تذكرني !

 





كتب ومراجع إلكترونية عرض وتحميل الكتب الإلكترونية ebooks

المتلقي عند عبد القاهر الجرجاني

د. ماجد بن محمد الماجد جامعة الملك سعود منذ اللحظة التي نظر فيها عبد القاهر الجرجاني إلى مصطلحات مثل البلاغة والفصاحة وهو

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-19-2012, 11:33 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي المتلقي عند عبد القاهر الجرجاني


د. ماجد بن محمد الماجد
جامعة الملك سعود
منذ اللحظة التي نظر فيها عبد القاهر الجرجاني إلى مصطلحات مثل البلاغة والفصاحة وهو ينبه إلى الطبيعة المخصوصة للتلقي، فيراه تعاملاً مع المستتر، وترويضاً للعصي الدفين، وذلك من أسس مفهومه للمتلقي الذي يكشف الستر، ويطلب المخبوء، مستدلاً بالإشارة والإيماءة، إنه متلقٍ فوق الوضوح أو الشروح يقول عبد القاهر:( ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة وفي بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان الخبيء ليطلب، وموضع الدفين: ليبحث عنه فيخرج) ([1] )
ووفق هذا المفهوم يصبح النص عند عبد القاهر "شفرة" بين المبدع والمتلقي، كلما أوغل الأول في تعميتها، كان الآخر أمكن في فكها وفهمها حين يوظف خصيصة التلقي لديه، فالبلاغة لا تحصل، ولاتتسنى معرفتها حتى تفصّل القول وتحصّل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئاً شيئاً، وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج...) ([2] ) ،ويمكننا أن نوضح القول وفق المخطط التالي: الإبداع= اللفظة + النحو + التركيب----< النظم (المعنى) التلقي= النظم(المعنى)-- <التركيب+النحو+اللفظة فالحركة الإبداعية التي تتجه في صناعة النص من اللفظة حتى تبلغ به النظم البليغ، تقابلها الحركة المعاكسة، التلقي الذي يتعامل مع النص في أوج اكتماله ولا تشغله الألفاظ ، ولا تموضعها الجزئي، بل هو ينظر إلى تعالقها أو كما يقول عبد القاهر انتظامها فيما بينها. ويصير عبد القاهر من القول الشعري هاديا يتقرّى به خصائص النظم الذي يكون به القرآن معجزاً، فعلم الشعر وسيلة لإدراك إعجاز القرآن الكريم الإعجاز الذي قصرت بلاغة العرب عن مساوقته على الرغم من فصاحتهم وبيانهم، ويرى عبد القاهر أن الوقوف على خصائص النظم الشعري، يؤهل لمعرفة خصائص النظم القرآني، دون الاقتصار على الوصف المجمل للإعجاز فحسب فـ(لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياساً ما وأن تصفها وصفاً مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً، بل لا تكون في معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصّل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئاً شيئاً، وتكون معرفتك معرفة الصنَّع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبريسم الذي في الدّيباج وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع) ([3] ) وإذا كان الإعجاز ليس في الفصاحة وفق المفهوم الشائع، فهو عند عبد القاهر متحصل من أسلوب في النظم يستوعب الظواهر الصوتية في المستوى التركيبي، فحتى تلك التي الضروب التي يوهم ظاهرها أنها مجرد حلية خارجة عن النظم، فالسجع وهو من تلك الضروب له بالأسلوب صلة وثقى، يورد عبد القاهر رأيه في هذا في معرض الرد على من يرى أن البلاغة والفصاحة تكون في تلاؤم الحروف والظواهر الصوتية وحدها دون الدلالة والمعنى. ولذا يرى عبد القاهر أن إبهار المتلقي بالأداء لا يمنح النص الفصاحة المنشودة. ويرى أيضاً أن تغييب شأن المتلقي في القيام بالعملية المعاكسة مغفلين التلطف والتروي ويصدق ذلك حين تحصر معاني الكلام في الخبر والاستفهام والأمر والنهي، وهو حصر موجود في كثير من كتب البلاغة والنقد، يقول عبد القاهر( ترى كثيراً منهم لا يرى له- أي علم البيان- معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين وما يجده للخط والعقد، يقول:إنما هو خبر واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلاً عليه...لايعلم أن ههنا دقائق وأسراراً طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائُف مستقاها العقل، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها، ودلوا عليها) ([4] ) .
ويمضي عبد القاهر فيوضح أن تهدِّي المتلقي إلى النظم البليغ لا يتم إلا بالتعالق النحوي الذي ينسج العلاقات بين أجزاء التراكيب، منظورا إليها من زاوية المعنى المتبوع لا اللفظ التابع فـ(لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلَّق بعضها ببعض، ويُبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك...وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل أو مفعولاً، أو تعمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم اسماً على أن يكون الثاني صفة للأول، أو تأكيدا له أو بدلاً منه و...بان بذلك أن الأمر على ما قلناه، من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم، وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتاً وأصداء حروف، لما وقع في ضمير، ولا هجس في خاطر، أن يجب فيها ترتيب ولا نظم) ([5] ). فالنظم عند عبد القاهر يعني ضم عناصر الكلام بعضها إلى بعض، ضماً معيناً يسميه عبد القاهر بمسميات توحي كلها بالارتباط القائم على التناسب والانسجام كالتأليف والتركيب، والترتيب، والنظم، والنظام، والنضد، والنسق، والتصوير، والنسج والتحبير([6] ) وهذا الضرب من الضم الذي يتم وفق"معاني النحو" يؤول بالمجموعة إلى الوحدة، ويفضي بفضل اللحمة التي يوجدها بين عناصر مختلفة إلى شيء واحد لا يمكن تجزئته، ولذا يقول عبد القاهر:(واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب أو الفضة، فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة، وذلك أنك إذا قلت:" ضرب زيد عمراً يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له" فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم على مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان كما يتوهمه الناس؛ وذلك لأنك لم تأت بهذه الكلم كلها لتفيده أنفس معانيها، وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو(ضرب) وبين ما عمل فيه، والأحكام التي هي محصول التعلق....وإذا كان كذلك بان منه وثبت أن المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لاعدة معانٍ، وهو إثباتك زيداً فاعلاً ضرباً لعمرو في وقت كذا، وعلى صفة كذا، ولغرض كذا، ولهذا المعنى تقول: إنه كلام واحد) ([7] ) وما نص عبد القاهر المشهور(فليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها) ([8] ) إلا قاعدة تحكم تلك الشفرة المخصوصة بين المبدع والمتلقي، حتى لا يفقد الأخير سبل التهدي إلى مقاصد الأول، وتتشعب به احتمالات القراءة، ولعل مبحث الفصل والوصل عند عبد القاهر من أدل المواضع التي يتبين فيها خصوصية التلقي، ومن ذلك كون الجملة الأولى لها محل من الإعراب، أو ليس لها محل من الإعراب([9] ) ، فجميع صور الفصل والوصل من كمال الانقطاع وشبهه، وكمال اتصال، وشبهه وتوسط بين الكمالين، تدخل في هذا التعالق النحوي، وقد عقد عبد القاهر فصلاً كاملاً للتأكيد على هذه العلاقة النحوية في الفصل والوصل، فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين.
