تذكرني !

 





مقالات وتحليلات مختارة مقالات ..تقارير صحفية .. تحليلات وآراء ، مقابلات صحفية منقولة من مختلف المصادر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #85  
قديم 08-23-2014, 07:18 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة غنائم الغرب من الحروب الصليبية

غنائم الغرب من الحروب الصليبية
ــــــــــــــــ

27 / 10 / 1435 هــ
23 / 8 / 2014 م
ــــــــــ

(عبدالعزيز كحيل)
ــــــــــ



لا تكتفي الأقليَّة العَلمانية في البلاد الإسلامية بالمطالبة بتَحْيِيد الإسلام، والفصل بين أحكامِه وبين نظام الدولة، كما هو الأمر في البلاد الغربية، وإنَّما تُمْعِن في الطعن الصَّريح تارة والخفي تارة أخرى في مَرجعيته وتَجرُّده من المحاسن، ولا تنسب إليه أيَّ إيجابية، لا في الأخلاق، ولا في التشريع، ولا في النظرة إلى الكون والإنسان والحياة، ويُجَنُّ جنونها، وتتوتَّر أعصاب دعاتها حين يربط دين الله بالعلم، ويقول القائلون: إنَّ الإسلام يقوم في كلِّ مجالاته على المعرفة العميقة والعلم الرَّاسخ، وقد أقام بهما حضارة امتدَّت في الزمان، فدامت ثلاثةَ عَشَرَ قرنًا، واتَّسعت في المكان شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، وغاصت عمقًا، فشَمِلَت حياةَ الفرد والمجتمع والأمم في العقائد، والأخلاق، والسُّلوك على أصعدة التجارة، والسياسة، والسلم، والحرب، والتربية، والاجتماع، والاقتصاد، والأدب، والفنِّ.

"ما للإسلام والعلم والحضارة؟ إنَّه فقط عَلاقة رُوحية بين الفرد ومُعتقداته الغيبية، بل هو في الحقيقة سبب تأخُّر المسلمين، وما داموا يقحمونه في شؤون السياسة والتنمية والحياة الشخصيَّة، فلن يزيدوا إلاَّ تقهقُرًا"؛ هذه قناعة العَلمانيِّين في بلادنا، لا يكادون يتزحزحون عنها قِيدَ أُنْمُلَة، ويرفضون أنْ نُناقشهم فيها، فلننظرْ في صفحات التاريخ، لعلَّ بعضَهم يتنازل عن كبريائه، ويُذعن للحقِّ، فيعود إلى صفِّ أمَّته التي يَدَّعي الانتصار لها.

نعرف ماذا جَنَت حروب الفرنجة - التي سمَّاها النصارى "الحروب الصَّليبية" - على المسلمين، لكن ماذا جنى منها الغربيُّون بعد تسع حملات متتالية تزعَّمها ملوكهم وقادةُ كنائسهم، وكان تَعْداد الجنود فيها بمئات الألوف؟

هذا ما لا يُكلِّف العَلمانيُّون أنفسَهم عناءَ البحث فيه؛ لأنَّهم مثل كلِّ المقلدين للمتغلِّب والمهزومين روحيًّا، يرتمون في أحضان الأفكار التغريبية الميِّتة والمُميتة، مُنبهرين بها، واقفين عند سطحها، لا يغوصون في أعماقها، ولا يبحثون عن تاريخ نشأتِها؛ لإدراك حقائقها، ومعرفة دقائق مسيرتها، وهذا الجهلُ قاد النخبة المنسلخة من مقوِّمات المجتمع إلى الدُّخول في حرب ضدَّ الإسلام من منطلق كَنَسِي عَفَّى عليه الزمان، ولعلَّ هذا الموقف العدائي الذي لم يتَّعظ بدروس التاريخ يُحتِّم علينا أنْ نرجع ببعض التحليل إلى الحروب الصَّليبية، باعتبار ذلك صفحةً منسيَّة من الصراع الفكري الثقافي العقدي، الذي انتصر فيه الإسلام، وانتصرت فيه الروح العلمية.

هل كانت الحروبُ الصليبية حروبًا استعمارية توسُّعية فحسب، أو هي مُواجهة بين ديانتين مُتجاورتين جغرافيًّا، كما يردِّد بعض الباحثين؟
هذا تفسير في غاية السطحية، بل في منتهى الزيف لمن تتبَّع أبعاد تلك الحروب، فمن خلالها كانت الكنيسة تريد القضاءَ على التحرُّر الفكري بوقف زحف المسلمين الذي من شأنه زَعْزَعَة العقائد النصرانية المصادمة لحقائق العلم والمجافية له، كما كانت تُحرِّض الملوك والإقطاعيِّين على حرب الإسلام؛ لتُضعف قوَّتهم وسيطرتهم؛ لتتعاظم قوَّتها هي، إضافةً إلى شغل الرأي العام عن خلافاتِها الداخلية المحتدمة.

إنَّ الحروب الصليبية كانت حروبًا ضد الأفكار التحرُّرية، ومن أجل تكريس الاستعباد الفكري للنَّصارى، كانت دفاعًا عن الجهل ضِدَّ العلم، الذي كانت أوروبا تخشاه وتبغضه؛ لأنَّها رأت مركزها المبني على الخرافة والاستبداد باسم الدين يتهاوى أمام الإشعاع العلمي المنبعث من بغداد وقرطبة والقاهرة وغيرها من الحواضر الإسلامية، والكنيسة كانت تعلم أنَّ جبروتها لن يصمد أمام المنهج العلمي، الذي يتبنَّاه المسلمون، والذي ما كان ليدع وزنًا لشعارات: "اعتقد ثم استدلَّ"، أو "أغمض عينيك واتَّبعني"... إلخ، وبدل أن تَحتضن النور الوضيء راحت تُحاول وقف زحفه؛ لتحافظ على امتيازاتِها المادية والأدبية في ظلِّ الظلام البهيم.

