تذكرني !

 





أخبار ومختارات أدبية اختياراتك تعكس ذوقك ومشاعرك ..شاركنا جمال اللغة والأدب والعربي والعالمي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 05-02-2012, 09:40 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

وتكرمن ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه، وليس مسكا أذفرا
فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا
وكقوله:
على كل طاو تحت طاو كأنما ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها تحتهم ري الفوارس فوقها، ... فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا، ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم
فأدني والله بما قرع به سمعي، وقلت له: أي ماء لو كان من جمامك واستهلت به عين غمامك! ثم استقدمت فأنشدته:
ولرب ليل للهموم تهدلت ... أستاره فحما الصوى بستوره
كالبحر يضرب وجهه في وجهه، ... صعب على العبار وجه عبوره
طاولته من عزمي بمضبر، ... أثبت همي في قرارة كوره
وعلى للصبر الجميل مفاضة، ... تلقى الردى، فتكل دون صبوره
وبرتحتي من فكرتي ذو ذكرة، ... عهدت تذاكرني بطبع ذكيره
فزادا، إذا بعثت دياجي جنحه ... هولا علي، خبطت في ديجوره
حتى بدا عبد العزيز لناظري ... أملي، فمزقت التجى عن نوره
وأنشدته:
الله في أرض غذيت هواءها، ... وعصابة لم تتهم إشفاقها
نكزتهم أفعى الخطوب، وعوجلوا ... بمثل منها، فكن درياقها
وافتح مغالقها بعزمة فيصل، ... لو حاولت سوق الثريا ساقها
ولو أنها منه، إذا ما استلها، ... تتعرض الجوزاء، حل نطاقها
وأنشدته:
لا تبكين من الليالي أنها ... حرمتك نغبة شارب من مشرب
فأقل ما لك عندها سيف الردى، ... يستل من شعر القذال الأشيب
ورحيل عيشك كل رحلة سلعة، ... وفناء طيبك في الزمان الأطيب
فإذا بكيت فبك عمرك، إنه ... زجل الجناح يمر مر الكوكب
وأنشدته:
ولم أر مثلي ما له من معاصر، ... ولا كمضائي ما له من مضافر
ولو كان لي في الجو كسر أؤمه، ... ركبت إليه ظهر فتخاء كاسر
وهمت بإجهاش عل، وقد رأت ... بي في آثار إحدى الكبائر
فقلت لها: إن تجزعي من مخاطر، ... نك لن تحظي بغير المخاطر
شت ثمار الوفر مني، وإنها ... لدى كل مبيض العنانيز وافر
له في بياض اليوم يقظة فاجر، ... وتحت سواد الليل هجعة كافر
رويدك، حتى تنظري عم تنجلي ... غيابة هذا العارض المتناثر
ودون اعتزامي هضبة كسروية، ... من الحزم، سلمانية في المكاسر
إذا نحن أسندنا إليها، تبلجت ... مواردنا عن نيرات المصادر
وأنت، ابن حزم، منعش من عثارها ... إذا ما شرقنا بالجدود العوائر
وما جر أذيال الغنى نحو بيته كأروع معرور ظهور الجرائر
إذا ما تبغي نضرة العيش كرها، ... لدى مشرع للموت، لمحة ناظر
فسل من التأويل فيها مهندا ... أخو شافعيات كريم العناصر
لمعتزلي الرأي، ناء عن الهدى، ... بعيد المرامي، مستمين البصائر
يطالب بالهندي في كل فتكة ... ظهور المذاكي عن ظهور المنابر
وأنشدته:
وقالت النفس لما أن خلوت بها، ... أشكو إليها الهوى خلوا من النعم:
تام أنت على الضراء مضطجع، ... معرس في ديار الظلم والظلم؟
وفي السرى لك، لو أزمعت مرتحلا، ... برء من الشوق، أو برء من العدم
ثم استمرت بفضل القول تنهضي، ... فقلت: إني لأستحيي بني الحكم

(1/13)


