تذكرني !

 





مقالات وتحليلات مختارة مقالات ..تقارير صحفية .. تحليلات وآراء ، مقابلات صحفية منقولة من مختلف المصادر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 02-15-2016, 08:36 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة وصايا بطرس الأكبر ودورها في بقاء روسيا

وصايا بطرس الأكبر ودورها في بقاء روسيا
ـــــــــــــــــــــــ

(محمد الأمين مقراوي الوغليسي)
ــــــــــــــــ

6 / 5 / 1437 هـ
15 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ






هي وصايا شهيرة ومهمة، يقف القارئ من خلالها على الإستراتيجية الروسية القائمة على استدامة الحرب، من أجل إضعاف الدول المحيطة بها. وضعها بطرس العظيم، وهو خامس قياصرة روسيا، وأعظم من حكموها عبر كل تاريخها، ولد سنة 1672م، وتسلم الحكم سنة 1696م، وحكم روسيا حوالي 30 سنة. عرف عنه الذكاء الشديد، والقسوة وروح الانتقام، ويحسب له أنه أول من حول روسيا من القيصرية إلى الإمبراطورية، وقد شن حروبًا كثيرة، كما قاد زيارات إلى أوربا لتحريضها ضد الخلافة العثمانية، التي شن حروبًا متواصلة ضدها لإسقاطها، كما أجرى إصلاحات كثيرة ومصيرية في نظام الحكم جعلت روسيا تستمر إلى اليوم ولم تتفكك برغم ضمها عرقيات كثيرة ومتناقضة.
وقد تم تحقيق أغلب الوصايا التي أوصى بها حتى إن السياسة الروسية لم تحد عن هذه الوصايا إلى اليوم، وما الأحداث الأخيرة التي وقعت خلال العقود الثلاثة إلا دليل ظاهر على ذلك، فعلى سبيل المثال: هاجم الأرمن أذربيجان بتحريض من الروس، واحتلوا «ناغورني قره باخ»، وفي جورجيا احتلوا أوسيتيا الجنوبية، ولم توقع روسيا حتى الآن على إنهاء الحرب العالمية الثانية مع اليابان بسبب احتلالها لجزر الكوريل، كما احتلت شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا العام الماضي، وكذلك تهديدها لدول البلطيق واختراق أجوائها وحدودها، واختراق مياه السويد، وتهديد فنلندا، وإثارة النزاعات في أوربا، والهجوم على سوريا، واعتماد إستراتيجية الدبلوماسية العسكرية، وتصريح الكنيسة الروسية أن روسيا يجب أن تكون روما الثالثة ومحج المسيحيين بالعالم.
كل ذلك أمثلة تجد مستندها في وصايا بطرس الأكبر أو بيتر العظيم، الذي يفتخر الروس به ويقدسون وصاياه.
فما هي وصاياه التي حض حكام روسيا على انتهاجها لاستمرار روسيا كقوة عظيمة؟ وهل يمكن قراءة الروس من خلالها؟

المادة الأولى:
-------

من الضروري أن تعتاد العساكر على الحرب والقتال دائمًا، وينبغي على الأمة الروسية أن تكون على أهبة الاستعداد في حالة الحرب لكي تكون يقظة، وترك وقت لراحة العساكر من أجل إصلاح الشؤون المالية، مع تنظيم العساكر باستمرار لتحين الوقت المناسب للهجوم، وعلى هذه الصورة ينبغي على روسيا أن تستفيد من وقت الصلح والأمان في زيادة مؤنها وتوسيع مجال منافعها فتتخذ من الصلح وسيلة للحرب.

المادة الثانية:
---------

ينبغي اتخاذ جميع الوسائل الممكنة في وقت الحرب كالاستعانة بضباط الجنود من بين الملل والأقوام الذين هم أكثر تقدمًا في أوربا، كما ينبغي تنفيذ ذلك على سائر الممالك لتحسين الأوضاع بها.

المادة الثالثة:
-----------

ينبغي التدخل في مجريات الأمور والأوضاع في أوربا كلما لاحت الفرصة، كما ينبغي التدخل في الخلافات والمنازعات الجارية بها، وخاصة ما يجري في ألمانيا القريبة منا للاستفادة من ذلك مباشرة.

المادة الرابعة:
------------

ينبغي استعمال الرشوة لإلقاء الفتنة والفساد وإثارة الاضطرابات الداخلية في بولونيا، واستمالة أعيانها عن طريق تقديم الأموال لهم، والعمل على السيطرة على مجلس الحكومة، حتى يمكن التدخل في انتخاب الملك وبعد حصول من هو من أنصار روسيا على الملك ينبغي دخول عساكر روسيا إلى بولونيا بحجة حمايتها، مع الاهتمام بإقامة العساكر هناك فترة طويلة. وإذا حدث تنافس من دولة مجاورة، فالواجب يقتضي تقسيم النفوذ حرصًا على إخماد نار الفتن والقلاقل مؤقتًا، وتحين الفرصة لاسترجاع النفوذ لروسيا كاملًا.

المادة الخامسة:
------------

ينبغي الاستيلاء على بعض مناطق السويد بقدر الإمكان، ثم نسعى بعد ذلك لاغتنام الفرصة للاستيلاء على الباقي. ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق استفزاز السويد لمهاجمة روسيا. وعلينا أن نزرع بذور الفتنة والفساد والخلاف بين السويد والدنمارك على الدوام لتحقيق الفرقة بينهما.

المادة السادسة:
-------------

يجب على أسرة الإمبراطورية الروسية أن يتزوج أفرادها من بنات العائلة الملكية الألمانية لتقوية الروابط مع ألمانيا، تمهيدًا لزيادة النفوذ فيها واستغلال ذلك لمصلحة روسيا.

المادة السابعة:
-----------

تعتبر إنجلترا أكثر الدول احتياجًا إلينا في الأمور البحرية، ولهذه الدولة أيضًا نفع كبير في زيادة قوتنا البحرية، ومن الضروري الاتفاق معها في أمور التجارة وتفضيلها في ذلك على سائر الدول، وبيع إنتاج بلادنا من الأخشاب وسائر الأشياء إلى إنجلترا، وشراء الذهب منها، وينبغي تقوية الروابط التجارية بين البلدين لترويج التجارة والملاحة البحرية في بلادنا.

المادة الثامنة:
-----------

على الروس أن ينتشروا شمالًا على سواحل بحر البلطيق وجنوبًا على سواحل البحر الأسود يومًا فيومًا.

المادة التاسعة:
-----------

ينبغي الاقتراب بقدر الإمكان من إستانبول والهند، ولأن من يحكم إستانبول يستطيع أن يحكم العالم بأسره، فلذلك ينبغي إعلان الحرب باستمرار على الدولة العثمانية تارة وعلى بلاد فارس تارة أخرى، ومن الضروري السيطرة على البحر الأسود شيئًا فشيئًا، لإنشاء دار للصناعات البحرية عليه، والاستيلاء على البلطيق أيضًا لأنه من ألزم الضروريات للوصول إلى المقصود. وينبغي العمل بسرعة على إضعاف إيران بل إزالتها من الوجود لكي يسهل علينا الوصول إلى خليج البصرة، ومن الممكن إعادة تجارة الممالك الشرقية القديمة إلى بلاد الشام للوصول إلى بلاد الهند التي تعد بمثابة مخزن للعالم وبهذا نستغني عن ذهب إنجلترا.

المادة العاشرة:
------------

ينبغي العمل على عقد اتفاقيات صداقة واتحاد مع النمسا، وتشجيعها على التدخل في ألمانيا وعلى زيادة نفوذها فيها في الظاهر، أما في الباطن فيقتضي الأمر منا أن نزرع بذور الشك والعداوة بين النمسا وألمانيا، لدفع كل منهما لطلب العون والمدد من روسيا حتى يمكن التغلب عليهما في المستقبل.

المادة الحادية عشرة:
--------------

ينبغي تحريض العائلة المالكة في النمسا على طرد الأتراك من الروملي [الأراضي العثمانية في أوربا]، وعندما نستولي على إستانبول علينا أن نسلط دول أوربا القديمة على دولة النمسا لمحاربتها، أو نعمل على تسكين حقدها وحسدها لنا بإعطائها جزءًا صغيرًا مما نكون قد استولينا عليه، ثم نسعى بعد ذلك لنزع ما أعطيناه لها.

المادة الثانية عشرة:
-------------

ينبغي أن نستميل جميع المسيحيين الذين هم من مذهب الروم (الكاثوليك) المنكرين رياسة البابا الروحية والمنتشرين في بلاد المجر والممالك العثمانية وفي جنوب بولونيا، ونجعلهم يتخذون من روسيا مرجعًا لهم وملاذًا، ونقيم لهم في بلادنا رياسة مذهبية تجمعهم حتى نتمكن من توطيد نفوذنا وسيطرتنا على أعدائنا.

المادة الثالثة عشرة:
--------------

حينما يصبح السويديون مشتتين والإيرانيون مغلوبين والبولونيون محكومين والممالك العثمانية مستولى عليها أيضًا، نجمع عساكرنا ومعسكراتنا في مكان واحد مع المحافظة على البحر الأسود وبحر البلطيق عن طريق قواتنا البحرية، ثم نتباحث مع فرنسا في كيفية اقتسام دول العالم فيما بيننا وكذلك نتباحث مع النمسا في الموضوع نفسه على حدة سرًّا. والدولة التي تقبل شروطنا منهما نساعدها على التنكيل بالأخرى. وحينئذ تستولي روسيا على جميع الممالك الشرقية وتكون أعظم دول أوربا تحت سيطرتها، وبهذا يسهل عليها أن تقهر الدولة التي تبقى في الميدان منهما [أي فرنسا والنمسا].

المادة الرابعة عشرة:
------------

على فرص أن كلا الدولتين المشار إليهما لم تقبلا بما عرضته عليهما روسيا، فينبغي على روسيا أن تراقب الموقف حتى يحدث نزاع بين الدولتين، وفي هذه الحالة تنتهز روسيا الفرصة، وتهاجم النمسا بجنود كثيرة، ثم تهجم السفن الروسية على سواحل فرنسا، في الوقت الذي تكون فيه النمسا مشغولة بأحوالها، وبهذا يمكن التغلب على القوتين الموجودتين في أوربا [فرنسا والنمسا]، أما ما يتبقى من الدول الأوربية فإنه يدخل طواعية تحت نفوذ روسيا وبهذا تتم السيطرة على أوربا.


