثله!

التدخل الروسي غطرسة أم حسابات؟
---------------------

غطرسة القوة هي ما يتميز به الطغاة والمتجبرون، وقد تمر هذه الغطرسة بحالة سبات في وقت الوهن المادي والمعنوي، ولكنها تستيقظ بقوة في حالة البروز الاقتصادي والعسكري، غير أن استخدام هذه الغطرسة لتحقيق أهداف ومآرب محددة يحتاج إلى حسابات. إذن ما فعلته روسيا من تدخلها العسكري في سوريا غطرسة أم حسابات؟
الجواب: هو جمع بين هذا وذاك، إذ من المعلوم أن بوتين كان رئيسًا لجهاز المخابرات الروسي ويتمتع بحيوية بدنية وكفاءة مهنية قيادية، وبناؤه النفسي تعود جذوره إلى أيام حكم الحزب الشيوعي الروسي إبان الاتحاد السوفيتي الذي تميز بالدموية والولوغ في دماء المسلمين في أفغانستان، وعندما انفجر الجهاد الإسلامي في الشيشان كان بوتين في موقع من يؤخذ رأيه في قرارات قمع ذلك الجهاد، ومن جهة أخرى فإن بوتين ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية المتعصبة، والمتطرفة جدًا ضد المسلمين، فضلًا عن تطرفها ضد الكاثوليك والبروتستانت. إذن بوتين في تكوينه النفسي ينطلق من فوهة غطرسة القوة العسكرية والمخابراتية وغطرسة التعصب الصليبي الأرثوذكسي. لم نفرد بوتين بهذه «الخاصية» فإن مجلس الدوما قد تخرج من المدرسة نفسها، ولذلك فإنه صوَّت بالإجماع لصالح قرار جواز أن تقاتل القوات الروسية خارج روسيا، وكان ذلك ضوءًا أخضر لبوتين ليقدم على خطوته المشينة.

حاول بوتين أن يضفي شعورًا بأن تحركه العسكري نحو سوريا يقع ضمن حسابات إستراتيجية، ولها تمهيدات واقعية، من أبرزها أنه اتفق على هذا التدخل مع أوباما في لقائهما الذي عقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم بالاتصال الهاتفي التنسيقي بين وزير الدفاع الروسي ووزير الدفاع الأمريكي، وكذلك تم الاتفاق على ذلك بين بوتين ونتانياهو في الزيارة التي قام بها الأخير لموسكو قبل التدخل العسكري الروسي ببضعه أيام ثم بالزيارة التنسيقية التي قام نائب رئيس الأركان الروسي إلى الكيان الصهيوني بعد بدء التدخل العسكري المباشر في سوريا ببضعة أيام، ويفهم من ذلك أن حسابات روسيا تقوم على إيجاد مظلة دولية متعددة الأطراف لتدخلها السافر، ولكي لا يحرج هذا التنسيق الخفي المحور الأوربي الأمريكي فإن تصريحات خجولة نضحت من هذا المحور مبدية استنكارها «الصوري». أما إيران فترى وجوب إخراج هذا التنسيق المخفي إلى العلن، كما جاء ذلك على لسان رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني هاشمي رفسنجاني عندما أوضح أنه من المستبعد استئصال جذور الإرهاب قريبًا إلا إذا تم تشكيل تحالف دولي يتمتع بحسن النوايا والدوافع الإنسانية! بعيدًا عن المصالح الضيقة والسياسات الانتقائية، وحذر من حدوث احتكاك دولي فوق سوريا، إذ لا بد من التنسيق المسبق، وقال: «إن المواجهة بين القوى العظمى في سوريا مؤشر على عدم امتلاكها برنامجًا للتصدي للإرهابيين» (تصريحات رفسنجاني نقلتها وكالة فارس شبه الرسمية للأنباء، ونشرت بتاريخ 7 أكتوبر 2015م).

وفي المجال الميداني فإن حسابات روسية تقوم على أساس إنزال أقسى الضربات الجوية بأشرس أنواع القنابل والصواريخ فتكًا على جميع الفصائل الجهادية المقاتلة في سوريا باستثناء داعش، ثم القيام باجتياح برّي باستخدام الدبابات والمدرعات والمدفعية لجميع مواقع المجاهدين وإعادة الأراضي السورية التي تحت سيطرتهم إلى حضن السيطرة الرسمية التي يقبع بشار على قمتها[1]؛ وقلنا: باستثناء داعش لأن داعش هي ناب النظام الناهش، وقد سعت ولا تزال لاسترداد الأراضي التي تحت سلطة المجاهدين لردّها تحت سلطة النظام السوري ولكن تحت رايتها السوداء، أو لاستبقائها تحت سلطتها ضمن اتفاقات دولية تتعلق بتقسيم سوريا، كما سيأتي الحديث عن ذلك لاحقًا، ولذلك فإن روسيا أعلنت أن تدخلها في سوريا ليس ضد داعش وإنما ضد الإرهاب، وتقصد به الفصائل الإسلامية المجاهدة ضد النظام، ويؤكد ذلك ما أعربت عنه ألمانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2015م من شكوكها حيال إعلان روسيا أن ضرباتها الجوية في سوريا تستهدف «داعش» بدلًا من مجموعات المعارضة الأخرى، وبحسب الاستخبارات البريطانية فإن 5% من الضربات الروسية استهدفت «داعش» فيما معظم الغارات قتلت مدنيين واستهدفت فصائل معتدلة، أما فرنسا فقد جاء على لسان رئيس وزرائها «مانويل فالس» أن روسيا يجب أن لا تخطئ الأهداف بضرب منظمات غير داعش وبضرورة تجنب المدنيين، وإذا كانت داعش هي العدو الذي يهاجم مجتمعاتنا (كما يقول) فقد يكون صحيحًا أيضًا بالنسبة لروسيا، وبالتالي يتعين ضرب داعش وعدم ارتكاب خطأ في الهدف (وكالات: 5 أكتوبر 2015م).

ولكن هذه التصريحات لا تتجاوز ذر الرماد في العيون لأن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يكن جادًا أبدًا في شنِّه الحرب على داعش، بدليل أنه قد مرَّ أكثر من عام على ذلك دون إحداث أي تغيير على الأرض، سوى أن داعش ازداد تمددًا، وهذا ما حدا ببشار أن يقول: «إن الضربات الجوية التي يشنها التحالف بقيادة واشنطن منذ عام في سوريا والعراق ضد تنظيم داعش أدت إلى تصاعد العنف»، إذن هناك تنسيق تحت الطاولة بين روسيا وداعش سواء بشكل مباشر أو عن طريق بشار أو عن طريق الولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، تدخل في الحسابات الروسية الاستفادة العملياتية بالتنسيق المعلن مع الكيان الصهيوني، وهذا ما فعله «نيكالو بدونبسكي» نائب رئيس الأركان الروسي عندما التقى نظيره الصهيوني «بائير جولان» وكبار الضباط في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، وناقش معهم عدة محاور رئيسية، أبرزها تثبيت ما تم التوافق عليه في لقاء نتانياهو مع بوتين في سبتمبر 2015م، وأفادت قناة الكيان الصهيوني الأولى أن طلبات الكيان الصهيوني من الروس تتضمن مزيدًا من الدعم الروسي للكيان الصهيوني مقابل تقديم عروض مغرية للجيش الروسي تسهل من قدرته على التدخل في سوريا بأقل المخاطر، وكذلك تزويدهم بمعلومات استخباراتية حول أماكن تجمع قوى المعارضة السورية لتسهيل استهدافها، كما أفادت الإذاعة العبرية، وتتضمن حسابات الروس أيضًا أنهم سيحسمون المعركة لصالح بشار بطريقة تبقي بشار محتاجًا لبقائهم في سوريا لمدة طويلة، ربما سنوات، وكذلك تؤكد نفوذهم الداعم لدولة الكيان الصهيوني على امتداد الأراضي السورية والعراقية، أي أنهم جاؤوا ليبقوا، وليس لتحقيق هدف آني ثم الانسحاب. وسأتحدث الآن عن خطأ حسابات الروس في هذا التدخل المشؤوم.

روسيا والحسابات الخاطئة:
-----------------

لم يسجل التاريخ - إلا في حالات قليلة جدًّا - أن استمر خضوع شعب لغزاته بشكل دائم وأبدي، لقد تمردت الشعوب التي غزتها الجيوش الأجنبية على من احتل أرضها حتى أجلتهم منها وأوقعت بهم الهزيمة، قد يطول الزمن أو يقصر للوصول إلى هذه النتيجة، لكنها في النهاية تصنف ضمن «الحتميات»، ويبدو أن القيادة الروسية قد عميت عن قراءة التاريخ وظنت أن سوريا حديقة للتنزه، كما ظنت قبل ذلك مثل هذا الظن عندما اجتاحت أفغانستان فغرقت في وحولها فتفككت أوصالها، ويمكننا رصد أخطاء الحسابات الروسية في عدوانها الخاسر على سوريا في النقاط التالية:

1- على المستوى السياسي:
----------

برغم أن روسيا استبقت تدخلها في سوريا بترتيبات وتنسيقات سياسية مع الولايات المتحدة وأوربا ومفادها تطمينات تتعلق بعدم الإخلال بقواعد اللعبة، وأهمها ألا تتعرض للفصائل التي ترى واشنطن أهمية وجودها وتحركها على الساحة السورية لضمان إبقاء حالة اللاغالب بغية الاستنزاف الكامل والشامل لكل مقومات سوريا، سواء تحت حكم بشار أو تحت حكم من يخلفه، فإن روسيا ضربت بتلك القواعد عرض الحائط من أول يوم ومن أول غارة جوية، ثم استمرت على ذلك، وقد اعتبرت الولايات المتحدة هذا الخرق الفاضح لقواعد اللعبة المتفق عليها إستراتيجية خاسرة، وقد جاء ذلك على لسان وزير الدفاع الأمريكي «أشتون كارتر» خلال المؤتمر الذي نظمه مركز الدراسات الإستراتيجية والدفاعية في مدريد في 5 أكتوبر 2015م، إذ قال: «ما زلت آمل أن يدرك فلاديمير بوتين أن تقرب روسيا من سفينة تغرق إستراتيجية خاسرة، إذ عليه أن يقرر التصدي للتهديد الذي يطرحه تنظيم داعش بدلًا من مواصلة غاراته الجوية الأحادية ضد المعارضة».

ومما يعنيه ذلك بدء سريان محلول عدم الثقة في شرايين الوصال بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها، ومن حيث الواقع فإن طبيعة الصراع بين روسيا والغرب على تقاسم مواقع النفوذ تمنع تمامًا أن تسلم تلك المنظومة الأطلسية سوريا إلى روسيا على طبق من ذهب، وفي إطار المناورة السياسية الخاطئة ابتدأت روسيا بصب حممها على مواقع الجيش الحر، ثم عادت بعد بضعة أيام وقالت إنها على استعداد لاستقبال ممثل الجيش الحر للتفاوض معه، وكانت قبل ذلك قد قالت إنه لا وجود أصلًا للجيش الحر! ولكن قصدها من ذلك تفتيت وحدة المعارضين الجهاديين باستخدام المفردات الانتقائية.
إن روسيا تعتقد أنها بتصعيد عدوانها وزيادة اتساع مساحته سيركع المجاهدون ويُأتى بهم إلى طاولة المفاوضات أذلاء ليوقعوا على صكوك هزيمتهم لصالح بقاء بشار وزمرته في سدة الحكم!
وهذا مجرد هراء، بل هو بلاهة وغباء، وإن واقع الحال يقول إن بوتين لن يتمكن من امتلاك الأوراق السياسية في المنطقة منفردًا، بل ولا حتى إن كان مع إيران متضامنًا.

