تذكرني !

 





التيارات الإقتصادية المعاصرة

التيارات الإقتصادية المعاصرة المؤلف: عبدالله بن محمد بن عبدالله كنطابلي المؤلف في سطور هو عبدالله بن محمد بن عبدالله كنطابلي ، ولد ببلدة آت أسجن بولاية تغراديت( ميزاب) سنة 1930.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-10-2012, 01:22 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,413
افتراضي التيارات الإقتصادية المعاصرة

التيارات الإقتصادية المعاصرة
المؤلف: عبدالله بن محمد بن عبدالله كنطابلي

المؤلف في سطور
هو عبدالله بن محمد بن عبدالله كنطابلي ، ولد ببلدة آت أسجن بولاية تغراديت( ميزاب) سنة 1930.
تلقى دراسته الإبتدائية عند خاله إبراهيم بن بنوح. و حفظ القرآن الكريم عن ظهر غيب و لم يبلغ الحادية عشر.
درس بالمعهد الجابري علوم الشريعة و الأدب و تمكن منها.
تحصل على شهادة العالمية في الآداب من جامعة الزيتونة، بالإضافة إلى شهادة الكفاءة في العلوم التطبيقية من المدرسة الخلدونية بتونس. و قد نال الشهادتين بإمتياز.
حصل على شهادة الليسانس في الفلسفة من جامعة الجزائر بتفوق.
عمل أستاذا في ثانويات تونسية من سنة 1959 إلى 1962م. ثم درس في ثانويات و معاهد في أرض الوطن إلى أن لقي ربه.
له مجموعة من البحوث و المقالات و المحاضرات في مجال الفلسفة و الفكر الإسلامي و له في الشعر عدة قصائد لم تر نور النشر بعده.
و قد خلف لنا مكتبة ثرية جدا في الشريعة و الأدب و الفلسفة و علم النفس و الثقافة العامة، نرجو من الله تعالى أن يريها النور و أن يفيد بها العلم.
توفي رحمه الله في الجزائر العاصمة يوم 15 جويليه سنة 1987 الموافق ل 18 ذو القعدة عام 1407ه.
نسأل الله تعالى له المغفرة و الثواب آمين.
الرأسمالية
الإقتصاد الرأسمالي عند أهله علم و مذهب، علم يفسر سير الحياة الإقتصادية تفسيرا موضوعيا على أساس التحليل، و مذهب مبتنى مدعو إلى تطبيقه.
الرأسمالية في خطوطها العريضة:
ترتكز الرأسمالية على قواعد ثلاث:
أ- مبدأ الملكية الخاصة بشكل غير محدود، تتناول كل المجالات و كل الثروات و لا تتحد إلا في ظروف إستثنائية قاهرة، و في حدود ضيقة تحت تأثير الظروف القاهرة، فلا تأميم لنشاط إقتصادي إلا في تلك الظروف. و على الرأسمالية أن تحمي تلك الملكية( الخاصة) حماية مطلقة.
ب- فسح المجال أمام كل فرد للبروز في المجال الإقتصادي بكل ما أوتي من طاقة و إمكانات، و السماح له بنوع الطريقة التي ينمي بها ثروته.
فالفرد هو محور الحركة الإقتصادية فهو الكل في الكل، و النظرة الأخيرة ترجع إليه.
ج- ضمان حرية الإستهلاك تبعا لضمان حرية الإستغلال، فله أن ينتج ما شاء و أن يستهلك ما شاء، و لا تتدخل الدولة إلا في الحالات القصوى_ و هي نادرة _ كمنع إستهلاك المخدرات.
معالم الرأسمالية إذن هي: حرية التملك، حرية الإستغلال، و حرية الإستهلاك.
و هنا يبرز التناقض الصارخ بين الشيوعية و الرأسمالية، فإذا كان الفرد هو المحور في النظام الرأسمالي، و إذا كان على المجتمع أن يخدم الأفراد، فإن الجماعة في الشيوعية هي المحور الوحيد، و على الأفراد أن يذوبوا في خدمة الجماعة.
فالنظام الرأسمالي يقدس الدوافع الفردية، لذلك حرص على ضمان مصالح الفرد و لو على حساب المجتمع إلا في الحالات النافرة، على عكس الشيوعية. و كلا النظامين متطرف، إذ يضحي بجانب تضحية كاملة لحساب الجانب الآخر.
كيف نشأ المذهب الرأسمالي؟؟
في فجر العلم الإقتصادي سادت فكرتان
إحداهما: أن الحياة الإقتصادية تسير بشكل طبيعي سليم، وفق قوانين طبيعية محددة عليها يقوم الكيان الإقتصادي، و ما على العلماء إلا البحث عنها لإكتشافها و السير بمقتضاها.
و الفكرة الأخرى: أن تلك القوانين كفيلة بإسعاد الإنسان فردا و جماعة، إذا خليت لها الحرية الكاملة( دعه يعمل، دعه يمر). و كل تدخل في وجه تلك القوانين يؤدي إلى فساد و إخلال بسعادة المجتمع.
و هذه دعاوي مفرطة مغالية، إذ كيف تكون هناك قوانين ثابتة لنشاط الإنسان المتغير دوما، فلا بد أن تتغير القوانين تبعا لذلك، فقوانين الرأسمالية ينبغي أن تدرس لا في نطاقها العلمي القار الصارم، و إنما من خلال تلبيتها لمطامح الإنسان المتجددة.
القوانين العلمية في الإقتصاد الرأسمالي ذات طابع مذهبي:
ما تدعيه الرأسمالية من علمية في قوانينها ليس شيء، و إنما هي علمية في إطار مذهبي خاص، لوحظت في مجتمعات خاصة، و ليست علمية كما عليه قوانين الفيزياء و الكيمياء مثلا، فليست مطلقة تصلح لكل زمان و مكان و لكل مجتمع.
فقانون العرض و الطلب –مثلا- لا يعمل في إستقلال عن وعي الإنسان و إرادته كما تعمل القوانين الطبيعية.
و هذا لا يعني إستحالة قيام علم إقتصادي على الإطلاق، و إنما يجب أن نأخذ بعين الإعتبار إرادة الإنسان و مطامحه، و علاقات الأفراد المختلفة، و هي و إن كانت قوانين فليست صارمة كقوانين الفيزياء مثلا إذ لا تسلب الإنسان حريته و إرادته.
فمثلا: القانون الذي إستخلصه كلاسيكيون من وجود إنسان إقتصادي يؤمن بالمصلحة الشخصية كهدف أعلى على سبيل الإطلاق. هذا ليس دائما صحيحا، بل هو مستوحى من ظروف إجتماعية خاصة، إذ أن المجتمعات تختلف في العوامل التي تحدد دوافع السلوك فيها، تبعا للقيم العملية و الروحية في الحياة.
فالمجتمع الإنساني في نشوئه كان بعيدا كل البعد عن ذلك الطابع الرأسمالي، و قد أخرج إلى حيز الوجود مجتمعا إقتصاديا يقوم على أساس التكامل و العدالة الإجتماعية التي لم تعرف صراعا ماديا إقتصاديا، كما عرفته أوروبا من بعد، و قد سمت مبادئه بأفراده و جماعاته أيما سمو، و حققت عصرا ذهبيا لم تعرف الإنسانية له نظيرا، و إن كان للأسف قصير المدى.
فالإسلام لم يفرط و لم يفرط في اعتبار كل من الفرد و الجماعة، و لم يضح بأحدهما أو يذبه في الآخر كما فعلت كل من الرأسمالية و الشيوعية؛ بل راعى كلا من الجانبين: الفردي و المجتمعي أو الجماعي مراعاة تامة، فلم يخنق الحريات الفردية، و لم يطلقها تعبث بحياة الجماعة كما تشاء، بل جعلها عدلا وسطا (( و كذلك جعلناكم أمة وسطا))(سورة البقرة الآية 143) فكان من ذلك أروع النتائج التي أضحت مضرب المثل للإنسانية، بعيدة كل البعد عن أنانية الفرد أو أنانية الجماعة.
