تذكرني !

 





التاريخ الإسلامي صفحات خالدة في التاريخ الإسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 04-13-2012, 09:25 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

فرار جلال الدين :

وبينما هم كذلك إذ جاء جنكيز خان بنفسه على رأس جيوشه ليرى ذلك المسلم الذي انتصر عليه مرتين في غزنة وكابل فدب الرعب والهلع في جيش المسلمين فقد قلت أعداد المسلمين وتحطمت معنوياتهم ؛ ورأى جلال الدين أن جيشه أصبح ضعيفاً فأخذ جيشه وبدأ يتجه جنوباً للهروب من جيش جنكيز خان أو على الأقل تجنب الحرب لكن جنكيز خان كان مصراً على الحرب ؛ وفعل جلال الدين مثل ما فعل أبوه من قبل فبدأ يتنقل من مدينة إلى مدينة ومن بلد إلى وبلد حتى وصل إلى حدود باكستان فاخترقها حتى وصل إلى نهر " السند " الذي يفصل بين باكستان والهند وهناك قرر العبور في نهر " السند " والدخول إلى أرض الهند مع أن علاقته بأهل الهند علاقة سيئة لكن كان أرحم عنده من لقاء جنكيز خان ولكن عند نهر السند لم يجد السفينة التي يعبر بها مثلما وجدها أبوه من قبل ؛ فأنتظر وفوجئ بعد قليل بجيش جنكيز خان من خلفه فلم يكن هناك بُد من القتال..

فنهر السند من خلفهم والسفن على مسافة بعيدة ؛ فدارت موقعة رهيبة بكل معاني الكلمة فكل المشاهدين لهذه الموقعة قال أن كل ماضي من الحروب كان لعباً بالنسبة إلى هذا القتال واستمرت الموقعة الرهيبة ثلاثة أيام متصلة واستحر القتل في الفريقين وكان ممن قتل في صفوف المسلمين الأمير " ملك خان " أمير هراه ؛ وفي اليوم الرابع انفصلت الجيوش لكثرة القتل وبدأ كل طرف يعيد حساباته ؛ وبينما هم في هذه الهدنة المؤقتة جاءت السفن إلى نهر السند فلم يضيع جلال الدين أي وقت في التفكير فأخذ القرار السريع في الهروب وقفز الزعيم المسلم إلى السفينة ومعه خاصته ومقربيه وعبروا نهر السند إلى بلاد الهند وتركوا التتار على الناحية الغربية للنهر .

سقوط غزنة:


بعد ذلك انقلب جنكيز خان على بلاد المسلمين يصب عليها عظيم غضبة نتيجة الهزيمتين اللتان لحقتا بجيوشه من قبل ويفعل بها ما اعتاد التتار أن يفعلوه وأكثر ؛ وكانت أشد المدن معاناة مدينة " غزنة " عاصمة جلال الدين بن خوارزم وهي المدينة التي هُزم عندها قبل ذلك جيش جنكيز خان ؛ فقتل كل رجالها بلا استثناء وسبى كل الحريم وأحرق كل الديار وتركها كما يقول ابن الأثير " خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس " وكان ممن أمسك به جنكيز خان من أهل المدينة أطفال جلال الدين بن خوارزم فأمر جنكيز خان بزبحهم جميعاً وهكذا ذاق جلال الدين من نفس المرارة التي ذاقها الملايين من شعبه ؛ روى البيهقي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) قال " كن كما شئت فكما تدين تدان " ؛ وبذلك حقق جنكيز خان حلماً غالياً ما كان يتوقع أن يكون بهذه السهولة وهو احتلال أفغانستان .

وكان هذا لعدة أمور :

1/ للطبيعة الجبلية للدولة التي تجعل غزوها شبه مستحيل ؛ وبذلك فهي تمثل حاجزاً طبيعياً قوياً في وجه الغزاة ؛ هذا الحاجز يخفف الوضع على البلاد المجاورة لأفغانستان فإن سقطت أفغانستان كان سقوط هذه البلاد المجاورة محتملاً جداً وسيكون غزو أو مساومة باكستان وإيران والعراق أسهل كثيراً .

2/ الموقع الإستراتيجي الهام لأفغانستان فهي تقع في موقع متوسط من أسيا ؛ فالذي يمتلك أفغانستان فكأنه ينظر بزاوية بدرجة 360 على المنطقة بأسرها ؛ فهو على بُعد خطوات من دول في غاية الأهمية ؛ فهو لا يراقب باكستان وإيران فقط ولكن يراقب أيضاً دولاً خطيرة في المنطقة مثل روسيا والهند ؛ وفوق ذلك هو قريب نسبياً من الصين فتصبح السيطرة على كامل آسيا بعد احتلال أفغانستان أمراً ممكناً .

3/ الطبيعة الجبلية لأفغانستان أكسبت الشعب الأفغاني صلابة وقوة قد لا تتوفر في غيرها من البلاد إن سقط هؤلاء الأفغان فسقوط غيرهم سيكون أسهل بلا شك .

4/ يتمتع سكان أفغانستان بنزعة إسلامية عالية وروح جهادية بارزة ومميزة وليس من السهل أن يقبلوا بالإحتلال وظهر ذلك جلياً في انتصارين متتاليين علي التتار فكل الجيوش الإسلامية قبل ذلك فشلت في حربها مع التتار وهذه أول مرة يهزم التتار هزيمتين متتاليتين وكان ذلك في أفغانستان فلو سقط هؤلاء القوم فهذا يعد نجاحاً كبيرا للقوي المعادية للمسلمين .

وبذلك يكون التتار قد وصلوا من الصين إلى كازاخستان ثم أوزبكستان ثم تركمنستان ثم أفغانستان ثم إيران ثم أذربيجان ثم أرمينيا وجورجيا واقتربوا جدا من العراق كل ذلك في سنة 617 ففي سنة واحدة اجتاح التتار هذا الجزء الشرقي من العالم الإسلامي .


سقوط مراغة:

في بداية عام 618 ه دخل التتار مدينة مراغة المسلمة وهي تقع في إقليم أذربيجان ومن عجيب الأمور أن امرأة مسلمة كانت تحكم هذه المدينة ، حاصر التتار مراغة ونصبوا حولها المنجنيق وبدأ القتال من التتار للمسلمين بواسطة الأسري المسلمين الذين بدأو بفتح مراغة ، وبدأ الأسري المسلمين يقتلون إخوانهم المسلمين في مراغة طمعاً في قليل من الحياة ودخل التتار المدينة المسلمة في 4 صفر سنة 618 ه ووضعوا السيف في أهلها فقتل منهم كما يقول ابن الأثير ( ما يخرج عن الحد والإحصاء ) ونهبوا كل ما صلح نهبه وكل ما استطاعوا أن يحملوه والذي لم يستطيعوا حمله كانوا يجمعونه ويحرقونه فكانوا يأتون بالحرير الثمين كأمثال التلال فيحرقونه بالنار ، ويقول ابن الأثير ( إن المرأة من التتار كانت تدخل الدار فتقتل جماعة من أهل الدار رجالا ونساء وأطفالا ما يتحرك لها أحد ) وذكر أيضاً أنه (قد سمع بنفسه من بعض أهل مراغة أن رجلا من التتر دخل درباً به مائة رجل مسلم فما زال يقتلهم واحداً تلوا الآخر حتى أفناهم جميعاً ولم يرفع إليه رجل واحد يده بسوء فوضعت الذلة علي الناس لا يدفعون عن أنفسهم قليل ولا كثير) .


الخليفة والتتار:

ثم بدأ التتار يفكرون جدياً في غزو مدينة " أربيل " التي تقع في شمال العراق فدب الرعب في المدينة وكذلك في مدينة " الموصل " التي تقع غرب أربيل ؛وفكر بعض أهل أربيل والموصل في الهروب من طريق التتار ؛ فخشي الخليفة العباسي " الناصر لدين الله " أن يعدل التتار عن أربيل ويتجهوا إلى بغداد فبدأ يفيق من ثباته العميق فبدأ يستفر الناس لملاقاة التتار في أربيل إذا وصلوا إليها ؛ فأعلن حالة الأستنفار العام في كل مدن العراق التي تقع تحت سيطرته فبدأ جيش الخلافة العباسية في التجهز وكان كل ما جمعه الخليفة من الإستنفار العام للمعركة ثمانمائة رجل فقط ولم يستطع قائد الجيش العباسي وكان يدعى " مظفر الدين " أن يلتقي بالتتار بهذا العدد الهزيل ؛ فعندما رأى أمامه جيش التتار وهم مئات الآلاف وهو لا يتعدى الثمانمائة رجل فانسحب من أمامهم ..

ولكن –سبحان الله – فقد حدث أمر غريب وهو أن التتار شعروا أن هذا الأنسحاب خدعة وأن هذه الفرقة ما هي إلا مقدمة للجيش الإسلامي الكبير ؛ فلا يُعقل أن جيش الخلافة العباسية المرهوبة لا يزيد عن ثمانمائة جندي لذلك قرر التتار تجنب المعركة وانسحبوا بجيوشهم وآثروا أن يدخلوا مع الخلافة في صدام مباشر واستبدلوا ذلك بما يعرف بحرف الاستنزاف فسيقومون بضربات خاطفه موجعة للعراق ؛ سيحاصرون العراق حصاراً طويلاً مستمراً لإضعاف العراق ثم القيام بأحلاف واتفاقيات مع الدول والأمارات المجاورة للعراق لتسهيل الحرب ضد العراق في الوقت المناسب ؛ لذلك انسحب التتار ليطول عُمر العراق عدة سنوات أُخرى .

