تذكرني !

 





خصائص الحروف العربية ومعانيها

حسن عباس خصا ئص الحروف العربية ومعانيها - دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-01-2012, 11:42 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي خصائص الحروف العربية ومعانيها


حسن عباس






خصا ئص الحروف العربية ومعانيها

- دراسة -





منشورات اتحاد الكتاب العرب
1998


















تصميم الغلاف للفنان : عزيز اسماعيل












المقدمة
هذه الدراسة عن "خصائص الحروف العربية ومعانيها" هي أصل لدراسات ثلاث أخرى متفرعة منها قد تناولت المزيد من مسائل الحرف العربي وقضاياه، بما في ذلك مختلف العلاقات الفطرية المتبادلة بينه وبين الإنسان الذي أبدعه. وهي بحسب تواريخ إنجازها:
الأولى- خصائص الحروف العربية ومعانيها- أنجزتها عام (1982) وهي رهن الدراسة.
الثانية- الحرف العربي والشخصية العربية- أنجزتها عام (1987) ونشرتها عام 1992.
الثالثة- حروف المعاني بين الأصالة والحداثة أنجزتها عام 1991 وهي قيد النشر.
الرابعة- إطلالة على الإعجاز اللغوي في القرآن نشرتها عام 1994.
فماذا عن هذه الدراسات الأربع:
ولنبدأ بالدراسة الرابعة (الإطلالة).
إنها مجرد تطبيق عملي لما تحصّل لي من خصائص الحروف العربية ومعانيها في الدراسات الأخرى على أرقى النصوص اللغوية فصاحة وبلاغة. فقد اختبرت ما تحصل لي من خصائص ومعاني (23) حرفاً من مئات الجداول على واقع استعمالات القرآن الكريم لها في (سوره وآياته ومفرداته وقوافيه- أي فواصله) بدقة وإحكام لا نظير لذلك في أدب أو شعر أو معجم. وقد استوفى كل استعمال منها شروط الإعجاز اللغوي، مما لم ينتبه له أي من مفسري القرآن أو الباحثين عن إعجازه اللغوي، ولا عتب عليهم في ذلك لأن أياً منهم لم يهتد إلى خصائص الحروف العربية ومعانيها.
وحذر الإطالة أكتفي بهذا المقدار الضئيل من التنويه بتداخلها في الدراسات الأخرى، لأنها كما أسلفت مجرد تطبيق عملي لها. وإذن ماذا عن تداخل دراساتي الأخرى؟
لئن كانت هذه الدراسات تتماس مع بعض ما سبقها من الدراسات اللغوية حول خصائص الحروف العربية ومعانيها، فإنها ليست مجرد توسع لها، ولا استطراداً لبحوثها، وإن كانت تعتبر استكمالاً لها، فهي تختلف عنها في منطلقها (الفلسفي) وفي نهجها (العلمي- الرياضي) كما سيأتي في المدخل، مما يحفظ لها استقلالها عن غيرها. وإذن ماذا عن الجديد في كل واحدة منها؟
أولاً- بعض الأضواء على الجديد في دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها"؟
لقد حدست في أول كتاب لي "هذه أمة العرب في تجاربها" المنشور عام 1958 أن ثمة علاقات فطرية متبادلة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، أوجزتها في مقولة "لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" ولقد تثبت من صحتها في قطاع المشاعر الإنسانية بكتابي الثاني "لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن" المنشور عام 961. ومن ثم وحسماً لكل جدل حول هذه المقولة، خطر لي أن أتثبت من صحتها في القطاع اللغوي بحثاً عما إذا كان الإنسان العربي قد خصص الكلمات التي في أصوات حروفها (رقة، وأناقة، وجمال، ودماثة، وصقل، وفعالية...) وما إليها مما له صداه المحبب في النفس، لما يناسبها من المعاني الجيدة والعكس بالعكس، وبذلك يتحقق التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية في القطاع اللغوي أيضاً.
ولقد انجزت دراستي "خصائص الحروف العربية ومعانيها" للمرة الأولى عام 978 تحت عنوان "الحروف العربية والحواس الست" باعتبار أن (الشعور) هو الحاسة السادسة، وقد اتبعت في ذلك نهج من قال بفطرية اللغة العربية ممن اجمعوا صراحة أو ضمناً على أن معنى الحرف العربي هو (صدى صوته في الوجدان، أو النفس). وكان ابن جني أبلغ من عبر عن هذه النظرية اللغوية الفطرية بمقولته الشهيرة: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
ومن ثم وفي إحدى مراجعاتي لها أفاجأ بأن الإنسان العربي الذي اعتمد الخصائص (الإيحائية) في أصوات بعض الحروف للتعبير عن معانيه، قد اعتمد أيضاً الخصائص (الهيجانية) وكذلك- الخصائص (الإيمائية- التمثيلية) في بعضها الآخر. وكان من طبيعة الأمور أن أعيد دراسة المشروع الأولى: "الحروف العربية والحواس الست" حرفاً حرفاً من (ألفه إلى يائه).
وتستمر الرحلة بي بضعة عشر عاماً أخرى، فكان أعقد ما واجهني في تقصياتي خلالها ثلاث قضايا هي:
أولاً- التحري عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) المتوقعة في كل حرف، وذلك بحسب مواقعه في أوائل جميع المصادر الجذور إطلاقاً وكذلك لتسعة عشر حرفاً تقع في آخرها، ثم لستة أخرى تقع في وسطها. وقد تبين لي أن خصائص كل حرف تتغير من موقع إلى آخر، وذلك تبعاً لطريقة النطق بصوته: مشدداً عليه في مقدمة المصادر، ومرققاً منعماً في آخرها، وبين بين في وسطها. وبذلك يكون للحرف الواحد العديد من المعاني بحسب مواقعه من المصادر الجذور التي يشارك في تراكيبها.
ثانياً- أما أشق ما عانيته في هذه الدراسة فهو الاهتداء إلى المصدر الجذر الألصق بالطبيعة وإلى معناه الألصق بالفطرة.
وذلك لأن الأصل في معنى الكلمة العربية هو ما أخذه العربي مباشرة عن الطبيعة: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد" كما قال ابن جني. فيكون الأصل في معناه تبعاً لذلك هو الحسي ثم جاءت المشتقات بمعانيها الحسية الأخرى، ثم المجردة في مراحل ثقافية متطورة.
فمن (2931) كلمة ومشتقاً تبدأ بحرف (النون) عثرت عليها في المعجم الوسيط، ومن آلاف معانيها الحسية والمجردة، قد وقع اختياري على (368) كلمة اعتبرتها مصادر جذور. وقد اعتمدت لكل واحد منها معنى حسياً واحداً، وربما أضفت إليه معنى مجرداً ثانياً في قليل من الأحيان، وذلك للكشف عن الرابطة الذهنية المميزة بين المعنيين: الحسي والمجرد.
ولا مطعن جدّياً على دراساتي في هذا الاختيار، ما دمت قد التزمت بقاعدة صارمة لم أحد عنها: هي اعتماد الكلمة الألصق بالطبيعة والمعنى الحسي والألصق بالفطرة بما يتوافق مع نشأة اللغة العربية الحسية وسائر اللغات العروبية (السامية).
ودعماً (علمياً- رياضياً) لهذه الدراسة في مواجهة القائلين باصطلاحية معنى الكلمة العربية واعتباطيته فقد استعرضت في هذه الدراسة معاني (9767) مصدراً جذراً لعشرات الوف المعاني، أثبت منها معاني (3523) مصدراً كأمثلة على توافق خصائص الحروف العربية مع معانيها فكانت نسبة التوافق بينهما تراوح بين (50-91) في المئة، ولم تقلّ عن ذلك إلا في الأحرف (الهيجانية) وحرفي (ت-ح) لأسباب خاصة كما سيأتي في متن الدراسة.
هذا وقد خصصت الفصل الأخير من هذه الدراسة للحديث عن المشاعر الإنسانية وفق ما تناولها علم النفس وذلك للبرهان على توافق المبادئ والأسس التي اعتمدتها في هذه الدراسة مع مبادئ علم النفس،سواء بمعرض الكشف عن النهج الذي اتبعه العربي في ابداع كلماته تعبيراً عن معانيه، أم بمعرض النهج الذي اتبعته في استشفاف تلك المعاني.
ثالثاً- أما أغرب ما جاء في هذه الدراسة، فهو تصنيف الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية في هرم تبدأ قاعدته بالحاسة اللمسية، أشد الحواس كثافة والصقها بمادة الأشياء، ثم تليها صعوداً على التوالي حواس (الذوق، فالشم، فالبصر، فالسمع، فالمشاعر الإنسانية) ولكل واحدة منها فئة معينة من الحروف.
فكانت معاني المصادر الجذور التي تبدأ أو تنتهي بكل فئة منها تلتزم بطبقتها الحسية، لا تتجاوزها صعوداً إلى الطبقات الأعلى، إلا نادراً وإن كان لها الحق (الشرعي) في الهبوط إلى الأدنى وذلك بحكم ولاية الأعلى مرتبة على الأدنى. وغالباً ما يتم الخروج على هذه القاعدة بشفاعة حرف مشارك ينتمي إلى الطبقة الأعلى، على غرار ما يتم في الأندية العصرية الراقية.
ثانياً- بعض الأضواء على الجديد في دراسة (الحرف العربي، والشخصية العربية):
بعد أن انتهيت من دراستي (خصائص الحروف) ثبت لي على واقع آلاف الأمثلة المضروبة أن العربي قد اعتمد خصائص الحروف ومعانيها في ألفاظه للتعبير عن معانيه، ولقد آخى في ذلك بصورة عامة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، مما يشير إلى فطرية العربية.
ولكن هذه الفطرية تفترض بداءة الحرف العربي وفجرية الإنسان الذي أبدعه. بمعنى أنهما قد نشآ وترعرعا واستوفيا شروط تكاملهما ونضجهما في بيئة محددة هي حصراً (الجزيرة العربية)، لم تغزهما فيها لغة ما، ولا شعب آخر، والعكس صحيح. وهذا يقتضي أن تكون الجزيرة العربية الأم هي الأسبق حضارياً وثقافياً من سائر المناطق المجاورة.
ولما كان العربي قد اعتمد في آلاف الأمثلة المضروبة الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية للتعبير عن معانيه، فلا بد أن تعود أصولها إلى مراحل حياتية متفاوتة في الرقي، قد أمضاها في جزيرته البكر حصراً.
فالهيجاني أقل تطوراً من الإيمائي، وهذا أقل تطوراً من الإيحائي، وهو أرقى وسائل التواصل اللغوي، مما لم يعد له نظير في أي لغة معاصرة أخرى، وهذا يعني أن الحروف العربية تنتمي بالضرورة إلى مراحل حياتية ثلاث متفاوتة في التطور والرقي.
ولكن ماذا عن طبيعة هذه المراحل؟ ومتى بدأت كل واحدة منها، ومتى انتهت. ثم ما هي الرابطة الفطرية الطبيعية بين كل مرحلة منها وبين خصائص الحروف التي ورثناها عنها؟ وأخيراً، ما هي طبيعة العلاقات الفطرية المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان الذي أبدعه؟
لذلك واستكمالاً لدراستي العتيدة (خصائص الحروف)، وحماية لها من نقد الشاكيّن الأبرياء، ومن تحامل المشككين بفطرية العربية وحروفها، كان لا بد لي من الإجابة عن تلك التساؤلات، وغيرها بالعودة إلى المراجع المختصة.
ولكنّ علماء الآثار والتاريخ واللغات ومن إليهم، قد أهملوا الجزيرة العربية، لظاهرة تصحرها في تقصياتهم عن أصول الحضارة البكر، سواء في استئناس النبات والحيوان، أو أصول اللغات والعبادات وما إليها، ما شذَّ عنهم فيما وصل إلى علمي سوى المؤرخ الكبير (شوينغرت) حيث يقول:
"إن الشعير والذرة الرفيعة والقمح وتأنيس الماشية والماعز والضأن وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لم توجد في حالتها الطبيعية في مصر، بل في بلاد آسيا الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة (أي الجزيرة العربية).. ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين (سومر وبابل) وإلى مصر". ويعلق (ديورنت) على ذلك في قصة الحضارة ج1 (ص42) بقوله:
"ولكن ما وصل إلى علمنا من تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدّاً لا نستطيع معه إلا أن نقول: إن هذا مجرد فرض جائز الوقوع".
وللإجابة عن هذه التساؤلات الفائقة الأهمية والإحراج كان لا بد لي من الاستعانة بالمراجع (التاريخية والأثرية والاجتماعية واللغوية وسواها) ولا سيما ما يتعلق منها بأصول الحضارات الإنسانية في المناطق المجاورة للجزيرة العربية (مصر+ بلاد ما بين النهرين+ بلاد الشام أي (سورية+ الأردن ‏+ فلسطين) وقد خلصت منها إلى النتائج التالية:
1-اللغة العربية هي فطرية النشأة (موضوع الفصل الأول)
2-الإنسان العربي والحرف العربي قد تعايشا معاً في الجزيرة العربية خلال ثلاث مراحل حياتية هي: الغابية وقد بدأت مع بداية العصر الجليدي الأخير منذ الألف (100) ق.م واستمرت حتى نهايته في الألف (14-12) ق.م وقد ورثنا عنها يقيناً أصول أحرف (الهمزة -ا-و-ي) ثم تلتها المرحلة الزراعية واستمرت حتى الألف (9) ق.م وقد ورثنا عنها باحتمال شديد أصول أحرف (ف-ل -م- ث-ذ) ثم تلتها المرحلة الرعوية بعد استحكام الجفاف في الجزيرة العربية واستمرت حتى العصور الجاهلية وفجر الإسلام. وقد ورثنا عنها باحتمال شديد بقية الحروف. (موضوع الفصل الثاني).
وإنه لمن غرائب العربية المدهشة، أن يحتفظ العربي بدلالات هذه الفئات الثلاث من الحروف العربية. وقد عرضت أسباب ذلك في خاتمة دراستي (خصائص الحروف..) تحت عنوان "حول تداخل المراحل اللغوية".
3-الجزيرة العربية هي حتماً مهد الإنسان العربي وحضارته (موضوع الفصل الثالث).
4-أما الفصلان الأخيران (الرابع والخامس) فقد خصصتهما للكشف عن عوامل تكوين شخصيتي الإنسان العربي والحرف العربي: (الحيوية والنفسية والاجتماعية) وكذلك عن دور الشعر العربي الأصيل والفروسية في خلق الروابط الفطرية المتبادلة بينهما.
ثالثاً- بعض الأضواء على الجديد في دراستي (حروف المعاني بين الأصالة والحداثة):
لقد انتهيت من دراستي "خصائص الحروف" إلى أن الأحرف الهيجانية الغابية: "الهمزة- ا-و-ي) لا تأثير يذكر لخصائصها في معاني المصادر الجذور على واقع المعاجم اللغوية، وبذلك تكون معدومة المعاني، ولكنني لاحظت كثرة دورانها في حروف المعاني التي يتألف معظمها من حرف واحد أو حرفين، مما يشير إلى أنها أقدم المستحاثات في اللغة العربية: تأسيساً على أن العربية قد بدأت بالمقاطع الأحادية ثم بالثنائية، ثم بالثلاثية فالمزيدات، كما ذكر العلايلي في مقدمته، وهو صحيح.
لذلك توقعت أن تكون هذه الأحرف (الهيجانية) قد ظلت محتفظة بدلالاتها ومعانيها في حروف المعاني لتقارب نشأتيهما في أعماق الزمن: كما (الهمزة) في (آ) لنداء البعيد: إثارة لانتباه السامع بصوتها الانفجاري الهيجاني وهكذا الأمر في أحرف (ا-و-ي).
فرأيت أن أتقصى خصائص هذه الأحرف في القطاع (الصرفي- النحوي) قبل نشر أي دراسة أخرى وذلك للسببين التاليين:
1-لسد هذه الثغرة المعجمية الكبيرة في خصائص الحروف العربية ومعانيها. وذلك حماية لدراساتي من الطعن بفطرية اللغة العربية من هذه الثغرة (الهيجانية).
2-أما الأهم والأخطر، فهو: إثبات أن اللغة العربية تعود نشأتها الأولى إلى المرحلة الغابية. وبذلك تتحصن دراساتي من الطعن بما تحصل لي فيها من المستجدات (التاريخية والاجتماعية والأثرية والنفسية واللغوية..) وما إليها، مما يثبت هذا التواصل (الحضاري- الثقافي) في التراث العربي مرحلة حياة بعد مرحلة، منذ عهد الغاب حتى الإسلام.
فقد استعرضت معاني وأصول استعمالات (117) مفردة من حروف (النداء والعطف والجر والنصب والجزم والمشبهة بالفعل والنفي والترجي والعرض والتحضيض والاستفهام وأسماء الكناية والإشارة والضمائر وذلك بالرجوع إلى خصائص ومعاني حروفها وفقاً لما جاء في (خصائص الحروف العربية ومعانيها).
فكان لكل مفردة من حروف المعاني العديد من المعاني والأقسام والاستعمالات، قد تجاوز بعضها الخمسين كما في (ما-لا) وقد توافقت الغالبية العظمى من معاني هذه المفردات واستعمالاتها مع خصائص الحروف التي شاركت في تراكيبها، سواء أكانت هيجانية أم غير هيجانية.
وعندئذ جرؤت على نشر دراستي (الحرف العربي والشخصية العربية، ثم الإطلالة) بكثير من الثقة بعد أن تم الكشف عن خصائص الحروف العربية ومعانيها جميعاً بلا استثناء، سواء في القطاع المعجمي أم القطاع الصرفي- النحوي.
وهكذا ما أحسبني مدعياً لو قلت: إن هذه الدراسات الثلاث تمهد الطريق للانتقال باللغة العربية من مرحلة (كيف) استعمل العربي مفرداته وقواعد صرفه ونحوه التي دامت ألف عام ونيف إلى مرحلة جديدة، هي: (لماذا) استعملها العربي هكذا؟ فما من واحد من علماء اللغة وفقهاء صرفها ونحوها فيما أعلم، قد تساءل:(لماذا) أبدع العربي كلمة (أنا) ضميراً للمتكلم، و(نحن) لجمعه، و(أنت) للمخاطب، و(هو) للغائب؟ وقد أجبت عن هذه التساؤلات في دراستي "الحرف العربي" . (ص79-82).
ولا (لماذا) جعل (الواو) للعطف بلا ترتيب و(الفاء) للترتيب بلا تراخ، و(ثم) للترتيب والتراخي؟ ولا (لماذا) رفع المرفوعات ونصب المنصوبات وجر المجرورات وجزم المجزومات؟
وهكذا إلى مئات التساؤلات في القطاع الصرفي - النحوي، وقد أجبت عنها في هذه الدراسة. لذلك، ولما كان فقهاء الصرف والنحو قد اعتمدوا النصوص العربية من (نثر وشعر وقرآن) للاهتداء إلى معاني وأصول استعمالات حروف المعاني بلا ضابط من خصائص الحروف العربية ومعانيها، فقد اسندوا إلى معظم حروف المعاني، معاني ليست لها، وحرموا بعضها الآخر من أخص خصائص معانيها واكتفي هنا بمثالين اثنين:
1-لقد اسندوا إلى حرف (الباء) من حروف الجر معنى الإلصاق، بما يتعارض مع خاصية الانفجار في صوته، فكان له في المعجم الوسيط (84) مصدراً تبدأ به لمعاني الحفر والبقر والبيان بما يتوافق مع خصائص صوته، ولا شيء للإلصاق.
2-أما (اللام) من حروف الجر، فإن أياً من الفقهاء لم يسند له معنى الإلصاق بينما كان له في المعجم الوسيط (82) مصدراً جذراً تبدأ به لهذا المعنى. كما أن الإلصاق هو من أهم معانيه الصرفية، كما في (لام الأمر، ولام التملك، وأل التعريف...)
وكما أنه ليس ثمة ما هو أهدى لمعاني المصادر الجذور من خصائص الحروف العربية ومعانيها، كما ثبت ذلك في دراستي (خصائص الحروف..) فإنه ليس ثمة أيضاً ما هو أهدى منها لمعرفة معاني حروف المعاني وأصول استعمالاتها كما ثبت لي في هذه الدراسة (حروف المعاني بين الأصالة والحداثة).
توضيح لا بد منه:
لقد اعتمدت المعجم الوسيط الحديث في تقصياتي عن المصادر الجذور بمعرض البحث عن مدى تأثير معانيها بخصائص حروفها، ولم اعتمد المعاجم المطولة لقدامى اللغويين ومحدثيهم، أمثال (الكشاف للزمخشري، وتاج العروس للزبيدي، والمحيط للفيروز أبادي، ومحيط المحيط لبطرس البستاني ولسان العرب لابن منظور.." وذلك لأن زيادة المفردات فيها عن الوسيط هو في الغالب من غرائب الكلم لغرائب المعاني من مزيدات الرباعي والخماسي، أو من المولد أو المعرب أو المحدث، أو الدخيل أو العامي، مما هو أبعد في الزمن عن النشأة الفطرية للعربية، وعن أصالتها.
وبذلك فإن (الوسيط) يغني عن المطولات بمعرض البحث عن المصادر الجذور الألصق تركيباً بالطبيعة وعن معانيها الألصق فطرة بالمحسوس. وقد عالجت هذه المسألة في دراسة حرف (العين) بمعرض استخراج معاني المصادر التي تبدأ به في كل من المعجم الوسيط ومحيط المحيط، كما سيأتي، مما لا مجال للتفصيل فيه هنا.