جاء في تاريخ التجربة الإسلامية الفذة على يد الرسول صلى الله عليه و سلم أن جماعة من ذوي العسرة جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه و سلم يقولون: يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجور، يصلون كما نصلي و يصومون كما نصوم، و يتصدقون بفضول أموالهم. فأجاب النبي صلى الله عليه و سلم قائلا: (( أوليس قد جعل لكم ما تصدقون به: إن لكم بكل تسبيحة صدقة، و بكل تكبيرة صدقة، و أمر بالمعروف صدقة و نهي عن المنكر صدقة))
فهؤلاء الفقراء لم يؤلمهم الحرمان، و إنما ذهاب أهل اليسار بفضل التصدق، وليس لهم ما ينفقون، و حز في نفوسهم أن يذهب أهل اليسار بتلك المكانة المعنوية القائمة على البر و الإحسان إلى الأفراد و المجتمع. و هذا ما يجسد دور الفرد و دور الثروة في المجتمع المسلم، تواد و تراحم و تكافل و تسابق إلى الخيرات.
و قد جاء في وصف الإجارات و التجارات في المجتمع المسلم ما حدث به الشاطبي في قوله: (( تجدهم في الإجارات و التجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة، حتى يكون ما حاول أحدهم من كسب لغيره لا له. و لذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم، كأنهم وكلاء للناس لا لأنفسهم، بل كانوا يرون المحابات_ و إن جازت_ كالغش لغيرهم)).
و من هنا ندرك الدور الإيجابي للإسلام في صياغته للفرد و الجماعة، بعيدا عن الأنانية و الإستغلال لجهود الآخرين بغير حق، و كذلك ندرك الخطأ الفادح للذين يريدون أن يخضعوا المجتمع الإسلامي لقوانين أخذت من مجتمع يخالفه كل المخالفه.
نقد الرأسمالية و أفكارها و قيمها الأساسية
إذا كانت فكرة الحرية هي المبدأ الأساسي للمذهب، فمن أين جاءت هذه الفكرة، و لماذا يجب أن يقام المجتمع على أساس الحرية الإقتصادية؟ و من أين نشأ هذا الحق الذي تتمسك به الرأسمالية المذهبية و ترفض أي تحديد أساسي له؟
للإجابة عن ذلك نقول: إن الحرية في التفكير الرأسمالي ترتبط بقيم معينة، تستمد منها أساسها المركزي في المذهب.
فهي ترتبط أحيانا بالفكرة القائلة بالتوافق بين مصالح الفرد و مصالح المجتمع، فعلى المجتمع أن يطلق الحرية للفرد و يفسح المجال لتحقيق أغراضه الإقتصادية تحت دوافعه الخاصة، و من خلال ذلك تتحقق مصالح المجتمع تلقائيا.
و هي أحيانا ترتبط بفكرة تنمية الإنتاج ، مرتكزة على القول بأن الحرية الإقتصادية هي أفضل دافع للإنتاج كما و كيفا.
و هناك فكرة ثالثة ذات طابع خاص هي أن الحرية على العموم حق إنساني أصيل و تطبيق عملي للكرامة البشرية ، فما هي إلا تحقيق لإنسانية الإنسان، و وجوده الطبيعي الصحيح.
فالأفكار التي تقوم عليها الرأسمالية و تستمد منها شرعيتها و تضمن لها قاعدتها في التخطيط الإجتماعي، كما يدعو إليه المذهبيون، ثلاثة هي:
أ- وسيلة لتحقيق المصالح العامة.
ب- دافع حافز لتنمية الإنتاج و الثروة العامة.
ت- تعبير أصيل عن كرامة البشرية و حق الإنسان في الحياة. و الآن إلى التمحيص لهذه الأفكار:
أ- الحرية وسيلة لتحقيق المصالح العامة:
تزعم المذهبية الرأسمالية أن كفالة الحرية لكافة الأفراد في المجتمع خليق بتحقيق أغراض الفرد و الجماعة جميعا دون أي حاجة إلى قيم و أخلاق تقيد تلك الحرية، لأن مصلحة الجماعة متضمنة في مصلحة الفرد. و لا يعني هذا خلو المجتمعات الرأسمالية من قيم و أخلاق إطلاقا.
و إنما يزعم هذا الرأي أن المجتمع قادر على تحقيق مصالحه، و لو في غياب القيم الأخلاقية، إذ ليست ضرورية في ذلك، و توفير الحريات للأفراد كاف لتحقيق مصالح الفرد و الجماعة.
و يدللون على رأيهم بأن الحريات الإقتصادية تسمح بالتنافس الحر في ميادين الإنتاج، و هذا يدعو إلى الزيادة المطردة كما و كيفا ما بين الأفراد المنتجين، حتى لا يكتسحه الآخرون لأنهم أحسن أو أوفر إنتاجا، و هذا بدافع من مصلحته الخاصة، فالرأسمالي دائم التطوير لإنتاجه حتى يضمن له التفوق، و جزاء من لا يثبت لهذا السباق التنافسي هو الإفلاس كأن يكون ضعيفا أو مهملا أو متكاسلا.
و هذ التنافس الحر و ما ينتج عنه يكفي وحده لسوق الناس إلى تحقيق مصالحهم، فلا حاجة إلى تربية خلقية معينة، و لا قيم روحية يراض عنها، أو مواعظ أو نصائح.. إذ أن مصلحته الخاصة كفيلة بتحقيق كل ذلك ما دام حرا في مجتمع يكفل له حريته. و لا حاجة أيضا إلى النصح له بالبر و الإحسان، و مطالب الجماعة تتحقق تلقائيا من خلال مصالح الفرد بوصفه جزءا من المجتمع.
أصبح القول بتوافق مصالح الفرد و مصالح المجتمع أدعى إلى السخرية و التهافت، بعد أن ضج تأريخ الرأسمالية بالمظالم و الكوارث و الفواجع، قل نظيرها في تأريخ البشرية، و تناقضت بشكل واضح صارخ المصالح الفردية و الجماعية، و ظل فراغ روحي هائل في الفرد و الجماعة، مليء بألوان من الظلم و الجشع و الإستهتار و التلاعب بالقيم الإنسانية العادلة.
و قد اضطرت الرأسمالية إلى الترقيع و التلفيق كي تتلافى تلك الكوارث دون جدوى، فالمذهبية الرأسمالية الآن مذهب تأريخي تجاوزه الزمن أكثر من مذهب يعيش في واقع الحياة.
و الحرية الإقتصادية إنما هي سلاح بيد الأقوى يجهز به على كل من هو أضعف، و به يصل إلى المجد الإقتصادي على جماجم الضعفاء و من لا حول لهم ، إذ أن الناس ليسوا سواء في المواهب الجسدية و العقلية و الفرص الطبيعية، و من هنا يقوم صراع لا يرحم بين مختلفين من حيث الإستعداد و القوى و السلاح، فلا بد من هازم و مهزوم و غالب لا يرحم مغلوب.
و قد بلغ الإستهتار من جانب الرأسماليين أن جعلوا من الإنسان نفسه بضاعة تخضع لقانون العرض و الطلب، فأصبحت الحياة الإنسانية تحت رحمة تلك القوانين الجائرة ( أجور العمال و البطالة و إبتلاع الرأسماليين الكبار لصغارهم...).
فتحت رحمة الرأسمالية القائمة على الحرية التي تسمح بتفوق الأقوياء، لا باس من دمار الضعفاء و جوعهم و بطالتهم، ما دام النظام الرأسمالي يقدم بصيصا من الأمل و إن تراكم البؤس و الفاقة و الظلم الإجتماعي.
هذا هو التوافق الخرافي بين الدوافع الذاتية في ظل حرية الرأسمالية و بين مصالح الجماعة. و قد تنازل الرأسماليون أنفسهم عنه و اتجهوا إلى تحديد الحرية بالقيم و الضمانات.
يتجرد المجتمع القائم على الرأسمالية الحرة من القيم الإنسانية تماما، و يسوده الجشع و تختفي منه مظاهر البر و الإحسان؛ و يسوده الصراع الذي لا يرحم من أجل البقاء، بدلا من التعاون و التكافل...
