تذكرني !

 





وجه الرأسمالية الجديد

توفيق المديني وجه الرأسمالية الجديد - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004 المقدمة واجهت الرأسمالية على الدوام انتقادات من مدارس فكرية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-04-2012, 01:44 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي وجه الرأسمالية الجديد


توفيق المديني


وجه الرأسمالية الجديد
- دراسة -



من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق – 2004


المقدمة
واجهت الرأسمالية على الدوام انتقادات من مدارس فكرية متنوعة, ولكن ذلك لم يمنعها من الإستمرار والإزدهار. وكانت الكنيسة أول من انتقدها في بداية القرن التاسع عشر. وفي أواسط القرن عينه, كتب ماركس كتاب "الرأسمال" وفيه نقد جذري وجدلي للرأسمالية.
واليوم في مطلع القرن الحادي والعشرين، مازالت المؤلفات التي تنتقد النظام الاقتصادي العالمي الراهن – النيوليبرالية المظفرة- والسلطة المتزايدة للأسواق, قليلة، بل إننا شهدنا في جميع البلدان الرأسمالية المتقدمة كيف أن أرباب العمل وكبار الموظفين الدوليين كما المثقفين أصحاب الحضور الإعلامي والصحافيين الألمعيين, يمتدحون نظام العولمة الرأسمالية، والاقتصاد الجديد.
وقد جاء هذا المديح في سياق إنتشار اللغة الكونية الجديدة، التي ترفض توجيه نقد صريح وواضح إلى النيوليبرالية، أو الرأسمالية الجديدة، والطبقات المالكة للثروة , و الإستغلال والسيطرة والتفاوت الاجتماعي، بإعتبارها مفاهيم أعيد النظر فيها بشكل قاطع بحجة بطلانها أو وقاحتهاالمفترضة, نتيجة هيمنة إمبريالية رمزية قبل كل شىء متمثلة في الخطاب النيوليبرالي المنتصر. ومايزيد مفاعيل قوة وضرر هذا الخطاب أن من يشيعه ليس فقط دعاة الثورة النيوليبرالية الذين يريدون تحت غطاء " التحديث" إعادة صنع العالم بالقضاء على المكتسبات الإجتماعية والاقتصادية الناتجة عن مئة عام من النضالات الإجتماعية والتي باتت توصف كأنها تقاليد قديمة أو معوقات في وجه الرأسمالية الجديدة, بل أيضا منتجون ثقافيون من اليسار مازالت غالبيتهم تعتبر نفسها تقدمية، لكنها محبطة مع إنهيار تجربة "الإشتراكية المشيدة " في الإتحاد السوفياتي, التي بد ت صالحة في مرحلة ما من القرن العشرين .
العالم بحاجة اليوم إلى وقفة هادئة ومتأنية تحاول أن تقدم بحثا نقديا وعلميا حول طبيعة الواقع الموضوعي للرأسمالية المعاصرة التي تجدد نفسها في المراكز المتقدمة، بهدف ضمان إستمرارية سيطرة علاقات الإنتاج على قوى الإنتاج، وإعادة إنتاج هذه العلاقات الرأسمالية على الصعيد الكوني .و يعتبر نظام الإنتاج الرأسمالي في طوره الراهن نظاماً مهيمناً, ويشكل قاسما مشتركا بين البشر جميعا، ويمتد في كل مكان, ويخص الجميع على كل مساحة الكرة الأرضية. والعولمة الرأسمالية الحالية تقدم نفسها على أنها مشروع جديد ذو توجه كوني، وتهدف إلى توحيد العالم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ويقدم منظرو العولمة على أن النيوليبرالية الكونية، تمثل صخرة التوجه الإنسانية، وذات قيمة إيجابية بإبراز دور الرأسمال الدولي، المتمثل بالمؤسسات المصرفية والمالية الدولية, والشركات المتعددة الجنسيات، والمستندة إلى أكثر القوى الإنتاجية تقدما في عصرنا الراهن، عصر الثورة المعلوماتية ( الأتممة المعقدة جدا, والإلكترون, والذرة, وإستخدام الكومبيوتر والانترنت إستخداما مذهلا في مختلف مجالات الحياة), عصر ثورة التكنولوجيا العالية في التسعينات من القرن العشرين وما بعدها, ومع التقدم غير المسبوق خاصة في تكنولوجيا (المعلومات- الإتصال), وبالأحرى(الإتصال-المعلومات),حيث أخذت التكنولوجيا المتقدمة الرقمية للإتصالات من البعد تحدد مدى إنتشار تكنولوجيا المعلومات, عن طريق الإنطلاق إلى آفاق جديدة.
النيوليبرالية الرأسمالية الغربية التي انتصرت على الماركسية والإشتراكية في نهاية عقد الثمانينات وقعت هي الأخرى في فخ لاهوت الخلاص وميكانيزماته الذي وقعت فيه الماركسية حين طرحت نفسها على أنها إيديولوجية خلاص البشرية. فالمعتقد الماركسي يقول إن المحرك الرئيس لهذا الخلاص ليس الشعب، وإنما طبقة البروليتاريا أخص منتجات الصناعة الرأسمالية، التي يجب أن تتحد في الكون كله من أجل تحقيق سعادة البشرية وإيصالها إلى "أرض الميعاد" أي الشيوعية, حيث الرفاه والمساواة للجميع. والنيوليبرالية تقول الشيء ذاته معكوسا، حيث لم تعد البروليتاريا هي منقذة البشرية بل الشركات المتعددة الجنسية ورجال الأعمال والبيزنس، والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمة العالمية للتجارة, التي صارت حارس المعبد ومديروها الرهبان الكبار وأنبياء البشرية الجدد,إجتماعات زعماء وقادة الدول الصناعية الثمانية (G8) التي باتت تشبه إجتماعات اللجان المركزية للأحزاب الشيوعية الكبرى التي كانت تقاريرها الصادرة عنها بمنزلة الكلام المقدس.

