تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

السياسي والدعوي في أعقاب الثورات المضادة (1 / 2)

السياسي والدعوي في أعقاب الثورات المضادة (1 / 2) ـــــــــــــــــــــــــــ (أنور قاسم الخضري) ــــــــــ 28 / 8 / 1437 هــ 4 / 6 / 2016 م ــــــــــــ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-04-2016, 06:29 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة السياسي والدعوي في أعقاب الثورات المضادة (1 / 2)


السياسي والدعوي في أعقاب الثورات المضادة (1 / 2)
ـــــــــــــــــــــــــــ

(أنور قاسم الخضري)
ــــــــــ

28 / 8 / 1437 هــ
4 / 6 / 2016 م
ــــــــــــ

السياسي والدعوي أعقاب الثورات المضادة 9079622224cb497e007231a652a60879-796x427.jpg
















تعيش الجماعات والحركات الإسلامية حالة من التهديد والتحديات، وهي أمام مسارين: إما مراجعة شاملة للأهداف والأدبيات والوسائل والتكتيك والشعارات والخطاب، لتدارك الأخطاء، وتجديد الآليات وتحسين الصورة المشوهة، وتطوير الخطاب والشعارات والخطط بما يناسب المرحلة. وإما الإصرار على ما كان بكل أحماله وأوزاره، والبقاء على ذات المنوال، والتصبر لكل التبعات والضربات تحت ذريعة الابتلاء. تتردد القيادات بين المسارين، خاصة وأن أي قرار تحت ظل الظروف الراهنة هو قرار مصيري، له ما بعده. في هذا المقال نسعى لرسم ملامح بعض المراجعات التي تشهدها الحركات الإسلامية على صعيد علاقة العمل الحزبي السياسي بالعمل الحركي الدعوي.

الديني والسياسي في العهد الأول:
-------------------

في التاريخ الإسلامي ومع نشأة الجماعة المسلمة الأولى لم يكن هناك أي جهل بحقيقة شمول الإسلام كمنهج يقيم الحياة بكل أبعادها وفق رؤية ربانية تميز بين الغيبي والمشاهد، وتمزج بين توجيهات الشارع سبحانه ووظيفة العقل في الفهم والتنزيل. وحيث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو النبي الموجه والقدوة القائد فقد اجتمعت فيه كل أدوار البلاغ والتعليم والدعوة والتربية والفتيا والقضاء والولاية العامة وإدارة بيت مال المسلمين وإدارة حركة الجهاد. وقد أتاه الله تعالى من القدرات والمواهب والقوة العقلية والنفسية والروحية والبدنية ما يجعله قادرا على القيام بهذه الأدوار؛ ومع ذلك لم يستغن بما وهبه الله عن صحابته –رضي الله عنهم؛ فشاور وفوض وأوكل واستعمل واستأجر.
وقد أخذ عنه أصحابه الدين والعلم، وكسبوا الخبرات والتجارب، فكان منهم السابق ومنهم المقتصد. فعرف فيهم القارئ والحافظ والفقيه والفرائضي والقائد العسكري والمنفق السخي والمؤذن والحادي وغير ذلك. فإن مقتضى اختلاف الناس في قدراتهم وطاقاتهم وميولهم ومشاربهم تنويع أدوارهم ووظائفهم. وكان مقتضى هذا الاختصاص وانصراف كل طرف لما يميل إليه ويحسنه أن يفقد من بقية الاختصاصات مكان الصدارة أو التميز، ذلك أن الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.

فمن عرف بالجهاد منهم حتى برز فيه لم يعرف بالحفظ ورواية الحديث، ومن عرف بالعلم والفقه وتفرغ له لم يعرف بالإنفاق والبذل لأنه كان يفوته طلب الغنى. ولم يكن بعضهم يرى في تخلف الآخرين عن صفوف التخصص منقصة أو مذمة؛ فالكل يقومون بالواجب المشترك، وبالقدر الكفائي في غير ما تميزوا به، ويخدمون هدفا واحدا.
وعلى هذا سار سلف الأمة، فكان منهم حفاظ القرآن القراء، والمفسرون، والحفاظ المحدثون، والفقهاء والأصوليون، واللغويون. وفي أعمالهم كان منهم المشتغل بالتعليم، والمشتغل بالتأليف، والمشتغل بالإفتاء، والمشتغل بالقضاء، والمشتغل بالوعظ والدعوة. ولم ينظر لهذه التخصصات على أنها فصل أو انفكاك بين تخصص وتخصص، فضلا عن فصل التخصص عن جسده وأرضيته وعمقه الأوسع والأشمل.
كما أن أدوار الحاكم المسلم الذي كان يجمع كثيرا من الاختصاصات والوظائف مطلع الدولة الإسلامية زمن الخلافة الراشدة، لم تبق على حالها، فقد اقتصرت هذه الأدوار مع تراجع مواصفات وخصائص الحاكم إلى أدوار سياسية وعسكرية بحتة، في حين أن الفتيا والقضاء والتعليم والدعوة أصبحت من مهام العلماء وطلاب العلم.