2- على المستوى العسكري:
--------------

جاء التدخل الروسي العسكري تتويجًا للدعم السياسي اللامحدود الذي قدمته روسيا لبشار كي يحسم الوضع في الداخل السوري لصالحه، غير أنه فشل في ذلك فشلًا ذريعًا، اعتقدت القيادة الروسية أن بشار لم يحسن مجابهة المعارضين، فهم في نظر تلك القيادة مجرد شراذم مسلحة متناثرة، أشبه ما تكون بالعصابات، وأن القدرة القتالية لجيش بشار قد أصابها الوهن ودبَّ فيها الضعف في مواجهتها لتلك الشراذم الإرهابية - على حد زعمها -، وأن استعانة بشار بإيران وحزب الله لم تتمكن من جبر ذلك الضعف في قواته، ليس لأن المجاهدين أثبتوا قوة وصمودًا وحققوا انتصارات باهرة في ميادين القتال بل لأن القوى التي جابهتهم ليست على المستوى المطلوب، والآن أصبح ملحًّا أن تتدخل القوات الروسية لتحقق ما عجز عنه نظام بشار والحرس الثوري وحزب الله ومليشيات الحشد العراقي الشعبي الداعمة له!
كل ذلك يدل على حسابات خاطئة اعتمدت لغة الغطرسة بدل اعتمادها لغة التحليل والواقعية والموضوعية، فقد استخدم بشار أقصى ما لديه من مخزون الأسلحة المدمرة، وكلها روسية، بما فيها الأسلحة الكيميائية والصواريخ الفتاكة والبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والحارقة، مستعينًا بالطائرات الحربية والدروع البرية وقذائف المدفعية، فقتل أكثر من نصف مليون وشرد أكثر من اثني عشر مليونًا في الداخل السوري وفي خارجه، وارتكب أعظم المجازر وحفر أوسع المقابر ودمّر مدنًا بكاملها على سكانها وقضى على البنية التحتية في سائر الربوع السورية ومارس أقسى أنواع التعذيب والتنكيل ضد شعبه، ثم وسع دائرة تلك الجرائم الوحشية بإشراك حلفائه من الإيرانيين وحزب الله، فلم يفلح ذلك كله في وقف جهاد الفصائل المقاتلة في سوريا ضد حكمه، فماذا عسى أن يفعل الروس أكثر من ذلك الذي فعله بشار! وإنه من المؤكد تمامًا أن الروس لم يستفيدوا قيد أنملة من دروس وعبر تدخلهم العسكري في أفغانستان، وها هم الآن يرتكبون الخطأ نفسه!

لقد حسب الروس أنهم سيواجهون الفصائل الجهادية المقاتلة الآن في سوريا فحسب!! ولكن ما لم يحسبوا حسابه أن تلك الفصائل سيأتيها المدد في العديد والأموال من جميع أنحاء العالم الإسلامي وبشكل متدفق ومستمر، لأن الجهاد في سوريا الآن قد أصبح جهاد مسلمين ضد كفار معتدين محتلين، وليس مجرد مقاتلة نظام حاكم، وسينفتح هذا الباب الواسع في دعم الجهاد في سوريا بأوسع مما انفتح إبان الجهاد في أفغانستان، وستتحول سوريا إلى مقبرة لهؤلاء الطامعين الغزاة.

3- على المستوى الاقتصادي:
-------------------

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي انقلبت روسيا إلى دولة فقيرة تتحسس جيوبها لترى إن كان ثمت شيء قد تخلف في طياتها لتتمكن من دفع رواتب موظفي الدولة وقوات الجيش، حيث إن الجهاد الأفغاني قد أنهك قواها الاقتصادية، ولم تكد روسيا تتعافى اقتصاديًّا نوعًا ما حتى أعاد عجلتها إلى الخلف الجهاد الشيشاني، وها هي الآن قد أعادت دعم بنيتها الاقتصادية، لكنها دون مستوى إمكانية تمويل الحروب، فأعادت التقام شبه جزيرة القرم، لتوسع صدرها الذي قد ضاق حتى كاد أن يقضي على أنفاسها الاقتصادية التي أوشكت أن تنكتم بسبب التورط الروسي في أوكرانيا، وقد ذكر إلياس حنّا في صحيفة القبس الكويتية بتاريخ 11 أكتوبر 2015م أن «بوتين يتبع إستراتيجية انتحارية، لأن مشاريعه الجيوسياسية تفوق بكثير قدراته المالية، فهو يرعى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، ونوغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، والحركة الانفصالية في مولدوفا، وشبه جزيرة القرم التي تكلفه وحدها 4 مليارات دولار سنويًّا».
وها هي الآن في مواجهة استنزافها اقتصاديًّا بواسطة الجهاد السوري[2]. إن روسيا قد تورطت فعلًا، حيث إن تصورها إمكانية القضاء على المجاهدين في وقت قياسي هو مجرد أوهام يقظة، وسوف تتوالى الشهور ثم السنوات، ولن يكون أمام الجيش الروسي خيارات سوى الانسحاب مندحرًا أو الغرق في بحر الجهاد السوري منتحرًا!

وسوف تنهار روسيا اقتصاديًّا، وستتأثر مشاريعها التنموية وستزداد مساحة الهوة بينها وبين الغرب، فالغرب صاعد وهي هابطة، وستنهك أعمالها العسكرية جميع مرافق بنيتها الاقتصادية، ولعل هذا التحليل يشير إلى بعد نظر في مراكز الدراسات الإستراتيجية التي ربما أشارت على القيادات في أمريكا وأوربا بإعطاء روسيا الضوء الأخضر لتعتدي على سوريا اعتداء احتلال وليس اعتداء دعم ومشاركة.
ربما ترى الولايات المتحدة وأوربا أن توريطها لروسيا في البحر السوري بهذا الحجم لن يُضعفها ويوهن قواها فحسب، بل سيؤدي إلى تفككها وليكون اسمها في المستقبل هو مجرد كلمة «روسيا» فحسب بعد أن تجرِّدها الوقائع والأحداث في داخل كيانها من لفظ «الاتحادية»، فلفظة «روسيا الاتحادية» هي مجرد تعريف للواقع الروسي قبل تفككه!

4- على المستوى الاجتماعي:
------------------

يبدو أن قوافل التوابيت للقتلى الروس العائدة من أفغانستان ومن الشيشان قد انمحت صورتها من أذهان قيادة الكرملين لكن القوافل الجديدة لأولئك القتلى التي ستعود من سوريا ستنعش ذكريات تلك المشاهد البائسة، وعمّا قليل ستبدأ المدن الروسية باستقبال التوابيت الجديدة التي ستأتي أحادًا، ثم تتزايد شيئًا فشيئًا لتصبح مجموعات ثم تتكاثر لتضحى قوافل.
فهل حسبت القيادة الروسية لتدخلها في سوريا هذا الحساب؟ أم أن بوتين أعماه جنون العظمة كما أعمى هتلر وأمثاله من طواغيت التاريخ؟!
أيّة سوريا يريدون بعد التدخل الروسي العدواني؟
التسمية المرشحة لسوريا - لحد الآن - هي إحدى ثلاث:

الجمهورية العربية السورية.
سوريا المفيدة.
سوريا الجديدة.
ولكل مسمى سيناريو محتمل:

* المقصود بالمسمى الأول «الجمهورية العربية السورية» الإبقاء على هيمنة بشار ونظامه على كامل الأراضي السورية بحسب حدودها الجغرافية الحالية المتفق عليها دوليًّا، ويتضمن هذا السيناريو القضاء على جميع فصائل المعارضة المقاتلة، وإذا كانت داعش حاليًا هي مخلب النظام السوري الحاكم في دمشق ضد تلك المعارضة، فهي بحسب النظرة الروسية مجرد مخلب «مؤقت»، وقد فشل هذا المخلب في إقصاء الفصائل السورية المجاهدة عن ساحات النزال، لكنه حقق بعض المكاسب على مستوى الجغرافيا (كما في دير الزور والرقة وبعض المدن والقرى الأخرى)، لكنه لم يتمكن من القيام بدور أكثر من كونه «مشاغبًا» في مناطق أخرى، و«معيقًا» لتقدم المعارضة المقاتلة في مناطق ثانية، و«مخترقًا» لصفوف تلك المعارضة في عدة مستويات قيادية في تلك الفصائل، و«مغتالًا» لها في عدة مرافق، إن القيادة الروسية ضمن هذا السيناريو ترى أن المهمة التي أرادها النظام السوري من داعش لا محل لها من الإعراب في المراحل القادمة لأن الجيش الروسي سيقوم بنفسه بمهمة القضاء على الفصائل المقاتلة، وسيكون بقاء داعش بعد ذلك «عبئًا» لا مبرر له على النظام السوري وسيقاتل النظام لاستبقاء سيطرته على «حصته» من الكعكة السورية، ولذلك فإن وضع داعش تحت مظلة الفصائل المقاتلة نفسها التي يريد الجيش الروسي القضاء عليها سيكون محققًا لهذا السيناريو. نستنتج من ذلك أن الجيش الروسي إذا وجّه ضربات «اجتثاثية» لداعش بنفس مستوى ما يفعله للفصائل المقاتلة المجاهدة فهذا يعني أن هذا السيناريو هو المرجح حصوله، خاصة أنه سيحقق آمال إيران في استبقاء مجمل سوريا ضمن نفوذها لنشر شيعتها الفرس في ربعوها.

* المقصود بمسمى «سوريا المفيدة» الأجزاء التي ستبقى تحت سيطرة النظام الحالي والتي ستكون تحت حماية جيش النظام الحاكم والحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله اللبناني والجيش الروسي بعد إيقاف القتال، وهذا السيناريو لن يتحقق إلا من خلال تقسيم سوريا الحالية إلى دويلات، وستكون أهمها الدويلة النصيرية العلوية وهي «سوريا المفيدة».

* أما «سوريا الجديدة» فهي مجمل سوريا بعد تقسيمها إلى دويلات وكانتونات ومناطق نفوذ، وأذكر ها هنا ملخصًا لما ذكرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية في عددها الصادر في 4 أكتوبر 2015م حول الحدود الجغرافية لهذا التقسيم - إن حصل - مع تصرف في التعبير عن العناوين والمضمون:

* «سوريا المفيدة»: هي المنطقة الموالية لروسيا وإيران، وهي تمثل 20% من الأراضي السورية الحالية، وقد نزح منها حوالي 50% من سكانها، وتسعى إيران إلى طرد الباقي من السكان ليحل الشيعة الفرس بدلًا عنهم، وتمتد هذه المنطقة من ضواحي دمشق إلى الساحل المطل على البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بمدينتي حمص وحماة، إضافة إلى الجزء الذي يسيطر عليه النظام السوري من مدينة حلب وجنوب درعا والسويداء، ويحاول النظام الآن بواسطة الدعم العسكري الروسي استعادة السيطرة على جسر الشغور ومعرة النعمان لضمها لهذه المناطق، وتؤيد إيران مشروع «سوريا المفيدة» في حالة فشل الإبقاء على الحدود الجغرافية الحالية لسوريا، ولذلك فإن الإستراتيجية الجديدة، وفق المقربين من بشار، تتوجه لإنشاء «جيوش محلية» بدعم إيراني - روسي للدفاع عن اللاذقية ومناطق الدروز في الجنوب حيث تتمركز الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد.

* «سوريا النفوذ والكانتونات»: تشمل مناطق نفوذ تركي سعودي في شمال غرب سوريا، ومن ضمنها أدلب وجزء من حلب، وتشمل أيضًا كانتونًا كرديًّا محاذيًا للحدود التركية، وهو كانتون ضعيف، بحسب ما يقرره «مارك بيرني» (سفير فرنسي سابق في كل من تركيا وسوريا) بقوله: «حتى وإن قبل الأكراد بعدم تنفيذ هجمات على مواقع غرب الفرات، فإنهم لم يصبحوا بعد قوة سياسية وعسكرية لها مكانتها في حال توقيع أي اتفاق في المستقبل».