ويعرج عبد القاهر على ظروف التلقي أو ما يسميه"المقام"؛ الذي لا يغفله في غير ما موضع، وتأثير عناصره على المقال دلالياً وتركيبياً، وذلك يشمل العلاقة بين المتخاطبين في موقف التلقي، والتضمنات التي تكون عاملاً مهماً في تحديد مدلول المقال وصيغته التركيبية، حيث يشير عبد القاهر في مفهومه للنظم إلى فعل القول أولاً، وهو المستوى الدلالي الذي تترتب فيه المعاني المجردة في نفس المتكلم ومستوى التركيب الذي تتعالق فيه المعاني حسب قواعد اللغة التركيبية، ثم البعد الصوتي حيث تتخذ تلك المعاني مدلولات أو ألفاظاً من معجم النسق اللغوي. وفعل الخطاب ثانياً، وهو يرتكز على عنصرين مهمين: عنصر الغرض الذي يرمي إليه المتكلم من استفهام وتبشير وإنذار...، والتأثير الذي تركه في المتلقي، ثم عنصر التضمنات ومن بينها العناصر المقامية التي تتحكم في عملية الترتيب والتركيز والتأكيد، ففي المقال:" ضرب عمرو زيداً" التضمن هو"ضرب إنسان ما زيداً" والجزء المؤكَّد هو عمرو، وعلامة تأكيده هو تقديمه، أما في المقال:" ضرب زيداً عمرو" التضمن هو"ضرب عمرو إنساناً ما"، والجزء المؤكَّد هو(زيداً) وعلامة تأكيده تقديمه. وبه تمَّحي في النظم الفواصل بين اللفظ والمعنى، وتتعزز العلاقات التي تربط بين الأسماء والأفعال، أو بين الأسماء والأسماء أو بين هذه وتلك ومكملاتها من الحال والتمييز والتوابع والمجرورات، تتكامل بها نظرية النظم، والعلاقات بين أجزائها، في شكل من أشكال البلاغة النحوية أو النحو البلاغي، أي أن عبد القاهر يتطور بمفهوم العلاقات بين أجزاء النظم، فلا يقف بها وبالنظم عند مجرد الترتيب والتنسيق وحسن الأداء، وإنما يريد لفكرته أن يصل الكلام عن طريقها إلى الحد الذي تحسن فيه الدلالة، وتتم، ثم تظهر في صورة أنيقة مُعجبة تستولي على لب المتلقي.
ولا ينفك عبد القاهر ينظر إلى مقدار الجهد الذي يستنفده النص من المتلقي، فهو وإن راق له أن يشارك في إتمام الدائرة الإبداعية للنص، لكنه يضيق بـ(المسالك المجهولة) كما في قوله: ) والألفاظ لا تراد لأنفسها، وإنما تراد لتجعل أدلة على المعاني، فإذا عدمت الذي له تراد، أو اختلَّ أمرها فيه، لم يعتد بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير السهولة فيها واحدا، ومن ههنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم لهما المعنى، ويدخل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسف في الاستعارة بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة...ذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما، ومن حيث هما، فضل، ويقع بهما من الخلو مع المعنى اعتداد) ([10] ) وإذ يسلم النص مع تلك المسالك، ويتوافر على النظم الإبداعي المخصوص، الذي ينشئه المبدع، ويكمله المتلقي، يستبين أن الفروق بين طريقة في النظم وأخرى عند عبد القاهر تعود إلى المتكلم لا إلى اللغة فهو على وعي بالفرق بين ما تتضمنه اللغة من قوانين ومعجم، وما يختاره المتكلم، ويتلقاه المتلقي بقبول حسن من تلك القوانين والألفاظ ليبدع(طريقته) في النظم. فالإعجاز في رأي عبدالقاهر كامن في النص ذاته- بل كامن في كل آية من آيات القرآن طالت أو قصرت، ويمكن للمتلقي اكتشافه والوصول إليه في كل عصر (فإذا كنت لا تشك في أن لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي له كان معجزاً قائم فيه أبداً، وأن الطريق إلى العلم به موجود، والوصول إليه ممكن، فانظر أي رجل تكون إذا أنت زهدت في أن تعرف حجة الله تعالى) ([11] ) ويفتح عبد القاهر أبواب التلقي مشرعة، فالطريق إلى ذلك التلقي المخصوص موجود، والوصول لأسرار الإعجاز ممكن.
ويبدو أن هذا المنهج لدى عبد القاهر كان مشروعه الأكبر لحلِّ إشكالية الجمع بين حديث الخالق سبحانه، ولغة الخلق، أي بين أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وعجز العرب عن مجاراته، ذلك أن القرآن معجز بنظمه، وإن كان بلغة العرب ووفق قواعدهم ومواصفاتهم، فهو إعجاز يعود إلى المتكلم لا إلى اللغة ذاتها، التي تتيح له قدراً كبيراً من الاختيار والمفاضلة بين التراكيب والصيغ المعبرة عن الغرض، وينص عبد القاهر على هذا فيقول: (إن الفصاحة فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي بالمتكلم دون واضع اللغة، وإذا كان كذلك فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم هل يستطيع أن يزيد من عند نفسه في اللفظ شيئاً ليس هو له في اللغة...وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئاً أصلاً، ولا أن يحدث فيه وصفاً، كيف؟ وهو إن فعل ذلك أفسد على نفسه، وأبطل أن يكون متكلماً، لأنه لا يكون متكلماً حتى يستعمل أوضاع لغة على ما وضعت عليه) ([12] ). وواضح من النص السابق أن عبد القاهر يصير اللغة مادة خاماً بين يدي المبدع فهو يعيد تشكيلها وفق رؤيته هو على ألا يضيع رسوم الشفرة بينه وبين متلقيه، وأول ذلك رسوم اللغة فلا يخرج عليها، ولا ينتهك سننها، وعلى هذا يصوغ عبد القاهر مفهومه للنظم في تفريقه بين اللغة الفنية والكلام المعتاد، لا من حيث الصحة اللغوية أو النحوية، بل من حيث الفنية التي تنطلق من قوانين اللغة، فليس النظم (إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه "علم النحو" وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها) ([13] ) لكن النص السابق لا يعني أن الفنية "النظم" " محصورة في قوانين اللغة من فعل وفاعل...، فعلم النحو لدى عبد القاهر يشمل قوانين اللغة كما هي عند النحاة، ويشمل كذلك الخصائص الفنية المتبادلة بين المبدع والمتلقي في الكلام شعراً كان أم نثراً، وخاصة الفروق بين التراكيب( وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في (الخبر) إلى الوجوه التي تراها في قولك:" زيد منطلق" و"زيد ينطلق" و"ينطلق زيد"...وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك:"إن تخرج أخرج"، و"إن خرجتَ خرجتُ"...وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك"جاءني زيد مسرعاً" و"جاءني يسرع"...فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له... وينظر في "الحروف" التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى...وينظر في الجمل التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل... ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وفي الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له) ([14] )، أي أن نظم الكلم مختلف (لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني) ([15] )، فـ(ليس الغرض إذن بنظم الكلم إلا تناسق دلالاتها، وتلاقي معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل) ([16] ) أي أن التلقي الفني يتأسس لدى عبد القاهر على الركيزة النحوية وبعبارة أخرى(ثمة إلماح ظاهر أن عبد القاهر...يقيم رابطة بين دراسة الأدب والمسائل النحوية المتعلقة بنظام الكلام أو تركيب العبارات) ([17] )وتلك الفروق الأسلوبية بين تراكيب اللغة، ستغدو لدى المبدع خصائص فردية، ولدى المتلقي سننا معروفا لا يجوز للأول إلا أن يحتذيه( واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر، وتقديره وتمييزه أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرضٍ أسلوباً، والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه، فيعمدَ شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب فيجيء به في شعره) ([18] ) وإذ يؤسس عبد القاهر مشروعه" النظم" على الاقتفاء والاحتذاء فأين يوضع الطبع في نظريته، وهل يسلمه ذلك إلى قطع الصلة بين الطبع اللغوي والقدرة على النظم؟ فنصوص عبد القاهر ترد القدرة على النظم إلى كفاءة المبدع(العقلية) في المفاضلة بين الممكنات المختلفة للغة في معاني النحو، ثم على معرفة المتلقي كذلك تلك الفروق بينها ليقدر صنيع المبدع قدره، وإلا تلقاها على درجة سواء، أي أن كلا الاثنين المبدع والمتلقي يتعامل مع اللغة وتراكيبها كما يتعامل الرسام مع الأصباغ فـ( الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام...وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل فيها الصور والنقوش) ([19] )ويقول في موضع آخر: (أو إنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير) ([20] )،وإن مواصفات الإغراب والدقة والإبداع هي من عنديات المتلقي لا من المبدع كما في قول عبد القاهر، فإنك في المعاني قد(ترى الواحد منها غفلاً ساذجاً موجوداً في كلام الناس كلهم، ثم تراه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني؛ فيصنع منه ما يصنع الحاذق حتى يغرب في الصنعة، ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة) ([21] )، ولا ترى لثقافة المحاكاة بين النصوص-الحكم بالسرقة- لدى المتلقي كبير عناية عند عبد القاهر، فخصوصية النظم وخصوصية تلقيه يسقطان ما عرف بالسرقات في نقدنا القديم، فإذا كان لكل شاعر نظمه الخاص الذي يختلف لزاما عن نظم غيره، لم يعد للقول بالأخذ أو السرقة موضع ههنا ، فالمزج التركيب المغاير يتضمن معنى مغايراً بالضرورة ويرى عبد القاهر أن قولهم إن الشاعر أتى بالمعنى ذاته، وأداه على وجهه فقول من باب التسامح، أما المعنى فيستحيل أن يكون لدى المتلقي هو المعنى الأول إذا تغير النظم، أي أن المعنى يتعدد عند المتلقي بتعدد الأسلوب، ولا سبيل إلى المطابقة إلا بالتكرار الصريح.فالمعنى لدى عبد القاهر محصلة التفاعل الدلالي بين معاني الألفاظ ومعاني النحو التي أنشأها المبدع، أما الغرض فهو الفكرة العامة قبل أن تصاغ في أسلوب بعينه وهي التي وصفها الجاحظ من قبل بأنها(مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك) ([22] )، ومن هنا فإن عبد القاهر يرى أن الشعر يكمن فنه في النظم والصياغة لا في المعاني/الأغراض التي يذهب إليها الشعراء فـ(سبيل المعنى الذي يعبّر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار...، ومحال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه) ([23] )، ولنفهم العلاقة بين المعنى العام "الغرض"، والمعنى الخاص عند عبد القاهر، نوظف مفهومي الثبات والتغير، فالثبات يتصل بالمعنى الأصلي"الغرض"، أما التغيّر فيتصل بالدلالة وتنوعها من خلال العدول في التراكيب بالتقديم والتأخير، والحذف والذكر، والتعريف والتنكير. وهو أسلوب المبدع ومجال تفرده في تراكيبه التي ينشئها.
وحين يباشر عبد القاهر النظر إلى النصوص فإنه يقرن بين الفعل من المبدع والأثر في المتلقي، وبغير ذلك لا يتم المراد، فالمبدع لا يصيب في استعارته، ولا يستكمل معانيه، إلا إذا وقعت هذه الاستعارة في قلب المتلقي، ولم تطلب نفسه زيادة في تلك المعاني، كما في تعليقه على النص المشهور"ولما قضينا من منى كل حاجة..."(هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفا، إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها أو حسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع،...وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد،...ومن التقصير الذي يفتقر معه السامع إلى تطلب زيادة بقيت في نفس المتكلم فلم يدل عليها بلفظها الخاص بها([24] ) ويبلغ شأو التلقي حده عند عبد القاهر في حديثه عن الإعجاز، إذ يستفز المتلقي طاقاته كلها في التسامي إلى ميزة النص المعجز، وما يعرض له فيه من تقديم وتأخير، وذكر وحذف، وفصل ووصل، وقصر واختصاص.(حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رَويَّتك، وتراجع عقلك، وتستنجد في الجملة فهمك) ([25] ). فالعلاقات بين أجزاء النسق التعبيري اللغوي، وخصوصية الإبداع فيها، لاتدرك إلا بتلك الخصوصية في التلقي، وهي المجال الأمثل الذي تبدو فيه جماليات الصياغة في أبهى حلة يتزين بها كلام البلغاء، ويسمو بها كلام الله-عز وجل- على كلام البشر([26] ). ويتلمس عبد القاهر الآثار التي يحدثها المبدع في المتلقي، فهى عنده مقتسمة بين القلب والعقل(فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً، أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق...فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده) ([27] ) .
ونرى عبد القاهر يستحضر لحظة التلقي في إدراك التعالق بين مفردات التركيب، وما يتضمنه من التوطئة حين يقول:( لا يؤتى بالاسم معرَّىً من العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه، فإذا قلت:"عبدالله" فقد أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلاً:"قام" أو قلت:"خرج" أو قلت:"قدم" فقد علم ما جئت به، وقد وطأت له، وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المهيأ له المطمئن إليه، ولذلك لا محالة أشدُّ لثبوته، وأنفى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق، وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلاً، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه...لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام، ومن ههنا، قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدمة إضمار، ويدل على صحة ما قالوه أنا نعلم ضرورة في قوله تعالى:( فإنها لا تعمى الأبصار) ([28] ) فخامة وشرفاً وروعة لا نجد منها شيئاً في قولنا: (فإن الأبصار لا تعمى)وكذلك السبيل أبداً في كل كلام كان فيه ضمير قصة، فقوله تعالى: (إنه لا يفلح الكافرون) ([29] )، يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين ما لو قيل:"إن الكافرين لا يفلحون" لم يستَفَد ذلك، ولم يكن ذلك كذلك إلا لأنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطد، ثم بيّن ولوح ثم صرح، ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه هذا الطريق) ([30] ). ويتخذ عبد القاهر من تعطل الرسالة المضمنة، وتشوه الدلالة عند المتلقي سبيلا إلى توثيق الصلة بين النظم والمعنى مع بقاء اللفظ على حاله، فهو لا يحصر فساد النظم في الإخلال بالترتيب والتأليف، أو ترك التوخي لمعاني النحو، بل إن النظم يطرأ عليه الفساد إذا أخطأ المتلقي في تقدير المعنى، وإن بقيت الألفاظ في مواضعها لم تتغير عن أماكنها، يقول عبد القاهر:( فإن ههنا استدلالاً لطيفاً تكثر بسببه الفائدة، وهو أنه يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم، ويفسدها عليه من غير أن يحول منه لفظاً عن موضعه، أو يبدله بغيره أو يغير شيئاً من ظاهر أمره على حال مثال ذلك: أنك إن قدرت في بيت أبي تمام:
لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه وأريُ الجَنَى اشتارته أيدٍ عواسلُ