-1-
لقد مثلت الماركسية في عهد ماركس أول حركة فكرية نقدية جدية للرأسمالية في مرحلتها الأولى، مرحلة الثورة الصناعية الأولى. وقامت الصناعة الكبيرة بفتح السوق العالمية التي كان اكتشاف أمريكا قد مهد الطرق إليها. وهكذا كما يقول سميرأمين, بدأت مسيرة التدويل الكونية منذ خمسة قرون باكتشاف أمريكا( ). فالاقتصاد الرأسمالي العالمي قائم منذ ما لايقل عن خمسمئة عام.و ارتبطت الثورة الصناعية بطريقة إنتاج جديدة لم يعرفها التاريخ من قبل, هذه الطريقة كانت نمط الإنتاج الرأسمالي. وبعكس التشكيلات الإجتماعية الراكدة بأهدافها الكثيرة المتلازمة, المنصبة على إرضاء دينامكية الاقتصاد في الرأسمالية تستند إلى تكامل الوسائل من خلال الهدف المشترك, ألا وهو جني الأرباح. هذا التكامل يشد الوسائل إلى نظام مرتبط يهدف, ويفضي إلى تطورها وتبدلها المستقل. ولقد كمن الدور التاريخي لنمو الإنتاج الرأسمالي في " مركزة وسائل الإنتاج المبعثرة والضيقة, وتوسيعها وتحويلها إلى روافع ذات أثر جبار في إنتاج الحاضر"( ).
ولم تعرف دينامكية الرأسمالية حدودا, بل ودمجت العالم بأسره في نظامها، مخضعة البلدان التي كانت تسيطر فيها أنماط إنتاج ماقبل رأسمالية, لهيمنتها. لقد جعل نمط الإنتاج الرأسمالي "الشرق تابعا للغرب" و تطورت الكولونيالية كظاهرة ملازمة للرأسمالية, بقدر ما تطورت هذه. وأصبحت العلاقة بين المستعمرات والبلدان الرأسمالية المتقدمة في الغرب علاقة ترتبط بنهب المستعمرات وإثراء المتروبولات الرأسمالية.
وكان ماكس فيبر قد عزا نشوء الرأسمالية إلى حركة الإصلاح الديني وظهور الأخلاق البروتستانتية ف" التحرر من الإتجاه الاقتصادي التقليدي يبدو بمنزلة أحد العوامل التي ينبغي أن تفرز الميل إلى التشكيك أيضا بالتراث الديني, وإلى التمرد على السلطات التقليدية. غير أن المهم أيضا الإشارة إلى حقيقة منسية جدا هي أن الإصلاح الديني لا يعني بالتأكيد إزالة سيطرة الكنيسة بشكل نهائي على شؤون الحياة بل يعني بالأحرى استبدال القديمة منها بشكل جديد من السيطرة, وهي تعني استبدال سلطة متراخية إلى الحد الأقصى, وغير موجودة عمليا في حينه,بأخرى تخترق كل ميادين الحياة العامة والخاصة, فارضة تنظيما للسلوك شديد الوطأة والقساوة... إن البروتستانت قد أيدوا استعدادا خاصا للعقلانية الاقتصادية سواء كانوا يشكلون شريحة مسيطرة, أم شريحة مسيطرا عليها, الأغلبية أم الأقلية. وهذا ما لم يكن ملحوظا عند الكاثوليك, في هذه أو تلك من الحالات. بالنتيجة ينبغي ألا يبحث عن مبدأ الإختلاف في المواقف هذه فقط في الظروف الخارجية والمؤقتة ناريخيا واجتماعيا, بل أيضا في الطبيعة الملازمة للمعتقدات الدينية ومن داخلها( ).
وقد رأى ماركس أن المسيحية هي الدين المتناسب مع الاقتصاد السلعي." بالنسبة لمجتمع منتجي البضائع, حيث تتلخص علاقته الإنتاجية الإجتماعية العامة في أن المنتجين يعتبرون هنا منتجات عملهم بضائع, وبالتالي قيما, وحيث تقف أعمالهم الخاصة بهذا الشكل الشيئي تجاه بعضها البعض كعمل بشري متجانس, بالنسبة لهذا المجتمع يكون شكل الدين الأكثر ملاءمة هو المسيحية بعبادتها للإنسان المجرد ولا سيما في مظاهرها البرجوازية كالبروتستانتية والربوبية :..الخ"( ).
وإذا كان ماركس لم يعز نشوء الرأسمالية إلى البروتستانتية أو اليهودية، إلا أنه تناول العلاقة التاريخية بين اليهودية ونشوء الرأسمالية, وقال:" مع إنتصار المجتمع البرجوازي, الشعوب المسيحية صارت يهودية. تناقض المسيحية واليهودية هو تناقض النظري والعملي, الشكل والمحتوى, الدولة السياسية والمجتمع المدني"( ). اليهودية التي يعنيها هنا هي دين المال, وعبادة المتاجرة, المال هو إله "إسرائيل" الغيور. الأساس الدنيوي لليهودية هو الحاجة العملية, والمنفعة الشخصية, " اليهودية بقيت ليس رغم التاريخ بل بالتاريخ".و لذلك رأى أن عتق اليهودي هو عتق المجتمع من اليهودية.
لقد انصب جهد ماركس النظري على نقد الرأسمالية في مراحلها الإنتقالية الأولى التي مرت بها الميركنتيلية أو الرأسمالية التجارية، ثم الرأسمالية الصناعية، حيث كان التوسع الصفة الملازمة للرأسمالية في الماضي والحاضر. إلا أن التوسع الرأسمالي مختلف عن توسع الإمبراطوريات القديمة في منطقه وآلياته ووتائره ووسائله. فقد بدأ التوسع الرأسمالي مع تنامي النزعة التجارية، الميركنتيلية, التي قادت إلى إستعمار معظم البلدان المتأخرة.
وبعد أن خلقت الرأسمالية الغربية, أول مرة في التاريخ ,تجارة الجملة بالضروريات, التي سرعان ما حلت محل التجارة التقليدية المحدودة بالكماليات, توسعت الهيمنة الغربية عبر الحصول على المستعمرات التي تنتج المواد الخام الضرورية لتغذية آلة الإنتاج الرأسمالية في المتروبولات. وبذلك أخضعت مصالح المستعمرات آليا إلى مصالح المتروبولات الرأسمالية في الغرب.و اتخذ التطور الرأسمالي منذ عمليات التراكم شكل نهب الداخل ونهب الخارج، وأطلق حركة لا تني تنشط وتتقدم، أعني حركة تدمير البيئة وتدمير الإنسان. فالنزعة البرميثيوسية التي وسعت إنطلاق الرأسمالية دفعت البشرية إلى مفترق إما تدمير العالم, وفناء الجنس البشري, أو تغيير النظام العالمي القائم.
على أنه ينبغي توكيدأن التجارة لا تشكل جوهر الرأسمالية, حتى في مرحلتها الأولى الميركنتيلية, إلا بوصفها جزءا لا يتجزأ من عملية الإنتاج الرأسمالي, لحظة من لحظاتها المترابطة والمتكاملة. فالتبادل والتداول يتخذان شكل التجارة ويشكلان المجال الذي يتظاهر فيه الطابع الإجتماعي- الإنساني للإنتاج عموما وللإنتلاج الرأسمالي خصوصا. وماهذا الطابع إلا الشكل الموسع والمعمم للطابع الإجتماعي للعمل بوجه عام. إن التجارة اقدم عمرا من الأسلوب الرأسمالي للإنتاج. ورأس المال التجاري أقدم شكل حر لوجود رأس المال من الوجهة التاريخية- حسب ماركس- إلا أنه " في ظل النظام الرأسمالي يتم إنزال رأس مال التاجر من وجوده المستقل السابق ليلعب دورا لا يكون معه سوى لحظة خاصة من لحظات استخدام رأس المال عموما. وتختزل مساواة الأرباح معدل ربحه إلى المتوسط العام, وينشط هذا الرأسمال بوصفه محض تطور رأس مال التاجر فلا تعود هي الحاسمة الآن... إن القانون الذي ينص على أن التطور المستقل لرأسمال التاجر يتناسب تناسبا عكسيا مع درجة تطور الإنتاج الرأسمالي يتجلى بسطوع خاص في تاريخ تجارة الوساطة,carrying trade كما جرى مثلا على يد اهل البندقية وجنوا وهولندا الخ حيث كان الربح الأساسي يتأتى لا عن تصدير المنتجات المحلية بل عن طريق توسط مبادلة المنتجات بين مجتمعات لم تتطور بعد تجاريا واقتصاديا عموما"( ).
إن تعاظم الثراء في البلدان الرأسمالية الغربية مع إنفصال الصناعة المدينية عن الزراعة، وتثوير الصناعة والتجارة على الدوام، وخلق سوق عالمية جديدة، ونهوض أسلوب الإنتاج الرأسمالي، وتفاقم الفاقة في الغالبية الساحقة من البلدان, تطور هذه وتأخر تلك, هي قوانين رأسمالية تتوافق مع " الفعل ا لكولونيالي", الذي يرى أن " المستعمرات يجب أن يعاد تكوينها لصالح وفي سبيل أوطانها الأم".
لاشك في أن الرأسمالية منذ بدايتها، وهي تسعى لنقل أسلوبها للإنتاج إلى خارج حدودها في الوقت نفسه الذي كانت تسعى إلى مصادر الخامات والموارد وأسواق التصريف والإستثمار في الخارج. هذه الرأسمالية التي أحدثت عند قيامها ثورة هائلة في تنمية القوى الإنتاجية تمثلت في الثورة الصناعية, كانت تسعى دائما إلى إدماج العالم كله في سوق رأسمالية واحدة. ولقد ظهر التفاعل المستمر بين تطور الإنتاج والسوق العالمية منذ المراحل الأولى من ظهور الرأسمالية, وكان هو الدور الحاسم في هذا التفاعل للصناعة الرأسمالية... فالسوق العالمية ذاتها تؤلف قاعدة أسلوب الإنتاج هذا( ).
ويرى ماركس أن سيرورات التفكير وإنتاج المعارف لا يمكن أن تكون غير مرتبطة بعلاقات العمل والإنتاج.فالتفكير النقدي الحقيقي بالنسبة إلى ماركس، يجب أن يقدم البرهان عن مقدرته على تحليل الواقع الإجتماعي والطريقة التي ينخرط الأفراد بواسطتها فيه. ونقد الإقتصاد السياسي هو نقد لتناقضات العمل، وفي الوقت عينه للإقتصاد حيث تعقد وتتبلور علاقات إجتماعية وعلاقات بين أشخاص يدعوها ماركس مجردة.و في شكل عام لا يركز هذا التفكير على لا عدالة الرأسمالية ولا إنسانيتها, إنما على ما يشكل ويميز الرابط الإجتماعي. والقيام بنقد الإقتصاد السياسي يعني إذن إبراز شروط النقد الفاعل وتقديم طرق التفكير في طريقة مختلفة.
ويبين ماركس المحددات الشكلية لحركات رأس المال ولتحولاته كمظاهر للقيمة, وأن العمل بالنسبة إلى رأس المال ليس معطى أنتروبولوجيا، بل نشاط يطرح قيمة ويشكل جزء من رأس المال نفسه, وأن القدرة على العمل ليست سوى عنصر في حركة رأس المال وإنتاجه. إن العلاقة الاجتماعية أضحت علاقة رأس المال مع أن العمل المتموضع يمتلك عملا حيا, وأن الحقيقة يطرحها رأس المال وهي نتيجة له, وأن أشكال القيمة تتأكد كعناصر مكونة لأشكال حياة الأفراد والمجموعات, وأن المجال الحيوي بات محددا بالمنا فسة والمال, وأن الأشخاص متساوون كمبادلين للقيم وأحرار في مبادلاتهم, وأن الإستقلالية الفردية لا تقوم بدورها إلا في المجالات المفتوحة حيث سلسلة الإرتباطات الموضوعية التي يخضع لها الأفراد. ولاينفي ذلك وجود مقاومات لعملية إعطاء القيمة.
ويتحدث ماركس عن خضوع الأفراد في علاقاتهم لدينامية رأس المال, ويعتبر أن نشاطهم يندرج ضمن الحقول التي ينتجونها أو يستهلكونها وهي مكونة من رأس المال, وأن الأشخاص هم أشخاص رأس المال, وذاتيتهم موجهة نحو أهداف رأس المال, وكل الأجراء الخاضعين للإستغلال يتلقون يوميا عنف رأس المال, عنف إدخالهم في رأس المال, والعنف الممارس على أجسادهم ونفوسهم. وهذا العنف حاضر في العلاقات الاجتماعية, ويحمل نفيا له في ثبات, ويرجع إلى ضغوط موضوعية" اقتصادية " و"طبيعية".و ينجح الرأسمال المهاجم هذا حين يدفع الشخص المهاجم ( بفتح الجيم) إلى الشعور بالذنب وحين يحول ضده وضدمحيطه جزءا من العنف المفترض أن يواجهه.و في الوقت نفسه, فإن الخاضع لرأس المال, مهدد في كل لحظةبأن يفقد قيمته(قدرته على العمل وممتلكاته) وعليه أن يخوض حربا من أجل الإعتراف الاجتماعي به, أي من أجل إعطائه قيمة, في نظره وفي نظرالآخرين. وهذه الحرب التي تظهر آمالا وخيبات أمل وتراجعات متتابعة هي مصدر إذلال غير محدد. ولكي يبعد الأفراد عنهم الألم, فإنهم لا يرون ماذا يفعلون وماهم عليه لأنهم غارقون قي ذاتيات متفرقة, وهم يلجأون إلى أشكال مختلفة من الهرب والتسامي( ).
في معرض نقده الاقتصاد السياسي ينتقد ماركس المقولات الاقتصادية ونظام الاقتصاد الرأسمالي، ويكشف وظيفة رأس المال في مظاهرها المتناقضة, ويوضح التباعد والإرتباط بين القيمة والسعر وفائض القيمة والربح وسيرورات القيمة. ويرى ماركس أن النقد يجب أن يقود إلى إنتاج معارف جديدة, وأن يفتح الآفاق نحوإعادة امتلاك الذكاء المصادر من حركات عملية إعطاء القيمة.
لم يجعل ماركس من الصراع الطبقي مفتاح قراءة كل المجتمعات, كما لم يبن مفهوم الإنتاج الاجتماعي على قاعدة الإنتاج وإعادة إنتاج الحياة( الشرب والأكل والسكن)بل على قاعدة إنتاج وإعادة إنتاج الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية ( وهذا مايوجب بداهة المادي والرمزي).ويرى ماركس أن الثورة في نظره تعني التحول الشامل للعلاقات الاجتماعية وأن هذا التحول ممكن لكنه ليس أمرا حتميا.فتناقضات الرأسمالية هي التي تخلق ضرورة تغير المجتمع. بيد أن الأمر لا يتعلق بضررورة الممكن المرتبطة بحدث القطيعة الذي يتسبب به الفعل الجماعي.و مفهوم الثورة عند ماركس لا يحمل معاني محددة في الحاضر بل يمتد إلى المستقبل.
ويعتبر ماركس أن إدراك زمن المفهوم وتأثيره والبنى المتوافقة معه يتم من خلال التطور التاريخي. وبذلك فإن مفهوم الثورة لا يعبر عن العلاقات التي يدركها فحسب، إنما يشكل أحد عوامل تلك العلاقات، فيفتح المفهوم بعض الأفاق ويغلق بعضها الآخر. ويشكل هذا النفي للمفاهيم المغلقة على نفسها المسار العلمي لماركس. ومن ناحية ثانية لا يعني تطور المفهوم عدم تحديد المعنى.فكثرة المعاني لا تلغي منطق الحركة الخاصة بالمفهوم، وقد تحمل بعدا مضمرا يرجع إلى لا وعي الأفراد والمجموعات.و قد يحمل المفهوم شيئا من الإنسجام ومن التناقضات, لكن المفاهيم تظل بشكل عام غير حيادية، بما أنها تصاغ وفق رؤية إجتماعية مهيمنة.
ويقدم الكاتب دنيز بر جيه مساهمته مع عدد من المؤلفين في كتاب مشترك حمل العنوان التالي" ماركس بعد المذاهب الماركسية" الجزء الثاني:إذ يرى أن تعايش نظرتين للتاريخ في مؤلفات ماركس وإنغلز, إحداهما إحتمالية أوجدتها خصوصيات التطور التاريخي لكل تشكيلة إجتماعية ومبادرات المجموعات الإجتماعية المتصارعة, وأخرى طبيعية تفكر في المجتمع وفق معايير علوم الطبيعة وتشير إلى الحتمية. ومن العبث تصنيف مؤلفات ماركس وإنغلز تبعا لهذه الثنائية, لأن هذين المفهومين متعايشان في معظم الأحيان. وتتوافق النظرة الطبيعية أو النظرة الحتمية ذات السببية الأحادية مع المعايير المسيطرة في ذلك العصر, مما أوقع ماركس في فخ التعريفات التي تضع الحقيقة المتناقضة في إطار جامد, رغم العودة إلى الجدلية. وينطبق هذا الأمر على فكرة الثورة التي قدمت كحركة طبيعية أو كنتيجة لتناقضات "موضوعية" للرأسمالية. ورغم أن هذا المعنى للثورة يعبر عن نظرة ميكانيكية( الثورة نتيجة الأزمات وتدهورالاقتصاد), إلا أنه يقطع مع الإرادوية التي كانت تميز الكثير من ثورويي القرن التاسع عشر. وحول موضوع وحدة الاجتماعي والسياسي, ثمة إتفاق في الرأي بين دنيز برجيه وكارل كورش حول أنه ليس من من المؤكد أن ماركس وإنغلز منحا أهمية كبيرة للإستقلالية البروليتارية أو للنموذج الجاكوبي في إجتياح الديمقراطية. فمصطلح "ديكتاتورية البروليتاريا" الذي يثير الغموض صاغه ماركس للتأكيد على الدورالتاريخي للطبقة العاملة.لكن ومع ذلك، يبقى هذا المفهوم فكرة مجردة بلا أساس.و في هذا الشأن، لم يتمكن لينين من تجاوز ثنائية الديمقراطية غير المباشرة والديمقراطية المباشرة. واختصارا, ثمة في إطار مفهوم الثورة نقص في تحديد المصطلحات ونقص في التحليل الجدلي. وحول موضوع الدولة إشارة من برجيه إلى الصعوبات التي واجهت ماركس وإنغلز لناحية عدم تمكنهما من صوغ نظرية متكاملة, فالدروس التي استخلصاها من كومونة باريس لا تسمح بإصدار تعميمات مفاهيمية. ورأى برجيه في إطار الحديث عن الإستغلال والقمع أن الإستغلال لا يولد القمع بل يتحد معه, كما أن ماركس وإنغلز جمعا بين الإستغلال والقمع, فالأساس بالنسبة إليهما هو تمركزالإستغلال( ).
و فيما يرى إنغلز أن مؤلفات ماركس هي مؤلفات تامة لا تناقض فيها بين البرنامج والفعل ولا تردد حول الطريق المفترض اتباعه للتقدم في النقد, وهي تقدم في نظره, تفسيرا شاملا للتاريخ والمجتمع يكفي أن نغذيه بوقائع جديدة وتنظيرات ثانوية كي نتممه ونجعله عمليا أكثر,و يرى نقاد الماركسية أن ماركس لم يتحدث البتة عن طبقات كأشخاص فاعلين أو كممثلين جماعيين يتدخلون على نحو واع في العلاقات الإجتماعية. فالطبقات في نظر ماركس هي مركبات من السيرورات والحركات الإجتماعية التي لا يمكن تشبيهها بكيانات ثابتة, والطبقات هي في إعادة بناء دائمة بفعل تراكم رأس المال ودورانه. ويمكن الإشارة إلى التغيرات التي تصيب العلاقات بين مختلف عناصر البرجوازية, والتغيرات التكنولوجية, والتغيرات التي تشمل طبقة المأجورين (أولئك الذين ينتجون فائض القيمة) لنواحي تراتبية المهمات والأهلية وطرق التكون وطرق الإنخراط في العمل وعمليات الإنتاج..و تتجدد هذه الطبقة من خلال الهجرات والحركية الإجتماعية.
ويرى جان ماري فنسان أحد النقاد الجدد للماركسية، أن الطبقات تتجابه وترتبط فيما بينها في طرق مختلفة, وهي وسيطة مع رأس المال, وتنقل حركات رأس المال وتتكيف معه. والمنافسة بين الأفراد والمجموعات هي القاعدة ... ويشيرجان ماري فنسان إلى التفسيرات الخاطئة للماركسية لناحية القول بأن تطور المجتمع الرأسمالي يقود إلى الإشتراكية من طريق سيرورات شبه طبيعية ( تمركز رأس المال), في حين أن ماركس امتدح الوحدة الأخوية للعمال وأظهر أهمية المبادرة الإجتماعية التي تسمح للشعب بأن يحدد حياته الإجتماعية الخاصة بنفسه( ).
-2-
في عصر الإمبريالية التي تمثل " ضرورة لازمة" لنمط الإنتاج الرأسمالي، ومرحلة محددة من سيرورة إعادة الإنتاج الموسع لعلاقات الإنتاج الرأسمالية على النطاق العالمي, طور لينين نظرية الإمبريالية في كتابه " الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية". لكن لينين استند في نقده للإمبريالية إلى الأطروحات النظرية التي طورها الماركسيون النمساويون ( أوتوباور ورودولف هيلفردينك) بسبب تباين التطور الإقتصادي في أقاليم الإمبراطورية النمساوية, وبسبب تدخل القوى الرأسمالية في مناطق الدانوب والبلقان الأوروبية.
لقد طور أوتوباور نظرية للإمبريالية تتركز حول المظاهر الجديدة ونظرية التبادل غير المتكافىء ونظرية التبعية. ويكتشف أوتوباور التبادل غير المتكافىء عند محاولته الوصول إلى تفسير للهوة التي تفصل بين البلدان الألمانية وبلاد التشيك, حين يقول:" لا يستغل رأسماليو المناطق العالية التطور عمالهم فقط بل إنهم يستحوذون بشكل دائم على جزء من فائض القيمة المنتج في المناطق الأقل تقدما من الناحية الاقتصادية"( ).
أما علاقات التبعية فقد تكونت عن طريق تصدير رأس المال الذي يبحث عن أعلى معدل للربح:"و هكذا فتحت مجالات إستثمار جديدة للرأسمالية...إن رأس المال يتدفق دائما نحو الأماكن التي يكون فيها أعلى معدل للربح". ولم تكن علاقات التبعية إقتصادية فقط ( التبادل غير المتكافىء) بل سياسية وإيديولوجية أيضا: علاقات في الحقوق والواجبات "الثقافة" الأعلى أو " العنصر الأرقى".
وإذا كان رودولف هيلفردنك الماركسي النمساوي قد" تخلف" عن تحليل أوتو باور فيما يخص التبادل غير المتكافىء والتطور الإقتصادي, إلا أنه طور التحليل فيما يخص تحليله لطبيعة الإمبريالية، الذي يعتبر الأكثرأهمية، فيما يتعلق بالمسائل التالية:
-" اندماج" الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي في الرأسمال المالي الذي مثل المحفز لتكون الكارتلات والتروستات:
-إستراتيجية تطور الكارتلات والتروستات_ الإشارة الأولى لإستراتيجية المؤسسات المتعددة الجنسيات- فيما يخص قانون اتجاه معدل الربح نحو الإنخفاض والسيطرة على الأسعار.
- "السياسة الاقتصادية" للرأسمال المالي: تصدير رأس المال.
وكان هيلفردنك أصدر كتابه عن االرأسمالية الإحتكارية عام 1910 وسماه " الرأسمال المالي"، ويقول عن أهداف كتابه إنها محاولة" لتقديم تفسير علمي للظواهر الاقتصادية لتطور الرأسمالية الحديثة... وأن ما يميز الرأسمالية "الحديثة" هو ظواهر التركزالتي تظهر " بإلغاء المنافسة الحرة" بواسطة الكارتلات والتروستات من جهة, وبإرتباط يزداد وثوقا بين الرأسمال المصرفي والصناعي من جهة أخرى. ويأخذ رأس المال عن طريق الترابط هذا, وكما سنبين لاحقا, شكل رأس مال مالي الذي هو الشكل الأعلى والأكثر تجريدا لرأس المال "( ).
