تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

ابن شُهيد الأشجعي

ابن شُهيد الأشجعي نبذة حول الأديب: اسمه : أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شُهيد ويكنى بأبي عامر ( 382 – 426هـ ) مولده : ولد بقرطبة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-02-2012, 09:34 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
23 ابن شُهيد الأشجعي

شُهيد الأشجعي 74.gif

نبذة حول الأديب:

اسمه : أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شُهيد ويكنى بأبي عامر ( 382 – 426هـ )

مولده :
ولد بقرطبة سنة 382هـ = 992م في بيت والده في أيام المنصور بن أبي عامر ونشأ في أحضان النعمة .

تعليمه :
هو من بيت أدب ومجد ، كان جده وزير عبدالرحمن الناصر وأديباً من أكبر أدباء عصره ، وورث عنه حفيده أدبه كما ورث عنه صلته الحسنة بالأمويين وإن لم يستوزره لثقل سمعه .
كان للتدليل الكثير والترف البالغ
والنعمة الموفورة أثر كبير في نشأته فهو لم يأخذ بجد إلى التعليم ، ولم يحمل بصرامة على الدرس ، ومن هنا لم يقبل كثيراً على ما كان يقبل عليه معاصروه من حديث وتفسير وفقه ونحو ، وغير ذلك من العلوم الدينية واللغوية ، وإنما أقبل على ما يلائم ترفه وانطلاقه ، ويناسب طبعه ومواهبه ، أقبل على الأدب ، يتزود من قديمه وحديثه ، ومن شعره ونثره ، ويطيل النظر فيما خلف الجاهليون والإسلاميون والمشارقة والمغاربة من شعر ونثر ، وحفظ من ذلك كله الكثير ، واختزن من المعاني والأفكار والصور والأساليب ما حرك ملكته ، وأنطق لسانه ، وأجرى قلمه منذ حداثته .

فبدأ يقول الشعر في مرحلة باكرة ، ويراسل به المتقدمين عليه سناً وفناً ، وذلك لمنزلة والده ومكانة أسرته . وسرعان ما أشتهر أمره كأديب ، لا يقتصر على قول الشعر وإنما يزاول كتابة النثر ويتعرض لبعض قضايا النقد أيضاً .

كان مثقفاً ثقافة واسعة بمعارف عصره ، فقد ذكر في إحدى رسائله أنه درس ضروب العلم المختلفة من أدب وخبر وفقه وطب وصنعة وحكمة . على أن الجانب الذي تميز به هو جانب الأدب فقد كان شاعراً كبيراً كما كان كاتباً كبيراً أيضاً ، ويدل ما روي عنه من آثار أن نثره كان أكبرمن شعره .
قرأ الكثير للصابي والهمذاني .

محطات :
- أهم أثر تركه ابن شهيد هو رسالة التوابع والزوابع ، والتابع : الجن والزوبعة : الشيطان ، وسماها بهذا الاسم لأنه بناها على شيطان تراءى له في وقت أُرتج عليه وهو ينظم شعر فأجازه ، ولما تعارفا طلب إليه ابن شُهيد أن يلقي به شياطين الشعراء والكتاب الذين غبروا ، فأجاب طلبه (؟) . والرسالة تفيض بروح الفكاهة ولا شك أن هذا الجانب يكسبها خفة ورشاقة . وقد وجه رسالته لشخص كناه بأبي بكر .

ما قاله النقاد :
ابن شُهيد وزير من كبار الأندلسيين أدباً وعلماً . وقد شهد له النقاد بمقدرته كاتباً وتفوقه ،، فقد قال ( الثعالبي ) : إن نثره في غاية الملاحة . وقال ( أبو حيان ) : كان أبو عامر بن شُهيد يبلغ المعنى ولا يطيل سَفَر الكلام ، وإذا تأملته ولَسَنه ، وكيف يجر في البلاغة رسنه ، قلت : عبدالحميد في أوانه ، والجاحظ في زمانه .... وكان في تنميق الهزل والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك ... وله رسائل كثيرة في أنواع التعريض والأهزال ، قصار وطوال ، برز فيها شأوه ، وبقَّاها في الناس باقية بعده .