أن"لعاب الأفاعي" مبتدأ، و"لعابه" خبرٌ، كما يوهمه الظاهر أفسدت عليه كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك أن الغرض أن يشبه مداد قلمه بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات أتلف به النفوس، وكذلك الغرض أن يشبه مداده بأري الجنى،...وهذا المعنى إنما يكون إذا كان "لعابه" "مبتدأ" و"لعاب الأفاعي" خبرا. فأما تقديرك أن يكون "لعاب الأفاعي "مبتدأ و"لعابه" خبرا، فيبطل ذلك ويمنع منه البتة) ([31] ) أي أن المعنى فاسد على التأويل الثاني على الرغم من أن الألفاظ لم تنتقل من مواضعها، ولم تتحول عن أماكنها، ولكن الفساد نشأ عن خطأ المتلقي في تقدير المعنى الذي نتج عن تغيير إعراب الكلمات، واعتبار المبتدأ خبراً، والخبر مبتدأ. ولذا يلزم التوقف عند أحكام النحو ومعانيه، وهذه المعاني عند عبد القاهر ليست الإعراب، إذ إن الإعراب لا دخل له في الفضل والمزية، وليس هو سبب الفصاحة، فالإعراب عنده(ليس هو من الفصاحة التي يعنينا أمرها في شيء...لأنه لا يتصور أن يكون للرفع والنصب في كلام مزية عليهما في كلام آخر، وإنما الذي يتصور أن يكون ههنا: كلامان قد وقع في إعرابهما خلل، ثم كان أحدهما أكثر صواباً من الآخر وكلامان قد استمر أحدهما على الصواب، ولم يستمر الآخر، ولا يكون هذا تفاضلا في الإعراب، ولكن تركاً له في شيء واستعمالاً في آخر، فاعرف ذلك) ([32] ). فالإعراب يتعلق بالصحة والفساد، لا بالفصاحة والفضيلة أو جملة المزايا. ولذلك فهو يفاضل بين صور الحكم الإعرابي، فـ(كما نقول في "زيد يقوم" إنه في موضع"زيد قائم" فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده افتراق، فإنهما لو استويا هذا الاستواء لم يكن أحدهما فعلاً والآخر اسما، بل كان ينبغي أن يكونا جميعاً فعلين أو يكونا اسمين) ([33] ). فعبد القاهر يذكر الخبر وهو القيام، لكنه معني بهيئة الخبر، أي على أيّ هيئة يكون القيام، وبعبارة أخرى فمعاني النحو لدى عبد القاهر مستويان: مستوى الصحة والفساد، ومستوى الفن والبلاغة وهذا المستوى متضمن في معاني الإعراب.
ويندرج في مفهوم التلقي عند عبد القاهر القدرة على تعليل الجمال وتبيّن أسراره فـ(لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة، وعلّة معقولة، وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذلك سبيل وعلى صحة ادعيناه من ذلك دليل ) ([34] ) وتعليل الجمل لحظة التلقي يتصل عند عبد القاهر بالعلاقات الأسلوبية التي ينشئها المبدع بين الألفاظ وذلك هو في رأي عبد القاهر موطن البلاغة، فالمبدع يحكم العلاقة بين الشكل والصورة وينتجها، والمتلقي يعيد تفكيكها ثم تركيبها، ومن مجموع العلاقات بين الألفاظ في النص الأدبي تتكون الصورة، وفيها تظهر البلاغة أو الجمالية، فـ(اللغة حين يستعملها الشاعر تصبح لغة شعرية لا لأنها في ذاتها لها هذه الخاصية، ولكن لأنها خضعت للتجربة الشعرية في نفس الشاعر، ومقتضيات التعبير عن هذه التجربة، فالشاعر يريد إنتاج تركيب معين من خلال اللغة ذات الطبيعة التحليلية، وإحداث الأثر التركيبي من خلال أداة تحليلية)([35] ). إن المبدع يوظف العلاقات النحوية، كعلاقة الإسناد بين المسند إليه والمسند، وعلاقة السببية بين الفعل والمفعول به، والفعل والمفعول لأجله، وبها تتوافر الخاصية في كل علاقة وفق ترتب الكلمات وورودها في التركيب.
فالكلمة المفردة قبل(دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخباراً وأمراً ونهياً واستخباراً وتعجباً، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة)([36] )، ويستوي المبدع والمتلقي عند عبد القاهر في إدراكهما أن لا فرق في الدلالة بين لفظتين، فنقول إن إحداهما أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها، فليست"رجل" في العربية أدل على الآدمية الذكورية من نظيرتها الفارسية([37] ). أي أن الألفاظ رموز للمعاني، ومعنى ذلك أن الفكر لا يتعلق بمعاني الألفاظ في ذاتها بل بما بين معانيها من العلاقات وهي عند عبد القاهر معاني النحو. ويظهر ذلك أن عبد القاهر كان معنياً بالمعنى بوصفه الغاية في التركيب، ثم يأتي اللفظ في مرحلة تالية بحيث لا يطغى الرمز"اللفظ" على المرموز"المعني".
ويعرض عبد القاهر نموذجاً تطبيقياً هو مطلع معلقة امرئ القيس:
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"
فلو أعيد توالي الألفاظ في هذا البيت بعيداً عن معاني النحو فقيل:
"من نبك قفا حبيب ذكرى منزل"
فلن يتعلق الفكر- فكر المتلقي – بمعنى كلمة منها، لأن الفكر لا يتعلق إلا إذا توخينا إمكانيات النحو في تركيب الكلام وهو ما صنعه امرؤ القيس من كون(نبك) جواباً للأمر، وكون،"من" معدّية إلى"ذكرى"، وكون"ذكرى" مضافة إلى "حبيب" وكون"منزل" معطوفاً على"حبيب" ومحصلة الأمر أنه لا يكون هنالك إبداع في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصيغة، وإن لم يُقدم ما قدم، ولم يُؤخر ما أخر، وبُدئ بالذي ثني به، أو ثنّي بالذي ثلث به، لم تحصل الصورة الأدبية([38] ).
ويشير عبد القاهر إلى الفرق بين تلقي الشعر وتلقي النثر في حديثه عن نظم الشعر ونظم النثر، وإن كانا كلاهما تركيباً نحوياً، ففي الشعر الذي هو لغة اللغة يتسم التركيب بصياغة مخصوصة، منسوجة بالإيقاع الموسيقي، وتنتظم الألفاظ متآلفة في أصواتها ودلالاتها، فيتولد النظم من داخل التركيب وليس من خارجه، ويتهيأ للمتلقي حينها أن يكشف العلاقات بين المفردات، ويرصد التعالق النحوي داخل الجملة. ويصبح في مكنة المتلقي أن يدرك الحقيقة الجمالية في الصياغة الأدبية ذلك أن معظم الإمكانات النحوية ذات طبيعة اختيارية تهيئ للمبدع بشكل أو بآخر أن يقدم المعنى بطرق مختلفة في الوضوح والخفاء والزيادة والنقصان وهي أمور تتجسد على مستوى الصياغة المحسوسة بالتَّقديم والتأخير، والحذف أو الذكر، والتعريف أو التنكير، ولذا كانت الإمكانات النحوية مهيئة لكثير من الدلالات. وتغدو الشاعرية وفق ذلك اختياراً لا(من حيث هو كلم وأوضاع لغة، ولكن من حيث تُوخي فيها (النظم) الذي بينا أنه عبارة عن توخّي معاني النحو في معاني الكلم) ([39] ) ويستحق المبدع لأجل ما سبق أن ينسب إليه الشعر من حيث هو اختيار واع ينشئ بين ألفاظ اللغة نسقاً لم يسبق إليه(وتزداد تبيّناً لذلك بأن تنظر في القائل إذا أضفته إلى الشعر فقلت:"امرؤ القيس قائل هذا الشعر" من أين جعلته قائلاً له؟ أمن حيث نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه، أم من حيث صنع في معانيها ما صنع، وتوخّى فيها ما توخّى، فإن زعمت أنك جعلته قائلاً له من حيث إنه نطق بالكلم، وسمعت ألفاظها من فيه على النسق المخصوص فاجعل راوي الشعر قائلاً له، فإنه ينطق بها ويخرجها من فيه على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر، وذلك مالا سبيل لك إليه) ([40] ).أي أن علاقة النص-مهما يكن حجمه- بصاحبه تنحصر فيما يوقعه فيه من نظم، ومدار النظم عنده على معاني النحو لكن النشاط النحوي(ليس ضرباً من المتابعة الجوفاء، ولا هو نظام أعمى خال من الدلالات، ولا هو أيضا ضرورة اقتضتها العادة اللغوية وإنما النظام النحوي...نمط من الإفادة والإفصاح ينبغي ألا يهمل بحال) ([41] ) ويؤكد عبد القاهر على دور المتلقي في الدائرة التفسيرية التي تنشأ حول النص مفضلا المفسَّر على التفسير، ويستند في هذه التفضيل إلى سبب مؤداه أن الدلالة في المفسّر(دلالة معنى على المعنى) بينما الدلالة في التفسير(دلالة لفظ على معنى) ولكن هذا السبب لا يكون فيما يقوله عبد القاهر: (حتى يكون للفظ المفسَّر معنى معلوم يعرفه السامع-المتلقي-، وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه وحقيقته، كما ترى أن الذي هو معنى اللفظ في قولهم" هو كثير رماد القدر" غير الذي هو معنى اللفظ في قولهم"هو كثير القرى" ولو لم يكن كذلك. لم يتصور أن يكون ههنا دلالة معنى على معنى) ([42] ) أي أن عبد القاهر يفضل بسببه المفسر التفسير وتكون له