-المدخل-
تمهيد:
لقد تحدثت في المقدمة بإيجاز شديد عن أهم مضامين دراساتي الثلاث عن الحرف العربي وعن تداخلها مع بعضها بعضاً. ولئن كانت كل واحدة منها قد اعتمدت بخاصة بعض العلوم اللغوية أكثر من غيرها فإن أياً منها لم تخل من التداخل والتماس مع العلوم اللغوية المعتمدة فيها جميعاً. فكفل لها ذلك تماسكها وتكاملها ووحدتها، مما جعل منها مساهمة جديدة في العلوم اللغوية في صور من الإضافات على النظريات اللغوية كما لاحظنا ذلك في المقدمة.
وكل إضافة جديدة في أي قطاع معرفي تقتضي منطلقاً جديداً أي (مبدأ جديداً) في التقصيات، وإلا كانت مجرد توسع أو استطراد.
على أن المنطلق الجديد لا يأتي بإضافات (نتائج) جديدة صحيحة، إلا أن يكون هو وموضع تطبيقه فطريين أصيلين.
فماذا عن منطلقي الجديد وموضع التطبيق عليه؟
لقد عرضت في المقدمة أني انطلقت في دراساتي الثقافية من مقولة فكرية غريبة عن علوم اللغة، هي "التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية" وقد تثبت من صحتها بتطبيقها على المشاعر الإنسانية في دراسة "لا فن بلا أخلاق، ولا أخلاق بلا فن". مما يشير إلى فطرية هذا المنطلق وإلى فطرية موضع التطبيق عليه "المشاعر الإنسانية".
وعندئذ خطر لي أن أطبقه على اللفظة العربية للتثبُّت من صحته أولاً، ثم من فطرية العربية ثانياً. وبما أني قد تثبت من صحتها فعلاً في دراساتي اللغوية الثلاث، كما أسلفت في المقدمة، فهذا يشير إلى فطرتهما وأصالتهما. مما يشكل فيما أرى إضافة جديدة على النظريات اللغوية، فالمنطلق جديد وأصيل، واللغة العربية فطرية النشأة بديئة.
ولكن ماذا عن منطلقات النظريات اللغوية ومواضع التطبيق عليه؟
إن منطلقات نظريات علماء اللغة الغربيين والشرقيين في أي من علوم اللغة (التاريخي، والاجتماعي، والصوتي، والنفسي والوظيفي والبنيوي والوصفي والدلالي...) وما إليهما، هي جميعاً فطرية واصيلة وإن كان كل واحد منها محدوداً غير شامل بدليل تعددها. ولكن أياً من مدارسهم هذه لم تصل إلى نتائج حاسمة، لأن اللغات التي اعتمدوها موضعاً لتطبيق منطلقاتهم لم تكن فطرية كما سيأتي وشيكاً، فاختل بذلك طرفا كل من معادلاتهم.
المنطلقات فطرية أصيلة ولكن مواضع التطبيق عليها غير فطرية ولا أصيلة.
وهذا ما أفسح المجال لإضافاتي الجديدة على نتائج دراساتهم اللغوية، ولكن قبل الحديث عن هذه الإضافة لا بدمن معالجة قضيتين اثنتين هما: موضع تطبيق منطلقاتنا اللغوية ثم موقع دراساتي من النظريات اللغوية ومدارسها.
القضية الأولى: حول موضع تطبيق منطلقاتنا اللغوية:
تسهيلاً للبحث أرى أن أحيل مسألة موضع التطبيق هذه إلى (دلالة) الكلمة في اللغات الأجنبية ثم في اللغة العربية.
فماذا عن دلالة الكلمة في اللغات الأجنبية:
يقول (برغسون): "الكلمة مومياء... جثة فارقتها الحياة.." (في فلسفة اللغة كمال حاج يوسف) ص57.
ولما كانت اللغة الفرنسية هي أكثر اللغات الغربية أناقة في الصياغة ورشاقة في التعبير، وكان (برغسون) الفيلسوف الأديب على رأي نقاده: هو (أعرق كتاب أمته وأكثرهم جلالاً في الإنشاء وأسحرهم بياناً وإيحاء...) فإن هذا الحكم القاسي الذي أصدره على الكلمة الفرنسية ينسحب فيما أرى على الكلمة في اللغات الأجنبية جميعاً.
ولا شك في أن (برغسون) قد حكم بالموت على الكلمة الفرنسية لأنه لم يعثر على أي رابطة فطرية بين معانيها وبين خصائص أحرفها.
ولقد نحا (برغسون) في حكمه هذا على الكلمة منحى (لوك) الذي قال: "الكلمة في اللغات الغربية هي إشارات اصطُلِح عليها. فهي لا تنوب عن الأشياء بصورة مباشرة، بل تنوب عن الأفكار القائمة مقام الأشياء" (محاضرات في علم النفس اللغوي د. حنفي ابن عيسى ص31).
أما الشعراء الرمزيون فهم على النقيض من (برغسون ولوك) إذ يقررون: "الكلمة هي صوت الوجدان لها سحرها ودفؤها وعبقها، جهرها وهمسها، شدتها ولينها، تفخيمها وترقيقها، لها بتولة الفكر وطهارة النفس. إنها مظهر من مظاهر الانفعال النفسي".
وإذن فالكلمة لدى الرمزيين هي حية لا مومياء ولا مصطلح قد حجره الاستعمال، ولا رمز ميت على معنى ليخلصوا من ذلك كله إلى أن اللغة هي غاية وليست مجرد وسيلة للتعبير عن المعاني، "في علم النفس اللغوي ص57".
ولكن ماذا يبقى للشعراء الرمزيين أنفسهم من عبق الكلمة وسحرها وانفعالها ووجدانها وإيحائها إذا هم قرؤوها بنزاهة وحيادية، فلم (يموسقوا) جملها الصوتية: جهراً وهمساً، تفخيماً وترقيقاً، إلى آخر اعزوفتهم على أوتار أصوات أحرفها؟ أفلا تتحول الكلمة الفرنسية وغيرها إلى مومياء، إلى جثة فارقتها الحياة إلى مصطلح، إلى رمز. فتصبح لغاتهم بذلك وسيلة لا غاية، كما قال (برغسون)؟
ثم ماذا عن (دلالة) الكلمة العربية في دراساتي؟
إن كل ما اضفاه الرمزيون على كلماتهم: "حياة، حيوية، أناقة، رشاقة إيحاء وجدان، انفعال..) إنما هو بعض ما علق بالكلمة العربية عفو الفطرة في خصائص أحرفها تعبيراً عن معانيها.
خصائص حسية وشعورية (وجدانية)، قد جاءت الكلمة العربية إرثاً عن مراحل (غابية ثم زراعية ثم رعوية شعرية). فتحول كل حرف من حروفها بفعل تعامله مع الأحاسيس والمشاعر الإنسانية طوال الاف الأعوام، إلى وعاء من الخصائص والمعاني. فما أن يعيها القارئ أو السامع، حتى تتشخص الأحداث والأشياء والحالات في مخيلته أو ذهنه أو وجدانه. وبذلك ينوب الحرف في العربية عن الكلمة وتنوب الكلمة عن الجملة، ولا رمز ولا اصطلاح.
فمما قاله (ابن جني) في هذا الصدد: إن العربي قد أبدع كلماته: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد". بمعنى أنه، "كان يضع الحرف الأول بما يضاهي بداية الحديث والحرف الوسط بما يضاهي وسطه، والأخير بما يضاهي نهايته". فكان العربي بذلك يصور الأحداث والأشياء والحالات بأصوات حروفه (الخصائص ج2-ص162-163).
وهكذا إذا كان الرمزيون قد رفعوا من مقام لغاتهم الأجنبية من وسيلة إلى غاية بموسقة صيغ كلماتها وأصوات حروفها، فإن العربية هي بالضرورة غاية في حد ذاتها بلا موسقة مفتعلة.
ففي الكلمة العربية موسيقى باطنية عفوية بلا تصنع، قوامها التوافق الفطري بين خصائص أحرفها وبين ما تدل عليه من المعاني إيحاءً أو إيماءً. فما أن تنشد الكلمة في الشعر العربي الأصيل أو ترتل في القرآن الكريم، حتى نجد أن خصائص الحروف ومعانيها هي التي تتحكم بموسيقاها طواعية ذوقٍ أدبي رفيع بلا قسر ولا تصنع. (اعجاز القرآن - مصطفى صادق الرافعي ص214-215-218).
ولا غرو، فالشعراء هم الذين (موسقوا) الكلمة العربية طوال المراحل الرعوية بإنشادها في أهازيجهم وقصائدهم، فشحنوا أحرفها بشتى الأحاسبس والانفعالات لتتحول الكلمة العربية بذلك إلى تفعيلة (مموسقة) جاهزة للدخول في شتى الأوزان ومهيأة للتداول في شتى القوافي للتعبير عن شتى المعاني بلا موسقة مصطنعة. (الحرف العربي والشخصية العربية) ص98-100.
ولعل أغرب ما يميز العربية من سواها أنها ظلت على الفصحى بلا عامية حتى الإسلام، وإلى ما بعد أن شاع اختلاط أبنائها بمختلف الشعوب. فلقد أجمع علماء اللغة على استحالة وجود فصحى بلا عامية (في فلسفة اللغة ص223). ظاهرة (لغوية واجتماعية) متميزة في اللسان العربي.
القضية الثانية- حول موقع دراساتي من النظريات اللغوية ومدارسها:
لدراساتي منها موقعان رئيسان اثنان. أولهما يتعلق بأصول اللغة، والثاني بالمدارس اللغوية.
أولاً-حول أصول اللغة ونشأتها:
يمكن إجمال النظريات التي تناولت هذه المسألة في فئات أربع.
1-النظرية التوقيفية: تقول إن أصل اللغة (توقيف) أي وحي إلهي. ومن أبرز القائلين بها:
(هيروقليطس دويلاند) الغربيان و(ابن فارس) العربي.
2-النظرية التوفيقية: تقول بالتوفيق بين التوقيف والاصطلاح بمعنى أن الإله قد أقدر الإنسان على أن يصطلح الكلمات تعبيراً عن معانيه. ومن أصحابها (أبو علي الفارسي) ولكن هاتين النظريتين لم تصمدا أمام نقادهما للجانب الغيبي فيهما.
3-النظرية الاصطلاحية: تقول أن أصل اللغة هو الاصطلاح والتواضع. أي أن الأسماء هي مصطلحات قد تواضع الناس على معانيها. فنظم الحروف كما قال (الجرجاني) هو "تواليها في النطق فقط فليس نظمها لمقتضى من معنى". (دلائل الإعجاز ص32). والكلمة كما قال (سوسور): (ليست إلا إشارة، وأن معناها اعتباطي صرف) (تاريخ علم اللغات ص138) لجورج مونين.
وممن قال بها من العرب: (الغزالي- ابن خلدون- عبد القادر الجرجاني- أبو هلال العسكري) وكذلك معظم دكاترة اللغة المعاصرين ومنهم: د.صبحي الصالح في كتابه (دراسة في فقه اللغة) محمد المبارك في كتابه (فقه اللغة) د.فايز الداية في كتابه (علم الدلالة العربي).. د. حنفي ابن عيسى في كتابه (محاضرات في علم النفس اللغوي..) د.جعفر دك الباب. في كتابه (دلائل الإعجاز)- وغير صحيح ما قالوه بصدد العربية.
وممن قال بها من الغرب: ديموقريطس - هوموجيس. أرسطو- القديس توماس -باكون - روسو - كوندياك- ديكارت- هوبيز- سبينوزا-لوك -ليبنتز- سوسور، وأصحاب الفلسفة المظهرية الحديثة وكذلك المعاصرون من علماء اللغة وفلاسفتها وصحيح ما قالوه بصدد لغاتهم.
4- النظرية الفطرية -تقول: إن أصل اللغة فطري، ومما جاء على ألسنة أصحابها أن اللفظة قد اقتبست من الطبيعة بالمحاكاة، وأن الألفاظ بدأت بتقليد الأصوات في الطبيعة، وأن ثمة علاقة ذاتية بين الفكر والكلمة. وهكذا إلى المزيد من التعاريف التي يمكن ضمها تحت لواء المدرسة الواقعية القائلة "اللغة جزء من الواقع الطبيعي" (المرجع السابق ص15).
فممن قال بها من العرب: ابن جني -الفراهيدي وتلميذه سيبويه- ابن سينا- عبّاد ابن سليمان الضيمري الكرملي. محمد فارس الشدياق في كتابه (سهر الليال في القلب والابدال). العلايلي في كتابه (مقدمة اللغة العربية) الأرسوزي في مؤلفاته جميعاً. عبد الحق فاضل في كتابه مغامرات لغوية. وصحيح ما قالوه.
وممن قال بها من الغرب: أفلاطون. القديس أوغسطنوس- القديس غريغوريوس- ديولاند- همبولدت دونيس سكوت- فيكو وكذلك الشعراء الرمزيون كما أسلفنا وغير صحيح ما قالوه.
ملاحظة: إن جميع الأسماء الواردة آنفاً قد أخذت من المراجع أعلاه.
ولكن ما هو موقع دراساتي من هذه الفئات الأربع:
1-النظرية التوقيفيه: إن اللغة بحكم (كونيتها) المناخية، فإن نشأتها فيما أرى تتماس مع هذه النظرية (الحرف العربي والشخصية العربية ص262).
2-النظرية التوفيقية: هي مزيج من التوقيفي والاصطلاحي. وهي تتماس أيضاً مع محصلة دراساتي كما سيأتي في الفقرة التالية:
3-النظرية الاصطلاحية: إن اللغة العربية بحكم عراقتها التاريخية كان من المحال على أبنائها أن يلتزموا في ابداع جميع مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها بالخصائص الفطرية للحروف العربية إذ لم يكن ثمة من رقيب عليهم في ذلك إلا الذوق الفطري السليم الذي كان يتمتع به هزاجها وفصحاؤها وشعراؤها. وكان من المحال أن يبسطوا سلطانهم على كافة الأذهان والأسماع والأذواق المبعثرة في قبائل رعوية مشردة، كان الكثير منها على احتكاك بالشعوب الشقيقة حول أطراف الجزيرة العربية، وذلك على الرغم من تشدد العلماء الذين قاموا بتدوين اللغة العربية منذ منتصف القرن الثاني الهجري، فلم يأخذوا إلا عن القبائل التي قدروا أنها لم تحتك بالشعوب الأخرى، وهي لم تتجاوز السبع من العشرات.
وإذن فإن المعاني (المعجمية) للمفردات التي لا تتوافق مع خصائص ومعاني حروفها هي بالضرورة مصطلحات قد تواضع الناس على معانيها وأصول استعمالاتها، وفيها الدخيل وغير الدخيل على قلتها.
وبذلك تكون دراساتي قد احتوت نظريات الفئات الثلاث:
4-النظرية الفطرية: إن دراساتي اللغوية تنتمي أصلاً إلى هذه النظرية. ولكنها قد تميزت من مدارسها أول ما تميزت بمنطلقها الفلسفي الجديد - "التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية". فقد أخذ بي هذا المنطق قسراً عني، كما عرضت في المقدمة، إلى تقصي خصائص كل حرف عربي في شتى مواقعه بحثاً عن شتى معانيه، وذلك للتثبّت من مدى توافقهما مع مقولتي العتيدة. نهج جديد في التقصي الشامل عن معاني الحروف العربية لم يتبعه أي من أصحاب هذه المدرسة حتى الآن.
وبذلك تكون دراساتي قد تميزت من دراسات أصحاب هذه النظرية: بمنطلقها ونهجها وأسسها، وبشمولية جوانبها (التاريخية، والطبيعية، والاجتماعية، والصوتية، والنفسية) وما إليها.
فكان لا بد أن تأتي بنتائج جديدة، قد ألمحت إلى أهمها في المقدمة، وسيجد القارئ في متن هذه الدراسة المزيد منها في كل حرف.
ثانياً- ماذا عن المدارس اللغوية الأخرى؟ وما هو موقع دراساتي منها:
هل كانت منطلقاتها جميعاً فطرية أصيلة؟ وهل وفق أصحابها في اختيار لغاتهم موضعاً للتطبيق عليها؟ أما من حيث منطلقاتهم (التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية أو الصوتية...) وما إليها فهي بحكم طبيعتها أصيلة وفطرية.
وأما موضع تطبيقها، فهو نقطة الضعف الرئيسة فيها جميعاً، على الرغم من المكاسب المعرفية الهامة التي حققتها في شتى القطاعات التي تناولتها من لغوية ونفسية وصوتية واجتماعية وتاريخية وما إليها.
فكل مدرسة لغوية منها كانت تصل بالضرورة في تقصياتها الخاصة إلى إشكالات معينة، قد تعذر على أصحابها تجاوزها أو الإجابة عما أثير حولها من تساؤلات وشكوك.
فهل يعقل مثلاً أن يستطيع أصحاب المدرسة اللغوية (التاريخية) الصعود إلى أصل اللغة الإنسانية أو أن تستطيع المدارس (النفسية أو الصوتية الوظيفية، أو الاجتماعية) أن تصل إلى نتائج حاسمة باعتماد لغات قد تخلت منذ القدم عن أصول نشأتها الفطرية في (الطبيعة والحس والنفس والمجتمع)، وذلك لهجرها الأوطان التي نشأت وترعرعت في ربوعها، فاحتكت في مهجرها بلغات وشعوب أخرى، على مثال ما وقع للغات الهندية الأوروبية والأكادية (البابلية- الأشورية) انظر فقه اللغة. د.علي عبد الواحد وافي ص(25-27) مما أفسح المجال للفكر أن يتحكم اعتباطاً بمعاني كلماتها وقواعد صرفها ونحوها بعيداً عن العوامل الفطرية الأساسية في نشأة اللغة الإنسانية.
وهكذا كان علماء اللغة اللاحقون وفلاسفتها ينتقلون من نظرية إلى أخرى، ومن مدرسة إلى مدرسة، منذ هيروقليطس قبل الفين وخمسمئة عام حتى انتهت هذه السلسلة إلى مدرسة (علم اللغة العام) المعاصرة التي طوت تحت لوائها جميع المنطلقات السابقة. وما أحسب أن صاحبها (سوسور) وتلاميذه سيصلون إلى نتائج حاسمة مادام اختيارهم سيقع على لغات غير فطرية.
أما اللغة العربية فهي بحكم نشأتها الفطرية وأصالة الإنسان الذي أبدعها في بيئة واحدة مستقلة ومنعزلة هي (الجزيرة العربية)، خلال مراحل غابية، ثم زراعية، ثم رعوية شعرية. مما أعطى المجال للنزعة الشعرية (الجمالية- الإنسانية) للاستمرار في تحكمها بمعاني مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها. وهكذا قد حافظت العربية حتى الآن على أصالتها وفطرتها بفعل هزاج الجاهلية وشعرائها وفصائحها ورعاية القرآن الكريم لها.
ولذلك، فإن العربية بأصالتها الفطرية هي أصلح موضع لتطبيق جميع النظريات اللغوية للتثبت من صحة منطلقاتها، وللإجابة أيضاً عن جميع التساؤلات والإشكالات التي اعترضتها في اللغات الأجنبية، وظلت حتى الآن بلا إجابات ولا حلول صحيحة.
فدراساتي اللغوية هذه قد تداخلت مع منطلقات المدارس اللغوية جميعاً عفو تقصياتي الخاصة عن الروابط الفطرية بين القيم (الجمالية والإنسانية) في خصائص الحروف العربية ومعانيها.
ومرد هذا التداخل أن الحروف العربية (بخصائصها ومعانيها) مشحونة بشتى الأحاسيس والمشاعر الإنسانية مما جعل الكلمة العربية بهذه الطاقة الذاتية ( تشخص) الأحداث والمسميات والحالات الوجدانية، في مخيلات سامعيها وأذهانهم وفقاً لمقولة ابن جني:
"سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
وهكذا قد تداخلت دراستي أول ما تداخلت من علوم اللغة مع أصول علم (الدلالة) وعلم (الأصوات الوظيفي) وذلك من حيث القدرة الدلالية والتعبيرية للحرف في الكلمة العربية عن (المعنى المقصود والغرض المراد). كما تداخلت مع أصول علم اللغة (التاريخي) بمعرض الكشف عن فطرية اللغة العربية وأصالة الإنسان العربي وريادة الجزيرة العربية في الشؤون الحضارية، كما جاء في الفصل الثالث من دراساتي "الحرف العربي والشخصية العربية". تحت عنوان "الجزيرة العربية مهد الإنسان العربي وحضارته".
وكما تداخلت مع أصول علم اللغة "النفسي" بالكشف عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية، وكذلك بالمطابقة بين (شخصيتي) الحرف العربي والإنسان العربي في مكوناتهما- (الحيوية والاجتماعية والثقافية) كما جاء في الفصلين الرابع والخامس من المرجع السابق.
كما تداخلت دراستي (خصائص الحروف...) بخاصة مع علم اللغة (الاجتماعي) بالكشف عن الوظائف الاجتماعية للحروف العربية بمعرض التعبير عن معاني المفردات معجمياً، وعن أصول كثير من قواعد صرف العربية ونحوها، بما يتوافق مع تقاليد المجتمع العربي (الذكورية والأنثوية) ومع عاداته الرعوية، كما جاء في دراسة أحرف (ث-ذ-ش-ل-ف-م) وغيرها.
وما أحسب أن أي مدرسة لغوية أخرى غير ما ذكرت آنفاً أو أي مدرسة جديدة مقبلة إلاّ وستجد لها في دراساتي عن الحرف العربي وخصائصه ما يتداخل أو يتماس مع مبادئها وأصولها. فكل مدرسة لغوية تهدف إلى الكشف عن الخصائص الفطرية (الطبيعية أو الإنسانية) في أي جانب من جوانب اللغة الإنسانية، لا بد أن تجد لمنطلقاتها وأسسها تطبيقات صحيحة على الفصحى العربية التي استوفت شروط فطرتها.
الخاتمة
إن كل ما جاء من المستجدات (التاريخية والطبيعية والاجتماعية والحسية والنفسية والصوتية..) وما إليها مما عرضته في المقدمة يعتبر إضافة جديدة على النظريات اللغوية العربية، وليس توسعاً فيها. وذلك بحكم اعتمادي منطلقاً فكرياً جديداً هو: "التوافق بين القيم الجمالية والإنسانية) وتطبيقه على اللغة العربية الفطرية.
وهكذا فإن هذه المستجدات عن الحرف العربي، فيما أرى، تفتح آفاقاً جديدة أمام النظريات اللغوية العربية والغربية بخاصة، وذلك لحل المشكلات التي واجهتها وظلت بلا حلول، ولكن شريطة اعتماد اللغة العربية حصراً.
فكما أن الآثار التي اكتشفها علماء الغرب في أودية الفرات والنيل وربوع بلاد الشام، قد فتحت آفاقاً معرفية إنسانية جديدة أمام الثقافة الغربية الحديثة، فإن الحرف العربي ذا النشأة الفطرية صالح فيما أرى لأن يفتح مثل تلك الآفاق في قطاع نظرياتهم اللغوية.
ويحزنني أن أقول:
ما أحسب أن خصائص الحروف العربية ومعانيها ستأخذ مختلف أبعادها، ما لم يلتفت إليها علماء اللغة في الغرب والشرق، على غرار ما فعل علماء آثارهم في آثارنا.
ولكن، هل سيسمح لهم بذلك المعنيون بغزونا الثقافي المضاد؟















الباب الأول
العلاقات الفطرية بين الحروف العربية
والحواس والمشاعر الإنسانية.




الفصل الأول
في تصنيف الحواس.

تمهيد:
لقد سبق أن تحدثت في الدراسة الأولى (الحرف العربي والشخصية العربية) بشيء من التفصيل عن الجذور(الغابية والزراعية والرعوية) في أصوات الحروف العربية وقد اعتمد العربي في تلك المراحل ثلاث طرق متباينة للتعبير عن حاجاته ومعانيه. كل واحدة منها تتوافق في رقيها مع مستويات الإنسان العربي في كل مرحلة منها: تخلفاً لتخلف، وتطوراً لتطور. (وأنصح أن يعود القارئ إلى هذا البحث في الدراسة الأولى ص(131) وما بعدها).
فماذا عن تلك المراحل الثلاث؟.
1-في المرحلة الغابية:
كان أبناء الجزيرة العربية يعتمدون في هذه المرحلة التي امتدت حتى الألف(12) ق.م الأصوات الهيجانية والحركات العفوية للتعبير عن حاجاتهم المحدودة. وهذه الطريقة هي ألصق الطرق ببدائيتهم. قد ورثنا عنها يقينا أحرف (الهمزة والألف والواو والياء).
2-في المرحلة الزراعية:
قد اعتمد أبناء الجزيرة العربية في هذه المرحلة التي امتدت من الألف(12) حتى الألف(9)ق.م كيفية النطق ببعض أصوات الحروف العربية للتعبير (إيماء وتمثيلاً) عن حاجاتهم ومعانيهم. قد ورثنا عنها أحرف (الفاء واللام والميم والثاء والذال) بترجيح شديد.
3-في المرحلة الرعوية:
لقد اعتمد العربي في هذه المرحلة التي امتدت منذ الألف (9)ق.م حتى العصور الجاهلية الأولى صدى أصوات الحروف العربية في النفس للتعبير(إيحاء) عن شتى الحاجات والمعاني. وهذه الطريقة هي أرقى ما وصلت إليه الإنسانية في دنيا التواصل اللغوي، فلم يعد لها مثيل في أي من لغات العالم. قد ورثنا عنها باقي الحروف. ولاعبرة لاحتمال انتماء أصول بعضها إلى الغابية أو الزراعية كما في الحروف (ب-د-ت-ش-خ.......) مادامت لم تستوف خصائصها الإيحائية وشروطها الثقافية إلا في المرحلة الرعوية. ونظراً لأن تراثنا اللغوي قد أُبدِع خلال المرحلة الرعوية على شفق الشعر وفي ضوء الخصائص(الإيحائية)، فقد غابت الخصائص (الإيمائية التمثيلية) للأحرف الزراعية حتى عن القائلين بفطرية اللغة العربية من علمائها. كما غامت عليهم الخصائص (الهيجانية) للحروف(الغابية)، فلم ينتبه إليها إلا قلة قليلة منهم في لمح عابرة، وبقليل من الدقة أغلب الأحيان.
وهذه الطريقة (الإيحائية) لم يتوصل إليها الإنسان العربي في المرحلة الرعوية إلاّ بعد أن بلغ مستوى ذهنياً متميزاً في رقيه الاجتماعي والثقافي ولاسيما الفني، وبعد معاناة طويلة مع أصوات الحروف ومعانيها، وتحت رقابة مقولة (لافن بلاأخلاق، ولا أخلاق بلا فن) دامت آلاف الأعوام(انظر مقدمة الدراسة).
ولذلك فإن استنباط معاني اللفظة العربية من صدى أصوات أحرفها في النفس يتطلب منا نحن بالمقابل مستوى مماثلاً في الرقي ولاسيما في الملكة الفنية (الذوقية)، وطول معاناة مع أصوات الحروف ومعانيها. وقلّما يتوافر ذلك لغير نفرٍ من هواة اللغة العربية ، من مريدين وأساتذة، ممن يتحلون برهافة الأحاسيس، وشفافية المشاعر، على كثير من الصبر الجميل .
فخاصية الشدّة في صوت (الدال) مثلاً، وخاصّية التحرك والترجيع والتكرار في صوت (الراء)، وخاصيّة الانبثاق والنفاذ والصميمية في صوت (النون)، وخاصيّة الاهتزاز والاضطراب والتشويه في صوت (الهاء) ، وخاصية الصلابة والصقّل والصفاء في صوت (الصاد)، وما إلى ذلك من خصائص أصوات الحروف، لا يستطيع القارئ أن يعيها ، ولا أنْ يعيَ العلاقة بينها وبين معاني الألفاظ التي تشارك في تراكيبها، إلاّ بعد تأمل هادئ عميق ومعاناة طويلة.
ولعلّ بعضاً من دكاترة اللغة العربية من خريجي المعاهد الغربية قد استعظموا على الإنسان العربي، الضارب في مجاهل الأرض والتاريخ أن يبلغ ذلك المستوى الثقافي الرفيع في صناعة الأصوات للتعبير عن معانيه بهذه الطريقة الأسطورية ، خلافاً لما هو واقع الحال في اللغات الغربية الراقية وما استقر عليه آراء علمائها.
فلقد أنكر محمد المبارك خريج معهد السربون في باريس على الحرف العربي خصائصه الإيحائية بضعة عشر عاماً أمضاها في تدريس اللغة العربية والتأليف فيها، قبل أن يعترف بذلك صراحة كما جاء في كتابه ( خصائص العربية (ص260-263).
على أن أصحاب المدرسة اللغوية القديمة القائلين بفطرية اللغة العربية، وما يستتبع ذلك من أنّ أصوات الحروف في اللفظة العربية توحي بمعناها، لم يدعموا رأيهم هذا بالبراهين الإحصائية القاطعة على وجود علاقة إيحائية بين أصوات الحروف العربية ومختلف الأحاسيس والمشاعر الإنسانية.
فإذا كانت معاني الألفاظ تتردد بداهة بين ما يدل على ملموسات وذوقيات وشميات وبصريات وسمعيات ومشاعر إنسانية ، فإنه لابد لأصوات الحروف أن توحي إذن بمختلف الأحاسيس الحسية والمشاعر الإنسانية. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن صوت الحرف في اللفظة العربية يصبح رمزاً على معنى، لتتحوّل اللفظة العربية بذلك إلى مجرد مصطلح على معنى كما يدّعي أصحاب المدرسة اللغوية الاصطلاحية. أما إذا كانت أصوات الحروف العربية صالحة فعلا للإيحاء بمختلف الأحاسيس الحسية (لمس-ذوق- شم- بصريات-سمعيات)، وبمختلف المشاعر الإنسانية، فإن الأصوات نفسها لابد أن تكون صالحة أيضاً للإيحاء بالأحاسيس الحسية والمشاعر الإنسانية. فالحروف العربية قبل أن تنتمي إلى القطاع اللغوي تنتمي أصلاً إلى القطاع الصوتي.
وإذن، لابد أن يكون ثمة نظام فطري معين يحكم العلاقات الكائنة بين الحواس الخمس لمسيّها وذوقيّها وشميها وبصَرَيّها وسمعيّها.
ولقد جهدت طويلا في الكشف عن هذا النظام الذي يعتبر الحجر الأساس في وجهة نظري هذه حول خصائص أصوات الحروف العربية الإيحائية، فخصصت له هذا الفصل.
وكيما يتابع القارئ بشيء من السهولة هذه الدراسة في الأبواب والفصول التالية، لابدّ له أن يستوعب أولا كل ما جاء في هذا الفصل من أسس يزوّد بها ذاكرته ومخيلته لمواجهة ماسيعترضه من مسائل جديدة غير مطروقة.
حول خصائص الحواس:
الحواس الخمس كما هو معروف عنها، إنما هي أجهزة توصيل فيزيائية وكيمائية تنقل إلى المراكز الحسية في الدماغ عبر خلاياها الحسية والعصبية، مختلف الأحاسيس التي تتلقاها من العالم الخارجي، فلكل حادثٍ إحساسٌ معين.
ولكنّ هذه الأحاسيس التي تتلقاها الحواس، هل هي مغلقة على ذاتها ضمن خلاياها ومراكزها الحسية في القشرة الدماغية، فلا تتأثر حاسة من الحواس بأحاسيس حاسةٍ أخرى؟.
أم إنَّ الأمر غير ذلك؟.
إن الحواس الخمس في الحقيقة ليست مجرد أجهزة توصيل سلبية تقتصر وظائفها على تلقي التنبيهات الخارجية فحسب، وإنما هي أجهزة (تحويل) إيجابية أيضاً قد تؤثر الحاسة الواحدة منها وتتأثر بأحاسيس غيرها من الحواس.
بمعنى أن الحاسة (آ) تستطيع أن تنبه حاسة ثانية (ب) فتثير في هذه الحاسة الأخيرة أحاسيسها الخاصة، دون أن تتلقى الحاسة(ب) عن العالم الخارجي أي إحساس آخر.
فلو نظرنا مثلا بالعين (الحاسة أ) إلى ظهر قنفذ، لتملكتنا قشعريرة الإحساس بوخز إبره ولو لم تلمسها أناملنا (الحاسة.ب) وهكذا تستطيع حاسة العين أن تثير في حاسة اللمس مختلف الأحاسيس اللمسية، دون أن تتلقى حاسة اللمس من العالم الخارجي أي منبه محسوس سوى الصور المرئية التي تتلقاها العين (الحاسة آ)
ولكن هذا التداخل في الآحاسيس هل هو عشوائي شخصي المزاج؟.
أم إنه محكوم بنظام فطري خاص.؟.
لقد اهتديت إلى هذا النظام بمعرض البحث عن العلاقات المتبادلة بين الفن والأخلاق في قطاع الحواس الخمس.
وهذا النظام مبنيّ أصلاً على تدرج الحواس في الرقي بحسب تجردها عن المادة، أي تبعا لشفافيتها. فالحاسة الأرقى أي الأكثر شفافية، تستطيع أن تؤثر في الحواس الأدنى الأكثر كثافة والتصاقا بالمادة، فحاسة السمع التي هي في قمة الحواس رقيا وشفافية، تستطيع أن تؤثر فيما دونها من الحواس، بمعنى أن الأصوات يمكنها أن تنبه فينا وتوحي لنا بأحاسيس مختلف الحواس.
وهذا النظام الفطري الذي يضبط العلاقات المتبادلة بين الحواس الخمس من حيث خصائصها المادية والإيحائية يمكن تلخيصه في تصنيفين اثنين:
التصنيف الأول:
الحواس الخمس كأدوات حسية يمكن تصنيفها في هرم حسّيّ سويّ بحسب ماديتها، أي تبعاً لمدى تماس الحاسة مع المنبهات الحسية التي تتعامل معها.
منطقة المشاعر الإنسانية


حاسة السمع حاسة السمع
حاسة البصر حاسة البصر
حاسة الشم حاسة الشم
حاسة الذوق حاسة الذوق
حاسة اللمس حاسة اللمس

الشكل رقم(1)
1-يبدأ هذا الهرم الحسي السوي بحاسة اللمس قاعدة للحواس. فهذه الحاسة هي أشد الحواس مادية وألصقها بالمادة. ذلك لأنَّه لابد لها أنْ تتماس مباشرة مع الأشياء المادية كيما تستطيع أن تكشف عن مختلف خصائصها المادية (حرارة ، برودة، خشونة، نعومة، رطوبة، لزوجة....الخ)
2-ثم تأتي بعدها في الطبقة التالية حاسة الذوق، وهي أقل مادية من حاسة اللمس، فلا تتفاعل إلا مع خصائص الأشياء الذوقية القابلة للانحلال في اللعاب(حلاوة، ملوحة، حموضة، مرارة...الخ).
3-ثم تأتي حاسة الشم أقل مادية من سابقتيها وأكثر تجردا عن المادة، فهي لا تتفاعل إلا مع الجزيئات المنبعثة عن الأشياء (مختلف الروائح).
4-ثم تآتي حاسة النظر، فلا تتفاعل ولا تتعامل إلا مع الصور المعكوسة عن الأشياء المادية. وهكذا تختص هذه الحاسة بإدراك الألوان والسطوح والحجوم والحركات. لتكون حاسة النظر بذلك مكانية صرفة وفي تجرد تام عن المادة.
5-ثم تأتي أخيراً حاسة السمع في ذروة الهرم الحسي، لا تدرك شيئاً عن خصائص الأشياء المادية إلا من خلال الأصوات المنبعثة عنها. والأصوات هي فعاليات صرفة تخرج من عالم المكان لتدخل في عالم الزمان كوحدات صوتية. وهكذا لاتسطيع حاسة السمع أن تدرك المكان إلا من خلال الزمن، لتكون حاسة السمع بذلك زمانية صرفة، وتجرداً تاماً عن المادة والمكان. إنها تجسيد للشفافية، إذا صح التعبير.
لنخلص من هذا التصنيف إلى أن الحواس الخمس موزعة بين المادة (لمس. ذوق. شم) والمكان (نظر)، والزمان (سمع)، في هرم متدرج سوي،قاعدته حاسة اللمس وذروته حاسة السمع. انظر الشكل (1).