ولكنَّ المتتبع لحركة الأفكار وأحداث التاريخ يتأكَّد أن فترة الحروب الصليبية كانت إيذانًا بانحطاط الدين النصراني المحرَّف حيث أدَّى الاحتكاك بالمسلمين عقودًا عدَّة إلى استفاقة حقيقية في الصفِّ النصراني، فشجَّع العلماء والباحثين والمفكرين على الثَّورة على الكنيسة المتسلِّطة والانعتاق من قبضتها الحديدية، وهذا حَدَثٌ ضخم قلب كثيرًا من الموازين والحقائق والمسلَّمات والمناهج في أوروبا، وعرف بالمعركة بين العلم والكنيسة، وانتهى بعد تطوُّرات وسجال ومعارك طاحنة إلى انتصار العلم، عندما أثبت زَيْفَ الكتب المقدَّسة التي فرضتها الكنيسة على المجتمع، واعتبار تلك الحِقْبة زمن انطلاق الثورة على الكنيسة ليس رأيًا ذاتيًّا، فقد اعترف بذلك مؤرخون وعلماء كثيرون، وحسبنا شهادة مفكِّر وأديب نصراني مُبغض للإسلام هو "شاطوبريان".

إن النصارى الذين غَزَوْا بلادًا إسلامية، ومكثوا فيها زمنًا طويلاً - لمسوا مدى احتفاء المسلمين بالعلم، واحترامهم للعقل، ومدى تمسُّكهم بالمنهج التجريبي إلى جانب ما كانوا عليه من طيب الأخلاق، وحسن المعاملة، وعلموا أنَّ كل هذا يأمر به الإسلام، في حين تشجِّع الكنيسة الخرافة، وتؤجِّج الأحقادَ، وتعمل على تكاثُر الخطايا والخطَّائين؛ ليزدهر بيعُ صكوك الغفران، فانزاحت حجب التضليل عن أبصار المنصفين، ورجعوا إلى أوروبا غانمين للمنهج العلمي والتحرُّر الفكري، ولعله من المهم التذكير بكلِّ اعتزاز وجُرأة أنَّ حركة تحرير المرأة الأوروبية انطلقت بعد شرارة الحروب الصليبية في اتِّجاه تحسين مركز وظروف كائنٍ كان يُعَدُّ سببَ البلايا ورَمْزَ الشرِّ في نظر النصرانية المحرَّفة، فالمرأة الغربية مَدينة للإسلام في رفع مستواها وتكريمها، خلافًا للأفكار المعلَّبة السائدة، حتَّى عند بني جِلْدتنا من المفتونين بالغرب على غير بصيرة.

هكذا إذًا انهزم الأوروبيُّون عسكريًّا، ولكنَّهم غنموا آلياتِ الحياة الفكرية، وأحسنوا العمل، فبلغوا ما بلغه المسلمون من قبل في عِمارة الأرض، وزادوا عليه، كيف لا، وقد أخذوا من فلسفة الإسلام أهمَّ مسألتين أحدثتا انقلابًا معرفيًّا واجتماعيًّا في أوروبا، هما:
♦ القضاء على فكرة الحكم الإلهي التي كان يستند إليها ملوكُهم، الذين لم يكن للشعوب دخلٌ في تعيينهم أو محاسبتهم، وتبعًا لذلك - أو قبله - القضاء على سطوة الكنيسة وتحكُّمها في السياسة والمال والأفكار.
♦ التحرُّر من فكرة الخوف من الطبيعة التي درجوا عليها بناءً على تعاليم الكهنوت، وذلك أفسح لهم مجالَ معرفةِ الكون وأسراره، والسنن التي تحكمه، ومِنْ ثَمَّ استخراج خيراته على اختلافها.

بهذه الغنائم دخل الغرب التاريخَ حين أحسن استعمالها، فقد تحرَّر من الملك العَضوض من جهة، وخاض غمار استكشاف الكون من جهة ثانية، فانعتق من الاستبداد السياسي والكهنوتي ومدَّ يد البحث العلمي إلى أعماق البحار، وسطح الأرض، وجو الفضاء، وتمكَّن الإنسان من الإبداع في جميع المجالات، وهو لا يخشى أن يحرق حيًّا بتهمة الهرطقة، كما حدث لغير واحد من عباقرة أوروبا في ظل الجبروت الكنسي.

هذه حقائق يَصْدَع بها مؤرِّخون غربيُّون منصفون، لكنَّ النخبة العلمانية العربية تَهْرِفُ بما لا تعرف! وباسم العلم والحَدَاثة والتقدُّم! ولو أنصفت لاختصرت الطريق، وبدلَ أن تأخذ من التلميذ تَعْمِد مُباشرة إلى الأستاذ، لكن هذه مشكلتها: إنَّها لا تعترف بأيِّ فضل للإسلام؛ لأنَّه الطود الشامخ، والعَقَبَة الكَأْدَاء أمام حركة التَّغريب والانسلاخ من مقوِّمات الأصالة، وقد أجَّجت حيويةُ الإسلام أحقادَ الياسوعيِّين الجُدُد، فأعمَتْهم عن إبصار أيٍّ من مَحاسنه، ولو اعترف بها غير المسلمين أنفسهم، وما زلنا نذكر أنَّ شخصيةً بارزة تُمثِّل العرب في أكبر عاصمة أوروبية كان موقفها من قضية الحجاب المشهورة، التي اشتعل أُوَارُها في منتصف الثمانينيَّات من القرن العشرين بفرنسا - أخزى من موقف الفرنسيِّين أنفسهم؛ إذ وصف ذلك المسؤول الحجاب بأبشعِ الأوصاف، واتَّهم من يَرتدينه بالتخلُّف والظلامية والطائفية، وهي مصطلحات تعلَّمها من قاموس النظام العلماني الاستبدادي الجاثم على بلده الأصلي.

