تذكرني !

 





مقالات وتحليلات مختارة مقالات ..تقارير صحفية .. تحليلات وآراء ، مقابلات صحفية منقولة من مختلف المصادر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #89  
قديم 09-23-2014, 08:20 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة دور الصوفية في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي

دور الصوفية في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي
ـــــــــــــــــــــــــ

(يحيي البوليني)
ــــــــــ

28 / 11 / 1435 هــ
23 / 9 / 2014 م
ــــــــــــ



لم تكن العلمانية كحركة فكرية لتظهر في العالم الإسلامي في عصور ازدهاره حيث كان الإسلام يحكم جميع نواحي الحياة، وكان المسلمون يحملون مشاعل الهداية وينشرون العلم لكل أرجاء الأرض, فكانت الحالة العلمية والعملية للمسلمين لا تسمح إطلاقا بنمو بذور تلك الفكرة الخبيثة والتي ظهرت أول ما ظهرت في القارة الأوروبية كرد فعل على التسلط الكهنوتي فيما يسمى بعصور الظلام العلمية والفكرية.

إذا كانت العلمانية التي تعني فصل الدين عن كل مناحي الحياة, فان أهم أسباب ظهورها مواجهة سلطان قساوسة الكنيسة في أوروبا بعد تغولهم وتدخلهم في كل شئ، ووقوفهم حجر عثرة أمام العلم وأهله، لتخرج العلمانية لتحبس الدين داخل مبنى الكنيسة فقط، تحت الشعار المنسوب للنصرانية "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

وحينما نقلت إلى ديار الإسلام واجهت هذه الفكرة معارضة شديدة على مستوى الفكر الإسلامي؛ لغربتها كل الغرابة عن الواقع الإسلامي، فاحتاجت إلى أعوان يساندونها من المسلمين، ولم يجدوا أفضل من يساندها من الطرف الإسلامي من الذين يطبقونها فعليا – بوجه آخر - تحت مسمى الطرق الصوفية.

ومن الطبيعي أن العامل المباشر لظهور الفكرة في العالم الإسلامي هو المرحلة التاريخية للاحتلال الغربي لديار الإسلام تحت اسم "الاستعمار"، إلا أنه وجد أرضا ممهدة له بوجود انحرافات ضخمة في الفكر الإسلامي السائد الذي تزعمه الصوفية حينئذ، مع وجود انحرافات أخرى كثيرة على مستوى العقيدة والعبادة واختلال في البناء الذاتي للمسلم من حيث الأفكار والتصورات والسلوك, فلما قدم المستعمرون وجدوا الطرق ممهدة تماما لنشر فكرتهم العلمانية، واستطاعوا استقطاب الكثيرين إليهم لتبدأ مرحلة انتشار وتمدد للفكرة العلمانية التي يعاني منها المجتمع الإسلامي لليوم.

فالطرق والفرق الصوفية تنزع الإسلام من كل جوانب الحياة لتحصره هو أيضا في الزوايا والتكايا والخلوات وتجعل منه دينا كهنوتيا يمارس فقط للزاد الروحي بعيدا تماما عن أي تطبيق له على الواقع, فالتقت الأفكار والمصالح لتدعم الصوفية – بعمد أو بجهل وغباء – الفكرة العلمانية في بلاد العالم الإسلامي, ولتحصل الفرق الصوفية على ثناء العلمانيين والليبراليين بوصفهم أصحاب الفهم الإسلامي المستنير، ولنجد الثناء المتبادل بينهما على حساب الإسلام والمسلمين.

وعلى الرغم من كون الصوفية قد تشابهوا كثيرا مع رجال الكنيسة في العصور التي سمتها أوروبا بعصور الظلام إلا أن العلمانيين لم يصطدموا معهم, فالشيخ الصوفي يبسط نفوذه القوي على أتباعه باسم الدين، فاخترع الصوفية مقالة تضمن ولاء الأتباع لهم وهي "من لم يكن له شيخ، فشيخه الشيطان"، واخترعوا كذلك الاعتراف للشيخ الذي يجب وان يعلم كل سر وجهر في حياة المريد حتى خطرات نفسه، ويجب على المريد أن يعلم شيخه بخطاياه حتى يتحملها عنه، وهو ما يماثل صكوك الغفران عند النصارى, وبهذا وجد العلمانيون في زعماء الطرق الصوفية والمنتسبين لهم ضالتهم في النفاذ للأمة الإسلامية، لأنهم يحققون لهم عدة ميزات تخدم فكرتهم وتساهم في انتشارها, ومنها:

- نشر الجهل والخرافات والبدع في العالم الإسلامي.
-------------------------------

نظرا للتقسيم الذي ابتدعته الصوفية للدين وجعله ما بين شريعة للعوام وحقيقة للخواص، ادعى الصوفية أن العلوم الشرعية الإسلامية لا يكلف بها إلا العوام فقط, ويقصدون بهم كل المسلمين من غير السائرين في طريق الصوفية من عارفين ومريدين, فازداد جهل الناس في دينهم, فيذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قول بعض من غلاتهم في الصد عن العلم وإعمال العقول, فينقل عنهم: "من أراد التحقيق فليترك العقل والشرع"[1]، ولهذا يعقب فيقول "كلما كان الشيخ أحمق وأجهل، كان بالله أعرف، وعندهم أعظم"[2].

ويرصد الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله أثر الصوفية في هدم وتمزيق الأمة الإسلامية بنشرهم للخرافات والبدع فيقول: "وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون (والحشيشية)، في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات من غير خشية ولا استحياء" [3]

- ترك ميادين العلم الشرعي والدنيوي.
-------------------------

حارب الكثير من الصوفية العلم الشرعي وقطعوا الناس عن المعين الأساسي للعلم الشرعي وهو القران الكريم، فحرفوا تفسيره بعدة تأويلات باطنية إشارية ليس لها من القرآن نصيب، ليتم عزل الناس عن قراءة القرآن وتدبره، بادعائهم أن له ظاهرا عاما للعوام وباطنا خاصا لسادة الصوفية لا يعلمه غيرهم؛ ليكون الاتصال بالقرآن الكريم نفسه منقطعا إلا عن طريقهم.

ومن بعض تفسيراتهم الباطنية الإشارية كما يزعمون في وقله تعالى "فاخلع نعليك" يفسرها الشيخ عبد الغني النابلسي "أي صورتك الظاهرة والباطنة يعني جسمك وروحك فلا تنظر إليها لأنها نعلاك" [4], وقالوا عن آية "وإن يأتوكم أسارى" أي غرقى في الذنوب, "والجار ذي القربى" أي القلب، "والجار الجنب" أي النفس, ورغم أن سهلا ابن عبد الله التستري قال: "احفظوا السواد على البياض (يعني العلم) فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق" [5]؛ إلا أنه هو نفسه فسر "ولا تقربا هذه الشجرة" بقوله: (لم يرد معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد أن لا تهتم بشيء غيري), فقال الشاطبي تعليقا على قوله: "وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس" [6].

ومن محاربتهم لتلاوة القرآن وتعلم علم الحديث ما ذكره الغزالي "أنه رغب مرة في قراءة القرآن فمنعه شيخه الصوفي من ذلك قائلاً " السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية" [7], ونقل عن الداراني قوله "إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلي الدنيا لأن الزهد عندنا ترك كل شئ يشغلك عن الله عز وجل" [8], فجعلت الصوفية تلاوة القرآن وطلب علم الحديث من مشاغل الدنيا ومن الركون إليها, ويعلق ابن الجوزي علي ذلك قائلاً: "عزيز أن يصدر هذا الكلام من فقيه، فإنه لا يخفي قبحه فإنه طر لبساط الشريعة التي حثت علي تلاوة القرآن وطلب العلم" [9] .

فإذا كان هذا الاحتكار لفهم وتفسير القرآن الكريم وتجهيل وصد الناس قد فعلوه بكتاب الله سبحانه فكيف بما فعلوه فيما سواه من كتب العلم من السنة الشريفة وكتب الفقه وغيرها من العلوم الإسلامية؟

وبالجملة فإن الصوفية يعتبرون أن ترك علم الحقيقة والاتجاه إلى علم الشريعة انحطاط في همة المريد -كما يلقبون كل من يلحق بهم- وجعلوه عائقا لمن يناله عن بلوغه طريقهم, فيذكر القشيري أن الدقي سئل عن سوء أدب الفقراء مع الله فقال: "انحطاطهم من الحقيقة إلى العلم" [10], وذكر الغزالي في الإحياء عن الجنيد أنه قال: "أحب للمريد ألا يشغل قلبه بثلاث و إلا تغيرت حاله: التكسب، طلب الحديث، التزوج" [11], وروى أيضا عن أبي سليمان الداراني قوله: إذا طلب الرجل الحديث، أو تزوج، أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا" [12], واثنى ابن عجيبة في فتوحاته الإلهية على قولهما وذكر أنه متفق على قبوله عند الصوفية" [13].

وفي الوقت الذي أهمل فيه القرآن الكريم والسنة الشريفة المطهرة وكتب العلم الشرعي الصحيح ألزم الناس بقراءة أوراد ليس لها أدنى سند شرعي، إلا أهواء الشيوخ والأولياء وكان بعضها بلغة غير عربية أو غير مفهومة إمعانا في تضليل الناس.

- تضييع العبادات والتلاعب بالدين.
----------------------

كما ضيع الصوفية العلم الشرعي ساهموا في تضييع العبادات عند الناس, فصار الدين لعبة يتلاعب بها شيوخهم, فيمكن أن يكون الإنسان وليا صالحا – عند الصوفية – وهو تارك للصلاة لا يصلي جمعا ولا جماعات, ويمكن أن يكون مرتكبا للمنكرات كلها شاربا للخمر زانيا ومرتكبا لكافة أنواع الفواحش ولا يقدح ذلك في ولايته, فيذكر الشعراني في طبقات الصوفية مواصفات وأفعال لمن يدعي أنهم أولياء لا يظهر منها أي اثر للإسلام فضلا عن الولاية فيحكي عن "الشيخ محمد العدل الذي يظل سنة كاملة لا يحضر فيها جمعة ولا جماعة، والشيخ الشربيني الذي لم يكن يحضر الصلوات أبدا, ولما طلب منه جماعة من الفقهاء أن يذهب معهم لصلاة الجمعة اعتذر وقال: (ما لي عادة بذلك), فلما أنكروا عليه قال: "نذهب اليوم لأجلكم", والشيخ شريف المجذوب الذي كان يفطر في نهار رمضان"[14], وغيرهم الكثير جدا من حكايات زندقة وكفر من يدعي أنهم أولياء لله.

بل صار عندهم البله والمجانين والمجاذيب أولياء أيضا لله سبحانه رغم أنهم كفاقدين للعقل ليس عليهم أي تكليف لا يصح منه إيمان ولا عبادة فكيف باعتبارهم أولياء؟, وامتلأت كتب الطبقات والتراجم لديهم بذكر هؤلاء المجانين بهلول المجنون وأبي علي المعتوه وابن القصاب المجنون والشبلي الذي دخل المارستان مرتين وعمر المجذوب وإبراهيم العريان وغيرهم ما لا يستعصي على الحصر"[15].

وضيع الصوفية أيضا العلم الدنيوي الذي يقيم الحضارات ويرفع شأن الأمم, فبعد أن كان المسلمون يعلمون الأمم العلم صور لهم الصوفية أن للكون من يديره وينظمه ويقوم على شأنه وهم أقطاب وأوتاد الصوفيين, فما عليهم إن أرادوا أن ينتصروا على عدوهم سوى اللجوء للولي الحي أو لقبر ولي مدفون.

فعند الرفاعية الصوفية قراءة الفاتحة300 مرة تكفيهم شر عدوهم، أما إهلاكه وقتله فلا يتطلب منهم سوى قراءتها 1000مرة "[16], وعندهم حزب يسمى بحزب السيف القاطع الذي يدعون أن من يداوم عليه لا يخذل ولا يهان ويكون بعين الله وظل رسوله, وهو خلط وتلاعب بترتيب آيات الله تعالى كما يفعل *****ة. ومثاله: "وتقطعت بهم الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، فلما رأينه أكبرنه قالوا تالله لقد آثرك الله علينا إن الله اصطفاه عليكم شاكرا لأنعمه". وبين كل مجموعة من الآيات يكتبون: "أعداؤنا لن يصلوا إلينا بالنفس ولا بالواسطة، لا قدرة لهم على إيصال السوء إلينا بحال من الأحوال"[17].

وصدق السذج من المسلمين ذلك فاستمعوا لشاعر صوفي يناديهم في فتنة التتار وهجومهم الكاسح على الأمة الإسلامية ويقول:

"يا خائفين من التتر

عوذوا بقبر أبي عمر

ينجيكموا من الضرر" [18]

فلاذوا بقبر أبي عمر فما أغنى عنهم شيئا وقتل كل من في بغداد من المسلمين, وذكر الشعراني في الطبقات أن الصوفية لما هجم الصليبيون على ثغر دمياط في الوقعة المشهورة كان الصوفية يعكفون على قراءة رسالة القشيري!!.

- الكسل والقعود وترك العمل والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كان لانتشار عقيدتي الإرجاء والجبر من خلال الصوفية تأثير كبير في ظهور روح السلبية والاستسلام التام في صفوف المسلمين إذ تشابك هذا الانحراف الإرجائي مع مفهومي العبادة والقضاء والقدر عند الصوفية، فتحول مفهوم الزهد الإيجابي الذي حث عليه الإسلام وكان عليه الزهاد الأوائل إلى سلوك سلبي انسحابي يأخذ صورة التفرغ للعبادة في مكان منعزل (مسجد أو زاوية أو خلوة أو ربما كهف في جبل)، في حين اتهم من يتجه إلى معالجة شؤون الدنيا بالدين على انه مقصر ومفرط في عبادته.