و يعرف هيلفردينك الرأسمال المالي على النحو التالي : " أطلق على الرأسمال المصرفي – الذي تحول حقيقة، بهذه الطريقة, من رأسمال بشكله النقدي إلى رأسمال صناعي- الرأسمال المالي". وتحتل مهمة تحريك وإستخدام رأس المال الصوري – النقود- بواسطة المصارف الجزئين الأولين من رأس المال المالي لهيلفردنك الذي كتب بهذا الخصوص: " من اجل تركيز رؤوس الأموال في مشروع ما فإن على الشركة المساهمة أن تجمع رأسمالها بمساعدة رؤوس الأموال المتفرقة التي قد يكون كل منها عاجزا بمفرده عن العمل في الصناعة, سواء كان ذلك بصورة عامة أو في فرع صناعي يكون من إختصاص الشركة المساهمة, ولكن يجب الإنتباه إلى أن تجميع رؤوس الأموال هذه يتم في البداية بالأساس عن طريق دعوة رؤوس الأموال الفردية. وبعد التطور يتم تجميع رؤوس الأموال المتفرقة وتركز المصارف. لذلك يتم اللجوء إلى السوق النقدي بواسطة المصارف".و يضيف هيلفردنك :" ومع تطور الرأسمالية يزداد مجموع الأموال التي تضعها الطبقة غير المنتجة في خدمة المصارف التي تقوم بدورها بوضعها في خدمة الصناعة. وتكون الأموال الضرورية للصناعة في حوزة المصارف. وتزداد تبعية الصناعة للمصارف مع تطور الرأسمالية ومنظماتها التسليفية".
ويتم تجميع رأس المال الصوري - من زاوية "تداوله"- في بورصة القيم وبورصة البضائع. ولهذا يجعل هيلفردنك من البورصة " سوقا للرأسمال الصوري", أو مكانا " لتجميع رأس المال". ومن الطبيعي ألا تكون هذه الأماكن مستقلة عن المصارف, حيث يقول هيلفردنك:" ومع التركز المتزايد للنظام النقدي تنمو أيضا وبشكل هائل سلطة المصارف الكبيرة على البورصة وخصوصا في الفترات التي تكون فيها مساهمة الجمهور في البورصة ضعيفة. فإذا نظرنا إلى مجرى الأمور اليوم في البورصة, فإن علينا الكلام منذ الآن عن إتجاه المصارف الكبرى وليس إتجاه البورصة. ذلك: لأن المصارف قد جعلت, بشكل يزداد كل يوم, من البورصة اداة في خدمتها فتقوم بالتحكم بحرمانها وفق مشيئتها".
إذا كانت ميزة الشركة المساهمة هي فصل رأس المال عن وظيفة مدير المشروع الرأسمالي, فإن الرأسمال الصوري - النقدي - يستمر في المحافظة على وجوده الخاص وعلى حركته الخاصة المستقلة عن رأس المال الصناعي القائم. ويقول هيلفردنك في هذا الصدد: " ويستمر الرأسمال الأول المقدم من قبل المساهمين والذي تحول نهائيا إلى رأسمال صناعي على البقاء كما كان سابقا...فالسهم هو مستند للملكية ومستند للدين على إنتاج مقبل, وهو أيضا سند للدخل. وبما أن هذا الدخل قد أخذ شكل رأسمال, وبما أنه يتضمن ثمن السهم. فسيبدو وكأن رأسمالا ثانيا قد وجد في أثمان الأسهم. إلا أن ذلك ما هو إلا وهما خالصا. إذ ان ما يوجد حقيقة هو الرأسمال – الصناعي وفائدته...". " فبعد أن يتم إصدار الأسهم تفقد علاقتها بالحركة الحقيقية للرأسمال الصناعي الذي تمثله".
لقد حلل هيلفردنك في كتابه المهم "رأس المال المالي" إستراتيجية تشكل وتطور الكارتلات والتروستات في سيرورة تطور الرأسمالية الإحتكارية، إذ إن هذه الكارتلات والتروستات شكلت الحاضنة التاريخية لولادة الشركات والمؤسسات المتعددة الجنسيات التي تشهدها الرأسمالية في طورها الراهن. وقد عزا هيلفردنك إستراتيجية تشكل الكارتلات والتروستات إلى إتجاه إنخفاض معدل الربح أولا, ومن أجل السيطرة على الأسعار والظروف( مسألة الأزمات) ثانيا.
ويذكرنا هيلفردنك، قبل كل شيء بأهمية سعر الإنتاج باعتباره عدم تكافؤ التبادل تحت غطاء ظاهر من تكافؤ الأسعار:" إن سيطرة جزء من المجتمع والإحتكار على ملكية وسائل الإنتاج للجزء الآخر يغير طبيعيا من التبادل, لأنه بواسطة التبادل فقط يمكن أن يظهر عدم تكافؤ أعضاء المجتمع. ولكن, بما أن التبادل هو علاقة تكافؤية فإن عدم التكافؤ سيظهر في هذه الحالة كتكافؤ لسعر الإنتاج وليس للقيمة كما كان سابقا, أي كنتيجة لعدم تكافؤ جهد العمل... في مجتمع يتساوى فيه معدل الربح, ويظهر تساوي معدل الربح أن ماهو مهم في المجتمع الرأسمالي هو رأس المال وليس غيره, لذلك لا تخضع عملية التبادل الفردي للشرط التالي: عمل متكافىء يساوي عملا متكافئا آخر ولكن تخضع لشرط: ربح متساوي لرؤوس الأموال المتساوية: وهكذا يستبدل تساوي العمل بتساوي الربح ويتوقف بيع المنتجات على أساس قيمتها ليتم بيعها على أساس كلفة إنتاجها".
إن ما تتميزبه الرأسمالية هو تحقيق أعلى ربح ممكن بوصفه هدف كل رأسمالي. ومنذذلك الحين يظهر اتجاه تساوي معدل الربح كضرورة لعمل نمط الإنتاج الرأسمالي, وهذا يقود بدوره إلى تحقيق عدم تكافؤ التبادل. كما أن الرأسمالي لا يستطيع أن يحتفظ بمركزه إلا إذا قضى على منافسيه وزاد من ربحه ليتجاوز المتوسط وليحقق بذلك ربحا فائضا. ويظهر اتجاه تساوي معدل الربح من خلال تداول رأس المال الصوري كالأسهم مثلا, أو من خلال جمع رأسمال صوري جديد ليحقق نفسه في رأسمال حقيقي, يقول هيلفردنك:"لأن سهولة حركة رأس المال لا تؤثر على الحركة الحقيقية لرأس المال المتجهة لإحداث تساوي في معدل الربح. فإن ما يبقى فقط هو جهد الرأسمالي للحصول على أعلى ربح ممكن. ويبدو هذا الربح الآن بشكل أكبر حصة أو أكبر سعر تحصل عليه الأسهم. وهكذا تتم الإشارة إلى الطريق الذي يمكن أن يسلكه الرأسمال الباحث عن الإستثمار". "و هكذا لايكون من الممكن تساوي معدل الربح إلا عن طريق دخول رؤوس أموال جديدة في مجال الإنتاج الذي يكون معدل ربحه أعلى من المتوسط, في حين يتعرض خروج رأس المال من مجالات الإنتاج التي تتضمن رأس مال ثابت كبير إلى مصاعب عديدة"( ).
عندما يميل اتجاه معدل الربح نحو الإنخفاض، يدفع هذا الوضع الصناعة " غير المكرتلة" "للتكرتل" للحصول على " فائض الربح" مما يدعم الإتجاه نحو التساوي في معدل الربح. ومن هذا المنطلق فإن استراتيجية تشكل وتطور الكارتلات والتروستات تسير في الواقع في الإتجاه المضاد لإتجاه معدل الربح نحو الإنخفاض.و بهذا المعنى يكتب هيلفردنك:" إن ما يدفع إلى التنسيق هو إختلاف معدلات الربح. فيرى المشروع الذي نسق أعماله مع المشاريع الأخرى غياب تقلبات معدل الربح, في حين يرى المشروع المنعزل تناقص أرباحه لمصلحة الآخرين...فإذا كانت معدلات الربح للمشروعين واحدة ولا تتعدى الربح المتوسط فإن اندماجهما سوف لن يعطيهما أي تفوق ذلك إذا اعتبرنا أنه لا يمكن تحقيق سوى الربح المتوسط".
ويميز هيلفردنك بين الكارتل الذي يحقق " تعاون للمصالح" ويهدف إلى إلغاء التنافس وبين التروست, ويقول : "يعني الكارتل أو التنسيق: اتحاد مؤسستين رأسماليتين بحيث تقوم الأولى بتوفير المواد الأولية التي تستخدمها الثانية", وذلك بدون تعديل معدل الربح في المراحل المختلفة, حيث تتم مساواة معدل الربح في المشروع المركب على مستوى رأس المال الصوري وليس الصناعي. أما التروست الذي هو اندماج عدة مؤسسات في مؤسسة جديدة فإنه ينتج عن إختلاف معدل الربح في المناطق المختلفة للمشاريع الموحدة والتي تنتمي لفرع صناعي واحد:إن توحيد المشاريع يهدف إلى رفع معدل الربح في هذا المجال إلى فوق مستواه المنخفض عن المتوسط وذلك عن طريق إزاحة المنافسة... إذ يتم تأمل إرتفاع الر بح في هذا الفرع من الصناعة، وذلك في أعقاب تخفيف المنافسة".
وهكذا فإن إستراتيجية تشكل الكارتلات والتروستات وتطورها اللاحق تعتمد على إختلاف معدلات الربح من جهة, وعلى إلغاء المنافسة من جهة أخرى ، في الفرع الصناعي لرفع معدل الربح إلى مافوق المتوسط, وذلك على حساب الفروع التي لم تخضع لعملية التركز. وينجم عن هذه الإستراتيجية تطور الرأسمالية الإحتكارية التي تعبر عن مرحلة إندماج الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي في الرأسمال المالي أولا، وعن إلحاق التداول بعملية إنتاج الكارتلات والتروستات ثانيا.
في سيرورة تطور الرأسمالية الإحتكارية، يصبح الرأسمال يبحث عن عملية التراكم خارج نطاق السوق القومية فتقدم له الإمبريالية الحل في شكل تصدير رؤوس الأموال، فيقول هيلفردنك:" تفي " الكرتلة" فائض أرباح مهم, وقد رأينا كيف أن فائض الأرباح المرسملة يتدفق نحو المصارف. إلا أن من نتائج الكارتل, في الوقت نفسه, إبطاء إستخدام رؤوس الأموال. إن ذلك يظهر في المؤسسات " المتكرتلة" لأن الحل الأول الذي تتخذه هو تقليص الإنتاج, كما يظهر ذلك في الصناعات غير " المتكرتلة" لأن تخفيض معدل الفائدة يقود إلى نتيجة مباشرة مؤداها عرقلة استخدام رؤوس أموال جديدة". " وبسبب ذلك يرتفع حجم رؤوس الأموال المتجهة نحو التراكم، في حين تنخفض إمكانيات إستخدامها من الجهة الأخرى. إن هذا التناقض يتطلب حلا, والحل هو تصدير رؤوس الأموال. ولا يمثل ذلك نتيجة " للكرتلة", إنه ظاهرة لا تنفصل عن تطور الرأسمالية. إلا أن " الكرتلة" تزيد فجأة من حدة التناقض وتخلق سمة حادة لتصدير رأس المال"
ويترافق مع عملية تصدير رؤوس الأموال تحول في الإقتصاد الرأسمال العالمي ,إذ تتمكن رؤوس الأموال المصدرة إلى المستعمرات وأشباه المستعمرات من الإستحواذ على فائض القيمة لمصلحة البلدان الرأسمالية الغربية, فضلا عن أن البلدان المتأخرة تاريخيا عن مواكبة التطور الرأسمالي تتحول إلى مصبات لتصريف السلع القادمة من الدول الرأسمالية الصناعية. وحسب أطروحة هيلفردنك، فإن تصدير رأس المال مرتبط بتوسع العراقيل أمام عملية التراكم الرأسمالي في المراكز الرأسمالية، فيقول: " ومهما تكن الطريقة التي يتم بها تصدير رأس المال, فإنه يعني دائما أن مقدرة السوق الخارجية على إمتصاص رؤوس الأموال الأجنبية هذه قد ارتفعت. وأن الحاجز الذي كان مفروضا أمام تصدير البضائع قد كان يتعلق بمقدرة الأسواق الأجنبية على إمتصاص البضائع الصناعية الأوروبية"( ) .
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى كان لينين يعتبر من أقوى المفكرين والمحللين لظاهرة الإمبريالية، خاصة مع تطور الرأسمالية من مرحلة المنافسة الحرة إلى مرحلة الإحتكار، حين يرتفع التركيب العضوي للرأسمال ليحدد حدا أدنى (لمعدل الربح) لا يمكن تحته القيام بالتراكم : فائض تراكم مطلق أو نسبي.و هنا تصبح السوق الخارجية التي لا تتأتى ضرورتها من عجز الرأسمالية عن بناء دينامكيتها على أساس مخطط إعادة الإنتاج الموسع للرأسمال الإجتماعي إنما تأتي هذه الضرورة بسبب حد أدنى – سببه ظهور الرأسمالية الإحتكارية- مما يجعل من التصدير حاجة حقيقية لمساعدة عمل النظام القائم على نمط الإنتاج الرأسمالي.
و هكذا، ينطلق لينين في تحليله لظاهرة الإمبريالية من تطور نمط الإنتاج الرأسمالي. ومن أجل إستخلاص وحدة سيرورة الإنتاج المباشر ومجال التداول لنمط الإنتاج الرأسمالي, فإن لينين يعرض مصدرين أساسيين هما: هيلفردنك وهوبسون( ).
حينذاك يكتشف لينين تناقضات المرحلة الاحتكارية في أحشاء الجوهر العميق للظاهرة الإمبريالية . وان هذه التناقضات هي التي تعطي لهذه المرحلة سماتها تحت شكل تركز الانتاج والرأسمال المالي. ولا يكون شكل جهاز الانتاج الا تجسيدا لتناقضات نمط الانتاج الرأسمالي في مرحلة معينة من تطوره. في حين يتجسد الجوهر المتناقض لبنية الانتاج في معدل الربح وفي تسلط رأس المال على استعدادات التقدم التقني وعدم تناسب النمو بين الزراعة والصناعة. وعندما يسجل لينين بأن ولادة الاحتكارات الناتجة عن تركز الانتاج هي قانون عام وجوهري للمرحلة الحالية لتطور الرأسمالية "، فان ما يهم كشفه هنا هي القاعدة الاقتصادية للتحول من الاقتصاد التنافسي الى الاقتصاد الاحتكاري. ويقول لينين بصدد حركة التصنيع والتركز كتعبير غير مباشر عن هذا التحول:" إن التطور المكثف للصناعة وسيرورة التركز السريعة جدا للإنتاج في المشاريع المتزايدة الأهمية يشكلان إحدى السمات الأكثر تميزا للرأسمالية" ( ).
ويفسر لينين الطبيعة التناقضية للرأسمالية الإحتكارية. فهي من جهة، تقود السيطرة الإحتكارية على التجديد, إلى رفع تطوره بكثير مما في حالة الرأسمالية التنافسية: " يتحول التنافس إلى احتكار. وعن ذلك ينتج تقدم كبير في مجمل الإنتاج إجتماعيا. لا سيما في مجال رفع مستوى إتقان أداء الأعمال والاختراعات التقنية " .
ومن الجهة الأخرى تبطئ سيطرة الاحتكار على التجديد، من سرعة النمو إلى ما دون السرعة الكامنة، وذلك بسبب الطبيعة الاحتكارية لهذه السيطرة : " في حالة فرض أسعار الاحتكار مؤقتا، فإن ذلك يؤدي، إلى حد معين، إلى إختفاء محفزات التقدم التقني وكنتيجة لذلك كل تقدم آخر، حينذاك يصبح ممكنا، على الصعيد الاقتصادي، إبطاء التقدم التقني اصطناعيا " ( ).
في ظل الرأسمالية الإحتكارية، وكنتيجة للتناقضات الملازمة لعمليتي الربح والتجديد, أكد لينين على عدم تناسب النمو بين الزراعة والصناعة. " يتأخر تطور الزراعة عن الصناعة: وهذه ظاهرة خاصة بكل الدول الرأسمالية, وأنها احد السباب الأكثر عمقا لتوقف التناسب بين الفروع المختلفة من الإقتصاد الوطني, ولحدوث الأزمات ولارتفاع كلفة المعيشة.. " لا تقوم الرأسمالية بإزالة التناقض، بين الصناعة والزراعة، بل بالعكس، انها تعمق وتزيد أكثر فأكثر، من حدته "( ).
إن أول آلية للإمبريالية الر أسمالية الاحتكارية هي، حسب لينين، تصدير رأس المال بحيث " يوجه " هذا التصدير تبادل البضائع، مع توفير إمكانية تحقيق " فائض ربح " مستحصل من إستخدام رأس المال في المناطق الأقل تقدما. فعندما كتب لينين :" بأن ما كان يميز الرأسمالية القديمة التي يسيطر فيها التنافس الحر، هو تصدير البضائع، أما ما يميز الرأسمالية الحالية التي يسيطر فيها الاحتكار، فهو تصدير رأس المال "، فإنه لم يقصد بذلك أن الإستغلال عن طريق التبادل الدولي للبضائع قد توقف أو تراجع. إنه أراد بالتحديد، أن هذا الاستغلال قد تقوى أكثر لأنه أصبح يستند إلى تصدير رأس المال ( ).
وفي الواقع، فإن وظيفة تصدير رأس المال التي أكدها لينين هي قبل كل شيء، بإيجاد " دولية من التبعيات والعلاقات ". ولقد تمت العودة الى هذه النقطة اليوم من قبل اندريه كوندر فرانك ( )Frank: "من المهم أن نتمعن جيدا في الدور الذي يلعبه تصدير رؤوس الأموال في إيجاد " شبكة دولية من التبعيات والعلاقات للرأسمال المالي".
ويظهر تصدير رأس المال إذن، كدعامة للمعاملات المفيدة جدا لنمط الإنتاج الرأسمالي، وذلك من خلال تأديته لمهمتين ، كرأسمال، تحقيق معدل ربح أعلى من ذلك المتحقق في المتروبول، ومن الناحية الثانية، فإنه يشكل أساسا " للتبادل غير المتكافيء ". ويعدد لينين الأسباب الحقيقية التي تجعل الربح يتحقق في البلدان المتخلفة بصورة أكثر، حين يؤكد: " تكون الأرباح هنا ( البلدان المتخلفة) اعتياديا، عالية بسبب قلة رؤوس الأموال والإنخفاض النسبي لسعر الأرض وكذلك بالنسبة للأجور والمواد الأولية" .
وإذا كان لينين لم يبحث قضية عدم تكافؤ التبادل، إلا أنه حلل مسألة إعادة إقتسام العالم بين الرأسماليين على أساس قوة وحجم رؤوس الأموال المستثمرة، فيقول: "إذا كان الرأسماليون يتقاسمون العالم, فإن ذلك لا يعود إلى غدر خاص يتعلق بهم, بل لأن درجة التركز المتحققة فعلا ترغمهم على سلوك هذا الطريق بهدف تحقيق الأرباح, وأنهم يتقاسمون العالم بشكل " يتناسب مع رؤوس الأموال", و" حسب قوة كل منهم"، كل ذلك لعدم وجود طريقة أخرى للتقاسم في نظام الإنتاج البضائعي والرأسمالي".
الإمبريالية معرفة من قبل لينين هي المرحلة الإحتكارية من الرأسمالية. وكذاك:" إن الإمبريالية هي الرأسمالية التي وصلت إلى مرحلة متطورة تتأكد فيها سيطرة الإحتكارات ورأس المال المالي, وفيها يكتسب تصدير رؤوس الأموال أهمية من الدرجة الأولى, ويبدأ إقتسام العالم بين التروستات الدولية, وينجز إقتسام كافة أقاليم الكرة الأرضية بين أكبر البلدان الرأسمالية".
- 3 -
إذا كان هناك شبه إجماع من جانب المنظرين الغربيين الذين تنطحوا لتحليل ظاهرة الإمبريالية، على أن هذه الأخيرة تمثل النفي الجزئي لتناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي، فإن تحليل ظاهرة الرأسمالية الإحتكارية للدولة كإحدى خاصيات تطور الرأسمالية في مرحلة مابعد الحرب العالمية الأولى ولغاية بداية الثورة النيوليبرالية في الغرب, بقيادة الثنائي رونالد ريغن ومارغريت تاتشر، تظل موضوع جدل بين مختلف رواد المدارس الفكرية.
إن مفهوم الرأسمالية الإحتكارية للدولة هو مفهوم لينيني استخدم أول مرة عام 1917, حين قال في " الكارثة المحدقة وكيف نحاربها"-تشرين الأول 1917:" يفترض ديالكتيك التاريخ بالتحديد أن الحرب, التي عجلت بصورة عظيمة في تحول الرأسمالية الإحتكارية إلى رأسمالية دولة إحتكارية, هي نفسها قربت الإنسانية كثيرا من الإشتراكية... إن رأسمالية الدولة الإحتكارية هي تحضير مادي كامل للإشتراكية, إنها المدخل إلى الإشتراكية, إنها العتبة التاريخية التي لا تفصل بينها وبين الإشتراكية أية عتبة وسيطة".
وخلال الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين (1919-1939) ازداد تركز وتمركز رأس المال، وبرزت فيها الإحتكارات الرأسمالية الضخمة, وتعرض فيها النظام الرأسمالي لكثير من الإضطرابات، وأزمة الكساد الكبير (1929- 1933), وبروز الحروب النقدية والكتل التجارية، وانهيار قاعدة الصرف بالذهب الخ .. في خضم كل هذا ازداد التدخل الحكومي على نحو واضح لمواجهة أزمات الرأسمالية في تلك الفترة. وتعتبر نظرية الإقتصادي الفرنسي ب بوكارا الأطروحة النظرية الأكثر دقة في مجال تحليل الرأسمالية الإحتكارية للدولة. إن العناصر الأساسية الثلاثة لأطروحة بوكارا هي:
1-تعبر الرأسمالية الإحتكارية للدولة عن مرحلة ضرورية لتطور نمط الإنتاج الرأسمالي، حيث تفرض تناقضات هذا النمط, الذي يتم التفكير به بصيغ فائض التراكم, بتدخل الدولة في طريقة خلق وامتصاص الفائض الإقتصادي.
2- تدخل الدولة للحصول على الرأسمال ثم لتعيد تمليكه للرأسماليين.
3- تسمح تناقضات الرأسمالية الإحتكارية للدولة بقيام " ممارسة عملية تساعد على التغييرparaxis" الديمقراطية المتقدمة"( ).
على أن القبول الواسع بالتدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي بدول المنظومة الرأسمالية قد تجلى بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية والتبني الكاسح للفلسفة الاقتصادية الكينزية.فقد أثبت كينز في نظريته العامة للنقود والفائدة والتوظيف(1936) أن هناك ميلا متأصلا في النظام الرأسمالي يعرضه لعدم التوازن, وهو ميل نابع من آلياته الداخلية وبسبب الأزمات الإقتصادية بشكل دوري من جراء عدم التناسب الذي يحدث بين قوى الطلب الكلي وقوىالعرض الكلي. ونظرا لأن النظام يعجزعن أن يولد من ذاته وبطريقة تلقائية سبل إنعاشه والقضاء على البطالة وهو يمر بمرحلة الكساد الدوري, أو سبل تجنبه لمخاطر التضخم وهو يمر بمرحلة التوظيف الكامل, فقد نادى بأن الدولة هي الجهاز الوحيد القادر على أن يلعب دور العامل الموازن أو التعويضي في الطلب الكلي. وقد تم في ذلك روشته المعرفة لمواجهة الأزمات الدورية, والتي يلعب التدخل الحكومي فيها دور الطبيب المعالج( ).
وهكذا, فإن الرأسمالية الإحتكارية للدولة هي جمع قوى الإحتكارات وقوى الدولة في آليةموحدة, تستهدف الوقوف في وجه التناقضات الناجمة عن فائض التراكم أو فائض الإنتاج الرأسمالي. ثم إن إتجاه فائض التراكم، بوصفه تعبيرا عن إتجاه المعدل المتوسط للربح للإنخفاض, لا يشكل ظاهرة جديدة, بل، إنه ملازم لنمط الإنتاج الرأسمالي. لكن ما تتميزبه الرأسمالية الإحتكارية للدولة هو الصفة المزمنة والعامة لظاهرة فائض التراكم. وإجمالا تعاني مجتمعات البلدان الرأسمالية في الغرب أكثر فأكثر من فائض رأس المال. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ازداد تدخل الدولة في معظم البلدان الرأسمالية المتقدمة التي تبنت النظرية الكينزية، وقبلت البرجوازية الإحتكارية مبدأ التدخل الحكومي، باعتبار ذلك أصبح يخدم مصالحها, ما دام كينز استهدف، وبإخلاص شديد، حماية النظام الرأسمالي وتأمينه ضد الإضطرابات الإجتماعية وزحف الإشتراكيةعليه.
المصدر: ملتقى شذرات