* «سوريا داعش» وهي المناطق التي تسيطر عليها داعش تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وتشمل حاليًا منطقة الصحراء السورية من شرق حلب مرورًا بالرقة ودير الزور حتى الحدود العراقية، وليس ثمت حدود ثابتة لجغرافية هذا التنظيم، إذ هو يتمدد ويتقلص بحسب مجابهاته القتالية مع الفصائل المجاهدة السورية والجيش الحر. وهل سيستمر هذا التنظيم أم سيتلاشى؟! هذا ما يقرره الذين أوجدوه، إذ إن بقاءه أو تلاشيه خاضع لمدى ما يتحقق لهم بذلك من مصالح.
وبناء على ما ذُكر أجابت «الفيغارو» على سؤال: «هل يمكن أن تتفادى سوريا التقسيم الكامل؟!» بما يلي: «تبدو مصالح القوى الإقليمية المتورطة في الحرب الدائرة في سوريا واضحة الآن:
روسيا: يمكن أن تصدر لسوريا النموذج الأبخازي، بهدف حماية النظام ومعاقله.
إيران: تسعى إلى الحفاظ على امتداد إقليمي بين بغداد ودمشق ومناطق العلويين ولبنان، وهو محور شيعي يهدف إلى مواجهة النفوذ الوهابي السعودي (كذا) في المنطقة.
السعودية: تسعى إلى إقامة نظام سُنّي في دمشق لإضعاف إيران في سوريا وفي العراق أيضًا، حيث لم تتقبل السعودية أبدًا ما نتج عن الحرب الأمريكية في العراق عام 2003م التي أدت إلى سيطرة الشيعة على السلطة فيها، غير أن اختراق الإرهابيين (تقصد الصحيفة المجاهدين) للجماعات المسلحة المعتدلة (أي الجيش الحر) يمكن أن يحول دون أن تبلغ الرياض هدفًا سياسيًّا تقبله الولايات المتحدة.
النتيجة: يقول دبلوماسي عربي إن الوضع في سوريا حاله كحال الحرب الأهلية في لبنان ستنتهي باتفاق طائف يقوم على التقسيم الطائفي والفئوي بين القوى الدينية، ثم تقول «الفيغارو»: وما يعزز تقسيم سوريا ويحول دون وحدتها هو بقاء بشار الأسد في السلطة، حيث انتهى الجميع إلى قبول مشاركته في عملية انتقال سياسي، ولا شيء يؤكد أن حلفاءه الروس والإيرانيين سيتخلفون عنه في نهاية هذه المرحلة الانتقالية، ثم تبقى عقبتان: الأولى: مرونة داعش التي تستفيد من هذه الفوضى وقد تمتد المواجهة معها لجيل كامل. الثانية: الطموح الكردي لتحقيق الاستقلال الذاتي، وهو ما يحول دون محافظة سوريا على وحدتها، وفي مثل هذه الظروف فإن انطلاق المفاوضات التي أعلنت عنها موسكو ضمن فريق اتصال يجمع روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران والسعودية ومصر يبدو معقدًا، فلا يُرى في الأفق أن السعودية ستجلس قبالة روسيا وإيران في المدى القصير، مما يعني أن سوريا تتجه نحو الانفجار» (انتهى ما ذكرته الفيغارو، بتصرف).

صمت القبور يخيم على مواقف الدول من التدخل الروسي العسكري:
----------------------

لم تنقل وكلات الأنباء استنكارًا دوليًّا عامًا وشاملًا وشاجبًا للتدخل الروسي العسكري السافر في سوريا هادفًا إلى احتلالها تحت شعار الدفاع عن النظام الوحشي الحاكم، ولكن بالجملة يمكننا الإشارة إلى مواقف بعض الدول والمنظمات من ذلك كالتالي:
الأمم المتحدة: التحفت بعباءة صمت القبور ونسيت ميثاقها، وافتتح سكوتها بوابة الإجرام الواسعة التي ولج من خلالها التدخل الروسي العسكري إلى الربوع السورية؛ ما أعطى الضوء الأخضر لذلك التدخل ليعيث في الأرض فسادًا، فلا مجلس الأمن ولا الجمعية العامة قد تجشما أيما عناء لإصدار ولو بيان واحد لاستنكار تلك الفعلة الشنعاء، وهي وصمة عار جديدة تضاف إلى وصمات العار السابقة التي تلطخ بها جبينها.

مواقف الحكومات في مختلف الدول:
------------------------

لم يعد خافيًا على أية حكومة في العالم إجرام النظام الحاكم في سوريا بقيادة بشار بحق شعبه، ولو أرادت تلك الحكومات، أو بعضها، إزاحة بشار لاتخذت إلى ذلك سبُلًا ووسائل، ولكن خوفها من احتمال أن يكون البديل هو «نظام إسلامي» هو الذي يدفعها إلى اتخاذ مواقف السكوت، وبعضها مواقف التأييد، بسبب ما تكنه تلك الحكومات للإسلام - إلا قليلًا منها - حتى وإن كانت حكومات تحكم شعوبًا إسلامية، وبما أن التدخل الروسي العسكري هو لتثبيت نظام بشار وللحيلولة دون وصول الإسلاميين للسلطة، فإنه يحظى بتأييد تلك الدول علنًا أو ضمنًا، بما فيها معظم الدول العربية والإسلامية، بل والكيان الصهيوني أيضًا الذي يعد في مقدمة هذا الركب.
الموقف الأوربي والأمريكي: ليس صحيحًا أن هذه الدول تريد إسقاط بشار إن كان بديله إسلاميًّا، لذلك فإنها من هذه الوجهة تغض الطرف عن التدخل الروسي، لكنها من وجهة الصراع الإستراتيجي مع روسيا فإنها لا تؤيد وجودًا عسكريًّا روسيًّا فاعلًا في سوريا لأنه يهدد دول حلف الناتو من الجهة الجنوبية الشرقية، ما يستدعي تغيير كثير من خطط المواجهة مع روسيا سواء على مستوى فتح جبهات جديدة أو نقل قوات أو أعمال لوجستية أو تغيير مواقع عسكرية، فضلًا عن المتطلبات المالية للقيام بذلك كله، لذا فإن هذه الدول تمسك العصا من المنتصف، فهي تؤيد التدخل الروسي بقدر لا يخل بالمعادلة العسكرية المتوازنة القائمة حاليًا، وهذا يعني أن هذه الدول قد وضعت للروس خطوطًا حمراء متفق عليها لا يجوز تجاوزها، وفي حال تجاوز الروس تلك الخطوط فإنه قد ينشأ وضع متوتر يؤدي إلى احتكاكات ربما تصل إلى مرحلة الخطر.

الموقف الإيراني والعراقي: ليس مجرد مؤيد بل مشارك ومساهم وداعم وممهد، وليس التحالف الذي تم بين روسيا وإيران والعراق وسوريا من إقامة مركز للتنسيق مقره بغداد بحجة محاربة داعش - والحقيقة خلاف ذلك - إلا تعبير واضح عن ذلك الموقف، ولذا على هذه الدول أن تتحمل مسؤولية كل الأفعال الإجرامية التي يمارسها الجيش الروسي بحق الشعب السوري. لكن من جهة أخرى يبقى هناك احتمال عدم توافق بين إيران وروسيا في المستقبل بسبب الصراع على النفوذ فيما يتعلق بالمواقع النفطية والموانئ البحرية (اللاذقية وطرطوس).

الموقف السعودي والقطري والتركي: منذ البداية كان لهذه الدول مواقف مناوئة لإجرام بشار وحزبه وطائفته، وطالبت بإصرار أن تتاح الفرصة للشعب السوري لتقرير مصيره، ولا شك أن هذه الدول تدرك تمامًا الخطر الماحق الذي يحققه التدخل العسكري الروسي على عموم منظومة التوازن الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص حوض الخليج العربي، وتحاول روسيا بقدر إمكانها إعطاء التطمينات لهذه الدول بشأن مستقبل ذلك التدخل السافر في سوريا، وأنه لا يهدد مصالحها الإستراتيجية، غير أن الاحتكاكات التي حصلت بين روسيا وتركيا من خلال اختراق الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي قد أضعفت تلك المحاولات وغطت عليها سحب الشك والريبة[3]، لذلك فإنه من الواجب على هذه الدول أن تدرك خطورة ذلك التدخل الروسي العسكري إدراكًا يترجم على ساحة الصراع بتقديم جميع أنواع الدعم للمعارضة المجاهدة السورية المسلحة، سواء على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.

إن روسيا تريد الالتفاف على أية معارضة لتدخلها من قبل هذه الدول، ولذلك فإنها لا تفتأ تستقبل ممثليها لتقديم التبريرات تلو التبريرات لتدخلها السافر في سوريا، معللة بأن ذلك هو لمجرد «محاربة الإرهاب»، وهي «جملة» بات من الصعب على أية دولة أن ترفضها في ظل الإعلام الصهيوني الصليبي المضلل، الذي ألحق أعمال الجهاد ودفاع الشعوب عن إسلامها وأوطانها بمسمى «الإرهاب». ومن اللافت أن بوتين قد طلب من زائريه الاتفاق على محاربة إقامة «خلافة إرهابية» في دمشق، كما نقلت ذلك وكالات الأنباء بتاريخ 12 أكتوبر 2015م، حيث قال وزير الخارجية الروسي لافروف بعد لقاء الجانبين السعودي والروسي: «المطلوب عدم السماح لخلافة إرهابية بالسيطرة على البلاد» (بحسب «الوسط» البحرينية بتاريخ 12 أكتوبر 2012م).
وقد عقدت تلك المحادثات في «سوتشي» بجنوب روسيا، ومحادثات أخرى عقدت أيضًا مع وفد إماراتي، وكانت النتائج في الجملة كقول القائل:

كأننا والماء من حولنا
قوم جلوس حولهم ماء!

وعاد الكلام عن «جنيف١» علمًا أنه تلاه «جنيف2» ولم ينتج شيء من تلك المؤتمرات ذو قيمة حقيقية على الأرض، فما دعا إليه المؤتمرون في «سوتشي» لم يتجاوز الدعوة إلى مصالحة وطنية والمحافظة على وحدة الأراضي السورية وإنشاء حكومة انتقالية تضم فرقاء من النظام والمعارضة (هكذا) ودون وجود بشار بحسب ما يطلب وزير الخارجية السعودي، وهو خلاف ما تراه روسيا، إذ تعتبر وجود بشار أمرًا أساسيًا في أية تسوية، لأنه «عرّابها» في سوريا، غير أن السعودية عبَّرت بجلاء عن رفضها للتدخل العسكري الروسي في سوريا[4]، بالجملة هو تغليب الحل السياسي، ولكننا نقول: إن كان الأمر ينتهي بتسوية سياسية فلماذا لم يتم ذلك منذ فترة طويلة؟ ولا شك أن الجواب يتعلق بوجود الفصائل المجاهدة، ولذلك فبحسب رأي الروس لا بد من تصفيتها والقضاء عليها أولًا لتحقيق الحل السياسي، ولمَّا فشل النظام السوري في تحقيق ذلك دخلت روسيا بجيشها العرمرم لفعل ما عجز عنه بشار وجيشه وإيران وحزب الله، وسيكون الشأن بعد قضائهم على المعارضة الجهادية المسلحة هو «حل سياسي» من جانب واحد! لكن ذلك لن يحدث إن شاء الله تعالى.

