تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

نارين الحب الضائع رواية بقلم: يحيى الصوفي

في المنزل يا له من صباح عاصف وبارد... تمتمت نارين من خلف نافذة غرفة الجلوس وهي ترمق الشارع وقد تحول بفعل الأمطار إلى ما يشبه النهر الهائج

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-10-2012, 02:36 PM
الصورة الرمزية مهند
مهند غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 563
افتراضي نارين الحب الضائع رواية بقلم: يحيى الصوفي

نارين الحب الضائع رواية بقلم: image77.jpg


في المنزل

يا له من صباح عاصف وبارد... تمتمت نارين من خلف نافذة غرفة الجلوس وهي ترمق الشارع وقد تحول بفعل الأمطار إلى ما يشبه النهر الهائج !. لم هذا يا الهي ؟... وهو يوم زيارتي لوالدتي وقد تواعدت معها للتنزه وقضاء يوم جميل برفقتها..... والصباح ؟ ... أين هو؟... وقد كنت على موعد معه كالعادة... ينساب قاهرا ظلام الليل... ليدخل بإشراقه بعض من السرور إلى نفسي !...

تململت نارين ثانية وهي تزيل غطاء الصلاة عن رأسها ثم همست تكلم أختها الكبرى:
-أتعرفين يا رغد أنني أشفق على أولئك العمال الذين يقومون بتنظيف هذه الشوارع في وقت مبكر من كل يوم... وفي كل الظروف .... تعالي انظري ... يبدو وكأن المطر قد نظفهم هو بدوره !....
وهي تضحك:
-وقد أزال ما علق بهم من زهور الأشجار الهابطة معه...
وبقهقهة عالية:
- هم هكذا متعادلون...ينظفون ويتنظفون ؟!...

صاحت رغد:
-بالله عليك يا نارين ستوقظين أخوتك، كفى قهقهة وسخرية وتعالي معي للصلاة والدعاء.

أجابتها نارين بحدة:
-لقد فعلت وانتهيت قبلك !.
- ولكن لم تدعو ربك كالعادة !.
- نعم لقد دعوته !.
وبشيء من الخمول:
-وبعد كل هذا... ماذا سيفيدني الدعاء هو لم يجب لدعائي قط .!... ربما لأنه لا يحبني !...
-وهل فعلت ما يحببه بك ؟.
- أجل... أجل... أنت تعرفين، لقد وضعت الحجاب وأقمت له الصلاة على غير عادتي... وناديته من كل قلبي أن يسامحني ويغفر لي ويسعدني... تخليت عن الكثير من صديقاتي اللواتي عشت طفولتي معهن... لأجله تركت ما كنت ألهو به برفقتهن... الحفلات والنزهات وكل ما يتبعه من مغامرة ونكتة وشغف... وها أنا ذا أتبعك في طريقك... طريق التقوى والصلاة والدعاء !...
-يا عزيزتي... أنت بالكاد على مشارف العشرين من العمر والحياة بكل ما فيها من سعادة لازالت أمامك فاتحة ذراعيها... وبالحب والصبر تنالين ما تريدين... ورفقتك اللواتي تأسفين بعدك عنهن لا يناسبون ما عزمت أن تكوني عليه... فتاة طيبة ورقيقة وربما زوجة وأم يحلم كل الشباب بها !
-أي نعم !... أنت قلتها ... بوجهي الصبياني وشعري "المطعج" المنفوش وقصر قامتي وهذا الجسد الذي لا أعرف له علاج، لإيناسه ثوب ولا بنطال...ولا هم يحزنون ...سيطير عقل الشباب بي كما قلت !.

***

انتفضت رغد من على سجادة الصلاة متوجهة إلى حيث تقف أختها نارين ثم أخذت برأسها الصغير بإحدى ذراعيها وضمتها بالأخرى إلى صدرها وأخذت تداعب شعرها كما تفعل مع القطط ... وتقول:
-أنت تتمادي على الله قليلا يا حبيبتي... وأنت جميلة كما أنت وبك فتنة ووداعة ورقة قلّ ما وجدتهم عند الفتيات في عمرك... وأنت تعرفين حق المعرفة بأن ما بك من جمال يخيفنا من نظرات المعجبين الذين يحاولون التهامك بنظراتهم كل ما مررت بهم !.

نارين هازئة:
-هه قصدك الأطفال... الأولاد الذين يصغرونني بسنوات ويظنون بأنني من جيلهن طفلة صغيرة لم تبلغ الثانية عشرة بعد !!!... نعم عندك حق في هذا !؟.
ثم أضافت بحزن:
-أنا لم ألفت اهتمام الشباب يوما ؟!... هم لم يهتموا لي يوما لا بالكلام ولا بالنظرات... ليس بي ما يثير حماسهم... وعندما أكون برفقة صديقاتي أظهر وكأنني إحدى أخواتهن الصغار ...على كل هذا أحسن فأنا لن أشيخ باكرا !...
وهي تضحك:
-لازال أمامي متسع من الوقت لكي ألهو وألعب كالصغار دون أن أدان أو أتهم بقلة الأدب !.

رغد وهي تشد بيدها على كتف نارين:
-ستبقي رغم كل ذلك أختي الصغرى الشقية وسأتحمل دلعك وقلة أدبك ...ولكن احذري أن تثيري غضب خالتك فأنت تعرفين بأنها تتصيد أخطائنا لكي تديننا أمام أباك ولتجد الأعذار لكي تحرمنا في النهاية من زيارة والدتنا المعتادة في مثل هذا اليوم !...
ثم تابعت:
-هيا تعالي لنخلد إلى النوم فلازال الوقت باكرا علنا نفوز بحلم جميل يبعد عنا بعض من الخوف الذي نعيشه.

التفتت نارين بحدة نحو أختها وهي تحاول أن تتخلص من ذراعيها:
-الخوف؟!... أنت تخافين؟

أجابتها رغد بعصبية ظاهرة:
-كل الناس يخافون وما عنيته هو الخوف الذي صاحبني في نومي من حلم لا أحبه !.
-ها وتحلمين أيضا ؟... ردت عليها نارين وهي تقهقه:
-لم تحدثينني يوما عن أحلامك ؟!.

رغد وهي تسير متجاوزة الممر نحو غرفة نومهم:
-وماذا تظنين حتى القطط تحلم.


ضحكت نارين وقد بلغت معها الغرفة وقفزت على السرير وهي تحتضن دبها البني الضخم:
-القطط فقط أم الدببة أيضا ؟.
-الدببة أيضا إذا شئت ... وكفي عن الهزأ !.

انقلبت نارين على ظهرها وهي لازالت تضم دبها الضخم حتى اختفت تحته ثم مدت رأسها من خلفه وهي تقول:
-أنا أيضا رأيت حلما !... ولكن غريب بعض الشيء !.

نظرت رغد بشفقة على نارين وهي تحاول التمدد على سريرها:
-حلم وغريب ؟! ...وما الغرابة فيه ؟.

اعتدلت نارين في جلستها وقد قذفت بالدب بعيدا عنها !... وقد سرها أن تثير اهتمام أختها بحديثها وقالت:
- اجل غريب ولكن جميل... وجميل جدا ولم اشعر بحياتي ما شعرت به من سعادة واطمئنان.... وعندما استيقظت وقد فارقني ما حلمت به كنت كمن كان على موعد للقاء ثان معه ؟!... هو بدا مألوفا جدا ووديعا جدا... هذا الحلم ؟ !

وبشيء من الفضول وقد أثارها ما سمعت قالت رغد:
- هيا تابعي قصي علي حلمك...؟!
ثم تابعت:
- أنا لم أعرفك قط أكثر حماسا مما رايته بك هذا اليوم... هه تابعي !.


***

استقامت نارين في سريرها وهي تحاول أن تتربع في جلستها، وقد أخذت بأطراف قميص نومها فجعلته بين ساقيها وكأنها تتجهز لتفضي بأمر جلل:
-أتعرفين؟!... لقد رأيت في حلمي وكأنني مسحورة بطيف لشاب لا ملامح له ولكن شعرت بجماله في رقة انسيابه نحوي وشعرت بحبه لي وبحنوه علي وقد اخذ يطوف حولي كملاك لا بداية له ولانهاية...
ثم تابعت كالحالمة:
-هو أن شئت كان يحتضنني كسحابة وديعة ... وشعرت بأنفاسه كنسيم منعش في مساء صيف حار يدغدغ رقبتي ويتسلل بلطف من خلال قميصي فشعرت به يلامس نهدي... أتعرفين ؟!... لأول مرة اشعر بان لي نهدين يمكن أن يلمسا... وهكذا رحت ألاحق تسلله اللطيف وأنا خجلة... لقد بدا وكأنه مألوف بالنسبة لي، فلم أتردد بالاستسلام له... وتمنيت وقد طوقني من الخلف لو أستطيع أن أصل أليه لأقبله، أحسست به يلامسني ويداعبني ولم استطع حتى أن المسه... فقد كنت معلقة معه في الهواء ؟!...
ثم تابعت وهي تهذي:
-وأخذنا نرتفع سوية ونطير كسحابة دخان ضاق بها المكان لتتسرب من الشقوق... وفي الفضاء الواسع انتهيت وإياه على مقعد وثير في حديقة غناء مليئة بالزهور... وبأشجار ضخمة لا حدود لظلالها !... وأذكر أيضا بأنني رأيت حمامتين وقد حطتا بقربي !... مددت يديّ الفارغتين وكأنني أريد إطعامهن حتى يقتربا مني أكثر لعلني أحظى بهن... وعندما هممت بالإمساك بهن طارتا إلى غصن شجرة قريبة وقد أخذتا ترمقانني بنظرات ملؤها الريبة والخوف...حاولت مرة أخرى أن اجذبهن إلي بحركات من يدي وأصابعي وأنا اردد...تا تا ..تا تا .. فلم انجح ...كنت جد مضطربة ألا أستطيع الحصول على ثقتهن... وبي رغبة لو أستطعت الإمساك بهن لأداعبهن ولكي أبرهن لهن بأنني لا أريد إيذائهن... ولم أتمالك نفسي وأنا في حيرتي من المحاولة ثانية ... وثالثة... لكي اجذبهن ألي وكأن هاتين الحمامتين هما لي... قطعة مني وقد انفصلتا ولا أستطيع العيش دونهن... انقبضت على نفسي بأسى وقد أخذت رأسي بين ذراعيّ كمن يلعب "الغميضة" ورحت بغيبوبة خفيفة أتلمس من وقع أقدامهن على الأغصان مقدار اضطرابهن علي... وما هي حتى لحظات حتى حطتا بقربي !... واحدة على يميني وواحدة على يساري !... بعدها لم استطع الحراك فأنا أريدهن قربي... وخفت أن أنا تململت في مكاني أن يبتعدا -مجددا- عني ؟! ... وعللت نفسي بالصبر أن أنا أردت أن أفوز بهن...؟ وما هي إلا لحظات حتى أحسست بمن يجذبني من أطراف قميصي وكأنهن يطلبن الحماية بي؟! ... ففسحت لهن مكان تحت ذراعيّ وأنا انتظر بفارغ الصبر أن أحظى برؤوسهن الوديعة وقد أطلت تستجدي بعضا من الحنان والدفيء... ولم يطل انتظاري حتى كانتا هاتين الحمامتين في حضني ؟!... أنزلت ساقيّ بلطف وحذر نحو الأرض... ولشدة حيائي أن يتكشف قميصي عن ساقي وقد آخذا يتقافزان في حضني بقيت بلا حراك لفترة اطمأنتا بها ألي ... وعندما بدأت تلمسهن براحة كفي وإذا بهن يتحولن إلى طفلين وديعين جدا ووسيمين ؟!... وهما يتحدثان بلغة لم افهمها وكأنها طيور تغرد! ... ولشدة فرحي بهما أخذت الأول بذراعي اليمين والآخر بذراعي الشمال وضممتهما إلى صدري... ولا اعرف بعدها لماذا ساد صمت رهيب من حولي واستسلما لي وغفيا بين ذراعي ؟!... وعندما استيقظت على صياح المؤذن يؤذن لصلاة الفجر أحسست بهما معي في سريري !... ولشدة تعلقي بألا اخسرهما واخسر هذا الحلم الجميل بقيت هكذا متصلبة احتضن الفراغ حولي حتى نهرتني منادية علي الاستيقاظ للصلاة.
ثم تابعت وهي تحدق بأختها رغد التي كانت تحاول أن تخفي ما فاضت به عينيها من دموع:
-هه ما رأيك بكل هذا ؟
-خير كله خير يا حبيبتي... ويبدو بأنك ستجدين فتى أحلامك قريبا... وستسبقينني إلى عش الزوجية... وما الطيرين إلا خبرين سعيدين سيزفان إليك قريبا إن شاء الله.