وبالتالي تركت فرضيتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك أيضا الجهاد في سبيل الله ضد القوى الاستعمارية الأجنبية التي احتلت بلاد المسلمين، بل كان لهم دور خبيث في إعانة الاستعمار ومساعدته في الاستيلاء على بلاد المسلمين, فصوفية مصر ادخلوا نابليون بونابرت حلقة من حلقات الذكر وألبسوه جبة المشيخة ورحبوا به على أنه قدر الله، وذُكر أنه حمل المسبحة وسمى نفسه الدرويش عبد الله نابليون, وتيجانية المغرب كانوا في خدمة الفرنسيين وساهموا مساهمة فاعلة في ترسيخ أقدامهم في شمال أفريقيا وغربها, وختمية السودان مهدوا الطريق لدخول الإنجليز وثبطوا الناس عن مقاومة المحتل وساهموا في القضاء على الثورة المهدية.

وكما أفقدت الصوفية الأمة روح الجهاد، فقتلت فيهم روح الحياة الكريمة ومقاومة المستبد وتقويم الحاكم بصورتها الشرعية, فدفعت الناس إلى الهروب إلى الزوايا والتكايا والخلوات منكرة عليهم أي تدخل في إصلاح بأمر بمعروف غائب أو نهي عن منكر قائم.

كما ترك السعي على المعايش – على سبيل التدين بذلك - بعد أن أشيعت هذه الروح الكسولة في الأمة حتى قال احدهم: "فلو ترك الشخص العمل وهو قادر عليه غير معتمد على السؤال من شخص معين أو على الشحاذة، بل كان غير متعرض لذلك، واثقاً بربه أنه يسوق إليه رزقه فلا إثم عليه" [19] , وبذلك جعلوا النوم والخمول في الزوايا وترك العمل من التوكل، وصدق وصف أبي بكر الطرطوشي التصوف حين وصفه بأنه مذهب البطالة.

وبإشاعة هذه الروح في الأمة الإسلامية فقدت الأمة قوتها، ولم تستطع التخلص من أوهام الصوفية لقرون طويلة؛ نظرا للإرهاب الفكري الذي يضغطون به على الناس، إذ يمنعون متبعيهم من السؤال تحت قول "من قال لشيخ لِمَ لم يفلح" ويهددون العلماء بتسويق الخرافات للعامة في القصص الخيالية التي يخترعونها، مثل الحكاية التي ساقها النبهاني في جامع كرامات الأولياء فقال: "قال المناوي: قال لي فقيه عصره شيخنا الرملي: إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونُصِبَتْ أوانٍ في غاية الكِبَر، وأُغْلِيَ فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعةٍ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فصُلِقوا فيه حتى تَهَرَّى اللحم والعظم، فقال: ما هؤلاء؟ قال: "الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض" [20], وتعج كتب الصوفية بمثل هذه الخرافات التي يتهددون بها كل من يقترب من عروش سلاطينهم.

ويلخص أبو الحسن الندوي حال المسلمين التي أوصلهم إليها الصوفية في القرون الأخيرة حيث أصبحت لهم القيادة والريادة العلمية في العالم الإسلامي فيقول: "لا بد أن نشير إلى أن ذلك الوسط والعهد (القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين), كان التصوف فيهما قد تغلغل في أحشاء المجتمع الإسلامي، وامتزج بلحمه ودمه، حتى أصبح التصوف له طبيعةً وذوقاً، وسمةً وشعاراً , بل كانت العامة لا تعبأ بعالم أو مرب أو مصلح، ولا تقيم له وزناً، ولا تعتقد فيه الخير والصلاح، ولا تنتفع بمواعظه وكتاباته، ما لم يكن له إلمام بالتصوف والسلوك، ويكون قد صحب بعض المشايخ المعروفين، وانخرط في سلك بعض الطرق السائدة المقبولة في الناس" [21].

فهل كان العلمانيون يحلمون بفرصة أفضل من هذه لنشر فكرتهم الخبيثة في ديار المسلمين؟ تلك الفرصة التي منحها لهم الصوفية عن عمد أو جهل.

ولهذا لوحظ انكباب المستشرقين ومن ورائهم علمانيي العرب على التنقيب عن تراث هؤلاء المنحرفين الزائغين أصحاب فكرة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من الصوفية الأوائل, فيقول د.ناصر الحنيني: "المتأمل في تاريخ هؤلاء الليبراليين يلحظ بجلاء أن انكبابهم على تراث المنحرفين الزائغين من أمثال الصوفية الزنادقة والفلاسفة الملاحدة ـ مع ضعف العلم والبصيرة ـ كان هو نقطة التحول الرهيبة في حياتهم الفكرية مثلما كان هو الشرارة النارية الأولى في تغير نسيجهم الثقافي، حيث يفعل ذلك التراث فعله الفظيع في النفس الإنسانية إذ يغرز فيها حب التفلت والتحرر من أي قيود أو ضوابط شرعية كما أنه يعمق فيها منهج الشك في كل شيء حتى في قطعيات الدين وثوابته الراسخة " [22].

ويلاحظ قطعا أن الحكومات قد تختلف والأنظمة السياسية قد تتصارع ويعقب بعضها بعضا وأن الدول قد تتحارب ولكنهم لا ينحرفون عن فكرة دعم الصوفية في بلدانهم, فهم مسلمون نموذجيون بالنسبة لهم, فلا يهتم الصوفية بشرق أو بغرب, ولا بعدو أو صديق ولا بسياسة ولا بحكم, وكل همهم منصب فقط في ممارسة طقوسهم وبدعهم وخرافاتهم وإقامة موائدهم وموالدهم وقراءة أورادهم ومدائحهم واحتفالات رقصهم وجمع أموال صناديق نذورهم.

وغير خاف ما ذكره الجبرتي عن اهتمام نابليون بونابرت باقامة حفل الصوفية بالمولد النبوي الشريف فقال "سأل صاري العسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم فاعتذر الشيخ البكري بتوقف الأحوال وتعطل الأمور وعدم المصروف فلم يقبل وقال (لابد من ذلك ) واعطى الشيخ البكري ثلاثمائة ريال فرانسة يستعين بها فعلقوا حبالا وقناديل واجتمع الفرنسيس يوم المولد ولعبوا ودقوا طبولهم واحرقوا حراقة في الليل وسواريخ تصعد في الهواء ونفوطا".

وعلق الجبرتي على سبب اهتمام نابليون بالمولد فقال – وهو المؤرخ المعاصر له –: " ورخص الفرنساوية ذلك للناس لما رأوا فيه من الخروج عن الشرائع واجتماع النساء واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات"[23].

وتبعه في ذلك كل قائد محتل للبلاد, فداوم على ذلك المندوب السامي البريطاني، فكما يقول الدكتور عمر فروخ: (يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين يغدقون الجاه والمال على الصوفية, فرب مفوض سام لم يكن يرضى أن يستقبل ذوي القيمة الحقيقة من وجوه البلاد، ثم تراه يسعى إلى زيارة حلقه من حلقات الذكر ويقضي هنالك زيارة سياسية تستغرق الساعات، أليس التصوف الذي على هذا الشكل يقتل عنصر المقاومة في الأمم؟) [24]

ومنذ أن قام نابليون بذلك ومن بعده كل مندوب سام بريطاني – وهم من وضعوا بذور العلمانية في مصر والمشرق الإسلامي ومن رعوها حتى أفرخت - من يومها ولا يتخلف قادة الأنظمة في الدول العلمانية حضور احتفالات وطقوس الفرق الصوفية ويباركونها ويشجعونها بالمال وبالإعلام والحماية والأمن.

ساهم الصوفية في تحويل الإسلام إلى النموذج الذي يرضى عنه الغرب فحولوه إلى طقوس وثنية وأهازيج الشعرية وطبول ومزامير وتمايل ورقص, فرضي الغرب عنهم ورضي العلمانيون بهم وصاروا جميعا يدا واحدة على كل من ينكر على الصوفية تضييعهم للدين وتمزيقهم لدولة الإسلام من النواحي السياسية والاقتصادية والفكرية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مجموع الفتاوى 11/243 باب مناقضة ابن عربي للرسل

[2] مجموع الفتاوى 2/174.

[3] الإمام الدهلوي، (ص:34).

[4] بدوي : شطحات الصوفية /195..

[5] تلبيس إبليس / 325.

[6] القاسمي : محاسن التأويل 1/73.

[7] ميزان العمل للغزالي : 31

[8] الإحياء 1/61 و 2/24 و 2/237 و 4/229 .

[9] تلبيس ابليس 323

[10] الرسالة القشيرية 126.

[11] الإحياء 4: 239.

[12] إحياء علوم الدين 1: 61، 4: 24، 2: 237، 4: 229.

[13] الفتوحات الإلهية 271

[14] طبقات الشعراني 2: 126 و136 و144و150.

[15] كتاب المختار من كلام الأخيار لمحمد علوي 8: 197 وطبقات الشعراني.

[16] الكليّات الأحمدية/89

[17] قلادة الجواهر ص 271

[18] ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)

[19] بغية الطالب للحبشي 264 , وهو عبد الله الهرري الحبشي, يدعو إلى تصوف يقسّم مصادر المسلمين إلى حقيقة وشريعة وظاهر وباطن ويدّعي أخذ العلوم عن الله بما يسمونه "العلم اللدني" والاجتماع بالخضر وبأرواح المشايخ وأخذ البيعة والعهد عنهم وهم في قبورهم وغير ذلك من عقائد الصوفية الباطلة

[20] "جامع كرامات الأولياء" للنبهاني (2/ 218) ط. دار صادر - بيروت.

[21] الإمام السرهندي حياته وأعماله، (ص:124).

[22] التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 20

[23] تاريخ عجائب الآثار(2/306):

[24] "الألوهية في العقايد الشعبية"ص(36-37).

---------------------------------------
رد مع اقتباس
  #90  
قديم 09-29-2014, 07:58 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة هل وصل النموذج العلماني الفرنسي إلى الانسداد

هل وصل النموذج العلماني الفرنسي إلى الانسداد*
ــــــــــــــــــــــــــ

5 / 12 / 1435 هــ
29 / 9 / 2014 م
ـــــــــــ



برز في الآونة الأخيرة حدثان بارزان في الساحة الفرنسية، يعكسان تحولا كبيرا في النقاش المجتمعي الفرنسي، ويعكسان توترا في النظرة إلى قضايا القيم والأسرة، ويضعان النموذج العلماني الفرنسي في المحك.