الموقف الجهادي في سوريا من التدخل الروسي العسكري:
------------------------------

لن يهاب السوريون التدخل العسكري الروسي، خاصة أنهم ما زالوا يقاتلون جيش النظام البشاري المدجج بالسلاح الروسي بأنواعه وأشكاله والذي سيؤدي إلى مزيد من تهجير السوريين بسبب القتل والدمار الذي يمارسه، ولكن من الجدير هنا التوقف عند نقاط مهمة:
من نصر الله تعالى لا يُغلب، قال تعالى: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]، ليكن هدف المجاهدين هو إعلاء كلمة الله تعالى في الأرض ونصر دينه وتطبيق شريعته.
الاستمرار في الجهاد ومواصلة السير على دربه مع ما يتطلبه ذلك من صبر ومشقة وإعداد وأمل.
توحيد الفصائل المقاتلة ضرورة لا بد منها، قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: ٤]، ويعتبر البيان الذي وقعه 41 فصيلًا مقاتلًا ضد التدخل العسكري الروسي مؤشرًا إيجابيًّا في هذا الخصوص، ولا بد للفصائل جميعًا من التوحد تحت قيادة عسكرية واحدة، وخاصة الفصائل الرئيسية كأحرار الشام وجيش الإسلام وجيش الفتح والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام والجبهة الشامية، وباقي الفصائل المنتشرة في الربوع السورية.

الائتلاف ونبذ الاختلاف، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، ولذلك وجب على جميع الفصائل ألا تنخرط في سلك الاختلافات، وليكن الاجتماع تحت مظلة الإسلام دون تعصب لحزب أو جماعة أو رأي أو مذهب أو قبيلة أو منطقة، فراية الإسلام تظلل الجميع.
التمسك بالأهداف الرئيسية للجهاد، وأهمها ثلاثة أهداف:
الأول: إسقاط النظام السوري الحاكم.
الثاني: تحرير سوريا من الاحتلال الإيراني والروسي وطرد المليشيات التابعة لحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي مع مراعاة التخلص من الخطر الداعشي جغرافيًّا وعقديًّا.
الثالث: إقامة نظام إسلامي على أنقاض الحكم الحالي.

اعتبار النظام الحاكم وداعميه مجموعة واحدة، فلا بد من توجيه السلاح ضدهم جميعًا، دون تفريق بين كون الجهة المقابلة من جيش النظام أو مليشياته أو شبيحته أو من الحرس الثوري الإيراني أو من حزب الله اللبناني أو من الجيش الروسي أو من مليشيات الحشد الشعبي أو غيرهم ممن هم في النهاية يقفون ويقاتلون مع النظام، أو يشكلون غطاءً له بمسميات إسلامية.
إفشال مخطط تقسيم سوريا، وهو هدف رئيس من أهداف الجهاد، لأن هذا التقسيم فضلًا عن أنه يبدد وحدة المسلمين ويفتت التآمهم ويشتت جهودهم فإنه أيضًا يحقق هدفًا رئيسًا للكيان الصهيوني، لأنه يزيل الخطر عنه ويمهد لتمدده واتساعه، ولعل السيطرة على المفاصل الرئيسة التي تحول دون تحقيق التقسيم لها الأولوية في العمليات الجهادية.

رفع الروح الإيمانية والمعنوية سواء لدى المجاهدين أو المدنيين، سواء من كان في الأرض المحررة أو التي تحت سيطرة النظام الحاكم أو المهاجرين إلى خارج سوريا، وذلك بوضع برامج تفي بهذا الغرض، ولكن الحاضنة الجماهيرية في الأراضي المحررة لها الأولوية في ذلك.
إحسان استخدام المناورات السياسية بما يخدم أغراض الجهاد ولا يتجاوز المحددات الإسلامية العقدية الرئيسية، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول الداعمة، وكذا الأحزاب والجماعات الإسلامية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، مع التمسك بالثوابت الشرعية.
استيعاب فقه الجهاد، وما يتعلق به من أحكام شرعية، وهي كثيرة ومنوعة، وينبغي تدريس هذا الفقه للأفراد المقاتلين فضلًا عن قادة المجاهدين.

إنشاء مجلس شورى جهادي يضم كافة الفصائل المجاهدة، ويوضع له نظام أساسي لتنظيم اختصاصاته وعمله وشروط المنتسبين إليه.
إنشاء «مكتب عام للفتوى» تتفق جميع الفصائل على قبول أحكامه.
إنشاء «مكتب سياسي» يمثل المجاهدين وله صلاحيات واسعة يحددها مجلس الشورى.
بيان حقيقة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن يقف وراءهم، وخطورة الغلو الذي ينتحلونه وأثر ذلك على المجاهدين وسير عمليات الجهاد.

توقي الحذر من المنافقين، وتحصين الأجهزة القيادية من الاختراق، وتبني أسلوب الغلظة معهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: ٩].
وضع خطط لتأمين الدعم المادي والبشري للمجاهدين، وذلك بتكثيف بيان أحوال المجاهدين والحواضن الجماهيرية وما يلاقونه من ضنك وحاجة، وكذا ما يتطلبه استمرار الجهاد من سلاح وذخيرة وتأمين للصفوف الخلفية الداعمة له.
استيعاب المجاهدين المهاجرين إلى سوريا من خارجها من كافة أنحاء العالم، وذلك يتطلب خططًا ووسائل متعددة.
تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في داخل الأراضي المحررة، مع مراعاة الفقه في ذلك وطول مدة بُعد الناس عن أحكام الشريعة وانحسار دورها عن حياتهم لعقود مديدة، فلا بد من استخدام اللين والأخذ بالرفق والعمل بالحكمة والسير بالموعظة الحسنة والنأي عن الغلو والتكفير بغير حق.
الحذر الشديد من الحلول المعلبة، وهي الحلول التي تفضي في النهاية إلى إجهاض الجهاد ومصادرة الوصول إلى أهدافه، كتلك التي تتمخض عنها مؤتمرات المعارضة الخارجية من مثل «جنيف1» وما بعده أو «موسكو1» وما بعده.

إنشاء «مكتب إعلامي» لصالح قضية المجاهدين في سوريا، وذلك لفتح عيون شعوب العالم وحكوماتها على حقيقة ما يجري في سوريا من بشائع النظام الحاكم وأعوانه وداعميه من الداخل والخارج، وللتعبير عن رأي المجاهدين في كل ما يدور في الساحة مما له علاقة بهم وبجهادهم، ولكشف دور داعش والمنافقين ورفع الغطاء عن المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام ضد الجهاد في سوريا لكسر شوكته وتنكيس رايته، ومن مهمات هذا المكتب بيان أهمية توافد المجاهدين من أنحاء العالم لدعم إخوانهم المجاهدين في سوريا، فالمعركة الآن هي ليست ضد النظام وحسب بل هي أيضًا لمقاتلة المعتدي الروسي الكافر ودحره وإخراجه وتحرير البلاد من شره.
التواصل الإيجابي والمثمر مع مخيمات اللاجئين في خارج سوريا، لأنهم منبع الحواضن الخلفية للمجاهدين وحماة خطوطهم الداعمة، ومن وسائل تفعيل ذلك التواصل اتخاذ ما يلزم بقدر المستطاع لتلبية ودعم تحقيق الحاجات الملحة سواء لحواضن المناطق المحررة أو لقاطني المخيمات.
الالتجاء الدائم إلى الله تعالى بالدعاء والطاعة له ولرسوله كيما يتحقق النصر للمجاهدين، وليعلموا أن الله ينصر جنده بما شاء فله جنود السموات والأرض، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: ٩].


--------------------------------------
[1] قال السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلس «دوغلاس لوت»: إن الحشد العسكري الروسي في سوريا يشمل وجودًا بحريًّا كبيرًا ومتناميًا يزيد عن 10 سفن وصواريخ بعيدة المدى وكتيبة قوات برية (ألف جندي) تدعمها أحدث الدبابات الروسية ومدفعية وصواريخ بعيدة المدى وقوات دفاع جوي (انظر: القبس الكويتية 9 أكتوبر 2015م).
[2] قالت «ريفا بهالا» نائبة رئيس شركة ستراتفو المتخصصة في الاستخبارات الجيوسياسية في أمريكا: إن موسكو لن تتحمل نفقات التدخل والعمليات العسكرية للقوات الروسية في سوريا لأكثر من أربعة أشهر (سي إن إن: 15 أكتوبر 2015م).
[3] لعل أحد نقاط ضعف تركيا إزاء روسيا هو استيرادها حوالي 60% من غازها من روسيا.
[4] كشف مسؤول سعودي أن السعودية سترد على التدخل الروسي في سوريا بتزويد مجموعات من المعارضة بإمدادات من الأسلحة الحديثة، بينها أسلحة موجهة مضادة للدبابات سيتم تقديمها إلى ثلاث مجموعات، هي: جيش الفتح والجيش السوري الحر والجبهة الجنوبية (القبس الكويتية 10 أكتوبر 2015م).



---------------------------------
المصدر: ملتقى شذرات


plgm hgwgdf hgl.],[ hgls],] hgsldm

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-13-2016, 09:39 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة القراءة الغائبة للتدخل الروسي

القراءة الغائبة للتدخل الروسي
ــــــــــــــــ

(عادل بن محمد الحوالي)
ــــــــــــ

4 / 5 / 1437 هــ
13 / 2 / 2016 م
ــــــــ








من المناسب قبل الشروع في بيان تداعيات التدخل الروسي المباشر أن نقرر حقيقة حتمية لا يمكن للباحث والمراقب تجاهلها؛ فتاريخ التدخل الأجنبي في بلاد المسلمين يحمل الشرّ والوباء على البلاد والعباد، حتى الطوائف التي نعمت في كنف الإسلام وعاشت تحت ظلاله آمنة مطمئنة انحازت للغزاة وأضحت وقودًا للحروب الداخلية (الأهلية) بشكل أو بآخر، تارة باسم المظلومية وأخرى باسم التعددية، وطفقت تروج للنموذج الأجنبي بوصفه الصيغة الحديثة للدولة المدنية التقدمية، وغيرها من الشعارات المستوردة التي تخدم مصالح الغزاة ومخططاتهم.

مخططاتهم.
----

هذه الحقيقة تفسر لنا بجلاء أسباب استدامة الحروب في الفكر الغربي والشرقي بوصفها مرحلة متقدمة على مبدأ التدخل المباشر ومن ثَمَّ إملاء الشروط والحلول القسرية التي تحفظ مصالحه وتخدم أجندته في المنطقة، ونحن إذ نتحدث بشكل تحليلي ومن منظور إستراتيجي عن الملف السوري الذي يتمتع بمزايا جيوسياسية مهمة وتاريخ حافل بالحضارة والوقائع ينبغي إعمال الدور الذي تقوم به السياسية الصهيونية في تحليل الملف، وقراءة أبعاده كمؤشر تقريبي لواقع السياسة الدولية على الأرض، حيث إن اضطراب الكيان الصهيوني يشكل هاجسًا مخيفًا في الأوساط الغربية الحاكمة، علاوة على القيمة الدينية للربيبة والمستقرة في أذهان الساسة، من أرباب النبوءات الصليبية تجاه الكيان الصهيوني، وما تمثله من حلم عودة المسيح (عليه السلام) كما يزعمون!