***
- هه وماذا عن حلمك لم تخبريني عنه ؟.
- لقد سبقتني إليه وخففت عني ما كنت اشعر به من خوف وتممت وبوضوح ما رأيته وما خفت منه ؟!.
-كيف ؟ ... أجابتها مستغربة ؟.
- لقد رايتك في حلمي وكأنك قد تركتني على شاطئ رماله بيضاء ناصعة كالثلج... وقد قذفت الريح بمركب كنت تلهين فيه إلى عرض البحر بعيدة عني... ولا أعرف لماذا لم أتجرأ الخوض في أمواجه كمن يفقد الأمل مسبقا في الوصول إليك ... وعندما حاولت الصراخ لأطلب النجدة لم يخرج من فمي إلا صفير لريح وكأنني فقدت حلقي ؟!...
وبحسرة تابعت:
-كم كنت خائفة ألا أجدك بقربي بعد استيقاظي ؟!
وبشيء من الهذيان:
-الحمد لله... الحمد لله... وهذا ما يفسر بأننا سننفصل قريبا ولكن بالخير يا عزيزتي... بالخير... أنت إلى عش الزوجية قبلي وأنا هنا مع أختك الصغرى "هند" ومع دراستي... وهكذا ربما ستعيشين حياتك كما رغبت وتبتعدين عن جو هذا البيت المشحون بالبغض والكراهية ؟!... وربما موعد اليوم مع الخاطبين الذين سيزوروننا سيبرر حلمي وحلمك... بالخير أن شاء الله...
ثم تابعت:
-هيا لننام قليلا فلازال الوقت باكرا للشقاء هيا وهي تجذب أطراف غطائها تصبحين على خير.
تيبست نارين في مكانها وقد تفتحت عيناها عن حدقتين مشدوهتين وواسعتين:
-تصبحين على خير ؟!.
وبشيء من السخرية تابعت:
-بل قولي صباح الخير ؟... وأنت الصادقة ما حلمت به لا ينطبق إطلاقا على زيارة الخاطبين لي هذا المساء، فأنا أحس بكل شيء وان لم اعرفهم... فإحساسي يقول لي بان ما حلمت به شيء وما سأراه اليوم شيء أخر وبعيد كل البعد !!
وكالحالمة:
-إن حلمي يا عزيزتي هو حلم لا يشبهه من الواقع في شيء... وما شعرت به من سعادة ونشوة لا يملكها بشري من هذه الدنيا !!...
وبشيء من الغرور:
-كل الرجال وشباب هذه الدنيا يسعون لشيء آخر غير الذي أتمناه وحلمت به !
-كفى ثرثرة ودعيني أنام أرجوك... فأنا متعبة.
- اجل نامي يا قارئة الأحلام... ليتني لم أخبرك بحلمي... واحتفظت به وحدي فلقد فقدت بذلك بعضا من نشوتي وبعضا من الإثارة التي أحبها !.
ثم تابعت بشيء من التهكم:
-هكذا بكل بساطة... سأتزوج ... سننفصل... هكذا بكل بساطة... !!!
وهي تجذب أطراف الغطاء:
-النوم أفضل كما قلت... !
وهي تحدث نفسها:
ما أبشع أن يفقد الإنسان بعض من أسراره... أن يفقد حلمه.




المصدر: ملتقى شذرات


khvdk hgpf hgqhzu v,hdm frgl: dpdn hgw,td

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-10-2012, 02:38 PM
الصورة الرمزية مهند
مهند غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 563
افتراضي

مع والدها

استيقظت نارين على صوت طرقات قوية على الباب وأخذت تصيح:

-هه أجل... أجل أنا قادمة ؟!...

ومن خلف الباب كانت خالتها تقف صائحة:

-لقد تجاوزت العاشرة وأمامنا الكثير لكي نعمله هلا استيقظتما لتساعداني...

-نعم... نعم... (أجابت نارين وقلبها يخفق بسرعة) سأكون عندك ريثما أبدل ثيابي ثم اتجهت نحو أختها رغد ...

-هيا إن خالتك تنادينا ... هيا...


بدلت نارين ثيابها على عجل وخرجت تقصد خالتها وهي تقول:

-هل أستيقظ أبي؟ وهل غادر المنزل؟


أجابتها خالتها:

-لقد استيقظ إلا انه لازال يتناول فطوره بالمطبخ... لماذا تسألين؟ ... هل تحتاجين لشيء؟

- أجل أريد أن أحدثه بأمر الخاطبين هذا المساء... لا... أنا خائفة... أرجوك خالتي هلا طلبت منه أن يسمح لي بشراء ألبسة في هذه المناسبة؟

-لماذا ؟ هل ألبستك لا تليق... ولماذا تشتري ثيابا أخرى... يجب أن تكوني طبيعية في مثل... هذه المناسبة وتلبسين ثيابا عادية... لا حاجة لشراء أي جديد!


نارين وهي تتلعثم:

-ولكن... خالتي أنا أحتاج إلى ثوب وحذاء جديدين... أرجوك...

-أنت حرة لقد أخبرتك رأيي... سأخبر والدك بالأمر... وان ثار عليك فذنبك على جنبك... أذهبي للاغتسال... ثم وافيني إلى المطبخ.


عادت نارين إلى غرفتها لتحضر منشفتها وهي تجهش بالبكاء في حين كانت رغد تغير ملابسها وقد فاجأها منظر أختها الحزين فقالت لها بشيء من الفتور

-ماذا هناك.؟... ماذا حدث.؟ ...هل تشاجرت مع خالتك ثانية.؟


-لا ... أجابتها نارين: ولكن أريد أن أكلم أباك لشراء ألبسه هذا المساء، وطلبت مساعدتها، فأنت تعرفين بأنني لا أقوى على مواجهة والدي فهو متوتر ومستعجل دائما ويتلقى تعليماته منها وكأنه أجير عندها !...


-أنت دائما على عجلة... لماذا لم تخبرينني... سأتدبر الأمر بنفسي... ووالدك سيستجيب لي... وأن فعلت أنت يستجيب لك ولكن أنت سيئة الظن به!... لا تهتمي للأمر واتركيه علي.


***


تناولت نارين منشفتها تقصد الحمام للاغتسال في حين توجهت رغد تسعى خلف أباها فوجدته في المطبخ يتناول فطوره:

-صباح الخير... (خاطبت رغد أباها وهي تجلس إلى جانبه على المائدة.)

-صباح الخير ... كيف الحال، كيف أختك هند لقد تغيبت عن المدرسة اليوم أيضا... يبدو أن الحرارة قد عاودتها من جديد... لقد أعطيتها مخفضا لها!.

ثم تابع:

-هل ستذهبين إلى السوق مع أختك نارين لشراء ما تحتاجه... لقد أخبرتني خالتك ...

وهو ينهض:

-هاك بعض المال وتدبري الأمر ومري في طريق عودتك من السوق إلى العيادة لأرى ما اشتريتم وان احتجتم لأي مبلغ إضافي فلا تترددي...


رغد وهي تفتح فاها مندهشة:

-شكرا با با... ستفرح نارين بهذا... شكرا ؟!...


وفيما جلست رغد إلى المائدة لتناول الفطور، كانت نارين تتسلل من خلف خالتها وأباها كالقطة نحو المطبخ وبهمس نادت أختها رغد:

-أخبريني... ماذا قال لك؟.

-اهدئي لقد أعطاني المال لك حتى دون أن أطلبه !

نارين وبشيء من الاستغراب:

-ولم يتذمر؟!

-لا... أبدا... لابد أن خالتك قد أخبرته قبل وصولي.


نارين وهي فرحة:

-رائع ... سأشتري ما أريد ... أنت حقا قوية يا رغد ... قوية جدا.

-ولكنني أخبرتك بأنه قد أعطاني المال دون أن أطلبه وأنا لم أفعل شيء...كفي عن نواياك السيئة هذه وأقبلي الأمر... بأن أباك يحبك ولا يتمنى لك إلا السعادة. وكفي عن محاولاتك في ابتزازه واشتراطك لاستقبالك لكل خاطب جديد ثياب جديدة... أتظنين بأنه لم ينتبه للعبتك تلك؟.

-ما العيب في الأمر، هو يجبرني على استقبال أي كان حتى لا يقطع في نصيبي وأنا أدفعه ثمن طاعتي ... وهي ليست رخيصة.

-كفي عن هذا بالله عليك. ومن ثم عليك أن تتخلصي من كوب الماء الموجود في البراد... وكفاك له تنقلا من مكان إلى آخر ... فلقد ضاق به على ما يبدو وسألني لمن هو...؟... ولماذا لا نشربه أو نرميه.


نارين وبشيء من الفضول المليء بالخبث:

-أتراه هو خائف أن يشربه لاعتقاده بأنه مسحورا ؟ !

-كفي عن لعبتك الطفولية هذه... أتريه يهتم ويخاف لما تفعلينه... هو حتى لا يصدق الخرافات !