,[i hgvHslhgdm hg[]d]

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-04-2012, 01:46 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي

لقد تطورت في سيرورة الرأسمالية الإحتكارية للدولة، خاصة مع إزدياد تركز وتمركز رأس المال المؤسسات العملاقة المسماة الشركات المتعددة الجنسيات, حيث تلعب هذه المؤسسات اليوم دورا مهما على صعيد العالم الرأسمالي.. وتسمى لدى المتخصصين الاقتصاديين الشركات متعددة القومية أوفوق القومية، وهي ليست متعددة الجنسيات، إذ أن لها جنسية واحدة, هي جنسية (الوطن الأم), إنما توزع إستثمارها المباشر الأجنبي بطريقة غير متساوية، إجتماعيا وجغرافيا، على مستوى العالم كله. .
و تعتبر الشركات المتعددة الجنسيات أرقى أشكال الإستثمار المعاصرة للإنتاج الرأسمالي, وأهم الأدوات المسؤولة عن الإستثمار الأجنبي المباشر المرتبط بملكية أصول ثابتة في الخارج, وحق إدارة هذه الأصول.. وتكمن إستراتيجيات هذه الشركات في صوغ دور وتوزيع الإستثمار الأجنبي، كعنصر مكون أساسي في مرحلة الرأسمالية الإحتكارية.
وكان نشاط هذه الشركات المتعددة الجنسيات تبلور بعد الحرب العالمية الثانية, وإعادة إعمار أوروبا, حيث لعبت الشركات الأمريكية دورا رائدا في مجال الإستثمار الأجنبي. وتميزت طرق الإستثمار لدى الشركات المتعددة الجنسيات، بسمات مختلفة عن طرق الإستثمار التقليدية المعروفة لتصدير رأس المال الذي يقوم على أساليب الإقراض, أو الإستثمار بالسندات المالية, التي تنطوي على عنصر المخاطرة. كما أن عمل الشركات المتعددة الجنسيات الذي يخدم حركة الإستثمار المباشر لرأس المال في السوق العالمية ,و بالتالي يخدم النظام الرأسمالي الإحتكاري, يتناقض مع قوانين عمل الرأسمالية التقليدية، التي تفترض عدم قابلية عوامل الإنتاج للإنتقال من بلد إلى آخر, ووجوب بقاء إستثمار رأس المال في إطار السوق الوطنية أن يهاجر إلى خارج سوقه الوطنية.
يتميز الإنتاج العالمي للشركات المتعددة الجنسيات بالإنتاجية العالية، وبتوظيف الخلق والإبداع التكنولوجيين من كل ما توصل إليه العالم في هذا المجال. ويقوم رجال الأعمال الأمريكيون وأشقاؤهم من البلدان الصناعية الأخرى بإيجاد هذا الإقتصاد بواسطة نوع جديد من التنظيم: المؤسسات او الشركات المتعددة الجنسيات. وتمتد المئات من هذه الشركات عبر الحدود الوطنية لتنتج السلع والخدمات في الخارج بهدف إشباع حاجة مستهلكي العالم كافة. وعلى عكس المؤسسات التجارية للقرن الماضي, فإن المؤسسات المتعددة الجنسيات تضمن سهولة إنتقال عوامل الإنتاج- رأس المال, التكنولوجيا, وتكنيك الإدارة- وكذلك سهولة إنتقال البضائع.إنها تطلب النمو والربح في كل مكان تبدو فيه الأمال والمردودات عالية جدا. إنها تجمع كميات جديدة من رؤوس الأموال, وتطور المصادر غير المستثمرة وتسعى بمهارة نحو الفرص الجديدة.و إن نتيجة كل ذلك هي إسراع النمو الإقتصادي, ورفع مستوى المعيشة في البلدان الصناعية والبلدان السائرة في طريق التقدم([1]).
إن الشركات المتعددة الجنسيات تطبق في إستراتيجياتها المبدأ القائل " ليس لرأس المال وطن... بل وطنه سوق الإستثمار", وهي تمثل الآن المحرك الأساس في الإقتصاد المعولم. وتخلق تحالفاتها الإستراتيجية سوقا عالمية بالغة التفاوت, قائمة على إحتكار القلة، وليست خاضعة لمقتضيات النموذج التنافسي التام التي تتسم بها الرأسمالية التقليدية. وتخوض الشركات المتعددة الجنسيات صراعا تنافسيا ضاريا وفتاكا.و هي تستخدم كل إستراتيجيات الأعمال المتاحة لإقصاء بعض اللاعبين المنافسين عن شبكاتها,و حبس آخرين حبسا وثيقا داخل هذه الشبكات, وتنعم هذه القلة الإحتكارية بالمزايا الكبرى "للمحرك الأول" ...و يمكن لنا أن نضع تمييزا مفهوما بين أربعة أنماط تنظيمية من الأعمال الكونية للشركات متعددة الجنسيات مستخدمين أسماءهم وهي:
1- الشركات التي تعتمد على الحضور المحلي القوي من خلال تحسس الفوارق القومية والإستجابة لها(" الشركات متعددة القومية").
2- الشركات التي تستثمر معرفة وقدارات- الشركة الأم من خلال الإنتشار والتكيف العالميين (" الشركات العالمية").
3- الشركات التي تحقق أفضليات في الكلفة من خلال مركزة العمليات على النطاق الكوني("الشركات الكونية").
4- الشركات التي تبعثر نشاطاتها على وحدات متخصصة, ومستقلة نسبيا, سعيا لتحقيق القدرة التنافسية الكونية من خلال المرونة متعددة القومية, ومن خلال قدرات تعلم المعرفة وتطويرها على نطاق العالم ("الشركات العابرة للقوميات")([2]).
إن عمل الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة الأمريكية, وأوروبا, هو بمنزلة هدم كلي للإيديولوجية الإقتصادية النيو كلاسيكية, والنيو ليبرالية, التي تفترض الحصول على أقصى الأرباح في سوق (وطني ودولي) يقوم فيه تنافس صاف وتام لا بد أن يقود إلى أقصى حدود الرخاء الجماعي ( وطني وعالمي) والفردي. و" ينتج" المنظرو ن الاقتصاديون المدافعون عن الشركات متعددة الجنسيات, نظرية جديدة، لأقصى الأرباح الإحتكارية في سوق تنافس دولي لقلة محتكرة (Oligarchique), التي تقود إلى تحقيق أقصى حدود الرخاء لقلة من الإحتكارات الدولية.
وتتهم معظم البلدان النامية الشركات متعددة الجنسيات بخضوعها لسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، وبوضع القرارات المتعلقة بالحياة المحلية بيد مراكز قياداتها الموجودة في نيويورك ولندن وطوكيو: أي وضع المهام المتعلقة بالدولة الوطنية في العالم الثالث تحت سيطرة الشركات متعددة الجنسيات. ذلك أن تطور رؤوس الأموال عبر الأوطان، يمثل مرحلة جديدة للرأسمالية الإحتكارية للدولة, والتي تقع نفسها ضمن الطور الإمبريالي للرأسمالية الموضحة سماتها من قبل لينين. فسياسة الدولة في العالم الثالث بشكل خاص، لا تعارض رؤوس الأموال الأجنبية، بل إنها تعكس وتخدم حاليا في جزء متنام، مصالح الشركات متعددة الجنسيات.
لقد أحدثت الشركات متعددة الجنسيات تبدلا حقيقا في الرأسمالية لجهة تدويل الإنتاج، والأسواق، ورأس المال، وإندماج مجالات الإنتاج الرأسمالي في المرحلة التنافسية, التي كانت تجد تجسيدها في رؤوس الأموال الخاصة بكل مجال. وتعبر الشركات متعددة الجنسيات عن إندماج الرأسمال المصرفي والصناعي في الر أسمال المالي, حين تقضي على إستقلال المجالات الثلاثة، عبردمجها جميعها في مركز قراراتها, من أجل إلغاء إحتفاظ الرأسمال التجاري بجزء من فائض القيمة, واستبدال العمل القاصر للتنظيم الذاتي للسوق, بالنسبة للإنتاج، بالآليات المخططة.
ولا بد من القول إن الإندماج الذي يتم بواسطة الشركات متعددة الجنسيات, والذي يؤدي إلى إلغاء الرأسمال التجاري, يعود الفضل في توضيحه نظريا إلى هيلفردنك. أما اليوم فيقدم لنا "ج.ب. دليله" تحليلا منظما, وبهذا الصدد يقول:"تبرز مشكلة الرأسمال التجاري بوضوح أكثر في النشاط الخارج Avalمن المشروع وعما في النشاط الداخلAmont إليه. فتقوم المشاريع الكبيرة بدمج الرأسمال الصناعي والتجاري: إنها تقوم بإنشاء شبكتها التسويقية الخاصة التي ترتبط وتنشد, أكثر فأكثر, بالإنتاج نفسه. وتسمح أجهزة الإعلام، في كل لحظة, بقياس حجم الطلبات آخذة بالحسبان جميع الخصوصيات. فمن وجهة نظر إقتصادية, فإن النتيجة الرئيسية هي إنتهاء التمييز بين الرأسمال " الصناعي" والرأسمال " التجاري". وبالنتيجة يتلاشى توزيع الر بح بين ربح للمدبر الرأسمالي وربح تجاري, ويميل هذا التوزيع إلى الإختفاء في الممارسة.
"إن المحرض الحقيقي لهذا الإندماج هو مقدرة الرأسمال التجاري, شأن الرأسمال الصناعي، على خفض كلفته, بالرغم من أنه لا يضيف, بصفته رأسمالا تجاريا, أية قيمة. إن لذلك أهمية قليلة ‍‍‍!إذ تطرح مسألة إنتاجية التجارو علاقتها مع مردودية الرأسمال التجاري – بعبارات رأسمالية- على شكل أنقاص للتكاليف... فلا يقتصر الرأسمال الإحتكاري على السيطرة على الشبكات التجارية الموجودة, إنه يقوم بزج كميات من رؤوس الأموال ليتم له " إعادة تكوين بنية" التجارة وجعلها أكثر " عقلانية"Rationalisation""([3]).
- 4 -
منذ بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، دخلت الرأسمالية في أزمة بنيوية، وشهد العالم الرأسمالي سلسلة من الأزمات المالية والنقدية، إضافة إلى الإتجاه نحو التضخم والركود. وفي يوم 15 آب 1971، قرر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك ريتشارد نيكسون إلغاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وانهار بذلك كل نظام بريتون وودس(1944) الذي تمخض عنه ولادة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, وهو النظام الذي أقامته الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، وكانت تهدف إلى تحقيق تكامل في الاقتصاد العالمي تحت قيادتها, لكي يخدم إقتصادها الأقوى والأغنى.
ومنذ ذلك التاريخ شهد العالم ولادة ما يمكن أن نطلق عليه إسم " الرأسمالية الجديدة", لأنها أعادت حرية المناورة النقدية لواشنطن، وفتحت الطريق للإجراءات الأكثر راديكالية على صعيدالإضطراب المالي, وسمحت لإزدهار العولمة الليبرالية. وتعرضت الثورة الكينزية في السنوات اللاحقة ( التي شكل تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي والإجتماعي جوهرها) لثورة مضادة، سواء على صعيد الفكر الاقتصادي أو صعيد السياسات الاقتصادية. وتوصل منظرو المدرسة النقدية الذين تكونوا في جامعة شيكاغو- وتجمعوا حول الأستاذ ميلتون فريدمان (جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1976 وأحد المناهضين الكبار لجون مايناردكينز )-إلى السلطة، أولا داخل الفرق التي تحيط بالجنرال بينوشيه في التشيلي، ثم ثانيا مع مارغريت تاتشر في المملكة المتحدة, وأخيرا مع رونالد ريغان في واشنطن.
ومن العام 1975 حتى العام 1980 كانت النيوليبيرالية تحل شيئاً فشيئاً مكان النموذج الكاينزي، وقد أنجزت عملية الإنعطاف هذه في العام 1979 عندما قررت وزارة الخزانة الأميركية أن ترفع فجأة معدلات الفوائد. ومنذ قمة البندقية في العام 1980، احتلت عملية مكافحة التضخم الأولوية، وأصبح الإتكال على مجالات التوظيف أمراً طوباوياً وانفتحت أزمة الدين في العالم الثالث. كانت هذه بداية الطور النيوليبرالي في نظام العولمة.
فعلى الصعيد الفكري تعرضت الكينزية لحصار نظري طاحن من خلال هجمات المدرسة النيوكلاسيكية التي قاد لوائها ميلتون فريدمان، وأنصار مدرسة إقتصاديات العرض. فقد نسبت هاتان المدرستان للتدخل الحكومي كافة الأزمات والمشكلات التي تعاني منها الرأسمالية (البطالة, الركود, إنخفاض الإنتاجية, التضخم, عجز الموازنة..,.الخ) والحق أن أنصار الكينزية عجزوا عن الرد, أو إقتراح سياسات براغماتية جديدة للخروج من الأزمة, خاصة أزمة الركود التضخمي, وإن كانت مساهماتهم النظرية في هذا المجال أو غيره, أمرا لا يمكن التهوين من شأنه. وعموما, فإنه لما كانت الرأسمالية, عبر شتى مراحل تطورها, قد أفرزت من تيارات الفكر الا قتصادي ما يناسب مصالحها ويعبر عن وعيها الطبقي, فإن الأزمة الهيكلية التي دخلت منذ مشارف عقد السبعينات قد أفرزت أشد تيارات الليبرالية تطرفا. وهذا التيار الليبرالي الجديد المتطرف، قد انقسم في الحقيقة إلى فرعين رئيسيين, يصبان معا في منبع واحد, هو المناداة بإطلاق الحرية الاقتصادية ( بمعناها الهمجي) إلى أقصى حد ممكن([4]).
فبإسم " الثورة المحافظة"، بدأ هؤلاء الليبراليون المتطرفون ينشرون نيوليبرالية عدوانية ومضاعفة بنوع من الأنتي -كينزية المناضلة للقضاء على ذلك التقليد القديم ألا وهوضرورة تحجيم دور الدولة وتدخلاتها في النشاط الاقتصادي والإجتماعي, منادين في الوقت عينه بأن الحرية الاقتصادية هي أساس حياة الفرد والمجتمع. وركزوا في هجومهم على السياسات الإجتماعية التي تطبقها الدولة في مجال السوق, مثل دعم صندوق التضامن الإجتماعي وإعانات البطالة, والرقابة على الأسعار، ودعم الخدمات التي توجه للطبقات الفقيرة, ومحدودي الدخل( كالدعم السلعي و العلاج المجاني أو الرخيص, فضلا عن الإسكان والتعليم إلخ).
فهذه السياسات في رأي أنصار النيوليبرالية هي التي أدت إلى زيادة العجز بالموازنة العامة للدولة. وهذا العجز قد مول من خلال الإئتمان المصرفي وطبع البنكنوت، مما كان له علاقة وثيقة بزيادة عرض النقود وإنفجار التضخم. كما أن جانبا من هذا العجز قد تم تمويله من خلال سياسة الدين العام الداخلي (الإقتراض من القطاع الخاص) فترتب على ذلك سحب جانب من المدخرات الحقيقية لتمويل الإنفاق الحكومي, وهي مدخرات كان من الممكن أن تتوجه للإستثمار المنتج وتزيد من معدلات النمو([5]).و أولت االنيوليبرالية أهمية خاصة لتصفية نفوذ النقابات العمالية في البلدان الرأسمالية، وكذلك معظم المكاسب الإجتماعية التي حققها العمال في نضالهم الطويل ضد الإستغلال الرأسمالي.
الثورة النيو ليبرالية هي الجواب التاريخي الذي تقدمه البرجوازية الإحتكارية لأزمة الرأسمالية العالمية من أجل تحجيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي والإجتماعي, وخفض معدلات الضرائب على الدخول والثروات المرتفعة, وإطلاق العنان لقوى السوق العمياء في بيئة يغلب عليها طابع الإحتكار, وحل أزمات الرأسمالية، وبالذات أزمة التضخم, التي لن تتم إلا في ضوء القبول الواسع بالبطالة وبالتالي قبول التحول من الإفقار النسبي إلى الإفقار المطلق داخل البلدان الرأسمالية، بعد أن تم التخلي تماما عن هدف التوظيف الكامل كأحد مرتكزات الدولة الكينزية.
وترافق مع هذه الثورة النيوليبرالية إندلاع الثورة العلمية والتكنولوجية التي باتت تلقب بالثورة الصناعية الثالثة في الغرب, و التي أحدثت تغيرات هيكلية في إقتصاديات البلدان الرأسمالية من خلال الأوتوماتية المرنة، كما أحدثت تغيرا جذريا في العوامل المادية لقوى الإنتاج, بل ثورة في القوى الإنتاجية الذاتية وهي الإنسان نفسه. وحلت محل وسائل الإنتاج القديمة وسائل إنتاج جديدة إلكترونية مبرمجة بوساطة الكومبيوتر.
وبفضل الثورة العلمية والتكنولوجية تدخل الرأسمالية في عالم حضاري جديد, تتمثل حضارته في المعرفة التي تقوم على المعلومات بدلا من المواد الخام والوقود والموارد الطبيعية وموارد العمل البسيط للبشر. وتصبح المعلومات هي المورد الرئيس لثروة المجتمع, وتصبح القوى المنتجة للمعرفة هي مفتاح تحديد وتجديد القوى المنتجة للمجتمع. بل تصبح المعلومات هي الشكل الرئيس لرأس المال. إن المعلومات مورد مثل سائر الموارد الطبيعية: كالثروات المعدنية, والأرض, والمياه, ومثل الثروات البشرية. وهي مورد متجدد يتزايد كل يوم ويتضاعف كل خمس سنوات. وهو قادر على أن ينتج موارد جديدة لم تكن معروفة. فالمعلومات تحول المواد التي لم نكن نعرف لها قيمة إلى موارد طبيعية جديدة... والواقع أن أهم تحول يشهده الإقتصاد الدولي هو التحول من الخامات الطبيعية إلى الخامات الصناعية. في البداية لم تفض الثورة التكنولوجية إلى تحولات كيفية في جهاز الإنتاج المستقر والتكنولوجيا المستخدمة. فقد كان الإنتاج يعتمد على الإستخدام الواسع لموارد النمو الاقتصادي. ولم تكن الثورة معنية بعد بقضية محدودية الموارد الطبيعية والبشرية. ولقد نجحت اللقاءات المتنامية بين العلم والإنتاج في زيادة سرعة نمو الإنتاج... وهكذا اتجه الأمر لتغيير وتحويل جهاز الإنتاج بالإتجاه إلى تكنولوجيات( التوفير في الموارد والطاقة).
وتشهد التطورات الحديثة في التكنولوجيات وفي الاقتصاد الرأسمالي أن ثورة العلم والتكنولوجيا تنمو لتصبح ثورة العلم والإنتاج.و بإندماج العلم والإنتاج يغزو التقدم التكنولوجي- إضافة إلى مجال الإنتاج - المجال غير الإنتاجي أيضا, ليغير حياة الناس اليومية وأوقات فراغهم. فالثورة توفر مقدمات لإعادة بناء جذرية للنظام القائم لتقسيم العمل الدولي. غير أن عدم التكافؤ السائد في الاقتصاد الدولي لا يسمح بعد بمثل هذا التحول الجذري. ولذلك فإن ما يحدث حاليا من عمليات إعادة هيكلة للإقتصاد الدولي لا تزال تجري في إطار من المنافسة الدولية غير المتكافئة([6]).
ثم إن التطور غير المتكافىء في مجال العلم والتكنولوجيا يدخل في إطار التبادل الدولي غير المتكافىء ليزيد في تأخر وتبعية وفقر البلدان النامية حيث تجري عملية إعادة توزيع الموارد على صعيد العالم. لقد صارت دورة الإنتاج والتوزيع والتبادل والإستهلاك دورة عالمية بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية التي شملت الاقتصاد الوطني لكل أقطار العالم.
لقد أحدثت هذه الثورة في الواقع عمليتين معا بالغتي الأهمية: الأولى هي تجديد وتوسيع القوىالإنتاجية, والثانية هي تدويل هذه القوى الإنتاجية, التي من أجل أن تتجدد وتتوسع لابد من أن تتخطى الحدود القومية لكل بلد من بلاد العالم, ومن ثم أخذت تتشكل أشكال عديدة من صور التدويل الا قتصادي مثل: تدويل رأس المال, وتدويل العمل, وتدويل الأزمة التي تتحول أكثر فأكثر إلى أزمة عالمية، كونية([7]).
إن الرأسمالية تبدلت في عصرالنيوليبرالية، التي تتيح للرأسمالية جمع الأموال بواسطة المال، وبالتالي توليد الإفقار الراهن في مراكز النظام ومحيطاته. فالليبرالية المتوحشة هي إمكان الرأسمالية أن تفعل ما تشاء، حين تشاء، وكما تشاء, بلا "إتيك", بلا أخلاق,و بلا سلطة مناقضة لسلطتها. ومع تجذر الثورة النيوليبرالية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بدا العديد من المنظرين الإشتراكيين يطرحون الأسئلة المحيرة " هل للإشتراكية من معنى"؟و كيف يمكن للطبقة العا ملة، والنقابات، والأحزاب الإشتراكية أن تواجه مثلا رأسمالا معولما ينقل رساميله من طرف محدد على الأرض إلى طرف آخر؟ وهل من الواقعية الإدعاء بتحديد حركة رأس المال في هذه السوق؟ وهل من معنى للحركات الإجتماعية, في ظل عولمة الاقتصاد اليوم على مستوى عالمي؟
وعلى الرغم من أن التاريخ لم ينته, وأن التناقضات الرأسمالية المرتكزة على الأجور والمنافسة تتطلب مواجهتها بتنظيم واع قادر على مركزة فوائد العمل,إلا أنه في ظل تبني معظم الإشتراكيين على إختلاف درجة راديكاليتهم السياسية ، منطق السوق, وعقدهم إتفاقا تاريخيا مع " سلطة " رأس المال, وتخليهم عن تصحيح مساوىء الرأسمالية,و تحولهم الزائد نحو "الليبرالية الإجتماعية" والإعتدال, ازدادت سيطرة أفكار الخصم من النيوليبراليين المتطرفين, وتفوق"نظامهم الإيديولوجي" بشكل قوي. وأضحت النقابات العمالية في البلدان الرأسمالية والبلدان النامية على حد سواء ,الهدف الذي يجب تصفيته من قبل الثورة النيوليبرالية. فالنقابات العريقة لا تزال في اللعبة وتطرح كقوة طبيعية للبديل الحكومي في ظل عدم وجود بديل يساري. ويعتبرذلك مؤشرا على التبعية المتزايدة للإشتراكية, أمام إغواءات النيوليبرالية.