غيرَ أنَّ الإسلاميين يتحمَّلون جزءًا كبيرًا من مسؤولية انطماس معالم العقليَّة الإسلامية؛ إذ كان ينبغي المبادرة إلى تكثيف العمل؛ من أجل تجليتها نظريًّا وعمليًّا؛ لإقامة الحُجَّة على خصوم الإسلام، وبيان أنَّ الحرية والروح العلمية والذهنية المبدعة إنَّما هي بضاعتنا أساسًا، ولا يَكفي التغنِّي بالأمجاد، بل يَجب المنازلة في ميدان البَذْل والعطاء العلمي؛ لإسعاد البشرية بَدءًا بالأمة الإسلامية المقهورة، وتلك خير إجابة نُعطيها للغرب المتنكِّر، وللنخبة العاقَّة التي "تأكل غلَّتنا وتسبُّ مِلَّتنا" كما يقول المثل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #86  
قديم 08-26-2014, 09:48 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة أهم خرافات العلمانية

أهم خرافات العلمانية
ــــــــــــ

(د. عامر الهوشان)
ـــــــــ

30 / 10 / 1435 هـ
26 / 8 / 2014 م
ـــــــــــ



رغم التقدم العلمي والتقني الكبير الذي وصل إليه العالم المعاصر, من خلال ثورات متلاحقة في الاتصالات و المعلومات, ومن خلال غزو الفضاء واختراق المجهول وتسارع وتيرة المخترعات والمبتكرات, إلا أن تصوره عن الكون والإنسان والحياة ما زال قاصرا عن الحقيقة, كما أن كثيرا من الخرافات والأساطير ما تزال تهيمن على كثير من معتقداته وأفكاره, وخاصة فيما يتعلق بالأمور الدينية العقائدية, وإن كان يدعي عكس ذلك في كل مناسبة.

وإذا كان الغرب لا يفتأ يتهم الأديان السماوية زورا وبهتانا -وعلى رأسها الدين الإسلامي الحنيف الذي يعتبر الدين الوحيد الذي لم يطاله شيء من التحريف أو التزييف– باحتوائها على الخرافات, وينسب لها –افتراء- الأساطير والأوهام, فإن العلمانية التي جاء بها الغرب -كبديل حضاري عن الأديان كما يزعم- مليئة بالخرافات التي لا تقل سوءا عن خرافات أهل الجاهلية الأولى, إلا أنها بصورة منمقة تناسب العصر والزمان الحالي.

نعم .. قد يكون هناك بعض الفرق التي تدعي الانتساب إلى الإسلام -وهي منه ومن تعاليمه ومبادئه وثوابته براء– تعتقد وتوقن ببعض الخرافات التي لا أساس لها من الصحة, كتلك التي تعتقد بأن الأموات ينفعون أو يضرون, أو أن أحدا من البشر يطلع على الغيب أو غير ذلك, إلا أن ذلك يعتبر استثاء لا يمكن أن يعمم على جميع المسلمين, ناهيك عن كون هذه المعتقدات الخرافية مخالفة لتعاليم الإسلام الذي حاربها -وما زال- دون هوادة من أجل القضاء عليها.

وإذا كانت الخرافة أنواع وأشكال, فهناك خرافة اجتماعية ثقافية كاعتقاد بعض الناس أن الخرزة الزرقاء تدفع الشر أو أن الغراب ي*** الخراب, أو شخصية كمن تحل به مصيبة في يوم معين فيربط الشؤم بهذا اليوم طوال حياته, فإن ما يهمنا في هذا المقال هي الخرافة الفكرية العقائدية في العلمانية المعاصرة.

تعريف الخرافة

وقبل البدء بأهم خرافات العلمانية لا بد من تعريف الخرافة لغة واصطلاحا, أما في لغة العرب فالخرافة هي الحديث المستملح من الكذب كما قال ابن منظور في كتابه لسان العرب, كما نقل عن ابن الكلبي قوله: خرافة: اسم لرجل من بني عذرة أو جهينة, غاب عن قبيلته زمنا ثم عاد فزعم أن الجن استهوته واختطفته, وأنه رأى أعاجيب جعل يقصها عليهم فأكثر فكذبوه حتى قالوا في الحديث المكذوب (حديث خرافة) وقالوا فيه (أكذب من خرافة).

وفي الاصطلاح هي معتقد لا يعتمد على أساس من الواقع ولا من الدين، مثل الأقوال أو الأفعال أو الأعداد أو الأبراج التي يُظن أنها ت*** السعد أو النحس, أو هي فكرة غير منطقية نشأت لتفسير ظاهرة ما، لم يتمكن الفرد من إيجاد تفسير واضح لها, وتتميز بالرسوخ في أذهان الكثيرين من الناس.

أهم خرافات العلمانية

1- فصل الدين عن الحياة: رغم كونها من أهم أسس العلمانية الغربية, ورغم أنها أضحت من أكثر النظم السياسية انتشارا وتطبيقا في دول العالم –من خلال شعار العلمانية الأبرز "فصل الدين عن السياسة"- إلا أن هذه الفكرة تعتبر بمقياس العلم والواقع خرافة لا وجود لها إلا في أذهان من ابتدعها واخترعها.

أما من ناحية خرافتها علميا, فإن الإنسان يميل إلى اعتناق دين -بغض النظر عن كونه حقا أم باطلا– بطبيعته, كما أن الإنسان متدين بفطرته, وهو كما يقول علماء الاجتماع و"الانثروبولوجيا" حيوان ديني, لا غنى له عن الدين ولا يمكن أن يحيا بدونه, فالتدين فطرة إلهية مركوزة في نفسه ووجدانه, ناهيك عن أن الدراسات الاجتماعية وحقائق التاريخ تؤكد أن التدين أيضا حاجة اجتماعية, وبالتالي فهي تهيمن على حياته وتتحكم في سلوكه وممارساته.

يقول برغستون: "لقد وجدت جماعات إنسانية من غير علوم ولا فنون ولا فلسفات, ولكن لم توجد قط جماعات بدون ديانة" وحين انحرفت الفطرة الإنسانية عن وجهتها الصحيحة, عبدت بعض الجماعات البشرية آلهة من دون الله, فجعل الإغريق لكل ظاهرة كونية إلها, فهناك آلهة الجمال والشمس والريح والظلمة والنور, وكذلك فعل الرومان والمصريون القدماء والهنود, ولم يحيا الإنسان عبر تاريخ وجوده الطويل بلا دين أبدا, ولا شك أن تلك الأديان قد أثرت على سلوكيات الإنسان سلبا أو إيجابا, فأين هي حقيقة مقولة: "فصل الدين عن الحياة"؟؟

وأما خرافتها واقعيا فلأنها في الحقيقة ينطبق على من ابتدعها المثل القائل "كالمستجير من الرمضاء بالنار", فإذا كانت الدول الغربية قد اخترعت العلمانية هربا من الكهنوت الكنسي الذي تسلط على رقابهم سنوات طوال, فإن هذه العلمانية أضحت اليوم كهنوتا جديدا ودينا حديثا, والفرق الوحيد بين ماكانوا عليه وما آلوا إليه, هو جعل المادية والنفعية دينا كبديل عن الأساطير الكنسية التي كانت تحكمهم, فهي في الحقيقة استبدال خرافة بخرافة وأسطورة بأسطورة أخرى.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أي دين ذاك الذي فصله الغرب عن حياتهم, وهم بأنفسهم من ابتدع دينا جديدا ليتحكم ليس في حياتهم فحسب, بل في حياة الملايين من البشر في هذا العالم, من خلال حملتهم المسعورة لفرض العلمانية على جميع الدول والشعوب, وخاصة على الدول والشعوب الإسلامية.