-أصبحت بريئة الآن يا رغد وأنت من بدأ بهذه الحركات لإزعاجه هل نسيت عندما بدأت أنت بلعبتك تلك وذلك عندما عرضت كأس الماء ذاته لأبيك وأنت تصرين عليه بأن يشربه وبرغم عدم اكتراثه لمحاولاتك الصبيانية استطعت وبمهارة إثارة الشك لديه ووضعته في حالة من العصبية والتوتر وربما الخوف لأيام... أتريه حقا شعر بالخوف؟... لا... أباك لا يخاف أبدا... ومن ثم فأنا اشعر بالشفقة عليه ربما نحن نظلمه فيما نفعل !.


***


ثم تابعت:

-هو الذي تجنى على نفسه، لماذا طلق والدتنا واحل محلها هذه الرعناء الشمطاء !

-صه... كفاك ثرثرة ربما تنصتت خالتك علينا... فتمسك بالبرهان ضدنا ما يشفي غليلها فينقلب فرحك حزنا... هيا... انتهي من طعامك وجهزي نفسك للنزول إلى السوق... هيا ... ثم تابعت:

-ولا تنسي أن تيقظي أختك هند لكي تفطر ... هيا.

- دعيني أساعدك بترتيب المطبخ وتنظيف البلاط أولا فأنت ترهقين نفسك لأجلنا !


رغد بشيء من العصبية:

-لا عليك... وهي تتوجه نحو المغسلة:

-أنا استمتع بذلك ! وهي تهم في فتح صنبور الماء لغسل الصحون بدأت تمتمتها بآيات من القران الكريم كعادتها...

-حسنا... وهي تغادر المطبخ... وبشيء من التهكم:

-أجرك على الله يا عزيزتي

وهي تضحك:

-تودين أن تحجزي مقعدك في الجنة باكرا ؟.


لم تجب رغد على أختها لأنها تعرف بان الصبر والتماس العمل الصالح والتضحية في سبيليهما هو الأساس لما تتلقاه من دروس الدين مع الأخوات الصالحات. وقد عاهدتهم على ذلك. ولهذا ورغم ما تشعر به من امتعاض وضيق فهي تتصنع الابتسامة والهدوء حتى تضمن حماية أختيها وتكسب ود ومحبة والدها ورضا والدتها.... وبينما هي تتابع عملها تدخل خالتها وهي تترنح في مشيتها وقد أسندت خاصرتها بإحدى ذراعيها لتخفف عن نفسها ثقل الجنين الذي تحمله وبينما هي تهم بالجلوس بادرتها رغد قائلة:

-لماذا لا ترتاحين خالتي ؟ ... فأنت في شهرك الثامن... وفي اشد الحاجة للراحة فيه.


خالتها وهي تلهث:

-اعرف... اعرف ولكن أنا قلقة على أختك هند... لأنها لم تذهب إلى المدرسة هذا الصباح.

-لا تقلقي خالتي فهي مريضة بعض الشيء ومساء البارحة كانت حرارتها قد تجاوزت 38 درجة... أنت تعرفين فهي صغيرة جدا... وبعدها عن والدتها سبب لها اضطرابا غير عادي ... وكل ما نفعله لأجلها لإعادة الاطمئنان باء بالفشل.

-طبعا... طبعا... كان على والدتك أن تلم شملكم وترتضي البيت الذي استأجره أباك لها ولكم وكذلك نفقتكم... بدلا من أن ترحل لتتزوج وتبتعد عنها لسنتين... وفي أقاصي الأرض ؟ !

-أرجوك خالتي هذا الأمر لا يخصك ووالدتي حرة تفعل ما تشاء بحياتها بعد أن طلقها والدي وحللت مكانها... وهي على كل حال لا تتدخل في شؤونك.

-لماذا أنت عدائية معي... وتفسرين كل حوار معك وكأنه تدخل في شؤونكم. وما ذنبي أن تزوجني أباك، فهو الذي سعى خلفي... ولست أنا وان أنا لم أتزوجه ستكون هناك واحدة أخرى مكاني وربما كانت أكثر جفاء وقسوة !

-هه... أتعتقدين هناك جفاء وقسوة وأنت موجودة... لا... سامحيني لا احبك تلعبين دور المسكينة.



***



لم تتمالك خالتها نفسها من البكاء وهي تتلقى كلمات رغد القاسية كالسهام، ففضلت الانسحاب وعلامات اليأس بادية عليها خاصة وأنها اعتقدت - وقد أمنت ما يلزمهم من مال- بأن ذلك سيعزز المحبة بينيهما ويجعل رغد أكثر ألفة وتسامح... وفيما هي تهم بالخروج عادت نارين وهي تمشط شعرها وتقول:

-رغد… أرأيت أين وضعت "مطاطتي" لأربط شعري.


صاحت رغد:

-أنت هكذا ترمين حوائجك يمينا ويسارا وتريدينني أن ألتقطهم خلفك !

وبشيء من العصبية تابعت:

-متى ستكبرين يا الهي... متى !

ثم أضافت:

-وتريدين أن تتزوجي أيضا... يا له من معتوه من سيرضى بك !


نارين وبشيء من السخرية:

-ما بك تركتك هادئة منذ قليل... تراك تغارين مني... وما بها خالتك ؟... رايتها تخرج من هنا باكية !

-هه ...أجابتها رغد:

وتأكلين همها... لم أحدثها قط... هي تكلمت عن والدتك وأنا أجبتها بكلام لم تحبه ولم يعجبها !

-ولكن رغد لا تنسي بأنها هي من سعت لتحصيل المال لي... تراك انزعجت من ذلك أيضا لأنها سرقت الفضل منك في ذلك !!!

وبشيء من الخبث واللامبالاة:

-لا أعرفك تغتاظين لأمك بسهولة... تحبينها ألي هذا الحد ؟!.


أجابتها رغد وبشيء من العصبية:

-كفى أرجوك، لا ينقصني أنت أيضا... حصل ما حصل واتركيني انهي عملي حتى لا نتأخر.


نارين بشيء من الجدية:

-أنت دائما هكذا تتهربين من الحقيقة وترفضين المواجهة.

-أي مواجهة

-المواجهة مع نفسك... أنت تخافينها وتتخفين منها خلف أي خطأ ومهما كان بسيطا من قبل خالتك لتبررين وقاحتك معها... لابد انك تتعرضين لأزمة ضمير معها ؟


رغد بعصبية ظاهرة تركت ما بين يديها من أطباق واتجهت نحو الباب لتغلقه:

-يا الهي أنت من يقول لي هذا ! …تراك نسيت - وفي مقابل بعض المال الذي حصلت عليه عن طريقها - كل أفعالها... أنت رخيصة على هذا يستطيع أي كان شراء مشاعرك... وببعض القروش ! وهي توكز على أسنانها تابعت:

-أنسيت كيف أعفت الطباخة من عملها بحجة إنها ست بيت ولا تحتاجها. ولتوفر بعض المال كما تدعي... وهي لا تنفك تستخدمنا كالخادمات في كل أعمال المنزل وحجتها بأنها ستسعى لكي تجعل منا "ستات" بيوت محترمات؟ ... والغريب بالموضوع أن أباك يصدق كل ما تقوله له…نسيت كيف أعفت الخادمة من أعمال التنظيف اليومي وقلصت حضورها إلى يوم واحد بالأسبوع لنفس الحجة... تراك لو لم تشغلنا بكل أعمال المنزل كنت تركت دراستك باكرا، فأنت حتى لم تحصلي على "البكلوريا" وأنا أتعثر بدراستي بعد إن كنت من الأوائل... تراك نسيت كيف كنا نعيش كالأمراء قبل حضورها، كل شيء مؤمن لنا وبيتنا نظيف ولدينا ما يكفي من الوقت للدراسة واللعب ورؤية الأصحاب والتنزه، كل هذا على حساب من... ولأجل من... هه... أجيبي !!! وهي تلكزها بسبابتها في صدرها وكمن يفقد صوابه:

-أنا من يعاني أزمة ضمير مع نفسي... مع ضميري... هيا... أجيبي... ؟ ...

وقد شعرت بأنها كسبت الجولة تابعت:

-لقد لزمت الصمت الآن ... وتريدين أن تبرئيها من كل آلامنا وتعاستنا من اجل بعض قروش... نسيت على ما يبدو بأنها أموالنا... أموال أبيك تلك التي حصلت عليها !


***

نارين وبشيء من الخجل:

-أنا اعرف ذلك ولكن لم استطع أن أراها باكية وحزينة هكذا... لا أحب أن اسبب الأذى لأي كان.

-هه ... وعاطفية وحنونة !… لا أعرفك تخافين على مشاعرها وأنت لا تنفكين تضايقينها بمناسبة وبغير مناسبة... نسيت على ما يبدو كيف مزقت وسائدها ووسائد والدك بحجة انك تلمست بالصدفة لأشياء مريبة بداخليهما وأنت ترتبين سريرها... تراك كنت فعلت هذا لأمك ترتبين غرفتها كالخادمات... هي حتى لا تخجل من أن تطلب منك هذا وباستمرار.

-ولكنها هي حامل الآن... ولا تنسي بان ما تحمله في أحشائها هو أخ لنا من أباك. وأنا رغم عدم محبتي القوية لأباك... افعل ذلك إكراما للجنين ومن ثم أنا لم أمزق وسائدهم إلا بعد إن وافقتني أنت في ريبتي وتعرفين جيدا بأنني كنت محقة... ولقد وجدنا بداخليهما على كتابات مشئومة فسرت لنا الكثير من طباع والدك المتقلبة اتجاهنا وحبه الأعمى وانصياعه الغير محدود لخالتك !!!... تراه حقا كان مسحورا بهذه الكلمات... وهل تعتقدين بان بعض الكلمات المخربشة وغير مفهومة يمكن أن تؤثر على قلوب وطباع الناس؟ !.

-طبعا ... طبعا !


وقد شعرت ببعض الانتصار تابعت:

-ألا تؤمنين ب***** لقد ذكره الرسول (ص) وتعرض له على أيدي اليهود !


وقبل أن تكمل قاطعتها نارين:

-ولكن والدك حتى لم يهتم لكل هذا بل كافأنا على اكتشافنا المثير ذاك بالتأنيب والتهديد واعتبر تصرفاتنا ... ، تصرفات عدوانية ومشينه بحق خالتك واستهزأ بنا وسخر حتى تعب.

-طبعا كيف لا وقد قلبت خالتك الآية علينا وادعت بأننا نحن من مثل هذه المسرحية التافهة عليه وبأننا نحن من وضع الأوراق وبمساعدة والدتنا في وسائدهم لكي نزرع الشقاق والكره فيما بينهم !