الحدث الأول: موقف وزير الداخلية الفرنسي من المظاهرات المطالبة بتغيير قانون الإجهاض وتضييقه على غرار ما وقع في إسبانيا.
فقد صرح وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس في لقاء للفريق الاشتراكي في جمعه الوطني حول وجود خطر ديني يتهدد فرنسا، وضرورة إعلان حرب من أجل تحصين العلمانية في فرنسا، وهو التصريح الذي يثير تساؤلات عميقة.
ينبغي الإشارة أولا، أن هذا الموقف جاء عقب معارضة شديدة لمكونات مجتمعية فرنسية لقوانين تخص المرأة والأسرة، وتحديدا، ما يعرف بقانون "توبيرا" الذي يرخص بزواج الشواذ، والقانون الجديد حول الإجهاض، والذي أثار ردود فعل غاضبة، وصلت حد تنظيم مظاهرة في قلب باريس ضمت 16 ألف متظاهر حسب تقديرات وزارة الداخلية، و40 ألف متظاهر حسب تقديرات المتظاهرين.
بمعنى أن الباعث لهذا التصريح لا علاقة له بشكل من أشكال التطرف الديني المعروفة، مما قد يكون له صلة بنشر الكراهية أو العنصرية، أو العنف أو التحريض أو التمييز، وإنما يتعلق الأمر بوجهة نظر لها مستند من الدين، كما لها أيضا مستند وتأويل من داخل المرجعية الحقوقية، فمناهضة الإجهاض اليوم، في كثير من بلدان العالم، وبشكل خاص الدول العلمانية، لا تتم فقط بخلفية دينية، بل أيضا بخلفية حقوقية، تستند إلى الحق في الحياة، ويتم التعامل معها، كما في الولايات المتحدة الأمريكية بقدر كبير من المرونة، بل مثل هذه القضايا المجتمعية الخلافية، يتم فيها الحسم مجتمعيا، ولا تنتصب العلمانية فيها كسلطة حاسمة ضد توجهات الرأي العام أو جزء عريض منه.
والحقيقة، أن إشهار ورقة العلمانية كمقدس من أجل مصادرة توجهات للرأي العام، تنبئ عن وجود مأزق ما، لا ينبغي تغطيته بإعلان النفير، والزعم بوجود خطر يتهدد العلمانية، وإنما ينبغي طرح أسئلة أخرى مقارنة، تبحث السبب الذي جعل المشكلة تثار في فرنسا بهذه الحدة، ولا تثار في مجتمعات أوربية علمانية بهذا الشكل، ولماذا استطاعت علمانيات أخرى أن تستوعب هذا الخلاف المجتمعي وتجتهد في إيجاد آليات لتصريفه، بينما لم تجد العلمانية في فرنسا إلا سلاح إعلان الحرب.
صحيح أن المشكلة قامت أول ما قامت في إسبانيا، ولم يستطع اشتراكيو إسبانيا أن يتقبلوا القانون الجديد المضيق لحالات الإجهاض، واعتبروا ذلك تراجعا نحو الوراء، لكن في نهاية المطاف، احتكم الناس إلى الآليات الديمقراطية، ومر القانون، وللاشتراكيين الإسبان جولات أخرى، يمكن لهم في الولايات القادمة أن تيسر لهم النجاح في الانتخابات أن يعيدوا النظر في القانون، ويرجعوا مقتضيات قانون 2010 إلى سابق عهدها.
المفارقة في فرنسا، أن الأمر لم يقتصر فقط على إعلان الحرب على التيار المحافظ ، بل وصل إلى درجة الضغط على إسبانيا من أجل سحب القانون، لأنه في اعتقادهم هو الذي أعطى موطئ قدم للمحافظين لكي يعيدوا تنظيم صفوفهم، وينزلوا بتلك القوة إلى الشارع !
السؤال المقارن، والذي يستقرئ التجارب العلمانية على طول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، يخلص إلى أن المأزق يوجد في النموذج العلماني الفرنسي، الموغل في تضييق مساحة حضور الدين في المجال العام، وعدم وجود أي مرونة تأويلية تجنبه حالات الصدام الخطيرة التي ستنشأ تباعا بسبب عدم القدرة على التحكم في سيرورة وتطور المجتمع، إذ كان يمكن، بدل التفكير في العوامل التي تغذي الفكر المحافظ في المجتمع الفرنسي، أن يتم التفكير في بدائل أخرى تجنب فرنسا الوقوع في فخ تنميط المجتمع العلماني، ومحاربة خاصية الاستيعاب العلماني.
في لقاء سابق لوزير شؤون العبادة، ووزير الداخلية الفرنسي، مانويل فالس مع الجاليات المسلمة، صرح بأنه لا تعارض مع الإسلام والعلمانية، وأن العلمانية تحمي وتوفر الإطار للعيش المشترك، لكنه اليوم، لا يفعل بإعلانه الحرب على التيار المحافظ، أكثر من البرهنة على أن العلمانية الفرنسية- على الأقل بالتأويل الذي عبر عنه الإشتراكيون- لم تعد قادرة على استيعاب حتى المسيحيين الفرنسيين، فبالأحرى غيرهم من ديانات أخرى.
المشكلة، واضحة، وهي أن العلمانية الفرنسية، تواجه اليوم، وكما واجهت بالأمس، مأزق تضييقها لمجال حضور الدين في الفضاء العام، وقد مر لها في السابق قانون حظر الحجاب مع كل الحرج الذي وضعت فيه الجمهورية الفرنسية بسبب احتجاجها بمنطق الهوية الفرنسية عوض منطق الحقوق والحريات المؤسسة لمبادئ الجمهورية، لكن، اليوم، يبدو أن القضية تجاوزت الحرب على ما يسمى الرموز الدينية، ووصل إلى قناعات وتوجهات جزء عريض من المجتمع الفرنسي تخص بالتحديد قضية المرأة والأسرة وشكل العائلة التي يريدها الفرنسيون.
التقدير أن الحل البسيط، الذي عبر عنه وزير الداخلية الفرنسي، يدل في جوهره على وجود أزمة في النموذج العلماني الفرنسي، وأنه لم يفعل أكثر من التغطية على ذلك، بافتعال وجود خصم يهدد هذا النموذج، ويستوجب إعلان حرب مقدسة ضده باسم مبادئ الجمهورية وحماية لها، في حين أن الحل كان ينبغي أن يتوجه إلى البحث عن خيارات أخرى لإغناء النموذج العلماني الفرنسي، ومده بأسباب المرونة، وابتكار صيغ لاستيعاب حضور الدين في الفضاء العام من غير الاضطرار إلى خلق شرخ مجتمعي مكونات الشعب الفرنسي.

الحدث الثاني: وهو موجة الغضب التي اجتاحت شرائح واسعة من الشعب الفرنسي ضدا على برنامج تجريب لتدريس مقاربة النوع الاجتماعي في المدارس الفرنسية، والذي تسبب في خروج مظاهرات صاخبة تطالب بحماية الأسرة الطبيعية وحق الأبناء في أن يعيشوا تحت سقف أسرة يظللهم فيها ويدفئهم حنان الأم..
إذ احتدم مرة أخرى النقاش القيمي في فرنسا، وأخذ أبعادا لم تكن متوقعة بهذا الحجم في شوارع فرنسا، إذ تظاهر آلاف الفرنسيين في العاصمة باريس ومدينة ليون ضد حزمة قوانين خاصة بالأسرة أقرتها حكومة الاشتراكيين. فبعد الاحتجاج على قانون زواج المثليين وقانون التبني وقانون الإجهاض، كبرت كرة الثلج، لما أقدمت الحكومة على تدريس نظرية النوع الاجتماعي للأطفال في المؤسسات التعليمية.
اللافت للانتباه، وخلافا لما تبادر للذهن لأول مرة من أن اليمين هو من كان وراء المظاهرة، اجتمعت أطياف مختلفة من المجتمع الفرنسي في مظاهرات حاشدة قدرها منظموها بحوالي 500 ألف متظاهر في باريس و 40 ألف بليون، للاحتجاج على تدريس هذه النظرية للأطفال.
لا يهمنا في هذا المقال طبيعة السجال والاتهامات بين المتظاهرين والحكومة، إنما الذي يهمنا بدرجة أولى هو تواتر المؤشرات التي تشهد على وجود توتر في النسيج المجتمعي الفرنسي سببه بالأساس محاولة السلطة فرض منظومة فكرية ليست محل توافق بين مكونات المجتمع الفرنسي، إلى الدرجة التي بدأ فيها الحديث عن تغيير الطبيعة الأسرية في فرنسا، بحيث صار هناك خوف كبير من المدرسة بسبب الاعتقاد بأنها ستلقن التلاميذ قيما أخرى مخالفة لفطرتهم، تجعلهم لا يميزون بين الذكر والأثنى، ووظائف كل واحد على حدة، بل تجعل الآباء يسلمون الأبناء لمدرسة يعتقدون أنها تجهز على طبيعة الأسرة. وهذا ما جعلهم في حالة "فوبيا" خطيرة دفعتهم للخروج في مظاهرة حاشدة فاقت كل التوقعات.
والحقيقة أن الذي يتأمل مسار الاحتجاج وحجمه ووتيرته وتكيف رد الفعل الحكومي معه، يتبين له أن الحكومة لاسيما في المظاهرة الأخيرة، أخطأت التقدير حين اعتبرت أن معركتها هي مع أقلية يمثلها اليمين الكاثوليكي، وتأكد لها أن الأمر أكبر من مجرد طيف سياسي محدود الحجم في المشهد السياسي، وأن الإصرار على المضي في هذه الطريق يمكن أن يخلق زلزالا عميقا في فرنسا، وهو الأمر الذي جعل الحكومة تسارع إلى نفي وجود أي برنامج تجريبي لتدريس مقاربة النوع الاجتماعي في المدارس.
هذه الملاحظة تقود إلى ملاحظة أخرى، تتعلق بما هو أشمل، أي بالنموذج العلماني الفرنسي، الذي يوجد اليوم على محك واختبار حقيقي، لا ندري إلى أي حد سيستطيع أن يمر منه، وما الصيغة التي سينتجها للخروج من هذا المأزق؟ وهل سيكون الحل سياسيا؟ أي سحب هذه المشاريع وتجميدها بحجة عدم تهيؤ المجتمع الفرنسي لقبولها؟ أم سيتم فتح نقاش فلسفي عميق حول ضيق الاستيعاب في النموذج العلماني الفرنسي وآفاق الاستدراك الممكنة لأعطابه؟
في النموذج العلماني الأمريكي، هناك نقاش محتدم بين مكونات المجتمع، وهناك تمايزات واضحة بين الولايات المختلفة حول زواج المثليين والإجهاض وغيرها، لكن هذا النموذج يفتح المجال لدور فاعل للدين في الفضاء العام، ولا يستبعد التيارات المحافظة من صياغة المشهد العام إن استطاعت أن تعبئه، ولذلك، تلعب الآلية الديمقراطية (التصويت) و (التداول) وظيفة امتصاص التوتر المجتمعي، وما يكون مصادقا عليه في هذه الولاية قد يراجع في الولاية القادمة. أما في فرنسا، فيضيق مجال تدخل الدين في الفضاء العام، ويفاجأ هذا النموذج بمعارضة قوية من التيار المحافظ حينما تعتزم الحكومة الاستقواء بشرعيتها الانتخابية والسلطة للحسم في هذه القضايا المجتمعية الحساسة، مما يعني في المحصلة، أن هذا النموذج لم ينجح في تغييب دور الدين في الفضاء العام، وأنه سيضطر كل حين إلى البحث عن صيغ لتدبير التوتر المجتمعي ما لم يتم إعادة التفكير في توسيع خاصية الاستيعاب في النموذج العلماني.
أما الملاحظة الثالثة، فتتعلق بطبيعة الموضوع الذي يثير التوتر، أي موضوع الأسرة، فهذا الموضوع يؤكد بأن النموذج العلماني عجز لحد الآن أن يقدم تصورا بديلا للتصور الذي يقدمه الدين للأسرة، وأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي راهنت العلمنة عليها لخلق قاعدة واسعة من المقتنعين بنموذجها القيمي، لم تساعدها في ذلك، بل أججت التوتر وأعطته أبعادا أكثر راديكالية، وهو ما صار يفرض مراجعة العديد من المسلمات الحتمية التي قامت على أساسها الحداثة، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية ستؤول إلى تفكيك القيم التقليدية.

نموذج آخر من الولايات المتحدة الأمريكية:
--------------------------

حراك آخر حول مناهضة الإجهاض انطلق، لكن هذه المرة في الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد إسبانيا التي أقرت قانونا جديدا يضيق مجال الإجهاض إلى أضيق حد، وبعد المظاهرة الكبيرة التي تحركت في شوارع باريس تطالب بالاحتذاء بالنموذج الإسباني وحماية الأسرة الفرنسية، أقدم التيار الجمهوري المحافظ في أمريكا على تقديم مقترح قانون لمجلس النواب يقضي بعدم تعويض شركات التأمين لعمليات الإجهاض، والذي تم تبنيه الثلاثاء الماضي من قبل مجلس النواب بتصويت 227 مقابل 188 صوتا من المعارضين الديمقراطيين.
ومع أن هذا القانون سيتم عرضه على الغرفة الأخرى للكونغرس، ويمكن أن يجد معارضة قوية من قبل الديمقراطيين، إلا أن مجرد طرح مشروع قانون بهذه الصيغة، يعطي صورة للجدل المجتمعي حول قضية الإجهاض في المجتمع الأمريكي، وحجم الإبداع والاجتهاد في تحويل هذه الأفكار إلى قوانين وسياسات عمومية بين مكونات المجتمع الأمريكي، فبعد أن نجح الجمهوريون في يوينو الماضي في تمرير قرار في جلس النواب بمنع الإجهاض في 20 أسبوع من الحمل، جاء هذا القانون الجديد ليجعل منع استعمال المال العام في عملية الإجهاض، كليا ودائما، وبل وممتدا حتى إلى القطاع الخاص، مع استثناء حالتين اثنتين فقط، تماما كما هو القانون الإسباني، أي حالة تعرض صحة المرأة إلى الخطر، أو حالة الاغتصاب.

هذه الدينامية المجتمعية التي تعرفها المجتمعات في كثير من بلدان العالم، لا سيما منها العلمانية،
تسمح باستنتاج ثلاث دلالات أساسية:
----------------------

(1) الأولى، أن قضية منع الإجهاض أو تقييد السماح به، ليست مقصورة على المجتمعات الإسلامية، وإنما هي ظاهرة عامة في جميع بلدان العالم، وأنها إن كانت اليوم تبدو مرتبطة باليمين المحافظ أو بالتيار المحافظ بسبب دور التوجه الديني في تحديد مفهوم العائلة والأسرة، فيمكن أن تتحول في الآماد المتوسطة والبعيدة إلى ظاهرة حقوقية، ويصير لها أنصار من خارج التيار المحافظ، ممن يناصرون الحق في الحياة، ويدافعون عن الأسرة الطبيعية.

(2) الثانية، أن النموذج العلماني الأمريكي، لا يضيق بوجود تيارات محافظة تجتهد في بلورة أفكارها وتحويلها إلى قوانين وسياسات عمومية، وأنه لا يعمل سلطة العلمانية لمنع تأثير الدين في الفضاء العام، بل بالعكس من ذلك، تتعايش الأطروحات المستندة إلى مرجعيات مختلفة، وتكون كلمة الجسم للآليات الديمقراطية، خلافا للنموذج الفرنسي الذي يستعمل سلطة العلمانية لمصادرة حق مكونات مجتمعية في تبني أفكار مستندة إلى قناعاتهم الدينية بل والحقوقية أيضا.

(3) الثالثة، أنه ليس هناك من إمكانية لاستيعاب التطور المجتمعي والتعاطي مع التعددية الفكرية، إلا بصيغة تجمع بين ضمان حق الآخرين في الاستناد إلى مراجعاتهم في طرح الأفكار والسياسات العمومية التي يقترحونها، وبين الاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في الحسم، مع ترسيخ مبدأ التداول على السلطة، بما يعنيه هذا المبدأ من إمكانية مراجعة القوانين، وتجديد النقاش المجتمعي حول كل القضايا المجتمعية الحساسة.