وقدم له صاجب الذخيرة بقوله : كان أبو عامر شيخ الحضرة العظمى وفتاها ، ومبدأ الغاية القصوى ومنتهاها ، وينبوع آياتها ، ومادة حياتها ، .....
ويقول صاحب المطمح فيه : عالم بأقسام اللغة ومعانيها ، حائز قصب السبق فيها ، لا يشبهه أحد من أهل زمانه ، ولا ينسق ما نسق من در البيان وجمانه توغل في شعاب البلاغة وطرقها ، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها ، لا يقاومه عمرو بن بحر ، ولا تراه يغترف إلا من بحر .
يقول ( ياقوت ) : كان له من علم الطب نصيب وافر .

يقول عنه ( شوقي ضيف ) أن النقاد كانوا يكبرون من شأن ابن شهيد ومنزلته الأدبية ، وقد قرنوه بالجاحظ لهزل كان فيه وميل للفكاهة ، وأكبر الظن أنه يتأثر في هذا الجانب ببديع الزمان فقد ذكره في رسائله . ولا شك أن ابن شُيد كان أكبر أديب في عصره ، ولكنه لم يستطع المخالفة على مذاهب الشرق ومناهجه ، بل ذهب يقلد هذه المذاهب والمناهج في غير نظام ولا نسق معين .


يقول ( د. أحمد هيكل ) : كان شعر ابن شهيد ذا ملامح مميزة وقسمات دالة ، أهمها : القدرة الفائقة على التصوير وربط الطبيعة بالنفس الإنسانية وتناول القديم بطريقة
جديدة ، تلائم العصر والبيئة وطبيعة الحضارة .، ثم الأخذ بأسلوب القص والحوار ، والإكثار من الدعابة والفكاهة ، وإجراء الشعر على ألسنة بعض الحيوانات ، كل ذلك مع إيثار لسهولة اللفظ وبساطة التركيب واتضاح الموسيقى .

ويضيف في مبحث :
" بين التوابع والزوابع ورسالة الغفران " من كتابه ( الأدب الأندلسي ) قائلاً :
واضح أن رسالة التوابع والزوابع تشبه إلى حد كبير رسالة الغفران ( لأبي العلاء المعري ) فكل من الرسالتين عرض لمشكلات أدبية بطريقة قصصية وكل من القصتين اتخذ عالماً آخر غير دنيانا ليكون مسرحاً لأحداثه وكل من المؤلفين عرض لمعاصريه ونقد سابقيه وأوضح ما بين الرسالتين من خلاف في الخطوط العامة أمران :
الأول أن أبا العلاء جعل مسرح قصته الدار الآخرة بفردوسها وجحيمها ، وابن شُهيد جعل مسرح قصته الجن بأرضها الغريبة وأجوائها العجيبة . والأمر الثاني هو أن أبا العلاء جعل اهتمامه الأكبر بالمشكلات الفلسفية والمعضلات الدينية ، على حين وجه ابن شُهيد جل اهتمامه للقضايا الأدبية والبيانية ، وهذا الخلاف راجع إلى طبيعة كل من الكاتبين واتجاهه .


وهذا التشابه بين الرسالتين دعا الباحثين إلى التفكير في مشكلة : من المؤثر ومن المتأثر في هذين العملين الرائعين ؟
وقد مال ( د. أحمد ضيف ) إلى القول بأن ابن شهيد هو المتأثر فقال : لعل ابن شُهيد كان يقلد أبا العلاء في ذلك لأنه أدرك عصره ، ولأن شهرة أبي العلاء ذائعة في المشرق والمغرب ..... والحق في المسألة عكس ما رجح الدكتور ضيف فقد ألف ابن شُهيد رسالته قبل أن يؤلف أبو العلاء رسالته ، والراجح أن أبا العلاء قد تأثر بابن شُهيد . أما شهرة أبي العلاء في المشرق والمغرب فتقابله شهرة ابن شُهيد في المغرب والمشرق أيضاً ..... وتحقيق الأمر أن ابن شُهيد قد ألف رسالته قبل تأليف أبي العلاء رسالته بما لا يقل عن تسع سنوات .