تبريز:

انسحب التتار من أربيل إلى مدينة " تبريز " وهي مدينة إيرانية وكان قائدها كما ذكر سابقاً يدعى " أوزبك بن البهلوان " الذي كان لا يفيق من شرب الخمر ؛ فعاد التتار إلى تبريز ليحاولوا مخالفة العهد الذي عقدوه مع أوزبك لكن فوجئ التتار بتغيير الحكم في المدينة وتولى قيادة البلاد رجلاً يدعى " شمس الدين الطغرائي " وكان رجلاً مجاهداً يفقه دينه ودنياه فقام – رحمه الله- يحمس الناس على الجهاد وعلى إعداد القوة ؛ وقوى قلوبهم على الأمتناع حذرهم من عاقبة التخاذل والتواني فعلمهم ما عرفوه نظرياً قبل ذلك ولم يطبقوه أبداً بصورة عملية في حياتهم فعلمهم أن الإنسان لا يموت قبل ميعاده أبداً وأن رزقه وأجله قد كتب له قبل أن يولد وأنهم مهما فعلوا للتتار فلن يتركوهم إلا إذا احتمى المسلمون وراء سيوفهم ودروعهم أما بغير قوة فلن يحمى حق على وجه الأرض ؛ فتركت الحمية في قلوب أهل تبريز فقاموا مع قائدهم البار يحصنون بلدهم ويصلحون الأسوار ويوسعون في الخندق ويجهزون السلاح ويضعون المتاريس ويرتبون الصفوف ؛ فتجهز القوم وللمرة الأولى منذ زمن للجهاد في سبيل الله فسمع التتار بأمر المدينة وسمعوا بحالة العصيان المدني فيها وحالة الأستنفار العام وسمعوا بدعوة التجهز للقتال في سبيل الله فسمعوا بكل ذلك فماذا فعل التتار ..

وأخذ التتار قراراً عجيباً فقرروا عدم دخول " تبريز " وعدم الدخول في قتال مع قوم قد رفعوا راية الجهاد في سبيل الله والقى الله – عز وجل – الرعب في قلوب التتار على كثرتهم من أهل تبريز على قلتهم ؛ الجهاد في سبيل الله فعل فعلته المتوقعة بل إن القوم لم يجاهدوا ولم يصلوا إلى مرحلة الجهاد لكن عقدوا النية الصادقة وأعدوا الإعداد المستطاع فتحقق الوعد الرباني الوعد الذي لا خلف له وهو وقوع الرهبة في قلوب الأعداء عند إعداد المسلمين قال تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " ؛ فما حجم تبريز بالنسبة لجيوش التتار وما حجمها بالنسبة للمدن والدول الإسلامية التي سقطت ؛ قال تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " فما النتيجة " ترهبون به عدوا الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون " .

كانت هذه صورة مشرقة في وسط هذا الركام المظلم ورحم الله " شمس الدين الطغرائي " الذي جدد الدين في هذه المدينة المسلمة وسبحان الله – نفس هذا الحدث تكرر مع مدينة " كنجه " فقد أعلنت أيضاً الجهاد في سبيل الله وأعدت العدة فلم يدخل إليها تتري واحد .

سقوط داغستان والشيشان:

ترك التتار تبريز وكنجه واتجهوا إلى داغستان والشيشان وهما تقعان في شمال أذربيجان على ساحل بح قزوين فقام التتار كعادتهم بتدمير كل شئ في هذه البلاد وقتل معظم من وجدوه في طريقهم وكانت أشد المدن معاناة هي مدينة " شماخي " وهي تقع في دولة داغستان حالياً .

الهجوم على روسيا:

ترك التتار هذه المنطقة وجاوزوها إلى ما بعدها وهي " روسيا " ؛ ودخل التتار أرض روسيا وكانت في ذلك يعيش فيها النصارى واستمر التتار في تقدمهم حتى وصلوا إلى حوض نهر " الفولجه " في روسيا وقاتلوا أهل هذه البلاد من النصارى وأثخنوا فيهم القتل وارتكبوا معهم من البشائع ما كانوا يرتكبونه مع المسلمين وبقوا تقريباً سنة 618 – في داخل أرض روسيا وهي أراض واسعة فسيطروا على الجنوب الغربي من أرض روسيا في هذه السنة .

دخول سنة 620:

بينما كان جنكيز خان يبسط سطوته على الدولة الخوارزمية وما حولها استمرت الحملات التترية على روسيا وانشغل التتار بحرب روسيا في سنة 620؛ لكن في هذه السنة نعلق فيها على أربعة أحداث فقط :

1/ توغل التتار في بلاد روسيا وحققوا انتصارات عديدة لكن في نهاية المطاف توقفوا أمام طائفة تدعى طائفة " البلغار " وحدثت بينهم موقعة عظيمة هُزم فيها التتار هزيمة منكرة وقتل منهم خلقاً كثيراً إلى حد أن التتار فقدوا السيطرة على معظم المناطق الغربية التي كانوا يحتلونها ففقدوا السيطرة على روسيا وجورجيا وأرمينيا والشيشان وداغستان وأذربيجان وشمال إيران هذا كله نتيجة هزيمة واحدة في روسيا وكانت هذه فرصة من السماء للمسلمين لكي يعيدوا ترتيب الأوراق وترتيب الصفوف وتجهيز العدة ليقابلوا التتار وهم في حالة إرتباك بعد هذه الهزيمة الكبيرة ؛ كان هذا هو المتوقع لكن لم يحدث شئ من هذا القبيل وما حدث هو أن أحد أمراء المسلمين في هذه المنطقة جمع عُدته وعتاده وهجم على قبائل الكرج في جورجيا ؛ وهذا الحدث يحتاج إلى وقفة فهذا حدث عجيب في هذا الوقت نعم بين الكرج والمسلمين حروب مستمرة إلا أنهم الآن في شبه هدنة غي رسمية فليس من الحكمة أبداً فتح جبهات جديدة على المسلمين في وجود العدو الأكبر لهم وهو التتار وبالأخص أن الكرج أيضا يعانون مما يعاني منه المسلمون فالكرج يكرهون التتار وأصيبوا كما أصيب المسلمون من التتار ؛ فكان المتوقع في ذلك الوقت من المسلمين إن كانوا يتحلون بالحكمة السياسية أن يتحالفوا بحذر مع الكرج ضد التتار أو على الأقل يحيدوا صفهم لكن يدخلوا في حرب مع الكرج يستنزفوا فيها قوة المسلمين وقوة الكرج في وجود القوة التترية الضخمة إلى جوارهم فهذا يعتبر من سوء الحكمة في تقدير الأمور ..

ودارت الحرب بين الطرفين وفقد كل منهما عدداً كبيراً من القتلى والأهم من ذلك أنهم فقدوا الثقة وإمكانية التحالف ضد التتار ولم يستغل المسلمون موازين القوى في ذلك الوقت لصالحهم فكان هذا من أهم أسباب ضعفهم ؛ ثم سكنت الحرب وأُقيم الصلح من جديد بين الكرج والمسلمين لكن بعد فقد طاقة مهولة من الطرفين .

2/ نتيجة هزيمة التتار في هذه المنطقة ظهر أحد أبناء " محمد بن خوارزم " غير جلال الدين يُدعى " غياث الدين بن محمد بن خوارزم " ؛ فقام غياث الدين هذا بجمع الرجال وأشغل الفراغ النسبي الذي خلفه التتار وتملك المنطقة وسيطر على معظم إيران من مدن الري واصبهان وغيرها ووصل في سيطرته إلى إقليم كرمان في باكستان وهذه المنطقة كما ذكرنا لم يصل إليها التتار وأصبحت سيطرة غياث الدين بن خوارزم على مناطق شمال وغرب وجنوب غيران أما المنطقة الشرقية فما زالت تحت الأحتلال التتري وهي إقليم خُرسان فالتتار ملاصقون تماماً لغياث الدين ؛ فكان المتوقع من الخليفة العباسي " الناصر لدين الله " في ذلك الوقت أن يساعد غياث الدين بن خوارزم لأنه يقف بينه وبين التتار فكان المتوقع أن يساعده إن لم يكن بدوافع الدين والأخوة والنصرة للمسلمين فليكن بسبب الأبعاد الإستراتيجية الهامة فهو يقف كحائط صد أمام الخلافة العباسية لكن الخليفة العباسي لم يدرك هذه الأبعاد وكان الناصر لدين الله كما يقول المؤرخون " رجلاً ظالماً مستبداً فرض المكوس والضرائب على كل شعبه فكل أزمة إقتصادية تحدث يفرض ضريبة جديدة فيحل الأزمة من قوت الشعب وكان مهتماً بالحفلات والملذات والصيد واللعب وعم الفساد في زمانه فارتفعت الأسعار وقلت المؤن والموارد ؛ فلم ينس الناصر لدين الله الخلافات القديمة مع الدولة الخوارزمية فهو يريد أن يفكك الدولة التي بدأت تنموا بجواره بقيادة غياث الدين فراسل خال غياث الدين وكلن يُدعى " إغان طائسي " وكان رجلاً كبير صاحب رأي في الحرب وكان أميراً في جيش غياث الدين فراسله الخليفة العباسي ووعده أن يساعده في حالة ما إذا انقلب على غياث الدين وأمده بالجند والسلاح والأفكار ولم يهمه مطلقاً الفتنة التي ستحدث في إيران إلى جواره تماماً وأعجبت الفكرة " إغان طائسي " وجمع الجند وبدا ينادي بالعصيان ضد غياث الدين وهو ابن أخته فحدث ما لم يُتوقع ؛ التقى إغان طائسي مع ابن أخته غياث الدين في موقعة فاصلة للسيطرة على إيران ودارت موقعة كبيرة وسقطت الأعداد الكثيرة من المسلمين قتلى بسيوف المسلمين وفي النهاية إنهزم إغان طائسي وهرب هو ومن معه بعد أن قُتل عدد كبير من جنده .


3/ هذه الحادثة التي سنتحدث عنها ذكرها بن الأثير في كتابه وقدم لها عبارة فقال " حادثة غريبة لم يوجد مثلها " وهي أن مملكة الكرج النصرانية بعد أن أتمت صلحها مع المسلمين وصل إلي قمة الحكم فيها امرأة وكانت غير متزوجة فطلب منها الأمراء أن تتزوج رجلاً يدير عنها البلاد فوافقت وأرادت أن تتزوج من بيت يكون بيت ملك وشرف فلم تجد أي بيت في مملكتها فسمع بذلك أحد ملوك المسلمين يدعى " مغيث الدين بن طغرر شاه بن قلج أرسلان " من ملوك السلاجقة وكان يحكم منطقة الأناضول وكان له ابن كبير فأرسل إلى ملكة الكرج وطلب منها أن يزوجها لابنه فرفضت الملكة وقالت أنها لا تتزوج من رجل مسلم فلا يمكن أن يملك مملكة الكرج رجل مسلم فقال لهم :" إن ابني يتنصر ويتزوجها " ؛ فوافقوا على ذلك وتنصر الولد المسلم وتزوج ملكة الكرج وانتقل إلى مملكتهم ليكون حاكماً عليهم وبقي على نصرانيته ؛ وللعبرة أن هذا الولد مات على نصرانيته محبوساً في مملكة الكرج بعد أن عزلوه عن الحكم – فإنا لله وإنا إليه راجعون- .
4/ هجم الجراد بكميات هائلة على أكثر أقاليم المسلمين فأهلك الكثير من الغلات والخُضر بالعراق والجزيرة والشام وفارس وغيرها .