إنَّ هذا التحول من زمن الخلفاء الراشدين إلى وقتنا المعاصر تحول طبيعي، يعكس الواقع وتحولاته. ولم ينظر لهذا التمايز والتراجع بأي نوع من الشك نظرا لبقاء الحاكم المسلم متصفا بالإسلام ومظهرا لشعائره، ولالتزامه بحاكمية الشريعة وإجرائه لها عبر جهاز القضاء.. في حين أن التعليم والدعوة ظلت جهدا مجتمعيا في الغالب.

العلمانية وعداء الدين:
--------------

مع بروز العلمانية في الغرب على خلفية الصراع المرير مع الكنيسة والنصرانية المحرفة، وتمكن الغرب المتحرر من سلطان الكنيسة من بناء تقدم مادي ومعرفي وتحقيق نهضة عمرانية واقتصادية عارمة، ظهرت المناداة في البلاد العربية والإسلامية بالعلمانية –بشقيها المتطرف والمعتدل![1]
وقام المتأثرون بأفكار الغرب والمنبهرون بتقدمه باستدعاء معركة الهوية والمرجعية إلى ميدان الفكر والسياسة في الأمة؛ وخاضوا معاركهم مع نخبة الأمة الإصلاحية التي كانت تدعو لاستلهام المخرج في تراثنا وحضارتنا وخبرتنا وتجاربنا.. كما فعل الغرب بعودته لماضيه وتراثه. ولخص الشاعر محمود غنيم هذه المفارقة العجيبة قائلا:

استَرشَدَ الغَربُ بِالـمَاضِي فَأَرشَدَهُ ونَحنُ كَانَ لَنَا مَاضٍ نَسِينَاهُ
إِنَّا مَــشَينَا وَرَاءَ الغَــربِ نَقــتَـبِــسُ ضِـيَائَهُ فأَصَـابَتنَا شَـظَايَاهُ

وتبنت النخب المثقفة والأنظمة الحاكمة في كثير من بلدان العالم الإسلامي العلمانية –فصل الدين عن الدولة- كمبدأ حاكم، سواء سطر ذلك في الدساتير أو عمل به عمليا ومورس في الواقع. ولم يكن هذا الفصل غير إلغاء لمرجعية الإسلام وشريعته وأخلاقه وقيمه عن واقع التوجيه ومرجعية التحكم، وإحلال الأفكار الاشتراكية والقومية والليبرالية محله، لتملأ المناهج التعليمية والأدبيات الثقافية وتوجه الفكر والسياسة والاقتصاد.

في ظل هذه المعركة، كان العلماء وحملة لواء الشريعة هم من تصدر المشهد وهم من بعثوا روح اليقظة والصحوة في الأمة، فقادوا جبهات التحرر والاستقلال، واعتلوا منابر الدعوة والوعظ، وجلسوا على كراسي التعليم والقضاء، وكانوا المرجع في الفتوى والتوجيه. وعلى يد كثير منهم تأسست الحركات والجماعات الإسلامية التي مثلت جهدا مؤسسيا منظما تنخرط فيه الطاقات والكوادر وتتوفر فيه البيئة المساعدة في التنشئة والتربية والبناء المعرفي والفكري والإيماني والأخلاقي.