-تراه لازال حانقا علي ويكرهني لهذا ؟... أو تراه لازال غاضبا مني ولهذا فهو يتحاش مجرد تبادل الحديث معي؟!... هل أخطأت فيما فعلت ؟

-لا تؤنبي نفسك بأكثر مما تستحق وأنت لم تفعلين أكثر من إظهار خوفك عليه من زوجته الملعونة... هي محاولة لكي تلفتي اهتمامه عليك وعلينا مرة ثانية بعد أن خطفت خالتك منه كل اهتمام... وتقولين بأنه ليس مسحورا ؟! اقسم... اقسم بأنها تكتب له ***** وألا لما كان مجنونا هكذا بها !


نارين وقد استعادت بعض من نشاطها وبخبث:

-لا تنكري بأنها جميلة وفاتنة وصغيرة.


رغد وبشيء من الغيظ:

-هو يراها كذلك... فأنا لا أجد ما يفتن بها سمراء كالهنود انه مغرما بها حتى الجنون... ألم تلاحظي بأنها تتصدر معظم لوحاته التي يرسمها... حتى انه رسمها قبل أن يتعرف إليها... لابد إنها كانت في عقله الباطني... يتغنى بها في رساماته... وهي على النقيض تماما عن والدتك... فهو على ما يبدو كان متيما بها حتى قبل أن يعرفها... يعتبرها حوريته المفقودة وملهمته الضائعة التي يبحث عنها...

وبشيء من السخرية تابعت:

-ولقد وجدها... ف***** موجود قبل أن توجد... أما زلت تؤمنين ب*****... وأنت خير من يعرف أباك !.


رغد هازئة:

-ليس هذا أكثر من تأثير إقامته في ألمانيا... حيث الشقراوات كثيرات والسمراوات لقلتهن يمثلون لديه حنينه لجذوره ولوطنه... لا أكثر ؟

-أتعتقدين أن "شقار" والدتنا وعيونها الزرقاء هم المشكلة في الكره المتأصل بينهم ؟

-هكذا بكل بساطة لخصت كل الخلافات بينهم... كم أنت بسيطة وساذجة... هم منذ أيام خطوبتهما الأولى كانا على خلاف وشقاق... ورغم جمال أمك وفتنتها لم يبال بها منذ أيام لقاءه الأول معها رغم ما يعنيه الشقراوات في بلدنا على ندرتهن وجاذبيتهن والتي يبحث عنها كل لناس هنا كمقياس أول للجمال !...


وبشيء من التأسف تابعت:

-لقد كان زواجا مدبرا وبالإكراه لإرضاء أخاه الكبير لا أكثر... وهانحن ندفع الثمن.


رغد وقد عاد إليها بعض الهدوء:

-لقد تعبت من هذا الحديث... يكفي... يكفي...

وهي تفتح باب المطبخ ثانية:

-هيا اخرجي لتتجهزي وأختك هند ودعيني انتهي من أعمالي... فلقد تأخر الوقت.


نارين بشيء من السرور وكمن افرغ كل ما في قلبه وتخلص مما في نفسه من هموم وهي تخرج:

-كما تشائين ... كما تشائين.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-10-2012, 02:39 PM
الصورة الرمزية مهند
مهند غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 563
افتراضي

مع والدتها

كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة ظهرا عندما قرع جرس الباب في شقة بسيطة ومتواضعة قريبة من وسط المدينة التجاري حيث تقطن والدة نارين .... ومن خلف الباب كانت نارين وأختيها رغد وهند يتململن وقد بدا على وجوههن شيء من الاضطراب... صاحت نارين:

-ماما ... ماما هيا افتحي الباب...


قالت رغد وهي تبعد يد نارين عن الجرس:

-تحلي بالصبر... الم تسمعي... هي آتية... كفى...!


وفيما هن تتخاصمان، فتح الباب ليطل من خلفه رأس والدتهم وقد توشحت غطاء الصلاة وهي تقول بصوت يشيبه النحيب:

-لحظة... لحظة... لقد أخفتموني... لما هذا الصراخ... أهلا... وهي تقبلهم... أهلا حبيباتي... ادخلوا... هيا.


نارين وهي ترتجف من الغيظ:

-ألم تلبسي ثيابك بعد... أنت تعرفين بأن علينا الخروج إلى السوق للتبضع...

-لا... لا أعرف... أجابتها والدتها بشيء من التهكم... وما المناسبة ؟ ...

- لنشتري ثيابا لي..

-ولكن انتم تفاجئونني !... وهي تتوجه حديثها لنارين:

-وأنت تعرفين بأنني لا أستطيع أن أكون تحت تصرفكم متى شئتم... فلدي مواعيدي والتزاماتي...

ثم تابعت:

-وأختك "سو" لم تعد من المدرسة بعد. وعلي انتظارها ومن ثم أنا لم أقبض راتبي المعتاد من جدك ونقودي لا تسمح لي بمشتريات جديدة لكم !

-آه ماما... أنت خائفة على مالك... لا تخافي .. لقد أعطاني البابا ما أحتاج ... أنا أريدك فقط أن تنزلي إلى السوق معنا... فأنت بارعة في المساومة ومعظم تجار المدينة يعرفونك ويخصمون لك !

-أسمعي لا تبدئي بحديثك المهين هذا معي أرجوك فأنا لم أقصر معكم أبدا... وكنت أنتظركم في منتهى الأحوال على الغداء... ولقد حضرت لكم أكلتكم المفضلة... "البيتزا" باللحم والجبن والبيض...

ثم تابعت:

-أتركي أختك هند عندي وأذهبي برفقة أختك رغد فهي شاطرة أكثر مني... هيا حبيبتي... ولا تتأخروا...



***

أمسكت رغد بأختها نارين من معصمها وهي تقول:

-هيا نارين سنتسوق سوية ثم نعود... هيا... أتركي والدتك تهتم بالمطبخ حتى لا نؤخرها... هيا...


خرجت نارين من بيت والدتها ممتعضة وقد أخذت كعادتها تتلفظ بكلمات سريعة ومتقطعة قل من يفهمها ونزلت الدرج نحو الشارع بسرعة !... هبطت رغد ورائها مسرعة وهي تقول لوالدتها:

-سنعود خلال ساعتين على الأكثر... لن نتأخر.

وما أن وصلت بمحاذاتها حتى جذبتها من طرف قميصها وهي تقول:

-توقفي قليلا... نارين... لقد أتعبتني... لما هذه العجلة... لازال الوقت مبكرا... ولما كل هذا الغيظ ... عيب عليك أن تتركي والدتك مغتاظة منك هكذا... وهي لم تفعل شيئا !؟


نارين وقد توقفت:

-أنت تقولين هذا... ألم تسمعيها... هي مشغولة... دائما مشغولة وخائفة على مالها... هي أصلا لا تعتبرنا أولادها... تتهرب دائما من واجباتها... نحن أولاد "الدكتور شلهوب" المحترم والمشهور... هاهي تقطن لوحدها ولديها غرفة فارغة... لماذا لا ترضى أن نقيم معها... لماذا لا تريد أن نبقى بقربها ونعيش كأسرة ؟... لماذا تريدنا عند والدنا وتريدنا عندها في نفس الوقت ؟ فقط لكي تغيظ والدي... ترسلنا إليه لنعيش معه برفقة زوجته.... وان تأخر عن إرسالنا إليها تثير زوبعة وان أرسلنا إليها فهي مشغولة دائما... ماذا تريد بحق الله... ماذا تريد...؟ تلعب بنا وتتسلى بوالدك وخالتك !... إنها أم حقيرة وانتهازية هذا هو ما هي عليه !

- توقفي... توقفي عن الصراخ... كفى... كفى نارين... أنت تثيرين الزوابع مع الجميع أنت دائما غاضبة ولاشيء في الدنيا يرضيك... قدري ظروفها !

-ظروفها أنت تقولين هذا !... ظروفها أن تتركنا لتسافر إلى المكسيك لكي تتزوج ؟!.. تركتنا نحن أولادها الخمسة خلفها وكأنها لم تنجبنا... أنسيت كيف جنت على أخويك "جمال" و"لولا" وقد أرسلهم أباك إلى ألمانيا حيث يعيشون بعيدين عنا... وهم لم يتجاوزوا الرابعة عشرة من العمر !؟

-كفى نارين كفى أرجوك... لا يد لها بإرسالهم إلى ألمانيا... كانت رغبة والدك وليست رغبتها !

-هه...وماذا فعلت هي...لم تفعل شيئا... لو كانت حقا تحبنا وتغار وتخاف على أخويك لكانت منعته من إرسالهم إلى هناك !

-كيف بالله عليك وكأنك لا تعرفين أباك ؟

-كيف ؟... طبعا بأن ترضى ما عرضه عليها والدك... بأن تقبل العناية بنا والبقاء بقربنا... لا أن ترحل إلى أقاصي الأرض لتتزوج وتتركنا خلفها وكأنها لم تحملنا في أحشائها... ولم تلدنا... ولم تعرف لوجودنا من خبر !

ثم تابعت:

-أم تراك هي فعلت هذا لتقض مضجعه بأولاده الخمسة وتعكر صفوته مع زوجته ومن ثم لتثبت له بأنها لازالت مرغوبة وبأنها هي أيضا قادرة على الزواج وبناء حياتها ومن رجل يتجاوزه أهمية وثراء ؟!... فرد عليها بأن تخلص من أخويك وأبقانا نحن البنات الثلاثة بقربه لعله يهجننا قدر ما يستطيع. بالترهيب... والترغيب... فالتأثير وإدارة أمور ثلاثة يبقى أخف عبئا من خمسة !؟

-كفى...كفى... أنظري إلى الناس ينظرون إلينا !


نارين وبشيء من العصبية:

-ليذهب الناس إلى الجحيم... لا يهمني الناس... الناس تعرفنا وتعرف قصتنا... أنا لا أطيقها... أتسمعين أنا لا أطيقها... لو أنها ماتت لكان أحسن لنا... كم اشتهي الموت لها !

-اهدئي نارين... اهدئي... يكفي هذا لقد أفرغت غضبك والأحسن عندما نعود ألا تذكري شيئا من هذا لأي من والديك... دعي كل واحد منهما يعيش حياته كما يحب وإذا قدر لنا أن نعيش بينهما هكذا فليكن... وأنا أقسم لك بأن أرعاك وأختك وأدافع عنكما وأحميكما قدر ما أستطيع... ولكن يجب أن تتعاوني معي فأنت لست صغيرة !... وعلينا نحن -أن هم لا يحبوننا كما يحب الأهل أولادهم ويستغلوننا لمصالحهم - أن نستفيد من كل واحد على قدر ما يستطيع... حتى يقضي الله أمرا كان مقضيا...


نارين وهي تمسح دموعها وتحاول أن تعيد الابتسامة إلى شفتيها خاصة وقد نبهتها أختها رغد عن اقتراب أحدى القريبات وهي تلقي التحية:

- حاضر



***

إحدى القريبات:

-مرحبا نارين


نارين وهي تبتسم:

-أهلا كيف الحال هناء... وكيف هي والدتك ... لم نركم منذ زمن بعيد...