إن تحريف اليهود والنصارى لدينهم ولكتاب ربهم هو السبب الرئيس لنشأة الأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة في هذا العالم, وإذا كانت العلمانية نتيجة طبيعية لغلو الكنيسة وخروجها عن حقيقة دين عيسى عليه السلام, حيث تحول التوحيد فيها إلى شرك بالله واضح, وأضحت العقائد الدينية بسببها خرافات وأساطير, فإنه سيأتي على العلمانية وقت يثور الناس عليها كما ثاروا على الكنيسة من قبل, لكونها كررت الخطأ ذاته, وإن لم يكن الخطأ بالغلو كما فعلت الكنيسة, وإنما بالتفريط وجعل الهوى والمادة والمنفعة دينا وإلها كما تفعل العلمانية الحديثة.

2- خرافة نفي الحقائق غير المادية: فالمادة والطبيعة والعقل والتجريب والحس والمشاهدة هي أساس كل شيء في هذا الكون عند أتباع العلمانية, وكل ما هو وراء المحسوس والعقل فهو خيال ووهم, والإيمان بالغيب في نظرهم جزء من الخرافات والأساطير التي لا بد من التخلي عنها.

فالدين عند العلمانية صنع بشري محض وإفراز تاريخي اقتضاه التطور البشري, بدأ بأساطير أملاها الخوف من القوى المجهولة, ثم تطور إلى تعدد الآلهة ليصل إلى توحيد الآلهة على يد الأديان التوحيدية, فالأديان مجرد وهم من أوهام الجماهير كما يرى "فرويد", والإنسان هو الإله الحقيقي الوحيد عند "فويرباخ", وأما "نيتشه" فهو الأكثر خرافية حين قال: "إن الله قد مات أو هو في طريقه إلى الموت -والعياذ بالله- فنحن لا نقصد أن العقائد الدينية قد تلاشت من ضمير الشعوب، وإنما نعني أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية من ذكر الله تماما".

وإذا تحدثنا عن الجنة والنار والملائكة والجن وغير ذلك من الأمور الغيبية, فجميعها عند العلمانية خرافات وأساطير لا يعترف بها, فالحقيقة عندهم وقف وحكر على ما هو خاضع للمادة والتجربة والحس.

وعلى الرغم من أن نفي الحقائق غير الخاضعة للمادة والحس والعقل هي الخرافة الأكبر والأخطر على البشرية, لكونها ببساطة تنفي الكثير من الحقائق الموجودة في حياة الإنسان عمليا وواقعيا, فالروح موجودة بلا ريب ومع ذلك لا يعرف العلمانيون عنها أي شيء, وهي غير خاضعة للحس والعقل والتجريب, وسر الحياة الكائن في هذه الروح والتي تنعم بسببها المخلوقات بالاستمرار والبقاء موجود أيضا, وعلى رغم من ذلك فإن العقل العلماني لم يفسر لنا شيئا من أسرار هذه الحياة التي نعيشها, ناهيك عن كثير من الظواهر الكونية التي لم يجد الفكر العلماني لها أي تفسير أو توضيح حتى اليوم, فأين هو العقل والحس ليخضع تلك الظواهر إلى مختبره وتجربته.

ولعل أعظم دليل على خرافة نفي الحقائق غير المادية عند العلمانية هو وجود الله تعالى, فجميع ما في الكون يدل على وجود الصانع سبحانه, وكل البدهيات العقلية –التي يتملق أتباع العلمانية بالخضوع له– تدل بما لا يدع مجالا للشك على وجود الله تعالى, ومن المعلوم أن الله جل جلاله لا يمكن أن يخضع للحس والمادة والعقل, لأنه ببساطة هو خالق العقل والمادة والحس سبحانه وتعالى, مما يعني أن نفي الحقائق غير المادية عند العلمانية خرافة وأي خرافة؟!!

لقد عاند كبار رموز العلمانية والإلحاد حقيقة وجود الله تعالى على مر عقود من الزمان خلت, إلا أن تطور العلم الحديث كان يثبت يوما بعد يوم عقم الأفكار العلمانية وصحة الحقائق الإسلامية, فتساقط العلمانيون واحدا تلو الآخر, وتخلوا عن خرافة نفي الحقائق غير المادية في هذا الكون, واعترفوا بوجود الإله سبحانه, وكان آخرهم (سير أنتوني فلو) أستاذ الفلسفة البريطاني الشهير, من خلال كتابه الذي صدر عام 2007م بعنوان: (هناك إله).

3- خرافة أن العلمانية هي الحل: رغم كونها من أكبر خرافات العصر الحديث, إلا أن الغرب استطاع أن يروج لهذا الشعار في معظم دول العالم وشعوبها, كبديل عن حقيقة أن الإسلام هو الحل, مستغلا قوته المادية والآلة الإعلامية الجبارة التي تقلب الحق باطلا والباطل حقا, والتي تسوق الخرافات والأساطير على أنها حقائق علمية وعقلية.

وبعيدا عن الخوض في الأسباب التي أدت لتبني الغرب للعلمانية, والتي من أهمها تسلط الكنيسة التي حاربت العلم والعلماء وانحرفت بالدين النصراني عن حقيقته وجوهره الأصيل كما نزل على عيسى عليه السلام, فإن هروب الغرب من الكهنوت الكنسي إلى الكهنوت المادي الإلحادي كان هروبا من الغلو إلى التفريط ومن الخرافة الدينية الكنسية إلى الخرافة المادية كما سبق.