---------------------------------
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-15-2016, 08:45 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة روسيا والمسلمون: حملات الإبادة وملف المجازر

روسيا والمسلمون: حملات الإبادة وملف المجازر
ــــــــــــــــــــــــ

(شعبان عبد الرحمن)
ـــــــــــ

6 / 5 / 14437 هــ
15 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ






لن ينسى العالم صورة بطريرك الأرثوذكس الروسي وهو يبارك أول فوج من القوات الروسية المتوجهة إلي سوريا ليعلن للعالم أنها حرب روسية صليبية بامتياز.
ما تقوم به روسيا اليوم في سوريا ليس غريبًا علي من يتابع جرائمها منذ القرن الثامن عشر مع الإسلام والمسلمين، فهو تاريخ مليء بالحروب وحملات الإبادة.
في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي برزت على الساحة الدولية الإمبراطورية القيصرية الروسية في الوقت نفسه الذي برزت فيه الإمبراطورية العثمانية، ولم ينتصف القرن الرابع عشر الميلادي حتى بات العثمانيون والقياصرة يخوضان صراعًا مريرًا لصياغة تاريخ المنطقة.
في القرن الثامن عشر الميلادي خاض المسلمون جهادًا مريرًا ضد الإمبراطورية القيصرية لكنها تغلبت عليهم وشنت حملات إبادة غير مسبوقة، ثم فرضت عليهم التنصير القسري واللغة السلافية بدلًا من اللغات العربية والتركية والفارسية.
الهزيمة التي منيت بها الإمبراطورية القيصرية على يد اليابانيين مثلت ضربة قاصمة مهدت الطريق لسقوط الإمبراطورية القيصرية، وشارك المسلمون بثورة جديدة لإسقاطها، لكن الثورة الشيوعية عام 1917م قطفت كل الثمار وواصلت حملات الإبادة ضد المسلمين.
برغم مساعدة المسلمين لها احتلت الثورة البلشفية عبر الاتحاد السوفيتي ست جمهوريات إسلامية وشنت حروبًا لا هوادة فيها ضد المسلمين ودينهم.
الشيخ عبدالله نوري - رحمه الله - أحد قادة الصحوة الإسلامية في أوزبكستان: لم نيأس وواصلنا تعليم الأجيال الإسلام في المدارس السرية.
د. «دونا آرتز» أستاذة القانون بجامعة «إيمورى أتلانتا»: لقد تعرض المسلمون في روسيا دومًا لمحاولات ترويسهم ونزع هويتهم.
تعرض الشعب الشيشاني لأكثر من حملة إبادة مات خلالها نصفه، أما المقاتلون منه فقد جُمعوا في إسطبلات الخيول وسكب عليهم النفط وأُحرقوا أحياء.
الكاتب الروسي «ألكسندر سولجينتسين»: كانت هناك أمة لم تستسلم أبدًا، لم تتطبع مع الحياة العقلية للاستسلام، ولم تكن جماعة من المتمردين، بل كانت أمة بأكملها، وأنا أشير هنا إلى الشيشانيين.
قيام دولة إسلامية مستقلة في تلك المنطقة ذات الموقع الإستراتيجي والمليئة بالثروات يهدد مشاريع الغرب فيها، وإذا سُمح بقيام دولة مستقلة في الشيشان فإن مسلسل قيام الدول المستقلة في القوقاز يهدد روسيا، ويقطع الطريق على التمدد الغربي هناك، ويشكل قوة داعمة ومساندة للمسلمين في المنطقة كلها.
تدعم الصين من بعيد هذا التحالف ضد الإسلام والصحوة الإسلامية خوفًا من تلاحم الصحوة الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي القديم مع صحوة المسلمين في سينكيانج (تركستان الشرقية).
في عام 1991م بدأ الأمريكيون يتحدثون لأول مرة بصراحة عن أن القوقاز منطقة مصالح لهم.
فجأة وجدنا الجيش الروسي يقود حرب الإبادة ضد الشعب السوري المسلم (95% سنة) جنبًا إلي جنب مع قوات بشار الأسد والقوات الإيرانية ومليشيات حزب الله، وقد اختفت من سماء سوريا طائرات البراميل التابعة للنظام المجرم لتحل محلها الطائرات الروسية المقاتلة لتكمل دمار ما بقي من سوريا وتواصل تشريد وقتل من تبقى من شعبها بصورة يتفجر منها الحقد الأعمى. ولن ينس العالم صورة بطريرك الأرثوذكس الروسي وهو يبارك أول فوج من القوات الروسية المتوجهة إلي سوريا ليعلن للعالم أنها حرب روسية صليبية بامتياز علي شعب مسلم كل جريمته أنه قام ليطالب بحقه في الحياة.
ولم يكن الأمر غريبًا علي من تابع تاريخ روسيا منذ قرون مع الإسلام والمسلمين، فهو تاريخ غارق في دماء المسلمين، وملف متخم بالمجازر وحملات الإبادة والاستيلاء علي أراضيهم منذ القياصرة مرورًا بالشيوعية، وحتي اليوم ما زالت روسيا تشن حروبها ضد المسلمين في داخلها وعلي الأراضي التي تستولي عليها. هكذا فعلت مع مسلمي القرم ودول القوقاز وأبرزها الشيشان. ولم تتوقف في حربها علي الإسلام والمسلمين داخل حدودها بل علي حدودها القريبة في الجمهوريات الإسلامية الست بآسيا الوسطي: «أذربيجان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، كازاخستان، قرغيزستان» التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، بل وعلى حدودها البعيدة في منطقتنا العربية بهدف القضاء على الصحوة الإسلامية ووقف تمددها، وهذا ما حدث في مصر عبدالناصر وسوريا حافظ الأسد عندما كانت تلك الدول ضمن المعسكر الشيوعي أيام الاتحاد السوفييتي، واليوم تواصل جريمتها ضد الشعب المسلم في سوريا.
ولم تمانع روسيا من التعاون وعقد التحالفات مع القوي الاستعمارية حديثًا وقديمًا ضد الإسلام والمسلمين، حتي ولو كان بينها وبين تلك القوي صراعات، ومثال ذلك التحالف الروسي مع الصين ضد المسلمين والصحوة الإسلامية في آسيا الوسطي.. إنه ملف أسود وغارق في دماء المسلمين.
قصة وصول الإسلام إلى روسيا
تتباين الآراء التي تحدد تاريخ وصول الإسلام لروسيا وتؤكد إحدى الروايات أن المسلمين وصلوا إلى هذه البلاد في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 22هـ/ 642م، ففتحوا أذربيجان على يد القائد سراقة بن عمرو، ووصلوا إلى مدينة «دربند» على ساحل بحر قزوين في عمق المنطقة القوقازية، ودخل في الإسلام جميع سكان بلاد «شروان» وجزء من داغستان، وتعتبر قبائل «القوموق» أول من دخل الإسلام وبذلوا الكثير لنشره.
في القرن الثالث عشر الميلادي (القرن السابع الهجري) أصبح المسلمون أصحاب مملكة كبيرة في أواسط آسيا والقوقاز والفولجا أطلق عليها تاريخيًّا مملكة المغول أو التتار، وفي مطلع القرن الرابع عشر الميلادي برزت على الساحة الدولية، الإمبراطورية القيصرية الروسية التي انطلقت من دوقية موسكو في الوقت نفسه الذي برزت فيه الإمبراطورية العثمانية، ولم ينتصف القرن الرابع عشر الميلادي حتى بات العثمانيون والقياصرة يخوضان صراعًا مريرًا لصياغة تاريخ المنطقة.
وفي الوقت الذي بدأت فيه مملكة المغول الإسلامية في الانهيار أخذت الإمبراطورية القيصرية الناشئة تملأ الفراغ الناشئ عن ذلك، لكن الإمبراطورية العثمانية التي كانت فتية في ذلك الوقت نشطت في نشر الدعوة الإسلامية في ممكلة المغول كنوع من التحصين الديني وتحفيز المسلمين فيها على الجهاد ضد الغزاة القياصرة، وبالفعل انتفض المسلمون في أكثر من ثورة ضدهم:
ففي عامي (1705-1706م) ثارت «أستراخان» ضد القيصر «بطرس الأول» الذي قمع ثورتها بشدة وارتكب مذبحة بشعة بحق المسلمين التتار.
وفي الأعوام (1705-1711م) ثار المسلمون في «بشكيريا» إلا أنه - وإن نجحت ثورتهم في بداياتها وطردت الجيش الروسي مؤقتًا - عاد الجيش القيصري (الروسي) وقمعها بشدة.
وفي الفترة (17٥٥-17٣٨م) في عهد الإمبراطورة «تسارينا آنا» دمر الروس (القياصرة) في قازان وحدها 481 مسجدًا ومركزًا دينيًّا من أصل 536 مسجدًا، وشن القياصرة حملات اضطهاد ضد المسلمين التتار في القوقاز وسيبيريا. ويشبه المؤرخون تلك الفترة بفترة التطهير العرقي والديني التي شنها «جوزيف ستالين» في العهد الشيوعي ضد المسلمين.
وقد تنوعت أساليب القهر القيصري ضد المسلمين من إبادة وقمع وتهجير، ثم فرضوا عليهم التنصير القسري. وحظر القانون القيصري اعتناق أي دين غير المسيحية الأرثوذكسية، وتم إحلال اللغة السلافية مكان اللغات العربية والتركية والفارسية التي كانت سائدة هناك في ذلك الوقت، فضلًا عن الإهمال المتعمد للمدن والحواضر الإسلامية حتي تتحول إلي خرائب.
في عهد الإمبراطورة «كاترين الثانية» شنت موسكو (الجيش الروسي القيصري) هجومًا على مناطق القوقاز والقرم بغية احتلالها واشتبكت مع العثمانيين في حروب طاحنة خلال أعوام (1768-1774م) وكان من نتائجها إرغام السلطنة العثمانية على الاعتراف باستقلال مملكة القرم المسلمة عنها.
في العام (1782م) سقطت آخر معاقل المقاومة في القوقاز، واستشهد «الخان شاهين جيراي» لينتهي آخر الخانات (المعاقل أو الإمارات) التتارية.
ثم أكمل القيصر «نيقولا الأول» الحملات العسكرية فهاجم أذربيجان وأخضع داغستان وأجزاء كبيرة من أرمينيا للحكم القيصري المباشر.
في العام ١٨٣٤م اندلعت ثورة الشيخ شامل النقشبندية - وهو من أعظم علماء المسلمين المجاهدين - بدعم سياسي وديني من العثمانيين والتفت حوله قبائل الشراكسة والشيشان، وكل علماء القوقاز والتركستان، وقاد حرب استنزاف في شعاب المنطقة ووديانها وجبالها استمرت ثلاثين عامًا ولم تنته إلا عام ١٨٥٩م حينما انفضت القبائل عن الشيخ المجاهد فوقع في الأسر ومات في السجن.
وبينما توقفت الثورة شن القياصرة حملة وحشية للقضاء على جذور المقاومة وتم التركيز علي الشيشان (موطن الشيخ شامل) حيث يتميز شعبها بقوة العزيمة والشكيمة والإصرار علي المقاومة وكثفوا حملات التنصير بل وفرضوه بالقوة على الناس في الوقت الذي جرت فيه عمليات تخريب كاملة للاقتصاد بتدمير الغابات والزراعات، وفتح القياصرة الباب لهجرة الشيشانيين من بلادهم، تخلصًا منهم فتوجهوا إلى عدد من الدول العربية.
واتجه القياصرة للتركيز في حملاتهم علي منطقة القوقاز بأكملها واستغلت خلال ذلك الصراع صلاتها العرقية (السلافية) والمذهبية (الأرثوذكسية) مع شعوب المنطقة من نفس العرق والمذهب لكسب تأييدهم خلال حروبها ضد المسلمين، وحدث تجاوب معها مما زاد من قوة شوكتها وساعدها على ترسيخ إمبراطوريتها، ومنذ ذلك العهد (القرن التاسع عشر) وهناك تحالف قوي بين القوى الكبرى للحيلولة دون عودة السيادة للمسلمين على أرضهم، وما زال هذا الإصرار ساريًا بين القوى الكبرى جميعًا حتى اليوم.
الثورة البلشفية
لكن الهزيمة التي منيت بها الإمبراطورية القيصرية على يد اليابانيين مثلت ضربة قاصمة لها مهدت الطريق لسقوط القيصرية، وبدأ الضعف يدب في أركان هذه الإمبراطورية ووجد المسلمون فرصتهم لإسقاطها تمامًا فانطلقت انتفاضات شعبية غاضبة وتفجرت ثورة عام 1905م وقد حرك ذلك كله ممارسات القيصرية الشريرة، فقد ضمت إليها قسرًا مجتمعات متنافرة قوميًّا ودينيًّا، تضم خليطًا متنافرًا من العادات والتقاليد، ولم تنجح سياسة الإلحاق القسرية في صناعة رباط بين تلك المجتمعات، وهو ما أحدث ثغرة ولّدت ثورات العصيان والتمرد، وقام المسلمون بدور كبير في تحريك تلك الانتفاضات التي استنزفت قوي الإمبراطورية القيصرية على امتداد ثلاثين عامًا، لكن المسلمين بدلًا من أن يقطفوا ثمار جهادهم بإعادة مجد دولتهم الإسلامية إذا بالثورة البلشفية (الشيوعية) تختطف كل شيء في أكتوبر عام 1917م، بل إن تلك الثورة التي ساعد المسلمون في إنجاحها مثلت فصلًا جديدًا داميًا في حق المسلمين فقد قاسوا تحت قبضتها حملات مريرة من التعذيب والتشريد والإبادة.
فقد واصلت الثورة البلشفية احتلال الأراضي الإسلامية التي كانت تحت سيطرة القياصرة واحتل الاتحاد السوفيتي الذي تشكل بعد هذه الثورة مساحة 4,538,600 كيلومتر وهي إجمالي مساحة دول آسيا الوسطي، وهي ست دول إسلامية هي: أذربيجان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، كازاخستان، قرغيزستان. وبات الاتحاد السوفيتي الذي كان يضم تسع دول يضم خمس عشرة دولة بعد ضم دول آسيا الوسطي ذلك إضافة إلى منطقة القوقاز التي يمثل غالبيتها شعوب إسلامية وأبرزها الشيشان.
وقد سن الاتحاد السوفيتي قوانين وأصدر قرارات تصب كلها في حظر الأديان وتحريمها وخاصة الإسلام ونشر الإلحاد بين المسلمين وشدد العقوبات على من يقتني نسخًا من القرآن الكريم فضلًا عن تعلمه وتعلم مبادئ الإسلام، وفرض علي المناهج التعليمية والثقافية وبرامج الإعلام مواد كلها تصب في ملء أدمغة الأجيال بالشيوعية ومعاداة الأديان. وامتلأت السجون والمعتقلات بل واكتظت المقابر بضحايا تلك السياسات من المسلمين.