رغد مصافحة:

-أهلا كيف الحال ؟

-أهلا... بخير والحمد لله... تذهبون إلى السوق ؟

-طبعا ... طبعا وأنت؟.

-وأنا كذلك ... سنترافق إذا

نارين وهي تمشي بقربها:

-كيف الحال الم تتزوجي بعد ؟

-لا ليس بعد... وأنت؟

نارين وبشيء من الغرور:

-أنا يزورونني الخاطبين كل يوم تقريبا... وأنا لا اخفي عليك... إنني في بعض الأحيان أرفض الدخول إليهم لمجرد السلام... خاصة إذا لم يعجبني مظهرهم...

ثم تابعت:

-فانا ابحث عن عريس لقطة !

-الله يحقق ما ترغبين ويرسل لك ما تحبين...

ثم أضافت موجهة الحديث لرغد:

-كيف هي خالتك... وأباك... والبيبي... متى ستلد ؟

-خلال شهر على الأكثر... نحن بخير والحمد لله... وأنت تعرفي كم يحبنا والدنا وكيف هي خالتي لطيفة معنا وهي لا تتأخر في تلبية طلباتنا !

-الحمد لله... الحمد لله...

ثم أضافت:

-تنزلون السوق للتسوق أم للتسلية ؟

نارين وقد أفرحها السؤال:

-للتسوق... سأشتري بعض الثياب... اليوم سيزورنا عريس من عائلة ثرية... هكذا يقول والدي... شاب في الثلاثين ولديه محل لبيع الأدوات الكهربائية وشقة وسيارة !

-هل أعجبك ؟

-لا لم أره بعد... هذا كلام والدي وخالتي... وأنت تعرفين لو لم يكن يناسبني لما وافق والدي على استقباله... سيأتون أهله هذا المساء وسأخبرك بالنتيجة !

-على خير... أتمنى لك التوفيق... فأنت تستحقين كل خير...

-وما هي أخبار خالك...؟ الم تعثروا له على عروس... منذ أن افترق عن ابنة عمي ؟

-لا فهو ذوقه صعب جدا... وأنت تعرفي أولئك الذين يعيشون في أوروبا لا يعجبهم العجب !؟...

ثم تابعت:

-ومن ثم أنت تعرفين بأن له ظروفا خاصة جدا... فهو لديه ولدين من زوجته الأجنبية وهو يرعاهم ويخاف عليهم... ويكرس كل وقته لأجلهم ! وبشيء من التأثر تابعت:

-تصوري له ثلاث سنوات منذ أن ترك زوجته... شاهد وتعرف خلالها على العديد من الفتيات ومن أجملهن في هذه البلد... ولأي سبب مهما كان تافها يغير رأيه... فهو قليل الثقة بالنساء على ما يبدو وتجربته المريرة مع زوجته وخوفه على أولاده لا يدعه قادرا على اتخاذ إي قرار !؟

نارين وبشيء من الخبث:

-لماذا لا تعرفينني عليه... فأنا سوف أروضه وأخطف قلبه !

-آه... أنت لا تعرفينه هو "شايف" حاله كتير وأنت صغيرة بالنسبة له !

نارين وهي تقاطعها مستهجنة:

-صغيرة ؟ أصبح عمري عشرين عاما... ومن ثم هؤلاء العائدين من الغربة يفتنهم الفتيات الصغيرات ويفتتون قلوبهم... خاصة وإنهم يتزوجون هناك ممن يقاربهم سنا... ولهذا سيجد الفرق سريعا !... ولا أظنه سيقاوم فتنة الشباب وهو في ريعان تفجره ! وهي تضحك...

-لا يبدو عليك... تبدين في السابعة عشرة... أنت أنهيت الإعدادية منذ سنتين تقريبا أليس كذلك ؟

نارين وهي تضحك:

-طبعا... أرأيت كم أنا صغيرة ؟

ثم تابعت:

-اضحك... اضحك... أرجو ألا تتضايقي من مزاحي.

-وخالي ليس كبيرا... كان في الرابعة والثلاثين عندما ترك زوجته وله الآن ثلاث سنوات يبحث عن زوجة لطيفة وتخاف الله... ولشدة خوفه من أن يظلم وأولاده في زواج لا يأتي إليه بالراحة والأمان والهدوء... فهو كثير التريث... يبدو بأنه خائف من بنات هذه البلد... وهو على فكرة لا يعطي عمره أبدا... فهو مليء بالحيوية والنشاط ودائم الابتسام وكأنه لم يتعرض بحياته لأي مشكلة... أنا لا اعرفه إلا مبتسما والدنيا كلها لاتهمه !



***


نارين ساخرة:

-كفى... كفى... جعلت منه ملاكا... وأنا كنت امزح معك ولكن صدقيني ومنذ أن سمعت به وبخطبته بأبنة عمي فانا اهتم لأمره ولأمر ولديه وكأنه أخ لي دون أن اعرفه أو أراه... وأنا كنت اعرف بان ابنة عمي لا تناسب شاب في مركزه وثقافته ولطافته كما علمت منها !

ثم تابعت وبإصرار:

-هذا بالإضافة إلى انه يبحث عن زوجة وأم كما أخبرتني... وابنة عمي لا تملك من هذه الصفات من شيء... وهي مدللة على ثلاث شباب ولا تعرف حتى أن تقلي بيضة...

وهي تضحك:

-كنت اعرف بأنهم لن يستمروا سويا... وإذا أردت فأنا عندي له عروس حلوة وصغيرة وابنة ناس وهي صديقتي... واراها جدا منا سبة له... سأتصل بها لأخذ رأيها وأخبرك بالنتيجة.

-شكرا ولكن لا أضمن لك خالي فهو حساس جدا... وفي بعض الأحيان يرفض أن يرى الفتاة قبل أن يوافقوا على كل شروطه لأنه وكما قال لنا مرهف الحس ويخاف إن هو قابل فتاة جميلة وفاتنة أن يطرق الحب باب قلبه فيعصى عليه اتخاذ قراره ويهدر تحت تأثير الغواية حقوق ولديه... فهو متعلق جدا بهم !... ولقد عاف لأجلهم الملايين... ولا يحب أن يعيش إي قصة قد تؤثر عليه أو عليهم...

ثم تابعت بشيء من الجدية:

-ولا تنسي ثلاث سنوات دون زوجة يكفي انه يظهر مدى تضحيته... وهذا أمر لا يطاق !.

نارين وهي تضحك !

-لا تخافي عليه... الرجال يدبرون أنفسهم... خاصة وانه يسافر دائما لأوروبا ولا أظن بأنها خالية من الفتيات الجميلات وأنت تعرفين بان الموضوع سهل هناك...


-لا... لا تظلمي خالي، فهو شاب عصامي ونظيف وصاحب مبادئ ولولا ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه من نجاح في عمله وحياته ولا أظن ولديه ما يشغله وهمومه أن يكون لديه الوقت الكافي لمغامرات كهذه...وإلا لما حاول العثور على زوجة !؟.

-ربما من اجل ولديه فقط ؟!.

-لا ... لا تظلميه أرجوك، فلو عرفته لغيرت رأيك نهائيا.!


نارين متملقة:

-عرفيني عليه إذا... ثم أردفت مصححة... إنني امزح... تعرفين كم أحب المزاح في هكذا مواضيع... ولكن صدقيني سأعثر له على زوجة... أنا أراهنك... سأطبق له عروس على قياسه... لدي الكثير من الصديقات وسأدلك عليهم واحدة... واحدة...

وقد وصلوا السوق نارين تتابع متسائلة:

-ستدخلين السوق معنا... أريد أن اريك ما سأشتريه... واعرف رأيك ؟...

-عفوا أنا لا أريد أن أتأخر عن والدتي...اعرف بأنك مزوقة...

ثم أضافت:

-سأرى ما ستشتريه عندما تلبسيه في الخطبة... أم انك لن تدعونني !؟

-كيف هذا ؟... أنت تعرفين عندما ستتقرر خطبتي فأنت أول المدعوات.

-هذا يسرني... أترككم بعناية الله ولا تنسي أن تتصلي بي....

وهي توجه حديثها لرغد:

-دعينا نراك... تحياتي لخالتك ووالدك.

-طبعا سنراكم في القريب العاجل... تحياتي لوالدتك... سلام.

-وعليكم السلام

وهي تلوح بيدها مبتسمة

-ليوفك الله... حقا كنت أتمنى لو تكوني لخالي... فستأخذين البقية الباقية من عقله.

-لا تقلقي... إن لم يرغب بالتعرف بي...

وهي تضحك سأراه بخطبة العروس التي سأختارها له بنفسي... وداعا... سلمي على الجميع.



***

رغد وهي تنهر نارين:

-أنت كثيرة الثرثرة وتدخلين نفسك في أمور لا تعنيك... وتهزئين من الجميع... هذا عيب... توقفي عن سخريتك بالآخرين.

-ولكن أنا جديّة... لم أكن يوميا جديّة مثل هذا اليوم وإذا أردت رأيي فانا لا اعرف لماذا أنا مشدودة لهذا الشاب... خالها !... رغم إنني لم أشاهده... ولكن لكثرة ما سمعت عنه اشعر من داخلي بأنني الفتاة الوحيدة التي تناسبه !

-لا تنسي بأنه كان خاطبا لابنة عمك.

-أنت تعرفين بان ابنة عمي لا تناسبه إطلاقا... أما أنا فاعرف كيف أسعده واهتم بأولاده.

-أنت لا تدركين ما معنى أن يكون متزوجا وله أولاد.

-ولم لا... فهو لازال شابا وأولاده متربيين في سويسرا ولا أم لهم لكي تعلمهم عليّ وأنت تعرفين بان معظم الشباب يتزوجون أثناء دراستهم في الخارج من أجنبيات وهذا الزواج لا يحتسب عليهم وهذا أفضل من أن يكون في كل يوم مع عشيقة وكذلك هي فرصة لي لكي أسافر معه وربما زيارة أخويك في ألمانيا... وسيكون أكثر من غيره متفهما لظروفي ... لأنه عاش معظم حياته في الخارج !

-أنت فعلا خيالية وتنسي على ما يبدو بان اليوم هو يوم زيارة العريس الذي رضيت رؤيته.


نارين وهي تقاطعها:

-أنا لم أرضى به أنت وأباك وخالتك تضغطون علي لكي أراه واستقبل أهله وحججكم بأنني إن لم أرى الناس فكيف علي أن احكم عليهم دون أن أراهم...

ثم أضافت:

-وعلى هذا فانا سأوافقكم وامشي بدربكم إلى النهاية.

-كفاك غطرسة من يسمعك يظن بان "حمص" هي إمارة وأنت أميرتها... تريدين كل الناس على ذوقك !

-أنا كذلك... لماذا ؟ أيزعجك أن أكون دقيقة باختيار الشاب الذي سأقترن به لنهاية حياتي !