وإذا كانت البيئة في الدول الغربية قد مهدت لظهور العلمانية وتقبلها هناك, نظرا للتحريف الكبير الذي تعرضت له النصرانية على يد اليهود, فإن بيئة الدول الإسلامية تختلف اختلافا جذريا عن الغرب, فالإسلام محفوظ بحفظ الله ولم يتعرض لأي تبديل أو تشويه أوتحريف, وهو لا يتعارض مع العلم ولم يضطهد العلماء كما فعلت الكنيسة, بل على العكس من ذلك فالعلماء هم أعلى الناس منزلة عند الله تعالى بنص القرآن الكريم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة/11, كما أن العلماء همأكثر الناس خشية لله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} فاطر/28, ناهيك عن الآيات والأحاديث التي تحض على طلب العلم وفرضيته في الإسلام, وابتداء الوحي على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بكلمة "اقرأ", فكيف بعد كل هذا تكون العلمانية هي الحل؟؟

ثم إن الواقع المعاصر يؤكد أن شعار "العلمانية هي الحل" خرافة بكل المقاييس, فبينما ادعت العلمانية أنها إن طبقت واعتقد الناس بها فإنها ستقضي على التعصب الديني المنتشر في العالم, فإنها وبعد إيمان كثير من النخبة في الدول العربية والإسلامية بها, بالإضافة لمحاولة إقناع جميع الناس بقدرة العلمانية على حل هذه المعضلة فيما بينهم, وذلك من خلال تركيز وسائل الإعلام على نجاعتها في الحل, ناهيك عن عقود من التطبيق الكامل لها في معظم دول العالم, فإننا لا نرى التعصب الديني قد تناقص فضلا عن أن يزول وينتهي, بل على العكس من ذلك تماما , فقد ازداد التعصب الديني كما وكيفا في ظل العلمانية, بل وبتحريض ورعاية منها, والأحداث الدامية التي نشهدها في العالم اليوم –وخصوصا العالم العربي والإسلامي- أكبر دليل على هذه الزيادة الملحوظة.

لقد قضت العلمانية على الحياة الروحية تماما, وحولت الإنسان من كائن حي ينبض ب********ة والمحبة والإلتجاء لخالقه ومولاه, إلى كائن مادي أرضي لا صلة له بالسماء, فانتشرت بسببها الأمراض النفسية, وامتلأت عيادات الأطباء النفسانيين, وكثرت حالات الانتحار للخلاص من الحياة المادية الروتينية, فكيف تكون العلمانية هي الحل؟؟

كما أن العلمانية كانت سببا بتفكك الروابط الأسرية والاجتماعية, وكانت العامل الأبرز في إطلاق شهوات الإنسان الغريزية خارج نطاقها وضوابطها الدينية والأخلاقية, فانتشرت الرذيلة وعم الفساد الخلقي, حتى ظهرت الأمراض والأوجاع التي حيرت العلماء وأنهكت البشرية ماديا ومعنويا, فكيف تكون هي الحل وهي في الحقيقة المشكلة والمعضلة؟؟

كثيرة هي الخرافات والأساطير العلمانية, ولا مجال لحصرها واستعراضها في هذا المقال, ويكفي ما ذكر ليستيقظ المخدوع بشعارات العلمانية البراقة من غفوته وسكرته, ويعلم أن العلمانية في الحقيقة وهم وخرافة, ويتيقن المسلم أن دينه هو الحقيقة الوحيدة المتبقية في هذا الكون, فيزداد إيمانا مع إيمانه ويقينا فوق يقينه.
--------------------------------
رد مع اقتباس
  #87  
قديم 09-03-2014, 07:59 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة تعريف العلمانية ونشأتها

تعريف العلمانية ونشأتها
ــــــــــــ

(علي محمد مقبول الأهدل)
ـــــــــــــ

8 / 11 / 1435 هــ
3 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ




تعريف العلمانية ونشأتها
------------

تعتبر العلمانية كلمة لها أكثر من مدلول، وهي ذات تاريخ طويل، وقد انتقلت مع الزمن من معنى إلى معنى آخر.

وقد حاول مترجموها عن اللغات الغربية إخفاء حقيقتها، حتى لا تصدم الحس العربي وتبقى في نطاق العلم، هو نطاق يرد عنها عادية الاتهام. ويبقى هدفها الحقيقي مختفياً وراء اللفظ المشتق من أقرب الأسماء إلى نفوس العرب والمسلمين[1].

والعلمانية مادة علمية متشعبة؛ وقد بحثت كثيراً وفيها رسائل علمية كثيرة.. ولذلك سوف أتكلم وباختصار شديد عن النقاط الآتية في العلمانية:
أولاً: تعريفه العلمانية.
ثانياً: نشأة العلمانية.
ثالثاً: هل للعلمانية مسوغ في العالم العربي والإسلامي؟
رابعاً: نماذج لبعض صور العلمانية.
خامساً: وسائل العلمانية في تحريف الدين.

أولاً: تعريف العلمانية:
---------------

لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية أو (Secularite) بالفرنسية. وهي كلمة لا صلة لها بلفظ (العلم) على الإطلاق ولا حتى مشتقاته. والعلم في اللغة الإنجليزية والفرنسية معناه (Science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (Scientism) والترجمة الصحيحة لكلمة (Secularism) هي "اللادينية" أو "الدنيوية" وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة، فدائر المعارف البريطانية تقول وفي مادة (Secularism) هي: "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها".

ويقول معجم إكسفورد "الرأي الذي يقول أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية".

والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو: "فصل الدين عن الدولة"، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل أنها "فصل الدين عن الحياة لكان أصوب" ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو: "إقامة الحياة على غير الدين سواء بالنسبة للأمة أم للفرد"[2].