-------------------------------

الملحفين رداء الشمس مجدهم، ... والمنعلين الثريا أخمص القدم
ألمت بالحب، حتى لو دنا أجلى، ... لما وجدت لطعم الموت من ألم
وزادني كرمي عمن ولهت به، ويلي من الحب، أو ويلي من الكرم
تخونتني رجال طالما شكرت ... عهدي، وأثنت بما راعيت من ذمم
لئن وردت سهيلا غب ثالثة، ... لتقرعن علي من ندم
هناك لا تبتغي غير السناء يدي، ... ولا تخف إلى غير العلى قدمي
حتى راني في أدني مواكبهم، ... على النعمامة شلالا من النعم
ريان من زفرات الخيل أوردها ... أمواه نيظة تهوي فيه باللجم
قدام من قوم وجدتهم ... أرعى لحق العلى من سالف الأمم
ففتح علي عينين كالماويتين ثم قال لي: من القائل:
طلع البدر علينا، ... فحسبناه لبيبا
والتقينا، فرأينا ... ه بعيدا وقريبا
فيا من إذا رام معنى كلامي، ... رأى نفسه نصب تلك المعاني
شكوت إليك صروف الزمان، ... فلم تعد أن كنت عون الزمان
وتقصر عن همتي قدرتي ... فيا ليتني لسوى من نماني
ولا غرو للحر، عند المضي ... ق، أن يتمنى وضيع الأماني
قلت: أخي قال: فمن القائل؟
صدود، وإن كان ****** مساعفا، ... وبعد، وإن كان المزار قريبا
وما فتئت تلك الديار حبائبا ... لنا، قبل أن نلقى بهن حبيبا
ولو أسعفتنا بالمودة في الهوى، لأدنين إلفا، أو شغلن رقيبا
وما كان يجفو ممرضي، غير أنه ... عدته العوادي أن يكون طبيبا
قلت: عمي. قال: فمن القائل؟
أتيناك، لا عن حاجة عرضت لنا ... إليك، ولا قلب إليك مشوق
ولكننا زرنا بفضل حلومنا ... حمارا، تلقى برنا بعقوق
قلت: جدي. قال: فمن القائل؟
ويلي على أحور تياه، ... أحسن ما يلهوه به الللاهي
أقبل في غيد حكين الظبا، ... بيض تراق أفواه
يأمر فيهن وينهى، ولا ... يعصينه من آمر ناهي
حتى إذا أمكنني أمره، ... تركته من خيفة الله
قلت: جد أبي. قال: فمن القائل؟
ويح الكتابة من شيخ هبنقة، ... يلقى العيون برأس مخه رار
ومنتن الريح إن ناحيته أبدا ... كأنما مات في خيشومه فار
قلت: أنا قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضت لك أبدا، إني أراك عريقا في الكلام. ثم قل واضمحل حتى إن الخنفساء لتدوسه، فلا يشغل رجليها. فعجبت منه، وقلت لزهير: من هذا الجني؟ فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجل فبدرت من قفاه، هذا فرعون ابن الجون. فقلت: أعوذ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرجيم! فتبسم زهير وقال لي: هو تابعة رجل كبير منكم، ففهمتها عنه
الفصل الرابع
حيوان الجن
لغة الحمير
ومشيت يوما وزهير بأرض الجن أيضا نتقرى الفوائد ونعتمد أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارة غناء، تفنر عن بركة ماء، وفيها عانة من حمر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق فهي تصطك بالحوافر، وتنفخ من المناخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها وهاقها. فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه! فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بد أني بالتفدية، وحيتني بالتكنية. فقلت: ما الخطب، حمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك؟ قالت: شعران لحمار وبغل من عشاقنا اختلفنا فيها، وقد رضيناك حكما قلت: حتى أسمع. فقدمت إلي بغة شهباء، عليها جلها وبرقعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة وسخف الحركة، فقالت: أحد الشعرين لبغل من بغالنا وهو:

(1/14)

__________________


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-02-2012, 09:41 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

على كل صب من هواه دليل: ... سقام على حر الجوى، ونحول
وما زال هذا الحب داء مبرحا، إذا ما اعترى بغلا فليس يزول
بنفسي التي أما ملاحظ طرفها ... فسحر، وأما خدها فأسيل
تعبت بما حملت من ثقل حبها، ... وإني لبغل للثقال حمول
وما نلت منها نائلا غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
والشعر الآخر لدكين الحمار:
دهيت بهذا الحب منذ هويث، ... وراثت إراداتي فلست أريث
كلفت بإلفي منذ عشرين حجة، ... يجول هواها في الحشا ويعيث
ومالي من برح الصبابة مخلص، ... ولا لي من فيض السقام مغيث
وغير منها قلبها لي نميمة، ... نماها أحم الخصيتين خبيث
وما نلت منها نائلا، غير أنني ... إذا هي راثت حيث تروث
ففضحك زهير، وتماسكت، وقلت للمنشدة: ما هويت؟ قالت: هو هويب، بلغة الحمير. فقلت: والله، إن للروث رائحة كريهة، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك وأشارت إلى العانة أن دكينا مغلوبا؛ ثم انصرفت قانعة راضية.
وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت: لو كانت ثم علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلة أبي عيسى، والخال على خدها، فتباكينا طويلا، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقيت منك؟ قلت: ما ترين. قالت: شب عمرو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي، أهم على العهد؟ قلت: شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الخلان؛ ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة. فتنفست الصعداء، وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود. بحرمة الأدب، إلا ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما تأمرين وأكثر.
الإوزة الأدبية
وكانت في البركة بقربنا إوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ذر عليها الكافور، أو لبست غلالة من دمقس الحرير، لم أر أخف من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صبا، تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتلولب قمحدوتها، فترى الحسن مستعارا منها، والشكل مأخوذا عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتهم بالهور، ورضيتم من حاكمكم بغير الرضا.
فقلت لزهير: ما شأنها؟ قال: هي تابعة شيخ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتكنى أم خفيف، وهي ذات حظ من الأدب، فاستعد لها. فقلت: أيتها الإوزة الجميلة، العريضة الطويلة، أيحسن بجمال حدفتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر رأسك، مقابلة الضيف بمثل هذا الكلام، وتلقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال؟ وأنا الذي همت بالإوزة صبابة، واحتملت في الكلف بها عض كل مقالة؛ وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا واستهلك عليها الظرفاء منا، ورضيت بدلا من العصافير، ومتكلمات الزرازير، ونسيت لذة الحمام، ونقار الديوك، ونطاح الكباش.