وكان من أبرز هذه الحركات، وأوسعها انتشارا وحضورا وتأثيرا، حركة الإخوان المسلمين التي تأسست على يد الشيخ حسن البنا، في نهاية العقد الثالث من القرن الماضي بمصر. حيث اهتمت الحركة بالعمل السياسي كأحد مناشط اهتماماتها المختلفة التي تصدرت لها وأصبحت ضمن وظائفها وأدوارها.
ظل النزاع بين الجماعات والحركات الإسلامية –خلال عقود مضت- حول عودة الإسلام كهوية ومرجعية وشريعة وقيم للحياة العامة ومن منطلق السيادة. وفيما كانت الأنظمة تستند إلى قوة الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية كانت الجماعات تتحرك في الإطار الشعبي والعمل المجتمعي، وأخذت على عاتقها حمل رسالة الإسلام وإعادته للحياة عبر رؤية شمولية تحضر في كافة المجالات الممكنة. من ثمَّ كان شعارها الأبرز "الإسلام هو الحل"، وقضيتها المحورية "تطبيق الشريعة"، في مقابل تيار شمولي يقصي الدين من جميع مناحي الحياة عدا مساحة بسيطة تتعلق بصلة الفرد بربه!

انتشار الصحوة وظهور حاجة التخصص:
------------------------

مع انتشار الصحوة الإسلامية وامتداد آثارها، وتحقيقها حضورا ناجحا في الدعوة والتعليم والعمل الإنساني والإعلام وغيرها من المجالات، وإثبات جدارتها في الميدان، واجهت الكثير من التضييق والتنكيل والمحاربة. فقضى كثير من رموز الحركات الإسلامية أعمارهم في السجون والمعتقلات، وربما أعدموا في ظل محاكمات لا تتوفر فيها معايير العدالة، أو قتلوا خارج مؤسسة القضاء. ومع ذلك لم تكن تلك الابتلاءات إلا وقودا يزيد من شعلة نشاطها وانتشارها.

وشيئا فشيئا برزت هذه الحركات على الصعيد السياسي كخيار شعبي حر، في أكثر من بلد عربي وإسلامي. وكانت الثورات الشعبية التي انطلقت عام 2011م واكتسحت المنطقة –وعرفت بالربيع العربي- ممهدة لفتح الطريق أمام الحركات الإسلامية للوصول إلى السلطة وسدة الحكم. حيث استطاعت حركة الإخوان المسلمين وبقية الأحزاب الإسلامية في مصر من تسيد المشهد السياسي، وكذلك في تونس، واستفادت الحركة الإسلامية في المغرب من أجواء هذه التحولات، كما أوشكت نظيراتها في اليمن تحقيق ذات المكاسب.

غير أن هذا التحول آثار حفيظة الغرب، وبعث برسالة قلق للمحيط الإقليمي الذي سارع في إجهاض هذه التحولات والوقوف ضدها. فبدأ مسار التحول من مصر التي شهدت انقلابا عسكريا على أول حكم مدني ديمقراطي، وأول رئيس منتخب، د. محمد مرسي، في الثالث من شهر يوليو عام 2013م. وهو حدث كانت له تداعيته على المنطقة عموما. فقد اعتبرت السلطات المصرية تنظيم جماعة الإخوان محظورًا في ديسمبر 2013م، كما صنفتها دول أخرى كمنظمة إرهابية.
هذه التحولات مثلت انتكاسة جديدة، وساهمت في تصعيد أطراف علمانية أو طائفية وفوضى عارمة تقضي على أمن واستقرار عدة دول، كسوريا واليمن وليبيا؛ كما فرضت نوعا من المراجعات الداخلية لتقييم المرحلة السابقة وتجاوز الأخطاء التي وقعت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر. إضافة إلى ذلك فإن الهجوم القائم على الحركات الإسلامية الساعية للإصلاح والتغيير وتسنم العمل السياسي والوصول للسلطة -في هذه المرحلة- فرض عودة قضية الفصل بين الديني والسياسي من منطلقين:
منطلق من خارج الحركات الإسلامية يرغب في تجريدها من "منصة" حركتها التي تستهوي المجتمعات الإسلامية وتعطيها قدرة على التأثير من منطق الخطاب الديني الذي تفتقده التيارات السياسية الأخرى. وهو منطلق علماني يريد عزل هذه الحركات عن محيطها وتاريخها، وإضعاف خطابها الديني والورقة الرابحة في صراعها مع العلمانية.