لنفرض أن الخرافة الرأسمالية صحيحة و أنه تبعا لذلك تضمن الدوافع الذاتية تحقيق المصلحة العامة، فهل يمكن أن يقال هذا عن كل المجتمعات التي سخرت لهذا النظام؟ فكيف سمح النظام الرأسمالي الحر أن يسخر سائر الكتل البشرية لحسابه، و لقضاء أغراضه و مآربه؟
تأريخ الرأسمالية أفصح مجيبا عن هذا السؤال. فقد قاست الإنسانية في مختلف المجتمعات أهوالا و فظائع و ويلات على يد الرأسمالية نظرا إلى فراغها الروحي و تجردها من القيم سوى ما كان ماديا صرفا، و ستبقى تلك الفظائع وصمة عار في جبين الرأسمالية الحديثة. ذلك لأن الحرية الإقتصادية المطلقة من كل قيد هي أفتك سلاح سلطه إنسان على أخيه الإنسان، و أفظعه في التدمير و الخراب.
فنتيجة لهذه الأفكار تسابقت أمم أوروبا لإستعباد الإنسان و استعمار الأقطار دون أي شفقة أو رحمة أو هوادة، بل لبيع الملايين من البشر كعبيد يباعون في الأسواق الرأسمالية الحرة، و ظل الأمر كذلك إلى القرن التاسع عشر حيث دعت بريطانيا إلى القضاء على النخاسة لا بدافع إنساني و إنما على سبيل المناورة و الإستبدال به نظاما إستعباديا آخر، فقد أرسلت أسطولها لمراقبة بيع العبيد من أجل القضاء عليه فمهدت السبيل لإحتلال مساحات كبيرة من شواطئ أفريقيا، و انقلبت عملية استعباد الفرد إلى استعباد الجماعات تحت شعار الإستعمار بدلا من أسواق أوروبا التجارية، و هكذا انطبق عليهم البيت الحكيم:
المستجير بعمرو عند كربته **** كالمستجير من الرمضاء بالنار
فهل بعد هذا يمكن القول بأن الحرية الإقتصادية كفيلة بتحقيق مصالح الفرد و مصالح الجماعة معا؟
ب- الحرية سبب لتنمية الإنتاج:-
هذه الفكرة مخطئة من جهتين:
فأولا: ليست المنافسة الحرة بين متكافئين قوة و فرصا و إمكانات، بل بين متفاوتين تفاوتا صارخا، سرعان ما يؤدي إلى إبتلاع الأقوياء للضعفاء من منافسيهم. فيظهر الإحتكار و التسلط الإقتصادي من طرف فئة محدودة على حساب الجماهير و من بينها أولئك المنافسون الأوائل الضعاف.
و ثانيا: يكمن الخطأ في تقدير قيمة الإنتاج، فلنفرض أن الرأسمالية تسمح بتوفير الإنتاج و تحسينه، و أن التنافس سيؤدي إلى إنتاج السلع بأقل نفقة ممكنة، فهذا لا يعني أنه سيضمن الرخاء للجميع، و إنما يبرهن على قدرة الرأسمالية على توفير الإنتاج و تحسينه لا غير. و ليس هذا كل شيء في حساب الرخاء المجتمعي، كما يتأتى منه عكسه؛ فالرخاء يتوقف على حسن التوزيع للإنتاج، و تمكين أفراد المجتمع كلهم على الإنتفاع منه. و المذهب الرأسمالي أبعد ما يكون من تحقيق ذلك، لأنه يعتمد على قاعدة الثمن. فمن في يده ذلك الثمن يستمتع بالرخاء، و إلا كان فريسة للضياع و الإستغلال الشنيع بقبوله لأرخص الأثمان ليده العاملة حتى لا يموت جوعا.
إذن ليست المبالغة في زعم أن المذهب الرأسمالي كفيل بتنمية الإنتاج و تحسينه لرخاء الناس إلا تضليلا للجانب المظلم منه، الذي يقاسي منه الويلات من لا يملك الوسيلة *****ية: النقود.
ج-الحرية تعبير أصيل عن الكرامة الإنسانية:
أول ما يجب ملاحظته أن الحرية نوعان: حرية طبيعية و حرية إجتماعية. الحرية الطبيعية التي لا نجدها في الجماد و نجدها بشكل بدائي جد محدود في النبات، و نجدها في الحيوانات مختلفة حسب تدرجها في سلمها الحيواني، نجدها أوسع ما تكون عند الإنسان، فبينما كان الحيوان مسيرا بغرائزه على إختلافها، نجد للإنسان غرائز و عقلا يحكمه في تلك الغرائز. و هذه الحرية الطبيعية هي جوهر مقوم لمعنى الإنسان، فلا إنسانية بدونه. و هي خارجة عن القطاع المذهبي لأنها منحة من الله للإنسان و ليست بمنحة أي مذهب بشري.
و أما الحرية المذهبية التي تحتل الصدارة في المذهب الرأسمالي، فهي الحرية الإجتماعية أي تلك التي يكتسبها الفرد من المجتمع، على غختلاف في حالاته.
و بالتمييز بين الحريتين ندرك مدى الخطا و اللبس أو التزييف، عندما تزعم الرأسمالية أن الحرية_ و تعني بها الإجتماعية_ هي مقوم جوهري للإنسانية و عنصر أساسي في كيانها.
فهذا الزعم يقوم على عدم التمييز بين الحرية الطبيعية كجوهر مقوم للإنسانية و بين الحرية الإجتماعية بصفتها مسألة إجتماعية يجب أن تخضع للدرس، حتى نستبين مدى كفائتها لسعادة الفرد و المجتمع، و إنسجامها مع القيم الخلقية التي نؤمن بها...
و عندما نحلل الحرية الإجتماعية نجدها نوعين: حرية ذات محتوى حقيقي، و حرية ذات شكل ظاهري، فهناك حرية إجتماعية جوهرية، و حرية إجتماعية شكلية.
فالجوهرية تعني قدرة الإنسان التي إستمدها من المجتمع على القيام بما شاء من الأعمال، على أن يوفر المجتمع للفرد كل الوسائل و الشروط التي تتطلبها تلك الأعمال: فإذا وفر المجتمع سلعة معينة، و كفل ثمن شرائها، و منع الآخرين من إحتكارها، فقد وفر هذا النوع من الحرية الإجتماعية الجوهرية. و إذا أخل المجتمع بتلك الشروط أو بعضها إنتفت هذه الحرية تبعا لذلك.
و أما الحرية الشكلية فهي لا تتطلب كل تلك الشروط، بل قد يكون معها الفعل مستحيلا بالنسبة إلى الفرد كشراء سلعة من طرف من لا يملك ثمنها. فالإنسان العبادي حر شكليا في شراء رغيف، كما هو حر في شراء شركة رأسمالية يقدر ثمنها بمئات الملايين ما دام المجتمع لا يقف في وجه تصرفه ذلك.
و أما قلة الفرص أو إنعدامها في نطاق التنافس نهائيا و واقعيا، و عدم توفير المجتمع لها... فلا يتناقض مع الحرية الشكلية في إطارها العام.
لكن الحرية الشكلية ليست خاوية دائما هكذا، بل تحمل معنى إيجابيا في بعض الأحيان، فرجل الأعمال قد يبدأ من الصفر، ليمتلك آخر المطاف شركة كبرى، فالحرية الشكلية قد تكون حافزا و دافعا إلى تنمية الثراء باستغلال الفرص، و إن قلت. و الإعتماد على الكفاءات و المواهب لكن الشيء الذي يفقد في الحرية الشكلية هو ضمان المجتمع له الحصول على الشركة مثلا، إذ أن هذا الضمان تكفله الحرية الجوهرية لا الشكلية، و إن كانت هذه- كما مر بنا- قد تكون حافزا لبذل الجهد و إطلاق الطاقات في سبيل تحقيق المنجزات العظيمة. و إن كانت هذه الحرية إسمية فحسب لا بصيص فيها من الحقيقة عند من لا يقدر على المنافسة بنجاح.
و رغم هذا يتبنى المذهب الرأسمالي الحرية الشكلية كمبررات للموقف السلبي تجاه الحرية الجوهرية:
إحداهما: أن أي مجتمع لا يستطيع توفير الحرية الجوهرية لكل شخص، و ضمان ما يطمح إلى تحقيقه، فليس من الممكن أن يجعل المجتمع من المغرور نابغة، و لا من المعقول أن يصبح كل فرد رئيسا...