التصنيف الثاني:
أما الحواس الخمس، بمعرض الإيحاء بأحاسيسها، أي من حيث تأثير بعضها في بعضها الآخر، فيمكن تصنيفها في هرم حسي منكوس، ذروته في الأسفل، وقاعدته إلى الأعلى. وذلك لتظل الحواس مع هذا الوضع الجديد في الهرم المنكوس على ترتيبها السابق:
منطقة المشاعر الإنسانية


حاسة السمع حاسة السمع
حاسة البصر حاسة البصر
حاسة الشم حاسة الشم
حاسة الذوق حاسة الذوق
حاسة اللمس حاسة اللمس

الشكل رقم (2)
1-فحاسة اللمس تبدأ بالذروة المنكوسة من الهرم، وهي لاتنقل إلينا من خصائص الأشياء إلاّ الأحاسيس اللمسية. فملامس الأشياء لا توحي بطعمها أو رائحتها أو لونها أو صوتها. وهكذا فإن حاسة اللمس مغلقة على ذاتها كما الذروة المنكوسة من الهرم، وكما الغريزة الجنسية: عمى عن أي إحساس آخر أو شعور.
2-ثم تأتي فوقها حاسة الذوق، لكل مذاق إحساس لمسي معين. ففي طعم الحلاوة مثلا، نعومة ودفء، وفي الحموضة صلابة وبرودة، وفي البهارات خشونة وحرارة.....على أن المذاقات لاتتوضح على حقيقتها إذا لم تشترك معها حاسة الشم كما في حالة الزكام، إلاّ أن حاسة الذوق لا تستطيع الإيحاء بأي رائحة أو لون أو صوت.
3-ثم تأتي حاسة الشم. لكل رائحة إيحاء بإحساس لمسي ومذاق . ففي الروائح العطرية مثلا، ملامس بين الحرير والمخمل نعومةً، ومذاقات بين طعم العسل ومنوع الفواكه، وفي الروائح الأخرى ملامس من الجفاف والخشونة والوخز والحرارة والبرودة، ومذاقات من الملوحة والحموضة والمرارة والدسم وما بينها، مما لا يحصى من الملامس والمذاقات. على أن الروائح لا توحي بأي لون أو صوت.
4-ثم تأتي حاسة النظر، فتوحي الألوان والخطوط بمختلف الأحاسيس اللمسية والذوقية والشمية. على أن حاسة النظر إذا كانت لاتنبئنا على واقع التجربة ببعض ملامس الأشياء ومذاقاتها وروائحها إذا لم تدخل في نطاق تجاربنا السابقة عن طريق الذاكرة، فإن الألوان والظلال والأشكال لها في الحقيقة إيحاءات لمسية وذوقية وشمية، وإن لم تتطابق مع واقع هذه الأحاسيس نفسها. فيكفينا من لوحات عباقرة الرسامين أن توحي للعين بمختلف الملامس والمذاقات والروائح، إذا ما تمازجت ألوانها وظلالها وخطوطها على أيديهم، ولا روائح، ولا مذاقات ولا ملامس إلاّ أحاسيسهم يصبونها في لوحات. لتقف ريشة الفنان عند هذا السقف ، فلا تستطيع ألوانه وخطوطه وظلاله أن توحي بالأصوات، مالم تتدخل الذاكرة بصورة غير مباشرة عن طريق التداعي : (صورة عاصفة وضجيجها، جدول ماء وخريره).
5-وأخيراً تأتي حاسة السمع في القاعدة المقلوبة إلى أعلى، ملتقى لجميع الأحاسيس. بعض الأصوات يوحي بأحاسيس لمسية معينة. وبعضها الآخر يوحي بأحاسيس ذوقية أو سمعية أو بصرية، ولكن ما أن تتداخل الأصوات الموسيقية وتتماوج على يد فنان عبقري، حتى تستطيع الأذن المرهفة الحس المدربة، أن تستوحي من الأعزوفة مختلف الأحاسيس والمشاعر الإنسانية التي خطرت في ذهن مبدعها الفنان. ولو لم تكن الأصوات الموسيقية أوعية زمنية معبأة بمختلف الأحاسيس والمشاعر، لكانت شيئاً لا يطاق من آليّ الاهتزازات والانعكاسات، لاحياة فيها ولانماء ولا إحساس انظر الشكل (2).
لنخلص من هذا التصنيف إلى أن الأحاسيس اللمسية كامنة في الحواس جميعا، تشدها إلى الأرض وتربطها بالأحاسيس المادية. كما أن حاسة السمع تستوعب أحاسيس جميع الحواس، كناية عن قدرة الزمان على تجاوز المادة والمكان استيعابا لهما وفيضا عليهما. ومن هنا كان الزمان من حيث وعينا له يتصف بالوحدة والعمق. تكثيفا لمختلف الأحاسيس والانفعالات في وحدات من الأصوات. بينما يتصف المكان بالتشتت والبعد: توزيعا لمختلف الأحاسيس على مختلف الحواس في صور مادية محسوسة.
وهكذا تتداخل الأحاسيس مع المشاعر الإنسانية عن طريق التجربة والمعاناة من خلال معانيهما:









الفصل الثاني:
أصوات الحروف العربية وإيحاءاتها الحسية والشعورية

بيني وبين علماء اللغة .
على الرغم من أن علماء اللغة الذين قالوا إنَّ لغتنا مأخوذة مباشرة عن الطبيعة، وأصّلوا على ذلك، أنّ معنى اللفظة مستفاض عن صورتها الصوتية، فإن أحدا منهم لم يربط يبن أصوات الحروف وبين الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية.
ولئن كان بعضهم قد أسند إلى أصوات الحروف بعض الإيحاءات اللمسية والبصرية والصوتية، فإن أحدا منهم لم يسند إليها أيّ إيحاء بإحساس ذوقي أو شمي.وباستثناء الأرسوزي، فإن أحداً منهم لم يسند إليها أيّ إيحاء بمشاعر إنسانية. وهذا يعني كما سبق وألمحنا إلى ذلك، أن جميع الألفاظ الدالة على أحاسيس ذوقية وشمية ومشاعر إنسانية، إنما هي مصطلحات على معان. الأمر الذي يتناقض صراحة مع ما ذهبوا إليه من أن لغتنا مأخوذة عن الطبيعة ماديها وإنسانيها، وأنّ معاني الألفاظ هي محصلة موحيات أصوات حروفها.
لذلك، وقبل أن أتحدث عن الإيحاءات الحسية والشعورية في أصوات الحروف العربية، أرى من المفيد أن أتحدث أولا عن مسألة الاستيحاء، مادامت هذه المسألة هي مرتكز هذه الدراسة.
1-فما الاستيحاء؟
الاستيحاء هو عملية نفسية من اختصاص المشاعر الإنسانية. وعلى الرغم من أنني عقدت فصلاً خاصاً عن الشعور في هذه الدراسة، فإني أرى من المفيد أن أتطرق منذ الآن بشيء من الإيجاز إلى دور الشعور في عملية استيحاء المعاني والتعبير عنها، ولو ببعض الأمثلة.تمهيد لابد منه لمتابعة الحديث عن إيحاءات أصوات الحروف العربية وخصائصها الحسية والشعورية.
فلو شاهدنا مثلا صديقاً حميماً يصارع منافساً له، وأطلقنا النّفس على سجيتها، إذن لصدرت عنا بصورة عفوية مختلف الحركات والأصوات التي تعبّر عن انفعالاتنا الشعورية عبر مواقف الصديق في مراحل صراعه، وكأنّ الأمر أصبح بيننا نحن وبين ذلك المنافس. هذه العملية الشعورية يسميها علم النفس، التقمص الشعوري، أو المشاركة الوجدانية، حيث يسقط الإنسان فيها مشاعره على الآخرين. ولو أردنا أن نعرّف أجنبياً لانفهم لغته ولا يفهم لغتنا، بشيء معين من الأشياء، لاضطررنا إلى تقمص مادة ذلك الشيء والاتحاد بها، لنستخلص منها خصائصها الذاتية من ملمس، أو مذاق، أو رائحة ، أو شكل، أو صوت، لنعبّر عنها للأجنبي بالحركات والأصوات الملائمة كيلا يخطئ في تشخيص الشيء المراد وتحديده. فهكذا تقمّص العربي الفجر أشياء العالم الخارجي وأحداثه على الطبيعة، ليعرّف أبناء مجتمعه بها بشتى الحركات والأصوات التي تعبّر عن خصائصها الحسية، فلا يخطئون بعد ذلك في معرفة معاني تلك الأصوات والحركات. لتسقط الحركات الجسدية عبر مراحل تطور اللغة ويستعاض عنها بنبرات أصوات الحروف إيحاء، أو بحركات أعضاء جهاز النطق تمثيلاً أثناء التلفظ بتلك الأصوات. لابل إن عملية التقمص الشعوري هذه ، لابد أن يمارسها كل فنان وشاعر وأديب كيما يستوحي من مواضيع تأمله مختلف الأحاسيس والمشاعر الأصيلة التي تتضمنها، ليعبر عنها بصدق، سواء في تماثيل أو لوحات أو قصائد أو ألحان. وهكذا كان العربي بحكم نشأته اللغوية الفطرية هذه ، أبرع شعراء العالم وأدبائه في وصف الطبيعة. فكان لكل من السيف والرمح والناقة والفرس والكلب والذئب والأسد والريح والغيم، وما إلى ذلك من مظاهر الطبيعة، عشرات وربما مئات الأوصاف، قد تحولت لصدق دلالتها عليها إلى أسماء. وهذا مصداق لنظرية العلاّمة (ريبو)، القائلة بأن الصفة هي أول ما ظهر في اللغة الإنسانية، ثم تلتها أسماء المعاني، وأسماء الذوات، ثم ظهرت الأفعال (علم اللغة للدكتور وافي ص113).
وإذن لقد أصبح من الممكن الآن، أن نتصور أن العربي في مراحله اللغوية المبكرة’ عندما شاهد جملاً مثلاً، قد أسقط عليه مشاعره (التقمص)، ليعبر عن أحاسيس الضخامة والارتفاع التي تركها في نفسه بالحركة المناسبة من يديه مع صوت معين فيه شيء من الضخامة والفلطحة، فكان له من ذلك صوت الجيم (الشامية لا القاهرية). لتسقط الحركات الجسدية مع تطور اللغة العربية، ويستعاض عنها بأصوات إضافية من الحروف.
وهكذا تقمّص العربي أوضاع الأشخاص والأشياء والحيوانات والأحداث الخارجية ليعبر عما أثارته في نفسه من أحاسيس ومشاعر إنسانية بأصوات الحروف الأبجدية. وهذا ما عناه ابن جني بعبارته الذكية (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث).
وإذن لقد اعتمد العربي شعوره للاهتداء إلى أصوات حروفه واستخلاص معانيها، استيحاء من العالم الخارجي بروح فنية خالصة، وليس بملكة (عقلية-هندسية).
2-ثم كيف أبدع العربي ألفاظه للتعبير عن معانيه؟.
بعد أن اهتدى العربي إلى أصوات حروفه ومعانيها، بقي على فطرته البدوية يتقمص الأشياء والأحداث لاستشفاف خصائصها الذاتية. وهكذا أخذ ينتقي الحروف التي تتلاءم إيحاءاتها الصوتية مع تلك الخصائص، ولكن وفق ترتيب معين يماثل تراكيب الأشياء، كما في كلمات (باب، بير، طبل) ، أو يماثل حركات الأشياء، كما في (رفرف، زلزل، لحس، بحث)، ليتحول المدرج الصوتي بذلك، من أول الحلق داخلاً حتى أخر الفم في الشفتين خارجاً إلى حلبة رقص. وهكذا يتحول الصوت ذاته إلى راقص ينتقل برشيق (أقدامه) على مخارج الحروف، إلى الأمام أو الوراء، إلى فوق أو تحت، وإلى اليمين أو ذات اليسار، ليصور الصوت بذلك الأشياء والأحداث بحركات إيمائية تمثيلية مسموعة غير منظورة. وهكذا تتحول اللفظة العربية إلى رقصة صوتية بارعة، لا توحي بمعناها الأصيل فحسب، وإنما تجسّده أيضاً، مما لا يقدر على ذلك راقص ولا ممثل أو فنان.
وهذا ما عناه ابن جني عندما أخذ يشرح قاعدته الذهبية: (تصاقب الألفاظ، لتصاقب المعاني).فالعربي بعد أن يختار الحروف التي تتوافق أصواتها مع الحدث الذي يريد التعبير عنه، يقوم بترتيبها في اللفظة على أساس أن يقدم الحرف الذي يضاهي (أي يماثل) أول الحدث، ويضع في وسطها ما يضاهي وسطه، ويؤخر ما يضاهي نهايته. وذلك (سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).كما عرض ذلك في مثال (بحث) في كتابه (الخصائص ج 2ص 162-163).
كما أعتمد ابن جني هذه القاعدة في تعليل الفرق بين (قدّ) طولاً ، و(قطّ) عرضا بقوله: (ذلك أن الطاء أخصر للصوت وأسرع قطعاً له من الدال. فجعلوا الطاء المناجزة (أي ذات المخرج الصوتي القريب من مخرج القاف)للقطع عرضاً. أما الدال المماطلة (أي ذات المخرج الصوتي البعيد عن مخرج القاف)، فقد جعلوها لما طال من الأثر، وهو قطعه طولا). (المرجع السابق ص158).
3-ولكن كيف نستوحي نحن معاني الحروف من أصواتها؟.
إذا كان العربي الفنان قد لجأ فعلاً إلى تقمص أشياء العالم الخارجي وأحداثه على وجه ما شرحناه للاهتداء إلى أصوات حروفه ومعانيها بوسيط من مشاعره، فإنه لابد لنا نحن أن نهتدي بالمقابل إلى معاني هذه الحروف بالذات فيما لو تأملنا صدى أصواتها في مشاعرنا، ولكن شريطة أن يتمتع ذلك العربي بأصالة فنية إبداعية، وأن نتمتع نحن بأصالة فنية تذوقية موازية. ومعاجم اللغة العربية هي المحكّم في هذه القضية.
وتأمّل صدى أصوات الحروف في المشاعر، إنّما هو عملية استبطان صريحة.
وإذن ما الاستبطان؟.
الاستبطان، كما يقرر علم النفس ، هو انعكاس الشعور على الشعور، إنه إحساس بالإحساس وتأمل باطني لما يجول في الذهن، (مبادئ علم النفس للدكتور يوسف مراد ص14).
وهكذا فالاستبطان هو استخدام الشعور كملكة وعي لادراك هذه الحالات الشعورية والأحاسيس التي تعتمل في نفوسنا.
وإذن ، فإن استيحاء معاني الحروف من أصواتها، إنما يتم عن طريق الاستبطان، وذلك بانعكاس شعورنا على المشاعر والأحاسيس التي تثيرها أصوات الحروف في نفوسنا. وهذا ما عناه الأرسوزي بعبارته: (صدى أصوات الحروف في وجداننا).
فلو تأملنا صدى صوت (الجيم) في نفسنا مثلاً، أي لو استبطناه، لاوحى لنا بالضخامة كإحساس بصري، وبشيء من الطراوة والحرارة كإحساس لمسي. وهذا ينسجم مع مايوحيه منظر الجمل وملمسه، لابل ورائحته الدسمه أيضاً. وهكذا أطلق العربي بالفعل لفظة (الجيم الشامية)، على الجمل الهائج. ولقد بدأت بهذا الحرف أسماء كثير من الحيوانات (الجاموس، الجحش، الجدي، الجرو، الجيأل للضبع، الجؤزر لولد البقرة الوحشية....).
وهناك أصوات حروف أكثر تعقيداً وأصعب استبطاناً من حرف (الجيم) مثل الصاد- الضاد- العين-الغين-الهاء....كما سنرى .
علماء اللغة وخصائص الحروف العربية:
لقد تبين مما تقدم أن استيحاء معاني الحروف العربية بالرجوع إلى خصائص أصواتها عن طريق الاستبطان، فيه الكثير من المشقة والمخاطرة. ولعل هذا السبب هو الذي جعل علماء اللغة يتجنبون هذه العملية الصوتية النفسية كمنهج لهم، وإن كان لامفر لهم من معاناتها، ولو في صور من رهافة السمع والتذوق الأدبي الرفيع.
ولقد نشرت لي مجلة المعرفة السورية في عددها(407) لشهر آب 1997 دراسة مطولة بعنوان ( فطرية العربية على موائد علمائها). عرضت فيها خلاصة ماجاء به خمسة من القائلين بفطريتها وهم :( ابن جني، وأحمد فارس الشدياق، وعبد الحق فاضل، والعلايلي، والارسوزي) .
وقد بينت فيها بعضاً من ايجابيات وسلبيات ما توصلوا إليه حول فطرية العربية وخصائص حروفها.
لذلك وحذر الأطالة اكتفي هنا بالحديث الموجز عن مناهج ثلاثة منهم للكشف عن بعض الثغرات فيها، ممايشير إلى صعوبة التعامل مع خصائص الحروف العربية ومعانيها، ومن ثم لمقارنتها مع نهجي الخاص بهذا الصدد. وهؤلاء الثلاثة هم (ابن جني-عبد الله العلايلي-زكي الارسوزي).
اولاً-حول منهج ابن جني: في كتابه الخصائص.
لقد لجأ ابن جني إلى استخلاص معاني الحروف العربية من معاني الألفاظ، بدلاً من الاتجاه مباشرة إلى تأمل صدى أصواتها منفردة في وجدانه. ولقد استهدى في ذلك تارة بقاعدته الذكية: (لا ينكر تصاقب الألفاظ، لتصاقب المعاني). أي تقارب الأصوات لتقارب المعاني. كما استهدى تارة أخرى بقاعدته الأذكى (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).. ومع ذلك لم ينج مع هاتين القاعدتين المستحدثتين من عمليات الاستبطان من التناقض حيناً بمعرض الكشف عن خصائص الحرف الواحد، ولامن الخطأ حيناً آخر في تعيين خصائص بعض الحروف ومعانيها.
فلقد ضرب ابن جني لتحديد معاني الحروف وخصائصها، الأمثلة التالية:
(القاف) فيه صلابة، وفي (الخاء) رخاوة. هذا صحيح. إلا أنه يعود فيقول:
(الحاء) فيه رقة، وفي (الخاء) غلظة. فقيل للماء القليل نضح بمعنى رشح، ونضخ للماء الغزير، بمعنى اشتد فورانه في ينبوعه. فكيف يجتمع في حرف (الخاء) خاصيتا الرخاوة والغلظة، وهما متناقضتان؟.
كما قال ابن جني أيضاً:
الهمزة في (أزّ) ، أقوى من (الهاء) في (هزّ).
وهنا اكتفى ابن جني بالكشف عن خاصية القوة الانفجارية في صوت (الهمزة)، وعن خاصية الضعف في صوت (الهاء) . وفي الحقيقة، إن صوت الهمزة يوحي بالبروز والنتوء، أكثر مما يوحي بالقوة، كما سوف نرى في دراستها. ولفظة (أزّ) معناها لغة (تحرك واضطرب)، وهما صورتان مرئيتان . والقوة في (أزّ) تعود إلى فعالية )(الزاي) المشددة، ليقتصر دور الهمزة على إظهار فعالية الزاي في صورة مرئية تشاهد بالعين. كما أن لفظة (هزالشي هزا)، بمعنى حركه بشيء من الشدة، مدينة بما في معناها من شدة للزاي المشددة، أما الهاء فهي للاضطرابات. وإذن فالشدة في كلتا اللفظتين تعود أصلا إلى (الزاي) المشددة، بفارق من أن الهمزة للظهور والبروز والهاء للاضطرابات والانفعالات النفسية. على أن شخصية الهاء من حيث تأثيرها في معاني الألفاظ التي تتصدرها، إنما هي على خفوت صوتها، أقوى بكثير من شخصية الهمزة في هذا المضمار، على الرغم من جهارة صوتها وانفجاريته، كما سوف نرى في الحديث عن الهمزة والهاء.
كما إن قيام ابن جني بتحديد معاني الحروف عن طريق المقارنة بين معاني الألفاظ أخذا بقاعدته (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني)، على وجه ماسبق ذكره، قد أوقعه في أخطاء كثيرة، كما في قوله:
العين في (عسف)، أخت الهمزة في (أسف)، وأضعف منها.
وسنرى أن العين حرف شعوري، والهمزة حرف بصرى، فأين الإخاء بينهما؟.
كما قال: الباء في (علب) أخت الميم في (علم). والدال في (قرد) أخت التاء في (قرت) والزاي في (علز) أخت الصاد في (علص). والسين والحاء في (سحل) أختا الصاد والهاء في (صهل) . الخصائص -الجزء الأول-ص145-160).
كل ذلك بمعنى تقارب معاني الحروف لتقارب مخارجها الصوتية ، وإن تفاوتت في القوة والشدة. وسوف نرى وكأنه لا علاقة ولاقربى معنوية بين هذه الحروف الإخوة أحياناً كثيرة، إلا كتلك التي كانت بين قابيل وهابيل.
ولو أن ابن جني تأمل صدى أصوات الحروف في نفسه لمعرفة خصائصها، لما وقع في هذه الأخطاء لمجرد تلك المصادفات من تقارب المعاني لتقارب الألفاظ في بعض الأحيان.
ثانياً-حول منهج العلايلي في كتابه: تهذيب المقدمة اللغوية
لقد حدد العلايلي معاني حروف الجدول الهجائي(بما تسمح به النصوص) دون أن يعتمد صدى أصواتها في نفسه. ولذلك غابت عن معاني حروف جدوله بصورة عامة خصائص أصواتها الحسية والشعورية كما سنرى. ونحن لانتهم العلايلي بالعجز عن استبطان أصوات الحروف، فلقد قرر مثلاً، أن (اللام) معناه الملاصقة والمساس، وذلك بمعرض تحليله لمعنى لفظة (جبل).(ص47من المقدمة). وهذا صحيح . ولكنه يعود فيقرر في جدول معاني حروفه: (إن اللام يدل على الانطباع بالشيء بعد تكلفة) المقدمة (ص64).
فأين معنى الملاصقة والمساس المستوحى من صوت اللام، من معنى الانطباع بالشيء بعد تكلفة المستخلص مما (سمحت به النصوص)؟.
ولعل العلايلي قد رأى أن اعتماد النصوص المحفوظة في استخراج معاني الحروف هو أقل شططا ومخاطرة وأسلم عاقبة من استخراج معانيها عن طريق صدى أصواتها في النفس. ولكن نهجه هذا هو أقل دقة وأكثر شططا كما سنرى في دراسة الحروف.
ثالثاً-حول منهج الارسوزي:
وهكذا كان الارسوزي هو الوحيد الذي اعتمد قاعدة صدى الاصوات في الوجدان لاستيحاء معاني الحروف. ولكنه وقف جل اهتمامه على استيحاء معاني الالفاظ العربية من صدى جملها الصوتية في نفسه، فلم يولِ الحروف العربية إلا القليل من عنايته منصرفاً إلى المقاطع الثنائية، وذلك على العكس مما فعل العلايلي الذي بدأ بالحروف العربية، ومنها انتقل إلى المقاطع كما مر معنا، ولذلك قد اقتصر الارسوزي على تحديد خصائص أحد عشر حرفاً فقط، وباقتضاب شديد كما سنرى.
حول المنهج الذي ابتعته في استيحاء معاني الحروف العربية:
لقد سبق أن بينت أنّ الحروف العربية كأصوات فطرية مقتبسة من الطبيعة (المادية أو الانسانية)، لابد أن توحي بمختلف الأحاسيس الحسية والمشاعر الإنسانية.
وإذن فإن منهجي يقوم على الاستبطان الشعوري لاستيحاء الخصائص الصوتية لكل حرف. خطوة أولى لابد منها للكشف عن معانيه. وهكذا يتلخص منهجي في مرحلتين اثنتين:
أ-المرحلة الأولى:
أقوم باستيحاء خصائص صوت كل حرف بتأملّ صداه في نفسي بعد تفخيمه، عودة به إلى طريقة النطق بصوته حين أبدعه العربي للتعبير عن معانيه. وذلك بأن أسلط عليه أحاسيس الحواس الخمس- ومختلف المشاعر الإنسانية، فأتحرى مختلف خصائصه الحسية، ثم الشعورية.
فإذا وجدت في صوته ما يوحي بإحساس لمسي، بحثت عن شتى لمسياته، من ليونة أو صلابة أو خشونة أو برودة أو حرارة..كما أنني أتبع هذا النهج بالذات لاستخلاص موحياته الذوقية والشمية والبصرية والسمعية والشعورية .
فإذا اقتصرت إيحاءات صوت حرف ما على اللمسي فقط، صنفته في فئة الحروف اللمسية، وإذا تجاوزت هذه الايحاءات حاسة اللمس فوقفت عند الحدود الذوقية أو الشمية أو البصرية أو السمعية ، صنفته في الطبقة العليا التي تنتهي عندها ايحاءاته صعوداً.
على أنني قد تخطيت هذه القاعدة مع بعض الحروف، فصنفت بعضها في الطبقة الأدنى وصنفت بعضها الآخر في الطبقة الأعلى لأسباب خاصة تتعلق بطبيعة الحرف أو ببعض خصائصه المتميزة، كما سيأتي .
وهكذا توصلت إلى توزيع الحروف العربية بين الحواس الخمس والمشاعر الانسانية، فكان لكل منها حرف أو أكثر عدا حاسة الشم التي لم تختص بحرف معين وإن كان ثمة أكثر من حرف يوحي صوته بأحاسيس شمية.
وإذن، فإن هذا المنهج يتميز عن سواه من المناهج بالكشف عن الرابطة الفطرية بين أصوات الحروف العربية وبين الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية.
أما المنهج الموازي الذي اعتمدته أيضاً في استخراج معاني الحروف من طريقة النطق بها إيماء وتمثيلاً، فإني لم اهتد إليه إلا مصادفة بعد إنجاز هذه الدراسة للمرة الأولى. وذلك عندما أخذت في مراجعة معاني المصادر التي تبدأ بحرف (الفاء). فلقد تبين لي أن تلك المعاني تتجافى مع موحيات الضعف والوهن في صوت الفاء، خلافاً لما نهج عليه العربي في تحديد معاني حروفه وفقاً لصدى أصواتها في النفس. فانتبهت إلى ظاهرة التوافق بين معاني المصادر التي تبدأ بالفاء، من شق وفصل وتوسع ، وبين طريقة النطق بهذا الحرف، كما مر معنا في بحث الجذور الزراعية في الحروف العربية(الحرف العربي والشخصية العربية ص131 ومابعدها).وكما سيأتي لاحقاً في دراسة حرف (الفاء).
ب - المرحلة الثانية:
وبعد أن أحدد الخصائص الصوتية والإيمائية التمثيلية لكل حرف على وجه مامر معنا في المرحلة الأولى، أقوم باستخراج المصادر التي تبدأ بكل حرف مع معانيها، أقوياً كان الحرف أم ضعيفاً. أما الحروف التي في أصواتها رقة وشاعرية، فلقد نهجت على استخراج المصادر التي تنتهي بها أيضاً، حيث تكون هنا أوحى بمعانيها، كما عمدت إلى استخراج معاني المصادر التي تنتهي ببعض الحروف القوية وكذلك المصادر التي تتوسطها أحرف (ظ-ص-ض-خ-ح-هـ-ع) ، وذلك للتثبت من مدى قوة شخصياتها.
وبمقارنة معاني المصادر التي تبدأ بحرف ما مع معاني المصادر التي تنتهي به، تبين لي أن تأثير كثير من الحروف في معاني المصادر يختلف بحسب مواقعه منها، وذلك لتغير تمثيلها الإيمائي أو إيحائها الصوتي في الموقعين. مما يقطع بأن العربي لم يعط أصوات حروفه قيماً رمزية محددة، ولا معاني مطلقة أيضاً، وإنما ترك ذلك لإيحاءاتها الصوتية، ولطريقة النطق بها أنى كانت مواقعها من الكلمة. وهذا يتطلب حساسية سمع ورهافة في الشعور، ونباهة وانتباها دائبين.
وهنا لابد لي من وقفة قصيرة لتوضيح نهجي في انتقاء هذه المصادر.
لقد اقتصرت تقصياتي على الأفعال أو الأسماء العربية القحّة، مما ليس مولداً بعد عصر الرواية والتدوين، أو معرّباً عن لفظ اجنبي، أو دخيلاً دون تعريب أو عامياً أو اسماً لحشرة أو نبات ليس وصفا لفعل أو اسم . ولقد اخترت من هذه الأفعال والأسماء، ماقدّرت أنه هو الألصق جذوراً بالأرومة الأم. كما اخترت من مختلف معاني المصدر الذي وقع عليه الخيار المعنى الحسي لقربه من أصالة اللفظة العربية وفطريتها، مبتعداً ما أمكنني عن المعاني المجازية وإن كانت هي الشائعة الاستعمال حالياً. وذلك لأن غالبية أرومات الألفاظ العربية قد أبدعت في عهود سحيقة تعود إلى مرحلة الرعي، اقتباساً من أشياء وأحداث محسوسة، أو انفعالات هيجانية فطرية، كما سبق ولحظنا ذلك في بحث (الجذور الغابية والزراعية والرعوية في أصوات الحروف العربية) المرجع السابق ص125ومابعدها ).
وهذا المنهج في انتقاء المصادر هو المنهج الموضوعي الصحيح، لأنه هو الألصق بواقع نشأة اللغة العربية، فعندما كان العربي يحتاج إلى التعبير عن معان معنوية مجردة في مراحل ثقافية واجتماعية متطورة لاحقة، كان يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن اللفظة المناسبة في جذور مابين يديه من المصادر، مما يتوافر فيها رابطة ما بين الوظيفة المحسوسة للفظة وبين الوظيفة الذهنية للمعنى المجرد المراد، كما في لفظة (عقل) البعير (ربطه بالعقال) على الطبيعة، وعقل الأشياء أدركها على حقيقتها (بذهنه).
وهكذا نرى أن الرابطة الذهنية بين المعنيين تتجلى في التماثل بين وظيفة العقال في ربط البعير في موضعه، وبين وظيفة العقل في ربط الأشياء بحقائقها. فالربط إذن هو العامل المشترك بين العقل المجرد والعقال المحسوس، وما أصدقه من حدس فلسفي. وكما في غفر الشيء(ستره) ، وغفر الذنب (محاه) ، واللغة العربية مليئة بهذه الشواهد من الأمثلة. فنادراً جداً مانجد معنى مجرداً ليس مستنبطاً من معنى حسي.
وهذه الطريقة التي اتبعها الإنسان العربي بمعرض التعبير عن معانيه الذهنية، تعود أصلاً إلى استحالة تقمص هذه المعاني لإبداع الصور الصوتية الملائمة لها، على مثال ماكان يفعل بصدد الأشياء والأحداث الخارجية المحسوسة .
وهذه الظاهرة اللغوية الحسية، ليست مقتصرة على العربية فحسب، وإنما هي مشتركة بين مختلف اللغات السامية(فقه اللغة للدكتور وافي ص13-14).
وما كان أشق عملية اختيار المصادر ومعانيها. فمن ألفين وتسعمئةٍ وستين مصدراً ومشتقاً تبدأ بحرف النون عثرت عليها في المعجم الوسيط مثلا، وقع اختياري على ثلاثمئة وثمانية وستين مصدراً فقط (فعلا أو اسما) اعتبرتها مصادر. ومن المعاني العديدة المتداخلة لكل مصدر، اخترت معنى واحداً، وفي قليل من الأحيان معنيين اثنين، كما أشرت إلى ذلك في المقدمة، وكما سيأتي في دراستها.
ثم بعد أن أستخرج المصادر التي تبدأ أو تنتهي بحرف ما على وجه مابينت آنفا، أقوم بتصنيفها في جداول خاصة تجمع بين معانيها رابطة حسية أو معنوية، وذلك للتثبت من أمور ثلاثة:
أ-مامدى تطابق الخصائص الصوتية والإيمائية للحروف مع معاني المصادر المستخرجة؟.
ب-ما نسبة هذا التطابق؟ وذلك لمعرفة مدى قوة شخصية كل حرف.
ج-مامدى التزام الحرف موضوع الدراسة بطبقته الحسية؟. وإذا تجاوزها في بعض المصادر فما الأسباب؟.وهكذا فإن مطابقة الخصائص الصوتية والإيمائية للحروف العربية على معاني جميع المصادر التي تبدأ أو تنتهي بها، إنما هي ميزة موضوعية لمنهجي هذا، لم يجشم أحد من الباحثين نفسه مثل هذا العناء.
وفي الحقيقة، إن استخراج جميع المصادر الجذور التي تبدأ بحرف ما أو تنتهي به، على وجه مابينت آنفا، ومن ثم تصنيفها في جداول تجمع بين معانيها رابطة حسية أو معنوية، إنما هو عمل في غاية الدقة والإجهاد والمخاطرة والمسؤولية، يحتاج إلى فريق متكامل من ذوي الاختصاص.
ماعلة انطباع اللفظة العربية بطابع الحرف القوى الذي تبدأ به، أو بطابع الحرف الرقيق الذي تنتهي به؟:
من البداهة أن يلاحظ العربي ذوالحساسية السمعية فائقة الرهافة في بيئة صحراوية غير ملوثة بالضجيج، أنّ الحرف القوي يأخذ صوته أقصى إيحاءاته في القوة والشدة والفعالية والغلظة، عند مايقع في أول اللفظة. إذ لابد للصوت أن يشد على أي حرف يقع في أولها أكثر مما يشد عليه في وسطها، ليشد عليه أقل مايكون الشد في نهايتها.
وهكذا ، فإن الحروف ذات الأصوات الرقيقة لابد أن تكون أكثر ايحاء بالرقة والأناقة والدماثة وما إليها عندما تقع في نهاية الألفاظ. فأصواتها تكون هنا أكثر خفوتا ورقة منها في أي موقع آخر. ولهذا السبب بالذات، لابد أن يختلف تأثير الحرف الواحد، رقيقاً كان أم قوياً في معاني الألفاظ، بحسب موقعه من اللفظة كما سيأتي .
وإذن فإن الحروف التي تقع في أواسط الألفاظ تكون غالباً أقل تأثيراً في معانيها. وهذا يتفق مع ماذهب إليه العلايلي، من أن الحرف الذي زيد على الثنائي للانتقال إلى الثلاثي هو الوسط في الأعم الأغلب. أما ابن جني فقد رأى أن الحرف الوسط هو الأقوى. وذلك لأن الفعل في رأيه، يتكرر بتكراره(قسّم. علّم. درّس..)(الخصائص ج2 ص155). وفات ابن جني أن القوة تتجلى بطبيعة الفعل الأول نفسه وليس في تكراره. ليبقى رأى العلايلي هو الأقرب إلى الصحة، وإن كان لنا رأى مخالف كماسيأتي .
ولكن هل تكفي هذه الحساسية السمعية لتعليل انطباع (50-92%) من الألفاظ بالخصائص الصوتية لحرف قوى ما تبدأ به ، أو لحرف رقيق آخر تنتهي به؟.
فكيف استطاع العربي أن يبدع هذه السلسلة الطويلة من المصادر التي تنطبع معانيها بطابع الحرف الأول أو الأخير، مع المحافظة على دور بقية الحروف في توضيح هذه المعاني وتلوناتها؟؟.
كيف تسنى للعربي أن يبدع هذه اللغة على هذه الشاكلة منذ آلاف الأعوام؟.
هنا لابد لنا من التسليم برأي علماء اللغة الذين قالوا بأن اللغة العربية بدأت بأصوات الحروف، ثم تدرجت إلى الثنائي فالثلاثي، فكثيرات الحروف.
وإذن أصبح من السهل أن نتصور أن العربي عندما أبدع صوت حرف قوي، للتعبير عن معاني القوة والفعالية والشدة (د.ق.ز...) في دور المقطع البسيط من حرف واحد، قد أضاف إليه حرفاً ثانياً يساعده في تلوين معناه في دور المقطعين من حرفين اثنين. ولما كانت معاني الشدة والفعالية هي المقصودة، فلقد كان من البدهي أن يضع الحرف الجديد في آخر المقطعين. كما أن العربي أبقى حرفه القوى هذا في مقدمة المقاطع عندما انتقل به إلى الثلاثي فالمزيدات.
وهكذا كان نهج العربي مع الحروف الرقيقة، ولكن بالإبقاء عليها في آخر اللفظة كيما تكون هناك أوحى بخصائص الرقة والليونة والأناقة وما إليها. ليضع الحروف الإضافية الجديدة قبلها عبر تطور اللغة العربية من الأحادي إلى الثنائي فالثلاثي فالمزيدات. وعلى الرغم من ذلك فقد شذّ عن هذه القاعدة ألفاظ كثيرة، لم تنطبع معانيها بخصائص الحروف القوية التي تبدأ بها، أو الرقيقة التي تنتهي بها. فلم ذلك؟.
إذا استثنينا الأخطاء في نقل الألفاظ العربية في مرحلة التدوين لتصحيف سمعي، (لاختلاف اللهجات العربية في لفظ بعض الحروف)،أو لتصحيف بصري، (لافتقار كتابة الألفاظ إلى التنقيط)، فإن هذا الشذوذ يرجع في الأعم الأغلب إلى تزاحم الحروف المشاركة في اللفظة على معانيها. فقد يجتمع في اللفظة الواحدة الحرف القوى مع الضعيف، والرقيق مع الخشن، والأنيق مع الفظ الغليظ وما إلى ذلك. ولئن كانت الغلبة في كثير من الأحيان للقوة والغلظة والخشونة، فإنه قد يطغى إشعاع حرف شاعري نبيل أنّى كان موقعه، على موحيات العتامة والفظاظة والفجاجة في بقية الحروف. وشأن هذا الشذوذ في دنيا اللغة، كشأنه في دنيا المجتمع العربي نفسه، آدباء وشعراء ورجالاً مصلحين.
حول تصانيف الحروف العربية وفقا لخصائصها الصوتية:
لقد صنّف علماء اللغة العربية أصوات الحروف في مجموعات كثيرة، تارة بحسب مخارجها وتارة بحسب كيفية النطق بها، وتارة ثالثة بحسب سهولة أو صعوبة النطق بها وما إلى ذلك. على أنني سأكتفي منها جميعا بأربعٍ : هي:
1-الأصوات الصامتة والصائتة:
الأصوات الصامتة هي جميع الحروف الهجائية، باستثناء الصائتة.
والأصوات الصائته هي (الألف، الواو، الياء..). ويقال لها تارة حروف اللين، وتارة أخرى الحروف الهوائية أو الجوفية، وهي حروف غابية النشأة كما أسلفنا
2-أصوات الحروف بحسب مخارجها:
لقد أدرك علماء اللغة العربية، ولاسيّما القدامى منهم، الأهمية العظمى لهذا التصنيف فعقدوا بشأنه البحوث الطويلة لاختلافهم في مخارج بعض الحروف.
وفي الحقيقة إن تحديد المخرج الصوتي لكل حرف بدقة هو وحده الذي يحافظ على أصالة أصوات الحروف العربية، فلا يختلف عما نطقت بها الأجيال العربية الأولى، ليحافظ بذلك كل حرف على صدى صوته البكر في نفس العربي الذي استوحى منه معانيه الأصلية، فيظل هذا الحرف يوحي لنا نحن بذات المعاني، فتحافظ اللغة العربية بذلك على فطرتها. وهكذا فإننا بالمقابل نستطيع اليوم أن نحسم الخلاف الذي وقع بين علماء اللغة حول مخارج أصوات بعض الحروف، لابل وأن نصحح النطق بكل حرف. وذلك بالعودة إلى تأثيره في معاني الألفاظ التي تبدأ أو تنتهي به، كما سوف نرى في أحرف الجيم والهاء والعين. وإذن فإن هذا التصنيف الذي يحافظ على أصالة أصوات الحروف العربية من شأنه أن يحافظ على أصالة اللفظ العربي، وعلى وحدة اللسان العربي، مهما تتعدد أقطاره وتتباعد، ومهما يمتد به الزمن ويتمادى.
ولقد اعتمدت في تصنيف مخارج أصوات الحروف مااتفقت عليه الأكثرية من قدامى اللغويين لقرب عهدهم بالنطق العربي الأصيل، وإن لم يكن هو الأصوب دائماً، كما سنرى ذلك بمعرض المقارنة بين معاني الحروف وخصائص أصواتها.
ولمعرفة مخرج صوت الحرف: يسكّن ويشدّد، فحيث ينقطع الصوت يكون مخرجه. وهذه المخارج هي:
1- الأحرف الحلقية: الهمزة الهاء. العين. الحاء . الغين. الخاء. (إلا أن الدكتور أنيس يعتبر الهمزة مزمارية وليست حلقية، لتشكل صوتها عند فتحة المزمار. كما أن الفراهيدي وابن سينا والعلايلي يقدمون العين على الهاء)
2-الأحرف اللهوية: القاف. الكاف (اللهاة، تقع بين الحلق والفم).
3-الأحرف الشجرية: الجيم . الشين. الياء غير المدّية (بين وسط اللسان وما يقابله من الحنك الأعلى).
4-الأحرف الزلقية: اللام. النون المظهرة. الراء (زلق اللسان طرفه).
5-الأحرف النطعية: الطاء . الدال. التاء. (النطع هو سقف غارالحنك الأعلى.).
6-الأحرف الأسلية: الصاد. السين. الزاي(مابين رأس اللسان وصفحتي الثنيتين العُلويتين ).
7-الأحرف اللثوية: الظاء. الذال. الثاء (لخروجها من قرب اللثة).
8-الأحرف الشفوية: الفاء . الباء. الميم. الواو غير المدية.
9-الأحرف الخيشومية: النون الساكنة . النون والميم المشددان.
10-الأحرف الجوفية أو الهوائية: الألف. الواو الساكنة المضموم ماقبلها. الياء الساكنة المكسور ماقبلها (الجوف هو فراغ الحلق والفم).
3- الجهر والهمس:
الحروف المجهورة على مايؤكده الدكتور ابراهيم أنيس نقلا عن علماء الأصوات المحدثين ، هي الحروف التي تتشكل أصواتها في الحنجرة باهتزاز وتريها الصوتيين اهتزازا منتظماً. ولمعرفة ذلك يلفظ الحرف مستقلاً عن غيره. وتوضع الأصبع فوق تفاحة آدم من الحنجرة، فإذا شعرنا باهتزاز الوترين كان الحرف مجهوراً، وإلا كان مهموساً. والأمر نفسه لووضعنا الكف على الجبهة.
وقد حصر الدكتور أنيس والدكتور بشير المجهورة في الحروف التالية:
(ب. ج.د.ذ.ر.ز.ض.ظ.ع.غ.ل.م.ن.).
أما الأصوات المهموسة فهي:
(ت.ث.ح.خ.س.ش.ص.ط.ف.ق. ك.هـ).
4- الشدة والرخاوة وما بينهما:
يقال لصوت حرف ما إنَّه شديد، إذا كان النفّس معه ينحبس عند مخرجه. وذلك بضغط الأعضاء التي تحدثه على بعضها. حتى إذا انفصلت فجأة، حدث الصوت كأنه انفجار، كما في انفراج الشفتين الفجائي في صوت الباء. ويسميها الدكتور بشير الحروف الانفجارية. وهي حسب رأيه:
(أ.ب.ت.د.ط.ك. ق).ويضيف الدكتور أنيس إليها حرف (ج) القاهرية.
والحروف الرخوة هي التي لاينحبس فيها النفّس. وهي مرتبة بحسب درجة رخاوتها: (س.ز.ص.ش.ذ.ث.ظ.ف.هـ. ح. خ) ويسميها الدكتور بشير الحروف الاحتكاكية. كما يضيف إليها حرفي (ع.غ)
وأما الحروف المتوسطة بين الشدة والرخاوة فهي:
(ر. ع. ل. م. ن.). (الأصوات اللغوية ص19-26).
على الرغم من أن إيحاءات أصوات الحروف تتأثر إلى حد ما بشدتها ورخاوتها، أو بجهرها وهمسها، فإن المبادئ النطقية التي اتخذها علماء اللغة والأصوات في تصانيفهم لتقرير ماإذا كان صوت ما شديداً أو رخواً، قد لاتتوافق عمليا مع إيحاءاتها السمعية. فصوت حرف (التاء) مثلاً، وهو من الحروف الانفجارية، هل هو أشد وقعاً على السمع من أحرف الذال أو الظاء أو الزاي، وهي من الحروف الرخوة؟. وأصوات هذه الحروف الثلاثة هل هي أكثر إيحاء بالرخاوة من أصوات حرفي اللام والراء؟.
التصنيف الذي اعتمدته تبعاً لإيحاءات أصوات الحروف الحسية والشعورية وطريقة النطق بها.
هذا التصنيف إنما هو نتيجة حتمية لمقولة (فطرية اللغة العربية) التي خلصت منها سابقاً، إلى أن أصوات الحروف العربية لابد ان توحي بمختلف الأحاسيس الحسية والمشاعر الإنسانية .
وهكذا فإن الرهان على فطرية اللغة العربية ينقلب إلى الرهان على صحة هذا التصنيف الجديد.
ولابد لي هنا من التذكير مرة أخرى بصعوية استخلاص الخصائص الحسية أو الشعورية من أصوات الحروف. لذلك من المستحسن أن يردّد القارئ صوت الحرف موضوع الدراسة بشيء من التفخيم، المرة بعد المرة، وأن يتأمل صداه في نفسه وحبذا لو يسجل ذلك على شريط. ومن المفيد أن أنبه الآن أنه قد يكون لصوت الحرف الواحد ايحاءات حسية وشعورية مختلفة، نظراً لتعقد عملية النطق به واعتماد تشكل صوته على مساحة واسعة وفراغات متعددة في جهاز النطق. إلا أنني قد صنّفت الحروف تبعاً للخصائص الحسية أو الشعورية الغالبة فيها، أو وفقا لطبيعتها الصوتية الخاصة، أو حسب طريقة النطق بها، مشيراً إلى ذلك حينا وساكتا عنه حيناً أخر.
أ-الحروف اللمسية :(ت. ث. ذ. د. ك.م).
ب-الذوقية: (ر.ل)
ج-الشمية:.........
د-البصرية : (الألف المهموزة واللينة، ب.ج. س. ش. ط.ظ. غ.ف. و. ى)
هـ-السمعية: (ز.ق)
و-الشعورية غير الحلقية: (ص. ض. ن)
ز-الشعورية الحلقية : (خ. ح. هـ. ع)
يلاحظ في هذا التصنيف أنّ حاسة الشم لم تختص بأي حرف لتعبربه عن أحاسيسها، إلاّ أن هناك كثيراً من الحروف التي في أصواتها بعض الأحاسيس الشمية كما سيأتي
كما يلاحظ كثرة الحروف البصرية واللمسية والشعورية ، وقلة الحروف السمعية، ليصدق في ذلك قول المثل العامي(الإسكافي حافي، والحائك عريان)
وهذه الظاهرة ترجع في حقيقة الأمر، إلى أن أصوات الحروف قد أبدعها العربي للتعبير عن حاجاته المادية والمعنوية. ولما كانت هذه الحاجات المتصلة بالطبيعة (العالم الخارجي) وبالمشاعر الإنسانية (العالم الداخلي)، هي أوفربما لايقاس، مما يتصل منها بالأصوات، فقد كان من البداهة والعدالة ، أن تأخذ الحواس والمشاعر الإنسانية من أصوات الحروف على مقدار حاجتها.
على أن اقتصار الحروف السمعية على حرفي (الزاي والقاف) في هذا الجدول، لايعني بداهة وقف التعبير عن معاني الأصوات على هذين الحرفين، وإنما يعني فقط أن الإيحاءات الصوتية هي الغالبة على خصائصهما الحسية. فلقد استعان العربي بكثير من أصوات الحروف للتعبير عن الأصوات التي تحاكيها في الطبيعة ولاسيما أحرف (ص.ن.ع.ح.هـ) ولم تصنف سمعية لغلبة الخصائص الحسية أو الشعورية الأخرى على طبيعتها، كما سيأتي.

