منطلق من داخل الحركات الإسلامية، وهو ذو توجهين:
-------------------

الأول: يسعى لتجنيب الدعوة والدين الصراعات السياسية الحادة، التي قد تدفع بعض الأطراف في سبيل بقاء مصالحها للعداء مع الدين والدعوة، ما يقضي على مكاسب المراحل السابقة. ومن ثم يرى في هذا الخيار تضييقا لدائرة الصراع. وهذا الفريق يستند في نظرته لحجم المؤامرة الحالية وتعدد أطرافها.

الثاني: يسعى لإعطاء العمل الحزبي مدى أوسع للمناورة والعمل بعيدا عن أعباء المخيال الدعوي الذي يتجه نحو النموذج الإسلامي في كل فرصة سانحة دون اعتبار لتسوية البيئة السياسية والمجتمعية والإقليمية لقبول التوجه الإسلامي للتغيير. ومن ثم فهذا الفريق يتخفف من القيود والاحترازات التي لا تناسب في منظوره الفاعل في الميدان السياسي، لأنه يسعه ما لا يسع غيره من الفقه والنظر.

التجارب والخيارات:
-----------

كانت "حركة التوحيد والإصلاح" المغاربية[2] أول حركة إسلامية تعمل على فصل العمل السياسي عن العمل الدعوي، حيث اعتمدت سياسة فك الارتباط بين الحركة و"حزب العدالة والتنمية" –المغربي، وأسست لرؤية مستقلة لكيانين منفصلين، أحدهما يعمل في المجال السياسي، والآخر يعمل في المجال الدعوي.

الأول هو حزب العدالة والتنمية، الذي حصل في الانتخابات البرلمانية –التي جرت في 2011م- على المرتبة الأولى، واستطاع تشكيل الحكومة -في 2012م، بواقع 11 وزيرا من العدالة والتنمية من 31 وزيرا هم مجموع التشكيلة الحكومية.

ورغم حصول معارضة داخلية، وجدل بين مؤيدي ومعارضي الفصل، إلا أن الحركة اتخذت قرارها، وعملت على استيعاب الآراء في إطار من التعاون والتكامل مع الحزب. ساعية في ذات الوقت إلى توجيه كافة جهدها نحو الدعوة والتربية والتغيير المجتمعي، وتوسيع دائرة التأثير في شرائح المجتمع المغربي.
هذه التجربة بطبيعة الحال تختلف عن تجربة "حزب العدالة والتنمية" –التركي، والذي مثل رؤية متطورة ومغايرة لـ"حزب الفضيلة" الإسلامي، الذي كان يرأسه نجم الدين أربكان. فقد قدم "حزب العدالة" نفسه كحزب سياسي ملتزم بعلمانية الدولة، والنهج الديمقراطي، محافظ ومعتدل، يتبنى التوجه التنموي كأولوية في سياسته.

وقد استطاع "حزب العدالة" من تحقيق نجاحات كبيرة في تركيا، في كافة المحطات الانتخابية، واستطاع الحصول على غالبية برلمانية تمكنه من تشكيل الحكومة. كما استطاع الفوز برئاسة الجمهورية التركية. كل ذلك تأسيسا على نجاحاته الاقتصادية والتنموية وفي السياسة العامة للدولة.
لم يستند "حزب العدالة" بطبيعة الحال في منافساته الانتخابية وأدائه الحزبي وإدارته للحكومة والدولة على خطاب ديني، وشعارات دينية، ورموز دينية. فمعظم كوادر الحزب محسوبون على الكوادر التكنوقراط ذوي الاختصاصات العلمية، وليسوا علماء أو دعاة أو رموز إسلامية.

هذه التجارب بالإضافة إلى التحديات الحالية فرضت على مجلس شورى "حركة النهضة" التونسية مناقشة الفصل بين السياسي والدعوي. وبحسب قيادات في الحركة أن هذه النقاشات والمشاورات بدأت منذ عام ونصف تقريبا. وقد خلص مجلس شورى الحركة إلى قرار فصل العمل السياسي للحزب عن الأنشطة الدعوية.
آثار هذا القرار حفيظة بعض المنتمين للحركة وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال بالنقاشات والجدل مجددا، إلا أنَّ الغالبية العظمى من أبناء الحركة داخل تونس وخارجها يؤيدون هذا التوجه، ويرحبون بأي خطوات عملية تعزز التخصص وتفض الاشتباك بين المرجعيات السياسية والشرعية.
--------------------------------
[1] معتدل بالنسبة للموقف الإلحادي المتطرف، المعادي للدين والمنادي بإخراجه من الحياة باعتباره كذب وأساطير.
[2] وهي حركة دعوية وتربوية وفكرية وثقافية إسلامية، تعمل في إطار التجديد وإقامة الدين وإصلاح المجتمع. كانت حاضرة بنشاطها في المجتمع المدني منذ أواسط السبعينات من القرن المنصرم، وتشكلت في عام 1996م؛ بعد الوحدة الاندماجية بين كل من حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي المغربيتين.


