تذكرني !

 




شذرات

العودة   ملتقى شذرات > مكتبة شذرات الإلكترونية > بحوث الإدارة والإقتصاد

التسويق بين إرباك الوجود الإنساني ومخلب الليفاثان: في إشكالية التعريف الأكاديمي

التسويق بين إرباك الوجود الإنساني ومخلب الليفاثان: في إشكالية التعريف الأكاديمي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (عمار سليمان) ـــــــ 18 / 5 / 1437 هــ 27 / 2 / 2016 م ــــــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-27-2016, 08:45 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة التسويق بين إرباك الوجود الإنساني ومخلب الليفاثان: في إشكالية التعريف الأكاديمي


التسويق بين إرباك الوجود الإنساني ومخلب الليفاثان: في إشكالية التعريف الأكاديمي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عمار سليمان)
ـــــــ

18 / 5 / 1437 هــ
27 / 2 / 2016 م
ــــــــــــــــ

التسويق إرباك الوجود الإنساني ومخلب 22-2-2016A.jpg



يعتقد البعض أنَّ التسويق هو المرادف لكلمة سوق؛ أي المكان الذي يجتمع فيه البائع والمشتري ليتم تبادل السلع والخدمات، وإذا فحصنا المفهوم أكثر من ناحيته الأكاديمية فنجد أنَّ كوتلر يعرفه: "بأنَّه إدارة تحاول إشباع رغبات وحاجات العميل"[1]، ويعرفه رؤوف شبايك: "بأنَّه وسيلة لزيادة العوائد التي تحصل عليها من العمل التجاري"[2].

لكن، هذه التعريفات تقطع مفهوم التسويق من سياقه المعرفي والتاريخي وتُغفل حقيقة أنَّ التسويق أضحى متغلغلًا في كافة نواحي الحياة وتحول من عارضٍ للأفكار إلى منتجٍ لها، وهذا ما يؤكده كثير من الباحثين؛ فيقول ماكسويل: "إنَّ التسويق أصبح يخلق الحاجة والرغبات"[3] .

وفي تجاوز للتعريفات الأكاديمية المجتزئة - مع الإقرار بــصعوبة حد هذه التعاريف في العلوم الإنسانية - أحاول الانتقال إلى أثر التسويق في الواقع وتشابكاته، وإلى أين أوصلنا هذا المخلب من مخالب الدولة الحديثة؟



من الطبيعة إلى الثقافة
-------------

يقول الطيب بوعزة: "معلوم أنَّ (الطبيعة) كانت أحد المرتكزات المفاهمية للفلسفة الأنوارية"[4].

من هذا المنطلق وغيره، كالفردانية والتحرر، تبلورت رؤية الإنسان الغربي حول غزو الطبيعة واستغلالها دون مراعاة للعواقب على مستوى هذه الطبيعة وعلى مستوى ساكنيها.

اتسق التسويق كعنصرٍ مهم وفعَّال في فلسفة النظر إلى الطبيعة أو استغلالها؛ فكان الأمل معقودًا على فردوس أرضي سيقام بعد تجاوز الفردوس الديني, تؤسس مملكة العقلانية مبناه الغارق في السلع المادية وتسيدها على الإنسان وجعلها مناط السعادة وأصلها بحيث "يُرد الإنسان الاقتصادي إلى السوق والإنسان الجسدي إلى الغريزة ؛ أي إنَّ الإنسان يرد إلى ما هو غير إنساني ويصبح دالًا منفصلًا عن مدلوله الإنساني"[5].

حالة من التوثين المادي والجسدي يشارك التسويق في وضع أسسها في الدولة الحديثة والواقع المعاصر؛ فبأداته الترويجية الضخمة - إمبراطورية الصور كما يسميها جيلبرت[6] - يرسم التسويق السعادة في شرب كأس مثلجة من البيبسي أو تناول وجبة سريعة لكنها شهية أو ركوب سيارة بورش؛ فأضحت القيمة = إذا ركبتَ سيارة البورش ودخلت ضمن سياق اجتماعي معينٍ محدد مسبقًا تسويقيًّا، وكأنَّ المادية هنا هي من تضع القيمة للإنسانية وتحدد أبعادها لا العكس, ولا يتم هذا إلا بالإنهاك المستمر لعناصر الطبيعة واستغلالها وإنتاج عدد لا حدّ له من المنتجات لتلبي مجموعة من الأوهام التي صنعتها الآلة التسويقية!