و إنما المعقول أن يفسح المجال لكل فرد، و على هذا الفرد أن يحقق ما إستطاع معتمدا على مواهبه و إمكاناته، فإما أن يبلغ القمة أو ينجح نوعا ما، أو ينقلب خاسرا و على أي حال المسؤولية عليه هو.
و الأمر الثاني: لو تكفل المجتمع بتيسير كل شيء أمام الأفراد جميعا، لأخمد فيهم جذوة الحماس و التنافس، و قضى على شعلة الحرية فيهم، فما دام المجتمع ضامنا لمطالبه فما الفائدة من السعي و العمل؟
و كلا هذا المبررين صحيح إلى حد ما، لكن ليس بالشكل الذي تقرره الرأسمالية، ملغية على أساسه الحرية الجوهرية و الضمان إلغاءا كليا. نعم إن ضمان تحقيق كل ما يطمح إليه كل أفراد مجتمع ما، مهما كان خياليا، أمر غير ممكن و لكن من الممكن جدا توفير حد أدنى من الحرية الجوهرية في المجال الإقتصادي مع تقديم ضمانات كافية لمستوى من المعيشة مقبول لكافة أفراد المجتمع، مهما كانت فرص الإنسان و شروطه. ذلك ليس خياليا لا يمكن تحقيقه، ولا داعيا إلى تجميد الطاقات و إخماد روح الكفاح في الحياة، ما دام التنافس قائما فيما هو أدنى من المستويات مما يكون حافزا للعمل و الجد و الإبداع.
و بهذا ينهار المبرران اللذان اعتمدتهما الرأسمالية في سبيل موقفها السلبي من الحرية الجوهرية و الضمان.
و الحقيقة أن موقف الرأسمالية السلبي من الحرية الجوهرية نتيجة طبيعية لموقفها الإيجابي لفائدة الحرية الشكلية لأنها قد أقامت نظامها عليه، فأصبحت الحرية الجوهرية أمرا ثانويا و كذلك الضمان، لتعارض هذا مع ذلك. فوضع نظام يضمن العمل لكل الطاقات العملية في المجتمع، و ضمان أدنى مستوى من المعيشة و ما إليه يقتضي الحد من الحرية الشكلية لدى أرباب العمل، و هذا ما يأبونه لأنه خروج من مبدئهم في الحرية.
و الشيوعية الماركسية وقفت موقفا معاكسا، فألغت الحرية الشكلية، بإقامة جهاز ديكتاتوري يتولى السلطة المطلقة، و زعمت أنها قدمت بديلا للحرية الشكلية هو الحرية الجوهرية، عن طريق ما تقدمه للمواطنين من ضمانات العمل و الحياة.
و هكذا فشل كلا المذهبين في حل التناقض ما بين الحريتين، إذ كل منهما يلغي إحداهما و يتمسك بالأخرى، و ليس هناك من حل سليم في هذا المشكل، مشكل تناقض الحرية الجوهرية و الحرية الشكلية إلا في الإسلام، إذ الفرد و المجتمع في حاجة أساسية إليهما، فالإسلام آمن بالحريتين و وفق بينهما، فسمح لجميع أفراد المجتمع المسلم بالحياة الكريمة و ممارستها، و لم يعترف في نطاق هذا الضمان بالحرية ، و لم يجعل من الضمان مبررا لإلغاء الحرية الشكلية و إهدار قيمتها الذاتية و الموضوعية، فخارج مبدأ الضمان لكرامة الإنسان لحياته، سمح بمبدأ التنافس و التسابق من أجل الإنتاج و الإبداع و العطاء.
و هكذا إمتزجت الحريتان في ظل الإسلام إمتزاجا رائعا لم تتفطن إليه الإنسانية و لم تنتهجه خارج النظام الإسلامي، إلا في غضون هذا القرن، إذ بدأت المحاولات لإقرار مبدأ الضمان و التوفيق بينه و بين الحرية، بعد أن فشلت الرأسمالية فشلا مريرا.
الشيوعية الماركسية
ترتبط الماركسية تاريخيا بالمادة التأريخية التي تزعم أنها إكتشفت القوانين التي يسير عليها التأريخ. و ما الماركسية المذهبية إلا مرحلة تأريخية معينة و تعبير محدود نسبيا عن المفهوم المادي للتأريخ، و لو كانت هذه المادة التأريخية علما محتوما لوجب تفسير مراحل التأريخ لدى جميع الأمم على ضوئه. و هذا خيال مجنح، بعيد عن الواقع، فالإسلام يقوم بنظامه الإقتصادي دليلا على كذب هذا الزعم.
أما إذا فشلت المادية التأريخية في عمليتها المزعومة فلا مناص من إنهيار الماركسية المادية، و هنا يمكن تبني مذهب آخر للإقتصاد غير الماركسية كالإسلام- مثلا-.
نظريات العامل الواحد:
هناك مذاهب تفسر التأريخ أو الحضارة الإنسانية بعامل واحد كالفرويدية التي تفسر التأريخ بعامل الجنس، و الماركسية التي تفسر التأريخ بالمادة، أو العنصرية التي تفسر التأريخ على أساس جنس بشري معين، فتي الدم قوي، بذلك ينتصر على غيره.
و من بين هذه النظريات النظرية الماركسية التي تفسر حياة الإنسان بعامل واحد هو المادية التأريخية، فالعامل الإقتصادي عندها هو كل شيء، و ليست العوامل الأخرى غلا بنيات فوقية ثانوية، تتكيف وفقا للعامل الاساسي و هو الإقتصاد.
و هذه المحاولات جميعا لا تتفق مع الواقع و لا يقرها الإسلام، لأن حياة الإنسان كل متشابك تتحكم فيه عدة عوامل معنوية و مادية على حد سواء.
العامل الإقتصادي أو المادية التأريخية:
ترى الماركسية أن اللوضع الإقتصادي هو الذي يتحكم في المجتمع، و يطبع الحياة فيه على تنوعها من فكرية و مادية، فالقوة المنتجة و الإنتاج يتحكمان في صوغ هذا المجتمع و مثله و تقاليده و أخلاقه و دينه... و وسائل الإنتاج أو أدواته يستخدمها الإنسان في إنتاج حاجاتها المادية ، و بهذا يتم الصراع مع الطبيعة، و أول الأدوات هي ذراع الإنسان و يده، و تطورت مع الزمن فصار الإنسان يتفنن في إنتاج هذه الأدوات من مطرقة و معول و سكين و سلاح إلى عصر الكهرباء و الذرة. فهذه القوى هي التي تصنع للإنسان حاجاته.
و ترى الماركسية أن الوسائل المنتجة تولد الحركة التأريخية طبقا لتطورها و تناقضاتها، فكل طور من أطوار القوى المنتجة يصنع تأريخا معينا، و بما أن الإنسان يعيش في مجتمع، فإن علاقات الإنتاج القائمة بين الناس في نطاق صراعهم مع الطبيعة هي التي تحدد نوع النظام الإجتماعي المعين، من مشاعية أو عبودية أو إقطاعية أو رأسمالية أو إشتراكية كما تحدد نوعية الملك، و موقف الأفراد من الناتج الإجتماعي.
و هذه العلاقات الإنتاجية و الملكية هي الأساس الواقعي عند الماركسية الذي يقوم عليه المجتمع، كما ترى أن هذه العلاقات تتكون بصورة ضرورية في المجتمع، تبعا لنوع الإنتاج، و ينشأ تبعا لذلك صراع بين القوى المنتجة النامية و بين علاقات المالكة، و هذا منشأ الطبقية عند الماركسية، فالصراع يشب بين الطبقة العاملة و الطبقة المالكة، و هكذا ينشأ التناقض ااطبقي الذي بمقتضاه يسير التأريخ.
المادية التأريخية و الصفة الواقعة:
دأب الماركسيون على الزعم بأن المادية التأريخية هي الطريقة العلمية لتفسير أحداث التأريخ و تطورها ، و وصفوا كل من رفض ذلك بأنهم أعداء علم التأريخ و أعداء الحقيقة الموضوعية، مبررين قولهم هذا بأن المادية التأريخية تقوم على أمرين:
أ- الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية.
ب- أن الأحداث التأريخية لم تخلق صدفة، بل تبعا لقوانين حتمية يجب دراستها و السير على مقتضاها...