دخول سنة 621:

نعلق فيها على ثلاثة أحداث فقط :

1/ حدث بين " غياث الدين " الذي كان يحكم إيران في ذلك الوقت حدثت حدث بينه وبين أحد الأمراء في هذه المنطقة فتنة وهذا الأمير هو " سعد الدين دكنه " ودار بينهما قتال طويل حتى رضي الطرفان بتقسيم البلاد إلى نصفين شمالي وجنوبي فالجنوب به " سعد الدين دكنه " والشمال به " غياث الدين " .

2/ دخل ثلاثة آلاف جندي تتري إلى إيران فوضعوا السيف في مدن ( الري – ساوا – قُم – قاشان – همدان ) ولم يُرفع في وجههم سيف .

3/ قلت الأمطار في البلاد في هذه السنة فكانت الأمطار تجئ قليلة جداً وفي أوقات متفرقة وخرج عليهم الجراد للمرة الثانية ليأكل الزرع القليل الذي خرج في وجود المطر القليل وغلت الأسعار في العراق – الموصل – وسائر ديار الجزيرة وهي المنطقة الشمالية من العراق وسوريا .
..........................
يتبع
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-13-2012, 09:26 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

دخول سنتي 622 و 623:

1/ خفت في هاتين السنتين القبضة التترية على غرب الدولة الخوارزمية وغرب وشمال إيران ؛ واكتفوا ببعض الحملات المتباعدة واهتموا بتوطيد الملك في أركان الدولة الخوارزمية الشاسعة التي وقعت في أيديهم ؛ لكن حدث أمر جديد في هاتين السنتين فقد ظهر على مسرح الأحداث فجأة "جلال الدين بن محمد بن خوارزم شاه " الذي لم يستطع العيش في بلاد الهند بسبب علاقته السيئة مع الغوريين حكام الهند في هذه الفترة فعندما رأى أن الأوضاع قد استقرت نسبياً في إيران والتتار قد اكتفوا بتوطيد الملك في أركان الدولة الخوارزمية الشرقية رأى أن الوقت قد أصبح مناسباً فدخل أرض إيران يبحث عن ملكه الضائع وكان الذي يحكم إيران في ذلك الوقت هو أخوه "غياث الدين " في الشمال وسعد الدين دكنه في الجنوب ؛ فتحالف " جلال الدين بن محمد بن خوارزم " مع " سعد الدين دكنه " ضد أخيه " غياث الدين بن محمد بن خوارزم " وبدأ جلال الدين في غزو إقليم فارس ( إيران حالياً ) من الجنوب إلى الشمال ووصل إلى غرب إيران وسيطر على كل المنطقة الغربية من إيران ووجد جلال الدين نفسه قريباً من الخلافة العباسية في العراق فتذكر الخلافات القديمة بينه وبين الخلافة العباسية فقرر غزو الخلافة العباسية فدخل بجيشه البصر وحاصرها وأهلها من المسلمين فحاصرها شهرين فلم يستطع دخولها فتركها وأتجه إلى الشمال واقترب من بغداد فحاصرها فخشي الناصر لدين الله الخليفة العباسي على نفسه وعلى مدينة فحصن المدينة وجيش الجيوش لكن فعل فعلاً شنيعاً بشعاً لا يتخيل يقول ابن الأثير تعليقاً على هذا الفعل " فعل الذنب الذي يتصاغر إلى جواره كل الذنوب " أرسل إلى التتار يستعين بهم على حرب جلال الدين لكن التتار في ذلك الوقت كانوا منشغلين عن حرب جلال الدين ولم يأتوا لمساعدة الخليفة ولم يستطع جلال الدين دخول بغداد فتركها وانتقل إلى غيرها من البلاد ؛ وكانت حروبه هو ومن معه من الجنود الخوارزمية حروب شرسة مفسدة مع أن كل البلاد المغنومه بلاد إسلامية كان يفعل بهم الأفاعيل من قتل وسبي ونهب وتخريب ؛ فبلغ سلطان جلال الدين من جنوب فارس إلى الشمال الغربي لبحر قزوين وهي وإن كانت منطقة كبيرة إلا أن كلها قلاقل وأضطرابات بالإضافة إلى العداءات الكثيرة التي أورثها جلال الدين في قلوب كل سكان المنطقة.


2/ في أو آخر عام 622- توفي الخليفة العباسي " الناصر لدين الله " الذي حكم البلاد لمدة 47سنة وتولى ابنه الحكم وهو " الظاهر بأمر الله " لكن كان الولد على النقيض تماماً من أبيه فكان رجلاً صالحاً تقياً أظهر من العدل والإحسان ما لم يسبق إلا عند القليل إلى حد أن ابن الأثير يقول " أنه لو قيل أنه لم يلي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً " فرفع الضرائب الباهظة عن الناس وأعاد إليهم حقوقهم وأخرج المظلومين من السجون وتصدق على الفقراء حتى قيل في حقه " أنه كان غريباً تماماً على هذا الزمان الفاسد " ولقد قال ابن الأثير عنه " إني أخاف أن تقصر مدة خلافته لأن زماننا وأهله لا يستحقون خلافته " وصدق ظن ابن الأثير فلم يمر إلا تسعة أشهر فقط وتوفي الظاهر بأمر الله وقد ذكر الرواة أن الأسعار في أيامه رخصت جداً وتحسن الاقتصاد في العراق في تسعة أشهر فقط ؛ وتولى الحكم من بعده " المستنصر بالله " وفي هذه الأثناء كان جلال الدين مستمراً في حروبه في هذه المنطقة ضد المسلمين .

دخول سنة 624:

1/ أستمر جلال الدين في هذه السنة في حروبه ضد المسلمين ومما يذكر عنه أنه حاصر مدينة " أخلاط " في تركيا وهي مدينة مسلمة فقتل منها خلقاً كثيراً وامتدت أيدي الجنود الخوارزميين إلى كل شئ في المدينة بالسلب والنهب حتى سبوا الحريم المسلمين .

2/ وفي هذا العام حدث أمر هام هو وفاة القائد التتري المجرم السفاح " جنكيز خان " لعنه الله- وعمره 72 عاماً ملأ هذه الأعوام بالدماء والسلب والنهب والقتل فأقام مملكة واسعة من كوريا في الشرق إلى فارس في الغرب بنيت هذه المملكة على جماجم البشر ومعظمهم من المسلمين ؛ وبموته هدأت الأمور نسبياً في المنطقة واحتفظ التتار بما ملكوه من بلاد المسلمين إلى وسط إيران تقريباً وجلال الدين يبسط سيطرته على المناطق الغربية من إيران والمناطق الغربية من بحر قزوين ؛ وتوقف القتال وكأن كل فريق رضي بما يملك واستقرت الأمور من سنة 624 عند وفاة جنكيز خان إلي سنة 627 .

دخول سنة 626:

في هذا العام وأثناء فترة الهدوء النسبي حدث أمر هلم وهو تسليم بيت المقدس الذي حرره " صلاح الدين " رحمه الله- قبل ذلك بأربعين سنة إلى الصليبيين صلحاً لأن أمراء الشام اتفقوا علي إعطاء بيت المقدس للصليبيين ليساعدوهم في غزو مصر .

دخول سنة 628:


انتهت فيها فترة الهدوء النسبي فهذه السنة تحمل هجمة تترية جديدة على العالم الإسلامي ؛ استقر مُلك التتار في منغوليا ومات جنكيز خان منذ أربعة سنوات وتولى القيادة من بعده زعيم تتري جديد يُدعى " أوكي تاي " خاقان جديد للدولة التترية ؛ نظم هذا الخاقان أمور الدولة التترية في الأربع سنوات الماضية في منطقة الصين ومنغوليا وبدأ يفكر من جديد في اجتياح العالم الإسلامي بل وفكر في استكمال الحروب داخل روسيا ويدخل أوروبا وقرر عدم الهجوم على الخلافة العباسية في ذلك الوقت .

تقييم أوضاع العالم ككل حتى سنة 639:

1/ وصلت حدود دولة التتار في هذه السنة من كوريا شرقا إلى بولندا غرباً ومن سيبريا شمالاً إلى بحر الصين جنوباً فأصبحت قوة التتار في ذلك الوقت هي القوة الأولى في العالم بلا منازع .

2/ تولى قيادة التتار بعد " أوكي تاي " إبنه " كيوك بن أوكي تاي " وكان له الرأي في تثبيت الأقدام في البلاد المفتوحة ؛ ولم يكن لديه سياسة توسعية كأبيه فأوقف الفتوحات في أوروبا والعالم الإسلامي .

3/ ابتلع التتار في فتوحاتهم السابقة النصف الشرقي للأمة الإسلامية وضموا معظم الأقاليم الإسلامية في آسيا إلى دولتهم فقضوا على معظم مظاهر الحضارة في هذه المناطق كما قضوا على أي نوع من المقاومة في هذه المناطق الواسعة .

4/ ظل القسم الأوسط من العالم الإسلامي وهو يبدأ من العراق إلى مصر مفرقاً ومشتتاً وانشغل حُكام هذه المناطق بالصراعات الداخلية بينهم وأزداد تفككهم بصورة كبيرة كذلك كان القسم الغربي من العالم الإسلامي الذي يضم كلاً من ليبياً وتونس والجزائر والمغرب وغرب أفريقيا وكان أيضاً هذا القسم مفككاً تماماً بعد سقوط دولة الموحدين .