وفي ظل تبعية أو سقوط وإنهيار معظم الأحزاب الإشتراكية, وأمام سيطرة إيديولوجيا النيوليبرالية، بات على النقابات العمالية القيام بالجمع بين ثلاث مصالح متناقضة: المصلحة "القطاعية"للطبقة العاملة, ومصلحة رأس المال لنمو من دون عقبات, ومصلحة " الجماعة الوطنية" من أجل خير معمم. ثم إن إزالة الحدود الوطنية من طريق التجارة الدولية وتدمير النقابات العمالية قد "قضى على كل الروادع" كما قال شاكيا روبرت رايش, الاقتصادي المعروف ووزير العمل (السابق)في عهد إدارة كلينتون السابقة. فبما أن المشروعات تسوق بضائعها عالميا, لذا " لم يعد مستقبلها يتوقف على ما لدى العاملين الأمريكيين من قوة شرائية"، هؤلاء العاملين الذين صاروا يتحولون أكثر فأكثر إلى "طبقة مذعورة"([8]).
وأمام تحدي الثورة النيوليبرالية وهجومها الكاسح على جبهة العمل، ضعفت القدرة النضالية للعديد من النقابات الشهيرة عالميا في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا, وفرنسا، وإيطايا، وتونس، والجزائر، والمغرب. وتحولت هذه النقابات المنهكة إيديولوجيا، والضعيفة إجتماعيا, إلى عبارة عن تشكيلات شعبية تسيطر على أجهزتها " أرستقراطيتها" والطبقات الوسطى, حتى وإن ظلت مرتبطة بالعمال والفئات الشعبية, مع الإشارة إلى دورها الطبقي عبر التاريخ في لحظات معينة, إلا أنها حاليا في ظل هزيمتها أمام النيوليبرالية لم تعد تشكل أطرا طبقية, بسبب ضعف الرابط الذي يشد العمال إلى الإشتراكية الديمقراطية, وعدم تحسس النقابات للمطالب الشعبية مع إنتشار الفقر والبطالة, وضعف مقاومة المجتمع والحركة النقابية لتأثيرات السياسات النيوليبرالية المتبعة.
ويرى الإقتصادي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية, (و هو واحد من المراكز المحافظة في واشنطن) إدوارد لوتوك : أن ماتفرزه " الرأسمالية النفاثة" هو في واقع الحال " نكتة خبيثة: فما كان يزعمه الماركسيون قبل مئة عام من مزاعم كانت خاطئة آنذاك, أضحى الآن حقيقة. فالرأسماليون يزدادون ثراء والطبقة العاملة تزداد فقرا. و"أن المنافسة المعولمة تطحن الناس طحنا" وتدمر التماسك الإجتماعي([9]).
في كل مكان من العالم الرأسمالي أصبح عدم الثبات في العمل أو العمل المؤقت la precarite, هو السائد بينما نشهد بالمقابل تراجع النضالات العمالية، والمعارك النقابية, والحقوق الجماعية الكبيرة المكتسبة بفضل النضالات (خاصة حق الإضراب).ففي كل مكان تهب رياح النيوليبرالية المتوحشة، تعصف بالسدودالإجتماعية التي تم تشييدها بصبر طيلة سنوات 1850-1900, وتزعزع أسسهانفسها، في مبادئها وشرعيتها.و ماذا يفيد أن نلحظ هنا وهناك، أن حق العمل يخدم مصالح" أصحاب الثروات les nantis", عندما يتموقع ا لمهم في ظل سيادة بطالة معممة إلى جانب التوظيف.
من خصائص الرأسمالية الجديدة أن قوة جاذبية الليبراليين المتطرفين les ultra liberaux أصبحت تضمن لهم نفوذا شرعيا يضخم أزمة حق العمل المهزوز ليس فقط من قبل المعطيات الاقتصادية الجديدة، وإنما أيضا ، وهذا هو المهم، من العودة القوية للنموذج الليبرالي الذي تأسس على الضد منه.فالوضع الحالي يطرح علاقة الاقتصاد بالإجتماعي.و فيما كان الإشتراكيون يرون أن التقدم الإجتماعي يتوقف على التقدم الاقتصادي، يرد عليهم الليبراليون المتطرفون بخطاب العودة إلى " الجدية"، أي رد الإعتبارللربح ولسلطة أرباب العمل تحت غطاء إعادة هيكلة الإقتصاد، أي تحويل الواقع وقوانينه من خلال : " الاقتصاد هو الذي يحدد الإجتماعي". ولم يتردد رؤساء الشركات والمصانع عن إعلان تساريح للعمال والموظفين" من أجل تحسين معدل الربح".و يحدث هذا كما لون أن الإجتماعي أصبح "فضالة " الاقتصاد, مقدرا بدلالة المردودية والإنتاجية فقط.
إن تكيف أنظمة عقود المدة المحدودة والعمل المؤقت تنبثق من ذات الإيديولوجية النيوليبرالية الواحدة.و في معظم البلدان الرأسمالية أصبح عدد كبير من الأجراء مجبرين على ترك أوضاعهم كعمال ثابتين لكي يتم إعادة توظيفهم مباشرة في ظل نظام العمل غير الثابت. والحال هذه، تحولت العقود ذات المدة المحدودة وعقود العمل المؤقت إلى وسائل عادية لإدارة اليد العاملة.و تغذي معظم الأنظمة الإستثنائية المطبقة لمصلحة الفئات الخاصة بطالبي التوظيف (خاصة الشباب منهم) هذا الإتجاه.و تستخدم دورات التكوين المهني للشباب كيف ماجاء وبخبط عشوائي لأنها أقل كلفة لأرباب العمل .
وفي ظل سيطرة النيوليبرالية تتعرض التعبئة الإجتماعية لأخطار حقيقية تتمثل في الطرد الإجباري من عالم العمل,إذ تلقى حق العمل ضربات موجعة جراء هذه التحولات.فلم يعد الأجراء يمتلكون القدرة المبدئية لحرية الإختيار, بل إنهم مجبرون على القبول أو التسريح من العمل. وقاد هذا الوضع إلى تراجع عدد المنخرطين في النقابات, وتراجع المشاركة في الإنتخابات المهنية, وتراجع المحبة للهيئات التمثيلية للأفراد, إضافة إلى تنامي الشكوك حول فاعلية هذه الهيئات، واللجوء المتكرر إلى الإستفتاء... وبذلك تحول المصنع أو الشركة إلى إطار مثالي للإستراتيجيات النيوليبرالية القائمة على تغليب أولوية المصلحة الفردية بمعناها الأناني والخلاص الفردي من واجبات الإيديولوجية التايلورية. والنتيجة واضحة للعيان، إذ يتقمص الأجير أيضا نفسية المصنع كليا, مثلما يتقمص الإبن نفسية أبيه. ولم يعد الإجتماعي يشكل المكان الملائم لتشكيل هوية جمعية, مستقرة, تأخذ مكانتها في لعبة السلطة, وإنما وسيلة تحرير طاقات الأفراد في سيرورة تفضل فاعليتهم وإنتاجيتهم إلى أقصى حد.
- 5 -
خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أعدت أهم الشركات المتعددة الجنسيات, وبنوك وول ستريت, والخزانةالفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية (البنك المركزي الأمريكي) والمؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) ما بات يعرف في كل العالم ب"توافق واشنطن", الذي يقوم على مبدئين : الأول، حكومة الحد الأدنى.والثاني, الأسواق الحرة. ولعبت مجموعة الثماني دوراً ناشطاً في فرض عقيدة الطور النيوليبيرالي للعولمة وفي تولي قيادته. والسياسة التي توجه سياساتها ترتكز على الأنماط الثلاثية الأبعاد المتمثلة في الاستقرار والتحرير والخصخصة.
ورداً على الإنتقادات المتصاعدة تمّت صياغة العقيدة في العام 1990 على يد عالم الاقتصاد جون وليامسون والتي حملت اسم "توافق واشنطن". وقد ارتكزت هذه العقيدة على مبادئ سبعة هي النظام المالي (إقامة التوازن في الموازنات وخفض الاقتطاعات المالية)، التحرير المالي (معدلات فوائد تحددها فقط أسواق الرساميل)، التحرير التجاري (الغاء أنظمة الحماية الجمركية)، فتح الاقتصادات كلياً على الإستثمارات المباشرة، خصخصة مجمل الشركات، إلغاء القيود (إزالة جميع العوائق في وجه المنافسة) والحماية التامة لحقوق الملكية الفكرية الخاصة بالشركات المتعددة الجنسية.
إن" توافق واشنطن" هو عبارة عن مذهب إقتصادي ليبرالي يقوم على فلسفة التقشف، والتخصيص, والتحرير,والإنضباط في الموازنة, والإصلاح الضريبي, وتخفيض النفقات العامة, وتحرير المبادلات التجارية والأسواق المالية. ولقد استنبطت تدابير" توافق واشنطن" هذا الرد على كل المشاكل الاقتصادية التي كانت تواجه معظم بلدان العالم سواء في المراكز الرأسمالية المتقدمة أم في البلدان المتخلفة التي كانت تعاني من عجوزات كبيرة في موازناتها, حيث كانت خسائر المؤسسات العامة غير الفعالة تسهم في هذا العجز.و لذا سوف يسميه خبراء الاقتصاد أيضا ب"التفكير الأحادي". وفي عقد التسعينات عملت الولايات المتحدة الأمريكية على فرض هذا النموذج الإقتصادي أي النيوليبرالية في إطار الترويج للعولمة، وبرامج التثبيت والتكيف الهيكلي، وبرامج الإصلاح الإقتصادي, على معظم بلدان العالم الثالث لكي تتبناه, بوصفه نموذجا إقتصاديا نيوليبراليا مفروضا من قبل الرأسمال الإحتكاري الأمريكي مقابل تدفق الاستثمارات.
ولعبت المؤسسات المالية الدولية: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي, دورا رئيسا في تقديم النصائح والتوصيات إلى بلدان العالم الثالث بهدف الإنخراط في نظام العولمة الرأسمالية المتوحشة.وأنشأ صندوق النقد الدولي في عام 1944 بموجب إتفاق وقع في قمة بروتون وودس، (بلدة في هامبشاير في الولايات المتحدة)، وفيها اجتمع في العام 1944 وفود الحلفاء الغربيين، حيث أسسوا للمبادئ والمؤسسات (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الخ) التي كان عليها تأمين إعادة إعمار أوروبا ووضع نظام اقتصادي عالمي وتأسس رسميا يوم 27 ديسمبر 1945, وتكمن مهمتة الرئيسة في ضمان الإستقرارللنظام النقدي والمالي العالمي, وتسهيل أيضا توسع نطاق التجارة العالمية وبناء إقتصاد مفتوح عالميا، في ظل غياب قاعدة الذهب, التي كانت قد قامت بهذه الوظيفة حتى الحرب العالمية الأولى. وينص البند الأول من النظام الأساسي على أن البنك الدولي مكلف باتقاء الأزمات ومعالجتها عندما تحدث .
وكان الهدف المعلن من إحداث الصندوق هو تشجيع التعاون النقدي الدولي, والعمل على تحقيق النمو المتوازن في التجارة الدولية, وتجنب القيود على المدفوعات الخارجية، والوصول إلى نظام دولي متعدد الأطراف للمدفوعات, والعمل على ثبات أسعار تبادل العملات بين الدول الأعضاء. وتتأتى مصادر تمويل صندوق النقد الدولي من مشاركة البلدان الأعضاء. وكل بلد عضو يمتلك حصة تحدد مساهمته. وتتم مراجعة الحصص مرة كل خمس سنوات. وكانت المراجعة التي حصلت في عام 1998 عقب الأزمة المالية الآسيوية والتي لجأ فيها صندوق النقد الدولي لإنقاذ عدد من البلدان، قد شهدت زيادة في الحصص بنحو 45%.
وبالمقابل، فإن الإجتماع الذي جرى في شهر يناير 2003 لم ينجم عنه أي تغيير. ويجب على كل عضو أن يسدد على الأقل 25% من حصته بالعملة المستعملة في أسواق الصرف الدولية (الدولار, اليورو, الين), أو بالذهب, وأخيرا عن طريق حقوق السحب الخاصة " العملة" التي أنشأها صندوق النقد الدولي في عام 1967. وتغذي هذه الإسهامات مصادر تمويل الصندوق الذي يذهب إلى نجدة البلدان الأعضاء. وبلغت قيمة هذه المصادر 325 مليار دولار في نهاية فبراير 2004. ويقدم الصندوق للبلدان الأعضاء التي تتعرض لعجز مؤقت في موازين مدفوعاتها, قروضا في حدود الشريحة الذهبية لحصتها في الصندوق, دون شروط ما دام السحب المطلوب لا يتجاوز هذه الشريحة. أما إذا أرادت دولة ما من الدول الأعضاء أن تسحب من الصندوق ما يتجاوز شريحتها, فإن عليها أن تبرر طلبها, وأن تتعاون مع الصندوق لتطبيق سياسات إقتصادية ونقدية ومالية معينة يراها الصندوق لازمة للقضاء على العجز بميزان المدفوعات.
لقد تعمقت أزمة الرأسمالية العالمية في عقد الثمانينات بميل ملحوظ إلى إتجاه معدل الربح نحو الإنخفاض، ترافق معها تآكل القدرات التنموية في انظمة العالم الثالث الأمر الذي جعلها تقع في مصيدة الديون الخارجية وإضطرارها لطرق أبواب صندوق النقد الدولي ونادي باريس لإستجداء عمليات إعادة جدولة ديونها, والحصول على قروض جديدة من الأسواق المالية الدولية.و في كانون الأول/ديسمبر 1987 أنشأ صندوق النقد الدولي " التسهيلات من أجل تعزيز التسويات البنيوية"(FASR ) يقدم بموجبها قروضا للبلدان النامية القليلة الدخل. ويطلب صندوق النقد الدولي من البلدان التي تستفيد من قروضه الموافقة على "شروطه" وإلتزام التعاون معه, "من أجل بلورة مشاريع محددة قابلة للقياس في مجال السياسة المالية".
و تفترض هذه " الشروط" تبني " معايير الأداء التي يتم التأكد منها مرتين في السنة إن لم يكن مرة في الشهر والتي تغطي جوانب أساسية من السياسة الداخلية والخارجية للدولة المستفيدة من قروض الصندوق. عموما يطرح صندوق النقد الدولي "ليبرالية التكيف" لكي تطبقها غالبية البلدان المتخلفة. وتستمد فلسفة ليبرالية التكيف قوتها من مصدرين أساسيين هما:
المصدر الأول هو تلك الأفكار المحددة التي اتفق عليها واضعو التقرير الشهير المعروف باسم (تقرير لستربيرسون), أو مايسمى " شركاءفي التنمية". وهنا نجد ثمانية مبادىء أساسية: ([10])
1-المبدأ الأول هو أنه يتعين على الدول المتخلفة البدء فورا في تحسين المناخ العام للإستثمار الخاص, محليا كان أم أجنبيا, ذلك " أن المستثمرين الأجانب يحسون بالخطر إذا كانت البيئة التي تحيط بهم لا تتعاطف مع أي من أ نواع المشروعات الخاصة.. ويكاد يكون من المؤكد بصورة عامة أن تحسين وضع القطاع الخاص ككل يعتبر من أهم الخطوط الفردية نحو تحسين المناخ للإستثمار الأجنبي في الدول النامية. ولذا فنحن نوصي بأن تتخذ الدول النامية الخطوط الفورية التي تتمشى مع الأهداف القومية المشروعة لتعريف وإزالة العوائق التي تقف أمام الإستثمار الخاص المحلي".
المبدأ الثاني, ويختص بإبطال مفعول القوى السياسية القابلة للإنفجار والتي غالبا ما يؤدي إليها نشاط الإستثمارات الأجنبية الخاصة. وهنا يشير التقرير صراحة:" يبدو أنه من السبل الهامة لتحقيق ذلك تحقيق إستخدام أوسع للمشروعات المشتركة". والمقصود بالمشاركة هنا إما المشاركة مع رأس المال المحلي أو المشاركة مع القطاع العام, وذلك لكي تضمن الشركات الأجنبية عدم التعرض لمصالحها أطول فترة ممكنة تحت حجة المشاركة مع رأس المال الوطني.
المبدأ الثالث, وهنا يقترح التقرير فكرة إتفاقيات ضمان وحماية الإستثمارات الأجنبية الخاصة التي تؤمن المستثمرين ضد مخاطر التأميم والمصادرة وفرض الحراسة, وتكفل لهم تعويضا ملائما وحرية تحويل هذا التعويض إلى الدولة حينما تتعرض الإستثمارات الأجنبية لخطر تعديل أو تصفية نشاطها.
المبدأ الرابع، وهنا يشير التقرير إلى " الإمتيازات الضريبية التي تمنحها الدول النامية تعد في بعض الأحيان وسيلة مفيدة لحماية الشركات الأجنبية مؤقتا من الأثر الكلي للنظام الضريبي العتيق.. غير أننا مع ذلك نوصي الدول النامية ببناء نظامها الضريبي لتشجيع إعادة إستثمار الأرباح بواسطة الشركات الأجنبية ".
المبدأ الخامس, وهنا يشير التقرير إلى ضرورة العمل لتنفيذ دراسات إقتصادية لإكتشاف الفرص الإستثمارية في الدول المتخلفة, من خلال تركيزه على " تحديد فرص الإستثمار الجديدة بصورة نشطة, وتجميع الشركاء المحليين والأجانب لتنفيذها. وبالتأكيد فإن هيئة التمويل الدولية والمنظمات المماثلة تعد, بفضل روابطها مع القطاع الخاص في الدول النامية والمتقدمة, وكلاء منطقيين لأعمال تعريف المشروعات وتنمية الاستثمارات. وعليه نحن نوصي بأن تصبح هذه أكثر نشاطا في هذا المجال".
المبدأ السادس يختص بضرورة تطوير قوانين الشركات. وهنا ينص التقرير على ما يأتي : "غالبا ما يمكن تحسين قوانين الشركات لتحقيق درجة أكبر من الإنفتاح المالي للمشروعات المحلية والأجنبية. ومن شأن هذا أن يقلل من عدم الثقة ويساعد على حماية حملة الأسهم .. ويدعم تنمية سوق رأس المال المحلي .. وبطبيعة الأحوال، فإن المسئوولية الرئيسية لتنمية سوق رأس المال المحلي يجب أن تكون على عاتق الدول المعنية. ولكن تطوير أسواق رأس المال القابلة للنمو يجب أيضا أن يكون من بين الأشياء التي تهتم بها الوكالات التي تقدم المعونات. وقد تتخذ المعونةالاستشارة حول قانون الشركات، وقواعد الإنفتاح المالي، وإجراء الحسابات المناسبة والحوافز الرامية إلى توسيع الإشتراك من جانب المستثمرين الأفراد، وإصدار أسهم جديدة في الدول النامية ".
المبدأ السابع يقضي بضرورة السماح للشركات الأجنبية بالإقتراض من أسواق رأس المال المحلية، وذلك ضمن الشروط والحوافز الخاصة لجذب الإستثمار الأجنبي إلى الدول المتخلفة، وخصوصا في تلك الدول التي يكون فيها سوق الصرف هشا .
والمبدأ الثامن يتعلق بتصفية القطاع العام ونزع مضمونه الاجتماعي باعتباره ملكية عامة للشعب. وهنا يقول صانعو تقرير بيرسون بصراحة شديدة ما يلي : " أننا نوصي بأن تقوم حكومات هذه الدول بانشاء نظام من الحوافز الايجابية لجميع الشركات الأجنبية والمحلية على السواء للمشاركة في الملكية العامة عن طريق بيع الأسهم في أشكال ملائمة ".
المصدر الثاني, ويتعلق ببرامج" التسويات البنيوية" التي وضعها صندوق النقد الدولي, والتي تقدم إلى جميع الدول دون مراعاة ظروفها. وتتضمن هذه البرامج ثلاثة محاور: ([11])
المحور الأول خاص بإجراءات القضاء على العجز بميزان المدفوعات ويشمل بصفة أساسية تخفيض القيمة الخارجية لعملة البلد، وإلغاء الرقابة على الصرف الأجنبي أو تقليلها إلى أدنى الحدود، وتحرير الإستيراد من القيود وخصوصا للقطاع الخاص، وإلغاء الاتفاقيات التجارية الثنائية، والسعي لعمل سوق تجارية للنقد الأجنبي .
المحور الثاني يختص بإجراءات تتعلق بخفض العجز بالموازنة العامة للدولة، وهو يشمل مجموعة محددة من السياسات التي تهدف إلى تقليل نمو الإنفاق العام ( تخفيض الإتفاق الحكومي على التعليم والصحة والاسكان الشعبي والضمانات الاجتماعية والغاء دعم المواد التموينية وتخفيض الاستثمار العام ) وزيادة موارد الدولة ( زيادة الضرائب غير المباشرة وأسعار الخدمات العامة وزيادة اسعار الطاقة والنقل والاتصال ورفع اسعار منتجات القطاع العام ..) ويصر هذاالمحور على ألا يمول العجز المتبقي في الموازنة – بعد هذه الإجراءات – من خلال الإقتراض من الجهاز المصرفي أو طبع البنكنوت، وإنما من خلال اقتراض الحكومة من سوق المدخرات المحلية ( طرح اذونات الخزانة او سندات حكومية ).
المحور الثالث خاص بالسياسة النقدية، ويهدف إلى الحد من نمو عرض النقود وتنمية السوق النقدي والمالي. ويشتمل هذا المحور على سياسات تعويم ( زيادة ) أسعار الفائدة المدينة والدائنة ووضع حدود عليا على الإئتمان المصرفي المسموح به للقطاعات الاقتصادية، وتعديل وتطوير القوانين المتعلقة بالبورصات ( السوق النقدي والمالي ) وأن تستهدف السلطات النقدية تكوين احتياطي نقدي دولي International Reserves مناسب لمواجهة اعباء ما بعد إعادة جدولة الديون .
كان صندوق النقد الدولي ولا يزال مهووسا بالتصدير, وهو خاضع كليا لإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما أطلق برامج " التسويات البنيوية" ما بين 1981-1985, و1990-1995, شهدت البلدان التي بقيت خارج برنامج هذه " التسهيلات" نسبة نمو 0,3 % و1% في المرحلتين المذكورتين. أما الدين الخارجي فبلغت نسبته من الناتج القومي الخام في البلدان المتعاملة مع الصندوق 82% في المرحلة 1980-1985 ووصلت إلى 154% ما بين 1991و1995, بينما قفزت النسبة في البلدان الأخرى من 56% إلى 76% فقط. ويلاحظ أ ن النتائج التي حققتها الدول المستقلة عن الصندوق كانت أفضل من نتائج الدول الخاضعة لبرامجه حتى لووافقنا على الطريقة التي يقدم بها الصندوق أرقامه([12]).