الكيان الصهيوني الدولة الوحيدة - في عرف النظام الدولي - التي يجب أن يحافظ المجتمع الدولي والنظام الإقليمي على حمايتها جملة واحدة، بغض النظر عن طبيعة الأدوار الموكلة إلى كل طرف. وفي ظل الهيمنة الأمريكية، والتطلع الروسي إلى إعادة بناء القوة والاعتبار لمكانة روسيا الدولية في صناعة القرار العالمي وزيادة مساحة التأثير؛ يبرز مفهوم التدخل الروسي بوصفه الداعم الجديد والراعي الدولي لبناء نظام إقليمي على غرار سايكس - بيكو، بعد موجة التخفف الأمريكي من أعباء المنطقة - وليس مغادرتها كما يروج البعض - وخفض مستوى التزامها بأمن حلفائها الإقليميين. فروسيا اليوم ليست بقوة الاتحاد السوفيتي بطبيعة الحال، ولذلك تعني تل أبيب بالنسبة للروس منطقة العبور وتسلم تأشيرة الدخول إلى عمق الأراضي السورية عبر عمليات عسكرية ممنهجة، وممولة من بنك الأهداف الصهيوني بالتعاون مع دول إقليمية مخابراتية وظيفية.

لا يمكن إغفال النزاع الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، لاسيما بعد مصادقة الرئيس الروسي على العقيدة العسكرية الجديدة في 26 يناير 2014م، المتمثلة في اعتبار «حلف الناتو» التهديد الأساسي لروسيا من خلال سياسات الحلف عبر تنصيب منظومة الدفاع الصاروخي، ونشر أسلحة نوعية في بعض دول شرق أوربا وصولًا إلى الانقلاب السياسي في أوكرانيا وانتهاءً بتراجع أسعار النفط، وكنتيجة حتمية فإن النظام الدولي مقبل على أعتاب حرب باردة جديدة، وإعادة تداعياتها إلى الواجهة العالمية من جديد، ولكن الغرب يرى أن مستوى التهديد الذي يمثله العملاق الصيني يتضاعف أمام الترنح الروسي في أوكرانيا وتحمّل أعباء التدخل العسكري في سوريا، إضافة لعامل الانهيار المالي الذي يضرب أركان الكرملين بسبب تراجع أسعار النفط. الولايات المتحدة عودتنا على تحديد أولوياتها في السياسة الخارجية، وبالتأكيد ليس بالضرورة أن تنجح فيها، ولكنها بات مقتنعة ومتأكدة أن الجيش السوري قد انهار تمامًا، وبأن المعارضة قد ولجت إلى محرقة الاستنزاف والإجهاد المتواصلين، وبسبب وجود تنظيم الدولة الإسلامية على الخريطة تكون قد ضمنت استدامة الصراع واستحالة حسمه من طرف على حساب آخر مهما بلغت قوة المعارضة ومهما بلغ ضعف النظام أو حجم تأييده الخارجي الذي تطلب وعلى نحو سريع دخول موسكو على خط الصراع مباشرة، ومحاولة تحييد حجم التأثير الإيراني وإدارته للمعارك بعد سلسلة الإخفاقات المتوالية والنكسات الموجعة في العراق وسوريا، ولأن موسكو تستشعر هرولة النظام الإيراني صوب المعسكر الغربي لاسيما مع اقتراب الإدارة الأمريكية من تسوية العقوبات المفروضة على طهران، الأمر الذي دفع الروس إلى التفكير في مستقبلهم الإستراتيجي إقليميًّا، وضمان عدم تكرار تجربة الملف الليبي! وقد ارتأت الولايات المتحدة التوجه التدريجي نحو شرق آسيا لاحتواء الصين، والسعي لتطويق خطر كوريا الشمالية وضمان تأمين التقنية النووية ومنعها من التهريب خارج الحدود، فيما يتولى الروس إدارة الملف السوري بالتعاون مع شركائهم الإقليميين وحاجتهم الحتمية للولايات المتحدة.
التناوب الأمريكي - الروسي على الملف السوري يأتي من باب إطالة الأزمة لضمان أمن الكيان الصهيوني وتنشيط مبيعات السلاح وخلق مناطق نفوذ وصراع جديدة، تعيد تقسيم المنطقة على نحو ثنائي لأول مرة منذ سقوط المعسكر الشيوعي. من هنا يجب أن نقيم التدخل من زاوية مختلفة، تبعث الأمل مجددًا، وتبدد مخاوف المسلمين التي تضخها آلة الإعلام العالمية بوصفها الشريك الإستراتيجي للآلة العسكرية في أزمنة الحروب للتأثير النفسي. وقبل الإشارة إلى هذه الجوانب الإيجابية، يمكننا تلخيص محددات التدخل الروسي في نقاط:

أولًا: حماية أمن الصهاينة كجزء إستراتيجي من سياسة النظام الدولي.

ثانيًا: رفع أسعار النفط وإشاعة تهديد الممرات وخطوط الإمداد.

ثالثًا: تأمين الجدار العلوي ومنعه من الانهيار بعد إقامته منذ اتفاقية سايكس - بيكو.

رابعًا: حماية المصالح الروسية وضمان بقاء أسطولها البحري في طرطوس.

خامسًا: إضعاف الدور التركي، وإفشال مساعيه في احتواء المعارضة الإسلامية.

سادسًا: منع وصول ارتداد موجات الجهاد إلى مناطق النفوذ الروسي خارج سوريا.

التدخل الروسي يحمل مضامين مهمة، وتداعيات دولية من شأنها خدمة الثورة السورية، متى أحسن المجاهدون وداعموهم توظيفها على نحو جيد، عبر اتحاد الفصائل، وإقامة غرف عمليات مشتركة، وذم الفرقة وطرح الاهتمامات الشخصية المحدودة، وإقامة مصلحة الدين والعقيدة قبل كل شيء. الحوادث التاريخية تثبت أن بلاد الشام كانت وستظل عصية على التطويع الخارجي، ومن رحمة الله تبارك وتعالى بالمسلمين اشتداد الأزمات وطول عمرها الكوني كي تتمايز الصفوف، وتتباين المواقف والآراء على نحو يخدم الأمة بشكل عام وأرض الشام بالخصوص، فظهور الخلاف الدولي إزاء الملف السوري إلى السطح بعد سنوات من التوافق على تدمير البنية التحتية، مؤشر إيجابي له ما بعده، وهذا الخلاف وإن بدا للوهلة الأولى محدود المساحة والتأثير، إلا أنه وبمرور الوقت مؤثر في مسار السياسة الدولية، ويمكن من خلاله قراءة التشققات الدولية وتصدعات التحالف الإقليمي بما يتيح للثورة استعادة عافيتها، والوصول إلى الكثير من أهدافها الإستراتيجية. ومن أعظم هذه التحولات تبدد أسطورة النظام العسكري الإيراني، بعد هلاك كبار قادته وعجزه عن إنقاذ حزبه الشيطاني، ودخوله مراحل استنزاف بشري ومادي لا يمكن تجاهل أثرها على قبول ملالي طهران بالاتفاق الدولي النووي، بعد أن كانت قاب قوسين من إتمامه، فلله الفضل ثم للثورة السورية التي تسببت بطريقة أو بأخرى في تراجع الإنفاق الحكومي على المنشآت، وانشغال الحكومة بإدارة ملفاتها الخارجية، هذا القدر من الاختلاف الدولي والتراجع الإقليمي كفيل بتأسيس هوية الشعوب على أساس عقدي يحمل مضامين سياسية واقتصادية وعسكرية ودعوية كبدائل حيوية عن معونات الصليبيين، فلم يعد للدخلاء غطاء يمكن التدثر به بعد موجة الفضائح التي أخرجتها الثورة السورية، كما أن الأنظمة الإقليمية التي ترى في الثورة فرصة الإطاحة بنظام الأسد كشفت عن أهدافها على نحو أكثر وضوحًا، وحصرت الخلاف في شخص الأسد ونظامه، وهي مستعدة لبناء نظام علماني يخدم سياسة النظام الدولي، لأنها ما تزال تدور في فلك النظام الدولي، ولا تملك الجرأة الكافية للخروج من قيده، هذا القدر من التخاذل ينبغي أن يكون كافيًا لصناعة وعي الأمة بمآل الثورة السورية وجهادها ضد الباطنية من الداخل والصليبية من الخارج، وحين يختلف السرّاق؛ تنحسر التوافقات! ورجال الثورة معنيون بتوظيف هذا التدافع الكوني بين القوى العظمى لمصلحتهم، والاستعانة بالسنن بعضها على بعض، ما يتطلب وعيًا شرعيًّا وفقهًا بالسنن الكونية وطرق الإفادة منها على النحو المشروع، ولا يعني طول البلاء سوى اقتراب الفرج، لكن المقاييس الربانية مختلفة كليًّا عن حسابات البشر، وفي الثورة السورية من أسباب البقاء ما يجعلها غصة في نحور أعداء الأمة، ولا أعظم من تمايز الوعي بحقيقة المشروع الباطني، وسقوط أقنعة المقاومة والممانعة بعد عقود الكذب والتضليل، كما أن النفوذ الأمريكي أصبح واهنًا بعد تعثره في العراق، وكذلك الحال بإذن الله تعالى للروس في سوريا. هذه المحطات تستنزف القوى العظمى، ولا تخرج عن دائرة التأثير الكوني، والسير بها نحو سنّة التغيير والتراجع، ومن أدلة ذلك حجم التدخل المحدود، الذي يعطي قراءة واضحة لما عليه القوى العظمي من تذبذب قراراتها، وتضعضع قوتها ومحيط تأثيرها الإقليمي، ولذلك استدعت المليشيات والأحزاب المقاتلة للقتال عنها بالوكالة لحين يتطلب الأمر الدخول المباشر، ونستطيع القول إن التدخل الروسي ليس إلا بداية للعودة بالثورة من جديد، وزوال الكثير من المعوقات وتذليل الصعاب، وأهل الثغور أعلم الناس بواقع الأمر وإن بدا أنهم في محرقة التحالف الدولي فسنشهد توافقات دولية على الحلول السياسية مع بقاء النزاع السياسي حول مصالح القوى العظمي بسوريا، في الوقت الذي تشتد فيه شوكة الجهاد، وتنحسر موجة الغلو والتكفير، وتسقط رايات لطالما نادت بالثأر وضجت بالاستغاثة.

إننا معنيون أكثر من أي وقت مضى ببث روح الفأل والأمل، والأخذ بأسباب النجاة قبل فوات الأوان، ومن أوجب الواجبات نصرة المسلمين، ومدهم بالعون قدر الإمكان، فجاهد أهل الشام جهاد عن الأمة قاطبة، كلٌ على قدر مسؤوليته المنوطة به، ولا يستهان بالكلمة في زمن الحروب واشتداد الأزمات، فمن دون الوعي تموت القضية، ويذوب الناس في محرقة الأحداث.


-----------------------------
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-14-2016, 08:42 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة التدخل الروسي في سوريا كيف ولماذا؟

التدخل الروسي في سوريا كيف ولماذا ؟
ــــــــــــــــــــ

(. مجاهد مأمون ديرانية)
ــــــــــــ

5 / 5 / 1437 هــ
14 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ







الأسابيع القليلة التي سبقت وصول طلائع القوات الروسية إلى سوريا والأسابيع القليلة التي أعقبت وصولها شهدت نشاطًا دبلوماسيًّا محمومًا، شارك فيه مسؤولون كبار من أمريكا وروسيا والصين والدول الأوربية ودول الإقليم؛ نستطيع أن نستخلص من مجمل تلك اللقاءات أن التدخل العسكري الروسي في سوريا لم يكن مفاجأة لأحد - ربما باستثناء السوريين أنفسهم - كما دلت التصريحات الأمريكية والأوربية التي علقت على ذلك التدخل بترحيب ضمني به ورضا واضح عنه بعد وقوعه.
هذه المقدمة ضرورية لفهم التدخل الروسي في سياقه الصحيح، ولكي نستبعد فرضية كونه حلقة من حلقات الصراع على النفوذ بين روسيا وأمريكا، بل إن هذا التدخل لم يتم إلا بعيد اللقاء الذي جمع بين الرئيسين الروسي والأمريكي، ما يمنحنا مزيدًا من الثقة بأنه نتيجة لتفاهم صريح بين البلدين.