------------------
المصدر: ملتقى شذرات


hgsdhsd ,hg]u,d td Hurhf hge,vhj hglqh]m (1 L 2)

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-04-2016, 06:36 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة السياسي والدعوي في أعقاب الثورات المضادة (2 / 2)

السياسي والدعوي في أعقاب الثورات المضادة (2 / 2)
ـــــــــــــــــــــــــــ



(أنور قاسم الخضري)
ــــــــــ

28 / 8 / 1437 هــ
4 / 6 / 2016 م
ــــــــــــ











كل مرحلة تاريخية تحمل معها تغيراتها وظروفها الخاصة بها، ما يعني ظهور تحديات جديدة ومتطلبات جديدة وأدوار جديدة. وما قد يصلح لمرحلة ما قد لا يصلح لغيرها بالضرورة. والاعتبار في ذلك كله للتقدير الصحيح للواقع واتخاذ الموقف المناسب له حسب القدرة والإمكان، استنادا لرؤية شرعية تضمن بقاء هذا الموقف في دائرة المباح وفسحة الرخصة. وشمولية المشروع الإسلامي لا تنفي ضرورة التخصص الوظيفي، ولا تستلزم قيام جماعة واحدة أو حزب واحد بكل تكاليف المشروع دون بقية الأمة. فكما وجد مؤسسات عمل إغاثي، ومؤسسات ثقافية وفكرية، ومؤسسات حقوقية، وبنوك وشركات وفقا للمنظور الإسلامي للاقتصاد، كل ذلك من رحم الحركات الإسلامية، فمن الطبيعي أن توجد كيانات سياسية متخصصة بالسياسة دون أن يعني ذلك تخلي طرف عن الآخر.

مفهوم الفصل بين السياسي والدعوي:
--------------------

بعيدا عن المنطلق العلماني في الفصل بين الدين والسياسة، والدين والدولة، باعتبار أن الدين علاقة بين العبد وربه، واختيار فردي ليس مرتبطا بالمجموع، فإنَّ الذي يجري في الأحزاب والحركات الإسلامية هو فصل على سبيل التمييز والتخصص، مع بقاء الارتباط والهوية والمرجعية.
وإدخال المفهومين في بعض خطأ ومغالطة لا تليق بالقائلين بوجهات النظر المختلفة، الموافقة والرافضة، الراضية والساخطة. وهنا يمكن الاستشهاد بتصريح رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي لـوكالة الأناضول، حيث قال: "نحن لا نتحدث عن علاقة فلسفية (بين الشقين السياسي والدعوي داخل حركة النهضة)؛ لأننا نعتقد أن الإسلام دين شامل، وأن المسلم يمارس كل نشاطه في ظل عقيدته؛ فلا فصل في عقل المسلم وقلبه بين الدنيا والآخرة"، وأضاف: "نحن نُؤْثِر استخدام كلمة التمايز والتخصص بدل كلمة الفصل (بين الشقين السياسي والدعوي) التي تعود بنا إلى فلسفات أخرى، وإلى مراجع أخرى تتعلق بمسائل فلسفية حول العلاقة بين الدين والسياسة؛ فنحن نتحدث عن تمايز وتخصص". وقال: "نحن نتحدث عن مرجعية إسلامية، ونحن لا نريد سياسة منعزلة عن القيم الدينية، بل نريد سياسة ببواعث وقيم إسلامية ومقاصد شرعية"[1].

فإذا الفصل المقصود به هو إيجاد كيانين لهما ذات الهوية والمرجعية لكنهما يختلفان في مجال النشاط والأدوار والوظائف؛ بحيث ينشغل كل من الكيانين بوظيفته بشكل مهني واحتراف، ومن منطلق التفرغ والتأهل.
وسواء كان الفصل في داخل الجماعة أو الحركة، أو بتنسيق بين الجماعات والحركات الإسلامية والأحزاب السياسية، فإن صور الفصل تتعدد وتختلف من بلد لآخر، وحسب الظروف والمعطيات الدستورية والقانونية والاجتماعية.