5/ ذاق الأوروبيين النصارى من ويلات التتار كما ذاق المسلمون وذبح منهم مئات الآلاف أو الملايين ودُمرت كنائسهم وأحرقت مدنهم وهددوا تهديداً كبيراً خوفا من أن يصل التتار إلى روما عُقر دار الكاثوليكية في أوروبا .

6/ مع أن النصارى رأوا أفعال التتار إلا أن الملوك النصارى في أوروبا الغربية في ( فرنسا- إنجلترا – إيطاليا – ألمانيا ) فكانوا يرون أن هذه مرحلة مؤقتة سوف تقف أما حروب النصارى الصليبيين ضد المسلمين فكانت في رأيهم حروب دائمة لا تنتهي ومن ثم اعتقد ملوك الصليبيين أنهم لابد أن يتعاونوا تعاوناً تعاوناً كاملاً مع التتار ضد المسلمين بالرغم من كل الأعداد الهائلة من النصارى التي ذبحت على أيدي التتار .

فلماذا يعتقد الصليبيين أن حرب المسلمين دائمة وحرب التتار مؤقتة:

لأن حرب الصليبيين مع المسلمين حرب عقائدية فالعداء بين المسلمين والصليبيين على أساس ديني فالصراع بينهما أبدي ؛ فالنصارى لن ينهوا القتال إلا بدخول إحدى الطائفتين في الأخرى كما يقول الله –عز وجل – في كتابه الكريم " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم " .

أما حروب التتار فهي لم تكن حروب عقائدية أبداً فعقيدة التتار كانت عقيدة مشوهة باهتة مجموعة من أديان شتى فلم يُسمع عن قائد تتري واحد حاول أن ينشر هذه العقيدة في البلاد المفتوحة إنما كان كل هدف التتار هو الإباده والتشريد وجمع المال وسبي النساء والأطفال وإلى ذلك من أمور التخريب ومن كانت هذه صفته فلم يُكتب له الإستمرار أبداً لذلك على الغم من الصدمات التي تلقتها أوروبا على يد التتار إلا أن أوروبا استمرت في تكثيف الجهود لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع التتار .

7/ بدأ يحدث تغير عقائدي في الجيش التتري بعد حملات التتار في أوروبا وذلك بزواج عدد كبير من قادة التتار من فتيات نصرانيات أوروبيات وبذلك بدأت الديانة النصرانية تتغلغل نسبياً في الجيش المغولي وهذا ساعد على إمكانية التعاون التتري الصليبي فيما بعد وأن يجتمع الحقد التتري مع الحقد الصليبي على إسقاط الخلافة العباسية واجتياح الشام .

8/ استمرت الحروب الصليبية الأوروبية على المسلمين في مصر والشام فلم تنقطع مع كل هذه المجازر التترية في أوروبا ؛ فلم تنقطع المجازر الصليبية في بلاد الشام ومصر وكانت مصر وبلاد الشام في ذلك الوقت تحت حكم الأيوبيين ودار الصراع بينهم على حكم هذه المقاطعات وأصبح المسلمون يقعون في مثلث خطير فالصليبيين من ناحية والتتار من ناحية أخرى وزعماء المسلمين من ناحية ثالثة .

9/ في عام 640- توفي المستنصر بالله الخليفة العباسي وتولى الخلافة " المستعصم بالله " ابن المستنصر بالله وكان عمره آن ذاك 30 عاماً وستسقط الخلافة العباسية في زمانه .
10- لم يبق فاصل بين التتار والخلافة العباسية في العراق إلا شريط ضيق في غرب إقليم فارس وكانت تعيش في طائفة الإسماعيلية الشيعية .

ما حدث من سنة 639 إلى سنة 649:

بعد تولية " كيوك بن أوكي تاي " خاقاناً جديداً للتتار فقرر أن يوقف الحملات التترية التوسعية وقرر أن يتفرغ لتثبيت الأقدام في أجزاء المملكة الواسعة وحكم التتار من سنة 639- إلى سنة 646- فلمدة سبع سنوات لم يدخل التتار في هذه السنوات أي بلد جديد ؛ فرأى الصليبيون في غرب أوروبا هذا النهج غير التوسعي لدى " كيوك " فتجددت الآمال في التعاون معهم ضد المسلمين فأرسل البابا " إنوسنت الرابع " سفارة صليبية إلى منغوليا في سنة 643- والمسافة بين روما وقرقورم 12ألف كم مربع ذهاباً فقط ؛ فأرسل إليه رسالة يعرض عليه فيها التوحد لحرب المسلمين في مصر والشام ولم يكن من أهداف هذه السفارة أن ترفع الظلم عن نصارى أوروبا وروسيا لأن معظم البلاد التي وقعت في أيدي التتار في أوروبا وروسيا كانوا من النصارى الأرثوذكس ..

فوصل الوفد الصليبي إلى قرقورم وسلم رسالة البابا إلى خاقان التتار ؛ فوجد أن البابا بالإضافة إلى طلبة توحيد العمل العسكري ضد المسلمين فهو يدعوه إلى اعتناق النصرانية فاعتبر خاقان التتار ذلك تعدياً خطيراً من البابا فكيف يطلب من خاقان التتار أعظم دولة على وجه الأرض في ذلك الزمن أن يغير من ديانته مع أن الديانة النصرانية بدأت تتغلغل في البلاط المغولي لكن هذا تعدياً كبيراً على خاقان التتار فرفض السفارة الصليبية إلا بشرط واحد فقط وهو أن يجتمع أمراء الغرب الأوروبي جميعاً ليأتوا إلى منغوليا لتقديم قروب الولاء والطاعة للخاقان التتري بالطبع رفض ملوك أوروبا هذا الشرط وبذلك فشلت السفارة الأوروبية الأولى ؛ فلم ييأس البابا " أنوسنت الرابع " وأخذ يبحث في قواد الجيش التتري في مناطق العالم المختلفة على من عنده الرغبة والحمية في غزو العالم الإسلامي فوجد ضالته في قائد المنطقة الغربية لدولة التتار الذي كان يتمركز في منطقة "أذربيجان وفارس " وهو القائد التتري الكبير " بيجو " وهو من أشهر قواد التتار وفي سنة 645- وبعد السفارة الأولى بعامين أرسل البابا رسالة جديدة إلى " بيجو " في فارس وكان هذا القائد لديه حب ورغبه شديدة في العدوان والهجوم وكانت رغبته الشديدة في التوسع في أراضي المسلمين فوجدت السفارة ترحيباً كبيراً من بيجو وتوقع أن هجوم الصليبيين على مصر والشام سوف يشغل المسلمين في هذه المناطق عن الدفاع عن الخلافة العباسية وبذلك يستطيع أن يتقدم في داخل أراضي العراق ..

لكن بيجو لم يكن لدية الصلاحيات الكافية لإجراء المعاهدات والمفاوضات مع البابا وغيره فأرسل إلى كيوك وكان مصمماً على عدم التوسع ومصر على قدوم ملوك أوروبا إلى قورقورم لتقديم قروب الولاء والطاعة ففشلت هذه السفارة الثانية .

وفي ذلك الوقت كان " لويس التاسع " ملك فرنسا كان يجهز الحملة الصليبية المشهورة على مصر والمعروفة بالحملة الصليبية السابعة وكان يتمركز في جزيرة قبرص لتجميع الجيوش الفرنسية وغيرها لغزو مصر ؛ وفي سنة 646- وبعد سنة من السفارة الصليبية إلى بيجو فكر لويس التاسع في أن الأمل لم ينقطع بعد في التعاون مع التتار فأرسل سفارة صليبية ثالثة من قبرص إلى منغوليا لمحاولة إقناع التتار بالتعاون من جديد وزود هذه السفارة بالهدايا الثمينة وغيرها لكن وصلت هذه السفارة إلى " قورقورم " العاصمة التترية فوجدت أن الخاقان التتري " كيوك " قد مات وأولاده صغار لا يستطيعون تولي مقاليد الحكم فتولت الحكم أرملته أم أولاده الثلاثة الصغار وكانت تُدعى " إغول قينيش " فتولت الوصاية على أولادها وبالتالي تولت حكم التتار من سنة 646- إلى سنة 649..

فتوجهت سفارة لويس التاسع إلى ملكة التتار فاستقبلتهم الملكة بحفاوة لكن إعتذرت عن إمكانية التعاون معاً لأنها مشغولة بالمشاكل الضخمة التي طرأت في المملكة التترية الضخمة نتيجة موت " كيوك " بالإضافة إلى أن عامة قواد الجيوش التترية لم يكونوا يقبلوا ببساطة على حكم امرأة لدولة التتار فهي دولة تعتمد في أساسهاً على البطش والإجرام والقوة والأوضاع كانت غير مستقرة في منغوليا وغيرها من البلاد فالمطلوب أن يتولى القيادة رجل حازم ؛ فردت السفارة وعادت السفارة الصليبية الثالثة دون نتيجة لكن مع ذلك لويس التاسع أصر على الحرب وغزا بالفعل مصر ونزل إلى دمياط سنة 647- واحتلها وبدأت الحملة الصليبية السابعة على مصر وكان لها آثار كبيرة ..

فالأوضاع في منغوليا لم تكن مستقرة ولم يقبل التتار تولية امرأة عليهم ومن ثم اجتمع المجلس الوطني للتتار واختار في سنة 649- خاقاناً جديداً للتتار وهو " منكو خان " وهذا الإختيار أدى إلى تحول كبير في سياسة التتار وبداية تغيير جذري في المناطق المحيطة بهم وكانت لهذا الخاقان الجديد سياسة توسعية كبيرة شبيه بسياسة جنكيز خان المؤسس الأول لدولة التتار وشبيه أيضاً بسياسة أوكي تاي الذي فتحت أوروبا في عهده لذلك عندما تسلم مقاليد الحكم فكر في إسقاط الخلافة العباسية واجتياح الشام ومصر وإفريقيا فكان لدية أحلام توسعية في كل مكان على وجه الأرض وللأسف فإن حكام المسلمين في هذه الأثناء لم يكونوا على مستوى الأحداث ونسوا تماماً أمر التتار بسبب توقف التوسعات التترية لمدة عشرة سنوات فنسي الناس هذا الأمر بل ونسي الحكام والعلماء المسلمين أن الجزء الشرقي من العالم الإسلامي في أيدي التتار ونسوا أن التتار قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الخلافة العباسية والشام ومصر والحجاز إلى حد أن المؤرخين الذين يؤرخون لهذه الفترة لا يذكرون مطلقاً إي شئ عن التتار ..