ثانياً: نشأة العلمانية:
------------

أما عن النشأة فيمكن تلخيصها في الآتي:

1- الطغيان الكنسي:

فقد نشأت العلمانية في أوروبا إثر صراع مرير بين الكنيسة ورجال الدين فيها وبين الجماهير الأوروبية؛ لأن رجال الدين تحولوا إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الدين، وقول الراهب جروم: "إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين. وقد أنحطت أخلاق البابوات انحطاطاً عظيماً، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال؛ بل كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع، وقد تباع بالمزاد العلني، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك، وتذاكر الغفران..." ودخلت الكنيسة -أيضاً- في نزاع طويل وحاد مع الأباطرة والملوك لا على الدين والأخلاق ولكن على السلطة والنفوذ..

2- تحريف النصرانية:

وكانت القاصمة التي بها تم ذلك انفصام النكر بين الدين والحياة وهو الجناية الكبرى التي جنتها الكنيسة الغربية على نفسها وعلى الدين النصراني.. هو احتجاز الكنيسة لنفسها حق فهم الكتاب المقدس وتفسيره، وحظرت على أي عقل من خارج الكهنوت أن يحاول فهمه أو تفسيرة.

وأوجدت الكنيسة بعض المعميات في العقيدة النصرانية لا سبيل لإدراكها أو تصورها أو تصديقها.. ومثال ذلك العشاء الرباني وهي مسألة مستحدثة ما جاء بها الكتاب المقدس، وقصتها:
إن النصارى يأكلون في الفصح خبزاً، ويشربون خمراً، ويسمون ذلك العشاء الرباني؛ وقد زعمت الكنيسة أن ذلك الخبز يستحيل إلى جسد المسيح وذلك الخمر يستحيل إلى دم المسيح المسفوك فمن أكلهما وقد استحالا هذه الاستحالة فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه...

وقد فرضت الكنيسة على الناس قبول هذا الزعم ومنعتهم من مناقشته؛ وإلا عرضوا أنفسهم للطرد والحرمان.

3- الصراع بين الكنيسة والعلم:

والأدهى من ذلك وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكر، وتشكيلها لمحاكم التفتيش وقتل العلماء مثل: كوبر نيكوس الذي ألف كتاب حركات الأجرام السماوية وقد حرمة الكنيسة هذه الكتب، وجردانو الذي صنع التلسكوب فعذب عذاباً شديداً حتى توفي وغيرهم كثير..

وخلاصة القول: إن هذا الدين المحرف هو الذي ثارت عليه أوروبا؛ وهي ملابسات أوروبية تحته وليست إنسانية عالمية، ومتعلقة بنوع معين من الدين لا بحقيقة الدين..

هذه هي قصة العلمانية رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، ونبات خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية.. ولا شك أنه كان من المفترض على أوروبا التي ابتليت بهذا الدين المحرف أن تبحث عن الدين الصحيح ولا تكون مجتمعاً لا دينيناً..

ثالثاً: هل للعلمانية مسوغ في العالم العربي والإسلامي:

إذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثت عنه، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا نحكم عليه؟! وكيف يكون ألحكم -أيضاً- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح...

فقط نثبت السؤال، ونترك - ولا نقول لكل مسلم - بل لكل عاقل الإجابة عليه[3].
-------------------------------------
[1] سقوط العلمانية، أنور الجندي، (ص:7).
[2] انظر: العلمانية، د. سفر الحوالي، (ص:21)، تهافت العلمانية، د. عماد الدين خليل، (ص:7)، ومذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، (ص:445).
[3] راجع للتوسع: العلمانية، د. سفر الحوالي، (ص:12) وما بعدها، مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، (ص:445)، المستقبل لهذا الدين، سيد قطب، (ص:27) تهافت العلمانية، د. عماد الدين خليل، (ص:7)، لماذا نرفض العلمانية، محمد محمد بدري، (ص:72)، سقوط العلمانية، أنور الجندي، (ص:18).


---------------------------------
رد مع اقتباس
  #88  
قديم 09-11-2014, 07:50 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة أن تُنْزَعَ رؤوس من رمال