دواعي الفصل وأسبابه:
----------------

تتعذر الجماعات والحركات الإسلامية في فصلها بين السياسي والدعوي على عدة مبررات تنحو عادة إلى الظروف المحيطة، والتهديدات الخارجية، والضغوط السياسية والأمنية. ونادرا ما يكون التأسيس لهذا الفصل على رؤى ودراسات تقيم مستوى الأداء لهذه الجماعة أو تلك الحركة خلال مسيرتها التي مزجت فيها بين الدعوي والسياسي. لذلك تظل الوجوه هي ذاتها قبل وبعد!

وبعيدا عن هذه المبررات التي قد تجد أرضية من الواقع إلا أنَّ تحديد مجال وأدوار ووظائف: الحزب السياسي والجماعة الدعوية، وتمييز اختصاص كل منهما، ومدى صلاحياته، بات أمرا ضروريا، مع تشعب المناشط واتساع الاهتمامات.
فالحزب يتخصص في الإصلاح انطلاقا من الدولة. والجماعة تتخصص في الإصلاح انطلاقا من المجتمع, فمجال كل منهما وجمهوره مختلف عن الآخر.
الحزب يمثل جزءا من قوى سياسية تتوازع الأدوار في سبيل الإصلاح السياسي، ويبني تحالفاته بعيدا عن أي تبعات على الدعوة. والجماعة تمثل جزءا من قوى المجتمع التي تطالب بالإسلام كمرجعية وهوية دون انحياز لطرف سياسي على آخر، وإنما للأطراف التي ستعمل لهذه الغاية؛ ومهمتها تنشئة جيل صالح ومجتمع واع يتفاعل مع قضاياها إيجابا.

والحزب يستقطب كل من يوافقه أهدافه العامة مهما اختلفت الرؤى الفكرية والمذهبية. والجماعة تعتني بالمنهج الدعوي والبناء التربوي والقيم الأخلاقية، ومدى ارتباط الفرد العضو بها، وتجاوبها معها.
والحزب مطالب بأن يكون مؤهلا للعمل السياسي، وصاحب مشروع عملي ناجح ومقنع، وهذا يجعله لا يركن على قواعد مسلمة له بالمطلق. والجماعة مطالبة بأن تكون سندا للأحزاب وفقا لمنطق الكفاءة والأمانة والإنجاز.

والحزب يستهدف خدمة جميع فئات المجتمع دون تحيز، ويحقق التنمية والرفاهية للمجتمع كأساس للاستقرار والأمن والنهضة. والجماعة تعزز روح الانتماء للإسلام، ودعوة الآخرين إليه بحكمة وموعظة حسنة، وتتجاوز في تواصلها مواقف السياسيين وصراعاتهم.
الأحزاب تتعرض للنقد والتشكيك والاتهام في ضوء ما تتحمله من مسئوليات، وما تقدمه من وعود، وما تحققه من مكاسب ومصالح، ومن ثم فهي قد تتعرض للإسقاط والذم. أما الجماعة فهي بحاجة لأن تظهر أكثر قدوة ونقاء وبعدا عن الشبه والمكاسب الدنيوية، كونها تحمل توجيها يدعو للزهد والورع والقناعة. فالجماعات الدعوية بمثابة (كوابح) للأحزاب السياسية والسياسيين كي لا يغرقوا في مصالحهم وخصوصياتهم. وكي يكون قولها مسموعا ووعظها مقبولا يفترض بها أن تكون محايدة ونقية عن أي تهمة.

آثار الفصل بين السياسي والدعوي:
------------------

في أي قضية تطرح تتعدد الآراء وفقا لطبيعة المنظور الذي ينطلق منه كل طرف. فهناك من يرى جانب الإيجابيات ويغلبها، وهناك من يرى جانب السلبيات ويغلبها، وهناك من يتوقف، والوسط هو النظر للإيجابيات والسلبيات والموازنة بينها.
وفيما عدا الحالات التطبيقية هنا أو هناك فإن الحديث عن الفصل بين السياسي والدعوي يظل تنظيرا عائما، أما عندما يتعلق الأمر بحالة ما، وفق معطيات مجتمع ما، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأمنيا وتعليميا، فإنه يكتسب أهميته ويكون أكثر موضوعية. فالآثار مرتبطة سننيا بإعمال الفكرة في الواقع، ودون ذلك تظل فكرة مجردة.