وعلى سبيل المثال ففي البداية والنهاية لابن كثير وهو كما نعرف لم يعاصر هذه الحقبة من الزمان بل نقل عن المؤرخين الذين كانوا معاصرين لهذه الأحداث فلم يذكروا في هذه الفترة شيئاً عن التتار مطلقاً ففي البداية والنهاية من سنة 636- إلى سنة 649- لم يذكر شئ البتة عن التتار وكأن القضية التترية قد حُلت تماماً ؛ ولكن تجد أنه ذكر في هذه الفترة في البداية والنهاية أن ابن كثير يصف حياة طبيعية في العراق والشام ومصر أمور في غاية البساطة فمثلاً يذكر ابن كثير أن " الخليفة يعالج بعض المشاكل الإقتصادية " ؛ " قد يحدث وباء فيُعالج " ؛ " يحدث الغلاء فيشق ذلك على الناس فيمنح الخليفة بعض الأموال لمقاومة الغلاء " ؛ " يفتح مدرسة " ؛ " أحد الناس يفتح دار ضيافة " ؛ " أحد الناس يفتح داراً للطب " .................. وهكذا

سياسة منكو خان في عقد التحالفات:

1- كان من رغبات منكو خان أن يعقد تحالفات مع أمراء الممالك الصليبية الموجودة بالشام وذلك لشغل المسلمين في منطقة الشام وتركيا عن الخلافة العباسية ؛ ولتشجيع أمراء هذه الممالك أرسل إليهم ملك التتار يطلب التحالف في رسالة مع هيثوم ملك أرمينيا ووعدهم ملك التتار بأن يعطي لهم المقدس هدية إذا ساعدوه في إسقاط الخلافة العباسية ومع كل هذا التشجيع إلا أن أمراء الإمارات الصليبية بالشام ترددوا في ذلك بإستثناء واحد فقط وهو أمير أنطاكيا وكان يدعى "بوهمند" إستحسن الأمر وانضم مباشرة إلى ملك التتار أما بقية الأمراء الصليبيين في الشام رفضوا هذه المعاهدة لأسباب منها:

أ- هم يعلمون أن التتار لا عهد لهم فقد يبيعونهم دون ثمن .

ب- وهم يعيشون في قلب العالم الإسلامي فخطورة المسلمين عليهم كخطورة التتار .

2- سعى منكو خان إلى عقد بعض الإتفاقيات مع نصارى الشام والعراق ولكن هذه المرة مع الأمراء بل مع عامة النصارى الذين يعيشون في كنف العالم الإسلامي في الشام والعراق ولم تكون هذه الصفقات طبعاً معلنة بل كانت إتفاقيات سرية مع بعض رءوس النصارى ومع بعض القساوسة لكي يسهلوا مهمة دخول التتار إلى البلاد وينقلوا الأخبار من وإلى التتار ؛ ونجح منكو خان في الوصول إلى بعض رءوس النصارى الكبيرة في الشام والعراق وعلى رأسهم بطريرك بغداد وكان يدعى " ماتيكا " وكان عاملاً مساعداً هاماً في دخول بغداد .

3- عقد منكو خان معاهدات مع مملكة الكرج النصرانية ؛ فلكم ذاقوا على يد التتار الويلات لعدة مرات والآن يتعاهدون ويتعاقدون على حرب المسلمين .

4- عقد التتار بعض المعاهدات المقززة الشنيعة فكل المعاهدات السابقة شئ والمعاهدات التي ستذكر شئ آخر ؛ فهذه المعاهدات عقدت مع بعض أمراء المسلمين لضرب بلاد المسلمين ؛ وهذه المعاهدات لم يعقدها منكو خان بنفسه لكن إستهان بهؤلاء الأمراء الخونة ووكل هولاكو في أن يعقد هذه المعاهدات معهم وجاء أمراء المسلمين الضعفاء يسارعون إلى التتار الأقوياء ؛ قال تعالى " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو بأمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين " ؛ فجاء إلى هولاكو ليتحالف معه على حرب المسلمين كلاً من :

1/ " بدر الدين لؤلؤ " أمير المصل ليتحالف معه وبذلك تكون منطقة شمال العراق وهم الأكراد قد تحالفوا مع التتار لدخول بغداد من الشمال .

2/ وجاء كلاً من " كيكاوس الثاني " و " قلج أرسلان الرابع " سلطانا السلاجقه ليتحالفا مع هولاكو وهم أمراء تركيا التي تقع إلى الشمال من العراق وهو مكان في منتهى الحساسية؛ ففيما بعد ذلك سيفتح هؤلاء الأمراء المجال الأرضي التركي لدخول الجيوش التترية من شمال العراق إلى بغداد .

3/ وجاء " الناصر يوسف " أمير حلب ودمشق حفيد صلاح الدين الأيوبي فهو أبن أبنه لكن لم يكن يشبهه تماماً فكان على النقيض من جده ؛ فأرسل ابنه العزيز لا ليقدم فروض الولاء والطاعة إلى هولاكو بل ليقود فرقة إسلامية تنضم إلى جيش التتار لغزو بغداد .

4/ وجاء " الأشرف الأيوبي " أمير حمص ليقدم ولاءه لهولاكو .

فكانت هذه التحالفات الإسلامية مع هولاكو في منتهى الخطورة فقد زادت من قوة التتار وأصبح التتار يحاصرون العراق من كل الإتجاهات بالإضافة إلى أن هذه التحالفات أدت إلى هبوط شديد في معنويات الأمة فلما شاهد المسلمون أمرائهم على هذه الصورة المخذية ضعفت الهمم وفترت العزائم وانعدمت الثقة تماماً بين الشعوب وبين حكامهم وأيقنوا أنه لم يعد لديهم طاقة في الوقوف في وجه التتار .

5/ وصل التتار إلى شخصية مهمة إلى حد كبير داخل البلاط العباسي فوصلوا إلى كبير الوزراء في الخلافة العباسية فهو الشخصية الثانية في الدولة بعد " المستعصم بالله " هو الوزير " مؤيد الدين بن العلقمي " الشيعي الرافضي وكان رجلاً فاسداً خبيثاً وكان رافضياً يرفض خلافة أبو بكر وعمر بن الخطاب وكان شديد التشيع كارهاً لأهل السنة ومن العجيب أن يصل إلى هذا المنصب المرموق وهو على هذه الصورة في دولة سنية والأسوء من ذلك أن هذا الوزير المفسد لم يكون وزيراً منذ شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين بل بقي على كرسي الوزارة أربعة عشر سنة كاملة منذ سنة 642- إلى سنة 656- عندما أسقطت بغداد ؛ إتصل هولاكو بمؤيد الدين ابن العلقمي الشيعي وأتفق معه على تسهيل دخول الجيوش التترية إلى بغداد بالمساعده بالآراء الفاسدة والإقتراحات المضللة للخليفة وهذا سيكون في مقابل أن يكون له شأن في مجلس الحكم الذي سيدير بغداد بعد سقوط الخلافة فقام الوزير الفاسد بدورة على أكمل ما يكون كما سنرى فيما بعد .

هذه الجهود الدبلوماسية التي ذكرناها أخذت فترة خمس سنوات كاملة فتعاون التتار تعاوناً قوياً ومهماً مع ملوك أرمينيا والكرج وانطاكيا النصارى وحيدوا إلى حد كبير جانب أمراء الإمارات الصليبية في الشام وأقاموا تحالفات سرية مع نصارى الشام والعراق وتحالفوا مع بعض أمراء المسلمين ومع الوزير الفاسد مؤيد الدين بن العلقمي .

الحرب النفسية على الشعوب الإسلامية:

كانت لهولاكو أكثر من طريقة لشن حرب نفسية مهولة على المسلمين قبل اللقاء في الحرب وقبل إسقاط بغداد من هذه الطرق :

1- القيام بحملات إرهابية في المناطق المحيطة بالعراق لتذكير المسلمين بالذكريات الأليمة التي حدثت في عهد جنكيز خان و أوكي تاي وكانوا يسيطرون على القوافل التجارية القادمة من وإلى العراق وبذلك يقومون بعمل ضربات إقتصادية كبيرة للعراق قبل أن يغزوها ؛ فعلى سبيل المثال إستولى التتار على قافلة تجارية بلغت الأموال فيها ستمائة ألف دينار وعلى هذه الشاكلة كان هناك حروب كثيرة لإضعاف الروح المعنوية للمسلمين .

2- ومن وسائل هولاكو الخطيرة لإضعاف الروح المعنوية الوصول إلى بعض الأدباء والشعراء المسلمين ليقوموا بحرب إعلامية قذرة في داخل البلاد الإسلامية فيعظمون من إمكانيات التتار ويقللون من إمكانيات المسلمين حتى لا يتخيل مسلم أنه يحارب تترياً ؛ فنجد أن الكتب في ذلك الوقت ملئ بكلمات غريبة فعلى سبيل المثال " التتار تصل إليهم أخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم " ؛ " التتار نساءهم يقاتلن كرجالهن " ؛ " التتار خيولهم تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات ولا تحتاج إلى الشعير " ؛ " التتار لا يحتاجون إلى الإمداد والتموين " ؛ " التتار يأكلون جميع اللحوم ويأكلون بني آدم " .

3- ومن وسائل الحرب النفسية أيضاً هي كتابة الرسائل التهديدية الخطيرة و أيضاً أعد التتار العدة المناسبة في ذلك الأمر فاتصلوا ببعض الوصوليين والمنافقين المسلمين ومن لهم حسن أدبي وفن في كتابة الرسائل .

4- إعلان التحالفات فالقوات التي ستحارب المسلمين ليسوا من التتار فقط بل من التتار والأرمن والكرج وأنطاكيا وغيرها ..... فهذه التحالفات ستدخل الرعب في قلوب المسلمين .
5- إعلان التحالفات مع أمراء المسلمين فكل هذا كان معلناً أمام العوام .