بكلمة، الخلاصة الكبيرة التي يمكن أن نستفيدها من تأمل هذه الدينامية المجتمعية التي انطلقت في العالم حول قضية الإجهاض، هي أن المشكلة ليست في حضور الدين في الفضاء العام، ولا في تأثيره في صناعة قناعات مكونات مهمة في المجتمع، وإنما المشكلة تتمثل في ضيق أفق النماذج السياسية لدى بعض الدول في استيعاب هذه الحقائق السوسيولوجية وتأطيرها بالآليات الديمقراطية التي تفرض على هذه المكونات تحويل هذه الأفكار إلى سياسات عمومية تتمتع بنفس شروط التعامل الديمقراطي التي تتمتع به مشاريع القوانين الأخرى، ويكون التصويت عليها تأييدا أو رفضا مدعاة إلى إعادة تجديد الدينامية السياسية للتيارات المختلفة في المجتمع والبحث عن مصادر قوة جديدة لدعم المواقف والمواقع معا.

هذا هو الدرس البارز الذي ينبغي أن نستفيده، من هذه التجربة، وهو الذي يعطينا يقينا بأن النماذج العلمانية التي تتمتع بقدر محدود من خاصية الاستيعاب مثل النموذج الفرنسي، ستجد نفسها في المدى المتوسط والبعيد عاجزة عن تقديم جواب عن التطور المجتمعي المرتقب، إلا أن تبادر إلى إعادة النظر في أسس نموذجها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{م: نماء للبحوث والدراسات}
ــــــــــــــــــــ
رد مع اقتباس
  #91  
قديم 10-11-2014, 09:38 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين

محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(د. أحمد إبراهيم خضر)
ــــــــــــ

17 / 12 / 1435 هــ
11 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ



محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين

في كتابه "سؤال الهوية" وجه التنويري الماركسي المتطرف "شريف يونس"، لائحة اتهام لرفاقه التنويرين، وإن كان قد تحفظ في اعتبار ما قاله بأنه لائحة اتهام.

أقرَّ يونسبأن ظاهرة التنوير ظاهرة نشِطت في السنوات الأخيرة، وأنه قد مضى وقت كاف على نشاطها العلني، وعلو صوتها الملموس في المنابر الحكومية وغير الحكومية، طرحت نفسها للناس على أنها "سلطة" و"كمبدأ مقدس"، بادرت باستخدام جميع أسلحة الإرهاب الفكري ضد خصومها؛ لأن المسألة كانت بالنسبة لها "مسألة حرب": سلطة أمام سلطة، ومبدأ مقدس أمام مبدأ آخر مقدس، خصومها يدافعون عن "الله"، وهي تدافع عن الوطن والحرية والديموقراطية، ورغم ذلك فقد حدث لهذه الظاهرة تدهور خطير صحبها منذ بدايتها ذاتها، وترافُقٌ مع عُلو صوتها، جعلها دائمًا في موقع الدفاع.

العلمانية التي نادت بها، كما يرى "يونس" هي علمانية منافقة، ليس من شأنها سوى تأكيد موقفها الدفاعي هذا، دون أمل في الخروج منه، اضطرت دومًا للتراجع المستمر كلما اشتد هجوم خصومها، وإلى جانب ذلك فهي "علمانية مبتورة"، أصبحت قضيتها "قضية نخبة" أو نحلة مضهدة تمارس تقية مكشوفة، تغطي بها على أفكار حكم عليها أصحابها أنفسهم بأنها لا تصلح للتداول العام، وأنها أشبه "بجيتو يهودي" مستقل سياسيًّا وأيديولوجيًّا، ولو فرض امتداد هذا الخط على استقامته، فسيتحول كما يرى "يونس" إلى أصولية جديدة، سرية، تقوم مع انعزالها المتزايد "بتكفير" المجتمع باسم "العقل المجرد والتقدم"، وقد تبحث لنفسها عن هجرة تحتمي بها مما يسميه "يونس" الجاهلية الإسلامية القادمة".

حدد "يونس" لائحة الاتهام لرفاقه التنويرين على النحو التالي:
التنويريون يثبون على الفجوة التي تحدث بين الإسلاميين والسلطة، ويرتمون في أحضان السلطة لتدفع عنهم ما يسميه "بالشيطان الرجيم" ممثلاً في الإسلاميين، يستعدون السلطة عليهم، ويحاولون إقناعها بخطورتهم، ويطالبونها بتحكيم العقل التنويري وبالديموقراطية والحرية في نفس الوقت الذي يصرون فيه على إبعاد الإسلاميين عن وسائل الإعلام، والعمل على الحد من تأثير دعايتهم على الناس، والالتصاق الشديد بالسلطة مقابل غير معلن: إنه التحرك في إطار خطة النظام القائم، وعلى هذا الأساس فإن التنوير الحالي لا يقدم سوى مشروع سياسي وحيد، هو تقوية الدولة القائمة، فهو تابع لها، موالٍ لنظامها، يكيف مبادئه على مقاس احتياجات النظام الذي لا يطلب تنويرًا حقيقيًّا، إنما يطلب فقط صيحات استنكار ضد الإسلاميين.

أدركت السلطة ذاتها كما يرى "يونس" ما يسميه هو نفسه "بهزال التنوير المعاصر"، فعمَدت إلى استدعاء الموتى من كتاب التنويريين القدامى؛ لينوبوا عن التنويرين الأحياء في مواجهة الإسلاميين، فقامت بإعادة طبع كتب التنوير القديمة، لكنها حذفت منها هذه النصوص المثيرة للإسلاميين؛ مما يعني فقْد قدرتها على المواجهة، بالرغم من أن هذه النصوص في حد ذاتها ذات طبيعة مراوغة تمثل مراوغة أصحابها ذاتهم كما يرى يونس.

والمعركة مع الإسلاميين في نظر "يونس" ليست معركة نصوص، وإنما هي معركة سياسية اجتماعية أيديولوجية حية؛ ولهذا فإن الإسلاميين لا يستمدون قوتهم من إعادة طبع الكتب القديمة ككتب ابن كثير مثلاً، وإنما من أعمال مفكرين إسلاميين أحياء، يطرحون إجابات إسلامية لقضايا الواقع المعاصر، وفي إطار هذا الطرح تأتي استعادة أفكار ابن كثير وغيره.

التنوير لا يخشى السلطة أساسًا، وإنما يخشى الجماهير، إنه يرتعب من الجماهير ومن التدين الشعبي التقليدي.

وصف "يونس" هذه الجماهير بأنها "هذا الكيان الجمعي المجهول الغامض، المثير للرعب بمجهوليته ذاتها، والذي يتضخم شبحه مع تزايُد انعزال التنوير جماهيريًّا، وإحجامه عن التوجه الفعال الصريح برسالة محددة ذات قيمة لهذه الجماهير".

التنوير لم ينجح - من فرْط رُعبه من الجماهير - أن يقدم لها شيئًا له قيمة،بل إنه متَّهم بتغريب هذه الجماهير، واستخدام هذا التغريب كأداة للتحديث لصالح الطبقة الحاكمة على حساب الجماهير، ويتساءل "يونس": "ما الذي يقدمه التنوير؟ فكرة الوطن، الوحدة الوطنية؟ المجد القومي؟

إنه لا يوضح لنا وطنَ مَن، ولا مجد مَن، وقصارى ما يطرق في هذا الصدد هو وطن التسامح الديني، وهو محتوى سلبي.

في مقابل ذلك يطرح الإسلاميون فكرة العروبة في إطار رؤيتهم الخاصة، فيتحدثون عن عزة العرب في ظل الإسلام، وقوة الإسلام على قيادة نهضة قومية.

ماذا يطرح التنوير أيضًا؟ الديموقراطية؟ وماذا تفعل الديموقراطية في ظل غياب محتوى ملموس لها؛ أي: في ظل غياب أيديولوجية علمانية صريحة منسقة مدافعة عن حقوق الجماهير في تنظيم نفسها للدفاع عن مصالحها".

والعلمانية المعاصرة عند "يونس" تخشى الديموقراطية خشية الموت، وهي لم تنسَ بعدُ درسَ "الانتخابات الجزائرية" التي وقفت منها موقفًا مُخزيًا، مؤيدًا عمليًّا للانقلاب على حد قوله.

ليس للتنويرين مشروعًا يتقدمون به إلى الجماهير، يربطون به بين مصالحهم والعلمانية، فهم يرفعون راية الوطنية في مواجهة راية الإسلاميين، ويقدمونها على أنها التفسير الصحيح للإسلام، ولكن في صورة وصفها "يونس" بأنها "غريبة لا تقنع أحدًا"، ادَّعوا أن نشاط الإسلاميين ما هو إلا "إرهاب متستر بالدين"، ثم تطوعوا بتعيين أنفسهم فقهاء للإسلام، يقدمون تفسيرًا له يرون أنه صحيح، ولكن في مشهد وصفه "يونس" أيضًا بأنه "مشهد كوميدي عجيب".

"القومية" كبديل يقدمه التنوير، بديل عاجز وغير مكافئ لما يقدمه الإسلاميون، و"القومية" هي في التحليل الأخير مفهوم سياسي يستند إلى طرح ضعيف عن خصوصية الأمة المعنية، وهو في نظر الإسلاميين طرح "متخلف فقير للغاية" إذا قورن بالمبدأ الأممي للإسلام الذي يطرح نفسه كرسالة عالمية،وبالإضافة إلى ذلك فإن مبدأ القومية عاجز عن حمل مشروع اجتماعي واضح يقوم على موقف من التناقضات الداخلية في الأمة، في حين أن الإسلاميين يطرحون عبر مبدأ "حاكمية النص" مشروعات اجتماعية محددة.

وهكذا أثبت الإسلاميون على اختلاف توجُّهاتهم في كل معاركهم مع العلمانيين قدرتهم على تحطيم ما يسميه "يونس" بالمتاريس الورقية؛ سواء باستيعاب مبدأي القومية والتسامح الديني داخل الإطار الإسلامي (جزئيًّا)، أو برفضهما، انطلاقًا من مبدأ "حاكمية النص"، وفي كلتا الحالتين يطرح الإسلاميون موقفهم براحة تامة في إطار محاكمة العلمانية من وجهة نظر تفسيرهم للنص، وإذا لزم الأمر فباستطاعتهم - ببساطة متناهية - رفْع شعارات "الجنسية الإسلامية" في مواجهة مبدأ "القومية"، ونظرية "أهل الذمة" في مواجهة مبدأ "المواطنة"، ودفع التنويرين إلى الدفاع عن إسلامهم، حتى وصل الأمر بالبعض من المفكرين العلمانيين إلى الرد على تهمة التكفير بتكفير مضاد، فاندفعوا لتسمية خصومهم "بالمتأسلمين" في الوقت الذي يجلسون فيه هم على المنصات، يشرحون عبرها فَهمهم الخاص للإسلام، ويظهرون بمظهر "الفقهاء" ليخفوا - بغير نجاح كبير - حقيقة العلماني المهزوم، بنفس عبارات "يونس".

العلمانية المعاصرة تتجنب بالذات الاشتباك مع جوهر الطرح الإسلامي، وهو "حاكمية النص"، وخاصة في كتابات المفكرين الإسلاميين البارزين، اللهم إلا ما يمكن تصيده من عباراتهم مما يراه "يونس" بأنه يصدم الرأي العام؛ كالتكفير، أو الأفكار الوطنية، ويلجؤون بدلاً من ذلك إلى ما يسميه "يونس"باللف والدوران".

العلمانيون عجزوا كما يرى "يونس" عن الدفاع عن علمانيتهم إلا بشكل مُلتوٍ، ومحاولة البحث عن تناقضات في فكر الإسلاميين، وحتى في هذه الحالة لا يَعجِز الإسلاميون عن دحر العلمانيين، ويتحدد مفهوم "الحاكمية" عند "يونس" بمبدأ الطاعة والخضوع للنص أو تأويلاته المحددة، والذي يؤكد نفسه عبر سلسلة أوامر تفصيلية لتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية، تطرح نفسها باعتبارها تفسيرًا مطابقًا للنص ذاته.

ويتكامل هذا الطرح كأيديولوجية عبر تجسيده في تفسير التاريخ، والإسلام في كل تفسيراته عند "يونس" دين ودولة، وهو يعني إخضاع الكِيان الاجتماعى لأحكام فقهية، وهذا أمر يلقي اتفاقًا يمتد من الأزهر وحتى ما يسميه يونس "بالتكفير والهجرة"، فالإسلام في المقام الأول مبدأ شامل ينظم كل مناحي الحياة، يمتد من الخوف من المعاصي والعادات والآداب التي لا تنتهي، لتحكم كل تفاصيل الحياة بدءًا من دخول دورة المياه والسلوك داخلها، إلى علاقة الإنسان بربه وامتدادها إلى علاقتها بالبشر،كل هذا يتعيَّن فرضه فرضًا.

ويضيف "يونس": إن مبدأ الحاكمية يقوم على أساس المساواة بين البشر، وعلى أساس راسخ مفاده وجود علاقة تعبُّدية بين الإنسان والله، دور الإنسان فيها أو دور الصفوة عمليًّا هو استطلاع الأوامر الإلهية وتنفيذها حرفيًّا، بغض النظر عن السياق التاريخي والاجتماعي المعاصر، "فالله" في الإسلام، يشار إليه ليس بوصفه خالقًا أو راعيًا فقط، ولكن كسلطة تعلو كل فرد على حدة؛ بحيث لا تقام رابطة بين هذا الفرد وغيره من البشر، أو حتى بالطبيعة إلا عبر الأوامر الإلهية كما يحددها فقهاء الإسلام، ولمواجهة هذا المبدأ الإسلامي لجأ العلمانيون إلى التمسك بمبدأ "مطاطية النصوص"، وهذا من شأنه في نظر "يونس" أن يجرد المطلب العلماني ذاته من أي معنى.