و يرد عليهم أن الإيمان بالحقيقة التأريخية الموضوعية للمجتمع و أحداث التأريخ، لا يعني أبدا الأخذ بهذا المفهوم المادي، فهناك واقع ثابت لأحداث التأريخ نشأ بفضل عوامل متعددة فكرية و جنسية في الماضي و الحاضر، لا سبيل إلى نكرانه. و إذا ما حاولنا تعدد هذه العوامل نجدها كثرة كثيرة مما يبين فساد القول بالعامل الواحد كما تدعي الماركسية. فالحقيقة الموضوعية تعني العناية بكل هذه العوامل لا بعضها ثم تفسير علم التأريخ على ضوئها جميعا لا ببعضها.
النظرية الماركسيسة في ضوء المادية الفلسفية:
عابت الماركسية على مادية القرن التاسع عشر الميكانيكية أنها لم تستوعب التفسير للتأريخ على ضوء المادية. فظلت فلسفة مثالية إذ آمنت بالأفكار و تأثيرها على الأحداث، و على المبادئ الروحية للإنسان و منحتها الدور الرئيسي في سير التأريخ؛ و لذا لم تصل إلى الغاية المادية للتأريخ. فأخفقت علميا في وضع تصميم علمي لمادية تأريخية تتجاوب مع المادية الكونية.
و نقطة الضعف هنا هي الربط بين المادية الفلسفية و المادية التأريخية، فهل من الضروري أن نفسر هذه بتلك؟ فلا بد من التمييز بينهما. فالمادية بمفهومها الفلسفي تعني أن المادة في مظاهرها المتعددة هي الواقع الوحيد الذي يشمل الكون و الوجود، و ليست ********ات و ما يتبعها من أفكار و مشاعر... إلا نتاجا ماديا. فالتفكير مهما بدا رفيعا ما هو إلا نتاج لمادة هي الدماغ. و هذه المادية الفلسفية لا يعنيها أن ينشأ التأريخ من المادة و أذواقها أو من الإنسان و أفكاره. فهذه الفلسفة لا تحتم تفسير التأريخ حسب ما تذهب إليه الماركسية، و لا تذهب إلى أن الإنسان عجينة رخوة يشكلها الإنتاج المادي و أدواته فقط.
إذن المسألة التأريخية يجب أن تدرس مستقلة عن الفلسفة الكونية.
في ضوء قوانين الجدل( الديالكتيك):
يعتمد الجدل على تفسير كل تطور و صيرورة بالصراع بين الأضداد. فكل شيء يحتوي في صميمه على نقيضه، و يخوض المعركة معه و يتطور تبعا لظروف الصراع.
هذه جدلية مثالية فكرية عند هيجل، نقلها ماركس إلى المجال المادي و فسر بها تطور التأريخ، فترى في التناقض الطبقي وسيلة لسير التأريخ و تطوره.
هذه الجدلية المادية إستطاعت الماركسية أن تحلل بها التأريخ في بعض مظاهرها، و لكنها تناقضت في النتائج التي إنتهت إليها كنتيجة حتمية حاسمة:
أ- ديالكتيك الطريقة: حاولت الماركسية أن تفسر بهذه الطريقة كل مناحي الحياة. فلم تنج من التناقض إذ هي تقرر أن كل شيء يخضع لها في تطوره، من جهة كما تعترف بحدوث الأشياء على مستوى العلة و المعلول، و في التأريخ الذي تزعم قيامه على أساسه، و هو أيضا يخضع لهذا المبدأ. العلاقة بين البنيات المتنوعة و بين طريقة الإنتاج. و هذه علاقة علة بمعلول لا علاقة نقيض بنقيضه الذي يحتوي عليه. و تفاديا لهذا التناقض في زعم الماركسية رفضت مبدأ العلية في طريقه المستقيم المتقدم، و أخذت به في نطاق دوري يؤثر كل منهما في الآخر، و قالت بمبدأ الأطروحة و النقيض، و التركيب، فالعلة هي المطروحة و المعلول هو الطباق، و المجموع المترابط منهما هو التركيب.
و بهذا الأسلوب فسرت الماركسية التأريخ كما مر، و لكنها عندما فشلت في تعميم هذا التأريخ اضطرت إلى تفسير التطور الإجتماعي و الأحداث التأريخية تفسيرا ميكانيكيا، إن لم تفصح بهذا الفشل عنادا و مكابرة.
ب- تزييف الديالكتيك التأريخي:هذا الديالكتيك لم يثبت فلسفيا و لا علميا.
يزعم ماركس أن ملكية الصانع أو الحرفي الصغير لوسائل إنتاجه هي الأطروحة و العلة. و يرى أن انتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل هو النقيض أو المعلول ، و بما أن المعلول يزداد و ينمو و يؤلف مع العلة تركيبا أكمل ، فإن الملكية الرأسمالية تلد الملكية الإشتراكية التي يعود الحرفي فيها إلى ملك وسائل إنتاجه بطريقة أكثر كمالا.
و لكن هل من المعقول أن يفترض أن الإنسان أطروحة و نقيضا و تركيبا في نطاق أحداث التأريخ ليكون هذا التأريخ و الكون معه ديالتيكيا؟
إن ذلك تجريد في عقل الماركسيين و ماركس لا غير. فهل تكون ملكية الحرفي لوسائل إنتاجه سبب لإمتلاك الرأسمالي لتلك الوسائل، ليقال أن النقيض تولد من نقيضه، و أن الأطروحة أنشأت نقيضا؟
إن ملكية الحرفي ليست سببا في تملك الرأسمالي لوسائل الإنتاج، بل إن ذلك نتج عن تطور طبقة التجار في ظروف معينة عن طريق تراكم الثروات، فأصبحوا منتجين رأسماليين. قوة هؤلاء أمام ضعف الحرفيين هي التي مكنتهم من إنتزاع وسائل الإنتاج منهم، ذلك هو الواقع المعقول. و لولا التوسع التجاري و اكتشاف المعادن و السيطرة على المستعمرات...الخ لما برزت الرأسمالية المعروفة في عهد ماركس و قبله و بعده.
و هكذا يكذب الواقع التأريخي مزاعم ماركس و أتباعه في نظريتهم عن التأريخ.
ج- النتيجة تناقض الطريقة:
إن أقسى ما منيت به الماركسية من فشل في نظريتها أن نتيجتها الأخيرة نفتها و أزالتها. و هنا نتساءل هل إن الجدلية قانون عام لا يتوقف؟ أم أنه محدود يتوقف عند مرحلة معينة؟ فهل سينتهي التناقض الطبقي عند بروز الإشتراكية؟ أم سيقوم نقيض لها و ينشأ عن الصراع تركيب جديد؟...الخ. إن الديالكتيك يظل حائرا هنا و لا يجد جوابا.
في ضوء المادية التأريخية:
لما كانت المادية التأريخية نظرية فلسفية عامة، فقد حاولت أن تفسر التأريخ على ضوئها، ففسرت تركيب المجتمع و تطوره ، و فسرت أنواع المعرفة فيه بقوانين الديالكتيك ما خلا مرحلتها هي أي الشيوعية، التي جعلتها مطلقة و نهائية، على عكس المعارف الإنسانية الأخرى التي رأتها نسبية ترجع لظروف معينة. و هذا محص محكم بلا دليل.
إن إعلان أن المادية التأريخية مطلقة ، على عكس النظريات الأخرى التي هي طارئة و نسبية، زعم عريض يحتاج إلى دليل يدعمه، و هو ما عجزت عنه الماركسية و إلا تناقضت مع مبدئها التطوري الجدلي. فأعلنت على نقيض مبدئها أن قوانين المادية التأريخية مطلقة عامة حاسمة أبدية، و ليست مرحلة كغيرها من مراحل الفكر البشري. فلا ينالها تحوير و لا تطور و لا تغيير. فكان فهم ماركس هو الفهم البشري الأخير فلا يأتي من بعده من هو أعمق منه نظرا أو أحد حكيما، و المنطق السليم – و لو تبعا لماركس- يقتضي بأن المادية التأريخية هي نظرية كغيرها نشأت في ظروف معينة، فهي خاضعة للتطور على حسب الظروف التأريخية للبشر، لا نقطة نهائية تتوقف عندها كل معرفة و كل نظرية.