لكن المسلمين لم ييأسوا برغم القبضة الحديدية عليهم هكذا قال لي الشيخ عبدالله نوري - يرحمه الله - أحد قادة الصحوة الإسلامية في أوزبكستان ومؤسس الحزب الإسلامي فيها، فأخذوا يعلمون أطفالهم تعاليم الإسلام ويحفظونهم القرآن والسنة في مدارس سرية كانت تنعقد في بيوت سرية ويظل الطلاب فيها مع مدرسيهم عدة أشهر دون خروج حتي لا تقبض عليهم الشرطة بتهمة تعلم الإسلام. ويضيف الشيخ نوري الذي مات مسمومًا قبل سنوات قليلة علي يد الحكومة الأوزبكية الشيوعية: خرّجت تلك المدارس، التي كنت أحد طلابها يومًا ثم أحد مدرسيها، أجيالًا من حفظة القرآن العارفين بمبادئ الإسلام وقد كان هؤلاء هم أساس الصحوة الإسلامية التي تشهدها جمهوريات آسيا الوسطي اليوم.
وفرض الاتحاد السوفيتي تلك السياسات الإلحادية على الدول الحليفة له في الشرق الإسلامي فطبقها عبدالناصر في مصر وهواري بومدين في الجزائر وحافظ الأسد في سوريا واليمن الجنوبي قبل الوحدة، إلخ.
وتم تفتيت الشعوب المسلمة وتشريدها بعيدًا عن ديارها بغية إضعافها وإحلال مواطنين روس محلهم مثلما يتم اليوم في سوريا ولكن بوجه آخر، إذ يتم تفريغ البلاد من شعبها السني ليحل محلهم شيعة. وقد نال الشيشان نصيبًا كبيرًا من عمليات الاضطهاد والتفتيت والتشريد نظرًا لتاريخ هذا الشعب المشهود في الثورات ضد المحتلين القياصرة ونظرًا لدورهم البطولي في إسقاط تلك الإمبراطورية فخشي الاتحاد السوفيتي بأسهم وشن عليهم حملات نفي وتشريد سعيًا لإبادة هذا الشعب عن بكرة أبيه ومحو الشيشان من الخريطة تمامًا. تقول الدكتورة «دونا آرتز» أستاذة القانون بجامعة «إيمورى أتلانتا»: لقد تعرض المسلمون في روسيا دومًا إلى محاولات ترويسهم ونزع هويتهم، وإنه برغم ادعاءات روسيا أنها دولة علمانية إلا أن الدستور الروسي ينص على الاعتراف بالإسهام المتحيز للأرثوذكسية في بناء وتطور الثقافة والحياة الروحية لروسيا عبر تاريخها، وذلك يؤكد أن هناك من يدفع النخب الحاكمة من داخل الكنيسة لإلغاء الدور المؤثر للتيارات الدينية الأخرى في الحياة الاجتماعية لروسيا، وهو ما يعزز القول بأن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية قد حلت محل الأيديولوجية الشيوعية السوفيتية كقوة احتكارية داخل الدولة والمجتمع الروسي.
ستالين والشيشان
أسس ستالين جمهورية الشيشان ذات الحكم الذاتي عام 1944م لكنه نفى شعبها كله (ما يقرب من مليون نسمة) عام 1954م إلى سيبيريا تلك البلاد الجليدية المتجمدة، وإلى دول أخرى منها تركيا، وذلك بعد أن اتهمهم بالتعاون مع النازية في الحرب العالمية الثانية، وظل الشعب منفيًّا هناك حتى سُمح له بالعودة عام 1957م وإعلان جمهورية تحت الهيمنة الروسية، لكنه وضعهم في أتون مخطط لتذويب هويتهم فقد جرَّم استخدام اللغة العربية وفرض اللغة الروسية وجرَّم التعليم الإسلامي، بل واقتناء المصاحف فضلًا عن ممارسة الشعائر، لكن ذلك كله لم يغيب العقيدة ولم يذب الهوية، وظل الإسلام راسخًا أقوى من تلك الجبال الراسيات هناك بين البحر الأسود وبحر قزوين.
مات 50% من الشعب الشيشاني أثناء هذا التهجير القسري من الأطفال والنساء بسبب سياسة التجويع حتى الموت. لقد كانت وسائل التهجير في غاية القسوة فقد جُمع الشعب الشيشاني بأكمله في محطات القطارات دون السماح لهم بحمل أي شيء من المتاع مجردين من كل شيء حتى المال، وتحت طلقات الرصاص وتهديد الحراب حُشر الناس في عربات القطارات المخصصة لنقل البضائع دون طعام ولا ماء ولا كساء وكل من يرفض تنفيذ الأوامر يقتل مباشرة أمام الناس بوحشية ترهب من يرى ويسمع، أما أهالي الجبال أصحاب العزائم الشديدة فقد جُمعوا في إسطبلات الخيول وسكب عليهم النفط وأُحرقوا أحياء، ومن بين المواقع التي أحرق فيها أعداد لا حصر لها قرية «خيباخي» التي تم حرق كل سكانها البالغ تعدادهم ألف نفس بشرية شيوخًا ونساء وأطفالًا.
وبعد تولي «خرتشوف» السلطة بدأت رحلة عودة الشيشان إلي ديارهم في عام 1956م ليجدوا أرضهم وبيوتهم قد احتلها الجنس الروسي الأصفر الذي لا يعرف للحياة مذاقًا إلا بشرب الخمر والعربدة.
حروب إبادة جديدة
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه عام 1991م أعلن الجنرال «جوهر دوداييف» استقلال الشيشان عام 1994م فرد الرئيس الروسي بوريس يلتسين باجتياح الجيش الروسي للبلاد لتبدأ ملحمة جديدة من ملاحم كفاح الشيشاني علي مر التاريخ. وحقق الشعب شبه انتصار علي القوات الروسية في تلك الحرب وما لبثت أن وضعت أوزارها حتي واصلت روسيا حصارها للشعب الشيشاني في محاولة لخنقه وذلك برغم اتفاقية السلام التي تم توقيعها والتي تعطي الشعب الشيشاني حقوقه كاملة في حكم ذاتي، ثم شن الروس حربًا جديدة علي هذا الشعب عام 1996م ولم تتوقف إلا عام 1999م عندما دمر الروس هذا البلد عن بكرة أبيه، وقاد تلك الحرب فلاديمير بوتين بعد توليه الرئاسة وإدارته للملف، فدمر البلاد وشرد الشعب ونصب أحد عملائه رئيسًا علي البلاد وما زال الوضع علي هذا النحو حتي اليوم، وإن كانوا يحاولون أن يصدروا للعالم صورة حرية العبادة وحرية المسلمين وقيام الحكومة بإنشاء المدارس الإسلامية.
لم يصف أحد ما جرى في هذا المنفى الجماعي لشعب بأكمله بقدر ما وصفه الكاتب الروسي «ألكسندر سولجينتسين» في كتابه «أرخبيل الجولاج» الذي رسم فيه بدقة صورة الحياة الجماعية لهذا الشعب وممارسته لها حتى في معسكرات الاعتقال، وكان مما قاله: في الجولاج: كانت هناك أمة لم تستسلم أبدًا، لم تتطبع مع الحياة العقلية للاستسلام، ولم تكن جماعة من المتمردين، بل كانت أمة بأكملها، وأنا أشير هنا إلى الشيشانيين، هؤلاء لم يحاولوا مطلقًا إرضاء الزعماء أو استرضاءهم، كانت أفعال هذه الأمة متشامخة، وكانت في الحقيقة معادية، وهنا شيء غير عادي تجب الإشارة إليه، وهو أنه لم يتمكن أحد من منعهم من الحياة على الطريقة التي كانوا يعيشون بها، والنظام السوفيتي الذي حكم تلك الأرض طوال ثلاثة عقود لم يتمكن من إجبارهم على احترام قوانينه (إقرأ كتاب: محنة الشيشان من إيفان الرهيب إلي يلتسين وبوتين - لكاتب هذه السطور - الطبعة الثانية).
بوابة الإسلام للشرق الإسلامي
ويجمع الخبراء القريبين من هذا الملف والذين التقيتهم علي فترات متقاربة أن إصرار الشعب الشيشاني علي إقامة دولة مستقلة يمثل نموذجًا فريدًا بين مجموعة القوقاز. وإذا تُرك فإن بقية دول المجموعة ستتبعه لا محالة، وهو عين الخطر الذي يخشاه الغرب عمومًا قبل روسيا؛ فقيام دولة إسلامية مستقلة في تلك المنطقة ذات الموقع الإستراتيجي والمليئة بالثروات لا شك يهدد مشاريع الغرب فيها، وإذا سُمح بقيام دولة مستقلة في الشيشان فإن ذلك معناه - لا محالة - توالي مسلسل قيام الدول المستقلة في القوقاز (داغستان والأنجوش، إلخ) وهو ما يمثل عودة حقيقية لدولة القوقاز الموحدة في المستقبل البعيد، ولا شك أن قيام دولة كهذه وسط صحوة إسلامية كبرى تعم شعوب القوقاز يهدد دولة الاتحاد الروسي ويقطع الطريق على التمدد الغربي هناك، ويشكل قوة داعمة ومساندة للمسلمين في المنطقة كلها.
خاصة أن منطقة شمال القوقاز تمثل البوابة الرئيسة إلى دول الشرق الإسلامي وإذا التحمت صحوة القوقاز مع صحوة الشرق الإسلامي فإنها ستجتاح روسيا وتقضي على المشروع الغربي والمصالح الغربية في المنطقة، ومن هنا كانت عملية وأد صحوة الشيشان كبداية مهمة للقضاء على صحوة القوقاز وإقامة سد منيع يحول دون التواصل والتفاعل مع الشرق الإسلامي، هذا أولًا.
ثانيًا: إن النمو السكاني في روسيا، في تناقص كبير بينما نسبة النمو بين سكان القوقاز متزايدة، وذلك يعني على المدى البعيد تفوق منطقة القوقاز سكانيًّا على روسيا وهو ما يثير تخوفات لدى روسيا من تمدد هذا التزايد السكاني إلى الأراضي الروسية ذاتها ليملأ فراغ التناقص السكاني فيها، وإذا حدث ذلك في ظل وجود دول مستقلة ومستقرة في القوقاز فإنه يعني انحسار الدولة الروسية أمام الدول القوقازية، ولذلك فإن قطع الطريق على قيام أي دولة مستقلة في القوقاز يمثل هدفًا إستراتيجيًّا روسيًّا بل وغربيًّا، والأكثر من ذلك فإن روسيا تطبق سياسة صارمة لتحديد النسل بين سكان القوقاز تحسبًا لكل هذه الاحتمالات.
ثالثًا: إن هذه الحرب ليست مرتبطة فقط بأطماع فرض الهيمنة على القوقاز وإنما مرتبطة بتدابير القضاء على الصحوة الإسلامية في المناطق الإسلامية كلها، في آسيا الوسطى والقوقاز والمناطق الإسلامية الأخرى داخل روسيا (تتارستان وبشكيريا وغيرهما) وتشارك في ذلك أطراف عديدة، فهناك تحالف تقوده روسيا مع حكومات قيرغستان وأوزبكستان وطاجيكستان - إلى حد ما - لكبح الصحوة الإسلامية المتنامية في هذه الدول ذات الشعوب الإسلامية العائدة بقوة إلى الإسلام والتي مازالت تتحكم فيها حكومات شيوعية مغرقة في مخاصمة الإسلام.
وتدعم الصين من بعيد هذا التحالف ضد الإسلام والصحوة الإسلامية خوفًا من تلاحم الصحوة الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي القديم مع صحوة المسلمين في سينكيانج (تركستان الشرقية) وهم أكثر من عشرين مليون مسلم يعيشون في ظروف أشد وأقسى من أحوال المسلمين تحت الحكم الروسي.
وبمناسبة الغرب وأهدافه وأطماعه في المنطقة فإن هذه المسألة واضحة؛ فلم يعد خافيًا أن الولايات المتحدة لها أطماع كبيرة في القوقاز لوجود النفط والثروات المعدنية من جانب، ولموقعها الإستراتيجي من جانب آخر، ولن تمانع الولايات المتحدة استقلال الشيشان أو أي دولة قوقازية عن روسيا إلا في حالة واحدة وهي وجود نظام تابع لها. وطالما لم يتحقق ذلك فإن الإستراتيجية الأمريكية والغربية عمومًا تظل هي مساعدة روسيا بكل ما يمكن للقضاء على أي حركة استقلالية، ففي الغزو الروسي السابق للشيشان بلغت المساعدات الغربية لروسيا خمسة مليارات ونصف المليار دولار.
وبرغم أن روسيا تقوم بالنيابة عن الغرب بتحقيق ما يسعى إليه في المنطقة إلا أن الولايات المتحدة تسعى في الوقت نفسه إلى التواجد بقوة في المنطقة فهي صاحبة أطماع سياسية واقتصادية في روسيا ذاتها - كما في القوقاز - فروسيا بلد مليء بالثروات والترسانة الحربية والنووية. ومن الناحية الجغرافية فهي تتمدد على مساحة تقارب قارة بأكملها، ولذلك فإن الوجود الأمريكي القوي هناك يمثل حتمية للمصالح الأمريكية خاصة أن المسافة شاسعة بين القارة الأمريكية وآسيا حيث توجد روسيا، فإذا حدث انهيار روسي يكون كل شيء في قبضة أمريكا.
وفي عام 1991م بدأ الأمريكيون يتحدثون - لأول مرة - بصراحة عن أن القوقاز منطقة مصالح لهم، ولا شك أن أي إضافة لرصيد النفوذ الأمريكي في المنطقة تعد خصمًا من النفوذ والهيمنة الروسية، ولذلك فأيًّا كانت التحليلات في هذا المجال فإن منطقة القوقاز وبقية المناطق الإسلامية النفطية تظل دائمًا موقع احتكاك بين الهيمنة الروسية الواقعة على الأرض والطموح الأمريكي المتطلع إلى نفوذ يلتهم أكبر قدر من الثروة وينسج خيوط هيمنته على أوسع مساحة من الجغرافيا.
الصحوة الإسلامية ليست في القوقاز وحدها وإنما في المنطقة الممتدة من أواسط آسيا والصين إلى البلقان، ولذلك فإن هناك اتفاقًا وتعاونًا بين جميع القوي (روسيا وأمريكا والصين وأوربا) على ضرورة إطفاء هذه الصحوة والسيطرة عليها وإبقائها تحت سطوة النفوذ وعدم تميكنها من إقامة دولة مستقلة ولو على شبر واحد من الأرض.
وقد تم تحقيق ذلك في البلقان بفرض الهيمنة الأمريكية تمامًا على البوسنة وكوسوفا، أما في الصين فإن مسلمي تركستان الشرقية ما زالوا تحت هيمنة الدولة الشيوعية، وبقيت أواسط آسيا والقوقاز حيث موضوع حديثنا، إذ تتضافر كل القوى خلف روسيا لمساعدتها على حسم المعركة للقضاء على الشيشان وإحكام السيطرة على المنطقة.
------------------
مصادر تم الاعتماد عليها