والطرح العلماني في نظر "يونس" إنما يريد التخلص من حاكمية النص عن وعي وإدراك كاملين بمخاطر محتواه، وهو محتوى تشكَّل تاريخيًّا عن طريق الفقه، واتهام "يونس" للتنويرين هنا يكمن في أنهم لجؤوا إلى التمسك بمبدأ "مطاطية النصوص" في الوقت الذي كان عليهم كما يرى "يونس" أن يرفضوا رفضًا صريحًا مبدأ "حاكمية النص"؛ لأنه يمثل في نظره إخلالاً بقيم الحرية والفردية والمواطنة، والنزعة الإنسانية عمومًا.

الطرح العلماني - كما يرى يونس - يحاول قصر نفسه بقدر الإمكان على المستوى السياسي، فيزيد من حدة التشهير السياسي بالإسلاميين؛ ولهذا تنحصر المواجهة في مسألة ما يسميه "يونس" بالإرهاب، وأساسها الفقهي "التكفير" على حد قوله.

أما دفاع التنويرين عن قضايا؛ مثل: حرية المرأة، والعدالة الاجتماعية أو الديموقراطية، أو حقوق الأقليات المسيحية - فهو دفاع لا يواجهون فيه مباشرة الطرح الإسلامي لهذه القضايا، ولا يتعرضون لمسألة الرفض الصريح لسلطة النص أو لمبدأ إسلامية الدولة والمجتمع، وهذا يعني أن التنويرين لا يستبعدون الأساس الأيديولوجي الضروري لمثل هذا الطرح، والإقرار بمرجعيته بشكل غير مباشر، في حين أن الطرح الإسلامي يتميز عن الطرح العلماني كما يرى "يونس" في أنه يضع نفسه مباشرة في مواجهة صريحة مع العلمانية ورموزها، هذا فضلاً عن أن "الإسلاميين الجدد" يطرحون مبدأ حاكمية النص بارتباطه بالثقافة السائدة عند الجمهور، وبوصفه طوق نجاة دنيوي لهذه الجماهير المقهورة.

الممارسة الحالية للعلمانية تَنِمُّ عن قبول ضمني أو صريح لمسألة إسلامية الجماهير - كما أشرنا أعلاه - ترتب على ذلك أن أصبحت العلمانية ذاتها محل شكٍّ؛ سواء من حيث معناها، أو قيمتها؛ لأنه تضمن التسليم بجوهر الطرح الإسلامي الذي يرفع الدين إلى ما يسميه "يونس" بأيديولوجية شاملة، نابعة مباشرة من وعي الجماهير وتراثها، الأمر الذي يستدعي قبول أطروحة بعض العلمانيين القائلة: "إن الإسلام هو الأيديولوجية المؤهلة للدفاع عن حق الجماهير في الحياة، والحد من امتيازات الطبقة العليا التي تتمثل القيم الغربية أو بالأحرى مظاهرها بدرجة أو بأخرى، وتتخذها سدًّا للحفاظ على امتيازاتها وتبريرها.

العلمانية عند "يونس" هي المبدأ الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، والتعليم العام، وتحويل الدين إلى شأن خاص بالفرد، وكفالة حق الأفراد بتغيير عقائدهم كيف شاؤوا، دون اعتبار ذلك إخلالاً بالنظام العام، ورفض ادِّعاءات أتباع أي دين أو مِلة بأن من حقهم فرض تصوُّراتهم الخاصة على المجتمع،وتنطلق العلمانية عند "يونس" من رؤية إنسانية غير دينية للعالم، تحرِّر الفرد من الخضوع لما يسميه "بالقهر" باسم الغيبي والمطلق والمقدس، وتأكيد مسؤولية الإنسان وليس "الله" عن عدله ونظامه الاجتماعى بأوسع معنى للكلمة.

هذه المطالب عند "يونس" هي أسس فكرية لا مجرد مبادئ يصفها بأنها "صحيحة" في حد ذاتها، بل هي شروط ضرورية في نظره للتقدم التاريخي، تحرر البشر مما يسميه بأشكال القهر والوصاية الفكرية، وتُمكنهم من بناء عالمهم بحرية، وفي ظل النظام العلماني لا يجوز للدولة أن تستند إلى مرجعية دينية من أي نوع، ولا يجوز لها أن تَحجُر النقاش الحر حول الأديان والعقائد، وعلى الدولة في نظر "يونس" أن تحمي حق نقد الأديان، والمسألة الجوهرية عند "يونس" هي تحرير الفكر والممارسات السياسية والاجتماعية من الدين أو التقيد بأي مرجعية دينية.

يتَّهم "يونس" التنويرين بأن شاغلهم الأساسي أصبح هو التهرب من هذه المسألة، وأنهم قد فشِلوا تحت وطأة حركة الإسلاميين من الدفاع عن حريتهم المطلقة في التعبير، وجنحوا في مقابل ذلك إلى الدفاع عن صحة إسلامهم؛ مما يعني في نظر "يونس" التسليم الضمني بحق قتل المرتد عن الإسلام، ومِن ثَمَّ انعدام القدرة على الدفاع عن حرية الفكر.

نجح الإسلاميون في دحْر التنويرين بعد أن أدركوا ضَعف موقفهم العلماني، فالتنوير كما يرى "يونس" عاجز عن طرح رؤية أيديولوجية علمانية صريحة في مواجهة الإسلاميين، فهو لا يستطيع مثلاً طرح "قيم جنسية تحرُّرية ترتبط بالمرأة"، وترتعد فرائصه أمام تهمة "الإباحية"، كما يرعب بشدة من تُهمة الإلحاد، ولا يستطيع الدفاع بشجاعة عن قيم التحرر الاجتماعي بوصفها قِيَمًا إيجابية، وهكذا...

ومن هنا حاصر الإسلاميون العلمانيين، ثم اتبعوا معهم تكتيك "تهدئة المواقف" بدلاً من الهجوم، فأطلقوا الوعود بالحفاظ على حد أدنى من الحريات في ظل الحكم الإسلامي المرتقب؛ سواء للعلمانيين، أو الأقليات الدينية.

ويرى "يونس" أن هذا موقف طبيعي من جانب أيديولوجية متكاملة تُجاه بضع أُطروحات واعتراضات جزئية، لا ترمي في نهاية المطاف إلا إلى الدفاع عن فئة محاصرة، لم تتمكَّن من طرح نفسها أصلاً كمنافسٍ كفءٍ، لا أيديولوجيًّا ولا سياسيًّا.

هذه هي لائحة اتهامات "شريف يونس" لرفاقه العلمانيين، لا نضيف إليها إلا ما أقرَّ به بعضهم من أن التنويريين العرب عمومًا مبعثرون، لا يجمعهم إطار تنظيمي عام أو حتى قضية عامة، خواء فكري وثقافي وسياسي، تسيطر عليهم القيم المادية، إنتاجهم الثقافي ليس هدفه "الشهرة" فقط كما يرى "يونس"، وإنما "الربح" كذلك.

أما "شريف بونس" نفسه، فلا يرى أمامه من عدو يجب اجتثاثه من جذوره سوى الإسلام والإسلاميين، وامتدَّ به الحقد إلى لغة القرآن، فقال ما نصه: "لا بد من نشر الثقافة والقضاء على عقلية وصاية المثقف، وهذا يتطلب بصفة أساسية تحرير اللغة المكتوبة من القواعد الموروثة، وإتاحة الفرصة لها للتطور خارج قفص الوصاية الضيق لمجامع اللغة والمصححين اللغويين، ومجمل هذا الجهاز الأيديولوجي الذي يترتب على نشاطه إقامة حوائط هائلة الارتفاع، تحول عمليًّا دون انتشار الثقافة، وتحافظ على طابعها النخبوي، انطلاقًا من الحق الديموقراطي البديهي لكل ناطق أصلي للغة في تغيير مفرداتها، ونحْت غيرها وتغيير معانيها؛ كما يحدث في كل لغة حية".

لم يتعرض "شريف يونس" لقضية هامة، وهي ارتماء التنويرين العرب في أحضان رجال اللاهوت النصارى، وبمعنى أصح اصطياد رجال اللاهوت من النصارى لهم،والمثال الواضح لذلك هو احتضان "روبير كاسبار" و"كلود جيفري" لـ"محمد أركون"، و"الأب جيفري" هو أحد أعضاء مجموعة باريس التي يرأسها الأب "روبير كاسبار"، وهما من رجال اللاهوت المسيحي.

يؤمن "كاسبار" بأهمية الحوار مع الإسلام، وفقًا لِما يدعيه "بالاحترام المتبادل"، وأهمية "البحث التاريخي"، وتعمل مجموعة باريس ضمن جماعة أوسع في البحث الإسلامي - المسيحي.

تضم هذه المجموعة "فرانسوا سميث فلورنتان"، و"جان لامبير"، و"كلود جيفري".

احتضن "كاسبار" المفكر العلماني المعروف "محمد أركون"؛ ليكون عضوًا في مجموعة باريس هذه، أما أهمية "الأب جيفري"، فتكمن في أنه صديق شخصي لأركون، وهذا الأخير يحترم "جيفري" ويُبجله كثيرًا، ويتردد عليه، ويستمع لآرائه، بل يَتوق بشدة إلى معرفة تعليقاته وملاحظاته على أفكاره، وفي كلمات مليئة بالإعجاب المشوب بالاستجداء، يصف "أركون" الأب جيفرب"، فيقول: "تركت قلمي يجري على هواه كما أفعل عادة عندما أتحدث بكل حرية مع "الأب كلود جيفري"، وعنده الجواب عن كل شيء، فهو يستحسن كلامك، أو يُعدل منه، أو يُصححه أو يُكمله، ولكنه نادرًا ما يرفضه، أريد أن أوجه إليه أمنية وطلبًا، أتمنَّى لو يجد الوقت المناسب للرد على كلامي.

"الأب جيفري" كما يصفه "أركون" أحد اللاهوتيين القلائل الذين خطوا خطوة هامة نحو تشكيل ما يسميه "بلاهوت الوحي"، لا يستبعد القرآن وإنما يدمجه داخل رؤية ديناميكية حية".

هذه الكلمات الأخيرة لـ "محمد أركون" تؤكد صدق ما أشار إليه علماء الإسلام من أن "من يرفض أن يكون عبدًا لله، فلا بد أن يكون عبدًا لغيره"، و"ما من عبد يقدم أضحية لله إلا ويقدم العابدون لغير الله أضعافها من أنفسهم وأموالهم وأعراضهم".

ويؤكد اصطياد "كاسبار" وجيفري" لـ"محمد أركون" صدق ما أكده المفكرون الإسلاميون من أن "أهل الكتاب لا يحرصون على شيء قدر حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها التي هي صخرة النجاة، وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة، وأعداؤه يعرفون هذا جيدًا قديمًا وحديثًا، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وُسعهم من مكرٍ وحيلة، ومن قوة وعُدَّة، وحين يَعجِزون عن محاربة هذه العقيدة ظاهرين، يدسون لها ماكرين، وحينما يُعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم، يُجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون إلى الإسلام زُورًا - جنودًا مجندة؛ لتَنخِر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار، ولتصد الناس عنها، ولتزين لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعًا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها؛ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]؛ انظر مقالتنا "التنويريون الليبراليون وحائط الحاكمية".

------------------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #92  
قديم 10-12-2014, 08:03 AM
الصورة الرمزية عبدالناصر محمود
عبدالناصر محمود غير متواجد حالياً
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 24,578
ورقة الليبراليون عدو قديم

الليبراليون عدو قديم
ــــــــــ

(د. أحمد إبراهيم خضر)
ــــــــــــ

18 / 12 / 1435 هــ
12 / 10 / 2014 م
ــــــــــــ




الليبراليون عدو قديم: معاد للشريعة، وللإسلاميِّين، وللأنظمة
قراءة في تقرير قدَّمه الليبراليون للأمريكيِّين

بعيدًا عن اختلاف الموسوعات، والمعاجِم، والقواميس في تعريفِ وتحديدِ المقصود بـ"الليبراليين"، فإنَّ المفكِّرين الإسلاميِّين انتهَوْا إلى تعريف محدَّد وواضح لهذه الفِئة من الناس، يصف هذا التعريف الليبراليِّين بأنهم:
"جيش جرَّار من العملاء، مدَمَّرُ الظاهر والباطن، لا يستطيع أن يدرك حقيقةَ التلف الذي وقع في بنائه وتكوينه، يُعِدُّ نفسه لقيادة هذه الأمَّة، متوهمًا أنه يفكر لها، ويعمل على إصلاحها والنهوض بها، إنَّه جيل يتمثَّل في صورة أساتذة، وفلاسفة، ودكاترة، وباحثين، وأحيانًا كتَّاب، وشعراء، وفنانين، وصحفيِّين، يحملون أسماءً إسلامية.

يقوم هذا الجيش بمهمَّة خَلْخلة العقيدة في النفوس بشتَّى الأساليب، في صورة بحث وعلم، وأدب وفن وصحافة، وتوهين قواعد هذه العقيدة مِن الأساس، والتهوين مِن شأن العقيدة والشريعة على السواء، وتأويلها وتحميلها ما لا تُطيق، والدق المتَّصل على رجعيتها، والدعوة للتفلُّتِ منها، وإبعادها عن مجالات الحياة، وابتداع تصوُّرات، ومُثُل، وقواعد للشُّعور والسلوك، تناقض وتحطِّم أسس العقيدة ذاتها، كما تقوم بتزيين تلك التصوُّرات المبتدعة بقَدْر تشويه أمور العقيدة، كما تقوم بالدعوة إلى إطلاق الشهوات، وسَحْق القاعدة الخُلُقية التي تقوم عليها هذه العقيدة، بالإضافة إلى تشويه التاريخ، وتشويه النصوص".