و زعم آخر لماركس يتمثل في حتمية الثورة التي جعلها قانونا عاما، مع أنه استخلصه من ظروف معينة محدودة في القانون العلمي العام الصارم. و هذه دعوى عريضة دون برهان، سوى ما شاهده ماركس من تفاقم الفارق بين المرفهين و المحرومين فقال بحتمية الثورة لإزالة ذلك التناقض، و مات ماركس و سارت الأمور في أوروبا عكس ما تنبأ. فظهر انكماش في الفوارق، و أصبح في الإمكان تحسين ظروف المحرومين بالوسائل السياسية و بالإصلاحات و بالضمانات...
و سار الماركسيون بعد زعيمهم في طريقين: طريق الإصلاح و التطوير السلمي في أوروبا الغربية المتقدمة المصنعة، و طريق الثورة الدموية في أوروبا الشرقية التي هي أقل تطورا. فهلل الماركسيون لتلك الثورة كحقيقة صحيحة ناسين أن ماركس قد أعلن حتمية الثورة في البلاد المصنعة المتقدمة لا في المتأخرة. هذا يأتي كدليل معاكس لما يزعمه الماركسيون و ناقض له بشكل صارخ.
هذا و لنذهب توا إلى دراسة المذهب الماركسي.
المذهب الماركسي:
تمهيد: يعني المذهب إتجاها معينا في الحياة و العلم بحثا عن الحقائق الموضوعية بحثا واقعيا نزيها لا محاباة فيه. فالمذهب فعال و عنصر من عناصر التجديد. أما العلم فهو كشف عن الحقائق في مجرى الأحداث دون تصرف أو تلاعب. و لكن ماركس مزج مزجا كليا بين ما زعمه علما ( المادية التأريخية) و بين مذهبه في الإشتراكية الشيوعية. على أن ما ذهب إليه ليس إلا تشريعا لمرحلة معينة من مراحل المادية التأريخية، و جزءا محدودا جدا في حياة البشرية.
__________________
و بما أن ماركس مزج مذهبه بما زعمه علما سمى إشتراكيته: (( الإشتراكية العلمية)) تمييزا لها عن الإشتراكيات الأخرى القائمة على الإقتراحات و المشاعر النفسية...
و في المذهب الماركسي مرحلتان تطالب الماركسية بتطبيقهما تباعا و تراهما ضروريتين، و هما الإشتراكية و الشيوعية. و هي على مراحل التطور البشري، و يحقق فيها التأريخ معجزته الكبرى، و تقول فيها وسائل الإنتاج الكلمة الفصل. أما الإشتراكية فمرحلة وسطى بين الرأسمالية و الشيوعية و هي شرط ضروري لإيجاد المجتمع الشيوعي كنهاية سعيدة لمطاف التأريخ.
ما هي الإشتراكية و الشيوعية:
لكل منها معالمها الرئيسية، و تتلخص معالم الإشتراكية و أركانها الأساسية فيما يلي:
أ- محو الطبقية و إيجاد المجتمع اللاطبقي.
ب- إستلام البوليتاريا للأداة السياسية بإنشاء حكومة ديكتاتورية من أجل تحقيق مطالب الإشتراكية.
ج-تأميم مصادر الثروة و وسائل الإنتاج لتكون ملكا للمجموع.
ه- قيام التوزيع على قاعدة: (( من كل حسب طاقته، و لكل حسب عمله)).
و عندما تبلغ الإشتراكية القمة في التأريخ، تظهر الشيوعية التي تحتفظ بمبدأ محو الطبقية و لكنها تضع حدا للحكومة و السياسة على مسرح التأريخ، فتقضي على حكومة البوليتاريا و تجرد المجتمع من الحكومة و قيودها، و تزيد على تأميم الإنتاج إلغاء الملكية الخاصة إطلاقا في الحقلين: الإنتاجي و الإستهلاكي، و تمد قاعدة التوزيع فتكون: (( من كل حسب طاقته، و لكل حسب حاجته)).
نقدا للمذهب الماركسي بصورة عامة:
أخطر سؤال يعدو هو: ما الدليل الأساسي الذي يرتكز عليه المذهب، و يبرز بصورة منطقية الدعوة إليه، ثم تطبيقه؟
إن ماركس لا يستند في تبرير الإشتراكية و الشيوعية إلى قيم و مفاهيم خلقية معينة في المساواة. إذ يرى ذلك خيالا و من ينتهجه خياليا، فما القيم الأخلاقية عنده إلا وليدة العامل الإقتصادي، و الوضع الإجتماعي للقوى المنتجة.
و إنما يستند ماركس إلى قوانين المادية التأريخية التي تفسر حركة التأريخ، فيراها الأساس العلمي للتأريخ، و القوة الصانعة له عبر مراحلها المتعاقبة. و يرى في هذا الضوء أن الإشتراكية نتيجة حتمية لتلك القوانين الصارمة في مفعولها في تطوير الرأسمالية إلى مجتمع إشتراكي لا طبقي.
و قد رأينا أن سير التأريخ لا يسير كما يزعم ماركس- أي في نطاق المادية التأريخية- ، و لا من التناقضات بين قوى الإنتاج و مالكيها، فانتهينا إلى نتائج غير ماركسية, و لا يعني التناقض في نظام الرأسمالية أنه سينتهي حتما إلى الإشتراكية الماركسية، و إنما يعني أن الرأسمالية تسير نحو الموت البطيء حتى تلفظ نفسها الأخير. و لكن تبرهن على أن الماركسية هو البديل الوحيد لها في مجرى تطور التأريخ، و لما هناك أنواع كثيرة من البديل لها: إشتراكية ماركسية أو إشتراكية لا ماركسية، أو إقتصاد مزدوج من أشكال متعددة للملكية، أو إعادة توزيع الثروة على المواطنين في إطار الملكية الخاصة...الخ دون الإضطرار إلى الماركسية.
و بهذا تخسر الماركسية برهانها العلمي، و تفقد طابع الضرورة التأريخية، فلا يبقى بعد ذلك إلا إقتراحا كسائر الإقتراحات المذهبية الأخرى.
الإشتراكية:
الركن الأول فيها هو: محو الطبقية. و تزعم الماركسية أنها بالقضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج تقضي على الطبقية التي تنشأ من مالكين و معدمين. و ترى أن تأميم وسائل الإنتاج ينسف الأساس التأريخي للطبقية، و يستحيل بعد ذلك ظهورها.
و هذا خطأ، فليست الطبقية في التأريخ نوعا واحدا، فهناك إلى جانب الطبقية الإقتصادية طبقيات أخرى سياسية أو عسكرية أو دينية.
على أن تطبيق مبدأ الإشتراكية: (( من كل حسب طاقته ، و لكل حسب عمله)) يؤدي إلى خلق التفاوت من جديد، و ظهور طبقية جديدة.
أما السلطة الديكتاتورية ، و هي الركن الثاني للماركسية، فليست ضرورية من أجل تصفية الطبقية و الإجهاض على الرأسمالية فحسب، بل تعتبرها الماركسية ضرورة مؤقتة تستمر إلى أن تمحو آثار الرأسمالية و آثار الطبقية. و البوليتاريا في حاجة ضرورية إليها من التخطيط الإقتصادي الموجه لكل ميادين الإقتصاد، و يجب أن تتمتع البوليتاريا بإمكانات هائلة حتى تقبض بيد من حديد على كل المرافق الحيوية.
أما الركن الثالث فهو التأميم الذي يقوم (( علميا)) عند ماركس على أساس تناقضات القيمة الفائضة التي تحصل عليها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. فبتراكم التناقضات يصبح التأميم ضروريا لكل وسائل الإنتاج، و لا محيد عنه. و هذا التحليل باطل غير صحيح. إذ إن الفكرة المذهبية في التأميم تتلخص في محو الملكية الخاصة و تمكين المجموع منها. إلا أن هذه الفكرة تصطدم بواقع هو الواقع السياسي الذي يتمتع بديكتاتورية لطبقة معينة( البوليتاريا) يكون في يدها نفوذ مطلق و تحكم في أجهزة الحزب و الدولة. فلا يكفي في هذه الحالة ان يعلن عن الملكية العامة قانونيا ليتمتع بها المجموع و يجد محتواها الحقيقي في حياته، فالمجموع يتمتع قانونيا و إسميا بالملكية، بينما في الواقع لا يتمتع بهذه الملكية العامة سوى طبقة معينة هي الحاكمة، فهي تخلف الرأسماليين في التحكم في الملكية المنتجة ، و تصبح أكثر من أي رأسمالي في الإحتكار و الإستحواذ على القيمة الفائضة.