مؤلفاته :
- كشف الدك وإيضاح الشك
- حانوت العطار
- التوابع والزوابع


وفاته :
أصيب بالفالج وظل يعاني منه حيناً ثم توفي بقرطبة سنة 426هـ = 1035 م ففجع الناس بموته حتى قيل : ولم يشهد على قبر أحد ما شهد على قبره من البكاء والعويل . وأنشد على قبره من المراثي جملة موفورة لطوائف كثيرة .

المصدر: ملتقى شذرات


hfk aEid] hgHa[ud

__________________


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-02-2012, 09:36 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

نصوص مختارة

العشق لقرطبه
.... هو العشق : باطل يلعب بالحق ، ليبين ضعف البشر وتلوح قدرة مصرف القدر ، والذي أشكو من أغرب الغرائب ، وأعجب العجائب : بث شاغل ، وبرح قاتل ، وصبر بغيض ، ودمع يفيض ، لعجوز بخراء سهكة درداء ، تدعى قرطبة :
عجوز لعمر الصبا فانية : لها في الحشا صورة الغنية
فقد عنيت بهواها الحلوم : فهي براحتها عانية
ترديت من حزن عيشي بها : غراماً ، فيا طول أحزانيه

__________________


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-02-2012, 09:38 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

صاحب الإفليلي( التوابع والزوابع )
فصاحا: يا أنف الناقة بن معمر، من سكان خيبر! فقام إليهما جني أشمط ربعة وارم الأنف، يتظالع في مشيته، كاسرا لطرفه، وزاويا لأنفه، وهو ينشد:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم، ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟
فقالا لي: هذا صاحب أبي القاسم، ما قولك فيه يا أنف الناقة؟ قال: فتى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسي: العصا من العصية! إن لم تعربي عن ذاتك، وتظهري بعض أدواتك، وأنت بين فرسان الكلام، لم يطر لك بعدها طائر، وكنت غرضا لكل حجر عابر.
وأخذت للكلام أهبته، ولبست للبيان بزته، فقلت: وأنا أيضا لا أعرف على من قرأت. قال: ألمثلي يقال هذا؟ فقلت: فكان ماذا؟ قال: فطارحني كتاب الخليل. قلت: هو عندي في زنبيل. قال: فناظرني على كتاب سيبويه. قلت: خريت الهرة عندي عليه، وعلى شرح ابن درستويه. فقال لي: دع عنك، أبا أبو البيان. قلت: لاه الله! إنما كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسيء فيلهي. قال: لقد علمنيه المؤدبون. قلت: ليس هو من شأنهم، إنما هو من تعليم الله تعالى حيث قال: " الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان " . ليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر. هيهات، حتى يكون المسك من أنفاسك، والعنبر من أنفاسك، وحتى يكون مساقك عذبا، وكلامك رطبا، ونفسك من نفسك، وقليبك من قلبك، وحتى تتناول الوضيع فترفعه، والرفيع فتضعه، والقبيح فتحسنه! قال: أسمعني مثالا. قلت: حتى تصف برغوثا فتقول:
صفة برغوث

(1/9)