إذا كان لي أن أتخيل فإنني أفترض أن روسيا دخلت إلى سوريا بقواتها العسكرية ضمن صفقة مع أمريكا، حيث سُمح لها بالاحتفاظ بمصالحها العسكرية والاقتصادية مقابل المشاركة في الجهود الدولية الداعمة للحل السياسي؛ الحل الذي توافقت عليه القوى الدولية قبل أربعين شهرًا بقيادة أمريكية وتحت مظلة أممية.
(1)
بالعودة إلى الوراء نجد أن القوى الدولية كلها - بما فيها روسيا وأمريكا - اتفقت كلها على حل واحد للمشكلة السورية منذ وقت باكر وهو: إعادة إنتاج النظام من خلال حذف العناصر التي تعيق الحل من الطرفين - بما فيها الأسد نفسه على الأغلب - وإبقاء سوريا تحت هيمنة الطائفة العلوية. لقد استطعنا استقراء هذا الاتفاق بأنفسنا من خلال دراسة مواقف تلك الدول، قبل أن تعلن هي نفسها عنه رسميًّا في بيان جنيف الشهير.
ذلك الإعلان الصادر في الثلاثين من يونيو 2012م صار هو الأساس لكل المبادرات السياسية التي شهدتها الساحة السورية منذ ذلك الحين، وهو يمثل وجهة النظر الأمريكية والروسية والصينية والأوربية والدولية و«العربية الرسمية» للحل، باعتبار أن الذين أصدروه ووقعوا عليه هم وزراء خارجية أمريكا وروسيا وبريطانيا والصين، والأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية، وممثلة الاتحاد الأوربي السامية للسياسة الخارجية والأمنية، بوصفهم «مجموعة العمل من أجل سوريا» في ذلك الحين.

كل ما صدر عن الدول الكبرى والدول الإقليمية منذ ذلك الوقت يؤكد أن «إعلان جنيف» هو الأساس الوحيد المقبول لحل المشكلة السورية كما أشرت قبل قليل، وهذا يقتضي أن نتعرف بشكل دقيق على تفاصيل ذلك الإعلان الذي نص على «فرض مرحلة انتقالية ضمن أربعة مبادئ أساسية»، هذا تفصيلها:
المبدأ الأول بعنوان: «منظور للمستقبل»، وينص على إقامة دولة ديمقراطية تعددية تمتثل للمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وتتيح فرصًا متساوية لجميع السوريين، بعيدًا عن التمييز القائم على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.
المبدأ الثاني بعنوان: «خطوات واضحة في العملية الانتقالية لا رجعة فيها»، وتشمل إنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل السلطات التنفيذية، تضم أعضاء من الحكومة والمعارضة الحاليتين ومن مجموعات أخرى، ويتم تشكيلها على أساس الموافقة المتبادلة، ويكون من مسؤولياتها الإعداد لحوار وطني تشارك فيه جميع فئات المجتمع السوري، وإعادة النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، على أن تعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام، والإعداد لانتخابات حرة نزيهة تعددية، مع التأكيد على ضرورة تمثيل المرأة تمثيلًا كاملًا في جميع مراحل العملية الانتقالية.

المبدأ الثالث بعنوان: «السلامة والاستقرار»، ويتضمن نزع سلاح المجموعات المسلحة وتسريح أفرادها أو دمجهم في المؤسسة العسكرية، وإقرار إجراءات عملية لحماية الأقليات، والإفراج عن المحتجزين من كل الأطراف، والالتزام بالمصالحة الوطنية، واستمرار الخدمات والحفاظ على المؤسسات الحكومية، بما فيها الجيش ودوائر الأمن.

المبدأ الرابع بعنوان: «خطوات سريعة للتوصل إلى اتفاق سياسي ذي مصداقية»، وأهم ما ورد فيه أن النزاع يجب أن يحل بالحوار السلمي وعن طريق التفاوض حصرًا.
(2)
لا ريب أن لروسيا مصالح اقتصادية وعسكرية في سوريا جديرة بالدفاع عنها، لكن يغلب على الظن أن التدخل الروسي لم يكن لحماية تلك المصالح بصورة مباشرة، بل هو لحماية النظام الأسدي العلوي وتكريس بقائه باعتباره حارسًا وضامنًا لتلك المصالح على المدى الطويل. ويبدو أن توقيت هذا التدخل يتوافق مع تراجع القدرات القتالية للنظام وخسائره المتتالية خلال الأشهر الأخيرة، كما يتوافق أيضًا مع الجهود الدولية المتسارعة الهادفة إلى فرض الحل السياسي على طرفي الصراع.
لنتعرف أولًا على المصالح الروسية في سوريا: إن سوريا تمثل منطقة ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لمصالح الطاقة الروسية من ناحيتين، من ناحية حصول الروس على الحق الحصري لاستخراج النفط والغاز من المياه الإقليمية السورية، ومن ناحية إحباط مشروع مد خطوط نقل الغاز القطري عبر الأراضي السورية إلى تركيا ومن ثم إلى أوربا (أوربا هي أهم أسواق الغاز الروسي. وروسيا هي ثاني أكبر منتج للغاز في العالم وقطر المنتج الخامس). وقد ذهب «أندرو كريتشلو» في مقالة نشرها في جريدة «التلغراف» البريطانية منذ وقت قريب إلى أن مصلحة روسيا في النفط والغاز الطبيعي هي الدافع الوحيد للتدخل الروسي الأخير.

لا شك أن كريتشلو بالغ حينما اعتبر أن مصادر الطاقة هي «الدافع الوحيد» للتدخل الروسي، لكنها ستبقى بالتأكيد من العوامل المهمة التي تحدد علاقة روسيا بسوريا الآن وفي المستقبل، فالاقتصاد الروسي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على النفط والغاز، اللذين لا يغطيان جزءًا كبيرًا من الناتج القومي الروسي الإجمالي لكنهما جزء مهم جدًا من الصادرات الخارجية، حيث يمثلان مع المعادن المختلفة أربعة أخماس الصادرات الروسية؛ أي أن النفط والغاز مهمان لموازنة أرصدة روسيا من العملة الصعبة، وهذا يفسر تأثرها الكبير باضطراب أسعار النفط في السنتين الأخيرتين، حيث تسبب انخفاض أسعار النفط في تراجع روسيا من المركز الثالث إلى المركز التاسع في قائمة الدول الأغنى بالاحتياطات النقدية الأجنبية (بعد الصين واليابان والسعودية وسويسرا وتايوان وكوريا الجنوبية والبرازيل والهند)، وتسبب في هبوط قيمة الروبل الروسي بنسبة 43% مقابل الدولار الأمريكي خلال السنة الأخيرة، التي وصل فيها التضخم إلى أعلى مستوياته في ثلاثة عشر عامًا.
يمكننا أيضًا أن نضيف المصالح العسكرية المتمثلة في الدفاع عن القاعدة البحرية التي أنشأتها روسيا في طرطوس عام 1971م، ولكن هذا العامل سوف يتداخل - بشكل أو بآخر - مع العامل الأول، فتلك القاعدة لم تخضع لأي عمليات تجديد ذات شأن طوال أربعة عقود، حتى كان عام 2009م حينما خضعت لتحديث محدود. وفي نهاية عام 2013م بدأت عملية توسعة و***** رئيسية، وذلك على إثر توقيع صفقة التنقيب عن النفط في مياه الساحل السوري، التي منحت روسيا بموجبها حق التنقيب في مساحة تزيد عن ألفي كيلومتر مربع، على أمل استخراج ملياري برميل من النفط وثمانية تريليونات قدم مكعب من الغاز سنويًا، بحسب التفصيل الذي نشرته في حينه مجلة «ذا أويل أند جاز».
في نهاية المطاف تعتقد روسيا أن مصالحها في سوريا لا يمكن ضمانها إلا من خلال استمرار سيطرة الطائفة العلوية على المؤسستين العسكرية والأمنية، وقد صدرت بهذا المعنى تصريحات علنية عن الرئيس الروسي ووزير خارجيته خلال السنة الأخيرة، فأزالت أي شك في تمسك الروس بالطائفة على رأس الحكم في سوريا، بغض النظر عن الأسد نفسه هل يبقى على رأس النظام أو يستبدل به غيره من الطائفة العلوية نفسها.
(3)
إن الأهداف التي ضربتها الغارات الجوية الروسية في سوريا منذ بداية التدخل العسكري الروسي السافر ملفتة للانتباه، فقد شن الروس أولى غاراتهم في الثلاثين من سبتمبر على «كتائب العزة» في حماة، وهي من فصائل الجيش الحر ومن مكونات تحالف «جيش النصر» الذي ينتشر في ريف حماة الشمالي، ويتكون كله من فصائل الجيش الحر. بعد ذلك ثابرت الغارات على استهداف فصائل الجيش الحر في حماة وإدلب وحلب، وقد شملت حتى تاريخ كتابة هذه المقالة الفصائل التالية: صقور الغاب في حماة، الفرقة 101 في حماة، فرسان الحق في حماة، الفرقة 46 في حماة، الفرقة الساحلية الأولى في اللاذقية، الفرقة الساحلية الثانية في اللاذقية، صقور الجبل في حلب، الفرقة الوسطى في إدلب، الفرقة 13 في إدلب، فيلق الشام في إدلب، صقور الشرقية في ريف دمشق.
الملفت للانتباه أن الفصائل السابقة كلها من فصائل الجيش الحر التي تدعمها غرفة التسليح الأمريكية، واستهدفت بعض الغارات أيضًا كتائب تابعةً لحركة أحرار الشام في إدلب وجبهة النصرة في إدلب وحلب، أما داعش فلم توجه إليها أي ضربة ذات شأن. أما المناطق التي استهدفتها الغارات بشكل رئيسي فهي مناطق التماس في ريف حماة الشمالي، بالإضافة إلى ضربات أخرى أقل قوة في جبل الأكراد وريف حلب الجنوبي.

لعل المراقب لتوزيع هذه الضربات والفصائل المستهدفة فيها يلاحظ أنها تعمل على تشكيل «جدار ناري» يحيط بمناطق سيطرة النظام ويمنع تقدم الثوار باتجاهها، بمعنى «تثبيت خطوط التماس بين الفريقين». كما يلاحظ أنها تهدف إلى تحطيم القدرات القتالية لفصائل الجيش الحر التي لا تستطيع طائرات التحالف ضربها، باعتبار أنها تمثل - نظريًّا - «الطرف الصديق»، فلا هي تنتمي لتحالف النظام الذي «تزعم» أمريكا استهدافه، ولا تنتمي كذلك للتنظيمات التي تصنفها أمريكا «إرهابية» وتستبيح ضربها بذريعة محاربة الإرهاب.
هل هو دور تكاملي إذنْ بين أمريكا وروسيا: تضرب إحداهما فصائل الجيش الحر وتضرب الثانية الفصائل الإسلامية؟ ربما، فإن من شأن تحالف من هذا النوع أن يصيب القوى الثورية بأضرار كبيرة، ولعلهم يرجون أن تصل على إثره إلى درجة من الضعف ترغمها على الاستسلام لشروط الحل السياسي المطلوب.
بل ربما كان هذا هو الهدف النهائي من دفع روسيا إلى التدخل المباشر في سوريا. حتى الآن لا نجد أي دليل ينقض هذا الاستنتاج، بل نجد ما يدل على ترحيب غربي ودولي بالتدخل الروسي، ونجد ما يدل على وجود تنسيق في العمليات الجوية بين الطرفين. ومن المعروف بداهةً أن الحركة الجوية في أي سماء لا بد من خضوعها لغرفة عمليات موحدة تفاديًا للحوادث الجوية، فإذا ما طارت في الأجواء طيارات تابعة لأطراف متعددة لا تنسيق بينها فإن مظنة اصطدام تلك الطيارات معًا مرتفعة، بل تكاد تكون متحققة.
(4)
السؤال الأخير الذي ينشأ عن التدخل الروسي المباشر هو عن علاقته بإيران، فهل تم بالتفاهم المسبق بين الطرفين أم أنه جاء رغمًا عن الإيرانيين؟ وهل يمكن أن يكون الأسد هو من طلب تدخل الروس لموازنة النفوذ الإيراني والحد منه كما يشاع؟