فما هي الضمانات العلمية في هذا المجال؟؟
و أما الركن الأخير فهو مبدأ التوزيع القائل: (( من كل حسب طاقته و لكل حسب عمله)) و يقوم هذا المبدأ عند ماركس على قوانين المادية التأريخية. فالمجتمع عندما يصبح طبقة واحدة بعد تصفية الطبقية يكون من الضروري أن يعمل كل فرد ليعيش. و بما أن العمل هو أساس القيمة عند ماركس فإنه يجعل لكل عامل نصيبا من الإنتاج حسب كمية عمله. فيكون التوزيع حسب المبدأ السابق: (( من كل حسب طاقته و لكل حسب عمله)). و هذا المبدأ يقيم تناقضا مع الطبيعة اللاطبقية للمرحلة الإشتراكية منذ أن يوضع موضع التنفيذ: فهذا عامل ضعيف لا يقدر على العمل إلا ست ساعات ، و آخر أقوى منه يعمل عشر ساعات، و آخر عبقري موهوب و آخر محدود الموهبة...الخ. أفلا تنشأ طبقية أخرى جديدة في ظل المرحلة اللاطبقية، فتفاوت الأعمال يؤدي إلى تفاوت الأجور و القيم.
و هذه مشكلة واجهت الماركسيين فلم يجدوا لها حلا من سبيلين:
أحدهما: الإحتفاظ بمبدأ التوزيع (( لكل حسب عمله)) فيوزع الناتج على الأفراد بدرجات مختلفة. و هذا ينشأ عنه نظام طبقي كانت الماركسية تسعى إلى محوه.
و الآخر: تستعيره الماركسية من النظام الرأسمالي في إقتطاع القيمة الفائضة لفائدة الحاكمين فيسوي بين جميع الأفراد في الأجور.
و التطبيق- في واقع المجتمع الماركسي - يحل المشكلة بسلوك السبيل الأول، إذ وجد أن من غير المعقول أن يسوى بين أجر العامل البسيط و القائد العسكري أو الأستاذ الجامعي..الخ.
و لهذا نشأت الفوارق و الطبقات في ظل الماركسية، و عمقتها الحكومة لصالحها، فطبقة الشرطة السرية تتمتع بميزات و أجور ضخمة لأنها تخدم حكمها الديكتاتوري. فلم نجد المجتمع الذي مني بمحو الطبقية إلا أمام طبقية أدهى و أمر.
أما الحل النظري فيرى إنجلز أن العامل الكفئ في ظل النظام الماركسي إنما يحمل نفقات الحكومة فليس من حقه المطالبة بزيادة الأجور.
و هنا نجد غفلة: فالعمل المتقن على مر الأيام يزيد كثيرا عن نفقات تدريب العامل، فمن حقه أن يحصل على أجر أكبر و إلا كان حيفا. كما فات إنجلز أن تعقيد العمل ليس ناشئا دوما من التدريب، بل قد ينشأ من مواهب طبيعية في العامل، فينتج ضعف ما ينتج العامل العادي فهل يمكن العامل من أجره العادل أو يسرقه منه المجتمع متمثلا في الدولة الحاكمة؟.
و هكذا لا مناص للماركسية من أحد الأمرين: إما أن تطبق النظرية كما يفرضه القانون الماركسي، فتوزع على كل حسب عمله ، فتخلق طبقية جديدة؛ و إما أن تنحرف عنها فتسوي بين العمل البسيط السهل و بين العمل المعقد الصعب، و بين العامل العادي و العامل الموهوب، فتكون بذلك قد إقتطعت من الموهوب القيمة الفائضة التي يتفوق بها على العامل البسيط كما يصنع الرأسمالي تماما حسب المادية التأريخية.
الشيوعية:
أما الشيوعية فهي الفردوس الأرضي الموعود لا يبقى فيها مجال للملكية الخاصة، فيؤمم كل الملكيات المنتجة و غير المنتجة، كما تمحى فيها السلطة السياسية و يحرر المجتمع من أي حكومة.
و يكون التوزيع على قاعدة: إن لكل حسب حاجته لا حسب عمله، أي أن كل فرد يشبع رغباته على قدر حاجته، لأن الثروة التي عليها المجتمع قادرة على إشباع الرغبات كلها...
هذا و لا يعرف خيال أكثر إمعانا في الجهل و الضلال من هذا الخيال المجنح. على أن المجتمعات الماركسية قد عدلت عن هذه المرحلة لأنها وجدتها مستحيلة التطبيق.
الإقتصاد الإسلامي
الهيكل العام للإقتصاد الإسلامي:
يتألف من أركان رئيسية ثلاثة يتحدد وفقا لها محتواه المذهبي و هي:
أ- مبدأ الحرية المزدوجة.
ب- مبدأ الحرية الإقتصادية في نطاق محدود.
ج- مبدأ العدالة الإجتماعية.
مبدأ الملكية المزدوجة:
يختلف الإسلام جوهريا عن الرأسمالية و الإشتراكية في نوعية الملكية.فالمجتمع الرأسمالي يؤمن بالملكية الخاصة كمبدأ أساسي و لا يحيد عنه إلا لضرورة قاهرة. و المجتمع الإشتراكي يقرر الملكية العامة كمبدأ عام لا يحيد عنه إلا إستثنائيا بحكم ضرورة إجتماعية قاهرة.
أما الإسلام فوسط يقرر الملكية المتعددة بدلا من الشكل الواحد للملكية الذي أخذت به الرأسمالية و الإشتراكية. إذ أن الإسلام يؤمن بالملكية الخاصة و الملكية العامة و ملكية الدولة، و يخصص لكل مجالا و دورا و لا يعتبر أي واحدة منها شذوذا أو إستثناءا.
و لذا من الخطأ عد المجتمع الإسلامي مجتمعا رأسماليا إذ ليست الملكية الخاصة عنده هي القاعدة العامة. كما هو من الخطأ عده مجتمعا إشتراكيا، و إن أخذ بمبدأ الملكية العامة، و ملكية الدولة في بعض الثروات و رؤوس الأموال، لأن الشكل الإشتراكي للملكية ليس عنده هو القاعدة العامة. كما يكون من الخطأ عده مزيجا من هذا و ذاك، فأخذ الإسلام بمبدأ تعدد الملكية لا يعني أنه مزج بين المذهبين الرأسمالي و الإشتراكي. بل إن أشكال الملكية في الإسلام قائم على تصميم مذهبي أصيل قائم على أسس فكرية معينة داخل إطار خاص من القيم و المفاهيم، تناقض الأسس و القواعد و القيم و المفاهيم التي قامت عليها كل من الرأسمالية و الإشتراكية.
مبدأ الحرية الإقتصادية في نطاق محدود:
يسمح الإسلام للأفراد في الإقتصاد بحرية محدودة، بقيم معنوية و خلقية يؤمن بها الإسلام، و هناك يفترق الإسلام عن كل من المذهبين الرأسمالي و الإشتراكي.
و تحديد الإسلام للحرية الإجتماعية في نطاق الإقتصاد على قسمين:
1. التحديد الذاتي الذي ينبع من ضمير المؤمن و نفسه.
2. التحديد الموضوعي معبرا عن قوة خارجية تحدد السلوك الإجتماعي.
أما التحديد الذاتي فيتكون ضمن التربية الإسلامية التي ينشأ عليها المسلم في حدود ما أحل الله و حرم أو أباح عن طريق قناعته الإيمانية.
و بذلك أنشأ مجتمعا مثاليا لا يعرف الأنانية و لا الظلم و الحيف و الإجحاف، و إن لم يبق لفترة طويلة. و رغم ذلك تجد الملايين من المسلمين إلى يومنا هذا يقدمون بمحض إرادتهم على تطبيق المبادئ الإسلامية، فيؤدون الزكاة و غيرها من حقوق الله و المساهمة في أعمال البر و الإحسان و مواساة الضعفاء.