-أنت تضخمين الأمور... وأنت لست أول ولا آخر فتاة تتزوج.... بسطي الأمور وخذيها كما هي ولا تكوني هكذا صعبة ومن ثم أنت تعرفي بأنه ولا احد منا يضغط عليك أو يستعجل عليك الزواج، بل على العكس نحن نريد أن تتمهلي في اختيارك لأننا لا نرغب إلا بسعادتك. ولكن أنت تستعجلين زواجك وكأنك على سباق مع الزمن... ثم تابعت نسيت بأنك صغيرة على هذا وأصدقائك لازالوا بالمدرسة لم ينتهوا من "البكلوريا" بعد. والفتيات في هذه الأيام لا يتزوجون قبل الجامعة. إي اقل شيء خمسة وعشرون عاما !

-وما ذنبي إذا كانت "البكلوريا" ممنوعة عني ولا تحبني...

ثم تابعت هازئة:

-ماذا عملت "البكلوريا" والجامعة للكثيرين وقد غدرهم الزمن وهربت من بين أيديهم فتنتهم وشبابهم...؟ يا عزيزتي شباب هذه الأيام يحبون الفتاة الصغيرة والفاتنة والتي لم يبوسها من فمها إلا أمها ويخافون من بنات الجامعات... أنت تعرفين بلدنا !

-ليس كل الفتيات مثل بعضهن وكفاك ثرثرة وادخلي لتختاري ما تحبين لأنني بدأت اضجر من هذا الحديث، الله يسهل لك هذا اليوم لكي ترتاحي وتريحينا... هيا...

وهي تدفعها إلى داخل المحل...

-هيا ادخلي !

-لا بأس... لا بأس لا تقولي لي بأنك تغارين...

وهي تضحك...

-إياك أن تغاري...

وهي تدخل أضافت وكأنها تسعى لأغاظتها:

-إياك...
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-10-2012, 02:40 PM
الصورة الرمزية مهند
مهند غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 563
افتراضي

ذكريات

كانت الشمس قد بدأت تعطي شيئا من الظلال للأشجار الباسقة المنتصبة على طول الشارع العريض المقابل لشقة الدكتور "شلهوب"... حيث نسمات الهواء الغربي الرطب تضفي على هذا اليوم الدافئ من أوائل تموز بعض من الانتعاش والسرور على ملامح نارين التي كانت تقف وقد أسندت ذراعيها على طرف الشرفة بالطابق الثالث وهي تترقب الشارع بشيء من التأمل !... تتفحص المارة كمن يبحث عن شخص ما تتمنى أن تراه... وتراقب السيارات العابرة وكأنها على موعد. وفي زحمة الأفكار التي بدأت تراودها حول ردة فعل والدها وخالتها للاستعدادات التي قامت بها وإخوتيها بمناسبة عودتهم من المستشفى مع المولودة الجديدة...أختها الصغيرة... كانت تقفز إلى مخيلتها بعضا من ذكريات الطفولة الضائعة، حيث كانت وفي مثل هذا الوقت ومثل هذه الأيام الدافئة من كل عام تنزل إلى الشارع وأخويها التوأمين جمال ولولا ليلعبا "بالبيتناج" وهم ينزلقون يمينا ويسارا على طول الشارع الذي عادة ما يكون خاليا في مثل هذه الساعة من النهار... وكم كانت متعتها لا تفوقها متعة وهي تثير أنظار العابرين -على قلتهم- في مهارتها بالانزلاق... تنهدت نارين وهي تتذكر وبدأت تحدث نفسها:

(أين أنت الآن يا أخي العزيز "جمال"... وماذا تفعلين الآن يا أختي ******ة "لولا".... كيف تنامون ؟... كيف تأكلون ؟... ومع من تتحدثون وتلعبون ؟... هل لازلتم يا ترى كما تركتمونا تمتازون بالمرح والطرافة والنكتة ؟... والمقالب المضحكة... وهذه "الفيراندا"... وهذا الشارع ؟... والبقال ؟... أنسيت البقال يا "جمال"؟... البقال "فرحان" حيث كانت والدتنا ترسلك لشراء بعض حاجيات المنزل فكنت لا تعود إلا بمقلب !... نعم كنت تعود بمقلب يضحكنا ولا يعود عليك إلا بالشتيمة والضرب من أباك !... أتراك كنت تفعل مقالبك قصدا منك أم أنت حقا معتوه ؟!... أم هو الذكاء الفائق يتفجر شلالا من الحركات والتصرفات المؤذية المشينة !... أتتذكر يا ترى كيف أحضرت صفد البيض فارغا إلا من قشوره من عند البقال !... وعندما سألك والدك عنهم ادعيت بأن البقال أعطاك إياهم هكذا !... يا لعقلك الساذج !... وبعد الصفعة الأولى أقريت بأنك فقدت ما بداخلهم من صفار البيض وأنت تلعب بهم على الطريق ؟!... )

وهي تضحك... ( كم أنت غبي يا "جمال"...! كيف خطرت لك تلك الخاطرة بان تجمع أولاد الحي حولك لتريهم بأن هناك "صوصا" يتحرك في كل بيضة بعد ان أفرغتها مما في جوفها وأدخلت إصبعك بداخلها من الخلف لتلعب تلك اللعبة البهلوانية ولأي سبب ؟... الم تفكر بالنتيجة يا ترى !... أم أن ذهنك الصغير كان مشغولا بأشياء أخرى كثيرة وكثيرة جدا يدفعك لهذا الشرود وهذا التمرد ؟!... اهو يا ترى أسلوبك للاعتراض على معاملة أباك القاسية لوالدتنا من شتيمة وضرب !... اذكر بأنك كنت تتأثر كثيرا برؤيتهما يتشاجران باستمرار... وكان هذا يسبب لك في أحيانا كثيرة الامتعاض والحزن !... ربما كنت اصغر من أن تتعود على هذه السيمفونية البغيضة التي اعتدنا عليها نحن الأكبر سنا... حتى لأننا فقدنا الإحساس بها عندما تعزف؟! ... وسباق الدراجات ؟!... اجل أنسيت كم كنا -وعلى طول هذا الشارع- نتسابق على الدراجات ولا نمل !... وعندما كنا نتعب كنا نتوقف لشرب الكولا أو تناول المثلجات... تراك لازلت على عادتك تشرب الكولا مع الطعام لابد أن تكون الكولا لذيذة أكثر عندكم في ألمانيا من هنا، فهي على الأقل أصلية ولا تزعجك بغازاتها "المفرقعة" وطعمها كالسكر المحروق ؟!... آه كم اشتقت إليك والى "لولا"... أنت أخي الوحيد تذهب رغم صغر سنك لتستوطن الغربة وتنسى أختك التي تحبك وتحب اللعب معك، بل أكثر... أن تمشي بقربك مزهوة بان لها أخا ككل الأخريات من أصدقائي ؟.



***

وأنت يا "لولا" هل لازلت كما كنت بابتسامتك الرائعة ونظراتك الفاتنة الساحرة ورقة قلبك... وهل أنت سعيدة حيث أنت، كم افتقدتك وأخاك... وكم أشعر بالغربة والحزن هاهنا مع أخوتي ووالدي وخالتي وفي بلدي وبين أصدقائي !... ولا أعرف إن كنت سأحسدكم على بقائكم بعيدين عنا... أم اطلب لكم العزاء... لا أعرف... لا أعرف ؟!...


كل ما أعرفه بأنكم رغم افتقادكم لنا وحنينكم لوجودنا قربكم لا تشعرون بالغربة كما اشعر بها وأخوتي هنا، حيث كنتم قد تولعتم بحاضنتكم وزوجها "شلوتر" رغم امتعاض والدتي منهم وكرهها ألا محدود لهم لأنهم أخذوكم منها كما تدعي ؟!!!.


أظن بأنكم تستمتعون بوقتكم برفقتهم. خاصة وإنكم عندما عدتم... عدتم إلى الوطن الذي ولدتم فيه وأمضيتم السنين السبعة الأولى من طفولتكم فيه، فكيف إذا ستتضايقون وتضجرون وانتم في كل الأحوال وكما السابق رهن هذه العائلة الرزينة... ومنذ ولادتكم... اجل منذ ولادتكم... فلقد كان والديكم وعندما سمعا خبر استيطانكم في الرحم رافضين قطعا أن تروا النور ورغم محاولاتهم التعيسة بان يتخلصوا منكم وانتم لازلتم نطفة !... خاصة محاولاتهم للسفر إلى "بولونيا" حيث القوانين لا تعارض ذلك كما هي الحال في "ألمانيا" ؟!... انتصرتم رغما عنهم... وأبصرتم النور بعد أن اقنع العم "شلوتر" وزوجته والديكم بالعناية بكم وتبنيكم أن هم ليسوا مستعدين لذلك ؟!!!... أو يا ترى ألم يهتز لصرختكم الأولى وانتم تخرجون إلى هذا العالم الظالم ؟!...الم يهتز لوالديكم إي من مشاعر الفرح ؟!... الم تستجب لصراخكم البائسة البريئة إي رحمة ؟!... أو شفقة...أو إنسانية ؟!... وكيف هي والدتكم أرضعتكم من ثدييها كل هذا الحليب المفعم بالدفء لم يردعها على أن تمضي قدما في مشروعها بان تترككم بين أيدي الغرباء ليعتنوا بكم !!!؟؟... أم هو التحدي المليء بالبغضاء والكبرياء هذا الذي استحكم بها وبوالدكم... وكمن يعض كل واحد منهما إصبع الأخر حتى يدفعه إلى الاستسلام !... تحملوا كل هذا الألم بالاستمرار بلعبتهم دون أن يصرخوا أو ترف لهم أي جفن من الحياء ؟!... هذا ما يسمونه الكره يا الهي ؟!... هذا ما يسمونه البغض ؟... هذا هو التحدي والانتقام !... يعجز أي قلب بشر ومهما كان خسيسا في هذا الكون من أن يصدق !...)

وقد عاد إليها بعض الهدوء تابعت: (أعرف بأنكم رغم سعادتكم باستعادتكم لحريتكم... بالعودة إلى وطنكم... إلى الهدوء... تشعرون ببعض الامتعاض وربما الحقد...!... أن تكونا ها هناك لوحدكم دوننا وبلا سبب...!... أم إن لكم وبعد السنين الستة التي مضت باغترابكم سببا تعزون إليه كل آلامكم... وبه تداوون جروحكم التي لم تندمل بعد...!... آه كم أنا حزينة وأشفق عليكم... فأنا في كل صلاة لي أدعو لكم بان يحميكم الله ويوفقكم ويسعدكم !.)