هناك سِمتان أساسيتان يصِف بهما هذا التعريف حقيقةَ الليبراليِّين:
السمة الأولى: عداؤهم للشريعة وللمنادين بتطبيقها.
والسمة الثانية: عمالتهم لأعداء هذه الشريعة في الغَرْب الذين يصفونها:
بـ"القسوة والوحشية، والعنصرية والبربرية، واستعْباد المرأة، والانتقاص مِن قدْرها، وضرْب الزوجات، وزواج الأطفال، وعدم التسامح مع غير المسلمين، ورفْض حرية العقيدة وحرية التعبير..... ورفْض الشذوذ الجنسي، ورفض أي هجوم على الإسلام، أو حتى الارتداد عنه لِمَن دخَل فيه".

في مايو من عام 2006 كتَبت الدكتورة "هالة مصطفى" رئيسة تحرير Al-Ahrams political quarterly، Democratic Review. مقالاً بعنوان "سياسة تحفيز الديموقراطية الليبرالية في مصر"، نشر هذا المقال في سلسلة White Paper التابعة لِمَا يُعرف بمؤسسة الدِّفاع عن الديموقراطية FDD، ومقرها واشنطن العاصمة، تصَدَّر المقالَ عنوانٌ يقول "أصوات من الشرق الأوسط تُطالب بالديموقراطية والإصلاح".

جاء في تقديم الـ FDD لهذا المقال ما نصُّه: "هناك جَدلٌ نشط في دوائر صنع القرار الأمريكيَّة حولَ الحِكمة، ومدى الفاعلية في العمل على تعزيز الديموقراطية في الشَّرْق الأوسط، كسِلاح طويل المدى في الحرب ضد "الإسلام المتشدِّد"، ونحن نسعى في هذه السِّلسلة إلى أن نطرحَ للنقاش أصوات هؤلاء الذين يمثِّلون الجبهة الأمامية لنشْر الديموقراطية، وغيرهم من النُّشطاء المدنيِّين، والمثقَّفين المنشقِّين، وقادة المعارضة، ترى الدكتورة "هالة مصطفى" في المقال الذي تحت أيدينا أنَّ الولايات المتحدة تركِّز على وجود صِراع بيْن الإسلاميِّين، وبيْن ما يُسمَّى بأنظمة الحُكم التسلطية، وأنَّ الولايات المتحدة اختارتِ الوقوف إلى جانب هذه الأنظمة ضدَّ الإسلاميِّين، هذا الاختيار في نظر "هالة مصطفى" اختيار خاطئ؛ ولهذا فهي ترى أنَّ على السياسة الأمريكية التي تحثُّ على نشْر الديموقراطية أن تبحثَ في التمهيد لطريق ثالِث يعمل على تقوية الليبراليِّين الديموقراطيِّين، وليس التركيز فقط على العملية الديموقراطية.

قدم الليبراليُّون للأمريكيِّين كل ما لديهم من أسباب؛ لكي يقنعوا الأمريكيِّين بالوقوف إلى جانبهم بدلاً من التركيز فقط على تشجيعِ الاتجاه نحوَ الديموقراطية، ولعلَّ أقوى هذه الأسباب هي نظرتُهم إلى العلاقة بين الأنظِمة الحاكمة والإسلاميِّين على أنها منافِسة على الأرضية الإسلاميَّة، وتقاسم السلطة، ومِن ثم تزيد من مخاوفِ الأمريكيِّين، وتدعوهم إلى تمكينهم، ومِن ثم الاعتماد عليهم لا على الأنظمة.

كانت أهم الأسباب التي استند إليها الليبراليُّون العرب في حثِّ الأمريكيِّين على ذلك الآتي:
1- أنَّ الخطوات التي اتخذَها الغرب نحوَ تعزيز الديموقراطية والإصْلاح في دول الشَّرْق الأوسط هي خُطُواتٌ محدودة حقَّقت نتائجَ قليلةَ الفاعلية، وكانت في مجملها مجرَّدَ أشكال تجميليَّة أكثرَ منها خُطوات فعلية، تحقِّق الإصلاح السياسي المنشود.

2- أنَّ أنظمة الحُكم القائمة تشجِّع النظرة القائلة بأنَّ البديل الوحيد لنظام الحُكم القائم هو النظام الإسلامي، وأنَّ مصير البلاد يتوقَّف على الصِّراعِ بين هذين القُطبين، إنَّ هذه النظرةَ القطبية كما يتصوَّر الليبراليُّون لا تفسح مجالاً للقُوى الليبرالية والعلمانية بأنْ تشغل أي موقع يشكِّل أهمية في هذا الصِّراع.

3- هناك بعضُ دول العالم العربي لا تمثِّل مجتمعًا متجانسًا بسبب الانقسامات الطائفية والاثنية، ممَّا يحول بيْنها وبيْن نشْر الديموقراطية، لكنَّ هناك دولاً عربية أخرى تتمتَّع بإرْث ليبرالي – علماني خاص، يجعل منها نموذجًا لدولة علمانية ليبرالية عصرية معتدلة، تُشكِّل أساسًا للعملية الديموقراطية، التي تسعى إليها الولايات المتحدة.

يعتمد هذا الإرث العلماني - الليبرالي على بُروزِ شخصيات أسهمتْ في تحديث هذه البلاد بتأكيدها على أهميةِ القانون والنِّظام، واستقلال القضاء، والتأكيد على الهُويَّة القومية في مواجهة الهُويَّة الدينية والقبلية، وكذلك التأكيدُ على الحرية الفردية، والحريات العامَّة، وحريَّة الصحافة، والتعليم العام، وحقوق المرأة، والتعدديَّة السياسية، والحَركات النقابية.

حقَّقتْ هذه الدول الأخيرة ليس التحديث والليبرالية السياسية فقط، ولكنَّها حقَّقتْ إلى جانب ذلك تقدمًا ثقافيًّا في الفنون، والسينما، والموسيقا، كما تتميَّز هذه البلادُ بأنَّ الكثيرين من قادة هذا التقدُّمِ كانوا ذوي خلفية دِينية، لها مكانتُها في المجتمع، عمِل هؤلاء القادة الدِّينيون على نشْرِ سُبُل التجديد والإصلاح الدِّيني، وساند بعضُهم فِكرة الدولة العلمانية.

4- لم تكن لدَى العسكريِّين الذين وصلوا إلى السُّلطة في بعض هذه البلاد أَجندة سياسية خاصَّة بهم؛ ولهذا أخذوا البلاد بعيدًا عن كل المبادئ الليبرالية، وتبنَّوْا أيديولوجية مضادَّة لها، جمعوا فيها بيْن الإيديولوجيات الاشتراكية، والشعبية، والإسلامية، والقومية العربية؛ وذلك عملاً على تدعيم شرعيَّتهم، ولتأكيد هذه الشرعية حظَرُوا قيام الأحزاب السياسية، وتبنَّوا فكرة الحزب الواحد، الذي تدعمه آلة أمْن قوية، اعتمد تجنيد الصفوة السياسية في هذه البلاد على مبدأِ الولاءِ أكثرَ مِن مبدأ الجدارة، كما اعتمدتِ السياسة الخارجية فيها على محارَبةِ العدوِّ الخارجي ضمانًا لشرعية النِّظام أيضًا، هذا بالإضافة إلى الرِّقابة القوية على الإعلام، بحيث لا يُسمَح بحرية التعبير، أو تعدُّد الآراء.

5- لم يكن دافِع سياسة الانفتاح النسبيَّة التي أخذتْ بها بعضُ دول الشرق الأوسط هو الالتزامَ بالمبادئ الليبرالية، وبذلك لا تُعتبَر موافقتها على تأسيس أحزاب أخرى غير الحِزب الحاكم انفتاحًا حقيقيًّا؛ لأنَّ دورَ هذه الأحزاب في العملية السياسية ليس إلا مجرَّدَ عملية تجميليَّة لوجه النظام.

6- تؤكِّد بعضُ الدساتير في البلاد العربية على أنَّ الإسلام هو المصدرُ الأساس للتشريع، في الوقت الذي تحظُر فيه إنشاءَ أي حزب أو برنامج حزبي علماني، هذا التأكيد وإنْ كان براجماتيًّا، فإنَّه يعني أنَّ النظام لا يعطي اهتمامًا كبيرًا لإصلاحات بنائية عميقة هامَّة، ومِن ثَم يُعتبر هذا الانفتاح استثناءً في سياسة النظام.

7- الصُّعود الثابت للقُوى الإسلامية هو ناتِج طبيعي لركود الحياة السياسية، ووجود تشريعات تُقيِّد تأسيسَ أحزاب سياسية علمانية ليبرالية، هذا الركود وهذا القَيْد يجعل من المسجدِ الممرَّ الوحيد الممكن للتعبير عن الآراء السياسية، ومعارضة النِّظام، مما يعني أنَّ العلاقة بيْن النظام والإسلاميِّين ما هي إلا منافسة على الأرضية الإسلاميَّة إلى حدٍّ كبير، فالنظام وإنْ لم يعترف قانونًا بالإسلاميِّين، فإنَّه يقوم بعمليات أسْلَمة متزايدة في سياسته على حِساب فئات أخرى، منها وضعُه قيودًا على حرية الفِكْر والإبداع، التي تتناقض مع مبادئ الإسلام، كما يُشجِّع النظام الإسلاميِّين على التعبير عن المبادئ الإسلامية في أجهزة الإعلام، ويحظُر على الليبراليِّين ذلك.

كما يسمح النِّظامُ للإسلاميِّين بدخول الانتخابات تحتَ مسميات غير حِزبية، فيحتلُّون - بناءً على ذلك - مقاعدَ في البرلمان، ويُسمح لهم كذلك بالترشيح لانتخابات النِّقابات المهنية، والقصد من ذلك كلِّه بيانُ وجود اتفاق سياسي صامِت بيْن الإسلاميِّين والنِّظام على حساب الليبراليِّين.

8- هذا الصِّراعُ بيْن النظام والإسلاميِّين على الأرضية الإسلامية جعَل مِن الصعب على المحلِّلين والمراقبين تثمينَ القوة الفِعلية للإسلاميِّين، وتقدير حجْمها، طالما أنَّ التنظيمات الإسلامية لا تكشف عن عدد أعضائها، فأصبح مِن الصعْب الوقوفُ على حقيقة الجِهة التي تقف وراء النموِّ المتزايد في اتجاه المجتمع نحوَ الأسلمة، هل هو النِّظام أم التنظيمات الإسلامية.

هناك نموٌّ متزايد للمساجد، هناك زِيادة ملحوظة في أعداد المنتقِبات، هناك حظْر لشُرْب الكحوليَّات في بعض المناطق الشعبية، هناك لجوء للخطاب الدِّيني من قِبل الدولة، لمَن يُنسَب كل هذا: للنِّظام أم للإسلاميِّين، هناك أيضًا عدم فاعلية في التوجُّه نحو الديموقراطية تتمثَّل في نقْص المشاركة السياسية.

هناك أغلبيةٌ صامِتة، لكن من غير المعروف لمَن تنتمي، فإذا قيل: إنَّ الإسلام يمثِّل أقوى القوى السياسية في البلاد، كما يظهر في بعضِ الأحيان، فإنَّ هذا يعني أنَّ المسرح السياسي يكون قد تغيَّر تمامًا لصالحهم.

9- طرَح الليبراليُّون هذا السؤال على الأمريكيِّين: هل تؤدِّي مشاركة الإسلاميِّين في السياسة بالضرورة إلى التقليل مِن الاتجاه نحوَ التشدُّد والدعوة إلى الجهاد؟ أجاب الليبراليُّون: لا، بالتأكيد؛ لقد أثبتت التجارِب في الماضي صحَّةَ هذه الإجابة.

إنه مِن غير المحتمل أن يؤدِّي الاعتراف القانوني بالتنظيمات الإسلامية إلى التقليل مِن الاتجاه نحوَ الإرهاب والعُنف المسلَّح، العكس هو الصحيح، إنَّ هذا الاعترافَ من شأنه أن يقدِّم أرضًا خصبة لنموِّ التنظيمات الإسلامية، سواء أكانتْ عنيفةً أم غير عنيفة.

إنَّه يجب أن يُنظر إلى دخول الإسلاميِّين إلى الحياة السياسية على المدَى الطويل، وليس على المدى القصير، وتمثِّل التجرِبةُ التركية نموذجًا طيبًا هنا، فقد كان تكامُل الإسلاميِّين في الحياة السياسية ممكنًا؛ لأنَّ الدولة التركية دولةٌ حيادية تُجاهَ الدين، الدستور فيها علماني، ويُعتبَر صمام أمْن ضد محاولات حِزب العدالة تحويلَ الدولة إلى دولة أوتوقراطية، هذا بالإضافة إلى حِماية الجيش لعلمانية الدولة وللنِّظام العلماني، الذي أسَّسه أتاتورك.

إنَّ هذا الأمر لا يتوافَرُ لدول العالَم العربي، حيث لا تتصرَّف المؤسَّسة العسكرية كحارسٍ للعلمانية.

10- السَّماح للإسلاميِّين بالتكامل مع الحياة السياسية يتوقَّف على إعادتهم النظرَ في واحد من أهمِّ مبادئهم السياسية، وهو اعتبارهم الشريعةَ المصدرَ الرئيس للتشريع، وعليهم قَبول مبدأ أن تكون الشريعة أحدَ مصادر التشريع، أو مصدرًا أساسيًّا، وليس المصدر الوحيد، وإلا فلن يكونَ الإسلاميُّون قادرين على التعايش مع الجماعات العلمانية والليبرالية.