بهذه الوسائل وبغيرها إستطاع التتار أن يبثوا الرعب والهلع في قلوب المسلمين وبذلك أصبح الجو مناسباً لدخول القوات التترية الغازية إلى العراق .
..................................
يتبع
__________________
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 04-13-2012, 09:29 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

إضعاف جيوش الخلافة الاسلامية:


طلب هولاكو من الوزير الفاسد " مؤيد الدين بن العلقمي " أن يقنع الخليفة العباسي أن يخفض من ميزانية الجيش وأن يقلل من أعداد الجنود وأن يصرف أذهان الدولة عن قضايا التسليح والحرب وتحويل بقية الجيش إلى الأعمال الميدانية في مجالات الزراعة والصناعة وغيرها وكل ذلك حتى لا نثير حفيظة التتار فنظهر لهم أننا رجال سلام ولسنا أصحاب حرب ؛ فعندما قال الوزير الشيعي ذلك الكلام للخليفة وافقه على ذلك وخفض ميزانية الجيش وقلل أعداد الجنود حتى أصبح الجيش العباسي الذي كان يبلغ عدده مائة ألف فارس في آخر أيام المستنصر بالله والد المستعصم بالله وذلك في سنة 640- فأصبح هذا الجيش لا يزيد على عشرة آلاف فارس فقط في سنة 654..

وأصبح الجنود في حالة مذرية من الفقر والضياع حتى أنهم كانوا يسألون الناس في الأسواق وأهملت التدريبات العسكرية وفقد قواد الجيش أي مكانه لهم ولم يعد يذكر من بينهم من له القدرة على التخطيط والإدارة والقيادة ونسي المسلمون فنون القتال والنزال وغابت عن أذهانهم تماماً معالم الجهاد .

كان هذا هو إعداد هولاكو ومنكو خان كان إعداداً مبهراً حقاً وفي المقابل لم يكن هناك أي رد فعل مناسب أو غير مناسب من المسلمين إستعداداً للغزو التتري القريب .

الإعداد لحصار بغداد:

بعد خمس سنوات كاملة من الإعداد وفي سنة 654- أدرك هولاكو أن الظروف قد أصبحت ملاءمة للهجوم المباشر على الخلافة العباسية فبدأ بعملية حشد هائلة للجنود التتريين فجمع أكبر الجيوش التترية على الإطلاق منذ أن قامت دولة جنكيز خان ؛ فالجنود الذين كلفوا بحصار بغداد فقط أكثر من مائتي ألف جندي هذا بخلاف الأعداد الهائلة من الجنود المنتشرين في شمال وشرق وغرب وجنوب العراق والقوات المكلفة بحماية الطرق وتأمين الإمداد والتموين هذا غير الفرق المساعدة للجيش من فرق الإمداد والتموين والإستطلاع والمراقبة .

فبذلك نستطيع أن نبين تركيبة الجيش التتري في عشرة نقاط هي:


1- الجيش التتري الأصلي فذلك الجيش كان يتمركز منذ سنوات في منطقة فارس وأذربيجان في شرق العراق .

2- إستدعى هولاكو فرقة من جيوش التتار المتمركزة في حوض نهر " الفولجا " الروسي.

3- أرسل هولاكو في طلب فرقة من جيش التتار الذي فتح أوروبا وتمركز هناك وكان في ذلك الوقت يتمركز على أطراف الأناضول شمال تركيا فجاءت الفرقة الكبيرة وعلى رأسها القائد التتري الكبير " بيجو " .

4- أرسل هولاكو إلى صديقة ملك أرمينيا يطلب المساعدة فجاءه هيثوم ملك أرمينيا بنفسه على رأس فرقة من الجيش الأرمني .

5- طلب هولاكو من ملك الكرج أن يرسل إليه فرقة للمساعدة في حصار العراق فاستجاب إلى ذلك فوراً .

6- إستدعى هولاكو ألفاً من الرماة الصينيين المهرة الذين إشتهروا بتسديد السهام المحملة بالنيران .

7- وضع هولاكو على رأس الجيوش أفضل قواد التتار في ذلك الوقت وكان يدعى " كتبغا نوين " فوق إمكانيات هذا القائد القيادية والمهارية فإنه كان نصرانياً فكان هذا الإختيار موفقاً من هولاكو لأن كتبغا سيستطيع التعامل مع الأعداد الكبيرة النصرانية المشاركة في الحرب من أرمن وكرج وغيرهم وبذلك يكون الجيش التتري قد ضم بين صفوفة ثلاثة من أمهر القادة العسكريين في تاريخ التتار وهم ( هولاكو وكتبغا نوين وبيجو ) .

8- راسل هولاكو أمير أنطاكيا " بوهمند " لكن تعذر عليه إختراق الشام كله ومع ذلك كان على استعداد تام للحرب فجهز جيوشه على إستعداد إذا سقطت العراق شارك هو في إسقاط الشام .

9- وجود فرقة إسلامية في داخل الجيش التتري وعلى رأسها ولي عهد دمشق " العزيز بن الناصر يوسف الأيوبي " حفيد صلاح الدين وهذه الفرقة تشارك في جيش التتار لإسقاط بغداد .

10- فرقة إسلامية أخرى أرسلها " بدر الدين لؤلؤ " أمير الموصل لتساعد أيضاً جيش التتار في إسقاط بغداد .

كانت هاتين الفرقتين الإسلاميتين الهزيلتين ليس لهما أي قيمة بالنسبة للجيوش التترية لكن كانتا تحملان معان كثيرة فهناك في جيش التتار مسلمون يشتركون مع التتار في حرب المسلمين بل قد يشارك في عملية تحرير العراق من الخليفة العباسي عراقيون متحالفون مع التتار .

بهذا الإعداد العالي المستوى إكتمل جيش التتار وبدأ بالزحف من فارس بإتجاه الغرب إلى العراق وبدأ هولاكو يضع خطة المعركة ؛ بدراسة مسرح العمليات وجد هولاكو أن طائفة الإسماعيلية الشيعية التي تتمركز في الجبال في غراب وشرق العراق بين الجيش التتري وبين الخلافة العباسية وسوف تمثل خطورة كبيرة على الجيش التتري إذا ما هاجم بغداد ؛ لذلك قرر التتار عدم دخول بغداد إلا بعد أن يقضوا على طائفة الإسماعيلية تماماً وبالفعل تحركت الجيوش التترية الضخمة صوب معاقل الإسماعيلية فحاصرتها حصاراً محكماً ودارت حروب شرسة بين الفريقين إنتهت بسحق كامل للإسماعيلية وخلوا المنطقة تماماً منهم وأصبح الطريق مفتوحاً لبغداد هذه الحروب أخذت سنة 655- بكاملها ..

وإجتمع هولاكو مع كبار مستشارية في مجلس حرب يُعد من أهم مجالس الحرب في تاريخ التتار والقرار هو غزو العاصمة بغداد وإسقاط الخلافة العباسية وكان هذا الإجتماع معقوداً في مدينة " همدان " الفارسية وأخذ القرار بالحرب وأهتم هولاكو بوضع مراقبة لصيقة على الفرق الإسلامية الموجودة داخل الجيش التتري خوفاً من الخيانة .

إنطلقت الجيوش من همدان صوب العراق والمسافة بين همدان في إيران والعراق 450كم مربع ؛ وقرر هولاكو في هذا المجلس أن يقسم جيشه إلى ثلاثة أقسام :

الجيش الأول :
وهو القلب وهو القسم الرئيسي من الجيش والذي سيقوده هولاكو بنفسه وستلحق به أكثر من فرقة من الفرق الهامة في الجيش التتري وستلحق به الفرقة الأخرى التي ستأتي من روسيا والفرق المساعدة من مملكة أرمينيا والكرج هذا القسم سيخترق الجبال الواقعة في غرب فارس صوب بغداد مروراً بمدينة " كرمان شاه " بعد أن أخليت هذه المنطقة تماماً من طائفة الإسماعيلية وستكون مهمة هذا الجيش هو حصار بغداد من الجهة الشرقية .
الجيش الثاني :
هو الجناح الأيسر لجيش التتار الرئيسي وهذا الجيش سيقوده " كتبغا نوين" أفضل قواد هولاكو سيتحرك هذا الجيش بمفرده بإتجاه بغداد أيضاً لكن إلى الجنوب من الجيش الأول وستكون مهمته إختراق سهول العراق والتوجه إلى بغداد من جنوبها للحصار من الجنوب .
الجيش الثالث :
وهو الجيش التتري الرابض على أطراف الأناضول في شمال تركيا وعلى رأسه القائد " بيجو " وهذا الجيش سيأتي من المنطقة الشمالية للعراق بإتجاه الجنوب حتى يصل إلى بغداد وسيحاصر بغداد من الشمال ثم يلتف ويحاصرها من الغرب .

وبذلك تحصر بغداد بين هولاكو شرقاً وكتبغا نوين جنوباً وبيجو من الغرب والشمال .
على قدر الأداء المبهر للجيش الثالث في وصوله إلى بغداد في وقت متزامن مع الجيشين الآخرين على قدر الفضيحة الكبرى التي لحقت بالمسلمين جراء وصول هذا الجيش سالماً إلى بغداد لأن هذا الجيش عليه أن يقطع أولاً 500كم مربع في الأراضي التركية ( الأناضول ) وهي أراض إسلامية ثم عليه أن يقطع 500كم مربع أخرى داخل الأراضي العراقية وهي أيضاً أراض إسلامية ..