التعليل الأخير كتبه «كريستوفر رويتر» في مقالة نشرها في مجلة «دير شبيغل» الألمانية في السادس من أكتوبر الماضي وقال فيها إن التدخل الروسي هو محاولة من الأسد للهروب من الهيمنة الإيرانية التي وصلت لدرجة عزل قائد الحرس الجمهوري، ما جعل الأسد رهينةً للحماية الإيرانية المباشرة. ونقل كاتب المقالة عن دبلوماسي روسي يعمل في السفارة الروسية في دمشق أن الأسد وأركان حكمه خائفون من الإيرانيين ومستاؤون من غطرستهم، ولم يعودوا واثقين من الإيرانيين الذين صاروا يتدخلون في أدق تفاصيل العمليات العسكرية ويتحكمون في القرار السوري.
لا أحد يستطيع الجزم بصحة الخبر الذي نشرته المجلة الألمانية، لكن يمكننا تأكيد وجود درجة عالية من التذمر في أوساط العلويين الذين بدؤوا يضجون من تسلط الشيعة الإيرانيين عليهم والتعامل معهم بفوقية وعجرفة، بالاشتراك مع حلفائهم من «حزب الله» اللبناني الذي يمارس التسلط والتكبر نفسه على عناصر قوات الأسد. كما يمكننا أن نؤكد وجود بعض التعارض بين مصالح الطرفين وصولًا إلى محاولة النظام «التمرد» على الوصاية الإيرانية، وقد ظهر هذا الصراع الخفي جليًّا أثناء مفاوضات الزبداني التي عقدت في تركيا بين الإيرانيين وحركة أحرار الشام، حيث حرص النظام على خرق الهدنة باستمرار، وأحرج الإيرانيين عندما رفض التجاوب مع طلباتهم التي شملت وقف القصف على بعض المناطق وإطلاق أعداد من المعتقلين.
برغم كل ما سبق فإن الواقع الميداني ينفي أي احتمال لإمكانية دخول الروس إلى سوريا دون موافقة ودعم إيرانيين. في نهاية الأمر فإن الإمدادات العسكرية التي يتلقاها النظام من روسيا تمر غالبًا عبر المجال الجوي الإيراني، ثم إن العمليات العسكرية على الأرض تتم بمشاركة الطرفين، وبتكامل واضح بين الأعمال العسكرية الأرضية التي يحمل الإيرانيون مع حليفهم اللبناني العبء الأكبر فيها، والأعمال العسكرية الجوية التي تتحمل روسيا النصيب الأوفر منها منذ نهاية سبتمبر الماضي.
من الصعب تصور التدخل الروسي في سوريا دون التنسيق مع إيران التي صارت - منذ وقت طويل - صاحبة الرأي والأمر والنهي في سوريا، لكن يسعنا أن نتصور شيئًا من التنافس والصراع المحدود على النفوذ بين القوتين، ولعل حادثة مقتل العميد حسين همداني، القيادي في الحرس الثوري الإيراني، تأتي في هذا السياق. ربما تنازعت القوتان الروسية والإيرانية على القيادة، فإيران ستعتبر أنها صاحبة الحق من «منظور كمي»، أي بالنظر إلى حجم مساهمتها في العمليات العسكرية وحجم القوى البشرية التي تخضع لسيطرتها على الأرض، فيما ستعتبر روسيا نفسها صاحبة الحق من «منظور نوعي»، باعتبار أن التدخل الروسي هو المرجح بسبب نوعية الأسلحة والخبرات.

إن التنافس بين الدولتين على القيادة والنفوذ مفهوم في هذا السياق، ولكن يصعب تصور وصوله إلى مستوى التنازع والقطيعة، ومن هنا أميل إلى نفي الخبر الذي نقلته وكالة «آكي» الإيطالية للأنباء بعد بداية التدخل الروسي بوقت قصير عن مصادر دبلوماسية أوربية رفيعة المستوى، حيث قالت تلك المصادر إن روسيا «أخرجت إيران من غرفة عمليات النظام السوري بشكل كامل». ولو كان لهذا الخبر أصل فإنه سيكون غالبًا بهذه الصورة: «رفضت روسيا أن تكون قواتها تحت تصرف غرفة العمليات التي تقودها إيران، وأصرت أن تكون هي الطرف المسؤول عن إدارة تلك الغرفة فيما تبقى الأطراف الثلاثة الأخرى تحت تلك القيادة: النظام وإيران وحزب الله اللبناني».
(5)
أين تتفق إيران مع روسيا وأين تختلف؟ مهما تكن طبيعة العلاقة الآنية بين الطرفين فإن من المحقق أن كلًا منهما سيبقى حريصًا على مصالحه الإستراتيجية في سوريا، وقد رأينا في جزء سابق من هذه المقالة أن المصالح الروسية تبقى محدودة مهما اتسعت، وأن روسيا تحقق مصالحها من خلال استمرار الهيمنة العلوية على الجيش والأمن ومفاصل الدولة السورية، فماذا عن إيران؟
إيران لها وضع مختلف، فإن مصالحها أكبر من ذلك بكثير، ولعل هذا هو السبب في التفاوت الهائل بين الدعم الذي قدمته روسيا للنظام الأسدي خلال السنوات الخمس الأخيرة والدعم الذي قدمته له إيران في الفترة نفسها. إن إيران ما تزال حتى الآن هي صاحبة الثقل الأكبر في سوريا، سواء من حيث الدعم المالي الضخم الذي جعل سوريا مصرفًا رئيسيًّا من مصارف الميزانية العامة لإيران واستهلك مليارات الدولارات خلال سنوات الثورة الخمس، أو من حيث الدعم البشري الهائل الذي عوض النقص الكبير في قدرات الجيش السوري القتالية، بعد خسائر وإصابات وانشقاقات كبيرة أصيب بها جيش الأسد بسبب القتال الطويل.
لقد كانت إيران سخيةً للغاية في دعمها للنظام العلوي الأسدي في سوريا، وسوف تستمر كذلك مهما بلغ العبء لأن مصالحها في سوريا غير محدودة، فهي لا تريد مزايا اقتصادية ولا قواعد عسكرية، إنها تريد أن تصبح سوريا جزءًا من الإمبراطورية الفارسية الجديدة.
عندما بدأت الثورة كان على إيران أن تتحرك على الفور لحماية مشروعها الكبير من الانهيار، وقد فعلت، فخصصت جزءًا من دخلها القومي للصرف على معركتها المفصلية في الشام، وقدمت للنظام كل أنواع الدعم بلا حساب: الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري والمليشياتي والخبراتي، وهكذا صارت إيران هي «العمود الفقري» الذي اعتمد عليه نظام الأسد، وصارت هي العمق الإستراتيجي لهذا النظام المتهالك الذي ما كان له أن يستمر بالحياة لولا هذا الدعم الهائل.
بقي أن نذكر أن إيران لم تبدأ بلعب دورها الخبيث في سوريا مع بداية الثورة، بل سبقتها بسنوات، حيث بدأت بالزحف الصامت على محورين رئيسيين: الأول هو نشر التشيع في أوساط العلويين والسنة على السواء، والثاني هو شراء العقارات والأراضي في دمشق وفي بعض المناطق السورية الأخرى، ويبدو أن الهدف النهائي لإيران كان وما يزال هو السيطرة على سوريا بالكامل وضمها إلى الإمبراطورية الفارسية الآخذة بالتوسع، حيث نجحت في ابتلاع العراق، وسيطرت على لبنان، وتوغلت في اليمن، وأوشكت أن تأكل البحرين، وهي تجهز حاليًا طبخة الكويت على نار هادئة، ولن يبقى بعدها إلا المملكة العربية السعودية، الهدف النهائي الكبير. حماها الله من الغدر والمكر الإيراني، وحمى سوريا وسائر بلدان المسلمين.


---------------------------------
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-14-2016, 08:50 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الدور التركي في سوريا ومنعطف الإجرام الروسي