وقد يُمكن القول بأنَّ الإسلاميِّين - كحركة سياسية - قد يَقْبلون التفاوض حولَ هذا المبدأ الذي يدور حولَ التعديل المقترَح بأن تكون الشريعةُ أحدَ مصادر التشريع في حالةِ ما إذا كان قَبول ذلك موصلاً إلى اعتراف دولي بهم، ومن هنا تكون الخُطوة الأساس التي تمهِّد الطريق لتأسيس نِظام ليبرالي علماني - في نظر الليبراليِّين - هي إجراء تعديل دستوري يقلِّص دورَ الشريعة في النِّظام السياسي. إنَّ مثل هذا التقليص سوف يضمنُ حيادية الدولة، ومِن ثَمَّ يكون الدستور أكثرَ ملائمة للحدِّ مِن أسلمة الدولة والمجتمع، وستكون هناك فرصةٌ للتنوع الفكري والسياسي.

11- يرَى الليبراليُّون أنَّه على النقيض من العلاقة المتبادلة بيْن الأنظمة والإسلاميِّين، ووضوح أنَّ الخلاف بينهما هو على تقاسُمِ السلطة، وليس على الأيديولوجية، فإنَّ سِمة الصِّراع بيْن الأنظمة والليبراليِّين هو أنه صراع أيديولوجي عميق؛ بمعنى: أنَّ الصِّراع بيْن الأنظمة والليبراليِّين هو أكثرُ ضراوةً من الصِّراع بين الأنظمة والإسلاميين، فالأنظمة تتحالَف براجماتيًّا مع الإسلاميين، وتعتمد على المبادئ الإسلامية كتعويضٍ لافتقارها إلى تبنِّي أيديولوجية واضحة المعالِم.

12- يرى الليبراليون أنَّ الأنظمة تُقصي عمدًا أصحابَ الفكر الليبرالي من مثقَّفين وأكاديميِّين وغيرهم مِن الحياة السياسية، باستثناء جماعةٍ صغيرة من رجال الأعمال، تستفيد الأنظمةُ منها في الجانب الاقتصادي، لكنَّ النِّظام يشترط على هذه الجماعة عدمَ تحدِّي أساس النظام القائم، وعدم إجراء أي تغييرات بما فيها السياسة الاقتصادية للنِّظام، وبسبب هذه الشروط المقيّدة لحركة هذه الجماعة، لم تتمكَّن هذه الجماعةُ من صنع أي إسهام في مجالات الإصلاح الاقتصادي والسياسي معًا.

هذه هي الأسباب التي اعتمَدَ عليها الليبراليُّون لإقناع الولايات المتحدة للقيام بدَوْر فعَّال في مساندتهم، لم يكتفِ الليبراليون بتقديم هذه الأسباب، لكنَّهم قاموا بتقديم تصوُّرٍ للأمريكيين يساعدهم على تحقيقِ ما يُسمَّى بالإصلاح السياسي الحقيقي في البلاد، ويقوم هذا التصوُّرُ على مطالبة الولايات المتحدة بتعديل أولوياتها عندَ التعامل مع الأنظمة؛ بمعنى: أنَّ عليها أن تُعطي أسبقية للإصلاح السياسي على اهتماماتها بالاقتصاد والتجارة، والتعاون المخابراتي في مجال مكافَحة الإرهاب.

وعلى الولايات المتحدة أيضًا أن تُعيدَ النظر في مدخلها التقليدي؛ لتشجيع الديموقراطية في بلاد الشَّرْق الأوسط الذي يقوم على قُطبين هما: مساندة المجتمع المدني، ودفْع النِّظام إلى انتخابات حرَّة وعادلة.

لقد أثبتتِ التجرِبة - كما يرى الليبراليُّون - أنَّ الاعتماد على هاتين الإستراتيجيتَيْن لم يحقِّق إلا نتائج محدودة جدًّا على المستوى العملي، وأنَّه قد يصلُح لبعض الدول في الشرق الأوسط دون الأخرى، كما يتجاهل هذا المدخل الدور المركزي الضابط للدولة، وتدخل آلة الأمْن في الحياة السياسية، وهذا مِن شأنه أن يحولَ دون قيادةِ نشطاء المجتمع المدني لعملية إصلاحٍ سياسي في الداخل. كما أنَّ اختزال العملية الديموقراطية في صناديق الاقتراع يُمكِّن قوةً سياسيةً واحدة - وهي القوة الإسلاميَّة - من تحقيقِ مكاسبَ على حساب القوى الليبرالية؛ وذلك بسبب القيود الصارِمة التي يفرِضها النظامُ على الجماعات السياسية العلمانية والليبرالية.

يبدأ المدخلُ الصحيح في نظَر الليبراليِّين بالضغط المباشِر على الأنظمة بقَبول "لبرلة" النِّظام السياسي والإعلام، وإنْ لم يتحقَّق ذلك، فستظلُّ جهود الولايات المتحدة والمجتمع الدولي محدودةً، وسوف يتمُّ سحْق عملية الإصلاح، وخسارة المكاسب الليبرالية.

إنَّ إستراتيجية الولايات المتحدة يجب أن تركِّزَ على تقوية الليبراليِّين الديموقراطيِّين، وليس فقط على العملية السياسية، وذلك بالتركيز على الأسبقيات الآتية:
أولاً: ضرورة تعديل الدُّستور بإلْغاء المادة التي تنصُّ على أنَّ الشريعة الإسلاميَّة هي المصدرُ الوحيد للتشريع، وإدخال موادَّ أخرى في الدستور تجعله متشبِّعًا برُوح المبادئ العلمانية، والليبرالية والتعددية.

ثانيًا: يجب تغيير موادِّ قانون الأحزاب، والأنشطة السياسية، وأنشطة المجتمع المدني، بحيث تسمح للأحزاب الليبرالية والعلمانية التي تحمِل أفكارًا مخالِفة لأفكار الأحزاب القائمة بالوجود، حتى وإنْ لم يكن لها أيُّ رصيد شعبي؛ ولهذا يجب السماحُ لهذه الأفكار بأن تُحقَن في جسَد الشعب؛ حتى لا تكون السيطرةُ للإسلاميين وغيرِهم كاملة عليه.

ثالثًا: يجب على الولايات المتحدة أن تضغطَ على الأنظمة بتغيير سياساتها، بحيث يُسمَح للقيادات الليبرالية بالوجُودِ في المناصِب الحكومية والإعلامية، حتى تتمكنَ هذه القيادات من تحقيق وإنجاز عملية الإصلاح المنشودة، وكذلك مِن تحديث الخِطاب السياسي، وإيجاد إطارٍ سياسي قادِر على استيعاب التحوُّلاتِ الديموقراطية.

لقد ضغطتِ الولاياتُ المتحدة لعدَّة سنوات على الأنظمة العربية بإجراءِ إصلاحات اقتصادية في الحكومة، لكنَّها لم تقمْ بهذا الضغط من أجْل الإصلاح السياسي، ومِن ثَمَّ لم تُتحِ الفرصة لاحتمالات حقيقية تدفع عمليةَ الإصلاح إلى الأمام.

رابعًا: يجب أن تحثَّ الولاياتُ المتحدة الأنظمةَ على الانفتاح و"لبرلة الإعلام"، وذلك بالسماح بوجود مساحة أكبرَ لوِجهات النظر المعارضة في الصحافة، ووسائل الاتصال الأُخرى.

إنَّ سياسة خصْخَصة الإعلام ليستْ هي الحلَّ *****ي، ربما يكون ذلك صحيحًا على المدى الطويل، أمَّا بالنسبة للمدى القصير، فيجب "لبرلة" كلِّ وسائل الاتصال؛ لأنَّ هذا القطاعَ هو أكبر القطاعات تأثيرًا على توجيه الرأي العام، وما لم تؤخذْ هذه الخُطوةُ، فإنَّ الإعلام الحالي سيدعم الوضعَ القائم، ويظل يعكس دائمًا الصوت الأحادي.

خامسًا: يجب أن تستمرَّ الولايات المتحدة في سياسة تمكين المرأة، وأن تضغطَ على الأنظمة بالسَّماح للمرأة بأن تشغلَ مناصبَ أساسية في دوائرِ وقياداتِ البناء السياسي الأساسي، ودوائر صُنْع القرار، وأن تسنَّ قوانين جديدة تسمح بنِسبة تمثيلٍ عالية للنساء في المؤسَّسات الحكومية والإعلام المملوكة للدولة، وفي مجالس الإدارات وفي البرلمان.

إنَّ تمكينَ المرأة وَفقَ هذه السياسة سيقف في وجه "المتشدِّدين" الإسلاميِّين، ويحول بيْنهم وبيْن كسْب أرضية واسعة في البلاد.

سادسًا: يجب الضغط على الأنظِمة بتحجيم تدخُّل آلة الأمْن التابعة له في الحياة السياسية.

الخُلاصة هي أنَّ هذا المشروع الليبرالي يحاول إقناعَ الولايات المتحدة بأنَّ تشجيعَها ومساندتها للأفكار وللقيادات الليبرالية في توسيع دَوْرها في الحياة السياسية، سوف يؤدِّي إلى تغيير الوضع السياسي الداخلي في البلاد، كما سيؤدِّي أيضًا إلى ظهور نموذج معتدل في المنطقة، يصلح أن يكونَ حجرَ زاوية في ظهور بِيئة منفتِحة، معتدلة مستقرَّة، تسمح للولايات المتحدة بنشْر الديموقراطية في المنطقة وحلِّ مشاكلها.

هذا المشروع الليبرالي - في تصوُّرِنا - علامةٌ واضحة على فشَل الليبراليِّين في تحقيق مكاسبَ في أرض يشكل الإسلامُ الحجرَ الأساس فيها، كما يدلُّ أيضًا على عقم الفِكر الليبرالي إذا ما قُورن بتنوُّع الفكر الإسلامي، حتى في مسألة المشاركة في العمل السياسي.

المشاركة الحالية للإسلاميِّين في الحياة السياسية تمثِّل جانبًا واحدًا من الفكر الإسلامي المتعلِّق بعملية المشاركة هذه، فهذا الجانب الذي قبل هذه المشاركة يَتبنَّى فِكرة جواز حُكم المشاركة في المجالس النيابية والوزارة، وإنْ كان البعض يعتقد أيضًا بأنَّ الأصل الذي تدلُّ عليه النصوص الصريحة في المشاركة في الحُكم هو عدم الجواز.

لكنَّ هناك قطاعًا آخرَ من الإسلاميِّين يعترض على فِكرة المشاركة في العمل السياسي أصلاً، ويرى أنَّ هذه المشاركة "عبَث لا يؤدِّي إلى نتيجة، وتفكير ساذج مهمَا كانت مبرراته، وينطوي على مزالقَ خطيرةٍ تصيب الدعوة في الصميم، وتعوقها كثيرًا بالرغم مما يبدو لأوَّلِ وَهْلة أنَّ هذه المشاركة تمكِّن للدعوة، وتعجِّل لها الخطوات".

عدَّد هؤلاء المعارضون المزالقَ العقدية المترتبة على هذه المشاركة، وكذلك المزالق السياسية كمزالقِ الوقوع في اللعْبة السياسية وغيرها، يقول أصحاب هذا الرأي: "لو افترضْنَا جدلاً أنَّ الإسلاميِّين توصَّلوا إلى تشكيل برلمان مسلِم مائة في المائة، يطالب كلُّ أعضائه بتحكيم شريعة الله، فإنَّ هذا البرلمان لن يستطيعَ أن يفعل شيئًا بدون قاعدة مسلِمة، وأنه يمكن لانقلابٍ عسكري أن يحلَّ البرلمان، ويقبض على أعضائه، فيودِعهم جميعًا في السجون والمعتقلات، وينتهي كلُّ شيء في لحظات".

ويقول معارِضون آخرون لهذه المشاركة أيضًا: "إنَّ مشاركةَ الإسلاميِّين في العملية السياسية تترُك مفاسدَ كثيرة، وتوقِع الجماهير العريضة في الحَيْرة والتضليل، والالتباس والشك والإحراج، وتُعتبر دليلاً على شرعية الأنظِمة التي تتبنَّى القوانين الوضعية".

هذا بالإضافةِ إلى أنَّ مَن يعارضون فكرةَ المشاركة في العملية السياسية يستندون إلى أنَّه لا فائدةَ من محاولة إقناع البرلمان بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، ودليلهم في ذلك آخِرُ كلمات أحدِ نوَّاب البرلمان الذين بذلُوا جهدًا مضنيًا لإقرار هذه القوانين، وهذا نصها:

"يا حضراتِ النواب المحترمين، لستُ عابدَ منصب، ولستُ حريصًا على كرسيٍّ لذاته، ولقد كان شعاري مع أهل دائرتي" أعطني صوتَك لنصلح الدنيا بالدِّين"، وكنت أظنُّ أنه يكفي لإدراك هذه الغاية أن تُقدَّم مشروعات القوانين الإسلامية لكنه تراءى لي أن مجلسنا هذا لا يرى لله حكمًا إلا مِن خلال الأهواء الحِزْبية، وهيهاتَ أن تسمحَ بأن تكونَ كلمةُ الله هي العليا..... لقد وجدت طريقي بينكم إلى هذه الغاية مسدودًا؛ لذلك أُعلِن استقالتي مِن البرلمان غيرَ آسِف على عضويته"، انصرف النائب العالِم إلى داره في أبريل 1981، ورُفعت الجلسة، رحَل النائب العام عن البرلمان، ثم رحَل عن هذه الدنيا كلِّها بعدَ ذلك بعدة سنوات، وبقي البرلمان يقضي ويشرع، وينفذ بغير ما أنزل الله".