إذاً فهذا الجيش عليه أن يسير مسافة 1000كم مربع في عمق الأراضي الإسلامية حتى يصل إلى بغداد ومع ذلك فقد قطع بيجو بجيشه 95 بالمائة من الطريق أي حوالي 950كم مربع دون أن تدري الخلافة العباسية عنه شيئاً باغت بيجو الخلافة العباسية على بعد 50 كم أيضا كما فعل هولاكو شمال غرب بغداد ؛ وتبرير إختراق بيجو للأراضي الإسلامية يحمل معهمصيبتين كبيرتين :

المصيبة الأولى :
هي غياب المخابرات الإسلامية عن الساحة تماماً فمن الواضح أن الجيش العباسي لا علم له ولا دراية بإدارة الحروب أو فنون الحرب .
المصيبة الثانية :
وهي الأعظم وهي أن هناك خيانة واضحة من أمراء الأناضول ( تركيا حاليا ) والموصل المسلمين وكذلك من الشعوب المسلمة في الأناضول وفي الموصل هذه الخيانة فتحت الأبواب لجيش التتار ولم يحدث أي نوع من المقاومة فهي خيانة عظمى من " كيكاوس الثاني " و " قلج أرسلان الرابع " أمراء الأناضول وخيانة أعظم من "بدر الدين لؤلؤ " أمير الموصل فلم يكتفي فقط بتسهيل مهمة التتار ولكنه أيضا شارك بفرقه إسلامية تعين التتار على عملية تحرير العراق من الخلافة العباسية ومع العلم أن بدر الدين لؤلؤ من أصل عراقي وأقل تقدير لعمره عند هذه الخيانة كان ثمانون سنة وبعض الروايات تقول مائة ومن الجدير بالذكر أن بدر الدين لؤلؤ مات بعد هذه الخيانة بشهور قليلة .

الوضع في داخل بغداد:

كانت بغداد في ذلك الوقت من أشد مدن الأرض حصانه فكانت أسوارها من أقوى الأسوار فهذه عاصمة الخلافة الإسلامية أكثر من خمسة قرون أنفق على تحصينها أموال طائلة وكان على رأس الدولة في بغداد والخليفة في نفس الوقت هو الخليفة السابع والثلاثون والأخير من خلفاء بني العباس " المستعصم بالله " .

الحصار:

وفي يوم 12 محرم سنة 656- ظهر جيش هولاكو فجأة أمام أسوار بغداد الشرقية وبدأ في نصب معدات الحصار الثقيلة حول الأسوار ؛ وجاء كذلك كتبغا بالجناح الأيسر من الجيش ليحيط بالمدينة من الناحية الجنوبية ؛ فارتاع الخليفة لذلك وعقد إجتماع عاجل وجمع فيه كبار مستشاريه وعلى رأسهم الوزير الخائن " مؤيد الدين بن العلقمي " وكان من رأيه مهادنة التتار وإقامة مباحثات سلام فلا مانع عنده من بعض التنازلات وكان رأيه هو السلام غير المشروط مع التتار ؛ لكن قام رجلان من الوزراء في مجلس الخليفة وهما " مجاهد الدين أيبك " و " سليمان شاه " قاما ليشيرا على الخليفة بحتمية الجهاد ؛ فاحتار الخليفة فهواه مع كلام مؤيد الدين بن العلقمي وعقله مع قول الوزيران لأن تاريخ التتار كله لا يشير بأي فرصة للسلام كما أنه كان يسمع من أجداده أن الحقوق لا توهب إنما تؤخذ وعندها سمح الخليفة للمرة الأولى تقريباً في تاريخه بإستخدام الجيش فهذا الجيل من الجنود يحارب لأول مرة ؛ فخرجت فرقه هزيلة من الجيش العباسي وعلى رأسها مجاهد الدين أيبك لتلاقي جيش هولاكو المهول ..

وعندما خرج من أبواب بغداد بإتجاه الشرق لكي يلاقي جيش هولاكو سمعوا بقدوم جيش بيجو من الشمال وهذا الجيش إذا حاصر بغداد من الشمال فتكون بغداد قد طوقت تماماً ففضل مجاهد الدين أيبك قائد الجيش العباسي أن يحارب بيجو بدلاً من هولاكو لكي لا تحاصر بغداد من جميع الجهات وانتقل بجيشه الضعيف الهزيل لملاقاة جيش بيجو في الشمال ؛ وكان للقاء في منطقة الأنبار وأستدرك الجيش العباسي في منطقة الأنبار وسحق الجيش المسلم واستطاع مجاهد الدين أيبك بأعجوبه أن يهرب بمجموعة قليلة من الجيش العباسي ويعود إلى داخل بغداد وكانت هذه هي الموقعة الوحيدة الغير متكافئة التي دارت بين التتار والعباسيين وكان ذلك في 19 من محرم أي بعد ظهور هولاكو أمام أسوار بغداد بسبعة أيام ؛ وانتقل بيجو مباشرة بجيشه من الأنبار حيث دارت المعركة إلى شمال بغداد وحاصرها وطوقت بغداد بين مثلث خطير بين هولاكو وبيجو .

المفاوضات:


فاستغل مؤيد الدين العلقمي هذه الفرصة وأشار على الخليفة بطلب المفاوضات مع التتار ولكن الخليفة كان يعلم بأن التفاوض بين طرف قوي شديد القوة وطرف ضعيف شديد الضعف فإن هذا لا يعني تفاوض وإنما يعني الإستسلام وفي الإستسلام عادة ما يقبل المهزوم بشروط المنتصر دون تعديل أو إعتراض ومع ذلك وافق الخليفة الضعيف على إجراء المفاوضات مع التتار ؛ وبعث رجلين ليديرا المفاوضات مع التتار وهما مؤيد الدين العلقمي الشيعي الذي يكن في قلبه كل الحقد والغل على الخلافة العباسية وأرسل معه متيكا بطريرك بغداد النصراني ..

فكان الوفد الرسمي الممثل للخلافة الإسلامية العباسية العريقة للمفاوضات مع التتار لا يضم إلا رجلين فقط أحدهما شيعي ولآخر نصراني ؛ ودارت المفاوضات السرية بين هولاكو وبين ممثلي الخلافة العباسية الإسلامية فأعطيت الوعود العظيمة من هولاكو لكليهما إن ساعدا على إسقاط بغداد وأهم هذه الوعود أنهما سيكونان أعضاء في مجلس الحكم الجديد الذي سيحكم العراق بعد إحتلالها من التتار ؛ وعاد المبعوثان من عند هولاكو إلى الخليفة بالشروط التترية وبعض العروض والوعود ؛ فالوعود كانت :

1/ إنهاء حالة الحرب بين الدولتين .

2/ وإقامة علاقة الزواج بين ابنة القائد هولاكو التتري الذي سفك دماء الملايين من المسلمين وأبن الخليفة .

3/ يبقى المستعصم بالله على كرسي الحكم .

4/ إعطاء الأمان لأهل بغداد جميعاً .

الشروط كانت :

1/ قمع حركة الجهاد التي أعلنت في بغداد فهذه الدعوة إلى الجهاد ستنسف كل مباحثات السلام فعلى الخليفة أن يسلم إلى هولاكو رءوس الحركة الإسلامية في بغداد وهما مجاهد الدين أيبك وسليمان شاه .

2/ تدمير الحصون العراقية وردم الخنادق وتسليم الأسلحة .

3/ الموافقة على أن يكون حكم بغداد تحت رعاية أو مراقبة تترية .

وختم هولاكو المباحثات مع المبعوثين بأنه ما جاء إلى هذه البلاد غلا لإرساء قواعد العدل والحرية والأمان وبمجرد أن تستقر الأمور وفق الرؤية التترية فإنه سيعود إلى بلاده ويترك العراقيين يضعون دستورهم ويديرون شئون بلادهم بأنفسهم ؛ فاقنع مؤيد الدين العلقمي الخليفة بهذه الشروط والوعود ورغبه في قبولها ح فتردد الخليفة في قبول هذه المفاوضات ولكنه مضطر إلى قبولها والشعب الضخم الذي يعيش في بغداد أيضاً متردد ونداء الجهاد لا ينبعث إلا من بعض الأفواه القليلة..

فأراد الخليفة بعض الوقت للتفكير في هذه الشروط والوعود ولكن هولاكو لا يقوى على الإنتظار فهو يقف خارج أسوار بغداد بجيوش ضخمة تتكلف من النفقات يومياً الآلاف من الدنانير وهو شخصياً لا يقوى على الإنتظار فهو يريد أن يرى هذه المدينة العظيمة التي طالما سمع عنها كثيراً يريد أن يراها من الداخل ويريد أن يحقق الحلم الذي راود أجداده وهو يحققه الآن وهو غزو بغداد وإسقاط الخلافة العباسية الإسلامية ؛ وبالفعل بدأ هولاكو في قصف بغداد بالقذائف الحجرية والنارية ومع أول قذيفة سقط قلب الخليفة في قدمه فماذا يفعل؟ أربعة أيام متتالية من القصف المتواصل على بغداد .

قصة غريبة:

يذكر ابن كثير رحمه الله- في البداية والنهاية موقفاً بسيطاً لا يعلق عليه ؛ فيقول ابن كثير (وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل مكان حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه وكانت من جملة حظاياه وكانت تسمى " عرفه " جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ؛ فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا مكتوب عليه " إذا أراد الله إنفاز قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم " فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الإحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة ....!!!!!!! )
.......................
يتبع
__________________
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 04-13-2012, 09:30 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي

إجتياح بغداد:

القصف على بغداد إستمر من يوم 1 صفر إلى الرابع من صفر في سنة 656هـ ؛ وفي الرابع من صفر سقطت الأسوار الشرقية لبغداد ومع سقوط الأسوار سقط الخليفة وانهار تماماً فأشار عليه الوزير بن العلقمي أن يخرج هو بنفسه لمقابلة هولاكو لعل هولاكو يقبل السلام ؛ فجاءت الرسل من عند الخليفة إلى هولاكو تخبره بقدوم الخليفة ؛ فأمر هولاكو أن يأتي الخليفة ومعه كبار رجال الدولة والوزراء والفقهاء والعلماء وأمراء الناس والأعيان حتى يحضروا جميعاً المفاوضات وتصبح المفاوضات كما يزعم هولاكو ملزمة للجميع ؛ فجمع الخليفة كبار قومه وخرج بنفسه في وفد مهيب إلى خيمة هولاكو ومعه سبعمائة من قادة المسلمين وعلماءهم وكان يسير إلى جواره الوزير الخائن مؤيد الدين العلقمي الشيعي ؛ واقترب الوفد من خيمة هولاكو فاعترض الوفد فرقه من الحرس الملكي التتري ولم يسمحوا لكل الوفد بالدخول على هولاكو ولم يسمحوا إلا للخليفة وسبعة عشر رجلاً معه فقط بالدخول على هولاكو أما الباقي فكما قالوا سيخضعون للتفتيش الدقيق ؛ ودخل الخليفة ومعه رجاله وحجب عنه باقي الوفد ..