وقد بدا عليها شيء من التعب وكأنها دخلت في غيبوبة باتت تتمتم لهم بالدعاء وقد اغرورقت عينتاها بالدموع وخيل إليها وهي تنظف أنفها من غير شعور بطرف كمها وكأن أخويها يلوحان لها من طرف الشارع وهما يصيحان... "نارين"..."نارين"...هي..."نارين" فلم تتمالك نفسها -وقد أصابتها قشعريرة عابرة وشعرت لأول مرة في حياتها وكأن شعرها قد انتصب- من الصراخ..."جمال"..."لولا"... وبصراخها ذاك انتبهت إلى نفسها وأخذت تتلفت حولها يمينا ويسارا خوفا من أن يكون أحدا ما قد رآها !... وحمدت الله وأخذت تقرأ مستعيذة... قل أعوز برب الناس... وتمسح بيديها على وجهها وصدرها... وهي تهمس ... لا ... إلا الجنون... هذا أبعد من أن أتصور نفسي فيه... ثم توجهت إلى المغسلة لتغسل وجهها وترتب شعرها... عندما سمعت الباب يفتح ويطل منه والدها وهو يحمل الطفلة الوليدة وخلفه زوجته ووالدتها وأختها الكبرى رغد !... فهللت فرحة وهي تطالب بإصرار أن تحمل أختها لتراها... في حين كان والدها يصر بان تراها من بعيد خوفا من التقاط إي مرض كان فهي لازالت صغيرة...وهشة وفيما سعى الجميع لتامين الراحة لخالتها والمولودة الجديدة جذبت نارين أختها رغد من طرف ثوبها وهي تقول:

-لقد كنت بانتظاركم على الشرفة ... هل رأيتموني؟؟؟.

-لا ؟!...

- الحمد لله وهي تبتسم...

وباستغراب أجابتها رغد:

-لماذا ؟... ماذا هناك؟

- لاشيء... لاشيء.

-تعالي خلفي إلى الغرفة لنتحدث

لحقت نارين أختها رغد إلى غرفتها كهرة صغيرة تتبع والدتها... وما أن دخلتا الغرفة وأغلقا الباب كالعادة حتى بادرت رغد أختها نارين السؤال عن حالتها المزرية التي رأتها فيها... ولم تتجرأ نارين من الخوض في الحديث عن ذكرياتها وتأثرها بها... بل جرت نحو المرآة لتكمل زينتها وهي تقول:

-كيف تمت الأمور بالمستشفى ؟... ولماذا تأخرتم هكذا ؟.



***

رغد وهي تخلع معطفها:

-على أحسن حال، لقد انتظرنا الطبيبة حتى تتمم إجراءات خروجها ومعاينتها والطفلة قبل العودة إلى المنزل... ثم تابعت كيف جرت الأمور بالبيت ؟... هل أصبح كل شيء جاهز لاستقبال الضيوف والمهنئين هذا المساء ومن ثم أنت لم تجيبي... ما بك ؟... لقد بدوت وكأنك كنت على عراك مع احد... هه ما الأمر ؟.


نارين وهي تضحك:

-كنت أتعارك مع نفسي...! ... ألا تعرفينني... أتضايق بدون سبب !.


ثم أردفت بعد لحظة من الصمت:

-كنت أفكر إذا ما كان والدك قد أعجبه طبخي ؟... فهو لم يعلق كعادته ؟!... وأنت تعرفين بأن طباعه وذوقه صعب جدا على الطعام ؟... ولا أخفي عليك بأنني كنت أرتجف وبعد كل لقمة يضعها في فمه وأنتظر بين لحظة وأخرى تعليقه المعتاد... ولكنه لم يفعل هذه المرة ؟!.

وبشيء من المرارة تابعت: ليته فعل لأنني بقيت طيلة الوقت وحتى مغادرته المنزل قلقة من أن يفاجئني بالتأنيب المعتاد !... لقد تعذبت أكثر بانتظاري أن يفعل... وسبب لي القلق والتوتر... وهو أقسى من أن يقول رأيه مباشرة...هه وأنت ما رأيك ؟.


-انه لذيذ كما تفعلينه... باستمرار طعامك لذيذ ولا ينقصه شيء... أنت فقط كثيرة التذمر والخوف... وفي كل الأحوال أنت من يدفعه إلى التعليق على طعامك لكثرة تفوهك بالحماقات ... مثل أكلي ليس ناجح... ناقص ملح... كان طيب ولكن نزعته بعد إن أضفت عليه كذا وكذا... وهكذا فأنت تنبيهيه إلى أشياء لم يكن لينتبه إليها أبدا... كم أنت غبية... ومن ثم هو كان شارد الذهن اليوم لأنه على موعد لإحضار خالتك ولهذا ربما لم يستطعم بطعامك !...

وهي تهزأ تابعت:

-اطمئني أخيرا هو مشغول البال ولم يفطن بك ليؤنبك إذا أردت !.


-لا... ولكن أنت تعلمين بأنني أحاول قدر المستطاع أن أرضيه واعمل المستحيل لكي يشعر بأنني لا أجيد التذمر فحسب بل لي حسناتي كذلك. فانا أجيد العناية به وبأخوتي وارتب له غرفة نومه وأنظف الحمام والمطبخ كما يجب... واطبخ... واقلق لراحته ساعة ينام... أتراه لم يشعر بكل هذا... الم يشعر بان لديه فتاة ماهرة وست بيت وتستطيع العناية به وتحبه...



***
رغد مستغربة:

-وتحبينه ؟.

-اجل... أحبه وهل هناك من فتاة لا تحب أباها... وأسعى دائما لإرضائه !... ولكن هو لا يهتم بتاتا لكل ما أقوم به لأجله... هو أصلا لا يشعر بوجودي بتاتا... وألا لقالها تلك الكلمة *****ية الحلوة التي يتمناها كل إنسان بعد إنجازه عمل ما !... مثل "يسلموا ها الديات"، طعامك لذيذ، أنت بنت شاطرة، الله يرضى عليك... الخ الخ الخ بدلا من التذمر باستمرار ولا يعجبه العجب !.

-ربما يستحي أن يقول هذه الكلمة *****ية.

وبشيء من السخرية تابعت:

-هو حتى لم يكن ليقولها لوالدتك حتى ليقولها لك.

-لماذا يا ترى؟... لم يتعود على الكلام الجميل ككل الناس ؟... لماذا لا يلاطفنا ويلاعبنا ككل الآباء ؟... هو معقد يا ترى ؟!... أم انه بلا مشاعر ؟!.

-بل قولي ربما هو لا يقولها لأنه يعتقد بأنه يدفع ثمنها... وككل من يدفع ثمن طعامه ولباسه والعناية به... فهو لا يجد نفسه مضطرا لان يضيف عليها كلمات الشكر... ومن ثم أنت تهتمين لأمره كثيرا على غير عادتك ؟!...

-كيف لا... فهو أباك ولقد قلت فهو يدفع الثمن، ثمن العناية بملبسنا ومأكلنا هذا بالإضافة إلى إنني بدأت اشعر به أكثر خلال فترة غياب خالتي عن البيت... أحسست به أكثر لطفا !...

وقد بدا عليها الاهتمام لما تقول أضافت:

-هل هي محاولة ليكفر عن غضبه علينا خلال وجودها... هل شعر يا ترى بأنه كان ظالما معنا ؟... وأراد بلطفه ذاك أن يرسل لنا إشارة ما ينبهنا بها عن محبته لنا واهتمامه لأمرنا !.

ثم تابعت وقد بدا عليها الحزن:

-ولماذا يا ترى هو عاجز دائما عن الكلام، عن البوح عما في داخله إلينا لنقف إلى جانبه وندعمه في معاناته... أنا اشعر به من داخلي بأنه ليس سعيدا بما يكفي معها. أم تراه يفعل ما يفعله معنا من سوء ليرضي به تذمرها ويدفع عنه وعنا غضبها... لماذا لا يحدثنا ؟... لماذا لا يبوح بما يشعر به ؟... لنعذره ونسامحه وناسف له ونحبه... لماذا ؟.


رغد وقد شعرت بان أختها قد أصابت في كلامها صميم المشكلة وهي محقة:

-الله... الله... لقد أصبحت شاعرة يا أختي الصغيرة...أتعرفين إنني أتفاجأ في بعض الأحيان بك !... وبأفكارك... وبشيء من الزهو تابعت: أنت واعية وذكية، كيف تتوصلين إلى هذه النتائج... لابد انك تتمتعين بإحساس مرهف جدا... ولكن رغم تفاؤلك بمحبة أباك لنا وكتمان كل هذا عنا فانا أرى بان والدك ليس بالسهولة لكي تقحمي ما يكن ويضمر بنفسه فهو كالأحجية المغلقة بعدد شعر راسك... وكلما استطعت أن تفتحي واحدة منها لتقرئي عما بداخلها تجدين أخرى... وهكذا ستتعبين وأنت تتعقبين الحقيقة المحضة والممنوعة في نفسه... وقد تشيخين وهو لا يزال في ريعان الشباب !... وقد تهلكين وأنت تجرين خلفه وهو ممدد يحتسي العصير !... انه صلب كالحجر... بل هو حجر وعندما خلقه الله خلق به الروح ليتحرك ولكن منع عنه كل المشاعر... ولذلك فهو لا يحب أحدا... لا يحب إلا نفسه !!!؟؟؟.

-يا الهي خلتك ستشجعينني على اهتمامي به وستناصرينني على تحليلي للطفه الأخير وهدوءه الغير معتاد... ولم أكن أتصور بأنك ستشبهينه وترسمينه لي كوحش !.

-أنا لم اقل هذا، بل وأنت تعرفين أكثر من غيرك بان أباك فاقد للمشاعر ومشغول دائما عنا وعن غيرنا ولا يحب إلا نفسه. وان هو حاول اطمئناننا ببعض من لطافته وبأنه يحبنا ويهتم لأمرنا فما ذلك بالنسبة له أكثر من أسلوب يعتمده في حياته مع الجميع ولكن... (وهي تكز على أسنانها)...بلا مشاعر !.



***


نارين بشيء من العصبية وكأنها أرادت أن تدافع عن مشاعرها واكتشافها الجديد بأبيها:

-لماذا لا تقولي بأنه يحبنا بكل جوارحه وبأنه يكن لنا ككل الآباء كل حنان. ويخاف علينا ويهتم بمستقبلنا ويكره أن يؤنبنا أو يشتمنا أو يضربنا وان هو فعل هذا أمام خالتي فلكي يقي غيظها ويخفف من غضبها... ولهذا فهو هادئ خلال غيابها... أليس هذا صحيحا ؟.

-كما تريدين... ولكن لو كان كذلك لكان حدثنا بالأمر على انفراد حتى لا نغضب منه !.

-لا أظن يستطيع ذلك وهو يعرفنا تمام المعرفة بأننا ننقل كل ما يدور داخل هذا البيت إلى والدتك. وهو يعرف بأنه لا يريد أن يفرحها بتمثيله لدور الأب الذي لا يحب زوجته ويتآمر مع أولاده عليها !. وقد تصل عن طريقها الفتنة وتملئ بالوشاية قلب خالتك بالغيظ، وهو لا يريد أن يفتح بابا لتعاسته !.