١- مجلة «المجلة» العدد 2401، فهمي هويدي 3٠/١٠/٢٠٠٠م.
٢- قفقاسيا - التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، ص1-9.
٣- مستقبل الإسلام في القوقاز وبلاد ما وراء النهر - مصطفى محمد الطحان (طبعة ١٩٩٥م).
٤- الصراع الدولي عند بحر قزوين - دراسة مفصلة عن صراع المصالح والنفوذ في المنطقة (تحت الطبع للكاتب).
«القوقاز»: منطقة جغرافية سياسية تقع عند حدود أوربا وآسيا تتكون من الدول القومية السوفياتية سابقًا (جورجيا، أرمينيا وأذربيجان)، أما القوقاز الروسي فيتألف من كراسنودار كراي، ستافروبول كراي، أديغيا، قراتشاي - تشيركيسيا، قبردينو - بلقاريا، الشيشان، إنغوشيا، أوسيتيا الشمالية وداغستان. كما يضم القوقاز ثلاث دول أعلنت استقلالها غير معترف بها دوليًّا وهي: أبخازيا، أوسيتيا الجنوبية وقرة باغ.
«الخان»: كلمة أعجمية تدل على الفندق في عصرنا الحديث، وهي موضع راحة المسافرين. والخانات نوعان: الأول أقيم على طرق السفر خارج المدن المتباعدة، والثاني داخل المدن والتجمعات السكنية. كما يجري استعمال كلمة «خان» أيضاً لقبًا لإحدى العائلات المنتشر بكثرة في وسط وغرب آسيا، وبالتحديد في باكستان وأفغانستان ودول وسط آسيا مثل كازاخستان وأوزبكستان والهند وبنغلاديش.

-----------------------------------
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 02-15-2016, 08:50 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة تبريرات الإعلام الروسي للتدخل العسكري في سوريا