[1]. عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 1 1412هـ-1991م ص34.

[2]. المصدر السابق،ص82.

[3]. نفسه، ص37.

[4]. نفسه، ص6-7

[5]. نفسه، ص55-56

[6]. عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق:محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة،(د.ط)،1404هـ1984م ص3.الدلائل،ص80

[7]. المصدر السابق، ص412-414.

[8]. نفسه، ص81.

[9]. انظر:نفسه،ص222-248

[10]. نفسه،ص523.

[11]. نفسه،ص10.

[12]. نفسه،ص401-402.

[13]. نفسه،ص81.

[14]. نفسه،ص81-82.

[15]. نفسه،ص41.

[16]. نفسه،ص301.

[17]. مصطفى ناصف، قراءة في دلائل الإعجاز، مجلة فصول، المجلد الأول، العددان: الثاني والثالث، القاهرة،1981،ص35.

[18]. الدلائل ص468-469.

[19]. المصدر السابق،ص87-88.

[20]. نفسه،ص256.

[21]. نفسه،ص233.

[22]. نفسه،ص255-256.

[23]. نفسه،ص254-255.

[24]. نفسه،ص22.

[25]. نفسه،ص26.

[26]. فتحي أحمد عامر، نظرية العلاقات عند عبد القاهر، مجلة الفكر العربي، العدد،25السنة10، 1989م،ص70.

[27]. الأسرار،ص3.

[28]. سورة الحج:46.

[29]. المؤمنون:117.

[30]. الدلائل، ص132-133.

[31]. الدلائل، 371-372.

[32]. المصدر السابق، ص399-400.

[33]. نفسه،ص177.

[34]. نفسه،ص85.

[35]. محمد عبد المنعم خفاجي، مقال أسرار البلاغة، مجلة الشعر، مصر، العدد23، السنة،8،ص118

[36].انظر:الدلائل ص44.

[37].المصدر السابق، الموضع نفسه.

[38].انظر:نفسه ص468.

[39].المصدر السابق، ص 362.

[40]. نفسه، ص362-364.

[41]. .مصطفى ناصف، النحو والشعر....قراءة في دلائل الإعجاز، مجلة فصول، المجلد1، العددان الثاني والثالث، 1981م،ص37.