(1/15)


------------------------------

فدخلها العجب من كلامي، ثم رفعت وقد اعترتها خفة شديدة في مائها، فمرة سابحة، ومرة طائرة، تتغمس هنا وتخرج هناك، قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذناباها، وهي تطرب تطريب السرور؛ وهذا الفعل معروف من الإوز عند الفرح والمرح. ثم سكنت وأقامت عنقها، وعرضت صدرها، وعلمت بمجدافيها، واستقبلتنا جائية كصدر المركب، فقالت: أيها الغار المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تحكم الأصول؟ ما الذي تحسن؟ فقلت: ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة. قالت: ليس عن هذا أسالك. قلت: ولا بغير هذا أجاوبك. قالت حكم الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام، ومادة البيان. قلت: لا جواب عندي غير ما سمعت. قالت: أقسم أن هذا منك غير داخل في باب الجدل. فقلت: وبالجدل تطلبيننا وقد عقدنا سلمه، وكفينا حربه، وإن ما رميتك به منه لأنفذ سهامه، وأحد حرابه، وهو من تعاليم الله. عز وجل، عندنا في الجدل في محكم تنزيله. قالت: أقسم أن الله ما علمك الجدل في كتابة قلت: محمول عنك أم خفيف، لا يلزم الإوزة حفظ أدب القرآن، قال الله، عز وجل، في محكم كتابه حاكيا عن نبيه إبراهيم، عليه السلام: " ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت " . فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال؛ ولكن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما لاحت له الواضحة القاطعة، رماه بها، وأضرب عن الكلام الأول، قال: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فلهت الذي كفر " وأنا لا أحسن غير ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة، فاهتزت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمت بالطيران. ثم اعتراها ما يعتري الإوز من الألفة وحسن الرجعة، فقدمت عنقها ورأسها إلينا نمشي نحونا رويدا، وتنطق نطقا متداركا خفيا، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذللت؛ على أني أحب الإوز وأستظرف حركاتها وما يعرض من سخافاتها.
ثم تكلمت بها مبسبسا، ولها مؤنسا، حتى خالتتنا وقد عقدنا سلمها وكفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدب أم العقل؟ قالت: بل العقل. قلت: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزة، ودعيني من مثلهم في الحبارى؟ قالت: لا قلت: فتطلبي عقل التجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيبا، وبؤت منه بحظ، فحينئذ ناظري في الأدب. فانصرفت وانصرفنا.

__________________


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-02-2012, 11:20 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

صاحبا الجاحظ وعبد الحميد( التوابع والزوابع )

فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: مل بي إلى الخطباء، فقد قضيت وطرا من الشعراء. فركضنا حينا طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارسا أسر إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.
وانتهينا إلى المرج فإذا بناد عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام. فردوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع، جاحظ العين اليمنى، على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة. فقلت سرا لزهير: من ذلك؟ قال: عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرفه صغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغزى بالسجع، فكلامك نظم لا نثر.
فقلت في نفسي: قرعك، بالله، بقارعته، وجاءك بمماثلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزك الله، مني جهلا بأمر السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرا أن أحركهم بالازدواج. ولو فرشت للكلام فيهم طولقا، وتحركت لهم حركة مشولم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم.