الدور التركي في سوريا ومنعطف الإجرام الروسي
ــــــــــــــــــــــــــ

(ياسر غسان النجار)
ــــــــــ

5 / 5 / 1437 هــ
14 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ



قبل نحو خمسة أعوام ومع بدايات تفجر الثورة السورية حرصت تركيا منذ البداية على التواصل مع النظام لإقناعه بضرورة التعامل مع الثورة بطريقة إيجابية، وكان ذلك عبر زيارة وزير خارجيتها آنذاك رئيس الحكومة الحالي السيد داود أوغلو، حيث التقى بشار الأسد في أغسطس 2011م.
قدم أوغلو النصائح لبشار لامتصاص النقمة الشعبية وتلبية مطالب المتظاهرين والتحول عبر آليات ديمقراطية وبشكل تدريجي، ولكن النظام أدرك حينها أن أي إصلاح يقتضي بالضرورة انهيار منظومة الحكم والبدء بالعد العكسي لانهيار دكتاتورية استمرت أربعين عامًا وقامت على سياسة الإفساد وضمنت الحفاظ على استمرار الحكم الدكتاتوري من خلال ضمان مصالح بعض الأقليات بجوار الأسرة الفاسدة التي تدير البلاد.
وعلى إثر تمادي النظام في المجازر جنوبًا في درعا، ثم التوسع على المساحة الجغرافية في سوريا؛ كان على الحكومة التركية الاعتراف باستحالة عودة الأمور إلى ما كانت عليه، وعدم قدرة النظام على إصلاح بنيته؛ الأمر الذي جعل أنقرة تتخذ قرارها بالوقوف بشكل مباشر لدعم الثورة واحتواء كوادرها على كافة المستويات، بدايةً من المعارضة السياسية والعسكرية التي اتخذت من تركيا مكانًا آمنًا تتواجد فيه بعيدًا عن غدر النظام ويده الطولى آنذاك.
تركيا ودعم المعارضة
أخذ الدعم التركي في نهاية الأمر شكلًا انعكس بشكل إيجابي على الثورة من خلال فتح المجال للقاءات المعارضة بكافة أطيافها وتوجهاتها، وصولًا إلى فتح مخيمات اللاجئين وتقديم المساعدات اللازمة لهم بدون أي مناصرة من المنظمات الدولية، وكان المجلس الوطني ابتداءً ممثلًا للمعارضة السورية ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة كلاهما كان مقره في إسطنبول، وبعد أن تشكلت الحكومة السورية المؤقتة وهي الذراع التنفيذية للائتلاف سهلت له الحكومة التركية فتح مكاتب لوزارته في جنوب تركيا بالقرب من الحدود السورية في مدينة «غازي عنتاب».
بدأت المعارضة السورية تنظم أمرها منذ بداية الثورة وبشكل متصاعد على مستوى كسب التأييد الدولي للثورة السورية، وتجلى ذلك عندما استطاعت أن تحاصر النظام السوري سياسيًّا على أكثر من صعيد، فعلى صعيد الجامعة العربية تم تعليق مشاركة النظام كممثل لسوريا في الجامعة العربية وسحبت شرعيته وعلى المستوى العالمي، تجلى ذلك بتشكيل ما يعرف بدول أصدقاء الشعب السوري واعترافهم بالائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، حيث بلغ عدد الدول المعترفة به 114 دولة حاصرت النظام السوري سياسيًا وسحبت أي اعتراف به.
وعلى الصعيد الإنساني، كانت المسؤوليات كبيرة وأشدها وقعًا كان على دول الجوار، التي فتحت أبوابها لاستقبال اللاجئين السوريين، ووصل الأمر إلى أعداد كبيرة مسجلة من خلال منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد تجاوز العدد أربعة ملايين لاجئ، وكانت الحصة الأكبر من نصيب تركيا.
احتواء المعارضة المسلحة
أما من الناحية العسكرية فقد تقلصت المساحة التي يسيطر عليها النظام لتصل إلى أقل من الخمس مقابل أربعة أخماس خارجة عن سيطرته، ولم يعد للنظام أية سيطرة على المنافذ الحدودية فيما عدا لبنان، نحن إذن نتكلم عن نظام محاصر ومقطوع عن العالم الخارجي فيما عدا الاتصال عبر الجو أو من خلال البحر.
وهنا تجلى الدعم التركي حيث كان لتركيا دور مهم بسبب البعد الجغرافي، حيث تم تشكيل غرفة الدعم العسكري ما يعرف بـ«الموم»، والتي تشكلت من خلال دول «الكور» (تركيا - السعودية - قطر - أميركا - فرنسا) التي قررت مواجهة مجازر بشار بتقديم ذخيرة الأسلحة الفردية والسلاح الخفيف، فقد كانت إستراتيجية تلك الدول تمكين الثوار بحيث يستطيعون حماية أنفسهم ولم يكن القرار إيجاد دعم عسكري نوعي يسهم في قلب معادلة القوة على الأرض، ولكن ومع ذلك كان الثوار ومن خلال إمكانياتهم البسيطة يتقدمون على الأرض وبسبب الانشقاقات في صفوف الجيش؛ الأمر الذي ساهم في بناء تشكيلات مسلحة حرصت تركيا أن تتعامل معها من خلال تشكيلات تجمعهم في البداية، فكانت قيادة المنطقة الشمالية وصولًا إلى تشكيلات ما يسمى بغرف عمليات لمعارك بعينها، وقد استطاعت تركيا معرفة وفهم تلك التنظيمات في المناطق الشمالية بشكل كبير، ما سمح لها في الفترة الأخيرة التأثير بشكل إيجابي في تخفيف الخلافات البينية ونصحهم بتشكيل قيادات مشتركة.
تركيا والأزمات الداخلية
كانت تركيا تحرص على مراقبة الأجواء المجاورة لحدودها الجنوبية، وخصوصًا عندما بدأت الفصائل الكردية من قوات YPG – PYD تنشط في المناطق الشمالية السورية على الحدود التركية وتعرف تركيا مدى ارتباط هذه التنظيمات بفصيل PKK الذي كان يقوم بعمليات تمرد سابقًا قبل اتفاقية السلام بين التنظيم والحكومة التركية، حيث تم تحقيق مطالبه المتعلقة بالخصوصية الثقافية للأكراد وخصوصية اللغة، ولكن الحكومة التركية كانت دائمًا تخشى ضرب هذه الاتفاقية من خلال عبث أطراف خارجية تستطيع أن تجر التنظيم من جديد لحالة الصدام مع الحكومة التركية.
الموقف التركي من التدخل العسكري الروسي
شعر الروس بالخطر من سقوط الأسد بعد هزائمه المتتالية على مختلف الجبهات وفي مقدمها دمشق وحلب وإدلب، وقد فشلت إيران وحزب الله أيضًا في التصدي للمقاومة، فقرر الروس إنقاذ الحليف القديم والنزول إلى الميدان بقوات جوية مكثفة بالترافق مع وحدات برية خاصة.
وقد أزعجت تلك التحركات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأخرجته عن صمته، فكان أول رد فعل له أن أدلى بتصريحات أكد فيها أن موسكو ترتكب خطأ جسيمًا بتدخلها في سوريا لدعم نظام الأسد متهمًا الأخير بقتل 350 ألف سوري وممارسة إرهاب الدولة، مستنكرًا استهدف سلاح الجو الروسي فصائل المعارضة السورية المناهضة للأسد ولتنظيم داعش.
كما تساءل أردوغان في مقابلة مع «الجزيرة» عن سر اهتمام روسيا بسوريا، في الوقت الذي تتحمل فيه تركيا ودول أخرى العبء الأكبر من تداعيات الأزمة السورية، لاسيما في ما يتعلق باللاجئين، بينما تقوم موسكو بتأجيج نار الحرب بعد أن كادت تضع أوزارها بهزيمة النظام وداعميه القريبين.
وترى أنقرة أن التدخل الروسي في مؤداه إدخال لاعبين جدد، ما سيسهم في إطالة أمد الصراع في المنطقة عمومًا واستنزاف الموارد والثروات، وهي تتوقع أن ينعكس ذلك على الدولة السورية من خلال أسوأ السيناريوهات وعلى رأسها تقسيم الأراضي السورية واستبعاد الحل السياسي.
كما أن التصعيد الروسي وتغير المواقف الدولية سيزيد من تعقيد القضية السورية ويحولها إلى ساحة صراع دولي تقوده القوى العظمى والقوى الإقليمية دفاعًا عن مصالحها حتى ولو كان ذلك على حساب معاناة السوريين الذين بدأت تمتلئ بهم دول الاتحاد الأوربي.
البعد الديني في التدخل الروسي
وظفت موسكو الكنيسة الأرثوذكسية لمنح غطاء ديني لقتل السوريين، حيث نقلت وكالة «إنترفاكس» عن «فسيفولود تشابلن» رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أن «القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأنشط في العالم التي تقاتله».
كل ذلك له مدلول تاريخي، فباستحضار السياق التاريخي بين الدولة العثمانية والقيصرية الروسية نجد أن الصراع الحالي له خلفية دينية، وتوصيفه على أنه حرب مقدسة لا شك له اعتبارات لدى الدولة التركية.
ونجمل فيما يلي الآثار المتوقعة لذلك التدخل:
- تفاقم أزمة اللجوء.
- التمهيد لتقسيم سوريا.
- بداية تبلور طرفي صراع دولي حول القضية السورية.
- تغييب الحل السياسي باعتماد الحل العسكري.
- إعادة إنتاج أدوات الصراع الديني في الخطاب السياسي.
- الاصطفاف الدولي لدعم إرهاب الأسد سيؤدي إلى توحيد مواقف المعارضة.
- تحويل سوريا إلى ساحة جاذبة لعناصر الصراع الديني من جميع دول العالم.
تركيا ومعركة المشروع الكردي (كوباني)
كانت معركة عين العرب (كوباني) هي مؤشر الخطر الذي وجدته الحكومة التركية للتنبه من عودة التنظيم عن اتفاقاته وبداية التفكير من جديد بحلم الانفصال والذي غيب لفترة نتيجة لاتفاق السلام مع الحكومة التركية.
شاركت قوات التحالف بقيادة أمريكا بدعم القوات الكردية على الأرض بعد أن تم رفع اسم التنظيم PKK من قوائم الإرهاب.
بدأ التنظيم يتحضر لضرب اتفاقية السلام برغم ما حققته له من مطالب كان آخرها مشاركته عبر حزب سياسي HDP في الانتخابات وحصوله على عدد أصوات يسمح له بالمشاركة في البرلمان للمرة الأولى، لكن هذا الحزب وبسبب ارتباطاته بدول تستطيع أن تضغط من خلاله على الواقع الداخلي في تركيا وتتسبب بضغط على الحكومة فقد كان ذلك.
لقد أريد لتركيا أن تنشغل عن التطورات التي تحصل في المنطقة وخصوصًا بعد الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي، وذلك من خلال مشاكل وقلاقل داخلية تتسبب في استحالة تشكيل الحكومة بشكل مستقر كما كان سابقًا، وفتح الباب من جديد على الصراع الكردي مع الدولة التركية من جديد من خلال جر تنظيم PKK إلى صراع عسكري يصادر فيه التنظيم القرار السياسي للشارع الكردي، ويقوم بفرض الأمر الواقع من خلال إشعال إقليم جنوب شرق تركيا تلبية لإملاءات ومصالح بعض الدول أهمها إيران؛ لإشغال تركيا بمشاكل داخلية تحجبها عن محيطها خارج الحدود وخصوصًا سوريا التي أريد إضعاف معارضتها السياسية والضغط عليها من أجل القبول بأي حل يقدم لها، وذلك عبر الانفراد بالمعارضة بعد إشغال الدول التي تناصر الثورة بمشاكل داخلية تشغلهم عن الملف السوري حيث كانت إيران تعبث في اللحظة نفسها في اليمن على الحدود الجنوبية للملكة العربية السعودية، ويكون بذلك قد تم إشغال أكبر دولتين تدعمان الثورة السورية وهما السعودية وتركيا.
محاولات تفجير أزمات داخلية في تركيا والسعودية
بعد كل ما سبق من أدوار إيجابية للدولة التركية إزاء شعب سوريا لم ينصت «المجتمع الدولي» إلى أنقرة في إيجاد «المناطق الآمنة»، والتي رأت فيها حلًا لقضية اللاجئين وتمكين المعارضة السورية من الدخول إلى الأراضي المحررة.
لقد سعت تركيا إلى إقناع الغرب وأمريكا بنجاعة هذا الحل في إقامة منطقة تسهم في إيواء اللاجئين وتوفر حاضنة مجتمعية للمعارضة من خلال إنجاح مؤسساتها وإفساح المجال للمجتمع المدني والهيئات الإغاثية بمباشرة دورها في منطقة تأمن فيها استمرار عملها وبشكل دائم ومستقر.
لكن هذا الأمر لم يرق لحلفاء الأسد وبحجة أن الأمر يحتاج إلى قرار من الأمم المتحدة! في حين أن روسيا اقتحمت المنطقة بقوات جوية وبرية، والولايات المتحدة شكلت من قبل حلفًا لمحاربة ما يسمونه الإرهاب، كل ذلك لم يخرج بقرارات أممية.
ونجحت الأصابع الخفية في محاولة إلهاء تركيا والسعودية عن دورهما المساند للشعب السوري، فتم إشغال تركيا بقلاقل داخلية من خلال تحريك حزب العمال الكردستاني PKK وأثر ذلك على الاقتصاد التركي والانتخابات وقضية تشكيل حكومة جديدة، وانشغلت الدولة التركية عما يحدث من مؤامرات في إطار الحل السياسي للقضية السورية، وكذلك السعودية من خلال تحريك عملاء إيران من الحوثيين وخلق قلاقل للمملكة على حدودها الجنوبية، ليتم تنفيذ مؤامرة الأسد في تهجير المواطن السوري وتحويله إلى لاجئ.
أما إيران فلن تكتفي في إشغال المنطقة بنزاعات من خلال أماكن محدودة وإنما هي حريصة كذلك على تحقيق مشروعها الذي لم يعد خافيًا على أحد، وإن تُرك المجال لها بالعبث في سوريا بالتآمر مع الشرق والغرب فسيفتح لها المجال للانتقال إلى مكان آخر من جديد إذا كتب لها النجاح لا قدر الله في سوريا.

-----------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المسدود, السمية, حملة

« الصيد في الماء العكر | بوتين يواصل قطع الكوبونات »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأمل الرائع أمام الطريق المسدود صابرة الملتقى العام 0 08-08-2015 03:52 PM
الصليب الأحمر نحن لا نقبل دماء المسلمين عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 03-01-2014 08:33 AM
تشويه جدران مسجد برسم الصليب المعقوف عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 07-03-2013 09:55 AM
اعتصام أمام مقر «الصليب الأحمر» برام الله تضامنا مع الأسرى يقيني بالله يقيني أخبار عربية وعالمية 0 07-25-2012 03:22 AM
الحمل المزدوج في نظام اللغة العربية : التناوب والتضمين مثالا Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 07-01-2012 12:58 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:46 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68