تبريرات الإعلام الروسي للتدخل العسكري في سوريا
ــــــــــــــــــــــــــ

(د. إيهاب عويص)
ــــــــــ

6 / 5 / 1437 هـــ
15 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ




غالبية الشعب الروسي ضد التدخل العسكري لبلادهم في سوريا، بحسب ما أكده الخبير الروسي في شؤون الشرق الأوسط «أندريه ستيبانوف» مستندًا إلى استطلاع للرأي أجري في روسيا قبل نحو شهرين، وأظهر الاستطلاع أن ما يزيد على ٦٩% من المشاركين عارضوا التدخل العسكري في الشأن السوري، وعارضوا إرسال قوات إلى الخارج تحت أي ذريعة كان، لذا بدأت البروبوغاندا الروسية بحشد الدعم الشعبي لتأييد ذلك التدخل، وإقناع المواطن الروسي بأهميته، وتهيئته لتقبل تكلفته التي بالتأكيد لن تكون منخفضة.
وبالفعل خرج علينا المستشرق الروسي عضو أكاديمية العلوم «فيكتور ميخين» ليعلن وفق استطلاعاته أن غالبية الشعب الروسي يؤيدون قرار التدخل العسكري في سوريا تأييدًا مطلقًا، ويرون أنه ضروري كخطوة استباقية لحماية أمن روسيا من الإرهاب ومن إمكانية وصول «تنظيم الدولة» إلى جمهوريات آسيا الوسطى، ومنها إلى الجمهوريات المسلمة بالاتحاد الفيدرالي الروسي، ولمنع تكرار ما حصل في الشيشان. وبعيدًا عن هذا وذاك أظهر استطلاع أجراه مركز ليفادا الروسي المستقل في سبتمبر الماضي قبل التدخل العسكري الروسي في سوريا مباشرة أن ٥٠% ممن شملهم الاستطلاع لا يبالون بسياسة روسيا في سوريا، أو ليس لديهم رأي على الإطلاق، في حين أكد ١٤% منهم فقط تأييدهم للتدخل العسكري[1].
ويبدو أن هذه النتيجة كانت كافية لصناع القرار الروس للبدء بعملياتهم العسكرية في سوريا، ولكنها بالتأكيد لن تكون كذلك عندما تصل جثامين الجنود القتلى إلى الوطن، أو عندما تبدأ التفجيرات الانتقامية في المدن الروسية، بل تهديد أمن الجاليات الروسية في العالم بأسره، أو على الأقل عندما تتكشف نفقات التدخل العسكري الروسي هناك في ظل العقوبات والوضع الاقتصادي الراهن، لذا جيشت البروبوغاندا الروسية أبرز صحافييها الذين واكبوا الصراع في أوكرانيا لكن هذه المرة من أجل دعم التدخل العسكري في سوريا. ومن بين هؤلاء المراسلين من التقط صور «سيلفي» مع آليات الجيش السوري، وصورًا للغرف المخصصة للجنود الروس، إضافة إلى تفاصيل يومياتهم.
وردًّا على التحقيق الصحفي الذي نشره موقع «جازيتا رو» بعنوان: «اعتقدوا أنهم ذاهبون إلي دنباس.. وتبين أنهم يتوجهون إلى سوريا»، الذي كشف عن حالة التذمر التي انتابت مجموعة من الجنود والضباط بالجيش الروسي عندما علموا أنهم سيسافرون إلى سوريا لا إلى أوكرانيا[2]؛ ذكرت صحيفة «فيداميستي» في المقابل أن الجنود الروس المنتشرين في سوريا قد قُدم لهم التحفيز المادي المناسب، إذ أضيف مبلغ ٦٢ دولارًا يوميًّا على رواتب الضباط و٤٣ دولارًا يوميًّا على رواتب الجنود العاديين.
ونظرًا لأهمية الإعلام في هذه الحرب في تغيير المزاج الروسي العام الذي يميل لمعارضة تدخل بلادهم العسكري في الخارج بسبب عقدة حرب أفغانستان التي استمرت لعشر سنوات، وعقدة حرب الشيشان وما صاحبها من تفجيرات استشهادية في المدن الروسية. ونظرًا لنجاحهم الملحوظ في ذلك، فسوف نلقي هنا بعض الضوء على ثلاثة محاور رئيسية تم استخدامها في تسويق وتبرير ذلك التدخل.
إثارة المشاعر (إنقاذ الجندي بشار)
برغم المادية الطاغية على الشعب الروسي بشكل عام إلا أن النواحي الإنسانية وبعض ********ة وإثارة العاطفة الدينية لا تزال تحظى بترحيب معتبر بين كثير منهم، وهو ما نراه - مثلًا - في تصوير بعض وسائل الإعلام للتدخل العسكري في سوريا بطريقة هوليودية مؤثرة (تكاد تشبه أحداث فيلم «إنقاذ الجندي رايان») لحماية بشار الأسد من ملاقاة مصير إخوته كمعمر القذافي وغيره، خاصة بعد التركيز على حمايته المزعومة للأقليات، ومنهم بالطبع المسيحيون الأرثوذكس السوريون الذين يتبعون روحيًّا بطريركية موسكو وعموم روسيا، وتضخيم ما عانوه من تصرفات «داعش» في المناطق التي انحسر عنها نفوذ الأسد. وهو ما دفع الكنيسة الروسية لمباركة التدخل الروسي هناك ووصفه بـ«حرب مقدسة».
الأمر ذاته شجع إحدى القنوات الروسية لبث حلقة حوارية قال مقدمها بالحرف الواحد: «لولا سوريا (يقصد بلاد الشام) لما وجدت الحضارة الروسية، بالتالي فإن سوريا هي أرضنا المقدسة». ولكن حتى لا يبدو فلاديمير بوتين كجورج بوش في 2003م عندما أعلن حربًا صليبية على الإرهاب في العراق، يستتر الجهاد المسيحي المقدس هذا وراء جهاد إسلامي فئوي ضد المتشددين التكفيريين يمثله حزب الله وبقية المليشيات الشيعية المقاتلة إلى جانبه الذي يلقى تأييدًا من «الإدارة الروحية المركزية للمسلمين في روسيا» كذلك عبر رئيسها «طلعت تاج الدين»، إضافة إلى موقف الرئيس الشيشاني «رمضان قديروف» الذي اعتبر تدخل القوات الروسية «ضروريًّا لمحاربة الإرهاب»، هذا بالطبع غير أسطوانة الدفاع عن الديمقراطية والشرعية وإيقاف حركات الانفصال وتقسيم سوريا[3]. ومن ثمَّ أمطرت وسائل الإعلام الروسية تقاريرها الإخبارية بمعلومات مفترضة عن الترحيب السوري بالتدخل الروسي لمحاربة الإرهاب، ترسخ في ذهن المواطن الروسي مقولات كالعنوان الرئيسي الذي أوردته صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» واسعة الانتشار في افتتاحيتها بعد الغارات الجوية التي نُفذت في الليلة الأولى للقصف: «السوريون يتطلعون إلى السماء بأمل».
ولكن هل يستحق ذلك كله (على فرض صحته) أن يتكبد الجيش الروسي التضحيات والخسائر نفسها التي تكبدتها فرقة «ميلر» في الفيلم؟! قد يكون ذلك كافيًا لكسب تأييد المواطن الروسي العادي أو على الأقل لتجنب معارضته، ولكن النخبة الثقافية والمعارضة السياسية قد يحتاجون لإقناعهم بأكثر من من مجرد إنقاذ الجندي بشار وكل ما يمثله.
فرض الهيبة (إعادة أمجاد ثنائية القطب)
تعتبر سوريا منطقة النفوذ الوحيدة لروسيا في العالم العربي المهيمَن عليه من الغرب، وهي تستضيف قاعدتها العسكرية اليتيمة في طرطوس، وتستورد منها جميع أسلحتها تقريبًا. ولكنها أضحت ملعبًا سياسيًّا تتنافس فيه قوى محلية وإقليمية وعالمية، وأمام هذه التطورات كان لا بد للقيادة الروسية أن توجه رسالة قوية بأنها لا تزال لاعبًا دوليًّا أساسيًّا، وقادرة على حماية مصالحها، وأنها لن تترك مصير أصدقائها ليقرره منافسوها، خاصة أنها تمتاز عنهم بكونها الوحيدة التي تمتلك شرعية التدخل (طلب رسمي مباشر من الرئيس السوري) ولديها الحزم والرؤية الواضحة (على عكس كثيرين) لفرض قواعد جديدة للعبة، بل وتشكيل حلف جديد قد يجذب بعض أعضاء الحلف المنافس. كما أن استقرار نظام الأسد في سوريا يُعتبر ضرورة إستراتيجية لحليفها الصيني، وعقائدية ملحة لحليفها الإيراني، اللذين تشترك معهما بمصالح سياسية واقتصادية لا يمكن إغفالها في هذه المرحلة بالذات. وهذا ما عبر عنه نائب رئيس مركز النانوتكنولوجي «أرمن تادوفسيان» من أن: «تدخل روسيا العسكري في سوريا تأكيد لدورها وحضورها على مسرح السياسة الدولية، وكسر هيمنة القطب الواحد، وأن لروسيا مصالح يجب أخذها في الحسبان»، وأضاف أن قرار التدخل العسكري اتخذ بعد أن تم التصويت عليه بمجلس الشيوخ (الغرفة العليا)، مشيرًا إلى أن ٨٦% من الجمهور الروسي أعربوا عن ثقتهم بسياسة بوتين وهذه أعلى نسبة ثقة تمنح لسياسي. ولكن بعيدًا عن القنوات الرسمية نجد حقيقة مغايرة في العالم الافتراضي، وقد عبر عن ذلك «كونستانتين كلاشيف» رئيس مؤسسة «مجموعة الخبراء السياسيين» واصفًا الاستياء الشعبي الروسي على مواقع التواصل الاجتماعي بقوله: «لأول مرة تتعارض خطط بوتين مع الرأي العام (...) فهذه أول مرة تختلف فيها آراء الروس العاديين عن آراء النخبة الحاكمة». وتقول «إيلينا كوستيوشينكو» مراسلة صحيفة «نوفايا غازيتا» المعارضة: «أمي اتصلت بي باكية تقول: لماذا ندخل حربًا أخرى؟».
وبالفعل، هل تستحق استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي خوض هذه المغامرة التي تذكر الروس بتدخله في أفغانستان، الذي كان سببًا في انهياره؟ خاصةً أن تدخل روسيا هذه المرة لن يكون في محيطها بل في منطقة حرجة تبعد ألف كيلومتر عن حدودها، ولا تحظى بأية مكانة بين أولويات السياسة الروسية الخارجية[4]، بل وفي وقت تعاني فيه من أزمة اقتصادية خانقة بحسب تعبير أستاذة الاقتصاد بجامعة موسكو «إيرينا فيليبفا»، التي قالت: «أرى عدم صوابية قرار التدخل العسكري الروسي في سوريا لما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية خانقة وعقوبات غربية مفروضة، والأزمة الأوكرانية التي استنزفت وما زالت تستنزف الخزينة الروسية، فالتدخل العسكري يتطلب زيادة إنفاق للمجهود الحربي الجديد وتقليص الإنفاق على قطاعات أخرى كالصحة والتعليم، وخطط التحديث التي اتخذتها حكومتنا الحالية، وبرامج الاستغناء عن الاستيراد، مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمجتمع الروسي»، وأضافت: «نحن في غنى عن التورط في نزاعات خارجية، بل يجب العمل على النهوض باقتصاد بلادنا».
لا بد أن يكون هناك سبب أكثر وجاهةً لتبرير تلك المخاطرة، وتقبل المواطنين الروس لثمنها الذي قد يكون باهظًا.
التخويف (الجهاديون الروس)
طوال الفترة السابقة، وفي معرض تبرير إرسال الأسلحة لنظام الأسد الذي قتل 300 ألف على الأقل من أبناء شعبه لمجرد مطالبتهم بالإصلاح وبتغيير النظام، تكرر عبر الإعلام تصريح الرئيس الروسي بوتين بوجود أكثر من ألفي جهادي من الاتحاد السوفيتي السابق في سوريا «وبدلًا من انتظار عودتهم إلى الوطن علينا أن نساعد الرئيس الأسد في قتالهم هناك». ولكن الأمر الآن بات يحتاج أكثر من مجرد إرسال السلاح، خاصة أن جيش النظام بالكاد يستطيع الصمود في البقع المتناثرة التي لا تزال تحت سيطرته، وفقط بمساعدة المليشيات الشيعية التي أصبحت بدورها مثخنة بالجراح، وبالأخص حزب الله اللبناني بعد أن فقد كوادره الأساسية، وقوات النخبة، وأصبح مجبرًا على إرسال أعداد بشرية غير مدربة فقط من أجل استمرار المعارك والحفاظ على عدم انسحابه. كما أن روسيا قرأت العديد من نقاط الضعف في نظام الأسد خلال الخطاب الأخير الذي أقر فيه أن جيشه أصابه التعب، واعترف بخسارة العديد من المناطق الإستراتيجية. ولتغيير المعادلة على الأرض أصبح لزامًا تزويده بمنظومة جوية بالغة التطور (مثال طائرات سوخوي 34) لم تكن روسيا لتأتمنه عليها في الظروف العادية بسبب الصراع العربي الصهيوني، ناهيك عن هذه الظروف الحرجة التي قد يسقط النظام فيها بين عشية وضحاها، وتنتقل أسلحته إلى خصومه؛ وبالتالي لم يعد هناك مناص من تدخل مباشر في المستنقع السوري، وإلا، فإن البديل في حال انتصار الفصائل الجهادية هو خوض الحرب نفسها في عمق الأراضي الروسية وبتكلفة مضاعفة وأكثر خطورة.
أي مواطن روسي بغض النظر عن توجهاته قد يقنعه سبب أو أكثر من هذه الثلاثة لتأييد التدخل العسكري لبلاده في روسيا، ولكن السبب الحقيقي بالنسبة لصانع القرار الروسي قد يكون شيئًا آخر.