الباب الثاني
معاني الحروف العربية على
واقع المعاجم اللغوية




الفصل الأول
الحاسة اللمسية وحروفها

تضم الحساسية الجلدية أربعة إحساسات رئيسة هي:
الإحساس بالتماس والضغط ، والإحساس بالألم ، والبرودة، والسخونة.
ففي كل سنتمتر مربع من بشرة الانسان يوجد أربعة أنواع من النقاط اللمسية. كل نوع يستجيب لواحد من الاحساسات الرئيسة الأربعة . ويستطيع التيار الكهربائي أن يثير في كل نوع من هذه النقاط الإحساس الخاص به.
فأطراف الأصابع وطرف اللسان، هما أكثر المناطق الجلدية وفرة بالنقاط اللمسية وبانتقال أطراف الأصابع على الأجسام يتحول الاحساس بالتماس إلى إحساس بالخشونة أو الملاسة، أو الدغدغة السطحية.كما يمكن اختبار شكل الشيء ومعرفة زواياه وأضلاعه واتجاهاته بالنسبة لبعضها بعضاً بواسطة حاسة اللمس. وبضغط أطراف الأصابع على الأجسام يحصل الإحساس بالصلابة والليونة والرطوبة والجفاف..
الحروف اللمسية :
هي أبسط الحروف العربية وأقلها تعقيداً.وهي :
التاء-الثاء-الذال-الدال -الكاف-الميم.
ا-حرف التاء
مهموس انفجاري شديد. يقول عنه العلايلي: إنه (للاضطراب في الطبيعة الملامس لها بلاشدة). تعريف قاصر. ويقول عنه ابن سينا: (إن صوته يسمع عن قرع الكف بالإصبع قرعاً بقوة)
وعلى الرغم مما أسند إلى هذا الحرف من الشدة والانفجار وما وصف بالقرع بقوة، فإن صوته المتماسك المرن يوحى بملمس بين الطراوة والليونة، كأنّ الأنامل تجسّ وسادة من قطن. أو كأنّ القدم الحافية تطأ أرضاً من الرمل الجاف . ونظراً للفارق الصوتي بين موحيات (التاء والثاء) قالوا: التراب (للجاف)، والثرى (للتراب) الندي.
وهكذا صنفت حرف (التاء) في زمرة الحروف اللمسية، لأن صوته يوحي فعلاً بإحساس لمسي مزيج من الطراوة والليونة ، ولأنه لايوحي بأي إحساس آخر أو بأية مشاعر إنسانية . وهذا يتفق مع قول العلايلي من حيث حصر اختصاصه بملامس الطبيعة بلا شدّة.
فهل يستطيع هذا الحرف التأثير في معاني المصادر التي تبدأ به، بما يوحي من طراوة وليونة وفقاً لخصائصه الصوتية؟. وهل ستلتزم معاني هذه المصادر بطبقته الهرمية اللمسية؟.
إذن فلنحتكم إلى المعاجم اللغوية.
ولكن قبل الدخول في دنيا المعاجم اللغوية، لابدلي من ابداء ملاحظتين اثنتين.
الأولى:
لما كانت (عين) الفعل الثلاثي تحرك بالفتحة في أغلب الحالات فإنني سأكتفي بتشكيلها في حالتي (الضم والكسر) فقط. ولذلك فإن (عين ) الفعل الثلاثي المسيبّة بلا تشكيل يجب قراءتها (بالفتحة) حرصاً على تطابق معانيه مع الغرض المقصود من وضعه. فثمت أفعال ثلاثية تقبل (عينها) أكثر من حركة واحدة، قد تتغير معانيها بحسب حركة (عينها)، وقد تتعاكس أحياناً، كما في لفَت الشيء (لواه) ولفِت الرجل (حمق). وأصل الشيء (استقصى بحثه حتى عرف أصله)، وأصُل النسب (شرُف)، وأصِل اللحم (فسد).. أما الأفعال والاسماء التي ترد في سياق الشرح فإني لم التزم بتشكيلها، وإن كنت اقوم بذلك أحياناً حرصاً على ضبط النطق بها، وتوضيحاً للمعاني الحقيقية للأمثلة المضروبة.
الثانية :
لقد سبق أن عرضت في الحرف العربي والشخصية العربية (ص 129) وما بعدها عن تأثير تحريك عين الفعل الثلاثي في معانيه تحت عنوان (حركات الشكل و(عين ) الفعل الثلاثي ). وقد خلصت إلى النتائج التالية:
1-الثلاثي المضموم (العين) يدل على الفعالية الذاتية، وهو لازم اطلاقاً (كرُم، أدُب).
2-الثلاثي المكسور (العين) يدل على (حالة ذاتية). وهو لازم في معظم الأحيان (حزِن سوِد..) وأما عندما يكون متعدياً فإن الحدث يتجه نحو الذات، كما في (لهِم-لقِم-عشِق...)
3-أما الثلاثي المفتوح (العين) فكثيراً مايكون متعدياً: (ضرَب، سكن..)، ولازما أحياناً: (جنَح).
فحبذا لويعود القارئ إلى ذلك البحث الموسّع للاطلاع على دقائق هذه الملابسات في تحريك (عين ) الفعل الثلاثي وذلك لمعرفة علاقة هذه الحركات بمعاني أحرف (ا.و.ي) المخففة عنها، وكذلك للتثبت أيضاً من صحتها على واقع المعاجم اللغوية في الفصول القادمة. إنها لفرصة ثمينة كيما يطلع القارئ على مدى مابلغه العربي من فائق الحساسية بمعرض تعامله مع حركات الشكل، وكيما يكتشف أيضاً خطأ المعاجم في تحريك (عين) الفعل الثلاثي المتعدي بالكسرة بلا مبرر.
وللقارئ أن يعتمد ماسيرد في الأبواب والفصول القادمة حركات الشكل المثبتة سواء في الأمثلة المضروبة أو الشروح، ولكن شريطة أن يأخذ بحسبانه إمكانية تحريك (عين) الفعل الثلاثي بأكثر من حركة شكل وفقاً للمعاني المقصودة.
1-فماذا عن معاني التاء؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة، عثرت على مئة مصدر جذر تبدأ بالتاء مما هو غير مولد أو معرب أو دخيل أو محدث أو عامي.... كان منها ثمانية عشر مصدراً تدل معانيها على الرقة والضعف والتفاهة، بما يحاكي الرقة والضعف في صوت التاء. منها:
تبتب (شاخ). التّبن (القش اليابس). تخّ العجين (لان واسترخى). التراب. ترف النبات (كثر ماؤه ونضر). تره (وقع في الترهات). تفتف (اتسخ بعد نظافة).التّفّ (وسخ الظفر). تِفه (قلّ وخسّ وحقر). تكّ الرجل (حمق). التّلب (الخسار) تلف (هلك). تاع الجمد (ذاب وسال). تام الحب فلانا (استعبده وذهب بعقله).
وكان منها ستة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الشدة والغلظة والقساوة والقوّة بما يتجافى مع موحيات الرقة والضعف في صوت التاء.منها:
تبّ الشيء (انقطع) . تَبِر(هلك) . تَبرَ الشيء (كسره) تبل فلانا (ثأر منه). تُرِز لحمه (صلُب وغلُظ). تُرِص الشيء (احكِم وضبِط). التّعل (حرارة الحلق الهائجة). تغر (انفجر). تِفئ (احتد وغضب). تفنه (طرده). تلتل (سار شديداً). تازتيزا (غلُظ واشتد).
وكان منها ثلاثة مصادر للشميات المستكرهة.هي:
تمِه اللحم (فسد ريحه). تنتلت البيضة (فسدت). تهِم اللبن (تغير وأنتن).
وكان منها خمسة مصادر للبصريات، مما يدل على الامتلاء والارتفاع. هي:
تَئِقَ الوعاء (امتلأ) . تَرِعَ الاناء(امتلأ). تلِع الرجل (طال عنقه). تمَك السنّام (طال وارتفع وامتلأ). التيهور (موج البحر المرتفع).
وكان خمسة للأصوات. هي:
تأتأ (كرّر التاء إذا تكلم ). تختخ (انبهم كلامه للكنة). تغتغ المتكلم (لم يسمع كلامه لسقوط أسنانه) .تهته (ردّد في كلامه ته ته). تِسْ تِسْ (زجرٌ للتيس).
وكان منها خمسة مصادر للمشاعر الإنسانية:
ترِح (حزِن). تلِه(ذهب عقله من هم، أو خوف أو عشق). تاق توقاً(اشتاق إليه، نزع). تاه تيها(تكبر) . تفِئ (احتدّ وغضب).
لقد اقتصرت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بالخصائص الصوتية لهذا الحرف، من ضعف ورقة وتفاهة على (38%) فقط. كما أن نسبة المصادر التي تجاوزت طبقته اللمسية قد بلغت (12%) مما يقطع بأن حرف التاء ضعيف الشخصية. وهذا ماهيأ الفرص للحروف الأخرى، كيما تتسلط بخصائصها الصوتية على معاني المصادر التي تبدأ به، فبلغت نسبة المصادر التي تدل على الشدة والقوة والقسوة ، بما يتعارض مع خصائصه الصوتية 26%.
ولكن ماذا عن حرف (التاء) في المصادر التي تنتهي به؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على سبعة وتسعين مصدراً تنتهي بحرف التاء. كان منها ثلاثة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الضعف والرقة والتفاهة. منها:
بلِت (انقطع عن الكلام حياء). خبت ذكره(خفي). ختّ (خسّ وردؤ) . سكت. الشخت(الضامر خلقة). صمت. قلِت فلان (فسد وقلّ لحمه). قنت (أطاع الله).الفتات (ماتكسّر من الشيء وتناثر). لتّ السويق (بلّه بشيء من الماء). نات (تمايل لضعف أو نعاس). هبَت (لان واسترخى) . الوتاوت (الوساوس).
مع الإشارة إلى أن معاني هذه المصادر قد تأثرت في الأعم الأغلّب بخصائص أصوات الحروف المشاركة الأخرى، كما سنرى عند دراسة خصائص أصواتها. وأذكر منها على سبيل المثال أحرف (خ.ف.ن.هـ).
كما كان منها واحد وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الشدة والقساوة والغلظة’ مما يتجافى مع خصائص صوت (التاء) ويتوافق مع خصائص أصوات الحروف القوية المشاركة، منها:
بتّ الشيء (قطعه). بغته (فجأه). زمته (خنقه) . سمت الشيء (استأصله) خرت الشيء (شقّه وثقبه) . صلت فلانا بالسيف (ضربه به) . عفته (لواه، كسره من غير تفريق للأجزاء). قرِت الدم (يبس). نحته (قشره). هرت الشيء (شقّه ليوسعه). وحت الشيء (ضغطه، داسه شديداً)
وكان منها ستة مصادر للأصوات .هي:
أنت أنيتا(أنّ أنينا). صات (صاح) . نهت االقرد (صاح). كتّت القدر (صوّتت عند الغليان) . هوّت به وهيّت به (صاح به).
وكان منها أربعة مصادر للمشاعر الإنسانية . هي:
بهته (أدهشه). مقته(أبغضه). شمت به (فرح بمكروه أصابه) محته (ملأه غضباً).
وهكذا كان حرف (التاء) في نهاية المصادر من حيث تأثيره في معانيها، أو من حيث التزامه بطبقته الحسية أضعف منه في أول المصادر. مما يقطع بأنه من الحروف الضعيفة الشخصية، إذ اقتصر تأثيره على تلطيف معاني بعض المصادر المطبوعة أصلاً بخصائص أصوات الحروف المشاركة الأخرى ، كما سنرى في دراستها:
2-الثاء.
مهموسة رخوة. يقول عنها العلايلي: إنها (للتعلق بالشيء حسياً ومعنوياً) تعريف مبهم.
ويرى الدكتور أنيس أنه(لافرق بين صوتي (الثاء والذال) ، إلا الهمس بالثاء والجهر بالذال، وذلك لتقاربهما في المخرج بين طرف اللسان واللثة.
وفي الحقيقة أن هناك تناقضاً كلياً في طبيعة صوتيهما. فالنّفَس مع الثاء الملثوغة، يخرج بشيء من البعثرة، فيسمع له حفيف طري ، بينما يخرج النفَس مع الذال الملثوغة بعد مخرج الثاء مباشرة بذبذبة صوتية عالية. ولذلك كانت ايحاءات صوتيهما في منتهى التناقض.
فالرقة والليونة والملمس الدافئ الوثير في صوت الثاء.
والخشونة والحرارة والفعالية في صوت الذال.
وهكذا فإن تقارب الحروف في مخارجها لايمنحها تقارباً مماثلاً في ايحاءاتها الصوتية ولا في معانيها. فالحرف الشقيق إذا حلّ محل شقيقه في لفظة ما، لاتظل اللفظة على معنى مقارب لمعناها قبل الإبدال، وإنما قد يؤدي ذلك إلى التناقض في معانيهما أحياناُ كثيرة، كما في حرفي الثاء والذال، واحرف الخاء والحاء، والباء والميم، والصاد والسين، كما سوف نرى. فالثاء، إنما هي تأنيق للسين الرقيقة، وتأنيث لتاء التأنيث. وكأني بالعربي لم يبدع صوت هذا الحرف إلا خصيصاً للأنثى، ليميزها بالثاء حتى من النساء أنفسهن، إيفاء لحقها من الرقة والدماثة والإحاطة واللين. فما كل امرأة تتوافر فيها خصائص الأنوثة وإن كانت أنثى. فلفظة الأنثى إنما هي ألصق بالجنس من لفظة المرأة. قد قصّرت أنوثة الأشياء والكائنات الحية عن أنوثة الجنس في حرف الثاء، فأُنّثَتْ بتاء التأنيث. تفيض الثاء عليها من خلف هذا الحجاب الشفاف طيف رقة وعاطفة وأنوثة. لتستقل الثاء وحدها بعرش الأنوثة في لفظة الأنثى، ضمّاً للنون الأنيسة إلى الثاء الأنثوية، لا أمسّ بالنفس حسّاً، ولا أوقع في السمع جرساً.
لقد سبق أن نوهت في المرجع السابق (131-136)، بأن العربي قد عبرّ عن بعض معانيه بطريقة النطق بأصوات بعض الحروف في المرحلة الزراعية.
فهل اعتمد العربي (الثاء) كحرف إيمائي ، أم كحرف إيحائي للتعبير عن معانيه؟.
ورداً على ذلك أبيّن مايلي:
عندما يبدأ النّفَس بالخروج برخاوة وبطء مع صوت (الثاء) على المدرج الصوتي يقوم طرف اللسان بشق الأسنان الأمامية السفلى عن العليا، ثم يتراجع قليلاً إلى الوراء، وهنا تلاحظ ثلاث ظواهر: اثنتان منها بصريتان (إيمائيتان تمثيليتان)، والثالثة سمعية (إيحائية).
الظاهرة الأولى: انفراج الأسنان السفلى عن العليا عند خروج صوت (الثاء)، ومن ثم تراجع طرف اللسان إلى الداخل. وهذا يماثل الأحداث الطبيعية التي تتضمن الشق والانفراج.
الظاهرة الثانية: بعثرة النفَس ببطء أثناء خروجه بين طرف اللسان والأسنان العليا عند حدوث الصوت، مما يماثل الأحداث الطبيعية التي تتضمن البعثرة والتخليط.
الظاهرة الثالثة: حفيف رقيق يسمع لصوت (الثاء) مع اللثغ، مما يوحي بالرقة والبضاضة والطراوة والدفء ، وهي جميعاً أحاسيس لمسية.
فهل (الثاء) إذن بصرية أو لمسية؟.
وبتعبير آخر، هل وظيفة الثاء إيمائية أو إيحائية؟.
للاجابة عن ذلك ، لابد من الاحتكام إلى المعاجم اللغوية.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على أربعة وتسعين مصدراً تبدأ بحرف الثاء. كان منها سبعة عشر مصدراً تدل معانيها على الشق والانفراج والسيلان، مما يماثل عملية شق طرف اللسان الأسنان السفلى عن العليا، مع ظاهرة انفراجهما عند خروج الصوت وهي بذلك إيمائية. منها:
الثأي (الفتق وأثر الجرح). انثعّ الدم من الأنف (سال). ثعب الدم (فجرّه فسال). ثعرر الأنف (تشقق). ثغب الشاة (ذبحها). الثغر (الفم والفرجة في الجبل). ثلم الجدار (أحدث فيه شقا).
وكان منها سبعة عشر مصدراً تدل معانيها على البعثرة والتشتت والتخليط، مما يماثل بعثرة النفس بعد خروج صوت الثاء منها:
الثّدام (المصفاة، لبعثرة ثقوبها). ثرثر في الشيء (أكثر منه في تخليط). ثرد الخبز (فتّه ثم بله بمرق). ثرّ (غزر وكثر). الثرعلة (الريش المتجمع على عنق الديك). الثّريا (نجم تكثر أنجمه مع صغر منظره). ثطّ(خف شعر لحيته). ثعر (كثرت بثوره).الثلج . ثمأ الخبز (فتّه). ثمج الأشياء (خلطها). ثمغ الألوان (خلطها). ثار (هاج وانتشر).
وكان منها سبعة عشر مصدراً تدل معانيها على الرقة والطراوة والبضاضة ومتعلقات الأنوثة، مما يحاكي الرقة والدماثة في حفيف صوت الثاء الملثوغة. منها:
الثأدة (المرأة الكثيرة اللحم). الثدي (للمرأة، والضرع لأنثى الحيوان). امرأة ثيّب (غير عذراء). اثباجّ الرجل (صخم واسترخى). الثّرب (لحم رقيق يغطي الكرش والأمعاء). الثّعد (الغصن الطري من البقل). ثجل ثجلا (عظم بطنه واسترخى). الثرى (التراب الندي).
وهكذا فإن نسبة المصادر التي تدل معانيها على المرئيات المستمدة من طريقة النطق بالثاء إيماء وتمثيلاً قد بلغت (36%)، بينما لم تبلغ نسبة المصادر التي تدل معانيها على مايفيد الطراوة والليونة من اللمسات سوى (18%)، بما مجموعه (54%)
وعلى الرغم من ذلك فقد صنّفتُ (الثاء) في زمرة الحروف اللمسية، وذلك للأسباب التالية:
أولاً-لطريقة النطق بهذا الحرف:
عطفاً على حديثنا عن الجذور الغابية والزراعية في أصوات الحروف العربية في المرجع السابق (ص 125)، قد يتبادر الآن إلى ذهن القارئ أن العربي أبدع حرف (الثاء) في المرحلة الزراعية للتعبير ايماء وتمثيلاً عن معاني الشق والانفراج والبعثرة.
ولكن العربي قد أبدع حرف (الفاء) في المرحلة الزراعية خصيصاً للتعبير عن هذه المعاني بطريقة النطق به ايماء وتمثيلاً كما سيأتي مفصلاً في دراسة صوته.
وإذن لابد أن يكون العربي قد أبدع حرف (الثاء) لغرض آخر، فجاءت معاني الشق والانفراج آنفة الذكر عرضاً لا أصلاً.
فما هو هذا الغرض الأصل. ؟
لقد لفت انتباهي في بدء دراسة حرفي (الثاء) و (الذال) أن صوت (الثاء) هو أوحى مايكون بالأنوثة، وأن صوت (الذال) هو أوحى مايكون بالذكورة. فعلى الرغم من التناقض الكائن في خصائصهما الصوتية. فإنه لا ألصق منهما ببعضهما بعضا مخرج صوت.
كما لاحظت أيضاً أن مخرج (الذال) هو أقرب للظهور والبروز بين الأسنان العليا والسفلى، بينما مخرج (الثاء) يتراجع عنه قليلاً إلى داخل الفم قريباً من اللثه بحشمة أكثر. فاكتفيت بادئ الأمر بالكشف عن التماثل الكائن بين طبيعة صوت كل منهما وبين طبيعة الجنس الذي يمثله.
ولكن بعد دراسة حرف (الفاء) الإيمائي، لفت انتباهي أيضاً طريقة النطق بحرفي (الثاء والذال) من حيث قيام طرف اللسان بشقّ الأسنان السفلى عن العليا قليلاً في حرف (الثاء) وأكثر منه في حرف (الذال).
ولما كان الانسان العربي قد استخدم طريقة النطق بحرف (الفاء) للتعبير عن أحداث القطع والشق والانفراج إيماء وتمثيلاً، فلا بد أنه قد استخدم طريقة النطق في حرفي (الثاء والذال) في المرحلة الزراعية لأغراض أخرى. فماهي؟.
قبل أن تهتدي المرأة في تلك المرحلة إلى الأصوات المعبرة عن معانيها، يبدو أنها قد استخدمت طرف اللسان في شق الأسنان السفلى عن العليا قليلاً للتعبير إيماء وتمثيلاً عن جنس الأنوثة.كما أنها استخدمت اللسان بمدّ طرفه خارج الفم أكثر للتعبير عن جنس الذكورة. وكان لابد أن تترافق هاتان الحركتان الإيمائيتان بالإشارات والأصوات المناسبة، جرياً على عادة الانسان البدائي في دنيا التواصل مع أبناء جنسه.
وفي مرحلة الرعي، قام العربي بتهذيب الأصوات الغابية والزراعية، وعمل على التخلص من الإشارات اليدوية والحركات البدنية فلم يبق منها إلا القدر اللازم لخروج أصوات الحروف الإيمائية.
وهكذا طور العربي في المرحلة الرعوية حركات اللسان والأسنان المعبرة عن جنس الأنوثة والذكورة، تخفيفاً وتهذيباً، كما طوّر الصوتين المرافقين لهما لثغاً وجرساً بما يتوافق مع خصائص الأنوثة والذكورة، ليس ايماء وتمثيلاً فقط، وإنما ايحاء صوتياً أيضاً. لتتوّزع بذلك خصائصهما وتأثيرهما في معاني الألفاظ بين الإيمائي والإيحائي.
وهكذا فإن معاني الشق والانفراج في المصادر التي تبدأ بحرف (الثاء) قد جاءت عرضاً لاقصداً. وذلك بدليل أن معانيها تتطوى جميعاً على الرقة واللين مما لايتطلب أي قوة أو جهد، على العكس من معاني الشق والانفراج في المصادر التي تبدأ بحرف (الفاء)، كما في (فأس الخشبة (شقها)، فأى رأسه (فلقه)، فدع الشيء (كسره)، فرى الشيء (شقه)، فشق الشيء (كسره)، فقع الشيء (شقه)الخ....).
ثانياً- لغلبة معاني الرقة ومتعلقات الأنوثة في المصادر التي تنتهي بالثاء.
بملاحقة (الثاء) في نهاية المصادر، عثرت على ثلاثة وثمانين مصدراً. كان منها أربعة وأربعون مصدراً للبعثرة والتخليط والجمع العشوائي بشيء من الرقة، بما يحاكي البعثرة في النفَس أثناء خروج صوتها . منها:
أث الشعر(التفّ).بأثه (بدّده وفرقه). بثّه(فرّقه ونشره). ارتبث القوم(تفرقوا). رمث الشيء (خلطه). الشعث (ماتفرق من الأمور). الحثّ(المدقوق من كل شيء ، حطام التبن). ضغثّ الحشيش (جمعه وخلطه. ومنها أضغاث أحلام) . عبث الشيء بالشيء (خلطه). علث الشيء (جمعه). غبث الشيء (خلطه) غلث الشيء (خلطه). فرِث القوم (تفرقوا). نكث السواك (فرق رأسه ونشره). نبث الأرض (نبش ترابها وحفرها). نجث وبحث (نبشَ). نقث الأرض (أثارها بفأس أو مسحاة). نثّ الوعاء ومث ومثمث (رشح).
وقد سبق أن أشار (ابن جني ) بصورة عابرة إلى الخاصية الإيمائية لحرف (الثاء) دون أن يقول بها. وذلك في المثال (بحث) الذي ضربه للدلالة على أن العربي قد أبدع كلماته تعبيراً عن معانيه وفقاً لقاعدته الأذكى: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد) قائلاً:
(( الباء لغلظتها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض. والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد إذا غارت في الأرض. والثاء للنفث والبث للتراب..)) .الخصائص ح 2 ص (162-165).
كما عثرت على واحد وعشرين مصدراً تدل معانيها على الرقة واللين ومتعلقات الأنوثة :منها: أنث(لان ) . البهثة (البشر وحسن اللقاء). دغث الصبي أمّه (رضعها). طمثت المرأة (حاضت). الرفث في النساء (الاستمتاع بهن). خرثت المرأة (ضخمت خاصرتاها واسترخى لحمها ). خنِث الرجل (تشبه بالنساء). خِوث الرجل (عظم بطنه واسترخى). الوعثة من النساء (السمينة). دمِث المكان (سهل ولان). ماثت الأرض ميثاً (لانت). داث ديثاً (لان وسهل).
ولم أعثر على أي مصدر يدل معناه على الشق أو الانفراج والسيلان. وهذا يرجع إلى أن طرف اللسان في نهاية اللفظة يستقر في وضعه الأخير بين الأسنان العليا والسفلى. فلا تنفرجان عن بعضهما بعضاً. وذلك على مثال غياب معاني الشق والانفراج والتباعد في المصادر التي تنتهي بحرف الفاء). كما سيأتي. حساسية (ذوقية-لغوية) لانظير لها في أي لغة أخرى.
وهكذا بلغت نسبة المصادر التي تدل معانيها على البعثرة والتخليط في الجدول أعلاه (53%) بينما لم تبلغ في المصادر التي تبدأ بالثاء سوى (36%).
أما الرقة واللين ومتعلقات الأنوثة قد بلغت هنا (25%) في حين لم تبلغ هناك سوى (18%)، وإذا لحظنا أن معظم المعاني الدالة على البعثرة والتخليط في المصادر التي تنتهي بالثاء تنطوي أصلاً على الرقة واللين ، يتبين أن صوت (الثاء) كان أوحى بخصائص الرقة واللين ومتعلقات الأنوثة في آخر الألفاظ منه في أولها، إذ بلغت هنا (78%)، في حين لم تبلغ هناك سوى (36%).لترجح بذلك كفّة الاحاسيس اللمسية على الاحاسيس البصرية في معاني المصادر التي تنتهي بالثاء وكانت شخصيتها في نهاية المصادر أقوى بكثير منها في أولها، كما هو حال الحروف الشاعرية الرقيقة.
ثالثاً-لأن حرف (الثاء) يمثل جنس الأنوثة كإحساس لمسي:
فضلاً عن أن (صوت) الثاء، هو أوحى مايكون بخصائص الأنوثة رقة ولطفاً ودفئاً فإن العربي قد استخدم هذا الحرف لإبداع أخصّ المعاني التي تدور حول الجنس مباشرة بلا وسيط من خيال أو تورية أو كناية، مما لم يجاره في هذا الاختصاص أي حرف آخر، وذلك كما في لفظة (الأنثى) كتعبير عن جنس الأنوثة، وكما في لفظة (رفث) كتعبير عن الاستمتاع بالأنثى.
وهكذا بقيت معاني جميع المصادر التي تبدأ أو تنتهي بحرف (الثاء) موزعة بين اللمسي والبصري لم تتجاوزهما إلا في لفظتي (ثَحْثَحَ، وثغا) للأصوات، ولاشيء للمشاعر الإنسانية. وعلى الرغم من رقة صوت (الثاء) ودماثته، فقد أثرت في معاني المصادر التي تنتهي بها بنسب بلغت (78%) كما حافظت على طبقتها اللمسية البصرية، مما أجاز لي تصنيفها في عداد الحروف القوية الشخصية.
3- حرف الذال:
مجهور رخو، معناه لغة (عرف الديك)، يقول عنه العلايلي : إنه (للتفرد). تعريف مبهم. إذا كانت خصائص الأنوثة قد تجمعت كلها في (الثاء)، رقة ودماثة وحشمة، فقد تركزت في (الذال) كل الذكورة، توتر صوت، وخشونة ملمس، وشدة ظهور.
وهكذا تتجاور الذكورة والأنوثة في اللسان العربي مخرج صوت، ويتماثلان في طريقة النطق بهما على ما في صوتيهما من التناقض في الخصائص، وذلك على مثال مابين الذكورة والأنوثة. رفقة عمر وتناقض خصائص.
فإذا كانت (الثاء) تدغدغ طرف اللسان بكثير من المرونة والدماثة فتوحي بطعم الدسم والملمس الدافئ الوثير، فإنّ الذال ألذع مذاقاً وأكوى حرارة وأوخذ ملمساً وأشد توتراً، ليشف بذلك صوت كل حرف منهما عن خصائص الجنس الذي يمثله. وهكذا تتراءى مفاهيم الجنس في الذكورة والأنوثة كأحاسيس لمسية خلف أستار شفافة من صوتي هذين الحرفين، ولا أوحى منهما بخصائص الأنوثة والذكورة في لغتنا.
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثمانية وخمسين مصدراً تبدأ بحرف الذال كان منها أحد عشر مصدراً تدل على الاهتزاز والاضطراب وشدة التحرك، بما يتوافق مع ظاهرة الاهتزاز في صوت الذال الملثوغة.هي:
ذبّ (لم يستقر في مكان). ذحجته الريح (حركته وجرّته من موضع إلى آخر). ذأل (مشى مسرعاً). ذحذح (تقارب خطوه مع سرعة ). ذعذعه (حركة بشدة). ذف الطائر (أسرع). تذلذل (اضطرب واسترخى). ذمِل البعير (سارسيراً سريعاً ليناً). ذمي المريض (أخده النّزاع فطال احتضاره). ذهب (مرّ ومضى ) . ذاط في مشيه(حرك منكبيه من كثرة اللحم).
ويمكن إلحاق أربعة مصادر أخرى بهذا الجدول تدل معانيها على حالات نفسية أو ذهنية تتطوى على الاهتزاز والاضطراب.هي:
ذهِل (تدلّه، وغاب عن رشده). ذئِر (أنف وغضب). ذعره (خوّفه). ذمر(غضب).
كما يمكن إلحاق لفظتي. الذّنب والذّيل، بهذا الجدول أيضاً، لما يرافق هذا العضو في الحيوان من ظاهرة الذبذبة والحركة المستمرة. لتبلغ نسبة المصادر لهذه المعاني (30%)، مما يدل على أن العربي قد أحسن استخدام ظاهرة الاهتزاز والاضطراب في صوت الذال الملثوغة بحساسية سمعية فائقة الرهافة.
كما كان منها أحد عشر مصدراً تدل معانيها على البعثرة والانتشار، بما يتوافق مع بعثرة النفَس في صوت الذال الملثوغة إيماء وتمثيلاً.هي:
ذرأ الأرض (بذرها). ذرّ الشيء ذراً (فرقه وبدّده). ذفر المسك (اشتدت رائحته وانتشر) . ذرا ذرواً (طارفي الهواء وتفرق). ذاع الخبر (انتشر). ذكت النار(اشتد لهيبها واشتعلت). ذرف الدمع . ذرح الشيء في الريح (ذراه). ذاح الشيء ذوحا (فرقه وبدّده). ذاب الشحم (سال عن جمود).
كما كان منها تسعة عشر مصدراً تدل معانيها على الفعالية والشدة والقطع، بما يتوافق مع خصائص القوة والفعالية في صوت الذال. منها: ذأمه(طرده، عابه).الذئب.ذبحه. ذجّ الشيء (دقّه وشقه). ذرب السيف (صار حادا ماضياً). الذراع. سم ذعاف (قاتل). الذكورة (نقيض الأنوثة). ذلَق السِّنان ذلاقة (صار حاداً صلقاً). ذِلق السِّنان واللسان ذلقا (ذرِب). ذيّاه (قطعه). الذّهن (الفهم والعقل والقوة). ذمِه اليوم (اشتد حرّه). ذاده ذوداً (دفعه وطرده).
وهكذا تبلغ نسبة المصادر التي تتوافق معانيها مع الخصائص الإيمائية والإيحائية لحرف الذال في الجداول الثلاثة (70%). وهي نسبة عالية تؤهّله للانتماء إلى زمرة الحروف القوية الشخصية. على أن (الثاء) في نهاية المصادر كانت أقوى من الذال في أولها.