وبالنسبة إلى أثر هذا النموذج المتوحش ماديًا، يقول جيرمي سيبروك: "لو أنَّ غاية البشر في الأرض كانت تخريب الكوكب وإفناء سكانه وكنوزه من خلال مرض الإسراف الذي نسميه السلّ لَما كان في وسع المخيلة البشرية استحداث أداة أكثر فعالية من اقتصاد السوق"[7]!

وكعادة العقل الغربي كما يصفه وليم شيك، فـ"إنَّه ميّال لتكثير المفاهيم والحقائق إلى حدٍ يربك هوية المرء ويشلّ قدرته على توحيد رؤيته للعالم"[8]، يكثر عن طريق التسويق من المنتجات ويغرق بها الأسواق ويكثر من الصور المرجعية التي باتت تحكم حياتنا على أنها المُثل العليا؛ حيث أضحى "الأفراد يعيشون في بيئة تعج (بالنماذج) تسوَّق كحلول سحرية لمشكلة الأنا مع نفسها"[9].

وكنوعٍ آخر من التكثير والإرباك، انتقل التسويق من انتهاك الطبيعة إلى انتهاك فكر الإنسان؛ فيوضح جيرمي ريفكين في كتابه "عصر الوصول" فكرةً في غاية الخطورة، وهي تمدد الرأسمالية بأداتها التسويقية ومفهومها السوقي نحو المعاني الثقافية والفنية بحيث يتم تسليع الفن والدين وإدخالهما ضمن الوحش الرأسمالي، وبهذا سيتم خلق حاجات ورغبات لا متناهية مستمدة من هذه التجارب.

ويضيف جيرمي ريفكين في هذا الصدد:



"والآن، يخضع وجودنا بكليته إلى عملية تحويله إلى سلع: الطعام الذي نأكله، البضائع التي ننتجها، الخدمات التي يؤديها أحدنا للآخر وتجاربنا الثقافية التي نتشارك فيها"[10].



ونرى هذا الاستشراف بتوغل الرأسمالية إلى العناصر الثقافية عند الطيب بوعزة، حيث يقول: "لا تعود حرية الكائن الإنساني تقارب من مدخل أنواري، أي انطلاقًا من مدلوله ككائن إنساني؛ بل من مدخل اقتصادي يُختزل فيه الإنسان في الكائن المالك، بل أكثر من ذلك، ينتهي الأمر بالنيولبرالية إلى النظر إلى الفرد ليس بوصفه مالكًا يبيع ويشتري؛ بل بوصفه شيئًا مباعًا أي مجرد مادة يلوكها الترس الاقتصادي"[11].



فالإنسان - بأشواقه وثقافته ودينه وجميع عناصره اللاملموسة والتي تدخل تحت عنوان المقدس، بات منجمًا للفعل التسويقي يقدمه عبر آليته الترويجية الضخمة؛ فتصنع الجسم المثالي وكأنه جزء من عالم المُثل الأفلاطوني لتحاسب الناس عليه، وتصنع الواقع الاجتماعي المقبول ومستوى الرفاهية وكيفية الرضا عن النفس وتدخلك في تجارب دينية مختلفة، وتسحق التنوع الحضاري والثقافي تحت ترس رأسمالية السوق وتوحشه!

التسويق وإرباك الوجود الإنساني
-----------------

استطاع التسويق بتطوير آلياته الترويجية والتوزيعية أن ينتج مجموعة من السلع المادية واللامادية - ثقافية ودينية - بعددٍ لا يمكن حصره من هذه السلع والمنتجات، ويمثل هذا الضخ والتضخيم المشتت للوعي عنصرًا أساسيًا في إرباك الهوية الإنسانية وضياعها بلا شك.

" فصناعة الذوق الاستهلاكي عن طريق الأنظمة الدعائية التي يعتمد عليها النسق الاقتصادي الليبرالي، تذهب إلى خلق رغبات عبثية، وتحويلها إلى حاجات وعادات استهلاكية من أجل استدراج الفرد إلى دوامة النمط الاستهلاكي"[12].



وبخلق هذه الرغبات العبثية؛ يعتمد التسويق على تغييب السرديات الكبرى في حياة البشر فيغرقهم في مجموعة من المنتجات الدينية والثقافية تحاول أن تنسيهم أسئلة وجودهم الكبرى!