لقد جعل صندوق النقد الدولي من معادلة ربط النمو بنظام التصدير شرطا أساسيا لتقديم القروض إلى البلدان المتخلفة، التي انصاعت حكوماتها لهذه الإستراتيجية من دون إعتراض. وكانت نتيجة هذا الخيار القائم على إعطاء الأفضلية للصادرات في خطط النموكارثية للبلدان التي أذعنت حكوماتها لتوجيهات صندوق النقد الدولي في وقت تتراجع فيع أسعار المنتجات، فوجدت نفسها مأخوذة في دوامة التصاعد المتزامن للديون والفقر. وليست الأرجنتين إلا نموذجا للبلدان التي وقعت في هذه الدائرة الجهنمية.
إن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يشكلان أهم المؤسسات المسماة على إسم "بروتون وودس”. والتنسيق كامل بين المؤسستين, فالدول المحتاجة إلى خدمات البنك الدولي، يجب أن تقوم بجدولة ديونها, وليحقق لها نادي باريس ذلك عليها أن تأتي بشهادة (حسن سلوك) من صندوق النقد الدولي الذي يربط ذلك بتنفيذ برامج " التسويات البنيوية" أي برامج الإصلاح الهيكلي في محاوره الثلاثة. فالبنك الدولي هو المؤسسة المالية الثانية المنبثقة عن مؤتمر ( بريتون وودس). وتعتبر تسمية "البنك الدولي" غير دقيقة، فالاسم الرسمي هو "المجموعة الدولية للمصارف” ? The World BankGroup ?، وهي تضم البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية، والجمعية الدولية للتنمية والشركة المالية الدولية والوكالة المتعددة الأطرف لضمان الإستثمارات والمركز الدولي لإدارة النزاعات المتعلقة بالإستثمارات. وفي منشوراتها الخاصة تستخدم المجموعة عبارة "البنك الدولي" كناية عن البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية وعن الجمعية الدولية للتنمية..
و كان البنك الدولي، الذي تحدد الولايات المتحدة الأمريكية توجهاته, يعمل من أجل هدف إستراتيجي هو تعزيز نمو بعض بلدان العالم الثالث حليفة الدول الغربية كي تشكل سدا منيعا ضد خطر توسع المشاريع الثورية أو المناهضة للإمبريالية .ويمارس البنك الدولي نفوذا هائلا في الكرة الأرضية، ويبسط نشاطاً إنسانياً ومتعدد الأشكال. وهو اليوم وحده يمنح الإعتمادات للدول الأكثر فقراً. وهكذا نجد أنه خلال العقد المنصرم أمّن لدول العالم الثالث قروضاً على المدى الطويل فاقت قيمتها الـ 225 مليار دولار. كما يؤمّن بناء البنى التحتية بواسطة إعتمادات الإستثمار.. كما يموّل كل سنة المئات من مشاريع التنمية.
وهذا الجهاز هو اليوم، في التعبير التقني المصرفي "مقرض الفرصة الأخيرة"، أي المقرض الذي يستفيد من وضع يستطيع من خلاله أن يفرض على المقترض شروطاً هو يضعها. فمن غيره يبدي استعداداً لمنح أدنى قرض لدول مثل تشاد أو هندوراس أو مالاوي أو كوريا الشمالية أو أفغانستان؟ والتحالف بين البنك الدولي و"وول ستريت" هو طبعاً تحالف إستراتيجي. وعلى كل حال، فإن البنك الدولي قد أنقذ مرات عديدة كثيراً من المؤسسات المالية التي جازفت في عمليات مضاربة هنا وهناك في القارات المختلفة. أما في نشاطه اليومي فيعمل وفقا للمعايير المصرفية الصارمة، وميثاقه يستبعد صراحة أي نوع من الإرتهان السياسي أو غيره، في حين أن ممارسته خاضعة إلى حد بعيد لمبدأ مركّب ذي جذور غير مصرفية وهو مبدأ إيديولوجي ويُعرف بـ"توافق واشنطن”([13]).
لقد صاغ البنك الدولي سياسته وبرامجه وتوصياته إنطلاقا من خدمة مصلحة الرأسمالية العالمية، وفلسفة النيوليبرالية التي تعتبر بمنزلة الثورة المضادة للفلسفة الكينزية. فالبنك الدولي، على غرار صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، هو أيضا أحد معاقل العقيدة النيوليبرالية. فهو يفرض في كل مناسبة وعلى جميع الدول المقرضة رضا واشنطن ويحض على خصخصة الممتلكات العامة والدول كما يفرض سلطة أسياد العالم الجدد.
و جاءت المبادىء والسياسات التي قدمها البنك الدولي إلى البلدان المتخلفة على هيئة نصائح متضمنة مايلي:1-حرية التجارة والإعتماد على قوى السوق والمنافسة, 2- تشجيع السياسات المتجهة للتصدير.3- التخلي عن نزعة حماية الصناعات المحلية, 4- تنمية وتشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.5- إلغاء الدعم الحكومي للأسعار وتخفيض عجز الموازنة.6- التخلص من القطاع العام عن طريق تبني إستراتيجية الخصخصة الرأسمالية. وتهدف هذه السياسات في النهاية إلى تحقيق ما يلي: 1- تقليص دور الدولة في إدارة الاقتصاد وتنميته.2- إنفتاح الأسواق وإعطائها الأولوية في تسيير الاقتصاد, وإطلاق حرية المبادلات التجارية.3- إعتبار الرأسمالية المحلية ركيزة العمل الاقتصادي والتنموي، وإفساح في المجال أمام الإستثمارات الأجنبية.4- دمج الاقتصاد الوطني بالاقتصاد الرأسمالي العالمي([14]).
وسنوياً ينشر البنك الدولي تقريراً يشكل نوعاً من التعاليم تحت عنوان ”تقرير حول التنمية العالمية". وهذا الإعلان يفرض نفسه في الأوساط الجامعية وفي أوساط الأمم المتحدة، وهو يسعى إلى تحديد الموضوعات الكبرى التي ستشغل، لبعض الوقت، الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة والجامعات، وستشغل أبعد من ذلك، الرأي العام.. أما منظّرو البنك الدولي فيبدون عادة مرونة نظرية رائعة. فبالرغم من فشل مؤسستهم الجلي لم يكفّوا خلال العقود الخمسة المنصرمة، عن الإكثار من النظريات التبريرية، ولديهم لكل سؤال جواب، إنهم لا يكلّون وهم ينهضون بأعباء سيزيف.
بلغ البنك الدولي عصره الذهبي ما بين أواخر الستينات وأوائل السبعينات ([15]). وقد ترأسه من العام 1968 الى العام 1981 روبرت مكنامارا، وزير الدفاع الأمريكي السابق في عهدي الرئيسين جون كينيدي وليندون جونسون. وفي ظل رئاسته هذه زاد حجم القروض السنوية من مليار دولار الى 13 ملياراً، وتضاعف عدد الموظفين أربع مرات والموازنة الإدارية 3.5 مرات. وبمساعدة أمين صندوقه يوجين روتبرغ، نجح مكنامارا في إستلاف حوالى 100 مليار دولار من مختلف أسواق الرساميل الوطنية، ومن سخرية التاريخ أنه حصل على قسم كبير من هذا المبلغ من المصرفيين السويسريين، وهم أنفسهم الذين يحمون الجزء الأكبر من الرساميل المهربة الآتية من أمراء المال والحكام الديكتاتوريين ومن الطبقات الطفيلية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
يرى جيري ماندر([16]) أن ماكنامارا قتل من البشر أثناء توليه رئاسة البنك الدولي أكثر مما قتل يوم كان يشرف على مجازر فيتنام كوزير للدفاع في الولايات المتحدة. والصورة التي يرسمها جيري ماندر عنه هي أنه “إذ كان يشعر بالخجل من الدور الذي لعبه في حرب فيتنام فقد أراد أن يحسّن صورته عبر مسارعته إلى مساعدة الفقراء في العالم الثالث. وقد شرع في عمله بغطرسة المؤمن الواثق”، ففي كتابه “عود على بدء: فيتنام المأساة والعبر” Avec le recul : latragédie du Vietnam et ses leçons([17]) يقول “إني أرى في التحديد الكمي لغة تزيد المنطق دقة. ولطالما اعتقدت أنه كلما كانت المسائل مهمة وجب أن يكون عدد أصحاب القرار أقل”. ولأنه يثق بالأرقام، حمل ماكنامارا دول العالم الثالث على الرضوخ للشروط المفروضة للحصول على القروض من البنك الدولي وعلى تحويل الاقتصادات التقليدية بغية بلوغ الحد الأقصى في التخصصية الاقتصادية وفي التجارة العالمية. أما الذين رفضوا ذلك فقد تم التخلي عنهم." ويضيف ماندر بعد ذلك: “وبناء على إصراره لم يكن من خيار أمام العديد من الدول إلا الإنصياع لأوامر البنك الصارمة. فلم يعد مكنامارا يدمّر القرى بغية إنقاذها، بل بات يدمّر اقتصادات بأكملها، وإذا بالعالم الثالث يجد نفسه الآن أمام سدود موحلة وطرق مخربة لا توصل إلى أي مكان ومبان فارغة المكاتب وغابات وأرياف تالفة وديون هائلة لن يستطيع أبداً تسديدها. (...) ومهما كان الدمار الذي زرعه هذا الرجل في فيتنام كبيراً، فقد تفوق على ذاته أثناء فترة توليه البنك الدولي."
في زمن مكنامارا كانت النظرية المفضلة لدى البنك هي نظرية "النمو”. فالنمو = التقدم = التطور = السعادة للجميع. لكن جاءت الموجة الأولى من الإحتجاجات التي حمل لواءها في نوع خاص "نادي روما" حول موضوع “النمو اللامحدود يدمر الكوكب." فرد منظّرو البنك بربع انعطافة: “كم أنتم على حق أيها العلماء المبجلون! والبنك الدولي يوافقكم الرأي. ومن الآن وصاعداً سيعتمد البنك مفهوم "التطور المتكامل”. في معنى آخر أنه لن يأخذ في الإعتبار وحسب نمو الناتج المحلي الإجمالي لبلد من البلدان، بل سينظر أيضاً في انعكاسات هذا النمو على باقي قطاعات المجتمع. وفي ما يلي الاسئلة التي قرّر البنك أن يطرحها على نفسه: هل النمو متوازن؟ ما هي انعكاساته على التوزيع الداخلي للمداخيل؟ أليس هناك خطر أن يؤدي التسريع جداً في استهلاك الطاقة في بلد من البلدان الى التأثير على احتياطات مصادر الطاقة على الكرة الأرضية؟ الخ.
خلال عقد التسعينات، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هذا " النموذج النيوليبرالي" على بلدان شرق آسيا, خاصة الإختلال العام في الأسواق المالية. فعن طريق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أجبرت الولايات المتحدة بلدان شرق آسيا وأمريكا اللاتينية على تبني هذا النموذج الاقتصادي النيوليبرالي المفروض من قبل الرأسمال الإحتكاري الأمريكي مقابل إستثماراته.
و كانت "رأسمالية الخلان" هي السبب الكامن وراء الأزمة الآسيوية في عام 1997. وكان لا بد من إيجاد مذنب جديد, بما أن "الأساسيات" ( التضخم والبطالة والنمو)جيدة, وبما أن أندونيسيا وكورياالجنوبية وتايلند تؤدي دور التلامذة المثاليين لصندوق النقد الدولي. والمذنب هو, إذن, طبيعة النظام الرأسمالي نفسها في تلك البلدان, التي تتميز بوجود نخبة مغلقة وسرية ومحرمة، تقفل على عالم السياسة والإقتصاد والمال.و كانت المصارف في تلك البلدان تمنح قروضا للرفاق الجيدين والماكرين, وعندما تخطىء في حسابها, كانت الدولة تنقذها كما بمعجزة(بادر اليابان في عام 1997 إلى تأميم بعض المصارف الكبرى, مما أدى إلى "طيران" مؤشر نيكاي). ومنذ عام 1997, بدأت الحكومات في آسيا وفي أمكنة أخرى ترى نفسها مدعوة إلى جعل نظامها أكثر شفافية وإلى إخضاعه لقوانيبن السوق. ويجب عليها في شكل خاص أن تكف عن العمل على إبقاء مصارف ومشاريع مفلسة على قيد الحياة, بحجة أنها مرتبطةب"خل" أو بشركائه.
لاشك أن هذه البراهين قد فقدت بعضا من قوتها منذ "إنقاذ" صندوق المضاربة الشهير (LTCM) في 23 سبتمبر 1997. في ذلك جمع رئيس الإحتياط الفيدرالي في نيويورك وليم ماكدونو نخبة المالية العالمية وطلب إليها تعويم الصندوق المذكور الذي كان في حال إفلاس ممكنة. وما إن انقضت بضع ساعات حتى كانت خمس عشرة مؤسسة أمريكية وأوروبية ( من أصلها ثلاثة مصارف فرنسية) قد ساهمت ب3,5 مليار دولار مقابل 90% من الصندوق, وأنشأت لجنة مراقبة([18]).
إن المتضررين الأساسيين من أزمة جنوب شرق آسيا لم يكونو المضاربين, ولا النخبة السياسية الفاسدةعموما, ولا أصحاب رؤوس الأموال في البلدان الصناعية، الذين راهنوا على " الأسواق المستحدثة".فالضحايا الحقيقيون هم سكان المدن من الموظفين والعمال الذين حملوا" النمور" الذائعي الصيت إلى مصاف النماذج في الاقتصاد العالمي, والذين على أكتافهم تحققت" المعجزة الآسيوية" الشهيرة. ومنذ أن قررت الحكومة التايلندية تعويم العملة الوطنية, البات, الذي خسر خلال ثلاثة أشهر 40% من قيمته إزاء الدولارفي مطلع صيف1997, امتدت الأزمة إلى ماليزيا، وهونغ كونغ, وكوريا الجنوبية,وحتى إلى أندونيسيا, فيما استمر المستثمرون، وقدسيطر عليهم الذعر, في سحب أموالهم.و المفارقة أن حديث كل العالم آنذاك كان يدور على منطقة كان تطورفيها الوضع الاقتصادي في شكل مطرد ليحقق ابتداءمن عام 1990, 40%من مستوى الدخل الاقتصادي العالمي, بنمو فاق 10% خلال عقدين من الزمن.
و منذ بداية 1998, وإذ بدت كوريا وتايلاند وأندونيسيا على وشك الإفلاس, وجدت نفسها مجبرة على التوجه إلى صندوق النقد الدولي وإلى الشبكات المصرفية الغربية من أجل الحصول على سلسلة من القروض. وكنتيجة لهذه الأزمة بلغ عدد العاطلين عن العمل في تلك البلدان 40 مليون, أي ما نسبته 44% من مجموع العمال, في حين أن العاملين بدوام كامل كانوا يغطون4,7% من حاجات الشعب, وتم تقليص الإنفاق الإجتماعي إلى أقصى حد, وتسارعت عمليات الخصخصة, وتحرير علاقات العمل من القيود, وزيادة ضخمة في عدد الناس الذين يعيشون تحت خط الفقر. ولا توجد في هذه البلدان أية ضمانات إجتماعية, وخسارة الوظيفة تعني الإرتماء فورا في الشارع, أو العودة العسيرة إلى مسقط الرأس في الريف.
- 6 -
على مر السنيين, فرض صندوق النقد الدولي نفسه كوزارة مالية تعمل على الصعيد الكوني، إذ أن مهمتها تكمن في فتح الأسواق الوطنية أمام الإستثمارات الأجنبية والنهب من قبل البلدان الغربية الغنية.و فرض صندوق النقد الدولي في كل مكان من عالم الجنوب برامج "الإصلاح الهيكلي" أيضا, وعلاوة على ذلك عمد إلى القضاء على كل القيود التي تعيق حرية تنقل السلع, والخدمات، ورؤوس الأموال. وأصبح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أساسا, ونادي باريس الذي يضم حكومات الشمال كدائنة, ونادي لندن الذي يجمع مصارف الشمال الخاصة, والقطاع الخاص( المصارف, صناديق التقاعد, وصناديق التعاضد)، ثم الدول الصناعية الكبرى الثمانيG8, ومنظمة التجارة العالمية (OCM), المؤسسة المركزية المتعددة الأطراف للعولمة اللبرالية التي تفرض تعميم تطبيق مشاريع الإصلاح البنيوي والتشدد فيها, بوصفها وسيلة لتدجين بلدان العالم الثالث, وشرق أوروبا.
و يتساءل خبراء الاقتصاد في هذه الأيام: هل إن إصلاح صندوق النقد الدولي مازال يشكل موضوع إهتمام الآن؟
منذإنشائه تعرض صندوق النقد الدولي إلى إنتقادات مختلفة, مع تزايد صعوبات الصندوق في ضوء التغيرات الاقتصادية التي شهدها المجتمع الدولي خلال عقد التسعينات, بدءا من إنهيار الإتحاد السوفياتي مرورا بالأزمة المالية العاصفة التي شهدتها البلدان الناشئة في جنوب وشرق آسيا عام 1997, والبلدان المتحولة من التخطيط المركزي إلى إعتنا ق إقتصاد السوق. وفي غضون ذلك تعالت الأصوات المنادية بإصلاح صندوق النقد الدولي لتلافي حدوث أزمات مالية في المستقبل أو تحجيمها على أقل تقدير.
و لكن بعد إندلاع الأزمة الآسيوية في عام 1997 لم يعد الأمر مجرد أزمة فردية تصيب دولة بعينها. فقد بدا الأمر كأنه أزمة عامة تضم العديد من البلدان بمختلف مستوياتها الاقتصادية. ولهذا فقد جاءت معظم الإنتقادات التي وجهت للصندوق مؤخرا مركزة تحديدا في ثلاثة قطاعات. الأول وهو وجهة النظر التي ترى ضرورة إلغاء صندوق النقد الدولي بإعتبار أنه وسيلة لضياع الأموال العامة في زمن ازدادت فيه تدفقات رؤوس الأموال الخاصة إلى الدول النامية. أضف إلى ذلك أن الرأي عينه يرى أن دور الصندوق كمنقذ أخير يضعف من قدرة الأسواق على الإهتمام بتفادي المخاطر علما منها أن هناك دائما فرصة سانحة من الصندوق للحصول على تمويل إضافي إذا حدثت كارثة. الثاني وهو الرأي الذي يعتقد أن هناك إحتياجا حقيقيا لوجود دور حكومي إشرافي للحصول على إستقرار النظام المالي والنقدي الدولي وتخفيف الفوارق بين البلدان. وهذا الرأي يرى ضرورة إستبدال أو تعديل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حتى يمكن إيجاد طرق جديدة وفعالة لتخفيض الفقر في العالم والوصول إلى كفاية إنتاجية وعمالية عالية ورفع المعدلات المأخوذ بها في مجال البيئة ووضع محددات جديدة أكثر كفاءة لتدفق رؤوس الأموال على الصعيد العالمي([19]).
و كان صندوق النقد الدولي يعمل على تحقيق الهيمنة السياسية حين يطرح برنامج الإصلاح الهيكلي, وأثبت عدم كفاءة في معظم الحالات التي رضخت فيها سياساته للضغوط الأمريكية. فعندما تقدم المصالح السياسية على حساب تخفيض الفقر مثلا أو الإصلاح الهيكلي, فالنتيجة الطبيعية هي تدفق الأموال إلى الأغنياء بالدول المتحولة وزيادة أعباء الفقراء لديهم. ثم إن وقوع صندوق النقد الدولي تحت طائلة الضغوط السياسية يحيده عن مساره الاقتصادي الأمثل ويضعف من إمكانيات إصلاحه. والحقيقة أن واقع الأسواق العالمية الآن يفرض ضرورة إصلاح المؤسسات المالية الدولية, وعلى رأسها صندوق النقد الدولي. ويظل الإصلاح الجوهري الذي تركزعليه مختلف الأطراف هو إستقلال الصندوق عن الضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن عليه, حيث أصبح هذا الإصلاح ملحا حتى لمصلحة الإقتصادات الكبرى.
من يتابع ممارسات وخطط المؤسسات المالية الدولية المعروفة يدرك جيدا أنها تعمل على فرض قوانين الرأسمالية الجديدة في كل مكان من هذا الكون وفرض مابات يعرف بالعولمة الليبرالية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ماهي هذه العولمة الليبرالية؟
إن العولمة ليست ظاهرة العصر بل كبرى مسائله الخلافية أيضا. فهي عند المدافعين عنها تمثل خشبة خلاص البشرية. وهاهو توماس فريدمان، أحد كبار كتاب الإفتتاحيات في السياسة الخارجية في صحيفة "نيويورك تايمز", والذي ألف كتابا حول العولمة ([20])بات من أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة الأمريكية, يشير إلى أن هدفه ليس وصف العولمة بل " إفهامنا" إياها أي جعلنا ندرك أنها تشكل أرقى مراحل الحضارة البشرية, وهي مرغوبة وأهل للثقة وقادرة على جعلنا أغنياء وأحرارا, كما من شأنها تطوير كل فرد وكل شيء في العالم أجمع. لكن نقطة إنطلاق الكتاب ليست مفاجأة في شيء, إذ حاول توماس فريدمان إقناعنا بأن إنتصار الرأسمالية حمل الحرية لشعوب العالم. ويروي لنا تاليا "الديمقراطية التكنولوجية" التي سنتمكن بفضلها من تجهيز أنفسنا بالهواتف والحواسيب. وتبهره" الديمقراطية المالية" التي تسمح لنا بالإستثمار أينما كان وفي جميع المحالات. ويصف لنا معجزات " ديمقراطية الإعلام" أي بشكل أساسي تكاثر شبكة التلفزة المتوافرة لإرضاء حشريتنا.أن تضافر شبكات التلفزة أدى إلى تآكل جميع السلطات الهرمية وتخريبها, سوفياتية كانت أم أندونيسية أم حتى أمريكية من الطراز القديم. وتأتي شبكة الأنترنت كدليل على هذا الكلام من حيث إلقائها الضوء على المكان الأكثر ديمقراطية في الأرض وعلى"نموذج المنافسة التامة".