المؤكد هو أن الفصل لا يعني بالضرورة تحول الحزب عن هويته الإسلامية ومرجعيته الشرعية، وربما كان تكتيكا يلائم ظرفا آنيا، ومرتبط بضغوط وتهديدات أكثر منه قناعة داخلية وخيار. وهنا قد تبرز إشكالات عدة كغياب التنسيق، وتنازع المواقف، وضبابية الرؤية، واختلاط الخطاب، وحدوث التنافس، والانشقاقات الداخلية.
الفصل الحقيقي هو فك للارتباط بين أمرين، ما يعطي لكل طرف منهما استقلاله في النظر والحركة والقرار. فالحزب السياسي لا مصلحة له في أن يفرض وصايته على المجال الديني، والمجال الديني لا مصلحة له في أن يظل مرتبطا بالسياسة وتقلباتها.
ويقوم الفصل الحقيقي على التمييز وإعطاء الأمور خصائصها التي توضح مدى اختلافها فيما بينها، بحيث تتوجه التخصصات للعمل في ميدانها دون اعتداء على الآخر، وإنما بالتكامل. وهذا بدوره قد يجنب الحركات الإسلامية الاستئصال لغرض سياسي، ويسحب أي ذريعة بيد القوى السلطوية المستبدة لمواجهة الدعوة.

ومن شأن هذا الفصل تحييد الدين عن التوظيف سياسيا، في معترك يشهد فجورا في الخصومة، وسقوطا في الأخلاق، واستهدافا للدين بحساب الأخطاء الحزبية عليه. وكذلك تجنيب الدعوي الخضوع بشكل مباشر لتقلبات العمل السياسي أو إكراهاته أو حاجاته، وإبقاء المنابر الدعوية والمعاهد العلمية خادمة للأمة جميعا ومتحدة مع المجتمع؛ فعلى الحركات والجماعات الإسلامية ألا تطرح نفسها بديلا عن الآخرين لمجرد الاختلاف، وحملها رسالة الدعوة، خاصة في ضوء مجتمع مسلم تتعدد فيه التجمعات الإسلامية.
من ناحية أخرى يعطي الفصل للفريقين السياسي والدعوي إمكانية للتركيز والاحتراف والإتقان؛ ويجنب كل طرف السقوط فيما قد يقع فيه الآخر من اجتهادات وأخطاء أخذها من منطق اعتبارات مجاله.
مع ملاحظة أن عدم ارتباط الحركة (الدعوية) بالحزب (السياسي) في القرارات والمواقف والتوجيه لا يمنع من التقائهما أو تقاطعهما في قضايا مشتركة وأهداف متفقة، وإمكانية التعاون والتشاور والتنسيق بينهما.

ختاما..
----

لا يوجد حل مثالي، وقالب مثالي، لكن يوجد خيارات متفاضلة، وميدان يثبت صوابية الخيار أو خطأه. ويبقى أن الاجتهاد البشري مطالب بالتجديد والمراجعة كقيمتين تحافظان على التقدم بالاتجاه الصحيح.

[1] وكالة الأناضول، في: 19 / 5 / 2016 م .











------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
أعقاب, الثورات, السياسي, والدعوي

« الولاء الديني أم الوطني: ومسألة التعامل مع المجتمعات الإنسانيّة | 100 عام على سايكس بيكو: هل يعيد التاريخ نفسه ؟ »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مستقبل الأزهر بعد الثورات العربية عبدالناصر محمود الملتقى العام 0 02-02-2015 08:21 AM
دراسة بعنوان .. الفساد السياسي والإداري كأحد أسباب الثورات العربية Eng.Jordan بحوث الإدارة والإقتصاد 0 09-25-2014 12:45 PM
عمر بن الخطاب فى التوراة والانجيل جيهان السمرى شذرات إسلامية 2 01-19-2014 09:37 PM
هامان بين التوراة والقرآن عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 07-24-2013 02:45 PM
ثورات الإصلاح وإصلاح الثورات ام زهرة مقالات وتحليلات مختارة 0 04-20-2013 06:46 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:06 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68