فكيف تقدر النتائج الإيجابية لهذا الركن لو كان المسلمون يطبقون تعاليم الإسلام كلها في ظل مجتمع مسلم؟!
و أما التحديد الموضوعي فهو ذلك الذي يفرض على الفرد المسلم في المجتمع من الخارج بقوة الشرع. و يقوم ذلك على المبدأ القائل: لا حرية للشخص فيما نصت به شريعة الله من ألوان النشاط المتعارضة مع المثل و الغايات التي يقررها الإسلام.
و قد تم تنفيذ هذا المبدأ في الإسلام هكذا:
أولا: حظرت الشريعة الإسلامية ألوانا من النشاط لضررها للفرد و المجتمع فحرمته؛ كالربا و الإحتكار و غير ذلك.
ثانيا: وضعت الشريعة مبدأ إشراف ولي الأمر على النشاط العام، و تدخل الدولة لحماية المصالح العامة، بتحديد ما يمارس الناس من نشاط، حسب الحدود التي رسمها الشرع، و ضمن مبدأ: (( لا ضرر و لا ضرار)).
و الأصل التشريعي في ذلك هو قوله تعالى: (( يا ايها الذين ءامنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم)) ( من الآية 59 من سورة النساء).
فالإسلام قرر القواعد العامة- حدود الله- و ترك التفاصيل للإجتهاد من طرف العلماء و أولي الأمر تبعا لظروف الزمان و المكان حتى يتحقق التوازن الإجتماعي. و لا يجوز لولي الأمر أن يحلل ما حرم الله كالربا و الغش أو يعطل قانون الإرث أو يلغي ملكية ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي. و إنما يسمح له بالتصرف فيما أبيح مراعاة للمصلحة العامة.
مبدأ العدالة الإجتماعية:
الركن الثالث في الإقتصاد الإسلامي هو هذا المبدأ الذي جسده الإسلام، و لم يتركه للناس يرون فيه رأيهم، بل حدده و بلوره و ضبطه.
و العدالة الإجتماعية في الإسلام تحتوي على مبدأين عامين لكل منهما تفصيلاته:
1. مبدأ التكامل العام.
2. مبدأ التوازن الإجتماعي.
و في ظل المبدأين تتمثل القيم الإجتماعية العادلة في الإسلام. و قد تجلى هذا الإهتمام واضحا في أول خطاب ألقاه الرسول- صلى الله عليه و سلم-، و في أول عمل سياسي باشره في دولته الجديدة. فالرسول الأعظم – صلى الله عليه و سلم ــ شن بياناته التوجيهية في خطابه هذا: (( أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم. تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه: ألم يأتك رسولي فبلغك، و آتيتك مالك و أفضلت عليك؟! فما قدمت لنفسك؟! فلينظرن يمينا و شمالا، فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن إستطاع أن يقي وجهه من النار – و لو بشق تمرة- فليفعل. و من لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها تجزي الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته)).
كما بدأ عمله السياسي بالمؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار، لتطبيق مبدأ التكافل بينهم، لكي تتحقق العدالة الإجتماعية.
فهذه هي الأركان الأساسية في الإقتصاد الإسلامي:
1. ملكية ذات أشكال متنوعة، يتحدد التوزيع في ضوئها.
2. حرية محدودة بالقيم الإسلامية في الإنتاج و التبادل و الإستهلاك.
3. عدالة إجتماعية تكفل للمجتمع سعادته، قوامها التكافل و التوازن.
الواقعية و الأخلاقية في الإقتصاد الإسلامي:
و للمذهب الإقتصادي في الإسلام صفتان أساسيتان هما: الواقعية و الأخلاقية.
و هو واقعي لا يحلق في الخيال و يرهق الإنسانية بالمطالب المعنتة فوق طاقتها، بل يقيم تخطيطه على أساس النظرة الواقعية للإنسان (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)) (سورة البقرة الآية 258). كما هو واقعي في أهدافه و غاياته، كما يضمنها ضمانا واقعيا فلا يكتفي بالوعظ و الإرشاد؛ بل يضيف إلى ذلك التشريع المناسب المطبق.
و الصفة الثانية هي الصفة الأخلاقية. فالإسلام لا يستمد غاياته من ظروف مادية و شروط طبيعية تتجاوز الإنسان كما تفعل الماركسية؛ بل ينظر إلى ذلك من خلال ما يمثله من قيم عملية ضرورية للتحقيق من الناحية الخلقية. فضمان حياة العامل_مثلا_ في الإسلام ليس نابعا من ظروف مادية للإنتاج، و إنما هو ممثل لقيمة عملية يجب تحقيقها.
و الإسلام يراعي التكافل- الجانب النفسي إلى الجانب الموضوعي- فلا يكتفي بإنتزاع شيء من مال الغني لإشباع الفقير، و إنما وضع تشريعا دينيا فجعل من الفرائض فرائض مالية، لا يتم دين المسلم بدونها- كالزكاة مثلا. فالزكاة عبادة كالصلاة لا فرق في الوجوب بينهما.
و لا غرو أن للجانب النفسي أثرا بالغا في توجيه العمل و السلك لدى الإنسان ، و لذا لم يغفله الإسلام منذ قرون.
و قد بات من الواضح الآ، أن للعامل النفسي أثره في النشاط و الأزمات و المشاكل التي يضج منها الإقتصاد الأوروبي، و يؤثر على منحني العرض و الطلب.
و لذا كان الإسلام سديد النظر عندما إعتمد العامل الذاتي و العامل الخارجي جميعا لتحقيق العدالة الإجتماعية، فلا مناص من الأخذ بهما جميعا و إعتمادهما حتى يتحقق المطلوب من العدالة الإجتماعية لسعادة الفرد و الجماعة جميعا.
الإقتصاد الإسلامي جزء من كل:
يرتبط الإقتصاد الإسلامي بتربة و أرضية للمجتمع المسلم و هي:
1. العقيدة و هي الركيزة الأساسية.
2. المفاهيم القائمة على تلك الركيزة.
3. العواطف و الأحاسيس التي يتبناها الإسلام.
يرتبط الإقتصاد الإسلامي بالعقيدة مصدر التموين الروحي:--
- إرتباطه بمفاهيم الإسلام عن الكون و الحياة فالملكية فيه حق رعاية يتضمن المسؤولية، و ليس سلطانا مطلقا.
- إرتباطه بالعواطف الإسلامية كالأخوة العامة.
- الإرتباط بين الإقتصاد و السياسة المالية للدولة، فهو جزء منها، تهدف إلى التوازن الإجتماعي و التكافل العام.
- الإرتباط بين إلغاء الرأسمالي الربوي و أحكام الإسلام الأخرى في المضاربة و التكافل العام و التوازن الإجتماعي...
الإطار العام للإقتصاد الإسلامي:
الإطار هو الدين الذي يسمح بنجاح النظام الإقتصادي.
- يخلص إلى عدة مفاهيم للإسلام عن الدين و الحياة.
- فالمشكلة الأساسية في حياة الإنسان نابعة من الفطرة، لأنها مشكلة الدوافع الذاتية في إختلافاتها و تناقضاتها مع المصالح العامة. و الفطرة في نفس الوقت تمون الإنسانية بالعلاج و ليس هذا العلاج إلا الدين الحنيف القيم، لأنه هو الوحيد القادر على التوفيق بين الدوافع الذاتية ، و توحيد مصالحها و مقاييسها العلمية.
فلا بد للحياة الإجتماعية من دين حنيف قيم
، لوضع التنظيم الإجتماعي داخل الإطار.

المصدر: ملتقى شذرات


hgjdhvhj hgYrjwh]dm hgluhwvm

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« القيادة وقت الأزمات | الأزمة المالية العالمية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أثر التيارات المادية في التصورات الدينية عبدالناصر محمود بحوث ودراسات منوعة 0 05-20-2015 08:42 AM
العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 0 03-11-2014 08:33 AM
التكيف مع العولمة الإقتصادية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 06-20-2012 12:27 PM
المعرفة و الرفاهية الإقتصادية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 02-21-2012 01:20 PM
السياسة الإقتصادية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 01-10-2012 12:59 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:44 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68