(1/7)


----------------------------

فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لحاء الشجر، وليش ثم ثمر ولا عبق. قال لي: صدقت، إني أراك قد ماثلت معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدي إليه طريق، ولا للبيان عليه سمة. إنما هي لكنة أعجمية يؤدون بها المعاني تأدية المجوس والنبط. فصاح: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها! ارمهم يا هذا بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكرا فيهم. وما أراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجيء إليهم.
فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقبة إلى ما يكون منه: لا يغرنك منه، أبا عيينة، ما تكلف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة. ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه في ميدان البيان، لصلى كودنه وكل برثنه. وما أراه إلا من اللكن الذين ذكر، وإلا فما للفصاحة لا تهدر، ولا للأعرابية لا تومض؟ فقلت في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقه، ورب الكعبة! فقلت له: لقد عجلت، أبا هبيرة، - وقد كان زهير عرفني بكنيته - إن قوسك لنبع، وإن سهمك لسم، أحمارا رميت أن إنسانا، وقعقعة طلبت أم بيانا؟ وأبيك، إن البيان لصعب، وإنك منه لفي عباءة تتكشف عنها أستاه معانيك، تكشف است العنز عم ذنبها. الزمان دفء لا قر، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى الضب على ماضغيك. فتبسم إلي وقال: أهكذا أنت يا أطيلس، تركب لكل نهجه، وتعج إليه عجه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإن التيس ما علمت! فصاح به أبو عيينة: لا تعرض له، وبالحرا أن تخلص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافية لو كان له جحر. فبسطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأت رسالتي في صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها.
رسالة الحلواء
ومن رسالتي في الحلواء حيث أقول: خرجت في لمة من الأصحاب، وثبة من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلواء فاستخفه الشره، واضطرب به الوله، فدار قس ثيابه، وأسال من لعابه، حتى وقف بالأكداس وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج فقال: بأبي هذا اللمص، انظروه كأنه الفص؛ مجاجة الزنابير، أجريت على شوابير، وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ريق الأحبة.
ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح باللحظ، ويذوب من اللفظ. ثم ابيض، قالوا بماء البيض البض، قال غض من غض، ما أطيب خلوة ******، لولا حضرة الرقيب! ولمح القبيطاء، فصاح: بأبي نقرة الفضة البيضاء، لا ترد عن العضة. أبنار طبخت أم بنور؟ فإني أراها كقطع البدور؛ وبلوز عجنت أم بجوز؟ فإني أراها عين عجين الموز. وموشى إليها وقد عدل صاحبها بدرهمين، وانتهشها بالنابين، فصاح: القارعة ما القارعة؟! هية! ويل للمرء من فيه! ورأى الزلابية، فقال: ويل لأمها الزانية، أبأحشائي نسجت، أم من صفاق قلبي ألفت؟ فإني أجد مكانها من نفسي مكينا، وحبل هواها على كبدي متينا، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني؟ والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثأر! ومشى إليها، فتلمظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح: الثعبان الثعبان! ورفع له تمر النشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم! من أين لكم جنى نخلة مريم؟ ما أنتم إلا السحار، وما جزاؤكم إلا السيف والنار. وهم أن يأخذ منها. فأثبت في صدره العصا، فجلس القرفصا، يذري الدموع، ويبدي الخشوع. وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد. فرقت له ضلوعي، وعلمت أن فيه غير مضيعي. وقد تجمل الصدقة على ذوي وفر، وفي كل ذي كبد رطبة أجر. فأمرت الغلام بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التي أنطقته وتحتوي على ضروبها التي أضرعته، وجاء بها وسرنا إلى مكان خال طيب، كوصف المهلبي:

(1/8)



__________________


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-02-2012, 11:20 PM
الصورة الرمزية يقيني بالله يقيني
يقيني بالله يقيني غير متواجد حالياً
متميز وأصيل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 4,854
افتراضي

خان تطيب لباغي النسك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع؛ فجعل يقطع ويبلغ، ويدحوا فاه ويدفع، وعيناه تبصان كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خصيتان، وأنا أقول له: على رسلك أبا فلان! البطنة تذهب الفطنة! فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريح عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم. فنثرتنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر، فالتحمنا منه الظريان، وصدق الخبر فيه العيان: نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفخ هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها، والسلام. فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا: إن لسجعك موضعا من القلب، ومكانا من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه، وقد بلغنا أنك لا تجازى في أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك. فمن أشدهم عليك؟ قلت: جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به في سرقسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تشير، وأبي القاسم وأبي بكر؟ قلت: أجل قالا: فأين بلغت فيهم؟ قلت: أما أبو محمد فانتضى علي لسانه عند المستعين، وساعدته زراقة استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدته شعرا، منه:
وبلغت تجيش صدورهم ... علي؛ وإني منهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزا، ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري
فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره؛ ... وقال فريق: أيمن الله، ما ندري
أما علموا أني إلى العلم طامح، ... وأني الذي سبقا على عرقه يجري؟
وما كل من قاد الجياد يسوسها؛ ... ولا كل من أجرى يقال له: مجري
فمن شاء فليخبر فإني حاضر، ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر
وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله: له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانه من نفسي مكين، وحبه بفؤادي دخيل؛ على أنه حامل علي، ومنتسب إلي.
__________________


رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« فاطمة المرنيسي | أعرب السوري يعشق سورية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تخريج حديث عوف بن مالك الأشجعي Eng.Jordan شذرات إسلامية 0 11-23-2016 07:24 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:28 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68