[42]. الدلائل، ص445.


المصدر: ملتقى شذرات


hgljgrd uk] uf] hgrhiv hg[v[hkd

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-19-2012, 11:34 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

وإذا كان المبدع هو الذي ينجز النص و"ينظم" تراكيبه؛ فإن المتلقي هو الذي يوظف خبرته اللغوية، وغير اللغوية مستكشفاً العلاقات بين الدوال ومدلولاتها، ويتوصل إلى مقاصد الناظم، ويصير للفهم والتأويل شأنهما البالغ حينها فـ( إن العبارة/النص...هي نفسها موضع الفهم أو التأويل لدى المتلقي، فالمتكلم يقوم بعملية تشفير للمعنى الذي يقصده، والمتلقي يقوم بعملية فك لهذا التشفير، ولكي تكون هاتان العمليتان على مستوى واحد أو لكي يتحقق التراسل بينهما، وتتحقَّق بذلك وظيفة الكلام، لا بد أن تحمل العبارة نفسها معايير تشفيرها، وأن يكون المتلقي نفسه على دراية بهذه المعايير) ([1] ). ولأجله يشرك عبد القاهر المتلقي في إكمال مفهوم النظم، وهو متلقٍ خاص توازي خبرته بالنص خبرة صاحبه"الناظم"، فيكون مبدعاً في القراءة كما كان المؤلف مبدعاً في النظم، وتكون القراءة عملاً إبداعياً يماثل في تراميه وتغوره ترامي النص وتغوره، ولذلك يقول عبد القاهر:( فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلا أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدى إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه. فما كل أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة) ([2] ) ويقول عبد القاهر في نص آخر إن من النصوص ما كان دون معناه(حجاب يحتاج إلى خرقه بالنظر، وعليه كم يفتقر إلى شقِّة بالتفكر، وكان درراً في قعر بحر، لا بد له من تكلف الغوص عليه، وممتنعاً في شاهق لا يناله إلا بتجشم الصعود إليه، وكامناً كالنار في الزند لا يظهر حتى يقتدحه، ومشابكاً لغيره كعروق الذهب، لا تبدي صفحتها بالهوينى بل تنال بالحفر عنها، وبعرق الجبين في التمكن منها) ([3] ) ويؤمن عبد القاهر بمشاق الوصول إلى أسرار النظم وفهم مراميه فقارئ النص(قد تحمل فيه المشقة الشديدة وقطع إليه الشقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى دره حتى غاص، وأنه لم ينل المطلوب منه حتى كابد منه الامتناع والاعتياص) ([4] )ولعل هذا هو سبب ما في النظم من اللذة والمتعة التي يجدهما المتلقي فإنه(ما شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر، ولطف النظر، ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما، والطالب لهما؛ لتعرف فضل الرماة في الأبعاد والسداد، فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والروية والقياس والاستنباط) ([5] ). لقد كان مفهوم نظرية النظم يستوجب من عبد القاهر الإلحاح المستمر على متلقٍ مخصوص سمته الأولى الفكر والروية، والنظر والتدبر، والدقة واللطافة، وعليه نفهم إصرار عبد القاهر على متعة الكشف بعد النصب والتعب.
المتلقي الخاص هو من يكون في طَوْله الوقوف على دقائق التركيب، وإدراك الفروق بين احتمالاتها، فدخول "إن" على الجملة، أو عدم دخولها ليس سواء كما يرى عبد القاهر في قول بشار:
بكرا صاحبيّ قبل الهجير

إنّ ذاك النجاح في التبكير

(هل شيءٌ أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها، وأن لا تدخل؛ أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها، وتأتلف معه، وتتحد به حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغاً واحداً، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟ هذه هي الصورة حتى إذا جئت إلى "إن" فأسقطتها، رأيت الثاني: منهما قد نبا عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به، ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء بـ"الفاء"، فنقول:"بكِّرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التَّبكير"، و"غَنَّها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء"، ثم لا ترى "الفاء" تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة، ولا ترد عليك الذي كنت تجد بـ"إن" من المعنى) ([6] ) فبين معاني النحو فروق كثيرة، ووجوه مختلفة على الناظم أن يلم بها، وأن يحسن بعد ذلك التخير ضمن دائرة النحو، وأن يتوخى منها الملائم للمقام فليس من فضل ولا مزية كما يقول(إلا بحسب الموضع وبحسب المعنى الذي تريد، والغرض الذي تؤم وإنما سبيل هذه المعاني –أي معاني النحو-سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدّى الأصباغ التي عمل منها الصور والنقوش في ثوبه الذي نسج من ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها وتقاديرها، وكيفية مزجه، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر، في توخيه معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم) ([7] ).وفي تلقي الصور البيانية يتكئ عبد القاهر على تكثير تلك الصورة وأثرها في نفس المتلقي، وهذه النظرية التأثيرية في جودة الأدب جزء من تفكير سيكولوجي أعم يطبع كتاب الأسرار كله بطابعه، وعبد القاهر لا يفتأ يدعو إلى تجربة الطريقة النفسانية التي يسميها المحدثون الفحص الباطني، وذلك أن تقرأ الشعر وتراقب نفسك عند قراءته وبعدها تتأمل ما يعروك من الهزة والارتياح والطرب والاستحسان وتحاول أن تفكر في مصادر هذا الإحساس(فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت فانظر إلى حركات الأريحية، مم كانت وعند ماذا ظهرت؟) ([8] )، ثم يعود عبد القاهر فيعول على ذوق المتلقي في فهم دقائق النظم، والوقوف على أسراره، متخذا من البصيرة منفذاً للنص، كما في قوله(فانظر إلى نحو قول البحتري:
دان على أيدي العفاة وشاسع
عن كل ندٍ في الندى وضريب

كالبدر أفرط في العلو وضوؤه
للعصبة السـارين جـد قريب

وفكر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت لم تنته إلى الثاني، ولم تتدبر نصرته إياه، وتمثيله له فيما يُملى على الإنسان عيناه، ويؤدي إليه ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بُعْدَ ما بين حالتيك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى لديك، وتحببه إليك ونبله في نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحق فيما ادعيت) ([9] ) أي أن عبد القاهر يجعل ذوق المتلقي هو الفيصل الأخير في إدراك دقائق النظم ومزاياه. وبلغ من عناية عبد القاهر بذائقة المتلقي أنه كان يكرر غير مرّة أن مَنْ لا ذوق له لن يدرك أسرار النظم، ولا جمالياته، وأن الذائقة إحساس لا يكتسب بالتعلّم، وإنما هي موهبة وفطرة، قليل من الناس من يتوافر عليها، وعدمها عند المتلقي(ليس الداء فيه بالهين. ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفاً، والسعي منجحاً؛ لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها، وتصور لهم شأنها أمور خفية، ومعان روحانية أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علما بها حتى يكون متهيئاً لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساساً بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة، ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر، فرق بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قوله:
لي منك ما للناس كلهم
نظر وتسليم على الطرق