-قد يكون كذلك ولكن لو علمنا على محبته وصدق مشاعره معنا لكنا تعاونا معه واحتفظنا بأسراره ؟.

-أنت تعرفين بان أباك يخاف منا ولذلك فهو لا يأتمن لنا... ولا تنسي بأننا وخلال سنتين من زواجه بخالتك كنا شركاء لوالدتك في كل قلقه... لماذا لا نتصالح معهم ونعمل هدنة ونحاول أن ننسى الماضي ونعيش معهم بسلام.

-أنت طيبة جدا يا حبيبتي... نسيت على ما يبدو كل الآلام التي سببتها لنا... نسيت على ما يبدو إظهارنا وفي كل ساعة ودقيقة أمام أباك بأننا كاذبات... كسولات وبأننا لا نطيقها، أنسيت كيف زرعت الشك في قلب أباك اتجاهنا !... بان لنا علاقات مع الشباب وبأنه إذا ما تأخرنا عن المنزل فلأننا على موعد ما مشبوه مع شخص ما... ولهذا فهو يترصد خطواتنا على غير عادته ويحسب المسافات من البيت إلى المدرسة بالدقيقة والثانية حتى انه لم يتوانى عن ملاحقتنا عن بعد ليتأكد من سلامة سلوكنا... أباك لم يكن هكذا من قبل... لم يكن شكوكا !... وقد كان يثق بنا كل الثقة... لا أظنك نسيت كل هذا وبأنها ستعاود الكرة حتى تستعجل علينا الزواج من إي كان وبأي ثمن حتى نترك لها هذا البيت وبأسرع وقت ممكن !.

-إذا أنا مخطئة إذا اهتممت به وبطعامه ؟!.

-ومع ذلك فأنت لم تنالي الشكر ولم تجني إلا النقد، وربما أنت تستمرين رغم مضايقته لك وعدم إحساسه برضاه عليك... تستمرين في السعي لكسب حبه وعطفه ومودته فقط ... فقط لتشعريه بأنك ممكن أن تكوني بديلة عن زوجته، ربما كنت تحاولين أن تلعبي هذا الدور وتصرين عليه رغم ما تتعرضين له من أذى منه لمجرد رغبتك بلعب دور الزوجة البديلة، وهذا إن صح خطير جدا جدا يا نارين !!!.

وكمن انتبه إلى اكتشاف خطير ومثير تابعت:

-أنبهك يا نارين هذا خطير جدا ويسمونه بعقدة "الكترا" وأباك وبما انه طبيب نفسي ربما انتبه إلى هذا وهو يحاول بتأنيبك وأغاظتك إبعادك عن هذا الدور... حتى لا تستقري به وتتحول حياتك إلى جحيم !!.


نارين بقلق:

-ماذا؟!... ماذا؟!... ما هذه عقدة "الكترا" وما هذا الكلام ؟... أنا لا افهم شيئا ؟!.


وقبل أن تجيبها سمعت والدها ينادي عليهن:

-هيا الباب يقرع... لقد حضر الضيوف على ما يبدو... نارين... رغد... هيا افتحوا الباب...

ومن خلف الباب وبصوت واحد أجابتا:

-حاضر بابا... حاضر.



***

خرجت نارين على عجل لتستقبل الضيوف في حين استمرت رغد في تبديل ملابسها... وكم كانت مفاجأة لها أن تجد مع أول ضيوفها صديقته "هناء"

-أهلا... أهلا وسهلا تفضلوا... وهي تفتح باب الصالون على مصراعيه تفضلوا


هناء وهي تدخل وتنزع عن رأسها الحجاب:

-كيف الحال ؟... كيف خالتك و"البيبي" ؟... مبروك العروسة الحلوة.


نارين وهي تأخذ "المانطو" من يد هناء:

-بخير والحمد لله تفضلوا.


وهكذا وعلى مدى ساعة كانت نارين ورغد يتناوبان في فتح الباب واستقبال الضيوف وتقديم القهوة وتبادل أطراف الحديث على أنواعه... وبين الحين والآخر كانت نارين والتي بدا عليها شديد الاهتمام بهناء تتبادل الإشارات عن بعد وعندما تحين الفرصة لهن يتبادلان بعض الكلمات، فالصالون كان يغص بالضيوف ولهذا لم يتسنى لهن الحديث على انفراد.

وبما أن نارين لا تستطيع أن تصبر دون أن تتحدث بأمورها أشارت على هناء لكي تأتي إليها في المطبخ لمساعدتها... فلم تتأخر هذه الأخيرة باللحاق بها.

وما إن دخلت المطبخ حتى بادرتها القول:

-كيف الحال أنت لم تلبسي الخاتم بعد ؟... ماذا حصل مع العريس ؟.


نارين متعمدة عدم فهمها للحديث:

-أي عريس ؟!.

-ذاك الذي حدثتني عنه في السوق.

-آه... ليس هو فقط بل غيره كثير لم ارغب حتى بالتحدث بالأمر!.

-ولكن هذا الأخير الذي حدثتني عنه يبدو مناسبا جدا !.

-كذابون... وهو سمين وقصير وبشع... يا الهي كم هو دميم !... لقد خفت منه عندما رأيته !... وعندما أصرت والدته على تلبيسي "الشوفه" ساعة وخاتم رفضت وقد خرجوا من عندنا كالمطرودين !...

ثم تابعت بشيء من الاستنكار:

-يخرب بيت ها العالم شو كذابين قالوا عنده محل وسيارة وبيت... طلع المحل لأباه وهو يعمل عنده ولا يوجد سيارة والبيت عبارة عن سطح سوف يبنيه بالمستقبل ويريدونني أن أقيم مع والدته وأخوته في بيت واحد ؟!.



***

ثم استطردت:

-وقالوا عنه شب حلو وأشقر... طلع مثل الضبع. الله يخرب بيت خالتي وأمها المنحوسة كيف بدهن "بدن يدفروني" من هون... والغريب أن أبي يصدق كلامهم ويرضى باستقبال هكذا ناس في بيته ولابنته الصغرى !... هل أنا دميمة ؟... هل أنا مصيبة حتى يبيعني بهذه السهولة ؟!... إنها أفعال خالتي وأمها !!!... وأنا لا أريد أن أغيظك فهم يقربوك ولا أحب أن تتضايقي ولكن ضعي نفسك مكاني ؟!.

-لا باس أنا اهتم بك فقط ولا يهمني غيرك بتاتا. وأنت لا تتزوجي إلا بمن تحبين... ولا تستعجلي أبدا أبدا.

-لا تخافي اعرف ما أريد... هه... ما هي أخبار خالك ؟... أخبرتني صديقتي بأنكم ذهبتم لرؤيتها... كيف وجدتموها ؟.

-في الحقيقة... لا اعرف... لم نعطهم جوابا إلى الآن الأمر بيد خالي... وهو الأساس.

-أتعرفين لقد اتصلت بصديقتي وأخبرتني بزيارتكم وطلبت مني أن اشرح لها كل شيء عنه وأنا في الحقيقة حكيت لها كل شيء.

ثم تابعت ببعض الخبث وكأنها تريد أن تصل إلى مقصد في نفسها:

-وطلبت مني أن أصفه لها، وبما إنني لم أشاهده فلم استطع... أليس لديك صورة له لكي أعطيها إياها !...

-في الحقيقة لا... ولكن تستطيعين أن تريه متى شئت فهو الآن هنا حضر منذ أيام من السفر... وهو يأتي إلينا كل يوم تقريبا ليأخذنا إلى مزرعته لكي نسبح.

نارين تتصنع الإعجاب:

-عنده مسبح في المزرعة وهل مزرعته جميلة ؟...

هناء بشيء من الفخر:

-طبعا فيها فيلا جميلة وحديقة وأشجار فاكهة وهي ليست بعيدة عن هنا إنها في البساتين القريبة خلف الملعب.

-وهل أستطيع أن أتي معكم للسباحة ؟.

-لما لا فهو ظريف ويحب الضيوف... وغالبا ما يأتي معنا الكثير من الأصدقاء وهو يترك لنا المكان لنلعب ونأكل ونسبح على هوانا... فإذا أحببت اتصل بك غدا لأخبرك متى تأتون إلينا حيث يمر إلينا ونصطحبك معنا.

نارين وقد بدا عليها الفرح:

-وهل من مانع إذا اصطحبت أختي الصغرى هند معي ؟.

-أبدا أنا أخبرتك بان خالي يحب الضيوف ويحب الأولاد ومزرعته مليئة دائما بالناس.

-ولكن هل تعتقدين بان أبي يوافق... آه نسيت...

نارين وهي تتصنع الأسى:

-لا أظن ؟!.

-إذا أحببت أنا اكلم خالتك بأننا عزمناك وأختك معنا وهي ستحدث أباك.

-صحيح خالتي... إذا الموافقة مضمونه.

وهي تصف الفناجين المغسولة والأطباق:

-شكرا على مساعدتك لي... ولكن متى ؟.

-في القريب العاجل إن شاء الله ربما يوم الجمعة القادم ما رأيك ؟.

نارين وقد على وجهها بعض من علامات الانتصار:

-حسنا لما لا...ونأخذ أغراض السباحة... هل سنسبح ؟.

-إذا أحببت اجل... اجل.

-وخالك يبقى هناك ؟.

-لا ... لا "تاكلي" همه... فالمزرعة كبيرة وهو بالعادة يتخذ لنفسه ركنا بعيد عنا ويسلي نفسه بالمطالعة.

نارين: إذا اتفقنا... وهكذا أستطيع أن أصفه لرفيقتي وبالتفصيل ربما تستعجل باتخاذ القرار.

وفيما هن يتحدثن تدخل والدة هناء وهي تقول:

-هيا لقد تأخر الوقت.

هناء موجه الحديث لنارين:

-إذا وداعا والى اللقاء.

نارين وهي تقبلها مودعة:

-إلى اللقاء... انتظر هاتف منك

هناء وهي تلبس:

-لن أتأخر... مع السلامة.
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« نســـافر ...إلى عين السراب | قصة أضغاث أحلام »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الوقت الضائع صابرة الملتقى العام 0 10-24-2016 07:03 AM
مسار جديد للثورة السورية بقلم // طلعت رميح ابو الطيب مقالات وتحليلات مختارة 0 10-15-2013 08:37 AM
مصريون والوقت الضائع يقيني بالله يقيني مقالات وتحليلات مختارة 0 04-20-2012 07:42 AM
بعض مؤثرات رواية "الجريمة والعقاب" لدوستيفسكي في رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب" Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 02-03-2012 02:37 PM
يقولون الحب كالماء ..بقلم الدكتور علي طوالبة الدكتور علي طوالبة د. علي طوالبة 0 01-20-2012 03:51 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:48 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68