وعلى الرغم من أن معاني المصادر التي تبدأ بحرف الذال لم تلتزم بطبقته اللمسية، إذ تجاوزتها إلى جميع الطبقات من ذوقيها حتى شعوريها، فقد صنّفته في عداد الحروف اللمسية باعتباره يمثل جنس الذكورة، على مثال ماصنفت (الثاء) في عداد الحروف اللمسية باعتبارها تمثل جنس الأنوثة، وللقارئ المعترض أن يصنفه في زمرة الحروف البصرية إن شاء.
4- حرف الدال
مجهور شديد. يشبه شكله في السريانية صورة الدلو. يقول عنه العلايلي: إنه (للتصلب والتغير المتوزع). التصلب صحيح، أما التغير المتوزع فهو مبهم، ويتعارض مع التصلب.
ولكن صوت الدال أصمّ أعمى مغلق على نفسه كالهرم ، لايوحي إلا بالأحاسيس اللمسية وبخاصة مايدل على الصلابة والقساوة وكأنه من حجر الصوان. فليس في صوت (الدال) أي إيحاء باحساس ذوقي أو شمي أو بصري أو سمعي أو شعوري، ليكون بذلك أصلح الحروف للتعبير عن معاني الشدة والفعالية الماديتين .
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وسبعين مصدراً تبدأ بحرف الدال كان منها مئة مصدر تدل معانيها على الشدة والفعالية الماديتين وعلى التحطيم والدعس. منها: دبأ فلانا بالعصى (ضربه بها). دحبه(دفعه). دحجه (عركه). دحس البيت (امتلأ). دحمه (دفعه بشدة). الدّخنس (الشديد الكثير اللحم من الناس والدواب). الدّرق (الصلب من كل شيء). درمك الشيء (دقه وطحنه) . الدّرباس والدّرواس (الأسد). درحه (دفعه). دشّ الحبّ(دقّه). درع الذبيحة (سلخها من عنقها). دعث الأرض (داسها). دعثره (صرعه وأهلكه). دعسه (داسه). دعمه بالرمح (طعنه).دعك الجلد (دلكه ولينّه). الدعامة (عماد البيت الذي يقوم عليه). دكّ البناء (هدمه).دكل الشيء (داسه). دمدم القوم (طحنهم فأهلكهم). دمر الشيء (أباده). دلك الثوب (دعكه بيده ليغسله). دقمه (دفعه مفاجأة ). دهثه (وطئه بشدة). دهدم البناء(هدمه). دهق الشيء (كسره وقطعه). دهف الشيء (أخذه أخذا كثيرا) . دهكه (طحنه وكسره). داسه (وطئه بشدة). داحت الشجرة (عظمت ). دهمق الشيء (كسره).
كما عثرت على واحد وعشرين مصدراً تدل معانيها على الدحرجة والتحرك السريع منها:
دأدأ(عدا أشد العدو) . دجّ (دبّ وأسرع). دخدخ (أسرع). دحرجه. دربأه (دحرجه). درقع ودرفل ودلظ (مرّمسرعا). دلق (خرج مسرعاً) دحدره (دحرجه). دهدى الحجر ودهدهه (دحرجه) . دهرج (أسرع في مشيه). دفدف (أسرع). دمشق في الشيء (أسرع. والدماشق، الشديد السرعة). دمك في مشيه (أسرع) تدهكر في مشيه (أسرع). دهمج البعير (قارب الخطو وأسرع). ولئن كانت الحركة تنتمي أصلاً إلى القطاع البصري، فإن ظاهرة الشدّة المادية هي المقصودة ، مما دعاني إلى تصنيف (الدال) في زمرة الحروف اللمسية.
وخلافاً لكل توقع، قد عثرت على (26) مصدراً تدل معانيها على الظلام وألوان السواد، هي:
دحدج الليل (أظلم). دجم ودجن (أظلم). الدّجى (سواد الليل). الدّيجور (الظلام). دحمس الليل (أظلم) . دخّ (أسودّ لونه كمداً). الدّخان. ليل داج (مظلم). الديسم (الظلمة والسواد). الأدْغم (الأسود الأنف).دعلج الليل (أظلم). ليل أدعج (شديد السواد). الدغش (الظلمة). دغن الليل (أظلم). أدلج القوم (ساروا في أول الليل). ليل داخ(مظلم). دلِم (اشتد سواده مع ملوسة). أدلمّس الليل (اشتدت ظلمته). أدلهمّ الظلام (اشتد). دمج الليل(أظلم). دمس الظلام (اشتد سواده) . دهِم (اسودّ). دكِن (مال إلى السواد). الدارش (جلد أسود) . الدّخامس(الأسود الضخم).
كما عثرت على تسعة مصادر تدل معانيها على المشي البطيء للثقل بما يتوافق مع ثقل صوت الدال . هي :
دأل(مشى مشية المثقل). دلخ (مشى بطيئاً لثقل حمله). دبّ(مشى رويداً) . دأى(مشى كمشية المثقل). دربل (مشى متثاقلاً). درمج في مشيه (دب دبيباً).
وإذن كيف يستيقيم لي أن أصنف حرف (الدال) في زمرة الحروف اللمسية وقد تجاوز طبقتها إلى البصرية في ستة وعشرين مصدراً تدل معانيها على السواد والظلام. ؟ ليبذّ حرف (الدال) في هذا المضمار حرفَ الغين المختص أصلاً بمعاني الغيبوبة والغؤور والظلام، كما سوف نرى. ذلك أن انغلاق صوت (الدال) على نفسه قد جعله في عزلة عمياء صمّاء عن أي إحساس آخر أو مشاعر إنسانية.
وهذا الانغلاق جعله أصلح الحروف للتعبير المباشر عن الظلام والسواد. دونما كناية أو تورية.
فهل لدى القارئ تعليل آخر؟.
وهكذا فإن المصادر التي التزمت معانيها بالخصائص الحسية لحرف الدال لمسيها وبصريها لم تبلغ سوى (58%)، وهي أقل مما كان متوقعا لهذا الحرف القوى والثقيل.ولاشك في ان ذلك يعود إلى تعاونه مع الحروف العربية كلها، باستثناء حرفي (الضاد والذال)، المحجوبين عنه بحرفي (الظاء والزاي). فكان لابد لحرف (الدال) أن يتفاعل مع أصوات بقية الحروف، مؤثراً فيها حينا، ومتأثراُ بها حيناً آخر. ولذلك كثرت المصادر التي تدل معانيها على الرقة والضعف والوهن لتدخّل الحروف التي في أصواتها رقة وأناقة ولين، كما في حروف (ن. ث. خ. ح. هـ. ش).
على أن معاني المصادر التي تبدأ بهذا الحرف، باستثناء مادل منها على الظلام والسواد، قد التزمت بطبقته اللمسية، لم تتجاوزها إلا في خمسة للأصوات هي:
دردر الماء(صوت).دقدق القوم(ا***وا). دنّ الذباب دنينا (صوت وطنّ). دَ هـْ دّ هـَ (صوت لزجر الابل). دندن . وذلك لتدخل أحرف (ق. ن. هـ) ،كما سنرى. وفي مصدرين للمشاعر الانسانية هما:
دلِه (ذهب فؤاده عشقاً). دهشه (حيره وأذهب عقله). وذلك لتدخل الهاء الشعورية. وهذا يقطع بأن حرف (الدال) صحيح الانتماء إلى الحاسة اللمسية وإلى زمرة الحروف المتوسطه القوة، ولا أثقل وزنا.
5-حرف الكاف:
مهموس شديد، هو عند العلايلي والأرسوزي(للاحتكاك)، وهذا واحد من معانيه. هذا الحرف، إذا لفظ صوته ممطوطاً مخفوتاً به قليلاً ومضغوطاً عليه بعض الشيء، يحاكي صوت احتكاك الخشب بالخشب. ولعل العربي قد اقتبسه عفو الفطرة من هذا الحدث لإشعال النار بهذه الطريقة البدائية. وصوته في هذه الحال يوحي بشيء من الخشونة والحرارة والقوة والفعالية، مما يؤهله للانتماء إلى حاسة اللمس. أما إذا لفظ بصوت عالي النبرة وبشيء من التفخيم والتجويف، فإنه يوحي بالضخامة والامتلاء والتجميع، مما يؤهله للانتماء إلى زمرة الحروف البصرية. وإذن فلنحتكم إلى المعاجم اللغوية في مسألة أنتمائه.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وستة وثمانين مصدراً تبدأ بحرف الكاف. كان منها أربعة مصادر للاحتكاك وواحد للحرارة هي:
كسحت الريح الأرض (قشرت عنها التراب). كشح العود (قشره). كشطه عنه (ازاله). كفكف دمعه (مسحه مرة بعد مرة).كهر الحر (اشتد).
وكان منها أربعون مصدراً للشدة والفعالية.منها:
كبّه على وجهه. كدّه وكرده (طرده). كسر الشيء. كعبره بالسيف(قطعه). الكلاكل (القصير الغليظ الشديد). كمحه ( كبحه). الكنادر من الرجال الغليظ القصير مع الشدة) كنت فلان في خلقه (قوى). كار في مشيه (أسرع)، والراء هنا للحركة كما سيأتي
وكان منها أربعون مصدراً تدل معانيها على الكثرة والضخامة والتجميع. منها:
كبُر. الكبْع (حوت عظيم). الكِتلة. الكثير. الكُردوس (كل عظم تام ضخم). كسب الشيء (جمعه). كظب (امتلأ سِمنا). كعر الصبي(امتلأ بطنه وسمن ) كلس الشيء وكلده وكلزه (جمعه).كمل. كنّر فلان (ضخم، وسمج). كاز الشيء (جمعه). تكوكل القوم (تجمعوا) . كوِم الشيء (عظم).
وكان منها ستة مصادر للأصوات. هي:
كتّتِ القدر(صوتت عند ابتداء غليانها). كحّ(سعل). كخّ الرجل (غطّ في نومه). كركر (ضحك كالقهقهة). كشّت الأفعى (صوَّت جلدها باحتكاكه ببعضه). كاد الغراب كيداً (صاح بجهد). ويلاحظ أن معظم هذه الأصوات يحاكي أصوات الحروف التي تتألف منها هذه المصادر.
وكان للمشاعر الانسانية مصدران. هما: كئِب وكرب.
وهكذا يبدو أن حرف (الكاف) موزع الانتماء بين حاستي اللمس والبصر. فقد بلغت نسبة اللمسيات من احتكاك وحرارة وشدة (26.5%)، وبلغت نسبة البصريات (23.5%). وهذا الفارق الضئيل لايجيز لنا حشر (الكاف) في زمرة الحروف اللمسية.
وإذن لابد من الرجوع إلى المصادر التي تنتهي بهذا الحرف.
لقد عثرت على أربعة وثمانين مصدراً تنتهي بالكاف، كان منها خمسة عشر مصدراً تدل معانيها على الاحتكاك، مادّيه ومعنويِّه. هي:
ألَك الفرس اللجام (علكه ومضغه). حكّ. دعك. دلك. شبك الشيء (تداخل بعضه في بعض). شكّ الشيء (لصق بعضه ببعض). عرك الجلد ومعكه (دلكه). علك. مكّ العظم (مصّ جميع مافيه). محك (لجّ في المنازعة).وكان للحرارة ثلاثة مصادر. هي:
أكّ اليوم وعكّ(اشتد حره). عتك الحرّ (اشتد).
أما الشدة فكان لها ثلاثة عشر مصدراً.منها: بتكه (قطعه). بكّ الشيء (هشمه ومزقه). دكّه(دقّه ودفعه). صكّه (دفعه بقوة). الضنك (الشدة). متك الشيء (قطعه).نهكه(جهده وغلبه). دهكه (طحنه).
وكان للضخامة والتجميع تسعة مصادر. منها:
أيك الشجر (كثُر والتف) باك البعير (سمِن). تمَك السنام (طال وارتفع وامتلأ). حشك القوم (احتشدوا) . زمكه (ملأه ). ودِك (سمِن).
وكان للأصوات مصدر واحد هو: ضحك ولاشيء للمشاعر الانسانية.
وهكذا نرى أن تأثير حرف الكاف في معاني الألفاظ يختلف باختلاف موقعه منها. فهو في أولها موزع الإيحاءات بين اللمسي والبصري بنسب متقاربة كما لحظنا آنفا.أما في آخر المصادر فكان للمسيات منها (37%) بينما اقتصرت البصريات على نسبة (10%).
كما لوحظ أن حرف الكاف كان أكثر التزاماً بطبقته اللمسية عند مايقع في آخر المصادر، إذ لم يتجاوزها إلى الطبقات الأعلى إلاّ في مصدر واحد هو (ضحك). أما المصادر التي يقع الكاف في أولها، فقد تجاوز ثمانية منها اللمسي والبصري إلى السمعي والشعوري كما مر معنا
ومنه يتضح أن العربي كان يلفظ حرف (الكاف) في أول المصادر بشيء من الفخامة والشدة وليس كما نلفظه اليوم بشيء من الرقة والرخاوة.فكان صوته بذلك أوحى بالشدة والضخامة.أما في آخر المصادر فكان يلفظه مخفوتاً به بعض الشيء وممطوطاً أيضاً، ليكون صوته بذلك أوحى بالاحتكاك والحرارة.
وعلى الرغم من أن هذا الحرف يمكن تصنيفه في زمرة الحروف البصرية، فإنني أخترت له زمرة الحروف اللمسية وذلك لظاهرة الاحتكاك اللمسية المتأصلة في طبيعة صوته.
ولما كان هذا الحرف قد أثّر في معاني المصادر التي وقع في أولها بنسبة (50%)، وفي المصادر التي وقع في آخرها بنسبة 48%)، فهو يتمتع بشخصية متوازنة متوسطة الشدّة. كما أنه يتمتع بشخصية جيدة من حيث التزامة بطبقته اللمسية عندما يقع في نهاية المصادر.
6- حرف الميم:
مجهور،متوسط الشدة أو الرخاوة. شكله في السريانية يشبه المطر وهو عند العلايلي (للانجماع)، وهذا واحد من معانيه.
يحصل صوت هذا الحرف بانطباق الشفتين على بعضهما بعضا في ضمة متأنية وانفتاحهما عند خروج النفس. ولذلك فإن صوته يوحي بذات الاحاسيس اللمسية التي تعانيها الشفتان لدى انطباقهما على بعضهما بعضا، من الليونة والمرونة والتماسك مع شيء من الحرارة.
وهكذا صنّفت هذا الحرف بادئ الأمر في زمرة الحروف الايحائية. وبمطابقة خصائصه الصوتية على معاني المصادر التي تبدأ أو تنتهي به تبين لي أنه يكاد يكون معدوم الشخصية، فلم أولِهِ كبير عناية أو اهتمام. ولم أنتبه إلى خصائصه الإيمائية إلا بعد أن اكتشفت مصادفة الخصائص الإيمائية في حرف الفاء كما سيأتي في دراسته.
فانطباق الشفة على الشفة مع حرف الميم يماثل الأحداث الطبيعية التي يتم فيها السدّ والانغلاق. كما أن ضم الشفة على الشفة بشيء من الشدة والتأني قبيل خروج صوت الميم يمثّل بداية الأحداث التي يتم فيه المص بالشفتين والجمع والضم.أما انفراج الشفتين أثناء خروج صوت الميم فهو يمثل الاحداث التي يتم فيها التوسع والامتداد.
وهكذا فإن خصائص صوت هذا الحرف موزعة بين اللمسي الإيحائي والبصري الإيمائي، مع ملاحظة وجود التناقض بين الانغلاق والانفتاح في خصائصه الإيمائية.
فماذا عن خصائص هذا الحرف في المعاجم؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وثلاثة وخمسين مصدراً تبدأ بحرف الميم كان منها (45) مصدراً تدل معانيها على المرونة والرقة والتماسك بمايتوافق مع إيحاء صوت الميم .منها.
المأد (الناعم من كل شيء). المجماج(المسترخي المترهّل). مرت الشيء (ملسه). أمرخ العجين (كثر ماؤه حتى رق) . مرن (لان بعد صلابة). معّ الشحم (ذاب) . ملس الشيء (لان ونعم). مهك الشيء (سحقه وملسه). مَهُوَ السائل(رقّ وكثر ماؤه). ماث الشيء موثا (مرسه حتى تنحل اجزاؤه). مرس التمر في الماء(دلكه في الماء حتى تنحل أجزاؤه). ماثت الارض ميثاً (لانت وسهلت).ماع الجسم( ذاب وسال).
وكان منها سبعة عشر مصدراً تدل معانيها على الجمع والضم والكسب، بما يتوافق مع واقعة ضم الشفة على الشفة بشيء من الشدة. منها:
متح الدلو (جذبه). متش الشيء (جمعه). المثانة(كيس في الحوض يتجمع فيه البول). المدينة (المصر الجامع). المرهة (حفيرة يجتمع فيها ماء السماء).مزن القربة (ملأها)، مسك بالشيء. مشع (كسب وجمع) .مع(حرف جر للمصاحبة). ملك الشيء (حازه). امتلأ الشيء (أفعم). المال(كل مايملك الفرد) .
وكان منها ثلاثة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الرّضاع والحلب والمص واستخراج مافي الأشياء المجوفه، بما يتوافق مع حركة ضمّ الشفة على الشفة بشيء من الشدة والتأنيّ . منها :
مرث الصبي ثدي أمه (مصَّه). امترى الناقة (حلبها). مرز الصبيّ ثدي أمّه (عصره بأصابعه في رضاعه). مصعت المرأة ولدها (أرضعته قليلاً). مذع الضرع (حلب نصف مافيه). معج الفصيل ضرع أمّه (لهزه وقلّب فاه في نواحيه ليتمكن منه). مغد الفصيل أمّه (رضعها). مقع الفصيل أمّه (رضعها بشدة). امتقّ الفصيل ما في الضرع (شربه كلّه) . مشق مافي ضرع الناقة (حلبه). مصر الناقة (حلبها بأطراف الأصابع). مقمق الحوار خِلْفَ أمه (مصّه مصّا شديداً). مقا الفصيل أمه مقواً (رضعها رضعاً شديداً). ملج الصبي ثدي أمه (رضعها بتناول ثديها بأدنى الفم). ملحت فلانة لفلان (أرضعت له). ملق الصبي أمه (رضعها). مخمخ العظم وتمخّاه (أخرج مخّه). المزرة (المصّه). مزّ الشراب (مصّه). مسط المعي (أخرج مافيه عصراً بأصبعه). مشّ العظم (مصّه بعد مضغه). مصد الشيء (مصّه). مصّ الشراب (شربه شرباً رفيقاً). مصمص فاه(مضمضه). مضّ الشيء (مصّه). مضمض الماء في فمه (أداره فيه). معق الشراب (شربه شرباً شديداً) مكّ العظم ومكمكه (مص جميع مافيه) تمهّق الشراب (شربه ساعة بعد ساعة).
ويلحق بهذه الفئة من المصادر حرف الجر(من) ،لخاصية الأخذ في وظيفتها التبعيضية.
وكان منها خمسة مصادر تدل معانيها على الهضم والمضغ، بما يتوافق مع حركة انطباق الشفتين على بعضهما بعضا .هي:
قطَعَ الشيء (أكله بمقدمة أسنانه). مضغ الشيء (لاكه بأسنانه). تمطّق الطعام (تذوقه). معد لحمه (أخذه بمقدم أسنانه). مغمغ اللحم (لم يحكم مضغه).
وكان منها أربعة وعشرون مصدراً تدل معانيها على التوسع والامتداد والانفتاح، بما يتوافق مع حركة انفراج الشفتين والفكين عن بعضهما بعضا في أثناء خروج صوت الميم.منها:
مأس الجرح (اتسع). مأى السقاء(وسّعه).متر الحبل (مدّه). متى الحبل متوا(مدّه). مدّ الشيء (زاد فيه). مزع القطن ( نفشهُ بأصابعه). مطّ الشيءَ (مدّه). مصل الحبل(مدّه). مطمط في كلامه (مده وطوله).معط الشيء (مدّه). تمعّى السقاء (تمدد وتوسع، ومنه، معا السنّوّر ، بمعنى صوّت ، لطول مايمدّ بصوته). مغط الشيء (مدّه ليستطيله). ملد الشيء ملدا (مدّه).
ولم أعثر إلا على مصدر واحد للحرارة هو: محت اليوم (كان شديد الحرّ).
ولم أعثر على أي مصدر يدل على السّداد أو الانغلاق .
وكان منها خمسة مصادر للأصوات هي:
مأمأت الشاة(واصلت صوتها). معا السنور ومغا مغوا (صاح) .مكا (صفّر).ماء القطّ مواء (صاح).
ويلاحظ أن هذه الأصوات الخمسة تتوافق مع خصائص الميم الإيحائية (طبيعة صوت).أو مع خصائصه الإيمائية (مدّاً في الأصوات واستعانة بالشّفاه في إحداثها).
وكان منها ثلاثة للمشاعر الإنسانية .هي:
المرح (شدة الفرح). معض من الأمر (غضب وتألم). مقته(أبغضه أشد البغض).
ولقد بلغت نسبة تأثير خصائص حرف الميم الإيحائية والإيمائية في المصادر التي تبدأ به نيفا و(50%). مما يقطع بأن حرف الميم ينتمي إلى طبقتي اللمسي والبصري بجدارة .
وأنا إذ صنّفته في زمرة الحروف اللمسية، فذلك لطبيعة صوته ولغلبة معاني اللمسيات في المصادر التي تبدأ به من رقة ولين وتماسك ورضاع ومص، على معاني البصريات من جمع وضم وقضم.
ولكن ماذا عن حرف الميم في آخر المصادر؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثمئة واثنين وثلاثين مصدراً تنتهي بحرف الميم . كان منها ستة مصادر فقط تدل معانيها على الرقة واللين ، بما يتوافق مع موحياته الصوتية:هي:
الأدمة (باطن الجلد تحت البشرة وفوق اللحم). رخم صوته ( لان وسهل).الشحم. النخامة. نسمت الريح. نعم الشيء (لان ملمسه ونضر).
كما كان منها تسعة مصادر تدل معانيها على الحرارة توافقاً مع الموحيات الصوتية لحرف الميم.هي:
جحم النار(أوقدها). جهنّم. حدمه (أحماه بالنار إحماءً شديداً). حمّ الماء (سخن).سمّتِ الريح (أحرقت ) ضرمت النار (اتقدت واشتعلت).غتم الحرّ (اشتد) . غمّ اليوم (اشتد حره حتى كاد يأخذ بالنفس). الأوام (حرارة العطش).
وكان منها ستة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الجمع والضم والكسب، بما يتوافق مع واقعة ضم الشفة على الشفة.منها:
بشم من الطعام(أكثر منه حتى أتخم). تمّ (كمل). أتأمت الحامل(ولدت أكثر من واحد في بطن واحد). جعم الرجل (اشتد حرصه وطمعه). جمّ(اجتمع وكثر). حزمه(شده بحزام ) . دكمه (جمع بعضه إلى بعض). رئم الجرح (انضم والتأم). ردم الثوب(ضمّ بعضه إلى بعض). رضم الشيء (ضم بعضه إلى بعض). ركمه (جمعه وألقى بعضه على بعض). رام الجرح ريما ( انضمّ فمه للبرء). ازدحم القوم. ضمّه. زمّ الشيء (شدَّهُ).طمّ (كثر حتى عمّ). عكم المتاع(شده بالعكام ). كثم الشيء (جمعه). كوّم الشيء (جمعه وألقى بعضه على بعض). لحم الشيء (لأمه). لدم الثوب (رقعه وأصلحه). لمّ الشيء (جمعه جمعاً شديداً). وضم القوم (تجمعوا وتقاربوا ).
وكان منها مصدر واحد فقط لشرب الحليب وليس للرضاع هو : غذم الفصيل ما في ضرع أمه (شربه جميعاً) .
وكان منها ثمانية عشر مصدراً تدل معانيها على القضم والأكل، بما يتوافق مع حركة انطباق الشفتين على بعضهما بعضا .منها:
أرم عليه (عضّ). أزم على الشيء (عضه بالفم كلّه عضّاً شديداً). بزمه (عضه بمقدم أسنانه). خضمه(أكله بجميع فمه). زقم الخبز (لقمه وبلعه). ضغمه (عضه شديداً بملء فمه). عجم العود (عضه ليعلم صلابته من رخاوته). قضمه.(قطعه بطرف أسنانه). تكادم الفرسان (عض بعضهم بعضاً). لهِم الشيء (ابتلعه بمرّة ). لقم اللقمة (أخدها بغته ). حلقم الشيء (ابتلعه).
وكان منها ثلاثة مصادر فقط للتوسع والانفتاح. هي:
بسم (انفرجت شفتاه عن ثناياه) . أفأم الدلو (وسّعه وزوّد فيه).انفجم الوادي (اتسع).
وهذه الظاهرة من الانفتاح والتوسع تعود أصلاً إلى تأثير حرفي (الباء والفاء) في مقدمة المصادر، كما سوف نرى، وليس لحرف الميم.
وكان منها خمسة عشر مصدراً تدل معانيها على السدّاد والانغلاق ، بما يتوافق مع واقعة انطباق الشفة على الشفة عند ما تلفظ الميم في نهاية الكلام.منها:
أطم الهودج(ستره). بجم (سكت عن عيّ). بكِم (عجز عن الكلام خلقة ) بلم الرجل (سكت). بهم القفل (أغلقه). الدّسام (مايسدّ به رأس القارورة ونحوه). حشم (انقبض واستحيا). سدم الباب وسطمه (ردهّ). صمّ (ذهب سمعه ). كظم السّقاء (ملأه وسدّ فاه . ومنه كظم الغيظ). كتم الشيء (ستره وخفاه). الفدام (مايوضع من فم الدابة سداداً له) . كمّ الدنّ (سدّ فاه). لأم الجرح (سده). لجم الدابة. وجم الرجل وأجم (سكت على غيظ ).
وشذوذاً عن القاعدة التي اعتمدتها بصدد الحروف الشاعرية الرقيقة، فإن نسبة تأثير خصائص الميم الإيحائية والإيمائية في المصادر التي تنتهي به لم تبلغ سوى نصف ما بلغته في المصادر التي تبدأ به ، إذ هبطت هنا إلى (26%).
وذلك يرجع إلى أن حرف (الميم)، وإن كان رقيق الصوت، مرنه ولينه، فإنه من الحروف الإيمائية غير الشاعرية. وشأنه في ذلك شأن حرفي اللام والفاء، من حيث الرقة والوظائف الإيمائية، كما سيأتي :
وبالمقارنة بين معاني المصادر التي تبدأ بالميم والتي تنتهي به نلاحظ المفارقات التالية:
1-كانت نسبة معاني الرقة واللين في المصادر التي تبدأ بالميم قرابة سبعة أضعاف ما هي عليه في المصادر التي تنتهي به. وذلك يرجع إلى أن تسلط الحروف القوية على الحروف الضعيفة، يكون في أقصى شدته عند ما تقع الضعيفة في نهاية المصادر. فلقد بلغت المصادر التي تنتهي بالميم ، مما يدل على معاني الشدة والغلظة والضخامة والقطع والكسر أربعة وستين في حين لم تبلغ في المصادر التي تبدأ بالميم سوى اثنين وعشرين.
2-كانت نسبة معاني الضم والجمع والكسب في المصادر التي تنتهي بالميم تقارب ضعفي ماهي عليه في المصادر التي تبدأ به.
3-كانت معاني القضم في المصادر التي تنتهي بالميم ثلاثة أضعاف ماهي عليه في المصادر التي تبدأ به .
4-لم أعثر في المصادر التي تبدأ بالميم على أي مصدر يدل على معاني السد والانغلاق، في حين كان ثمة خمسة عشرمصدراً تنتهي بالميم، مما يدل على هذه المعاني .
5-كان ثمة أربعة وعشرون مصدراً تدل معانيها على التمدد والتوسع والانفتاح مما يبدأ بالميم، في حين لم أعثر إلا على ثلاثة مصادرلهذه المعاني في المصادر التي تنتهي به.
هذه المفارقات ترجع أصلاً إلى أن كلاً من الشفتين والفكين يستقران في انطباقهما على بعضهما بعضا عندما نلفظ الميم في نهاية الكلمة،ليكونا بذلك أشد تمثيلاً لوقائع الضم والجمع والقضم والسدد والانغلاق، أما عندما نلفظ الميم في أول الكلمة ، فإن الشفتين والفكين لاتلبث أن تنفرج عن بعضها بعضا لتكون بذلك أصلح لتمثيل وقائع التوسع والانفتاح والتمدد.
أما المفارقة العجيبة في هذه المقارنة، فهي أن ثمة ثلاثة وثلاثين مصدراً تدل معانيها على الرضاع والحلب والمصّ واستخراج الأشياء مما هو مجوف في المصادر التي تبدأ بالميم، بينما لم أعثر إلا على مصدر واحد يدل على معنى الرضاع في المصادر التي تنتهي به، على الرغم من أن الشفتين في الوضع الأخير هما أكثر استقراراً في انطباقهما على بعضهما بعضا كما سبق ولحظت ذلك آنفا.
ولكن، إذا صح أن الشفتين تكونان أكثر استقراراً في انطباقهما على بعضهما بعضا في اللفظة التي تنتهي بالميم، فإنهما تستقران بصورة مفاجئة، سواء بشدةّ حينا أم دونما شدةّ غالب الأحيان. أما عندما تلفظ الميم في أول الكلمة، فهي تلفظ بضم الشفة على الشفة بشيء من الشدةّ والتأني مما هو أكثر تمثيلاً لوقائع الرضاع والحلب والمصّ. وذلك يرجع إلى أن حرف الميم قد أبدع أصلاً لتمثيل واقعة الرضاع بالذات. فعمل العربي على ابقائه في مقدمة المقاطع الثنائية الحروف والثلاثية لمعاني الرضاع، وجعل الحروف المزيدة في المؤخرة كما سبق وأشرت إلى ذلك.
وفي الحقيقة، إن هذه المصادر التي تدل معانيها على الرضّاع والمصّ، هي أبلغ في التعبير وأكثر تمثيلاً لهذه الوقائع من أي لفظة عربية أخرى بما في ذلك لفظة الرضاع بالذات، وإن كانت هذه أعذب صيغة وأوقع في النفس جرساً. لخاصيات (الرشاقة) في صوت الراء و(النضارة) في (الضاد)و(النصاعة) في العين، كما سيأتي. مما يرجّح معه أن تكون لفظة (مّا) بتشديد (الميم) ومدّ (الالف)، قد أُبْدِعت في المرحلة الزراعية، بترجيح شديد، وذلك للتعبير بطريقة النطق بالميم المشددة إيماء وتمثيلاً عن واقعة مصّ الطفل ثدي أمهّ ترافقها حركة معينة. ثم سقطت الحركة مع الزمن، وتطور معناها من واقعة الرضاع إلى معنى الأمّ إطلاقاً، مرضعاً كانت أم غير مرضع.
ومن المرجح أن العربي قد طورّ لفظة (مّا) في المرحلة الرعوية إلى (أم)، بإبدال الألف المهموزة في اللسان العربي، كما ذكر العلايلي. ولفظة (ماما) في اللهجات العامية ماهي في الحقيقة إلا الأرومة التاريخية للفظة (الأم) قد أتتنا من مراحل اللغة العربية البكر. ومما يرجح صحة هذا الرأي أن لفظة (ماما) موجودة في معظم اللغات الغربية، وأنّ الألفاظ التي تدل على معنى (الأم) فيها تبدأ بحرف الميم.
وهكذا قيل للوالدة (ماما)، وللوالد(بابا). فإذا كان حرف الميم أكثر تمثيلاً لمعاني المص والرضاع والضم والانجماع، وأوحى بمعاني الرقة والإحاطة في الأمومة، فإن صوت الباء الانفجاري، إنما هو أكثر تمثيلاً لمعاني البقر والبعج وأكثر إيحاء بمعاني الشدة والقوة في الرجل الأب.
ونحن لانكون بعيدين كثيراً عن الحقيقة لو أصلنا على ذلك. وقياساَ على مالحظناه في نشأة حروف (الفاء والثاء والذال).أن نقول إنّ حر ف الميم هو من إبداع المرأة الأم بالذات، وذلك بسائق حاجة الأم المرضع إلى التعبير عن واقعة هي ألصق بطبيعتها من الرجل.
وهكذا بدأ حرف الميم بانطباق الشفة على الشفة في ضمّة شديدة طويلة متأنية، وذلك تمثيلاً لواقعة الرضاع، فكانت هذه الحركة الإيمائية أسبق في الزمن من صوته.