-------------------------------------
[1] أجري الاستطلاع خلال الفترة من 18 إلى 21 سبتمبر، وشارك فيه 2400 شخص بالغ يمثلون مختلف المناطق الريفية والحضرية في 134 من المدن والبلدات في 46 إقليمًا في روسيا. ولا يتجاوز هامش الخطأ في هذا الاستطلاع ٣٫٤ - ٤٫١%.
[2] علموا من خلال تزويدهم بأسلحة أكثر تطورًا وحداثة من تلك التي يستخدمونها، كما أنهم تلقوا تعليمات بكيفية التعامل في حالة سقوطهم في الأسر، وبمجرد أن تأكد العسكريون أنهم ذاهبون إلى سوريا ناقشوا احتمالين: رفض تنفيذ المهمة لأن القيادة لم تحدد تفاصيل الخطة والهدف والفترة الزمنية، أو الاستقالة. وتوجهوا إلى النيابة العسكرية التي حذرتهم من رفض تنفيذ الأوامر العسكرية وهو ما يترتب عليه مسؤولية جنائية، وتم رفض تسلم الشكوى المقدمة منهم.
[3] من المفارقة العجيبة أن نفس الإعلاميين الذين يحاولون إقناع المواطن الروسي بذلك هم من تبنوا في الأمس القريب منطقًا معاكسًا تمامًا في أوكرانيا.
[4] هذا ما يتضح من خلال وثيقة «مفهوم السياسة الخارجية الروسية» التي أقرها الرئيس فلاديمير بوتين في فبراير 2013م (يمكن الاطلاع عليها على موقع وزارة الخارجية الروسية)، إذ إن روسيا تضع تحت باب الأولويات الإقليمية بالوثيقة سياستها الخارجية في محيطها الجغرافي (دول الاتحاد السوفيتي السابق، وأوربا والصين على وجه الخصوص)، كما أن الوثيقة تشير للعديد من الدول بالاسم، وتؤكد على أهمية سعي روسيا لتعميق علاقاتها معها، بينما تأتي منطقة الشرق الأوسط في ذيل القائمة تقريبًا دون إشارة لدولة بعينها وببنود عامة تتعلق بقضايا المنطقة كتأييد روسيا لحل سلمي للقضية الفلسطينية أو البرنامج النووي الإيراني (ذُكرت منطقة الشرق الأوسط في بندين فقط من أصل 52 بندًا تحت باب الأولويات الإقليمية).

-------------------------------
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 02-15-2016, 08:55 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة مراحل تطور الثورة السورية

مراحل تطور الثورة السورية
ـــــــــــــــ

(إياد جبر)
ــــ

6 / 5 / 1437 هــ
15 / 2 / 2016 م
ــــــــــــ






شهدت الثورة السورية منعرجات ومراحل فارقة كان لكل منها طبيعة خاصة تميزها عن غيرها، فقد بدأت ثورة شعبية سلمية تعرض خلالها الشعب السوري لكل أساليب القمع والتنكيل، ولم ينجح الثوار حينها في توحيد صفوفهم برغم الحاضنة الشعبية التي كانت داعمًا لهم منذ بدء ثورتهم.
فرضت المواجهة المسلحة نفسها على الثورة في العام الثاني، حينما تمكن الثوار من الحصول على الأسلحة الخفيفة بفعل الانقسامات داخل الجيش السوري، ولجوء الكثير من قياداته إلى صفوف المعارضة، والتي استطاعت أن تشكل كيانًا ثوريًّا عُرف باسم «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» الذي جاء بديلًا عن المجلس الوطني بعد فشله خلال العام الأول في جمع قوى المعارضة.
برغم الانتصارات التي حققتها المعارضة على حساب النظام وتحريرها للكثير من المدن، إلا أن النظام غير من إستراتيجيته وخططه هربًا من الاستنزاف، مركزًا سيطرته على المدن الإستراتيجية ذات الأهمية، لكن دخول حزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية مع بداية عام 2013م وما صاحبه من ولادة تنظيم الدولة (داعش) شكل عبئًا مضاعفًا على قوى المعارضة، التي تراجعت بفعل المواجهة في عدة جبهات؛ ما خلط الأوراق وجعل المشهد يبدو ضبابيًّا.
باتت الفرصة مهيأة للتدخل الدولي الذي استفاد من ضبابية المشهد السياسي، فاختلفت أهداف تلك القوى الخارجية وفقًا لمصالحها، فتحول نظام بشار الذي قتل مئات الآلاف وهجّر الملايين من شعبه بعد أشهر قليلة من نظام إرهابي إلى نظام شرعي يستوجب حمايته، وهو ما شجع روسيا على التدخل العسكري مستغلة الاعتراف الدولي بالوجود الإيراني في سوريا والمنطقة عمومًا، وعدم قدرة قوى المعارضة السنية على إسقاط النظام العلوي الذي استفاد من الدعم الإيراني وتعدد القوى المسلحة على الساحة السورية.

المرحلة الأولى:
----------------

ثورة شعبية ومقاطعة دولية وعربية

جاءت جمعة الكرامة في 18 مارس 2011م بمثابة الشرارة الأولى والأهم للثورة السورية التي شهدت مظاهرات عارمة قوبلت برد فعل عنيف من جيش النظام السوري الذي ارتكب خلال العام الأول للثورة عشرات المجازر راح ضحيتها نحو 8500 من أبناء الشعب السوري.
كانت محافظة درعا أول من انتفض في وجه النظام الذي واجه الثورة الشعبية بالقمع، لكن بطشه لم يثبط معنويات الشعب السوري الذي انتفض على النظام في محافظات أخرى أهمها بانياس واللاذقية وحمص وحماة وحلب ودمشق وريفها، واتخذت الاحتجاجات والمظاهرات طريقها تباعًا نحو المدن الساحلية في اللاذقية وجبلة، برغم إعلان الأسد إلغاء قانون الطوارئ ومحكمة أمن الدولة وسن قانون التظاهر السلمي وإطلاق سراح بعض المعتقلين وتشكيل حكومة جديدة ومنح الجنسية لعشرات الآلاف من الأكراد، بالإضافة إلى إقالة محافظ حمص.

هذه الإجراءات السياسية التي اتبعها النظام لم تصل إلى الحد الأدنى لمطالب الثوار، خاصة أن الوضع في الشارع كان مختلفًا عما يقال في وسائل الإعلام، لأن مواجهة المتظاهرين من قبل الجيش أوقعت الآلاف من القتلى كما أشرنا سلفًا، لأن الجيش أجرى حملات مختلفة على بعض المحافظات والمدن أشهرها حي بابا عمرو في حمص، كما أن حديث النظام عن الإصلاحات السياسية الهزلية، لاسيما الاستفتاء على الدستور لإيقاف هيمنة حزب البعث كما كان يقال في الإعلام السوري، جاء بالتوازي مع الحملات العسكرية الدامية في حماة وأخرى في حمص وإدلب.

الواضح إذن أن النظام السوري كان يستخدم مصطلح الإصلاحات السياسية للتغطية على قمع الثورة خلال عامها الأول، فإعلانه عن إجراء انتخابات برلمانية في مايو 2011م جاء بالتزامن مع حملة عسكرية على مدينة إدلب من أجل قمع الثورة.

في هذه الأثناء ظهرت أولى التصدعات على الجيش السوري، حينما أقدمت مجموعة من الضباط على الانشقاق، بقيادة المقدم حسين هرموش، الذي أسس حركة الضباط الأحرار، وقد أعقب هذه الخطوة النوعية تشكيل الجيش السوري الحر في يوليو من العام نفسه، برئاسة العقيد رياض الأسعد، ومنذ ذلك الحين اتخذت الثورة منحى أكثر خطورة لأن المواجهات مع النظام اتخذت طابعًا عسكريًّا بحتًا، وبدأ الجيش الحر يشن هجماته على الكثير من المباني الحكومة، أهمها مقر المخابرات في ريف دمشق. ومع اتساع تلك المواجهات تزايد عدد الضباط المنشقين عن صفوف الجيش، وبدأت صفوف الجيش الحر في تزايد، ووصلت مع نهاية العام الأول للثورة إلى حوالي عشرين ألفًا.

المعارضة العسكرية للنظام العلوي خلال العام الأول للثورة صاحبها تشكيل معارضة سياسية عُرفت بـ«المجلس الوطني الانتقالي» في أغسطس 2011م برئاسة برهان غليون، ثم جاء الإعلان عن تشكيل المجلس الوطني السوري في أكتوبر برئاسة برهان غليون أيضًا، لكن الخلافات بين أعضائه وعدم انسجام أفكارهم ومطالبهم مع مطالب الشارع الثوري جعلته تجمعًا ثوريًّا هشًّا فجاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بديلًا عنه.
على الجانب الآخر، شهد العام الأول للثورة تحركات دبلوماسية دولية، أهمها عقوبات أمريكية جديدة على النظام السوري، كما اتخذ الاتحاد الأوربي قرارات عقابية في مايو 2011م ضد النظام، لكن الجانبين الأمريكي والأوربي عجزا عن تمرير قرارات عبر مجلس الأمن بسبب الفيتو الروسي الصيني، الذي وقف بالمرصاد للمحاولات الأمريكية الأوربية في أكتوبر 2011م وفبراير 2012م.
بدورها تحركت جامعة الدول العربية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إرسال مراقبين في ديسمبر 2011م، دون أن يحققوا أي نتائج تُذكر، وقد تم تعليق عضوية سوريا في الجامعة، لكن الأخيرة أرسلت بالتوافق مع الأمم المتحدة مبعوثًا مشتركًا هو الأمين العام السابق للأمم المتحدة «كوفي عنان» مبعوثًا للنظام السوري، وقد سلم النظام مقترحات تمثل مخرجًا للأزمة لكن استمرار الأزمة وتصاعدها حال دون أي نجاح للمساعي الدولية والعربية، الأمر الذي دفع معظم الدول العربية وفي مقدمتها بعض دول مجلس التعاون الخليجي لإنهاء أي علاقة دبلوماسية تربطها بالنظام السوري.

المرحلة الثانية:
-------

تحولات مهمة على مسار الثورة

مع دخول الثورة عامها الثاني بدت احتمالات التوصل إلى أي حلول غير ممكنة لأن مجازر النظام السوري فاقت التوقعات، فبحسب الأرقام التقديرية التي رصدتها جهات محلية سورية فإن النظام أنهى العام الثاني للثورة بقتل نحو 80 ألف مواطن سوري، وأكثر من 5 ملايين نازح ومهجر ومشرد، وخراب شامل ودمار ممنهج؛ الأمر الذي استدعى دخول أطراف جديدة على مسار الأزمة تمكنت من تحرير بعض المدن السورية من النظام الذي بدأ يذهب باتجاه توظيف النزاعات الطائفية، ومن ثم دخول أطراف إقليمية لاسيما التدخل الإيراني عبر المليشيات الشيعية المختلفة.