--------------------------------------------------------------------------------

أسود زنجي، وأهي وحشي؛ ليس بوان ولا زميل، وكأنه جزء لا يتجزأ من ليل؛ أو شونيزة، أوثقتها غريزة؛ أو نقطة مداد، أو سويداء قلب قراد؛ شربه عب، ومشيه وثب؛ يكمن نهاره، ويسري ليله؛ يدارك بطعن مؤلم، ويستحل دم كل كافر ومسلم؛ مساور للأساورة، يجر ذيله على الجبابر يتكفر بأرفع الثياب، ويهتك ستر كل حجاب، ولا يحفل ببواب؛ مناهل العيش العذبة، ويصل إلى الأحراج الرطبة، لا يمنع منه أمير، ولا ينفع فيه غيرة غيور، وهو أحقر كل حقير؛ شره مبثوث، وعهده منكوث، وكذلك كل برغوث، كفى نقصا للإنسان، ودلالة على قدرة الرحمن.
صفة ثعلب
وحتى تصف ثعلبا فتقول: أدهى من عمرو، وأفتك من قاتل حذيفة ابن بدر؛ كثير الوقائع في المسلمين، مغرى بإراقة دماء المؤذنين؛ إذا رأى الفرصة انتهزها، وإذا طلبته الكماة أعجزها؛ وهو مع ذلك يقراط في إدامه، وجالينوس في اعتدال طعامه، غداؤه حمام أو دجاج، عشاؤه تدرج أو دراج.
صاحب بديع الزمان
وكان فيما يقابلني من ناديهم متى قد رماني بطرفه، واتكأ لي على كفه، فقال: تحيل على الكلام لطيف، وأبيك! فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أوما علمت أن الواصف إذا وصف لم يتقدم إلى صفته، ولا سلط الكلام على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واحجتزى بيسير البيان؟ لأنه لم يتقدم وصف بقرن بوصفه، ولا جرى مساق يضاف إلى مساقه. وهذه نسكتة بغذاذية، أنى لك بها يا فتى المغرب؟ فقلت لزهير: من هذا؟ قال: زبدة الحقب، صاحب بديع الزمان. فقلت: يا زبدة الحقب، اقترح لي قال: صف جارية. فوصفتها. قال: أحسنت ما شئت أن تحسن! قلت: أسمعني وصفك للماء. قال: ذلك من العقم. قلت: بحياتي هاته. قال: أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور؛ انتخب من الفرات واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة.
فقلت: انظره، يا سيدي، كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح؛ ينضب من إنائه، انصباب الكوكب من سمائه؛ العين حانوته، والفم عفريته، كأنه خيط من غزل فلق، أو مخصر يضرب به من ورق يرفع عنك فتردى، ويصدع به قلبك فتحيا.
فلما انتهيت في الصفة، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهوت، وتد هدى إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره. فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتد غيظ أنف الناقة علي.
رجع إلى أنف الناقة
فقال: وقعت لك أوصاف في شعرك تظن أني لا أستطيعها؟ فقلت له: وحتى تصف عارضا فتقول:
ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلا ... وحط بجرعاء الأبارق ما حطا
وسعى في قياد الريح يسمح للصبا، ... فألقت على غير التلاع به مرطا
وما زال يروي حتى كسا الربى ... درانك، والغيطان من نسجه بسطا
وعنت له ريح تساقط قطره ... كما نثرت حسناء من جيدها سمطا
ولم أر درا بددته بد الصبا ... سواه، فبات النور يلقطه لقطا
وبتنا نراعي الليل لم نطو برده، ... ولم يجر شيب الصبح في فرعه وخطا
تراه كملك الزنج في فرط كبره، ... إذا رام مشيا في تبختره أبطا
مطلا على الآفاق والبدر تاجه، ... وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا
وحتى تصف ذئبا فتقول:
إذا اجتاز علوي الرياح بأفقه ... أجد، لعرفان الصبا، يتنفس
تذكر روضا من شوي وباقر، ... تولته أحراس من الذعر تحرس
إذا انتابها من أذؤب القفر طارق ... حثيث، إذا استشعر اللحظ يهمس
أزل كسا جثمانه متسترا ... طيالس سودا للدجى وهو أطلس
فدل عليه لحظ خب مخادع، ... ترى ناره من ماء عينيه تقبس
فصاح فتيان الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة كآبة، وظهرت عليه مهابة، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذ بواد في خطابه، رحمه لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر.
صاحب أبي إسحاق بن حمام