الفصل الثاني:
الحاسة الذوقية وحرفاها

الحاسة الذوقية:
إذا كان التنبيه اللمسي ميكانيكياً، فالتنبيه الذوقي كيميائي كالتنبيه الشمي. الكيفيات الذوقية الرئيسة أربع هي:
الحامض والمالح والحلو والمر. ولكل كيفية منها حليمات ذوقية خاصة منتشرة بطريقة منظمة على غشاء اللسان. فطرف اللسان يجيد الإحساس بالحامض، وهو ضعيف الإحساس بالمالح والحلو، ومعدومه بالمر. وجوانب اللسان تجيد الإحساس بالحلو والحامض والمالح. والإحساس بالمر هو أقوى ما يكون في مؤخرة اللسان. أما المنطقة الوسطى من اللسان فالإحساس الذوقي معدوم فيها.
وغشاء اللسان يحسّ بالتماس والضغط والحرارة والبرودة . وتمتزج هذه الإحساسات بالإحساسات الذوقية فينشأ عنها كيفيات مركبة كالحار والبارد والحريف والحامز والعفص والقابض والمعدني.
الحرفان الذوقيان هما: اللام والراء.
1- حرف اللام
مجهور متوسط الشدة. شكله في السريانية يشبه اللجام. يقول عنه العلايلي: إنه (للانطباع بالشيء بعد تكلفة). تعريف مبهم.
إن صوت هذا الحرف يوحي بمزيج من الليونة والمرونة والتماسك والالتصاق. وهذه الخصائص الإيحائية لمسية صرفة.
ولكن يلاحظ أن صوت هذا الحرف يتشكل على مرحلتين اثنتين:
الأولى: بالتصاق اللسان بأول سقف الحنك قريباً من اللثة العليا حبساً للنفَس
والثانية: بانفكاك اللسان عن سقف الحنك، وانفلات النفَس خارج الفم
وهكذا فإن طريقة النطق بصوت (اللام) تماثل الأحداث التي يتم قيها الالتصاق مما يجيز تصنيفها في فئة الحروف الإيمائية التمثيلية، وهي هنا لمسية.
كما أن طريقة النطق بصوت (اللام) تماثل الأحداث التي تتم فيها الاستعانة باللسان في عمليات اللوك والمضغ واللحس وما إليها، مما جعلها ألصق ما يكون بالذوقيات، فصنفتها حرفاً ذوقياً.
وإذن أي الخصائص هي الغالبة على معاني المصادر التي تبدأ بها: أللمسي المزيج هنا من الإيمائي والإيحائي؟ أم الذوقي الإيمائي الصرف؟
1- فماذا عن اللمسي؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين واثني عشر مصدرا، تبدأ بحرف اللام، كان منها اثنان وثمانون مصدراً تدل معانيها على التماسك والالتصاق، بما يتوافق مع واقعة التصاق اللسان بأول سقف الحنك قريباً من اللثة العليا. منها:
لبّ بالمكان لبا (أقام فيه) . لبث بالمكان (مكث وأقام) . لبد بالمكان (أقام به ولزق). لثم.لثب بالشيء (لصِق به). لثَّ ولثلث بالمكان (أقام). لجم الثوب (خاطه). لحف. لحقه. لحم.لحك الشيء بالشيء (ألزقه به) . لذب بالمكان (أقام فيه) لذِي بالأمر (لزمه ولم يفارقه) لزَّ. لزب بالشيء (لصق به).لزِج. لزِق. لزِم. لزن القوم (تزاحموا) . لصّت المرأة (التصق فخذاها حتى لا يُرى بينهما فرجة). لصب الجلد بالعظم (لزق به هزالا). لطم الشيء بالشيء (ألصقه به) . لكد عليه الوسخ ولكع (لصق به ولزمه). لاط الشيء لوطاً وليطا (التصق به) لصق. لطا بالأرض (التصق بها). لفق (ضمَّ) . لقح. لَمّ. لمس. لاق الشيء به ليقاً (لصق). (لِكي به لكىً (أولع به ولزمه). التكَّ (تضامَّ وتداخل). لزّه (شدّه والصقه).
وبسبب من خاصية الالتصاق في حرف اللام، قد استخدمه العربي للنسبة والتملك .( له لي..). كما استخدم مقطع (الـ) التعريف للتعبير عن ارتباط الأسماء التي تدخل عليها بمعرفة سابقة عنها. لتخرج تلك الأسماء بذلك من عالم النكرة إلى عالم المعرفة، وياله من انتباه ذكي لوظائف (اللام) . وكذلك الأمر صراحة مع الأسماء الموصولة (الذي- التي..).
2- ثم ماذا عن الذوقي:
لقد كان ثمة ثلاثة وخمسون مصدراً تبدأ باللام تتعلق بعمليات الأكل والتذوق وأنواع الأطعمة وأوصافها موزعة كما يلي:
1- كان منها اثنا عشر مصدراً تدل معانيها على استخدام اللسان للتذوق واللحس وسواهما . هي: لحس. لسَّ الطعام (لحسه). لطع (لحس) . لعق. لمج الطفل أمه (رضعها) . تلمظَّ الطعام (ذاقه) . لاس الحلاوة (ذاقها) . لبلبت الشاة بولدها (لحسته والطفتة بشفتيها ). لثغ ( تحول لسانه من حرف إلى حرف). لهث الكلب ( أخرج لسانه من حرّ وعطش). لهج الفصيل أمه (تناول ضرعها يمتصه).
ب- وكان منها عشرون مصدراً تدل معانيها على المضغ وكيفية تناول الأطعمة هي:
لأف الطعام ( أكله جيداً) . لجلج الشيء في فمه (أداره للمضغ) . لسد العسل ولسبه ولمصه (لعقه) . تلعَّس فلان ( اشتد أكله). لعص (نَهِم في الأكل والشرب) . لبي من الطعام لبيا ( أكثر منه). لغوس ( أسرع في الأكل). تلغف الطعام (تناوله بكفه وازدرده). لقِم الشيء (اكله بسرعة). لقِف الطعام (بلعه). تلَّمق (أكل ما يتعلل به قبل الطعام).لهمس ( أكل ما على المائدة). لهِم الشيء ( ابتلعه) . لاكه. لاز الشيء لوزا ( أكله). لاس اللقمة (مضغها أهون مضغ).
وكان منها خمسة مصادر تتعلق بوصف الأكول هي:
اللحُوس (من يتبع الحلاوة ، كالذباب ). اللحْوس (الأكول من الناس). اللعو واللعا (الشره الحريص). اللعمِظ (الشهوان إلى الطعام).
جـ- وكان منها أحد عشر مصدراً تدلّ معانيها على أنواع الأطعمة وكيفيتها وأوصاف اللقمة. هي: اللبأ (أول اللبن عند الولادة قبل ان يرقَ). اللبن . اللُّقمة. اللُّعاق (بقية اللقمة في الفم). اللُّغفة (اللقمة).اللُّعاع (الجرعة من الشراب). اللماك (مايذاق من الطعام). اللُّهجة واللُّهنة (ما يتعلل به قبل الطعام). لغلغ الطعام (روّاهُ من الأدم). اللوقة (الزُّبدة) . لبَّق الثريد (خلطه ولينه).
وكان منها ثلاثة مصادر تدل معانيها على مستلزمات عمليات الأكل. هي:
اللسان. اللعاب. اللطع (الحنك).
وكان منها خمسة مصادر تدلّ معانيها على المرونة واللين ، بما يتوافق مع إيحاءات صوت اللام . هي:
لان . لدن. لخِي البطن (استرخى) . لطف . لواه.
وهكذا تبلغ نسبة المصادر التي تدل معانيها على الالتصاق والتماسك بما يتوافق مع واقعة التصاق اللسان بأول سقف الحنك أثناء خروج صوت اللام 38.5% أما المصادر التي تتوافق معانيها مع تلاعب اللسان في عمليات المضغ والتذوق ومتعلقات الأطعمة ، فقد بلغت (25%)، مما يؤكد صحة انتماء هذا الحرف إلى الحاسة الذوقية.فلم يتجاوز هذه الطبقة إلا في ستة مصادر . واحد للشمية (لخن) بمعنى أنتن ، بتأثير حرف الخاء. وثلاثة للبصرية. لمع النجم (تلألأ) ، بتأثير حرف العين. لألأ النجم ولاه، السراب بمعنى (اضطرب ولمع)، وحدس الاضطراب فيهما أغلب من حدس اللمعان. وواحد للسمعية: لغط القوم (ا***وا) . وواحد للمشاعر الإنسانية ، لهِف بمعنى (حزن وتحسَّر) ، وذلك بتأثير حرف الهاء ، كما سوف نرى
وهكذا يصدق تصنيفنا الهرمي المنكوس للحواس الخمس مع حرف اللام. فالعربي لم يجد في صوت اللام (ل. ل. .) مسوغا فنيا لاستخدامه في التعبير عن أحاسيس الحواس الأعلى، لولا تدخل بعض الحروف التي تنتمي أصلاً إلى الطبقات العليا، كما سنرى في دراسة أحرف (خ. ع. هـ). وقد يتساءل القارئ عن السبب في تصنيف حرف اللام ذوقياً ، وليس ثمة أيُّ مصدر يبدأ به مما يدلّ معناه على طعم أو مذاق، من حلاوة أو مرارة أو حموضة أو ملوحة، وما إليها؟
فما دامت غالبية المصادر التي تبدأ (باللام) قد اقتصرت معانيها على اللمسيات من التصاق وتماسك وليونة ، وعمليات مضغ وبلع وما إليها من متعلقات الأطعمة ، ألم يكن الأجدر بنا أن نصنفه في زمرة الحروف اللمسية ؟.
وردا على هذا التساؤل أقول:
لقد بلغت نسبة المعاني الدالة على الالتصاق وعمليات المضغ والتذوق في المصادر التي تبدأ بحرف اللام (5،63%) وهذه الأحداث كما يلاحظ القارئ تتوافق مع واقعة التصاق اللسان بسقف الحنك ومع تلاعبه باللقمة ، تذوقاً ومضغاً وبلعاً.
وإذن من المرجح أن الإنسان العربي قد بدأ في المرحله الغابية ، أو في المرحلة الزراعية بالتعبير عن هذه الأحداث بالحركات المناسبة من اللسان والأسنان والشفاه والفم وغيرها ، إيماء وتمثيلاً. فكانت هذه الحركات بصورة مبدئية أسبق في الزمن من صوت اللام .
ولقد عمد العربي في المرحلة الرعوية إلى تهذيب صوته والتخلص من الإشارات والحركات المرافقة له، فلم يبق منها إلا التلاعب باللسان والفم بالقدر الكافي لخروج صوته.
وإذن لما كانت العلاقة الفطرية بين حرف اللام وبين عمليات التذوق والمضغ والبلع هي علاقة إيمائية صرفة، وكان من المتعذَّر التعبير إيماء وتمثيلاً عن المذاقات، فان صوت اللام المتأتي من تطور تلك الحركات الإيمائية لا يمكن ان يوحي أصلاً بأي مذاق معين من حموضة أو ملوحة أو مرارة وما إليها.
وهذا يؤكد صحة ما ذهبت إليه في بحث (الجذور الغابية والزراعية والرعوية في أصوات الحروف) من حيث نشأة الحروف الإيمائية (المرجع السابق ص125-145).
وهكذا ، لما كان حرف اللام لسانيا صرفا، واللسان هو عضو الحاسة الذوقية ، وكانت معاني المصادر التي تبدأ به لم تتجاوز الطبقة الذوقية إلا بنسبة أقل من (3%).فإنه ليس ثمة أي محذور من رفع مرتبة هذا الحرف من الطبقة اللمسية إلى الطبقة الذوقية لتعامله أصلاً مع المطاعم تذوقاً ومضغاً ولوكاً وبلعاً.
وهكذا فإن هذا الحرف الإيمائي الإيحائي ، موزع الخصائص والمعاني بين اللمسي والذوقي، كما يتمتع بشخصية جيدة ، سواء من حيث التزامه بطبقته الهرمية، أو من حيث نسبة تأثيره في معاني المصادر التي تبدأ به وقد بلغت (65%).
وبملاحقة اللام في نهاية الألفاظ عثرت على (306) مصادر، لم تتأثر معانيها بخصائص اللام إلا بنسبة (8%). وذلك لأن اللسان لا يتلاعب بحرف اللام في نهاية الألفاظ كما يفعل في بدايتها . فتخلّى هنا عن وظيفته التمثيلية الإيمائية مما أفسح المجال للحروف الأخرى التي شاركت في تراكيب هذه المصادر.
2- حرف الراء:
مجهور متوسط الشدة والرخاوة. شكله في السريانية يشبه الرأس . قال عنه العلايلي: إنه (يدل على الملكة وعلى شيوع الوصف). تعريف مبهم.
لئن كان بعض أصوات الحروف العربية يماثل عظام الإنسان في قساوتها ، وبعضها يماثل عضلاته في قوتها ومرونتها ، وبعضها الآخر يماثل لحمه في ليونته وطراوته ، و غيرها يماثل أعصابه في حساسيتها ورهافتها وما إلى ذلك من وظائف أعضاء البدن وخصائص الحروف ، فإن صوت حرف الراء من أصوات الحروف هو أشبه ما يكون بالمفاصل من الجسد.
وانطلاقاً من خاصية التمفصل هذه في صوت (الراء) وفي مفاصل الجسد، قد ادخل العربي هذا الحرف في معظم الأعضاء التي تتصل بغيرها بمفاصل غضروفية. منها:
الرأس . الرقبة . المِرفق . الركبة . الرضفة . الرِّجل. الرسغ. الوِرك. الورّ (الورك) . الفقرة. ويلحق بها الأعضاء التي تتوافق معها في ظاهرة التحرك . هي:
الخصر (لتأوده وتثنيه) . الرئة (كعضو للتنفس). الصدر (لظاهرة تحركه أثناء الشهيق والزفير، صعوداً وهبوطاً). الشَّعر (لظاهرة نوسانه مع الانسام أو حركة الجسم). البصر والنظر (لتنقلهما المستمر بين المرئيات).
وفي الحقيقة، إن حاجة اللغة العربية إلى حرف الراء لاتقل عن حاجة الجسد للمفاصل. فلولا صوت الراء لفقدت لغتنا الكثير من مرونتها وحيوتها وقدرتها الحركية ، ولفقدت بالتالي الكثير من رشاقتها، ومن مقومات ذوقها الأدبي الرفيع.
فكما أن مفاصل الجسد تساعد أعضاءه على التحرك بمرونة في كل الاتجاهات، وعلى تكرار الحركة المرّة بعد المرّة ، فإن حرف الراء بتمفصل صوته (ر. ر. را) ، وبرشاقة طرف اللسان في أدائه، قد قدَّم للعربي الصور الصوتية المماثلة للصور المرئية التي فيها ترجيع وتكرار، وتأرجح ذات اليمين وذات الشمال ، وذلك" حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث"، كما قال ابن جني:
فليس هناك أيُّ حرف في الدنيا يستطيع صوته أن يؤدي بعض هذه الوظائف، فهو من المقومات الأساسية للغة العربية . لابل ما أحسب أن ثمة لغة يمكن أن تخلو منه.
ولعل الفرنسيين قد انتبهوا إلى وظيفة حرف الراء في الترجيع والتكرار، فجعلوا مقطع (ر و) - re)، الملحق في أول الأفعال ، للعودة والتكرار. ولكنهم لم يدخلوه في صلب اللفظة الفرنسية للقيام بهذه المهمة ، كما فعل العربي إلا نادراً . ولعّلهم قد انتبهوا إلى هذا النقص الأساسي في لغتهم في مرحلة راقية من مراحل تطورها، فابتدعوا هذا المقطع، وذلك على مثال ما ابتدعوا مقطع ( ان-in) للصميمية والبطون، ليقوم بوظيفة حرف (النون) في اللغة العربية ، كما سيأتي:
فما رصيد هذه الخصائص في صوت (الراء) على واقع المعاجم اللغوية ؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثمئة وثمانية وعشرين مصدراً تبدأ بحرف الراء.
كان منها مئة وثمانية وسبعون مصدراً تدل معانيها على التحرك والتكرار والترجيع، بما يتوافق مع الخصائص الحركية في صوت الراء، منها، مع بيان أسباب تصنيف بعضها في هذا الجدول:
رأرأ الحيوان بذنبه (بصبص). رؤُد الغصن (تمايل يمنة ويسرة). رابل (مشى متمايلا).
ربك الشيء (خلطه). رتك البعير (ركض بخطى متقاربة). رثى الميت (عدد محاسنه، للتكرار). رجّه (هزّه وحركه بشدة). الأرجوحة. رجرج (تحرك واضطرب). الرَّحى والرحا (أداة الطحن ، للدوران). المِردن (المِغزل، للدوران). ردفه (تبعه ، ركب خلفه). رزف الإنسان ( أسرع من فزع). رضخت التيوس (تناطحت). رضع. أرضك عينيه (أغمضهما وفتحهما). ردهّ (أرجعه). رعج البرق (اضطرب). رعرع الشيء (حرَّكه وزعزعه).رعس (رعش). رغست المرأة (كثر ولدها، للتكرار). رعص(ارتعد تحرك). رعض (انتفض). الرفث. رفّ ورفرف. الرعْون (الكثير الحركة، ومنه الأرعن بمعنى الأهوج). ترافصوا الماء بينهم (تناوبوه، للتكرار). رقص. أرقل (أسرع). ركض. رمع (اضطرب وتحرك). رمل (هرول). رنح(تمايل لسكر). ترهره السراب (تتابع). ارتهش (ارتعش). ترهيأ( تحرك واضطرب). الريح. الروح (مابه حياة النفس ، لقدرتها المطلقة على التحرك). راد (جاء وذهب) . راغ (ذهب يمنة ويسرة لخديعة). راع ريعا (عاد ورجع). راه السراب (اضطرب).
كما عثرت على اثنين وأربعين مصدراً تدل معانيها على الرقة والنضارة والرخاوة بما يتوافق مع هذه الموحيات في صوت الراء إذا لفظ مخففا بعض الشيء منها:
رأف به. الرحيق. الرخص. الرحمة. رخُم الصوت (لان وسهل). الرخاوة. رغد العيش. الرفاهية. الرَّقة. رهِل لحمه. راق روقا( صفا ) . راخ ريخا (لان واسترخى). ران عليه النعاس.
كما عثرت على تسعة مصادر تدل معانيها على أصوات فيها ترجيع وتكرار، بما يتوافق مع هذه الخصائص في صوت الراء هي.
رجس البعير (هدر شديدا) الرَّز ( صوت الرعد وهدير الجمل). رزف البعير (صوت) الرعد. رعقت الدابة (صوّت بطنها في العدو). رنّم (رجّع صوته). الرغاء (صوت الإبل). الرنين. الرطيط (ال***ة والصياح). مع ملاحظة مشاركة حرفي (ز،ن) للصوت والرنين في أربعة منها.
وكان منها أربعة مصادر للفزع والخوف في توافق بين مظاهر الاضطراب التي تنتاب من يتعرض لهذه الحالات الشعورية ، وبين ظاهرة الاضطراب والتكرار في صوت الراء هي:
رجب رجبا ورجوبا (فزع) . رعب. راع روعا (فزع) . رهبه (خافه) . مع ملاحظة مشاركة حرفي (ع. هـ) في ثلاث منها وهكذا إذا لحظنا أن المصادر التي تدل معانيها على أصوات ومشاعر إنسانية قد تأثرت بالخصائص الصوتية لحرف الراء ، فإن نسبة تأثيره في معاني المصادر التي تبدأ به تبلغ (70%).
ومما يلفت النظر أنني عثرت على تسعة وعشرين مصدراً تدل معانيها على الثبات والاستقرار والربط وضمّ الأشياء إلى بعضها بعضا والإقامة، مما يتناقض مع الخصائص الحركية في صوت الراء.
فما علة ذلك ؟ لقد لحظت في الجداول السابقة أنَّ العربي قد استخدم خاصيَّة التحرك والترجيع والتكرار في صوت الراء بمعرض التعبير عن معانيه برهافة سمع ونباهة ذهن، يستبعد معهما أن يقع في مثل هذا التناقض . وإذن ما علَّة ذلك؟
بتأمل معاني هذه المصادر ومشتقاتها يلاحظ أن العربي قد جعل حرف الراء في مقدمة بعضها للكشف عن واقعة التحرك والاضطراب التي يبدأ الحدث بها. وذلك (سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد)). كما قال ابن جني. وهي:
ربضت الغنم (طوت قوائمها ولصقت بالأرض وأقامت). ربط الشيء (شدّه بالرباط). ربقه (ربطه بالرّباق، وهو ذوعرى لربط الدواب) رزح البعير (ضعُف ولصق بالأرض إعياءً أو هزالاً) . رزى على الأرض (لزم فلم يبرح). رسب (انحطّ وذهب إلى أسفل).
رسخ (ثبت في موضعه متمكناً ، ومنه رسخ المطر ، غاص نداه في الأرض). رسّ الشيء في الشيء (دخل وثبت). رسا رسوا (ثبت ، وأرسى الوتد في الأرض، ضربه فيها). رقد (نام، ولكن بعد تقلب) . ركد (سكن وهد أ وثبت، ولكن بعد تحرك واضطراب). ركز الشيء (أقرّه وأثبته). ارتكف الثلج (وقع وثبت في الأرض).رمس الميتَ (دفنه وسوّى عليه التراب). رثد المتاع(ضم بعضه إلى بعض متسقاً أو مركوماً).
رصّه، ورصرصه، ورضنه (ضمَّ بعضه إلى بعض). رصف الحجارة (ضمَّ بعضها إلى بعض).
أما المصادر الباقية فقد جعل العربي حرف الراء في مقدمتها للكشف عن خاصية التكرار في الحدث المعبر عنه على الوجه التالي:
ربغ في النعمة (أقام فيها). رتب الشيء (أثبته، ومنه رزق راتب، أي ثابت دائم، للتكرار). رجن بالمكان (أقام، ومنه رجن الحيوان أي ألِف البيوت ، للتكرار). ربد بالمكان وردح به، وركا ركوا ورمأ رموا ورزن به ورمك فيه (أقام) .
وذلك لأن الإقامة في المكان تتضمن التكرار والاستمرار بداهة ، ولولاه لكان دخول المكان تعريجا أو زيارة أو مرورا عابرا ، وما إلى ذلك من النعوت.
ولكن ماذا عن المصادر التي تنتهي بحرف الراء؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثمئة واثنين وخمسين مصدراً تنتهي بحرف الراء .
كان منها مئة واثنان وسبعون مصدراً تدل معانيها على التحرك والترجيع والتكرار. منها:
. أشر الخشبة ووشرها بمعنى (نشرها). أكَرَ (حرث الأرض وزرعها).أفر (نشط ووثب في عدوه). بحر الأرض (شقها) . بذر الحبَّ( ألقاه) في الأرض للزراعة) بَزَرَ الحبّ ألقاه في الأرض للانبات).بصر (نظر). بطره (شقه). بغرت الريح (هاجت فأمطرت). بعثره (فرقه وبدَّده).تار الماء توراً ( جرى). التيار ( شدة جريان الماء)
ثار ثوَراناً وثورا وثورة (هاج وانتشر). الجذر (لحركة انتشاره في الأرض).
جرّه. حدر السفينة (دفعها من أعلى إلى أسفل). حطره (صرعه) . حفر . حمر الشيء (قشره). حار حورا (رجع). حار الماء حيرا (اجتمع ودار) . خشر (هرب جُبْناً).خطر (اهتز وتبختر). دبر (ذهب وولى). درّ الحليب (كثر ، جرى وسال). دغر عليه (اقتحم من غير تثبُّت). دعثره(صرعه وهلكه). دمره. دار (طاف حول). . زفر(أخرج نفسه بعد مدِّه إياه). سعر الفرس (عدا شديدا). سار. شتره (قطعه). تشذَّر القوم (تفرقوا واختلفت مذاهبهم).شرّ الماء (خرّ وتساقط قليلاً). صار صيرورة ( تحول من حال إلى حال). ضبر (جمع قوائمه ووثب) ضفر (وثب عدوا). طفر (قفز).عبر. عثر. عصره (استخرج ماءه). عار عيرا وعيرانا (ذهب وجاء مترددا). فأر التراب (حفره). فرّ فرفر.
فار الماء. قشره. قطر الماء. الكتر (مشية فيها تخلّج كالسكران). كرّ الفارس (عاد مرّة بعد مرّة). كوَّر العمامة (لفها). مخرت السفينة (جرت تشق الماء).مصر الناقة (حلبها). مغر في البلاد (ذهب وأسرع). مار الشيء مورا (تحرك وتدافع).
نثره (رمى به متفرقاً). . هبر اللحم (قطعه قِطعاً كباراً). هشر الناقة حلب ما في ضرعها). همر الماء (انصبّ) . وثر الشيء (وطِئه). وهر الرملُ (انهار).
وكان منها اثنان وعشرون مصدراً تدل معانيها على الرقة والنضارة والرخاوة. منها:
البِشر. الثمر. الخضرة. الزهر. سكر (سكن وفتر). العِطر . الغضارة. القمر.الوبر. طرّ (كان ذا رواء وجمال). النضارة. اليسر.
وكان منها عشرون مصدراً لأصوات فيها ترجيع وتكرار بما يتوافق مع الخصائص الصوتية لحرف الراء . هي:
أرّ أريرا (صوَّت). جأر (للبقر). الخرير (للماء). خار الثور. دردر الماء (صوت أثناء تدافعه في بطن الوادي). زحر. طحر.. زمجر (ردد صوته).زمخر الصوت (اشتد). زمر (صوَّت). شخر (تردد صوته في حلقه). الصفير . صار صورا (صوَّت). عرّ الظليم (صاح). قرّ قريرا (صوّت). قرقر الشراب في حلقه (صوّت). نعر (صاح وصوّت). هرّ الكلب (نبح). هزر (ضحك). هدر الجمل (ردّد صوته في حنجرته).
وكان منها ثلاثة مصادر لمشاعر الغضب من اضطراب وانفعال نفسي وجسدي يحاكي ما في صوت (الراء) من تردد واضطراب . هي:
ذئِر (أنِف وغضب). ذمر الأسد (غضب). الوحر (الحقد، الغيظ، أشد الغضب). ويلحق بها لفظة (السرور) لمشاعر إنسانية مبهجة لا تخلو من رقة (الراء) ونضارتها وحلاوتها.
لتبلغ نسبة تأثير الراء في المصادر التي تنتهي بها (62%).
ولكن لوحظ أن ثمة عشرة مصادر أخرى تدل معانيها على الستر والاختفاء، مما يتناقض أصلاً مع خاصية الظهور والعيانية في التحرك . هي:
خدره ، وخمره ، وطمره ، وغفره وغمره بمعنى (ستره). كفر الشيء (غطاه).ذخره (خبأه) . طبر (اختبأ واختفى). قبره (دفنه).
ولئن كان العربي قد جعل حرف الراء في بداية بعض المصادر التي تدل على الثبات والاستقرار وضم الأشياء إلى بعضها، مضاهاة منه لتلك الأحداث التي تبدأ أصلاً بالحركة كما مر معنا آنفا،
فإن العربي قد جعل الراء بالمقابل في نهاية هذه المصادر لأن أحداثها تنتهي بحركة ما، وذلك (سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
فلفظة خدر الهودج مثلاً (ألقى عليه الستر) ، تدل على حدث يبدأ بالإمساك بنسيج فيه رخاوة (للخاء) ، ولا يخلو من شدة ممسك (للدال)، لينتهي هذا الحدث بحركة إسدال الستر على باب الهودج (للراء).
ولفظة خمرت المرأة رأسها بالخمار (غطته) ، تدل على حدث مماثل لما قبله في مراحله جميعا. ولكن بفارق أن الخمار هو أرقّ نسيجاً وأشف من ستر الهودج. وذلك لأن الميم في (خمر) أرق وأشف وأكثر إحاطة من الدال في (خدر) كما مر معنا في الحروف اللمسية.
ولفظة كفر الزارع البذر بالتراب (غطاه)، تدل على حدث يبدأ بحك الأرض بأداة أو باليد (الكاف)، ثم بإحداث حفرة في الأرض (للفاء) ، لينتهي الحدث بحركة تغطية البذر بالتراب (للراء).
ولفظتنا (طمر وقبر) يتماثل معنياهما من حيث الوقائع والتسلسل الزمني ، ولكن بفارق أن الطمر يكون في رمل أو أرض طرية (للطاء)، وفي حفرة سطحية (للميم). بينما القبر يكون في أرض قاسية شديدة المقاومة (للقاف) ، وفي حفرة عميقة (للباء). والراء. لحركتي تغطية المطمور والمقبور.وهكذا بقية المصادر.
ولكن ما علاقة حرف الراء بالحاسة الذوقية؟.
من غرائب حرف الراء، أن العربي قد أدخله في معظم الألفاظ التي تدل معانيها على أهم مصادر الحلاوة التي تذوقها في صحرائه من تمر وعسل، منها:
الرُّب (عصارة التمر المطبوخ). الرُّضاب (رغوة العسل). الرطب (ثمر النخل إذا نضج قبل أن يصير تمرا). الرمْخ (بسر التمر). البسر (ثمر النخل قبل أن ينضج). التمر.الشَّور (العسل المستخرج من الخلية. الكمر (البسر يرطب بعد سقوطه على الأرض).الضّرَبُ (العسل الأبيض الغليظ). الطَّرم (شهد العسل).
فما تعليل هذه الظاهرة؟.
ان اللسان يتلاعب بصوت هذا الحرف على مثال تلاعبه بحبة التمر، أو بشهدة من عسل.ولذلك فمن المرجح أن يكون العربي قد عبّر في المرحلة الزراعية عن طعم العسل بحركة لسانية إيمائية رشيقة ترافقها حركات بدنية أخرى. وبانتقاله إلى المرحلة الرعوية احتفظ بالصوت المناسب لتكرار حركة اللسان بمعرض التعبير عن مذاقات الحلاوة . وأسقط الحركات الجسدية الأخرى. وهكذا كانت حركة تلاعب اللسان بالمطاعم الحلوة المذاق فيما أرى، أسبق في الزمان من صوت (الراء). على مثال ما كان تلاعب اللسان باللقمة مضغا وبلعاً أسبق في الزمن من صوت اللام كما مرّ معنا.
ومن غرائب هذا الحرف أيضاً أنه يدخل في معظم الألفاظ التي تدل معانيها على منابع الحرارة الأصليّة ، التي كان العربي يتعامل معها في الطبيعة . منها:
أرّ النار أرّاً، وأرّثها (أوقدها). أسعر النار (أشعلها). السَّقر (حر النار أو الشمس وأذاه). الأوار والحرور( حرر الشمس أو النار). الجمر. الحرّ. الرمضاء (شدة الحرّ).الشرار. صهر (اذاب بالحرارة). أضرم النار. كهر الحر (اشتد ، ومنها لفظة كهرباء المحدثة). النار. الهاجرة (نصف النهار عند اشتداد الحر) . وأر (اشتد حرّه).وغرت الهاجرة (اشتد حرها). الرَّضفة (الحجر المحمى بالنار أو الشمس). نجر اليوم وِرَمِهَ (اشتد حرّه). ذمر النار (أوقدها).
وهكذا فان الألفاظ التي تدل معانيها على الحرارة مما لا يوجد فيها حرف الراء، معظمها وصف لها، أو من نتائجها . مثال:
اللهب (ما يرتفع من النار كأنه لسان). . سخن (صار حارا). أجّج النار (ألهبها).أشعل النار (أوقدها وألهبها)...
أما لفظة الشمس، وان كانت هي المصدر الحراري الرئيس في الطبيعة، فإنَّ حَدْسَ إشعاع نورها وتفشي أشعتها قد غلبا في ذهن العربي على حدس حرارتها. ولعلَّ جذر هذه اللفظة يعود إلى يوم كان الإنسان العربي يمارس العمل الزراعي في أوديته الريَّا قبل أن تتحول ربوعه إلى صحاري، وقبل أن يتحول هو إلى راع يكابد من حرِّ الشمس ما يرهقه.فبدأ بحرف الشين (للتفشي والانتشار) كما سوف نرى في دراسته، وهي في بعض الساميات (شمش).
وما علة هذه الظاهرة من حيث استعمال (الراء) لمعاني الحرارة؟.
من المرجح أن العربي قد استخدم لسانه في المرحلة الزراعية للتعبير إيماء وتمثيلاً، عن تأثر لسانه بالأطعمة والأشربة الساخنة بحركة لسانية ترافقها حركات بدنية مغايرة للتي كانت ترافق حركة اللسان بمعرض التعبير عن الحلاوة . فسقطت هذه الحركات المرافقة أيضاً في المرحلة الرعوية وبقي صوت الراء للحلاوة والحرارة:( الحرف العربي والشخصية العربية ص71-76).
ولكن باعتماد العربي في المرحلة الرعوية صدى الأصوات في النفس للتعبير عن معانيه كما أسلفت في المرجع السابق قد استثمر خاصية التكرار والتمفصل في صوت (الراء) إلى ابعد الحدود، وذلك للتعبير عما يماثله في الطبيعة من صور مرئية تنطوي على التحرك والتكرار والترجيع، مما ينتمي أصلاً إلى حاسة البصر.( المرجع السابق ص 137-142).
وهنا لابد للقارئ ان يتساءل عن السبب في تصنيف هذا الحرف ذوقياً ، بينما ظاهرة التحرك والترجيع والتكرار (البصرية) هي الغالبة على معاني المصادر التي تبدأ أو تنتهي به.
لقد تجاوزت هذا المعيار الكمي وصنفته ذوقياً وذلك للاعتبارين التاليين:
1- لأنه حرف لساني، واللسان هو عضو حاسة الذوق.
2- لأنه أبدع أصلاً للتعبير إيماء وتمثيلاً عن المطاعم الحلوة المذاق والحارة الملمس على مثال ما أبدع حرف اللام بالطريقة ذاتها للتعبير عن عمليات مضغ الأطعمة وبلعها . فرأيت ان أصنفه حرفاً ذوقياً مع حرف اللام لتخصصه أصلاً بطعم الحلاوة دون سائر الحروف.
فالفواكه حلوة الطعم التي لاراء في أسمائها ، إما هي مقتبسة من الشعوب الأخرى وإما أن أسماءها مستوحاة من شكلها مثال (تين- عنب- أجاص- خوخ- تفاح- موز- بطيخ). ولا يجرح هذا التصنيف أن يستخدمه العربي في مرحلة رعوية لاحقة للتعبير إيحاء عن التحرك والتأوُّد والتكرار.
وعلى الرغم من ذلك كله ، إذا لم يقتنع القارئ، بهذين الاعتبارين ، فلا اعتراض لي على نقله إلى زمرة الحروف البصرية لخاصية الحركة والتكرار في صوته، حيث أثَّر في معظم معاني المصادر التي تبدأ أو تنتهي به.
وهكذا إذا أضيفت المصادر التي تدل معانيها على الستر والخفاء، والحلاوة والحرارة موضوع الفقرات السابقة إلى الجداول أعلاه ، فإن نسبة تأثير حرف (الراء) في المصادر التي تنتهي به ترتفع من (62% إلى5،70%) مما يؤهل هذا الحرف إلى الدخول في زمرة الحروف القوية الشخصية.
ولئن كان ثمة ثلاثة عشر مصدراً للأصوات والمشاعر الإنسانية في المصادر التي تبدأ بالراء وأربعة وعشرون في المصادر التي تنتهي به، فإن معانيها كما لحظنا سابقاً تتوافق مع خصائصه الصوتية في الحركة والتكرار مما لا يؤثر فى التزامه الطبقي في حالة اعتباره من الحروف البصرية.
ليصبح حرف الراء بذلك من أقوى الحروف شخصية ، وأشدها التزاماً.
ومما يلفت الانتباه في حرف الراء وما أكثر ما لفت انتباهي ، ان العربي قد كره ان يجمع بين الراء واللام في مقطع واحد (لر، رل) . وذلك للتنافر الصميمي في خصائصهما : فالراء للتمفصل،- واللام للالتصاق. كما مر معنا.
كما لم أعثر في المعجم الوسيط على حرف (الراء) في لفظة ثلاثية تبدأ باللام، ولا على اللام في لفظة تنتهي بالراء.
ولئن كان ثمة كثير من الألفاظ التي تبدأ بحرف الرّاء وتنتهي باللام ، بفاصل من حرف كما في (ربْل، رتل، رطل، رجل، رمل...) فذلك لأنَّ العربي يستسيغ ان يبدأ كلامه بالمتحرك وان ينتهي بالساكن، أما العكس فلا. فالراء بتمفصله وتكراره يمثل الحركة ، واللام بالتصاقه يمثل السكون والاستقرار . ومنه يتضح أن لفظة (بلور) ، من (بلر) ليست عربية ترجيحاً . فالذوق العربي كَرِه على العموم ان يجمع بين الراء واللام في مقطع واحد، لا للتعذر وإنما للاستثقال . وذلك على مثال الحال بين حرفي (الباء والميم)، كما سيأتي.
استطراد
لا يبعد ان تكون المرأة بحكم اختصاصها ( المنزلي ) قد اهتدت في المرحلة الزراعية إلى الأصول الحركية لهذا الحرف للتعبير به إيماء وتمثيلاً عن معاني (الحلاوة والحرارة) مترافقة مع الحركات الأخرى المناسبة، مما يفسح المجال للاعتراض على تصنيفة (إيحائياً).
والرّد على ذلك بأن حرف (الراء) هو بهذا الصدد كبعض الحروف الأخرى التي عبر العربي بها عن معانيه (إيماء وإيحاء) على حد سواء ، مثل أحرف (الباء، والجيم، والشين والطاء) كما سيأتي. ولكنها صُنِّفت جميعاً في زمرة الحروف الإيحائية، لغلبة هذه الخاصية فيها على (الإيمائية)، ولأنها لم تستوف مقومات شخصيتها (الإيحائية) إلاّ في المرحلة الرعوية. وذلك على العكس من أحرف (الفاء واللام والميم والثاء والذال ) التي استوفت مقومات شخصيتها الإيمائية في المرحلة الزراعية ، ثم جاءتها الخصائص الإيحائية لاحقاً. ولا عبرة لكثرة ما أُبدِع من المصادر الجذور التي شاركت الأحرف الإيحائية في تراكيبها، مادامت معاني معظمها قد التزمت بخصائصها الإيمائية.
تعقيب لابد منه:
لقد تبين لي في دراستي (إطلالة على الأعجاز اللغوي في القرآن) أن للراء. وظائف أدبية أخرى قد تعشقها الشعراء الأصلاء فأقبلوا عليها واستثمروا الكثير من خصائصها ووظائفها. فكان نصيبها من قوافيهم أكثر من أي حرف آخر.
أما القرآن الكريم فقد استنفد خصائص (الراء) ووظائفها جميعاً في (قوافي) آياته ومفرداته وسوره )مما لا نظير له في أدب أو شعر . ومما يدهش حقاً ان يستخدم القرآن خصائصها الحركية للقيام- بالغالبية العظمى من المعارك التي خاضها مع الكفار والمشركين في الكثير من آياته وسوره. لتبلغ (الراء) أوج فروسيتها في المعارك السبع التي خاضتها سورة (القمر) بزعامتها كقافية لآياتها جميعاً البالغة (55) . (الإطلالة ص -153-157).