1- إنجازات مهمة للمعارضة المسلحة وفشل المعارضة السياسية:

إلى جانب الجيش الحر وما تفرع عنه من ألوية، كلواء شهداء سوريا الذي قدرت أعداد مقاتليه بـ7 آلاف مقاتل، ولواء صقور الشام 35 ألف مقاتل، ظهرت في العام الثاني للثورة جبهة تحرير سوريا الإسلامية التي تضم نحو عشرين مجموعة منها «لواء التوحيد 10 آلاف مقاتل، ولواء الفتح، ولواء الفاروق 14 ألف مقاتل، ولواء الإسلام ٩ آلاف مقاتل، وغيرها»، لكن هذه الجبهة الإسلامية المعتدلة ظلت تعترف بالإطار القيادي للجيش الحر، هذا فضلًا عن الفصائل الإسلامية والجهادية التي ظهرت خلال هذه المرحلة المهمة من الثورة.

تعداد المقاتلين الكبير في صفوف المعارضة السورية بكافة أطيافها، وخصوصًا بعد انشقاق نحو 150 ألف عنصر من الجيش وانضمامهم لصفوف المعارضة، وكميات السلاح الكبيرة التي تمكنوا من الحصول عليها عن طريق الدعم الخارجي، أو من خلال السيطرة على العديد من مخازن الأسلحة التابعة للنظام؛ كل ذلك مكنهم من تحقيق إنجازات مهمة في المحافظات السورية الرئيسية، فأصبح لها حضور كبير ومواقع عسكرية وسيطرت على أجزاء كبيرة من محافظات ومدن ريف دمشق وحلب وإدلب والرقة ودير الزور والحسكة وحماة واللاذقية وحمص والرستن وغيرها.

وبالتزامن مع تطور المعارضة المسلحة وما حققته من إنجازات ميدانية قبيل نهاية عام 2012م تم الإعلان عن الجسم السياسي الجديد للثورة السورية وهو «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، وحصل حينها على اعتراف بعض الدول العربية ممثلًا للشعب السوري لكنه لم ينجح في تحقيق الانسجام مع الجسم الثوري والعسكري في الداخل، مما استدعى عقد عدة مؤتمرات أهمها في القاهرة في يوليو من العام نفسه تحت رعاية الجامعة العربية، وقد صدرت عن هذا المؤتمر وثيقتا «المرحلة الانتقالية» و«العهد الوطني» أو ما صار يُعرف لاحقًا باسم «وثائق القاهرة» على سبيل الاختصار.
أقرت الوثيقة الأولى «إسقاط الأسد ورموز السلطة» كهدف أسمى للثورة، لكن ذلك كان محل اعتراض ورفض شعبي، لأن هذه الصياغة الملتبسة قد يُفهم منها السعي إلى إسقاط مجموعة من رموز النظام فقط وليس إسقاطه كاملًا بكل رموزه وأركانه ومؤسساته، كما لم تسلم الوثيقة الثانية «العهد الوطني» من انتقادات واسعة بسبب محاولتها طرح رؤية استباقية أحادية لمستقبل سوريا بعد التحرير، وهي رؤية تتسم بقصور كبير في تحقيق هوية سوريا الإسلامية.

من جانبها، كانت الجامعة العربية قد طرحت مبادرة في يناير عام 2012م اقترحت تنازل بشار الأسد عن كامل صلاحياته لنائبه وتشكيل حكومة وطنية توافقية بين المعارضة والنظام، لكنها قوبلت برفض النظام العلوي الذي استغل حالة الانقسام الدولي حول مستقبل سوريا، فكان مصير الرؤية الدولية المشتركة التي طُرحت دوليًا والتي عُرفت بـ«بجنيف1» أشبه بمصير المبادرة العربية المشار إليها أعلاه، لذلك ظلت المحاولات الإقليمية والدولية دون أي نتائج تذكر.

2- توظيف النزاعات الطائفية:

خلال العام الثاني للثورة بدأ النظام السوري يتجه نحو إذكاء وتوظيف البعد الطائفي لتحويل مسار الثورة، وبرغم أن ثلاثة أرباع الشعب السوري البالغ 22 مليون نسمة هم من السنة إلا أن النظام حاول استغلال ذلك التنوع الطائفي عبر ممارسات متنوعة، خاصةً أن معظم المعارضين للنظام هم من أهل السنة الذين دفعوا ضريبة المعارضة إما بالموت تحت نيران طائرات النظام أو بالهجرة خارج البلاد أو بالنزوح إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا أو الزج بالآلاف منهم داخل سجون النظام.
الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا المقام أن آلاف المصابين والجرحى كانوا يخشون الذهاب إلى المستشفيات الحكومية خشية تعرضهم للقتل والتعذيب أو الزج بهم في سجون النظام، وبحسب الكثير من التقارير الصحفية والحقوقية فإن النظام قد بدأ يتعامل مع المواطنين وفقًا لانتماءاتهم الطائفية، مما عرض آلاف الجرحى للموت بسبب خوفهم من تلقي العلاج في مستشفيات الدولة.
لم يقتصر توظيف الطائفية على السني والعلوي فحسب، لأن النظام استغل الظروف الاجتماعية الصعبة للكثير من الأسر المسيحية واستدرج 1500 شخص مسيحي وضمهم للجيش بعد دخول الثورة عامها الثاني، وحوّل مدينة «محردة» ذات الأغلبية المسيحية في شمال ريف حماة إلى ثكنة عسكرية مستغلًا بعض الكنائس والأديرة كدير «محردة» كمواقع عسكرية، ووضع أكثر من 15 حاجزًا عسكريًّا على مداخل المدينة، التي أصبحت رأس حربة للنظام يستخدمها لقصف المدن المجاورة، مما أثار حفيظة تجمعات الجيش الحر وجبهة النصرة فبدآ بالرد على قصف مواقع النظام في هذه المدينة مما جعل الطائفة المسيحية في مواجهة مباشرة مع قوى المعارضة، ولا شك أن حرف بوصلة الثورة السورية نحو الحرب الطائفية قد مهد الطريق لدخول إيران وحزب الله اللبناني إلى الأراضي السورية لدعم نظام بشار.

المرحلة الثالثة:
------------

التدخل الإيراني وظهور تنظيم داعش على حساب المعارضة
التحولات الجذرية التي طرأت على الأزمة السورية خلال عام 2012م بسبب دخول أطراف جديدة رفعت حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات، ففي منتصف عام 2013م قُدر عدد الضحايا بحوالي بحوالي 90 ألفًا أغلبهم من المدنيين والمعارضة ونحو 10 آلاف من قوات النظام، لكن مع اتساع نطاق المواجهات كان عدد الضحايا قد تجاوز 120 ألفًا مع نهاية عام 2013م، الأمر الذي كان كفيلًا بتحول المشهد السوري من مرحلة الأزمة إلى مرحلة الصراع.

استغل نظام بشار هذا الوضع الجديد وبدأ في استخدام أكثر الأسلحة فتكًا تجاه المدن التي تم تحريرها على يد المعارضة، فوصل الأمر في أغسطس 2013م إلى استخدامه للسلاح الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية والغربية وزملكا وغيرها، ما أدى إلى سقوط نحو 755 من الضحايا أغلبهم من المدنيين.
ومع نهاية عام 2013م كان عدد اللاجئين والنازحين قد ارتفع بشكل غير مسبوق، فكان العدد بداية هذا العام نحو مليون لاجئ ونازح لكنه بلغ حوالي 7 ملايين، ومع نهاية عام 2014م بلغت أعداد النازحين واللاجئين داخل سوريا وخارجها أكثر من ١٢ مليونًا، أي أن نصف سكانها تحولوا إلى مشردين.

1-حزب الله والمليشيات الشيعية:

بدأت المشاركة العلنية لحزب الله في القتال إلى جانب النظام بداية عام 2013م بحجة إفشال مؤامرة دولية ضد سوريا، فكان واضحًا أن الصراع الدائر في سوريا صراعًا وجوديًا بالنسبة إلى حزب الله، فسقوط النظام السوري هو بداية نهاية هذا الحزب والهيمنة الإيرانية في المنطقة، فكانت معركة القصير في مايو 2013م أهم المعارك التي خاضها الحزب ضد المعارضة السورية، حيث قُدر عدد مقاتليه بنحو 14 ألف، ووفقًا لشهادة الناطق باسم القيادة المشتركة للجيش الحر فإن عدد القتلى في صفوف قوات حزب الله اللبناني قد بلغ نحو 1100 قتيل سقطوا في عدة مواجهات.
لكن العدد الإجمالي للمقاتلين الشيعة الذين دخلوا الأراضي السورية خلال عام 2013م كان قد تجاوز 60 ألف مقاتل من جنسيات عراقية وإيرانية ولبنانية وأخرى يمنية، وذلك بحسب تقديرات هيثم المالح مسؤول المكتب القانوني في ائتلاف قوى الثورة.

تلك الأعداد الكبيرة التي دخلت سوريا عبر البوابة العراقية أو اللبنانية جعلت وزير الخارجية العراقي «هوشيار زيباري» حينها يقر بوجود مقاتلين شيعة في سوريا يقاتلون إلى جانب قوات النظام، لكنه شدد على أن ذلك لا يتم من خلال سياسة حكومية عراقية، كما أشارت مصادر يمنية إلى توجه مئات المقاتلين الحوثيين للقتال إلى جانب النظام، وأشارت إلى أنهم باتوا ينظرون إلى القتال في سوريا على أنه جهاد مقدس، وأن هؤلاء المقاتلين تطوعوا للقتال لأسباب عقائدية ومالية وبتشجيع من إيران، وأوضحت أنهم يذهبون إلى معسكرات تتبع حزب الله في لبنان قبل أن يتم نقلهم إلى الجبهة السورية.

2- ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):

ردًّا على الهجوم الكبير لمليشيات حزب الله والمليشيات الشيعية المختلفة في القصير وسقوطها إلى جانب بعض القرى المجاورة، ومعارك الاستنزاف التي خاضها النظام على المدن السورية المحررة، وفي إطار تحول الصراع من حالته الثورية إلى حالته الطائفية، بدأ الكثير من المجاهدين العرب ينجذبون إلى سوريا لتلبية الواجب الديني والدفاع عن إخوانهم من السنة، فخلال عام 2013م قُدرت أعداد المقاتلين السنة من العرب وغيرهم الذين دخلوا سوريا بنحو 10 آلاف مقاتل، الأمر الذي مهد الفرصة لدخول تنظيم القاعدة والكثير من الجماعات الجهادية.