وقول البحتري
وسأستقل لك الدموع صبابة
ولو آن دجلة لي عليك دموع
وقوله:
رأت فلتات الشيب فابتسمت لها
وقالت:نجوم لو طلعن بأَسْعُد
أنق لها وأخذته الأريحية عندها، وعرف لطف موقع"الحذف" و"التنكير" في قوله:"نظر وتسليم على الطرق"وما في قول البحتري:"لي عليك دموع". من شبه ***** وأن ذلك من أجل تقديم "لي" على" عليك" ثم تنكير الدموع. وعرف كذلك شرف قوله:" وقالت نجوم لو طلعن بأسعد" وعلو طبقته، ودقة صنعته. والبلاء والداء العياء أن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله أو رسالة يكتبها الموقع الحسن، ثم لا يعلم أنه قد أحسن) ([10] ) ومن النصوص التي يربط فيها عبد القاهر بين ذوق المتلقي ومفهومه للنظم موازنته بين قول عنترة:
يُتابِعُ لا يبتغي غيره
بأبيض كالقبس الملتهب

وقول امرئ القيس:
جمعت ردينياً كأن سنانه

سنا لهب لم يتصل بدخان
إذا يقول:( فإنك ترى بينهما من التفاوت في الفضل ما تراه مع أن المشبه به في الموضعين شيء واحد هو شعلة النار، وما ذاك إلا من جهة أن الثاني قصد إلى تفصيل لطيف، ومرّ الأول على حكم الجمل، ومعلوم أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم في أول وهلة، بل لا بد فيه من أن تتثبت وتتوقف وتتروَّى وتنظر في حال كل واحد من الفرع والأصل، حتى يقوم حينئذ في نفسك أن في الأصل شيئاً يقدح في حقيقة الشبه، وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة، وأنه ليس في رأس السنان ما يشبه ذلك، وأنه إذا كان كذلك كان التحقيق وما يؤدي الشيء كما هو، أن تستثني الدخان وتنفي، وتقصر التشبيه على مجرد السنا، وتصور السنان فيه مقطوعاً عن الدخان، ولو فرضت أن يقع هذا كله على حد البديهة من غير أن يخطر ببالك ما ذكرت لك، قدرتَ محالا لا يتصور) ([11] ) وبعبارة أخرى يعلي عبد القاهر من شأن المتلقي في إتمام فهم مجازات المبدعين، فالمجاز وإن كان انتقال اللفظ عن موضعه، واستعماله في غير ما وضع له، إلا أن المتلقي الخاص يتجاوز حروف اللفظ إلى إحالات اللفظ، ففي قولنا عن الرجل"أسد" يدرك المتلقي أننا-كما يقول عبد القاهر- لا نقصد(أنه في معنى شجاع على الإطلاق، وإنما التجوز هو في أن ادعينا للرجل أنه في معنى الأسد فالتجوز مآل الأمر فيه إلى المعنى وحده. فإذا وصف أحدهم رجلاً بقوله:" هو كثير رماد القدر" عرفنا أنه أراد أن الموصوف كثير القرى والضيافة فلم نعرف ذلك من اللفظ نفسه، وإنما بما أحالنا إليه هذا اللفظ)([12] ). فالاستعارة تثبيت للمعنى عن طريق المشابهة، والمتلقي يستدعي البعد التشابهي بين اللفظ المذكور وما يحيل إليه فـ(إنك لا تقول: "رأيت أسداً" إلا وغرضك أن تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته، وجرأته وشدة بطشه وإقدامه، وفي أن الذعر لا يخامره، والخوف لا يعرض له، ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى لم يعقله من لفظ "أسد" ولكنه يعقله من معناه، وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله أسداً مع العلم بأنه رجل إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته للأسد ومساواته إياه مبلغاً يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة) ([13] ).
وعلى ما سبق يدرج عبد القاهر ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز في مفهومه الواسع للنظم الذي هو مرد الإِعجاز القرآني،فـ(لا يُتصوَّر- أي المجاز والاستعارة- أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوّخ فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون ههنا "فعل" أو"اسم" قد دخلته الاستعارة، من دون أن يكون قد أُلِّف مع غيره، أفلا ترى أنه إن قدر في "اشتعل" من قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيباً)ألا يكون "الرأس" فاعلاً له، ويكون"شيبا" منصوباً عنه على التمييز، لم يتصور أن يكون مستعاراً؟ وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة فاعرف ذلك) ([14] ). وينص عبد القاهر على أن جمالية الاستعارة والفنون البيانية، لا يتبينها المتلقي إلا من خلال النظم، فروعة الاستعارة تعود إلى مراعاتها معاني النحو وأحكامه كما في حديثه عن قول الشاعر:
الليلُ داجٍ كَنَفَا جِلْبِابِه
والبينُ محجورٌ على غُرَابِهِ
(ليس كل ما ترى من الملاحة؛ لأنْ جعل للّيل ***اباً، وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل "الليل" مبتدأ، وجعل"داج" خبراً له وفعلاً لما بعده، وهو"الكنفان" وأضاف ال***اب إلى ضمير"الليل" ولأن جعل كذلك "البين" مبتدأ، وأجرى محجوراً خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على "مفعول" يبين ذلك أنك لو قلت:" وغراب البين محجور عليه، أو"قد حجر على غراب البين" لم تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت: قد دجا كنفا ***اب الليل"، لم يكن شيئا) ([15] )، ويعقد عبد القاهر الصلة بين نظم التركيب واستحسان المتلقي للاستعارة، فيرى أن ترتب عناصر التركيب؛ الذي يكسر المألوف، عبر آلية التقديم والتأخير هي ما ينتج جمالية الاستعارة، ويورد عبد القاهر مثالاً على هذا بيت أبي تمام: سالتْ عليه شعابُ الحيّ حين دعا أنصارَه بوجوه كالدنانير فحسن الاستعارة في البيت(إنما تم لها الحسن، وانتهى إلى حيث انتهى بما توخّى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها، وإن شككت فاعمد إلى الجارّين والظرف فأزل كلاّ منهما عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل:"سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره" ثم انظر كيف يكون الحال،. وكيف يذهب الحسن والحلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها) ([16] ). وإذ يتفاوت موقف المتلقي من الاستعارة الواحدة حين ترد في مواضع مختلفة، استملاحا أو غيره؛ فإن عبد القاهر يتخذ من ذلك معياراً يقيس به جمالية الاستعارة، فـ(إنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع ثم ترى لها في بعض ذلك من ملاحة لا تجدها في الباقي. مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظ"الجسر" في قول أبي تمام: لا يطمع المرءُ أن يَجْتابَ لجّته بالقول ما لم يكن جسراً له العمل وقوله:
بصرت بالراحة العظمى فلم ترها
تنال إلا على جسر من التعب