و تمثل العولمة الليبرالية لنقاد الرأسمالية " الفظاعة الإقتصادية" مجسدة, ومرحلة عليا ومعممة كوكبيا من جحيم الرأسمالية.فالعولمة تتعلق بالقطاع المالي بوجه خاص, لأن حرية تنقل رؤوس الأموال، والتدفقات المالية أصبحت شاملة, وجعلت من هذا القطاع القطاع المسيطر في الفضاء الاقتصادي بإطلاقية. هذا الإرتباط بين الرأسمالية والعولمة لا يجرد هذه الأخيرة من خصوصيتها كظاهرة جديدة في التاريخ. فصحيح أن الرأسمالية مارست منذ تشكلها كنظام إنتاجي نوعا من العولمة من خلال تعميمه, أو مسعاها إلى تعميم هذا النظام الإنتاجي الرأسمالي على صعيد كوني. لكن العولمة كما يدور الكلام عنها اليوم ليست آلية من آليات الرأسمالية, بل هي هذه الرأسمالية عينها في شكل نوعي جديد من أشكال إشتغالها وشكل لا تفك لغزه القراءات القديمة للرأسمالية, سواء كانت هي قراءات آدم سميث وريكاردو, أم ماركس وكينز.هذه العولمة تمس حتى الزوايا المخبأة من الكرة الأرضية,متجاهلة في الوقت عينه, أوضاع الأفراد والشركات وإستقلال الشعوب أو تنوع الأنظمة السياسية. وهي لا تستهدف إحتلال بلدان بقدر ما تستهدف إحتلال الأسواق. ويظل شغلها الشاغل لا السيطرة الفيزيائية على الأجسام ولا إستعمار الأراضي، وإنما الإستحواذ على الثروات.
يقدم أستاذ الإقتصاد في جامعة باريس التاسعة- شارل -ألبير ميشاليت في كتابه الجديد"ما العولمةQu est-ce que la mondialisation?" "([21]) 2004, مقاربته التي يريدها جديدة للعولمة, من حيث هي ظاهرة جديدة. فيقول، إن الرأسمالية، مثلها مثل " إشتراكية البلد الواحد" الستالينية, لا تستطيع أن تشتغل في بلد واحد. فالنزوع إلى العولمة, وإلى المزيد من العولمة دوما, هوشرط لبقائها. وخلافا للأطروحة التقليدية القائلة إن الرأسمالية قد ولدت في السوق القومية للأمة- وهي الأطروحة التي استتبعت المقولة الشهيرة بأن الأمة ولدت في السوق القومية للرأسمالية- فإن مؤلف " ماالعولمة", ينتصر بقوة لأطروحة المؤرخ الكبير فرنان بروديل القائلة إن " الإقتصاد- العالم", الذي سبق تشكيل الدول القومية, هو الإطار التاريخي الذي ولدت فيه الرأسمالية, منذ القرن الرابع عشر. وهذا القلب الجذري لإشكالية مولد الرأسمالية لا غنى عنه لفهم مآل تطور الرأسمالية في حقبتها العولمية الراهنة. فمن المنظور البروديلي عن " الإقتصاد- العالم" الذي "يقطع" مع مرجعية الدولة القومية, فإن القواعد التي انطلقت منها الرأسمالية في سيرورة توسعها كانت المدن المرفئية الكبرى مثل البندقية وأمستردام ولندن ولوبك, وهي أكبر موانىء ألمانيا على بحر البلطيق في حينه, وقدبقيت " مدينة حرة" منذ تأسيسها عام 1143 إلى حين وقوعها تحت السيطرة النازية عام 1937. فمن جميع هذه المرافىء، ومن مدن حرة أخرى في أوروبا الغربية, كان ينطلق نحو شتى أقاصي العالم القديم المعروف تجار مغامرون يسعون، من خلال ممارسة التجارة " البعيدة" إلى كسب مقادير من المال أكبر مما كانوا سيربحونه في ما لو بقيت تجارتهم أسيرة إطار جغرافي محدود.و خلافا لما ستفرضه النظريات اللاحقة عن النشوء المترابط عضويا للرأسمالية والدولة القومية, فإن تلك المبادلات التجارية الدولية, التي شكلت طلائع النظام الرأسمالي الوليد, قد وجدت نفسها ملجومة ومعاقة عن النمو جراء التشكل التدريجي لأحياز إقليمية مقفلة ستعرف لا حقا باسم الدول القومية. فهذه الأخيرة عبرت عن نفسها, أول ما عبرت إقتصاديا, باتخاذ تدابير حمائية ومركنتلية أرضت القوى الإجتماعية المحلية الداعمة لها بقدر ما لجمت نشاط أولئك التجار"الأغراب" بمضاعفة الضرائب, وشجعت بالمقابل الإنتاج المحلي عن طريق الإعفاء الضريبي. وكان لابد من إنتظار ريكاردو, الأب الثاني للإقتصاد السياسي الرأسمالي, لقلب العلاقة بين نمو الإنتاجية وبين السوق القومية المقفلة بالتدابير الحمائية والمركنتلية.
فريكاردو, الذي كان ينتمي إلى طبقة الصناعيين الجدد, لا إلى طبقة الملاك العقاريين المحافظين التي كانت تسيطر على البرلمان الإنكليزي, نبه إلى أن الإقتصاد الإنكليزي محكوم عليه بالجمود, أي بدرجة الصفر في النمو, فيما إذا لم يلغ قانون الحبوب الذي كان يمنع إستيراد الحبوب من خارج المملكة حماية للإنتاج المحلي. فالمنافسة ضرورية لتحفيز الإنتاجية. وما قد تخسره السوق القومية نتيجة لدخول الواردات الأجنبية قد تعاود ربحه مضاعفا جراء نمو الصادرات إلى السوق العالمية نتيجة لتعاظم قدرتها على المنافسة الذي هو بدوره نتيجة لتحسين الإنتاجية, وبالتالي لخفض تكاليف الإنتاج. هذه الحقيقة الإقتصادية, التي كانت تحجبها الإيديولوجيا الحمائية السائدة في الستينات من القرن العشرين,هي التي أدركتها بعض بلدان جنوب شرقي آسيا التي كانت سباقة إلى الدخول في سيرورة العولمة عندما استعاضت عن سياسة التصنيع بهدف الإستغناء عن الإستيراد بسياسة التصنيع برسم إعادة التصدير إلى الخارج. ومن ثم تركت الإقتصاد الرأسمالي العالمي يغزو أسواقها القومية لتعاود بدورها غزوه في أسواقه القومية.
و الواقع أن مفهوم" السوق القومية" بالذات لا يعود ذا معنى في ظل العولمة. فليس بين الرأسمالية والدولة القومية رابطة زواج كاثوليكي. وخصوم العولمة الذين يحصرون نقدهم لها بكونها اعتدت على "حرمة" الدولة القومية يدللون على عدم فهم لطبيعة الرأسمالية, ولكن ليس صحيحا بالمقابل أن الرأسمالية مقولة لعصر الأمة. فالخالق ليس عبدا لمخلوقه. وإن تكن الرأسمالية قد احتاجت إلى إطار الدولة القومية في طورما من تطور تاريخها, فإن هذا التطور, الذي لا يزال يندفع دوما إلى الأمام, لا يمكن أن يلجمه ما كان حافزا له في الماضي وما صار عائقا له في الحاضر والمستقبل.
في ظل الإقتصاد المعولم الذي شرع بالتبلور منذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين, ثم تسارع إيقاعه في عقد التسعينات بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي، وإنتصار منطق النيوليبرالية (حاكمية السوق) على سائر أشكال المقاومة الإيديولوجية, لم يعد لا الرأسمال, ولا العمل, ولا المواد الأولية، يشكل في حد ذاته, العامل الإقتصادي المحدد.فالمهم هو العلاقة الأفضل بين هذه العوامل مجتمعة([22]). ويتسم الإقتصاد المعولم بغلبة البعد المالي وتداول الرساميل المالية بالزمن الفعلي, كما يقال, دونما أي إعتبار آخر غير المردودية الفورية, والخدمة لا لمصلحة التجار أو الصناعيين, بل لمصلحة أصحاب الريوع سواء كانوا من كبار المليونيرية أم من صغار المساهمين.وتختلف طبيعة الرأسمالية الجديدة عن الرأسمالية التجارية المركنتلية التي كانت سائدة منذ بداية القرن الخامس عشر ولغاية الثورة الصناعية الآولى –و هي الأطول عمرا في تاريخ الرأسمالية-إذ تتميز بغلبة البعد الذي تمثله المبادلات التجارية للسلع والخدمات فيما بين الأمم على ما عداه من أبعاد العولمة الرأسمالية، كما تختلف عن الرأسماية في ظل الثورة الصناعية الثانية والثالثة التي تتميز بغلبة حركية إنتاج السلع والخدمات وليس فقط حركية تبادلها- كما في ظل التشكيلة الرأسمالية الأولى-فضلا عن الدور الذي تلعبه الشركات المتعددة الجنسية التي تسعى للفوز بأكبر حصة ممكنة من السوق العالمية, بوصفها الفاعل الرئيس في الإقتصاد المعولم, لا الدولة القومية التي تضطر ليس فقط إلى التخلي عن قطاعات من سيادتها (المناطق الحرة) لمصلحة تلك الشركات, بل كذلك إلى تقديم شتى التنازلات والتسهيلات القانونية والضريبية, لإغراء الاستثمارات الأجنبية ولإستقبال المصانع المرحلة.
من الإسقاطات المدمرة لهذه العولمة الرأسماليةالجديدة، تحطيم الجمعي, وتخصيص الخاص والفضاءات العامة والإجتماعية من قبل السوق. وتتصرف العولمة كألية فرز دائمة تحت تأثير المنافسة المعممة: السوق ضد الدولة, الخاص ضد القطاع العام, والفرد ضد المجموعة, والأنانية ضد التضامن. ويوجد أيضا منافسة بين الرأسمال والعمل. وبما أن رؤوس الأموال تتنقل بحرية، بينما الأشخاص هم أقل حرية في تنقلاتهم، فإن الرأسمال هو الذي يربح. ويمكن القول أن الرأسماليين أعلنوا الحرب الطبقية على العمال في ظل هذه النيوليبرالية المتطرفة ,و أنهم قد فازوا بها أيضا.فقد أدخلت معظم حكومات العالم، سواء في المراكز الرأسمالية المتقدمة أم في المحيطات، تغييرات على قوانين العمل بما يخدم مصلحة الرأسماليين المستثمرين، الأمر الذي مكن هؤلاء، إضافة إلى مديري الشركات من أن يتبعوا سبلا متطرفة في علاقاتهم مع العمال والموظفين على نحو لا مثيل له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
و في ظل الاقتصاد المعولم لا تأخذ الشركات العملاقة بعين الإعتبار لا الحدود القومية ولا وضع اللوائح القانونية. ويقود هذا الوضع في الأعم الغالب إلىإحداث تصدع في التضامنيات داخل البلد الواحد. ونصل إلى الطلاق بين مصلحة الشركات الكبرى المعولمة ومصلحة الشركات المتوسطة والصغيرة الوطنية، وبين مصلحة المساهمين في الشركات الكبرى ومصلحة المجموعة الوطنية, وبين المنطق المالي ومنطق الديموقراطية. فالشركات المساهمة العملاقة لا تشعر بأنها معنية في هذا المجال، إنها توقع صكوكا من الداخل وتبيع في العالم أجمع. إنها تنتج حيثما تكون اليد العاملة رخيصة الأجور, لكي تبيع حيث يكون مستوى الحياة هو الأكثرإرتفاعا .
في العقدين الأخيرين, ومن خلال تفضيل حرية تدفق رؤوس الأموال والخصخصة المكثفة, سمح رجال السياسة في الدول الرأسمالية الغربية المركزية والدول الرأسمالية التابعة لها في عالم الجنوب بعملية إنتقال القرارات الرئيسية ( في مجال الإستثمار, والتوظيف، والصحة، والتربية,والثقافة, وحماية البيئة) من مجال الفضاء العام الوطني إلى الفضاء الخاص الدولي. وبذلك أصبح قادة الشركات المساهمة العملاقة الكوكبية وكذلك قادة المجموعات المالية العالمية هم الذين يمسكون بزمام السلطة في الواقع ، بوساطة لوبياتهم القوية، وباتوا يؤثرون في القرارات السياسية. إنهم يصادرون الإقتصاد والديمقراطية بما يخدم مصالحهم.
و لقد كانت لسياسات الإصلاح الهيكلي، تحت إسم " توافق واشنطن"، كلفة إجتماعية باهظة. فمن أجل تشجيع الإستثمار الدولي، دمرت الحكومات في البلدان المتخلفة مجتمعاتها، وعمقت الفوارق الطبقية، وزادت في نمو الإفقار المطلق, من خلال قبولها تخفيض النفقات العامة على الصحة والتعليم، تحت إسم مكافحة العجز في الموازنة. ففي العديد من بلدان عالم الجنوب, تم تحطيم البنيات الدولتية, وحتى البنيات الإقتصادية والإجتماعية التقليدية. وترافق مع إنبثاق هذه الرأسمالية الجديدة، تدمير مذهل لصناعات بأكملها, وللبيئة- لأن الشركات المساهمةالعملاقة تنهب البيئة، وتستغل ثروات الطبيعة, التي هي ملك للبشرية- ونمو كبير للجريمة المالية المرتبطة بأوساط رجال الأعمال والبنوك الكبيرة التي تعيد تبييض كميات كبيرة من المال تتجاوزقيمتها 1000 مليار دولار، أي ما يقارب 20% من كل مبلغ التجارة العالمية وأكثر من الناتج الوطني الخام لثلث الإنسانية.
فالرأسمالية الجديدة، هي الترجمة العملية للنيوليبرالية، التي تمتلك رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي إلى سلع وخدمات, فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية هوامش للسوق، ويمكن الاستغناء عنها. وهي رؤية تعيد إنتاج فكرة آدم سميث عن "اليد الخفية" التي تنظّم السوق فتلغي فكرة الدولة بوصفها شكلاً سياسياً للوجود الاجتماعي وتختزل الحرية إلى حرية السوق والقانون الى قانون السوق.و الرأسمالية الجديدة حسب تعبير الكاتب الفرنسي الشهير أنياسيو رامونيه: هي التسليع العام ""la marchandisation generale للكلمات والأشياء، للأجسام والعقول, للطبيعة والثقافة, الأمر الذي يقود إلى تعميق اللامساواة غير المسبوقة على الصعيد الكوني([23]).
و تشكل هذه الرأسمالية الجديدة قطيعة إقتصادية, وسياسية, وثقافية، كبيرة, حين تضع الشركات والمواطنين أمام
أمر واقع مفروض بالقوة: " التكيف", أي الإستسلام بملء الإرادة من أجل الخضوع الأفضل للأوامر غير المسماة للأسواق المالية. إنها تقتل سلفاكل طيف مقاومة أو حتى تمرد باسم " الواقعية". ومن وجهة نظر هذه الرأسمالية الجديدة تعتبركل السياسات الحمائية، وكل الأبحاث عن البدائل، وكل محاولات التنظيم الديمقراطي، وكل الإنتقادات للأسواق المالية، "رجعية ومتخلفة".
الرأسمالية الجديدة تنصب المنافسة كقاطرة محركة للتطور الإقتصادي. وفي هذا السياق من الفهم, حول الرأسماليون الصناعيون، ورجال السياسة، والعلماء, والاقتصاديون، والتكنوقراطيون, "المنافسة " إلى كتاب عقيدة - دين جديد, إلى إنجيل. وبات مصطلح " المنافسة " يستخدم بطريقة عشوائية، في وقتنا الراهن.
في الاقتصاد، ومن الناحية المبدئية, المنافسة ليست إلا طريقة سلوك الفعاليات الاقتصادية في إطار الأسواق المتنافسة, حيث تبحث كل فعالية إقتصادية، وكل شركة على وجه الخصوص، عن مواقع وأفضليات تنافسية في إطار إحترام القواعد المحددة والشروط المتساوية للجميع. وفي الواقع كفت المنافسة عن أن تكون "وسيلة لتحقيق الذات ", لكي تصبح الهدف الرئيس ليس للشركات فقط، وإنما للدولة والمجتمع بأكمله.و في الدول الرأسمالية الغربية : الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا, إيطاليا, وحتى البرتغال, أو في كوريا الجنوبية واليابان, هناك جواب جاهز كلياو يتمثل في وجوب المدارس والجامعات تكوين رأسمال بشري متميز ويمتلك خصائص الإنتصار لجعل إقتصاد البلاد أكثر تنافسية في مواجهة المنافس ( والحال هذه العدو؟) الأجنبي.
و يتلخص إنجيل المنافسة في بضع أفكار بسيطة تروجها أجهزة الإعلام في الدول الرأسمالية : نحن الآن في حا لة حرب تكنولوجية، صناعية وإقتصادية بلا رحمة على الصعيد الكوني. والهدف الرئيس هو البقاء " كي لا نقتل", والبقاء يمر عن طريق المنافسة,و خارج سياقها، لايوجد خلاص على الأمدين القصير والبعيد, ولا نمو، ولا إزدهار إقتصادي وإجتماعي, ولاإستقلال سياسي. ومن هذا المنظور أصبح الهدف الرئيس للدولة، والمدرسة، والنقابات، والمجالس المحلية في المدن، هو خلق المناخ الأكثر ملائمة للشركات كي تكون ( أو تصبح، أو تظل) تنافسية في هذه الحرب التجارية الكونية.
و للمنافسة مبشريها, وعلمائها اللاهوتيين ، وأساقفتها, وبطبيعة الحال، أنصارها. فالمبشرون هم بعض الألاف من الخبراء في الاقتصاد ذوي السمعة الدوليةالر اقية، الذين نجدهم في الجامعات، والبرلمانات، والمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي, وفي داخل المفوضية الأوروبية, وفي غرف التجارة والصناعة مثل ليون وميلانو وبرشلونة، وفي النقابات الألمانية، والذين دونوا " القوانين الطبيعية"للإقتصاد الحديث- المسمى إقتصاد السوق-عبر إدخال عدد من المقومات المأخوذة من نظريات فلسفية وعلمية مرتبطة، خطأ أو صوابا, بهوبس, وداروين, وسبنسر, ونيتشه... وخلال عقدي الثمانينات والتسعينات، ألف هؤلاء الإنجيليون العديد من الكتب، وكتبوا العديد من المقالات، وألقوا عددا كبيرا من المحاضرات لشرح وجهة نظرهم حول المنافسة التي لم تعد قضية الشركات (الميزو تنافسية)، لقطاع صناعي أو منطقة فقط، وإنما أصبحت تهم العالم والنظام الرأسمالي في مجمله( الماكرو- تنافسية). وحسب هؤلاء الإنجيليين، فإن المنافسة مثل الشحم: إما أن يكون أو لا يكون . إنها غير قابلة للقسمة. فالذين يمتلكون القدرة التنافسية قد نجوا بجلدهم. أما الذين سوف يرتكبون معصية عدم قدرتهم التنافسية فإنهم محكوم عليهم بالزوال([24]).
إن وضع المنافسة في مصاف الإيديولوجيا، ليس جيدا إلا لأقلية من السكان في العالم. أما للباقي، فإن أضراره كبير للغاية. ففي المقام الأول، تضفي نوعا من القدسية – من خلال حقيقة السلعة الوحيدة- على مبدأ الإقصاء. إذ إن كل العالم مدعوون لتناول وجبة الغداء، لكن أقلية فقط من الأشخاص، والمجموعات، والمناطق أو البلدان- أي أولئك الذين يمتلكون القدرة على الحصول على النعمة بفضل تفوقهم التنافسي على الآخرين- سوف يسمح لها شرعيا وفعليا بالجلوس إلى مائدة الطعام. إنها لسخرية" قوة الأشياء": فبقدر ما تزداد المنافسة يزداد الإقصاء, من خلال تخفيض عدد الفعاليات الإقتصادية الحاضرة في الأسواق، وبالتالي تفقد هذه الأسواق طابعهاالتنافسي، أي منع المنافسة من أن تكون السلوك الممكن للفعاليات الإقتصادية. والإقصاء لا يقتصر على الشركات فقط، بل يضرب بشكل أساسي الشخصية الإنسانية، والمجموعات الإجتماعية، وبلدانا وشعوبا بأكملها في عالم الجنوب: إما لأنها لا تمثل أسواقا كبيرة، أو لأنها لا تمتلك القدرة " الثقافية" على السير في حركة العولمة الرأسمالية المتوحشة.
إن إيديولوجية المنافسة تعزز، من خلال نقل بعض العناصر الجديدة, أولوية منطق الحرب في العلاقات بين الشركات، والفعاليات الاقتصادية, والمدن, والدول.و الرؤية التي تحملها عن الاقتصاد العالمي هي منتقصة جدا فعليا: ووفق هذه الرؤية ليست الشركات إلا جيوشا تتقاتل من أجل غزو الأسواق والدفاع عن المواقع المكتسبة. أما قيادات هذه الشركات فهم بمنزلة جنرالات, وإستراتيجيين.وتصبح كل الوسائل جيدة في هذه المعركة:بحث وتطوير, براءات الإختراع, مساعدات الدولة, المضاربة المالية, إغراق الأسعار, نقل خطوط وحدات الإنتاج, الإنصهارات, والتملك.
إن منطق الحرب يستولي أيضا على منطق الشراكة في ظل الرأسمالية الجديدة.فقد قلبت التحالفات والإتفاقات " الإستراتيجية" بين الشركات الأوروبية واليابانية والأمريكية رأسا على عقب سيرورات التدويل والعولمة للشركات والإقتصاديات, والتنظيم الداخلي للشركات والعلاقات فيما بين هذه الشركات، والشبكات العالمية, والدول "المحلية".و أصبحت الضغوطات التي تمارس على العاملين في الشركات من مهندسين وكوادر وعمال كبيرة جدا. فكل كادرواقع تحت وطأة هذه الضغوط, يقاتل من أجل بقائه, الذي بات مرتبطا بتحقيق مجموع مبيعات عالية أو معدل ربح حددتة الشركة.
و يخفض منطق الحرب هذا دور الدولة إلى دور نظام هندسة واسع, قضائي، وبيروقراطي, ومالي موظف في خدمة تحقيق نتائج تجارية جيدة للشركة.فلم تعد الدولة هي دولة الكل الإجتماعي، ولا هي التعبير السياسي عن المصلحة العامة الجماعية, بل تصبح فاعلا من مجموع فواعل أخرى، مكلف بخلق الشروط الأكثر ملائمة لمنافسة الشركات.و هكذا تتلخص المصلحة العامة في مصلحة الشركات المساهمة العملاقة التي تخوض الحرب من أجل إعادة إقتسام الأسواق العالمية طبقا لحصة قوة رأس المال. والبقاء دائما للأقوى. ومن البديهي في مثل هذه الحالة أن تدخل هذه الإيديولوجيا في تناقض عدائي مع كل أشكال الديمقراطية التشاركية، ومع مصالح الشعوب في عالم الجنوب.