هذا مِن ناحية عُقْم الفِكر الليبرالي وعجْزه، حتى عن مجرَّد فهْم أبعاد مشاركة الإسلاميِّين في العمل السياسي.

يُضاف إلى ذلك أنَّ المشروع الليبرالي المرفوع إلى الأمريكيِّين يُعاني من نقص معرفي حادٍّ، وعدم دراسة أو بحْث أو متابعة آخِر ما انتهى إليه الأمريكيُّون في تعاملهم مع ما أسماه الأمريكيُّون بـ"الأصولية الإسلامية والتطرُّف الإسلامي"، ومن ثَمَّ - كما نتصوَّر - لن يكون هذا المشروع المعروض أمامَ الأمريكيِّين سوى تقرير أخير بالعَجْز والفشَل، وعدم الدراية لهؤلاء الليبراليِّين، فهو لن يُضيف إلى الأمريكيِّين جديدًا، وإنَّما يجعل من الليبراليِّين أداةً ودُمية يستفيدون منها في الوقت المناسِب كعادتهم دائمًا.

منذ ربع قرْن مضى - وبالتحديد في 24 يوليو 1985 - بدأتْ جلسات استماع للجنة الفرعية لشؤون أوربا والشَّرْق الأوسط، وهي اللجنة المنبثِقة من لجنة الشؤون الخارجية التابِعة للكونجرس الأمريكي برئاسة (لي هاميلتون)؛ لمناقشة ما أسماه الأمريكيُّون بحركة الأصولية الإسلامية والتطرُّف الإسلامي.

استعانت اللجنة بلفيفٍ من الخبراء والمختصِّين في شؤون الإسلام والمسلمين، من هؤلاء الخبراء والمختصِّين: "هيرمان إليتز" أستاذ العَلاقات الدولية بجامعة بوسطن، والسفير السابق للولايات المتحدة في عِدَّة دول خليجية، و"شاروخ آخافي" أستاذ السياسة والدِّراسات الدولية في جامعة جنوب كارولينا، و"جون سبوسيتو" أستاذ الدِّراسات الدِّينية بكلية الصليب المقدَّس بوروسستر، و"أغسطس نورتون" الأستاذ في الأكاديمية العسكريَّة الأمريكيَّة، وآخرون، وننقُل هنا بعضَ فِقرات لما قاله "أغسطس نورتون"؛ لنبيِّنَ منها أن ما جاء به الليبراليُّون العرب للأمريكيِّين لا يُعتبر جديدًا عليهم.

يقول "نورتون" في تقريره الذي قدَّمه للجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي: "إنَّ المشاركة السياسية في شكْل انتخابات، أو استفتاءات عامَّة زائفة، وهي في الغالب عمليةُ استعراض أكثرَ منها كشيءٍ حقيقي...".

"... إنَّه مما يلفِتُ الانتباه بوجه خاص هو هذه البراجماتية، التي تُميِّز العديد من الحركات الإسلامية في الوقت الذي تُصِرُّ فيه هذه الحركات أنها صاحبة مبدأ.....".

"إنَّ الإسلام مثله مثل أي (أيديولوجية) أُخرى سياسية، هو موضع للاستخدام والاستغلال مِن قِبل السياسيِّين أيًّا كانت هُويتهم، سواء أكانوا رِجالَ دِين، أم ضبَّاط جيش سابقين، إنَّهم جميعًا يتنافسون لملءِ هذه الرمزية الإسلامية، سواء بأسلوب فعَّال أو غير فعَّال".

"إنَّ الإسلام جزءٌ لا يتجزأ من ثقافة الشَّرْق الأوسط، وهو بالنسبة للمسلمين مظهرٌ متجدِّد لمصداقية ولُغة معتادة للتظاهر، والفعل السياسي، والإسلام على عكس الشيوعية والليبرالية والاشتراكية، لم يفسد لارتباطِه بالغرب، فما زالتِ المنطقة تهاجِم الغرب، وتتهم أفعالَه في الماضي والحاضر بأنَّها أفعال إمبريالية".

الدليل الثاني على النقص المعرفي الحاد الذي يتمتَّع به الليبراليُّون العرب، هو أنَّ عداءهم للشريعة أعماهم عن الوقوف على كلِّ جوانب الموقف الأمريكي من هذه الشريعة، فعلى خلافِ هذا الهجوم الحادِّ على الشريعة الذي أشرْنا إليه سابقًا، هناك جانبٌ آخر يمثله واحدٌ من أرْفع المسؤولين الأمريكيِّين الذي كان يشغل منصبَ نائب رئيس المجلس القومي للمخابرات، وهو "جراهام فوللر".

يقول "فوللر" مثنيًا على الشريعة: "على عكس المسيحيَّة اعتنَى الإسلام منذ أن بدأ بالسياسة والحُكم، وقد وجَّه المسلمون بدءًا من حياة النبيِّ محمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) اهتمامَهم إلى مبادئ الحياة المجتمعية المحليَّة، والعدالة، والإدارة، والعَلاقات مع غير المسلمين، والدِّفاع، والسياسة الخارجية، وما مِن شأنه أن يحقق الحُكم الصالح، والقانون العادل، والمجتمع العادل، لقد أتى النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) ليس بغرَض الحِفاظ على الوضْع القائم، ولكن لكي يصلح ويغيِّر.

المرأة على سبيل المثال أُعطيت مركزًا قانونيًّا لم تكن تحظَى به مِن قبل، بالإضافة إلى حماية قويَّة لها من قِبل المجتمع"، وهو اعتراف يدحض كلَّ آراء أعداء الشريعة، سواء أكانوا من الأمريكيِّين الآخرين، أو من الليبراليِّين العرب.

وهناك دليل ثالث آخَرُ لا يدل فقط على النقْص المعرفي الحاد عندَ الليبراليِّين، ولكنَّه يدل على مكابرتهم وإصرارِهم على الدخول في معاركَ مع الإسلام، أثبتوا هم أنفسُهم عجزَهم فيها.

لقد سبَق أنِ اعترف الليبراليُّون على لسان "سامي خشبة" بالآتي:
أولاً: أنَّهم كانـوا يتخـبَّطون في مساراتهم بسبب انبهارِهم بالنماذج الغَرْبية المتناقِضة، ومنها الماركسية، وما انبثق عنها مِن فكر وتطبيق.
ثانيًا: أن تصوُّراتِهم الفكرية عن الواقع الإسلامي للمجتمع لم تكن ناضجةً قبل الثمانينيات؛ أي: فـي الفـتـرة التي بدأتْ فيها الصحوة الإسلامية تترك بصماتِها بوضوح على الأصعِدة السياسية والاجتماعية والثقافية.
ثالثًا: أنَّ الواقع الإسلامي للمجتمع يمثِّل كيانًا ثقافيًّا واجتماعيًّا خاصًّا ومتميزًا، وله تاريخُه الخاص والمتميِّز، وهو نفْس ما توصَّل إليه "نورتون"، وقدَّمه في تقريره إلى الكونجرس الأمريكي - كما أشرْنَا سابقًا.

هذه الحقائق التي أقرَّ بها الليبراليُّون - وعلى رأسها: إقرارُهم بخصوصية المجتمع المسلم - لم تُفدْهم في شيء، فهم لا يزالون يتخبَّطون في مساراتهم بيْن منجزات الفِكر الغربي؛ بدليل اعترافهم في فترة سابقة بافتتانهم بالتيارات النقدية الغربية، وإنْ أضافوا إليها بما اعتقدوا أنَّه منجزاتهم النقدية الخاصَّة، ومنجزات شعوب الثقافات الأخرى، ومِن ثَمَّ تظلُّ تصوراتهم الفكريَّة عن الواقع الإسلامي للمجتمع غيرَ ناضجة، خاصَّة وأنها محاطةٌ بسِياج عدائي مسلَّح، يمتلك كلَّ سُبل الضبط والتأثير، وسِياج عدائي آخرَ يمثله الليبراليُّون أنفسهم، الذين يرون في هذا الواقع تهديدًا لوجودهم وكيانهم، ومراكزهم ومصالحهم وشهواتهم.

الدليل الرابع على هذا النَّقْص المعرفي الحادِّ الذي يتمتَّع به الليبراليُّون: هو عدم درايتهم بآخِر ما قام به الغربيُّون من تقويم لمعركتهم مع الإسلام.

"دافيد سيلبورنى" كتَب مؤلفًا بعنوان "المعركة الخاسِرة مع الإسلام"، ثم كتَب مقالةً قصيرة في مجلة "التايمز" بعنوان "هل يستطيع الغربُ أن يُوقِف التهديد الإسلامي؟"، أو يَهْزِمه بمعنى أصح، حدَّد "سيلبورني" عشرة أسباب رأى فيها أنَّ هزيمة الغَرْب للإسلام أمرٌ غير ممكن.

حصَرْنا هذه الأسباب العشرة عند "سيلبورني" فيما يلي:
أولاً: الانقسام السِّياسي بيْن غير المسلمين، وعدم اتِّفاقهم على ما يجري حولهم.
ثانيًا: عدم استطاعة الغَرْب تقديرَ قوة المجتمع الإسلامي تقديرًا حقيقيًّا، وعدم فَهْمه لطبيعة الإسلام فهمًا حقيقيًّا.
ثالثًا: المستوى المتدنِّي من القيادة الغربية، وخاصَّة في الولايات المتحدة.
رابعًا: التشوُّش والفَوْضى في صِياغة سياسة أو فَهْم متناسِق عن الإسلام.
خامسًا: عدم استيعاب التقدميِّين المعارِضين للإسلام لمواطِنِ القوَّة فيه، وانحسار هجومِهم على ما يُسمَّى بالمظاهر الرجعيَّة في دِين الإسلام.
سادسًا: حالة الرِّضا مِن غير المسلِمين على التحرُّك الأمريكي ضدَّ الإسلام.
سابعًا: الفَقْر الأخلاقي للقِيم الغربية عامَّة وللولايات المتحدة خاصَّة.
ثامنًا: الاستخدام الماهِر للإسلاميِّين لوسائل الاتِّصال عبرَ شبكات الإنترنت العالمية.
تاسعًا: اعتماد الغَرْب على المصادِر المادية للبلاد العربية والإسلاميَّة.
عاشرًا: اقتناع الغرْب الوهمي بأنَّ تكنولوجيته المتقدِّمة تقود إلى العصرية، وأنَّ أفكار السوق أسمَى من الإسلام الرجعي.

خلاصة القول: أنَّ الليبراليِّين العَرَب اتَّخذوا موقِف العداء للشريعة، وموقِف المواجهة مع الإسلاميِّين، ثم موقِف استعداء الولايات المتحدة على الأنظِمة، عن جهْل ومكابرة، لا عن عِلم ودراسة، ولا استقراء لنتائج تاريخهم السابِق في هذه المواجهات، لكن هذا لا يُنسينا مقولة "مايكل بيرليج": "إنَّ أي جهْد تبذله الأصواتُ الليبراليَّة في البلاد الإسلامية يجب تدعيمُه وتشجيعه".
----------------------------------

المصادر:
----
1- أحمد إبراهيم خضر، الإسلام والكونجرس، حلقات نشرتها مجلَّة المجتمع الكويتية اعتبارًا من العدد 914 الصادر في 25 أبريل 1989 إلى العدد 975 في 24 يوليو 1990، وأعيد نشرُها في كتاب بنفس العنوان، نشرتْه دار الاعتصام في عام 1994.
2- أحمد إبراهيم خضر:
أ- هزيمة الغَرْب للإسلام أمرٌ غير ممكن، موقع نور الإسلام.
ب- وتظل الشريعة عدوَّهم الأول، موقع الألوكة.
ج- وقائع برلمانية، مجلَّة البيان، العدد 66.
د- التنويريون الجُدد، الإستراتيجيَّة والواقع، موقع بوابتي تونس.
3- عمر سليمان الأشقر، حُكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص 116.
4- محمود محمد شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1972، ص 446.
5- D.L.. Adams، War for Islamic Sharia Law،www.americanthiner.com/2010
6- Hala Mustafa، Policy For Promoting Liberal Democracy in Egypt، White paper Series:(Voices from the Middle East on Democratization and Reform)، FDD (Defense of Democracy)، May 2006.
(بتصرف)
7- David selboorni، Can the West defeat the jihad? Ten reasons why not، Jihad watch. September 9، 2006.
8- Graham F Fuller، Islam، a force for change، mondediplo.com10-1999/ 09 /16 islam.
9- Michael Burleigh، how defeat global jihadists، Standpoint online، June 2008.

------------------------------
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« نصرالله.. تهديد لمخالفيه "الأغبياء" في الداخل | مثابات أهل السنة في العراق »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تجار الآلام عبدالناصر محمود شذرات إسلامية 0 09-04-2015 02:04 PM
الحلف المصري الإماراتي عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 08-27-2014 03:17 PM
الرئيس اوباما يتمتع بصلاحيات شن هجوم على سوريا دون الرجوع للكونغرس عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 09-08-2013 06:48 AM
علماؤنا الرواد رفعوا مشعل النهضة والتقدم Eng.Jordan علماء عرب 0 11-03-2012 12:45 PM
حكم الحلف بحياة القرآن جاسم داود شذرات إسلامية 0 10-15-2012 04:14 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:38 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68