أن تُنْزَعَ رؤوس من رمال
ــــــــــــــ

(د. محمد علي يوسف)
ـــــــــــ

16 / 11 / 1435 هــ
11 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ




لم تكن الثورة الفرنسية في بداياتها تعرف ذلك الشعار المشهور عنها اليوم، الذي ينسب لميرابو خطيب تلك الثورة، إذ يقول:
«اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس».
تلك الثورة لم تكن في الأصل ثورة على الكنيسة كمؤسسة أو على المسيحية كدين، لكنها كانت ثورة على ممارسات سلطوية متشابكة بين الكنيسة والإقطاع والسلطة الملكية الحاكمة؛ ممارسات أدت إلى تردٍّ اقتصادي واجتماعي شديد، فكان المطلب الرئيس لها الذي يدركه الفلاح الفقير الذي كان وقود تلك الثورة، هو الخبز والخبز أولاً، كما أشار إلى ذلك سير. هـربرت جورج ويلز في كتابه “معالم تاريخ الإنسانية”.
لذلك؛ احتاج تلاميذ فولتير وروسو وموليير إلى أن يقوموا بمرحلة وسيطة تتيح لهم غرس تلك الأفكار المتمردة والمعقّدة في عقول أولئك البسطاء، من خلال حملات توجيه بسيطة وسهلة الفهم، لكنها تغرس في العقل الجمعي الفرنسي صورة مشوهة لرجال الدين.
قاد خطباء الثورة والممثلون في مسارحهم المتنقلة، تلك الحملة لسنوات أحصاها بعض المؤرخين بعشر سنوات، وقال بعضهم الآخر أضعاف تلك المدة؛ أظهروا فيها رجال الدين بأسوأ وأحط صورة يمكن تخيلها، وحرصوا على أن يبدو الممثلون الذين يقومون بأدوارهم بصورة مقززة منفرة، بل فاحشة، حتى ذكرت بعض الروايات التاريخية أنه مرت على رجال الدين في فرنسا فترات لم يتمكّنوا فيها من ارتداء زيهم المميز والخروج به؛ خشية السخرية والامتهان والاستهزاء، التي كانت ثماراً طبيعية لتلك الجهود الموجهة والمساعي الحثيثة.
بذلك، زالت أولاً قداسة (ما أنزل الله بها من سلطان)، ثم زال الاحترام والقبول ثانياً، ثم زالت المرجعية بالكلية بعد ذلك.
من هنا، صارت الثورة الفرنسية ثورة علمانية شرسة عازلة للدين نفسه وليس فقط لرجاله أو لفكرة الكهنوتية وصكوك الغفران وغيرها من المسائل التي أحسن علمانيو فرنسا استغلالها وصنعوا من خلالها وعبر ذلك المنحنى الفكري المتصاعد هزة عقدية زلزالية كانت بمنزلة شرارة سرت بعدها العلمانية في ربوع أوروبا والعالم سريان النار في الهشيم.
ومما لا شك فيه أن الأحداث المفصلية الكبرى تتبعها اهتزازات شاملة في البنى الفكرية والأيديولوجية والقيمية الخاصة بهذه الشعوب التي مرت بتلك الظروف الاستثنائية.
هذا الأمر متكرر في جل الأمم التي حدثت فيها مثل تلك المنحنيات الحادة في مسارها السياسي والاجتماعي.
وسواء كانت تلك المنحنيات في شكل ثورات شعبية أو حروب شاملة أو أهلية أو احتلال أو تحرر من احتلال؛ فإن المآل الفكري يتشابه ويشترك في معامل أساس، ألا وهو التغيير؛ التغيير الحاد والجذري والشامل.
الشعوب في تلك الظروف الاستثنائية تميل بشكل واضح للتغيير في كل شيء تقريباً، وهذا التغيير أحياناً يكون بشكل جمعي موجه أو بشكل عشوائي أو تختلط فيه العشوائية بالتوجيه.
والحقيقة أن المقلّب لصفحات التاريخ يجد قاعدة مهمة ماثلة أمام عينيه، مفادها أن ليس ثمة أمة يمكن أن يقال عنها إنها بمعزل عن التغير والتحول والتبدل.
فكم من الأمم تغيّرت عقائدها وأفكارها مراراً وليس مرة واحدة، خصوصاً بعد الأحداث الجسام كالثورات والحروب؟
وهل عرفت روسيا الشيوعية قبل ما يسمى الثورة البلشفية؟
وهل كانت فرنسا ليبرالية أو عرفت علمانية شرسة تعلن شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس قبل الثورة الفرنسية؟
وهل تشبه تركيا أتاتورك وما بعده تركيا الخلافة العثمانية، أو تبدو إيران الشاه قريبة أيديولوجياً أو ظاهرياً من إيران الخميني وولاية الفقيه؟!
وهل كانت مصر قبل الحقبة الفاطمية وحكم العبيديين مثل مصر بعدهم؟!
بل هل مصر الخمسينيات والستينيات تشبه مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من حيث التمسك بالدين وشعائره وسمته وثوابته؟!
إن نظرة سريعة على أدبيات النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين ومنتجاته الفكرية والثقافية والفنية؛ تظهر لنا بجلاء تغيّراً جذرياً في البنية الدينية للأمة المصرية في ذلك الوقت.
ولست بصدد التناول التفصيلي والتحليل التفكيكي لتلك المرحلة ومظاهر الانتكاس الديني فيها، على الأقل ظاهراً؛ فإنها معروفة ومسجلة، لكنها قد لا تظهر إلا عند المقارنة بالحقبة المحافظة التي سبقتها في أوائل ذلك القرن أو الذي سبقه.
وإن المتأمل في الواقع الإسلامي اليوم يلحظ بسهولة ويسر أن هزة شبيهة وربما أعمق وأخطر تتعرّض لها الحالة الدينية المعاصرة، على الأقل ظاهراً، وأن الاتصال بين الظاهر والباطن أمر لا يجحده بصير؛ ففي الجسد مضغة بصلاحها يصلح وبفسادها يفسد، والكتاب قد يظهر شيء من حاله عبر عنوانه.
إن من ينكرون اليوم أن هناك مشكلة حقيقية في التزام الناس بتعاليم الدين وتكاليفه وإقبالهم على شعائره وقبولهم دعوته؛ هم في رأيي يمارسون نوعاً من دس الرؤوس في الرمال، ويتجاهلون ظواهر إعلامية وثقافية وحياتية يومية تصرخ فيهم أن انزعوا رؤوسكم من رمالها وانتبهوا.. فثمة مشكلة.
ولولا أنني لست من محبّي الخوض في التفاصيل المحزنة والمشاهد الموجعة، على الأقل من باب “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم”؛ لذكرت عشرات الشواهد التي تعضّد ما ذهبت إليه من أن هناك مشكلة حقيقية تصل أحياناً إلى أسوار العقيدة نفسها، لكنني أنأى بالقارئ الكريم عن أن تتلوث عيناه ويتأذى قلبه بها، أو أن تهون المعصية في نظر بعض الخلق بسبب كثرة شيوعها، و”إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة”.
لذلك؛ أعنى في تلك السطور برصد العوامل التي أدت وتؤدي إلى تلك الهزة الدينية والانتكاسة الالتزامية المعاصرة، وتلك هي أولى خطوات الحل، “ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء”.