لكن التطور الأسوأ في عام 2013م والكارثة الأكبر في تاريخ الثورة السورية جاء حينما تم الإعلان عن ولادة تنظيم «داعش» في أبريل من العام نفسه، ثم تمدده خلال الشهور الأربعة الأخيرة منه في المناطق المحررة على حساب الكتائب المحلية والفصائل الإسلامية، حيث استطاع السيطرة على مساحات واسعة في محافظات حلب وإدلب والرقة والحسكة ودير الزور بعد تحريرها بشكل كامل في عام 2012م.
كان عام 2014م على موعد مع تمدد غير متوقع لتنظيم «داعش» فتمكن من طرد عناصر الجيش الحر في يناير 2014م من محافظة الرقة التي أعلنها عاصمة للخلافة المزعومة، كما سيطر بشكل شبه كامل على محافظة دير الزور النفطية، واستولى على عدة حقول نفطية وغازية في محافظة الحسكة شمال شرق البلاد وعلى مقربة من الحدود مع تركيا والعراق، فضلًا عن سيطرته على مدينة البغدادي قرب قاعدة الأسد الجوية.
وحتى منتصف عام 2014م أصبح تنظيم داعش يسيطر على نحو 35% من الأراضي السورية بمساحة متصلة جغرافيًّا، ممتدة من بادية حمص إلى الهول على الحدود السورية العراقية جنوب شرق محافظة الحسكة، وصولًا إلى بلدة الراعي على الحدود السورية - التركية، وعلى قرية شامر بالقرب من المدخل الشمالي الشرقي لمدينة حلب، وذلك وفقًا لتقرير المرصد السوري، لكن أغلب المدن والقرى التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش كانت فصائل المعارضة قد تمكنت من تحريرها من النظام السوري خلال ثلاث سنوات مضت من عمر الثورة.

3-تراجع قوى المعارضة:

خلال عامي 2013م و2014م فقدت الثورة الجزء الأكبر من مكتسباتها الميدانية التي حققتها خلال مرحلة الصعود والانتصارات، بحيث صارت سوريا موزعةً بين خمس قوى رئيسية، هي:
• النظام الذي نجح في إعادة احتلال مواقع إستراتيجية مهمة كان الثوار قد حرروها في وقت سابق، وبات يسيطر على 23% مساحة سوريا، وهي المساحة الأهم التي يضم العاصمة وبعض المدن الكبرى (حمص وحماة وإدلب) وتشمل غرب سوريا بأكمله تقريبًا.
• حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (المتحالف مع النظام) سيطر بالتعاون مع قوات النظام السوري على النصف الشمالي من محافظة الحسكة، وينفرد بالسيطرة التامة على منطقة عفرين في أقصى الشمال الغربي.
• أما تنظيم داعش الذي احتل ثلاثة أرباع المناطق التي حررها الثوار في حربهم مع النظام، بات يسيطر على نصف سوريا الشرقي كله، باستثناء الجزء الخاضع لسيطرة الأكراد في محافظة الحسكة.
• بينما القوى الثورية المستقلة أو ما يسمى اصطلاحًا الفصائل الإسلامية وكتائب الجيش الحر فقد انحسرت المساحات التي تسيطر عليها بحيث صارت تقتصر على نحو 15% من مساحة سوريا، وتضم: الجزء الجنوبي من محافظة حوران، ومحافظة القنيطرة، وأجزاء من محافظتي دمشق وريفها (المناطق المحاصرة في الغوطتين الشرقية والغربية وجنوب دمشق والقلمون) ومن ريف حمص الشمالي وريف حماة الشمالي، وجبل الأكراد، وريف إدلب، وقسمًا من مدينة حلب، بالإضافة إلى ريف حلب الغربي، وتشترك جبهة النصرة مع قوى الثورة في السيطرة على تلك المناطق المذكورة.

في هذا السياق استمرت حالة الشلل المؤسسي على المعارضة السياسية (الائتلاف الوطني) بسبب طبيعته القائمة على الكتل والمحاصصات، وبلغ التدخل الخارجي والصراع على النفوذ ذروته مع «فرض» الكتلة الليبرالية الجديدة على الائتلاف في مايو 2013م، وتسبب صراع النفوذ في عرقلة وتعطيل أهم المؤسسات الثورية السياسية التي يُنتظر من الائتلاف إنجازها، وهي «الحكومة الوطنية الانتقالية»، حيث أُعلن عن تشكيل الحكومة الأولى في مارس وتم إلغاؤها في يوليو، ثم شُكلت الحكومة الثانية في نوفمبر من عام 2013م. ولم تستطع أي من الحكومتين القيام بدورها السياسي والخدمي الحقيقي بسبب الصراعات والتناقضات الداخلية، التي أنهكت الائتلاف وتسببت في تعطيله وعزله عن الثورة.

المرحلة الرابعة:
------------

التدخل الدولي واحتمالات تقسيم سوريا
لم يشفع للقوى الثورية المستقلة نجاحها في نوفمبر 2014م في الاجتماع تحت مظلة واحدة هي «مجلس قيادة الثورة» الذي أُعلن عن تشكيله في وقت متأخر جدًّا، لأن تمدد تنظيم الدولة على نصف مساحة سوريا أعطى مبررًا لتدخل الغرب عسكريًّا في سوريا بعد فشلة في توجيه ضربة عسكرية لنظام بشار الذي استفاد أيضًا من قوة الموقف الروسي وتراجع الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، حينها أعطى تنظيم الدولة مبررًا كافيًا للتدخل العسكري الغربي ومن ثم الروسي.
من ناحية أخرى، تؤكد إحصائيات حديثة أن عدد ضحايا الصراع السوري قد اقترب من ربع مليون، كما أن عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار وصل إلى ٤٫٢ مليون بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هذا بالإضافة إلى نحو ربع مليون لاجئ سوري في أوربا بحسب إحصائيات شهر يوليو 2015م، علاوة على 7.6 مليون نازح داخل سوريا، وبرغم ذلك لم تفلح التدخلات الدولية في إنقاذ الشعب السوري.

1- فشل التحالف الدولي:

بدأ التحالف الدولي المكون من 60 دولة أولى غاراته على الإرهاب مطلع أغسطس 2014م، واستمرت ضربات قوى التحالف على مدار عام كامل، تم خلالها توجيه أكثر من خمسة آلاف ضربة جوية وتدمير آلاف الأهداف، إلا أن ذلك لم يوقف تمدد «داعش» على خريطة الاشتباك في سوريا مما يلقي بظلال من الشك على الهدف الحقيقي من الغارات.
وبرغم هذا العدد الكبير من الضربات العسكرية إلا أن تنظيم داعش قد حافظ على مناطق نفوذه في سوريا، بل ونجح في التمدد إلى مناطق وسط البلاد حين سيطر على مدينة تدمر بعد تراجع قوات النظام السوري، كما أن خسارة التنظيم لبعض المدن لاسيما «كوباني» الكردية في شمال سوريا لم تكن ثمرة الحملة الجوية حصرًا، بل بسبب اقتران الضربات الجوية بالمعارك البرية التي خاضتها قوات كردية.
لذلك كان لفشل التحالف الدولي عدة عوامل كانت كفيلة بإعاقة حملته العسكرية، أهمها:

أ- استحالة التعاون مع القوات الحكومية التي تفتقد للشرعية بالنسبة لمعظم الدول، خاصة أن النظام السوري متهم بالتواطؤ مع تنظيم «داعش» أو في أحسن الأحوال عدم جديته في محاربته.

ب- ضعف وتشرذم المعارضة المسلحة واختلاف أهدافها وتعدد ولاءاتها.

ج- تخوف بعض القوى الإقليمية لاسيما تركيا من التواطؤ والدعم الغربي الصهيوني للأكراد في شمال سوريا بهدف عزل تركيا عن محيطها الإسلامي، الأمر الذي جعلها أقل دعمًا للتحالف الدولي حتى وإن كانت قد شاركت في بعض العمليات العسكرية ضد الإرهاب في سوريا، لذلك كانت متهمة بشيء من التساهل على حدودها الطويلة مع سوريا. د- فشل العمليات العسكرية الجوية كان يحتاج لعمليات برية إلا أن واشنطن كانت قد أبدت وعدة دول غربية عدم نيتها خوض أي معركة برية.

2- التدخل الروسي:

إذا كان التحالف الدولي قد رفض إعطاء أي شرعية لنظام بشار أثناء حربه على الإرهاب في سوريا فإن التدخل العسكري الروسي في سوريا مطلع أكتوبر 2015م جاء أصلًا لدعم وإنقاذ النظام السوري، لكن أغلب التوقعات تشير إلى أن التدخل العسكري الروسي لم يأت إلى سوريا للقضاء على تنظيم «داعش» كما هو معلن، بل من أجل التخلص من فصائل المعارضة السورية التي تشكل خطرًا حقيقيًّا على نظام بشار.
وبعد مرور أكثر من أسبوعين على الضربات الجوية الروسية لأهداف مختلفة في سوريا أظهرت بعض النتائج الأولية أن تركيز تلك الضربات يستهدف مدن وقرى تلبيسة والرستن في ريف اللطمانة في ريف حماة، وهي مناطق لا تخضع لسيطرة «داعش»، كما تبين أن أول ضحايا القصف كانوا من المدنيين، فضلًا عن أن الإعلان الروسي المتكرر لقصف محافظة «إدلب» وحماة يؤكد بما لا يقبل التأويل أن فصائل المعارضة السورية هي المستهدف الأول، بينما يتم استخدام تنظيم «داعش» لتبرير الوجود العسكري الروسي فقط.

في الوقت نفسه، استغل النظام السوري قصف الطيران الروسي لمواقع الثوار وبدا أكثر تحفزًا نحو استعادة بعض المناطق في ريف حماة وسهل الغاب، لكن صمود الثوار حال دون نجاح قوات النظام في إحراز أي تقدم مهم، لكن حتى الآن لم يحقق النظام العلوي أي نجاح يذكر في هذا الشأن، لكن نجاحه الوحيد كان بفضل تنظيم داعش الذي تنازل طوعًا في يونيو 2015م عن بعض القرى في ريف حلب لقوات النظام السوري، ليؤكد تحالف كل الأطراف المحلية والدولية على الثورة السورية.

3- احتمالات تقسيم سوريا:

يبقى احتمال تقسيم سوريا وارد بقوة لأن النظام السوري قد أنجز الجزء الأكبر من المهمة، كما أن التدخلات الدولية ساعدت على ذلك بشكل كبير، خاصة أن مسألة الإعلان عن دولة كردية في الشمال السوري أصبحت قاب قوسين أو أدنى بفعل الدعم الغربي، كما أن سيطرة تنظيم الدولة على نحو نصف الخريطة السورية لم يعد يزعج المجتمع الدولي الذي يقف متفرجًا على التدخل الروسي الساعي إلى تفريق قوى المعارضة السورية فقط دون أي اكتراث لتمدد تنظيم الدولة، والواضح أن الهدف الأهم للتدخل الروسي يكمن في مساعيها القديمة في وضع موطئ قدم في منطقة الشرق الأوسط.



--------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المسدود, السمية, حملة

« الصيد في الماء العكر | بوتين يواصل قطع الكوبونات »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأمل الرائع أمام الطريق المسدود صابرة الملتقى العام 0 08-08-2015 03:52 PM
الصليب الأحمر نحن لا نقبل دماء المسلمين عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 03-01-2014 08:33 AM
تشويه جدران مسجد برسم الصليب المعقوف عبدالناصر محمود المسلمون حول العالم 0 07-03-2013 09:55 AM
اعتصام أمام مقر «الصليب الأحمر» برام الله تضامنا مع الأسرى يقيني بالله يقيني أخبار عربية وعالمية 0 07-25-2012 03:22 AM
الحمل المزدوج في نظام اللغة العربية : التناوب والتضمين مثالا Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 07-01-2012 12:58 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:34 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68