(1/10)
__________________


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-02-2012, 09:39 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

وشمر لي فتى، كان إلى جانبه، عن ساعد، وقال لي: وهل يضر قريحتك، أو ينقص من بديهتك لو تجافيت لأنف الناقة، وصبرت له؟ فإنه على علاته زير علم، وزنبيل فهم، وكنف رواية. فقلت لزهير: من هذا؟ فقال: هو أبو الآداب صاحب أبي إسحاق بن حمام جارل. فقلت: يا أبا الآداب، وزهرة ريحانة الكتاب، رفقا على أخيك بغرب لسانك، وهل كان يضر أنف الناقة، أو ينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه، أن يصبر لي على زلة تمر في شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة من طراميذه؟ فقال: إن الشيوخ قد تهفو أحلامهم في الندرة. فقلت: إنها المرة بعد المرة.
ثم قال لي الأستاذان عتبة بن أرقم، وأبو هبيرة صاحب عبد الحميد: إنا لنخبط منك ببيداء حيرة، وتفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندري أنقول: شاعر أم خطيب؟ فقلت: الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى ولا بد من قضاء. فقالا: اذهب فإنك شاعر خطيب. وانفض الجمع والأبصار إلي ناظرة، والأعناق نحوي مائلة.
الفصل الثالث
نقاد الجن
مجلس أدب
وحضرت أنا أيضا وزهير مجلسا من مجالس الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعرا من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر. فأنشد قول الأفوه بعض من حضر:
وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار
وأنشد آخر قول النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
جوانح، قد أيقن أن قبيله، ... إذا ما التقى الجيشان، أول غالب
وأنشد آخر قول أبي نواس:
تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
وأنشد آخر قول صريع الغواني:
قد عود الطير عادات وثقن بها، ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
وأنشد آخر قول أبي تمام:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش، إلا أنها لم تقابل
فقال شمردل السحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم مشترك يحتمل أن يكون ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى. وإنما المحسن المتخلص المتنبي حيث يقول:
له عسكرا خيل إذا رمي ... بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه
وكان بالحضرة فتى حسن البزة، فاحتد لقول شمردل، فقال: الأمر على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطير إذا شبعت أي القبيلين الغالب؟ وأما الطير الآخر فلا أدري لأي معنى عافت الطير الجماجم دون عظام السوق والأذرع والفقارات والعصاعص؟ ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحس التركيب، ودل بلفظة واحدة على ما دل عليه شعر النابغة وبيت المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب في قوله:
وتدري سباع الطير أن كماته، ... إذا لقيت صيد الكماة، سباع
لهن لعاب في الهواء وهزة، ... إذا جد بين الدرعين قراع
تطير جياعا فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع
تملك بالإحسان ربقة رقها، ... فهن رقيق يشترى ويباع
وألحم من أفراجها فهي طوعه، ... لدى كل حرب، والملوك تطاع
تماصع جرحاها فيجهز نقرها ... عليهم، وللطير العتاق مصاع
فاهتز المجلس لقوله، وعلموا صدقه. فقلت لزهير: من فاتك بن الصقعب؟ قال: يعني نفسه. قلت له: فهلا عرفتني شأنه منذ حين؟ إني لأرى نزعات كريمة؟ وقمت فجلست إليه جلسة المعظم له. فاستدار نحوي، مكرما لمكاني، فقلت: جد أرضنا، أعزك الله، بسحابك، وأمطرنا بعيون آدابك. قال: سل عما شئت. قلت: أي معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرك، فوجدته حين رمته صعبا إلا عليك أنك نفذت فيه؟ قال: معنى قول الكندي:

(1/11)