والعوامل التي تتضافر لزلزلة معتقدات الناس وثوابتهم وخلخلة تماسكهم العقدي وتمسّكهم العملي؛ كثيرة، من ضمنها بلا شك: تجفيف منابع التلقي الديني، خصوصاً من خلال الدعوة العامة والوعظ المطلق الذي رغم رتابته وعدم تجديد آلياته يتم تقييده وحصره، وأيضاً: ارتباط الأعمال الدعوية في أذهان المتلقين بالصراعات المعاصرة وافتراضهم المسبق أنها ليست دعوة خالصة لكنها لأجل غايات سياسية أو حزبية، كل ذلك جنباً إلى جنب مع إسراف في مصادر التلقي المضاد وإطلاق يد الآخرين في المقابل ليعبثوا بأدواتهم من شهوات جاذبة أو شبهات لامعة تلقى بكل حرية.
لكنني هنا أريد أن أقف وقفة مع العامل الأكثر تأثيراً في نظري، الذي يتم هدمه وإحلال غيره محله بإصرار؛ إنه عامل القدوة.. تلك التي تنهار في النفوس تدريجياً.
ولست أعني بالانهيار هنا انهيار الاستحقاق، فإن القدوات ومن يستحقون أن ينظر إليهم الناس بعين التقدير موجودون دائماً بفضل الله، ولا يزال الخير في الأمة حتى تقوم الساعة؛ لكنني أعني هنا انهيار تلك القدوات في نظر الناس، وذلك إما بتشويه متعمد مكذوب، أو للأسف بأخطاء حقيقية وقع ويقع فيها بعض الناس بسفه غير مسبوق وعدم تحمّل مسؤولية المكانة وقيمة الاقتداء بهم، ما أثر في كل من يحمل السمت نفسه بالتبعية.
كثير ممن هم في مقام القدوة يهوّنون على أنفسهم خطورة هذا العامل بترديد تلك القاعدة العظيمة المنسوبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا يعرف الحق بالرجال”.. وهي كقاعدة لا غبار عليها، لكن كم من الناس يدركها ويطبقها؟! وكم من الخلق يتعامل على أساسها ولا يفتن بضدها؟!
الحقيقة الواقعية والمشاهدة أن أكثر الناس يتأثرون وربما يفتنون بأفعال المتدينين وأخلاقهم، وينظرون دوماً إلى صنيعهم، ولقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر واعتبره فقال: “إن منكم لمنفرين”.
ولو كانت القاعدة مطردة تسري على كل الخلائق، فلماذا أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك من ينفر عن الدين بسبب أهل الدين من المنفرين؟
نعم، هي ليست حجة مبررة لأفعال وتفريط النافر، لكنها حجة على المُنَفِّر والمستهين بتلك القيمة، قيمة أنه قدوة.
والمتغافل عن كون مقام الرجل الصالح في نفس الإنسان البسيط - حتى لو كان هذا الإنسان عاصياً - مقاماً كبيراً ومهماً ينبغي أن يصان وأنه إن سقط في نفس الإنسان كانت النتيجة لا تحمد عقباها؛ هو أحد من يصرّون على مزيد من دس الرؤوس في الرمال.
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أُوصيكَ أن تَستَحي مَنَ اللهِ تعالى كما تَستَحي مِن الرَّجلِ الصَّالِحِ مِن قومِكَ”.
تأمل حرصه على رعاية تلك القيمة في نفوس الناس وإقرار أن هناك حياءً من الرجل الصالح، ثم تخيل لو انهار ذلك الصالح وسقط في أعينهم.
إذا كان هذا الرجل الصالح المتديّن فيه كذا وكذا من سيئ النعوت وقبيح الخصال، فماذا أفعل أنا وأنا الضعيف المسكين الذي لم يدَّعِ يوماً أنه متدين أو شيخ؟!
هؤلاء ثلة من المنافقين يظهرون الصلاح بينما قلوبهم تمتلئ بالفساد والباطل، أما أنا فصاحب قلب نظيف، إذاً فأنا أفضل أو على الأقل مثلهم.
كذلك لسان حال كثير ممن يستمرئون الخطأ تبعاً لأخطاء المتديّنين أو انهيار صورتهم، وإن العامل النفسي أمر لا يجب تجاهله أو إغفاله.
المفرط غير القادر على إصلاح حاله أو الإقلاع عن معصيته، البديل لديه أحياناً أن يكون الناس كلهم مثله، بل حبذا لو كانوا أسوأ؛ لذلك يريد الذين يتّبعون الشهوات أن يميل الصالحون ميلاً عظيماً لكي تكتمل الحجة وتهون المعصية بحجة.
هؤلاء المتدينون في نظره أفاقون، ومنافقون، وتجار دين، وطلاب دنيا ومنصب وجاه، بينما هو بحاله ومعاصيه لم يفعل شيئاً من هذا، فهو في نظر نفسه قد ارتاح، ولم تعد هناك حاجة إذاً للتغيير والتوبة، وهذا هو محل الخطر، وذاك ما يسعى إليه البعض بكل قوة، وتساعدهم فرص ذهبية يعطيهم إياها بعض المتديّنين بعدم تحمّلهم تلك المسؤولية وعدم الانتباه لتلك القيمة، قيمة القدوة، وأن صلاح الصالحين حجة في الأرض على الفاسدين، ويقولها رب العالمين حين يصرخ أصحاب الجحيم: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون: 106]، فيجيبهم ويقيم عليهم الحجة بفعل الصالحين: {إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ صلى الله عليه وسلم901صلى الله عليه وسلم) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ 110 إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 109-111].
حين يغفل أهل الصلاح عن ذلك ويتهاونون في قضية الحرص على عدم فتنة الناس بزلاتهم؛ تعظم تلك الزلات ويسلط عليها الضوء للغاية، ومن ثم تنهار القدوة، ويخبو في القلب ذلك المثل الذي كان يشكل جذوة من ضياء يتمنى جزء خفي من نفس العاصي وفطرته أن يعم القلب والبدن.
وبانهيار تلك القدوة وخبو تلك الجذوة من ضياء التأسي والاستحياء من صالحي القوم؛ تتحول الهزة المجتمعية أو السياسية إلى هزة دينية وتردٍّ التزامي وأخلاقي، وتزل قدم بعد ثبوتها، ويذوق المجتمع بمتديّنيه وغير متديّنيه السوء بما صدوا عن سبيل الله.
من هنا تتضاعف مسؤولية القدوات وأهل الديانة وأصحاب السمت، ويصير من الضروري أن يتم الالتفات إلى خطورة دعوة الحال بالتوازي مع دعوة اللسان والمقال، وقبل ذلك كله أن يتم الانتباه للحال والمآل.. وأن تُنزع رؤوس من رمال.
--------------------------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« نصرالله.. تهديد لمخالفيه "الأغبياء" في الداخل | مثابات أهل السنة في العراق »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تجار الآلام عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 0 09-04-2015 02:04 PM
الحلف المصري الإماراتي عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 08-27-2014 03:17 PM
الرئيس اوباما يتمتع بصلاحيات شن هجوم على سوريا دون الرجوع للكونغرس عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 09-08-2013 06:48 AM
علماؤنا الرواد رفعوا مشعل النهضة والتقدم Eng.Jordan علماء عرب 0 11-03-2012 12:45 PM
حكم الحلف بحياة القرآن جاسم داود شذرات إسلامية 0 10-15-2012 04:14 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:40 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68