فترى لها في الثاني حسناً لاتراه في الأول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرقي: قولي نعم، ونعم إن قلت واجبة قالت عسى، وعسى جسر إلى نعم فترى لها لطفا وخِلابة وحسنا ليس الفضل فيه بقليل) ([17] ). والتمثيلُ عند عبد القاهر مثل الاستعارة، فالمعنى المراد فيه لا يعرفه المتلقي عن طريق اللفظ، (وإنما يعرفه من مجموع المعاني فالمغزى من قول يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد حين بلغه أنه يتلكأ في بيعته:"أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً، وتؤخر أخرى، إذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت والسلام" هو التردد بين الأمرين، وترجيع الرأي فيهما، وأن هذا المعنى لا يعرف من لفظ التقديم والتأخير أو من لفظ الرِّجْل، (وإنما يتأتى من المعاني الحاصلة من مجموع الكلام التي هي أدلة على الأغراض والمقاصد) ([18] ). كما يبدو المتلقي قسيما للمبدع في نظرة عبد القاهر إلى البديع، المؤسسة على المخادعة والإيهام بين القسيمين، فالمتلقي يرتهن بالمألوف؛ والمبدع يصدمه، ويخرج على مألوف صاحبه، كما في حديثه عن الجناس إذ يراه المتلقي تكرارا وإعادة، فإذا المبدع يوهم بالتكرار ويتجنبه فاللفظ واحد لكن المعنى مختلف، وعليه فالحسن في البديع عامة لا يرجع إلى الألفاظ في ذاتها، لأن الألفاظ لا توصف بالحسن أو القبح ويفرق عبد القاهر بين تجنيس قبيح كتجنيس أبي تمام:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت
فيه الظنون أمذهبٌ أم مُذْهبُ
وبين تجنيس حسن كتجنيس البستي:
ناظراه فيما جنى ناظراه
أو دعاني أمت بما أودعاني

إذ ينكر أن يكون القبح في الأول والحسن في الثاني إلى الألفاظ، (لكن لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول، وقويت في الثاني. وذلك أنك رأيت أبا تمام لم يزدك بـ"مَذْهبٍ ومُذْهبٍ" على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت، إلا متكلفة متمحلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها) ([19] ) والفائدة من خواص تركيب الألفاظ، وما ينتج عنها من معنى، أو بعبارة أخرى: النظم محل الفائدة، وليس اللفظ، ثم يقرر عبد القاهر:( فقد تبين لك أن ما يُعطى التجنيس من الفضيلة أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده، لما كان فيه إلا مستحسن، ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن ولذلك ذم الاستكثار منه والولوع به) ([20] ). وفي موضع آخر يصير المتلقي عند عبد القاهر محور التجنيس، تحسينا وتقبيحا(فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل-المتلقي –موقعاً حميداً، فترى الشاعر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة ووفاها).
ويسن عبد القاهر للمتلقي قانونا يحاكم به بلاغة اللون البديعي، متخذا من إحساس المتلقي بالتكلف والاعتساف المعيار الأول في الحكم بالحسن أو القبح، ويأتي الزلل في البديع عند عبد القاهر حين يجور المبدع على المعنى، ويحيف مع اللفظ(ومن ههنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم لهما المعنى، ويدخل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسف في الاستعارة بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة...وذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما، ومن حيث هما، فضل، ويقع بهما مع الخلو من المعنى اعتداد) ([21] ). لقد كان عبد القاهر في نصوصه التي كتبها عن النظم إنما ينشئ تصوراً متكاملاً للتلقي، وإن المتلقي الذي ظل حاضراً على الدوام في ذهن عبد القاهر، فهو القسيم الموضوعي للمبدع، بحيث يمكننا القول إنه كان يبدع نظرية في التلقي إلى جانب نظريته في الإبداع المعروفة بالنظم.











مصادر البحث ومراجعه

- أحمد المعتوق:
مفهوم الأسلوب، مجلة التوباد، العدد15، ذو الحجة 1413هـ ص4-19.
- عبد القاهر الجرجاني:
أسرار البلاغة، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة،(د.ط)، 1404هـ1984م.
دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 1412هـ-1991م.
- عزالدين إسماعيل:
قراءة في(معنى المعنى عند عبد القاهر، فصول، المجلد السابع، العددان الثالث والرابع، القاهرة، 1987م ص 36-46.
- فتحي أحمد عامر:
نظرية العلاقات عند عبد القاهر، مجلة الفكر العربي، العدد:25، السنة العاشرة 1989م ص70-83.
- محمد عبد المنعم خفاجي:
أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، مجلة الشعر، مصر، العدد23، السنة 8،ص ص(117-121).
- مصطفى ناصف:
قراءة في دلائل الإعجاز، مجلة فصول، المجلد الأول، العددان: الثاني والثالث، القاهرة،1981م. ص ص33-45.















[1]. عز الدين إسماعيل، قراء ة في معنى المعنى عند عبد القاهر، مجلة الفصول، المجلد7، العددان الثالث والرابع، القاهرة،1987م،ص44.


[2]. أسرار البلاغة،141.

[3]. المصدر السابق،143.

[4]. نفسه،ص145.

[5]. نفسه،ص148.

[6]. الدلائل، ص316.

[7]. المصدر السابق،ص87-88.

[8]. نفسه،ص85.

[9]. أسرار البلاغة،ص116.

[10]. الدلائل، ص547-549.

[11]. أسرار البلاغة، ص163، 164.

[12]. انظر الدلائل،ص431.

[13]. المصدر السابق،ص432.

[14]. الدلائل،ص393.

[15]. المصدر السابق، ص102-103.

[16]. نفسه، ص99.

[17]. نفسه، ص78-79.

[18]. نفسه، ص440-441.

[19]. نفسه، 524.

[20]. أسرار البلاغة،ص8،7.

[21].الدلائل523.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« كيف تكون رجلاً | مَدَاخِل إعْجَازِ القُرْآنِ »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
علي الجرجاوي صابرة شؤون الدعوة 0 12-23-2015 08:02 AM
وفد ليبي رفيع يصل إلى القاهر عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 07-08-2014 03:44 AM
تناول الإعلام لفاعليات تصويت الاستفتاء تشعر المتلقي بأنه أعمى عبدالناصر محمود شذرات مصرية 0 01-15-2014 08:51 AM
نظرية النظم القرآني قبل عبد القاهر الجرجاني أيمن أحمد رؤوف القادري أخبار ومختارات أدبية 0 09-21-2013 04:52 PM
مصطلح التخييل ما بين الجرجاني والقرطاجني Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-29-2012 07:50 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:49 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68