------------------------------------

سموت إليها بعدما نام أهلها، ... سمو حباب حالا على حال
قلت: أعزك الله، هو من العقم. ألا ترى عمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدنو منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله:
ونفضت عني النوم أقبلت مشية ال ... حباب، وركني خيفة القوم أزور
قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يلطف التوصل، فجاء مقبلا بركت كركنه أزور. فأعجبني ذلك منه، وما زلت مقدما لهذا المعنى رجلا، ومؤخرا عنه أخرى، حتى مررت بشيخ يعلم بنيا له صناعة الشعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تركيبه، وأرق حاشيته فاضرب عنه جملة. وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك طبيعتك، وتقوى منتك.
فتذكرت قول الشاعر وقد كنت أنسيته:
لما تسامى النجم في أفقه ... ولاحت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيف كما ... ينساب من مكمنه الأرقم
فعلمت أنه صدق؛ وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص. فقلت أنا في ذلك:
ولما تملأ من سكره ... فنام، ونامت عيون العسس
دوت إليه، على بعده، ... دنو رفيق ما التمس
أدب إليه دبيب الكرى، ... وأسمو إليه سمو النفس
وبت به ليلتي ناعما، ... إلى أن تبسم ثغر الغلس
أقبل منه بياض الطلا، ... وأرشيف منه سواد اللعس
فقمت وقبلت على رأسه، وقلت: لله در أبيك! فقال لي فاتك بن الصقعب: فهل جاذبت أنت أحدا من الفحول؟ قلت: نعم قول أبي الطيب:
أأخلع عن كتفي وأطلبه، ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع؟
قال لي: بماذا قلت: بقولي:
ومن قبة لا يدرك الطرف رأسها، ... تزل بها ريح الصبا فتحدر
إذا زاخمت منها المخارم صوبت ... هويا، على بعد المدى، وهي تجأر
تكلفتها، والليل قد جاش بحره، ... وقد جعلت أمواجه تتكسر،
ومن تحت حضني أبيض ذو سفاقس، ... وفي الكف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعا، ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى، ... وذا غصن في الكف يجنى فيثمر
فقال: والله لئن كان الغيث أبلغ، فلقد زدت زيادة مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غير هذا؟ فقلت: وقوله أيضا:
وأظمأ فلا أبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب
قال: بماذا؟ قلت: بقولي:
ولم أنس بالناووس الألى ... بها أيننا محبوبها وحبابها
وفتية ضرب من زناتة، ممطر ... بوبل المنايا طعنها وضرابها
وقفنا على جمر من الموت وقفة، ... صلي لظاه داب قومي ودابها
إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا، جرى جشعا فوق الجياد لعابها
فصاح صيحة منكرة من صياح الجن كاد ينخب لها فؤادي فزعا، والله، منه! وكان بنجوة منا جني كأنه هضبة لركتنته وتقبضه، يحدق في دونهم، يرميني بسهمين نافذين، وأنا ألوذ بطرفي عنه، وأستعيذ بالله منه، لأنه ملأ عيني ونفسي. فقال لي لما انتهيت، وقد استخفه الحسد: على من أخذت الزمير؟ قلت: وإنما أنا نفاخ عندك منذ اليوم؟ قال: أجل! أعطنا كلاما يرعى تلاع الفصحاحة، ويستحم بماء العذوبة والبراعة، شديد الأسر جيد النظام، وضعه على أي معنى شئت. قلت: كأي كلام؟ قال: ككلام أبي الطيب:
نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه، أن نلم به ركبا
نذم السحاب الغر في فعلها به، ... ونعرض عنها، كلما طلعت، عتبا
وكقوله:
أرأيت أكبر همة من ناقتي، ... حملت يدا سرحا وخفقا مجمرا
تركت دخان الرمث في أوطانها، ... طلما لقوم يوقدون العنبرا

(1/12)
__________________


رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« فاطمة المرنيسي | أعرب السوري يعشق سورية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تخريج حديث عوف بن مالك الأشجعي Eng.Jordan شذرات إسلامية 0 11-23-2016 07:24 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:47 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68