[1] - ستيفن هايمر, كفاءة(تناقضات) المؤسسات المتعددة الجنسيات 1970.

[2] - بول هيرست- جراهام طومبسون- ما العولمة- ترجمة فالح عبد الجبار- عالم المعرفة- العدد 273, سبتمبر 2001(ص134).

[3] - كريستيان بالوا- مصدر سابق(ص 134-135).

[4] - رمزي زكي- الليبرالية المتوحشة- دار المستقبل العربي- الطبعة الأولى 1993 (ص88).

[5] - بول باران, و بول سويزي , رأس المال الإحتكاري , (ص 152-153).

[6] - فؤاد مرسي – الرأسمالية تجدد نفسها- عالم المعرفة العدد 147- آذار/مارس 1990,(ص 67).

[7] - المصدر السابق-(ص105).

[8] - فخ العولمة- مصدر سابق( ص 223).

[9] - المصدر السابق (ص 225).

[10] - انظر رمزي زكي – الليبرالية المتوحشة مصدر سابق (ص 189-190-191 ).

[11] - المصدر السابق (ص 196).

[12] - غبريال كولكو – صندوق النقد الدولي و هوس التصدير – لوموند دبلوماتيك- النسخة العربية – آيار 1998 .

[13] - مجموع اتفاقات غير رسمية تمت على مدى الثمانينات و التسعينات بين الشركات الرئيسية عبر القارات و مصارف وول ستريت و فيديرال بنك أوف أمريكا و الأجهزة المالية الدولية ، و ذلك في إشراف الولايات المتحدة.

[14] - منير الحمش – الاصلاح الاقتصادي – دار رضا للنشر- الطبعة الأولى 2003 (ص 29-30).

[15] - جاز زيغلر – صورة جامعة في البنك الدولي- لوموند ديبلوماتيك – النسخة العربية – تشرين الأول /اكتوبر 2002 .

[16] - راجع : Jerry Mander , Face a la maree montante . In Edward Goldsmith et Jerry Mander , Le proces de la mondialisation , Fayard , Paris , 2001(p42).

[17] - منشورات سوى – Seuil ، باريس 1996.

[18] - ابراهيم وارد – النظام المصرفي المصرفي العالمي على كف عفريت – لوموند ديبلوماتيك – النسخة العربية – تشرين الثاني/ نوفمبر 1998 .

[19] - نيرمين السعدني – مرة اخرى : إصلاح صندوق النقد الدولي – مجلة السياسة الدولية العدد 148 – ابريل 2002 ( ص 163).

[20] - أنظر:Thomas Friedman ,The Lexus and the olive Tree:Understanding Globalisation, FarrarStrauss and Giroux, New York, 1999

[21] - Charles Albert Michalet – Qu'est-ce que la Mondialisation ? La Decouverte , Paris 2004.

[22] - أنظر:
Maniere de voir 72- Le Monde Diplomatique Decembre2003-janvier2004, Le Nouveau Capitalisme. IGNACIO RAMONET – Re gression.

[23] - المصدر السابق عينه .

[24] - أنظر:Riccardo PETRELLA-L evangile de la cmpetitivete-Maniere de voir 72.
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-04-2012, 01:51 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 17,441
افتراضي

حمل المرجع كاملاً من المرفقات
الملفات المرفقة
نوع الملف: doc The new face of capitalism.doc‏ (1.77 ميجابايت, المشاهدات 5)
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الجديد, الرأسمالية

« العلاقة المتبادلة بين معايير القيمة العادلة والأزمة المالية العالمية | أثر الأزمة المالية الراهنة على خلق فرص عمل جديدة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أزمة الرأسمالية الأمريكية في عام الانتخابات Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 02-11-2012 06:38 PM
سر رأس المال - لماذا تنتصر الرأسمالية فى الغرب وتفشل فى كل مكان آخر Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-09-2012 01:23 PM
دراسة بعنوان وجه الرأسمالية الجديد Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 02-01-2012 09:41 PM
الفروق الجوهرية بين الاقتصاد الإسلامي و الرأسمالية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 1 01-21-2012 05:45 PM
هل تنتهي الرأسمالية الحديثة؟ Eng.Jordan مقالات وتحليلات 0 01-20-2012 08:08 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:08 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73