وهذا الفعل التسويقي يتسق مع الأصل الذي ذكره وليم شيك، والذي ذكر في أعلى المقال، أنَّ العقل الغربي ميّال لتكثير المفاهيم والحقائق إلى حدٍ يربك هوية المرء ويشلّ قدرته على توحيد رؤيته للعالم، والتسويق خير أداة لتحقيق هذا الإرباك.





مخلب الدولة وسحق آمال الفرد
--------------------

نستطيع القول إنَّه من خلال الإغراق الاستهلاكي تُحكم الدولة يدها على عقلية البشر بحصر منطقة وجودهم في سردية العبث الاقتصادي، وهنا ندخل القفص الحديدي - كما يسميه ماكس فيبر - ونغرق في الترشيد المادي - كما يسميه الدكتور عبد الوهاب المسيري -؛ فتنقطع آمال البشر في صيغ مشوهة عن الفردوس الأرضي وتدخل ضمن بوابة استهلاكية ظاهرها الرحمة وباطنها العبث والدمار.



وأفضل من يستخدم هذه الأداة العبثية سياسيًا هي الدولة النيوليبرالية ومحاولتها عولمة نظرتها "من قبل المنظمات الاقتصادية الدولية ((كصندوق النقد الدولي)) الذي سيعمل وفق هذه الرؤية على إعادة رسم اقتصاديات الدول الفقيرة بالضغط عليها لتبني خيارات نيوليبرالية"[13].

إذا كان الاقتصاد عصب الدولة النيوليبرالية الحديثة؛ فإنَّ أفضل أداة لترسيخ هذا المفهوم الاقتصادي هي التسويق وآليته وخططه، ومن هنا كان توجيه النقد ضرورة لهذا المفهوم الحديث وتوغله في حياة البشر. أما أفق الحل فعلَّها تكون في مقالٍ آخر بإذن الله.

---------------------------------
*الليفاثان هو ذاك التنين الأسطوري الذي استعاره توماس هوبز ليعبر عن بطش وسطوة الدولة.

[1]Eg,Kotler, Burton, Deans , Brown, Armstrong, 2013

[2] من مقدمته لكتابه "التسويق للجميع" .

[3]Marketing , meating or Creating needs, Maxwell Winchster ,

[4] نقد الليبرالية , الطيب بوعزة , تنوير للنشر والإعلام , صفحة 87 .

[5] الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان, الدكتور عبد الوهاب المسيري , دار الفكر المعاصر, صفحة 142 .

[6] ضريبة السعادة: الإشهار وتوثين الجسد, د. صادق رابح، عالم الفكر، العدد 4، المجلد 37، أبريل، صفحة 203.

[7] خرافة السوق.. وعود وأوهام, جيرمي سيبروك, ترجمة: أمين الأيوبي, مشروع كلمة .

[8] ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان, عبد الله الشهري, نماء للبحوث والدراسات .

[9] ضريبة السعادة: الإشهار وتوثين الجسد, د. صادق رابح، عالم الفكر، العدد 4، المجلد 37، أبريل، صفحة 185.

[10] عصر الوصول, جيرمي ريفكين, المنظمة العربية للترجمة، صفحة 271 .

[11] نقد الليبرالية, الطيب بوعزة, تنوير للنشر والإعلام, صفحة 134.

[12] نقد الليبرالية, الطيب بوعزة, تنوير للنشر والإعلام, صفحة 141.

[13]نقد الليبرالية, الطيب بوعزة, تنوير للنشر والإعلام, صفحة 107.



-------------------









ــــــــــــــــــــ
المصدر: ملتقى شذرات


hgjs,dr fdk Yvfh; hg,[,] hgYkshkd ,logf hggdthehk: td Ya;hgdm hgjuvdt hgH;h]dld

رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
التسويق

« علاج أزمة البطالة من منظور الاقتصاد الإسلامي | العوامل المؤثرة في كفاءة وفاعلية نظم المعلومات المحاسبية المحوسبة في المصارف التجارية العاملة في فلسطين »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التسويق لبضاعة دون شرائها عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 1 10-19-2015 09:39 PM
التسويق الأخضر Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 6 12-24-2014 11:30 AM
التسويق الشبكي والفرق بينه وبين التسويق العادي Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 2 10-27-2013 09:08 PM
التسويق الإلكتروني Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 02-27-2013 09:18 PM
دورة التسويق الفعال Eng.Jordan عروض تقدمية 0 11-06-2012 06:21 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:37 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68