وقتل الوفد بكامله فقتل كل الرجال الذين أخذوا للتفتيش ولم يبق إلا الخليفة ومن معه داخل خيمة هولاكو ؛ وبدأ هولاكو يصدر الأوامر في عنف وتكبر واكتشف الخليفة أن وفده قد قتل بكامله فاكتشف عند ذلك الخليفة أن التتار وأمثالهم لا عهد لهم ولا أمان لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وبدأت الأوامر الصارمة تخرج من هولاكو :

أولاً:
على الخليفة أن يصدر أوامره إلى أهل بغداد بإلقاء أي سلاح معهم والإمتناع عن أي مقاومة.
ثانياً:
يقيد الخليفة ويساق في بغداد يرسب في أغلاله لكي يدل التتار على كنوز العباسيين.
ثالثاً:
يقتل ولدا الخليفة أمام عينه وهما أحمد وعبد الرحمن.
رابعاً:
يتم أسر أخوات الخليفة الثلاثة فاطمة وخديجه ومريم.
خامساً:
يستدعى من بغداد بعض الرجال بعينهم وهؤلاء كتب أسمائهم ابن العلقمي فهؤلاء هم علماء السنة وحملة القرآن وأئمة المساجد في داخل بغداد ؛ فيخرج كل فرد من هؤلاء ومعه أولاده ونسائه ويذهبون إلى مكان خارج بغداد بجوار المقابر فيلقى العالم على الأرض ويذبح كما تذبح الشاه ويؤخذ نساؤه وأولاده سبياً أو للقتل ..

فذبح على هذه الصورة أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف فهذا ابن العالم المشهور ابن الجوزي رحمه الله- وذبح أولاده الثلاثة معه عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم ؛ وذبح مجاهد الدين أيبك وزميله سليمان شاه ؛ وذبح شيخ الشيوخ ومؤدب الخليفة ومربيه صدر الدين علي بن النيار ؛ ثم ذبح بعد ذلك خطباء المساجد والأئمة وحملة القرآن ؛ كل ذلك والخليفة حي يشاهد .

إستباحة المدينة:

فألقى أهل بغداد السلاح وقتلت الصفوه من أهلها وأنساب جنود هولاكو في شوارع وطرقات بغداد وأصدر السفاح هولاكو أمر الشنيع باستباحة بغداد ؛ فالأمر بالإستباحة يعني أن الجيش التتري يفعل فيها ما يشاء يقتل يأسر يسبي يزني يسرق يدمر يحرق ؛ فانطلقت وحوش التتار الهمجية تنهش في أجساد المسلمين وفعل التتار في المدينة مالا يتخيله عقل فبدأ الجنود التتريين يتعقبون المسلمين في كل شارع أو ميدان في كل بيت أو حديقة في كل مسجد أو مكتبة وأستحر القتل في المسلمين والمسلمون لا حول لهم ولا قوة لا هم لهم إلا الهرب ؛ فيهرب المسلم إلى داره ويغلق عليه الباب فيأتي التتري ويحرق الباب أو يقتلعه ويدخل عليه فيهرب إلى أعلى المنزل إلى السطح فيصعد وراءه التتري ويقتله فوق الأسطح حتى سالت الدماء بكثرة من مياذيب المدينة ..

فلم يقتصر التتار على قتل الرجال الأقوياء فقط إنما كانوا يقتلون الكهول والشيوخ وكانوا يقتلون النساء إلا من إستحسنوه منهن فكانوا يأخذونهم سبياً بل وكانوا يقتلون الأطفال حتى الرضع منهم ؛ وجد جندي من التتار أربعين طفلاً حديثي الولادة في شارع من شوارع بغداد وقد قتلت أمهاتهم فقتلهم جميعاً ؛ وتزايد عدد القتلى في المدينة بشكل بشع كل هذا والخليفة على قيد الحياة يشاهد ما يحدث في مدينتة ولاشك أنه كان نادماً على كل ما فعل وكان لسان حاله يقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً ؛ روي أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " ؛ عمل أهل بغداد في الزراعة والتجارة بل وفي العلم والتعلم لكن تركوا الجهاد في سبيل الله فكانت النتيجة هذا الذل الذي رأوه.

مقتل الخليفة:


وسيق الخليفة المستعصم بالله إلى خاتمته الشنيعة بعد أن دل على كل كنوز العباسيين ؛ فوضعه التتار في جوال ثم أمر هولاكو أن يقتل الخليفة رفساً بالأقدام ؛ وبمقتله يكون قد سقط آخر خلفاء بني العباس في بغداد وسقطت معه بغداد وسقط من وراءها الشعب بكامله وكان ذلك في اليوم العاشر من فتح بغداد لبوابها يوم 14 صفر سنة 656هـ .

ما فعله التتار في بغداد بعد قتل الخليفة:


ولم تنتهي المأساه بقتل الخليفة وإنما أمر هولاكو- لعنه الله بإستمرار عملية القتل في بغداد واستمرت إلى أربعين يوما متصله لاهم للجنود التتر إلا قتل المسلمين ؛ وقتل من أهل بغداد وحدها مليون مسلم في أربعين يوما فقط من الرجال والنساء والأطفال والكهول ولم ينج من القتل في بغداد إلا أفراد الجالية المسيحية !!!!!!!!!!.

وبينما كان فريق من التتار يعمل على قتل المسلمين وسفك الدماء إتجه فريق آخر من التتر إلى عمل إجرامي أبشع وهو تدمير مكتبة بغداد وهي أعظم مكتبة موجوده على وجه الأرض في ذلك الزمان بلا منازع فقد جمعت فيها مختلف العلوم والآداب والفنون من شتى بقاع الأرض ؛ ولم يقترب منها في العظمة والشهرة إلا مكتبة قرطبة في الأندلس ؛ فحمل التتار الكتب الإسلامية وفي بساطة شديدة ألقوها جميعا في نهر " دجلة" فتحول لون مياه النهر إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب حتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى أخرى ..

وبعد أن فرغ التتار من تدمير مكتبة بغداد إتجهوا إبى الديار الأنيقة والمنازل الجميلة فتناولوها بالتدمير والحرق وسرقوا منها المحتويات الثمينة وما عجزوا عن حمله منها أحرقوه ؛ وبعد الأربعين يوما الدموية في بغداد أصدر هولاكو مجموعة من الأوامر وأولها أنه أعطى أماننا حقيقيا في بغداد فلا يقتل مسلم في بغداد بعد هذا الأمر عشوائيا لأن الجثث المتعفنه أصبحت كالتلال في شوارع وطرقات بغداد ؛ فخشى هولاكو أن يحدث وباء في هذه المناطق فيأكل المسلمين والتتار فأمر بخروج من تبقى من المسلمين ونجى من القتل من مخابئهم وأعلن الأمان ليقوموا بدفن موتاهم ؛ وخرج من تبقى من المسلمين وأخذوا في دفن موتاهم ومع ذلك فقد إنتشرت الأوبئة فعلا في بغداد ومات من المسلمين عدد كبير من جراء هذه الأمراض القاتله ..

وكما يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية " ومن نجا من الطعن لم ينجو من الطاعون " ؛ والأمر الثاني الذي أصدره هولاكو هو تعيين "مؤيد الدين العلقمي" الشيعي الرافضي رئيسا على مجلس الحكم المعين من قبل التتار على أن توضع عليه بالطبع وصاية تترية ولم يكن مؤيد الدين إلا صورة للحاكم ولكن القيادة الفعلية كانت في يد التتار بل إن الأمر تزايد بعد ذلك حتى وصل إلى الإهانة المباشرة له من قبل صغار الجند ؛ وبعد كل هذا الذل الذي عاشه بن العلقمي بعدها بأيام مات في بيته وسبحان الله فلم يتسنى له أن يستمتع بملك أو بحكم والذي ضحى من أجله بحياة آلآف المسلمين وليكن عبرة بعد ذلك لكل من تسول له نفسه أن يخون أمته ودينه ؛ وبعد موته ولى التتار إبنه ليكون مكان أبيه على حكم بغداد ولكن من مفارقات القدر أن يموت أيضا هذا الأبن الشاب في نفس السنه التي مات فيها أبيه وهي نفس السنه التي سقطت فيها بغداد .

ردود الأفعال في العالم الإسلامي والمسيحي بعد سقوط بغداد:

ووصلت أخبار سقوط بغداد إلى بأسره ؛ فالعالم الإسلامي كان سقوط بغداد بالنسبة له صدمه كبيرة ورهيبة لايمكن إستيعابها مطلقا ؛ وظهر لدى المسلمن في ذلك الوقت إعتقاد سيطر على معظمهم وهو أن ضعف المسلمين وقوة التتار وسقوط بغداد ماهي إلا علامات للساعة وأن المهدي سيظهر قريبا وسيقود جيوش المسلمين للإنتصار على التتار.

أما العالم النصراني فقد عمت فيه البهجة والفرحة اطرافه بكاملها وكان هذا هو المتوقع ؛ فالحروب بين المسلمين والنصارى لم تنتهي وكانت على أشدها في ذلك الوقت وبالطبع فهذه الضربه التترية موجعه جدا للعالم الإسلامي ؛ ولا شك أن أطماع الصليبيين ستتجدد في الشام وفي مصر.
....................
يتبع
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
للاراضي, المغول, الاسلامية

« أسد بن الفرات | أخلاقيات فَتْح مَكَّةَ »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المغول بين الانتشار والانكسار صابرة التاريخ الإسلامي 0 11-30-2016 07:00 AM
"داعش" تكرر جريمة "المغول"… إحراق 1500 مجلد أثري Eng.Jordan أخبار منوعة 0 01-20-2015 03:32 PM
المعاهدات في الشريعة الاسلامية Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 1 09-23-2013 03:49 AM
المعاهدات في الشريعة الاسلامية Eng.Jordan دراسات وبحوث اسلامية 3 04-14-2013 01:26 PM
ملخص دراسة صورة المغول في الشعر العربي ـ العصر المملوكي Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-29-2012 07:55 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:56 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68