الفصل الثالث
الحاسة البصرية وحروفها

الحاسة البصرية:
آلتها العين. وهي مكونة من عدسة بلورية ونسيج عصبي حساس، هو الشبكة ولئن كانت ظاهرة الإبصار تنطبق عليها قوانين الانعكاس الفيزيائية ، فإنه ثبت مؤخراً أن عملية الإبصار هي عملية كيميائية بحتة تحصل في طبقات العين.
تدرك العين أشكال الأشياء وخصائصها الهندسية من عمق وبروز وأبعاد . ولا تتأثر العين البشرية إلا بالموجات الضوئية التي يتراوح طولها بين 390-670 ميلليميكرون، وعدد ذبذباتها بين (395و756) تريليون ذبذبة في الثانية.
الحروف البصرية :
الألف . الواو. الياء. الباء . الجيم . السين . الشين. الطاء. الظاء. الغين الفاء . وما أكثرها.
يلاحظ أن حروف اللين الثلاثة (الألف . الواو . الياء) ، هي جميعاً من زمرة الحروف البصرية والعربي لم يعط هذه الحروف الغابية إلا القليل من الأهمية، من حيث عدم عنايته بالتلفظ بها، لتكون بذلك أقلَّ وضوحاً في الجرْس وظهوراً في السمع من أصوات الحروف الساكنة .
ولقد استتبع ذلك إهمال رسمها في الأشكال القديمة للكتابة العربية ، كشأنها في بقية اللغات السامية (الحرف العربي والشخصية العربية ص48). كما عمل العربي على إماتة هذه الحروف في ألفاظه . وذلك بتحويلها إلى حركات مدّية تارة، وبالاستعاضة عنها بحروف صامتة تارات أخر، ولاسيما بالهمزة والحروف الحلقية، على ما أكده العلايلي في مقدمته.
1- الألف المهموزة:
للألف صورتان صوتيتان : الألف المهموزة ، والألف اللينة.
فالألف إذا وقعت في أول اللفظة كانت مهموزة ، وتسمى الهمزة.
أ- الهمزة / يقول عنها العلايلي:" إنها للدلالة على الجوفية، وعلى ما هو وعاء للمعنى، وعلى الصفة تصير طبعاً ". تعريف مبهم.
هي حرف شديد يحصل صوتها بانطباق فتحة المزمار وانفراجه الفجائي قبل ان يصل النفَس إلى الحنجرة. فلذلك لا يهتز معه الوتران الصوتيان، ولا تعتبر بالتالي حرفا مجهوراً ولا مهموساً. والهمزة في رأي الدكتور ابراهيم أنيس في كتابه الأصوات اللغوية، ليست من الأحرف الحلقية خلافاً لما أجمع عليه علماء اللغة العربية. وهو رأي جدير بالاعتبار.
وصوت الهمزة في أول اللفظة يضاهي نتوءاً في الطبيعة.. وهو يأخذ في هذا الموقع صورة البروز كمن يقف فوق مكان مرتفع ، فيلفت الانتباه كهاء التنبيه. ولكن بفرق انَّ الهاء شعورية والهمزة بصرية . والصورة البصرية تتصف بالحضور والوضوح والعيانية.
لذلك بدأت الضمائر المنفصلة للمتكلم والمخاطب بالهمزة : (أنا. أنت. أنتم. أنتن..) ولا أشدَّ حضوراً وعيانا . ولتبدأ الضمائر المنفصلة للغائب بالهاء: (:هو. هما. هم) لعدم الحضور.
كما بدأت الألوان الطبيعية بالهمزة: أبيض. أسود. أحمر. أخضر.... لا أوضح ألوانا ولا أظهر. فلا يقال أسود قليلا، أو أبيض كثيرا لعدم اللزوم، إذ إن الذي يتحمل القلة والكثرة هو اللون ذاته ، فيقال قليل السواد أو البياض وكثيرهما.
كما جُعلت الهمزة من حروف التعدية ، إذ إنها تمنح الفعل اللازم (القاصر أصلا) مرتقى يسهل معه التعدي على الأسماء. فمن كَرُمَ الرجل أكرمه ، ومن عُلِم وصَلُح أعلمه وأصلحه.
لابل قد تحيل الهمزة المعنى إلى نقيضه أحياناً ، كما في:
مرس حبلُ البكرة (خرج عن البكرة) . وأمرس حبل البكرة (أعاده إلى البكرة) وكما في شعب الشيء (تفرق) وأشعب الشيء ( أصلح صدعه) وذلك كثيرٌ في اللغة العربية.
أما الهمزة في وسط الكلمة أو في آخرها، فلا تأثير لها يذكر في معانيها وإن ظلَّت توحي للسامع بالبروز والنتوء كما في (سأل. جأر. يدأب. يسأم. ذئب. بؤبؤ).
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وثمانية وسبعين مصدراً تبدأ بالألف المهموزة، لم أجد بين معانيها وبين الإيحاءات الصوتية للهمزة رابطة حسية صريحة. فلقد كانت هذه المعاني تتأثر في الغالب بصوت أحد الحرفين الباقيين ولاسيما الأخير منهما . فالفعالية مثلاً في معنى أرّ النار (أوقدها) ، تعود للراء وفي أحّ (سعل وتنحنح) للحاء ، وفي أحن (حقد)) ، للنون والحاء ، وفي أرن (نشط وفرح) للنون والراء. وفي أطم الهودج (ستره) للميم. وفي أَتَم بالمكان وأَتَن به (أقام وثبت) للميم والنون. وفي أبَشَ الشيء جمعه) للشين. والهمزة في هذه المصادر للظهور.
ولقد توقعت أن تكون معظم الأفعال التي تبدأ بالهمزة متعدية ، بدعوى أن الهمزة تمنح الفاعل مرتقى يسهل معه الاعتداء على غيره على مثال ما لحظنا ذلك في همزة التعدية.
ولكن الواقع خيَّب توقعاتي . فمن مئة وخمسة وخمسين فعلا، كان منها تسعة وثمانون فعلا لازماً، وستة وستون فعلاً متعدياً فقط. وكان منها أثنا عشر فعلا يقبل اللزوم والتعدية. كما لم تلتزم الهمزة بطبقتها البصرية ، فكان ثمة ستة مصادر للأصوات وعشرون للمشاعر. وسأعود إلى هذه الظاهرة في دراسة الأحرف الشعورية.
وهذا يدل على أن العربي لم يول إيحاءات الشدة والبروز في صوت الهمزة أي اعتبار بمعرض التأثير في الأفعال، لا من حيث معانيها كما أسلفت ، ولا من حيث اللزوم والتعدية أو من حيث الالتزام بالطبقة الحسية.
2- الألف اللينة
لينة جوفية معناها في السامية القديمة (الثور، وشكلها يشبه صورة رأسه. الأصوات اللغوية للدكتور أنيس ص 94). أما رسمها في السريانية فيشبه صورة الإنسان (المجلد الأول للأرسوزي ص 371).
وقيل في الألف المهموزة إنها الحرف الأول من اسم النبي العربي (إدريس)، قد وضعت في أول كل من جدولي الحروف الهجائية والأبجدية. وذلك تكريماً له، وإشارة إلى أنه هو أول من نقل الحروف العربية من مجرد أصوات إلى حروف مكتوبة . فكان هذا النبي العربي بذلك إذا صحت هذه الرواية، هو المعلم العربي الأول الذي علَّم العرب فن الكتابة. ولكن الأصح فيما أرى ان اسمه مشتق من الدراسة والتدريس، فكان لقباً له قد غلب على اسمه . وهكذا لاشك في أن الكثير من الأنبياء العرب ممن لم تصلنا أسماؤهم قد أسهموا في تهذيب أصوات الحروف العربية ومعانيها على مثال ما فعل النبي إدريس.
إن الألف اللينة التي تقع في أواسط المصادر أو أواخرها ، يقتصر تأثيرها في معانيها على إضفاء خاصية الامتداد عليها في المكان أو الزمان . كما في (باب- سماء- كافة- إلى - على....).
على أن للألف اللينة كل الأهمية في معاني حروف المعاني كما سيأتي في الدراسة اللاحقة (حروف المعاني بين الأصالة والحداثة ).
3- الواو:
لينة جوفية هي (للفعالية) كما يقول الارسوزي، و (للانفعال المؤثر في الظواهر) كما يقول العلايلي. وهذان التعريفان قريبان من الواقع. إلا أن تعريف الارسوزي هو الأدق.
كما أن صوت الواو الحاصل من تدافع الهواء في الفم يوحي بالبعد إلى الأمام . وإذن ما رأي المعاجم اللغوية في الخصائص الصوتية المسندة إلى هذا الحرف؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثمئة وخمسة عشر مصدراً تبدأ بالواو، لم أجد بين معانيها وبين الإيحاءات الصوتية للواو رابطة واضحة. ولقد كانت الفعالية في معانيها تعود إلى الحرفين الباقيين، ولاسيما الأخير منهما، كما لُحِظ ذلك في حرف الهمزة.
فالفعالية في معنى وأمه (وافقه) للميم. وفي وبص البرق (لمع وبرق) للباء والصاد. وفي وتد (ثبت) للدال. وفي الوحل (الطين الرقيق) للحاء واللام. وفي الوخم (تعفن الهواء ) للخاء. وفي ورَع (تحرَّج عن المحارم) للعين. وفي وسل (رغب وتقرب) للام. وفي وسِن " اخذ في النُّعاس" للنون . وفي وشج الشيء(تداخل وتشابك والتف) للشين. وفي وصَّ العمل ( أحكمه) للصاد . وفي وطد (رسا وثبت) للدال. وفي وعك الحرُّ (اشتد) للعين والكاف. وفي وغرت الهاجرة (رمضت واشتد حرها ) للراء. وفي وقح حافر الدابة (صلب) للقاف. وفي وكحه برجله (وطئه بها وطئاً شديداً ) للكاف....
وبمقارنة الألفاظ التي تبدأ بالهمزة مع الألفاظ التي تبدأ بالواو عُثِر على ثلاثين لفظة شقيقة في حروفها ومعانيها . منها.
أبش (جمع) وبَّش للحرب (جمع لها) الأتاد (حبل تضبط به رجل البقرة عند الحلب)، الوتد.
أتم وأتن بالمكان ( أقام به) ، وتم ووتن بالمكان ( أقام به) . أحّد الشيء وحّده . أَحِنَ (حقد) ، وَحِنَ (حقد). أزم على شفتيه (عض شديدا) ، وزم (عضّ خفيفياً). أطم الهودج (ستره). وطم الستر (أرخاه). أفِد (دنا واقترب )، ، وفد (قدِم) ، أصر ، وصر.
فهذه الحروف الغابية قد اقتصرت وظائف أصواتها على الإيحاء بالاتجاهات الثلاثة ( الألف اللينة إلى الأعلى، والواو إلى الأمام ، والياء إلى الأسفل )، من دون أن توحي بأي إحساس حسي آخر، أو بأية مشاعر إنسانية معينة.
ونظراً لكثرة استعمال هذه الحروف في تلك المرحلة مترافقة مع مختلف الحركات الجسدية، فقد عمل العربي في المرحلة الرعوية بصورة خاصة على إماتة الكثير منها من ألفاظه المتداولة ، وذلك تخليصاً للسانه من لغوها، فاستعاض عنها بحروف أقل لغوا وأكثر إيحاء بمختلف الأحاسيس الحسية والمشاعر الإنسانية، ولاسيما الهمزة والحروف الحلقية كما ذكر العلايلي ، وكما لوحِظ ذلك آنفاً.
ولا شك في أنَّ بقاء الألفاظ المماتة والبديلة معاً حتى تدوين اللغة العربية في صدر الإسلام يرجع إلى أن بعض القبائل كان أكثر تطوراً من بعضها الآخر، فأخذ علماء اللغة اللفظين معاً على انهما أصليان. أما الاستعاضة عن (الألف والواو والياء) بالفتحة والضمة والكسرة فلم تكن لإماتتها كما زعم (العلايلي) في مقدمته (ص50) وإنما لتطويرها والخلاص من غوغائيتها كما جاء في الحرف العربي والشخصية العربية (ص128) وما بعدها.
4- الياء:
لينة جوفية . يشبه شكلها في السريانية صورة اليد. يقول عنها العلايلي: إنها (للانفعال المؤثر في البواطن). وهو قريب من الواقع ولكنه قاصر.
صوت هذا الحرف يوحي بصور بصرية تختلف إلى حدٍّ ما بحسب مواقعه من اللفظة:
أ- في أول الكلمة:
يبدو صوت الياء هنا كأنه يصعد من حفرة بشيء من المشقة والجهد . لذلك قلّت الأفعال التي تبدأ بهذا الحرف ومعظمها من الأفعال اللازمة. فالأفعال التي تبدأ بالياء يصعب عليها من هذا المكان الصوتي الخفيض أن تعتدي على أحد.
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط لم أعثر إلا على واحد وثلاثين مصدراً تبدأ بالياء. كان منها اثنان وعشرون فعلاً . خمسة منها أفعال متعدية . هي.
يبّبه (جعله يبابا أي خرابا والتعدية هنا جاءت بتشديد عين الفعل). أيدع الحجّ على نفسه (أوجبه والتعدية هنا بفعل الهمزة في أول الفعل). يداه ( أصاب يده). يفخه (أصاب يافوخه، أي ضربه). ياومه (عامله واستأجره باليوم). وهكذا فإن تعدية هذه الأفعال مصطنعة غير أصلية.
ب- في وسط الكلمة :
تختلف إيحاءات صوت الياء في هذا الموقع تبعاً لحركتها وحركة ما قبلها.
فإذا كانت متحركة بالفتح وما قبلها فتحة أخذ صوت الياء صورة المطبّ الهوائي الصغير يعترض مسار طائرة: طيران . حيدان . غثيان..... أما إذا كانت الياء ساكنة وما قبلها متحرك بالفتح، فان صوتها يأخذ صورة الحفرة أو حفنة اليد.
وهو يصلح أن يكون مقرا للمعنى، على مثال ما تصلح الحفرة على سطح الأرض أو في باطن اليد أن تكون مقرا ومستقراً للماء أو الأشياء: بَيْت. عَيْب. سَيْل. عَيْن. دَيْن. غَيْظ. لَيْل. فَيْض.
والأسماء المصغرة لا تخرج ياؤها الساكنة المفتوح ما قبلها عن هذه الإيحاءات.(رجل، رُجيل شاعر، شُويعر نهر، نُهير) . وكأنَّ الاسم مع ياء التصغير هذه قد وقع في حفرة فلم يبدُ منه إلا أقلُّه.
وإذا تحرك ما قبل الياء الساكنة بالكسر ، فإنها تعطينا صورة الحفرة العميقة والوادي السحيق (كريم ، فهيم . فقيه. نبيء. لئيم)، لتشف الياء في هذه الحالة عما في صميم الإنسان أو الأشياء من الخصائص المتأصلة فيها. فالكريم هو الذي تفجَّرت ينابيع الكرم في صميمه ، ليس كرمه طارئاً ولا مصادفة موقف. وكذلك الأمر مع العليم والتعيس والجميل والقبيح والسعيد والحقير...
جـ - في آخر الأسماء.
لا تخرج إيحاءات صوتها هنا عنه في وسط الكلمة: (قويّ. دويّ. شقيّ. أبيّ. تقيّ. سويّ . رضيّ. نقيّ. غبيّ...) . وحرف الجر (في) يوحي بصورة الحفرة أيضاً.
وهكذا الأمر معها في إضافتها إلى الأسماء في النسبة: (كنيسة ، كنسيّ. علم. علميّ. مدينة / مدنيّ....).
والياء في مختلف وظائفها الصرفية، سواء بإلحاقها بالمثنىّ أو جمع المذكر السالم في حالتي النصب والجر، لاتخرج في إيحاءاتها عما ذُكر عنها من حيث استكانة هذه الأسماء في حفرها الصوتية لفعل الاعتداء . ولا فرق في ان يقع الفعل مباشرة من فاعل ، أو بصورة غير مباشرة بالإضافة أو بحروف الجر. كما في : (أكل التفاحتين ، كسب ثقة السامعين ، فاز على المتسابقين..).
والياء ، على الرغم من توافق وظائفها الصرفية آنفة الذكر مع خصائصها الصوتية ، فلم يكن لهذه الخصائص أي تأثير في معاني المصادر التي تبدأ بها. كما أنَّها لم تلتزم بطبقتها البصرية . فكان ثمة مصدران للسمعية . هما:
يأيأ بالقوم (دعاهم لضيافة أو غيرها). يعرت الشاة (صاحت).
وكان ثمة مصدران للمشاعر الإنسانية . هما:
يئس. يرِع (جَبُن).
ولم أجد للمرئيات سوى مصدر واحد. هو: اليلق (الأبيض من كل شيء).
في الخلاصة:
ومما سبق يتضح أن العربي الذي لم يعط حروف اللين إلا القليل من اهتمامه قد استمر على تجاهلها بمعرض التعبير عن أحاسيسه ومشاعره وحاجاته ومعانيه. وذلك لأن أصوات هذه الحروف اللينة ، أو الجوفية ، أو الهوائية، أو الصائتة كما يسمونها ، إنما هي بالفعل أسماء على مسميات..
ولولا واقعة التمويج في أصواتها لكانت خلُوّاً من أي إحساس على الإطلاق.
ولعل الشاعر الفرنسي (رامبو)، إحساساً منه بمثل هذا الفراغ الحسي والشعوري في صوت حرف ( أو ) في اللغة الفرنسية ، الذي يقابله حرف (الواو) في اللغة العربية، قال عنه: إنه يوحي باللون الأسود . وذلك لأن صوته في الفرنسية معدوم الإيحاءات الحسية والشعورية.
5- حرف الباء:
مجهور شديد. يشبه شكله في السريانية صورة البيت. يقول عنه العلايلي: إنه (لبلوغ المعنى، وللقوام الصلب بالتفعل). ويقول عنه الأرسوزي: إنه (يوحي بالانبثاق والظهور). تعريف الأرسوزي أدق ولكنه قاصر.
وعلى الرغم من بساطة صوت هذا الحرف، فهو متعدد الوظائف والخصائص الصوتية . بعضها إيمائي تمثيليّ ، وبعضها الآخر إيحائي.
فإذا لفظ هذا الحرف منفرداً ممدود الصوت (با) كما كان يلفظ في مرحلة أصوات الحروف ، لم نجد ما هو أصلح منه لتمثيل الأشياء والأحداث التي تنطوي معانيها على الاتساع والضخامة والارتفاع ، بما يحاكي واقعه انفتاح الفم على مداه عند خروج صوته من بين الشفتين (باب)، وظيفة تمثيلية.
وإذا لفظ في مقدمة اللفظة دونما مدّ فبحكم خروج صوته من انفراج الشفتين بعد انطباقهما على بعضها بعضا، هو أصلح ما يكون لتمثيل الأحداث التي تنطوي معانيها على الانبثاق والظهور والسيلان، بما يحاكي واقعة انبثاق صوته من بين الشفتين إيماءً وتمثيلاً، وليس من الصميم كالنون إيحاء.
ولكن بحكم انفجاره الصوتي بانفراج الشفتين سريعاً بعد ضمَّة شديدة، فهو أوحى ما يكون بمعاني البعج والحفر ، والقطع والشق، والتحطيم والتبديد، والمفاجأة والشِّدة، وذلك (حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث)، وظيفة إيحائية.
فما نصيب هذه الخصائص الصوتية غابيّها وزارعيّها ورعويّها في معاني المصادر التي تبدأ بحرف الباء؟ . فقد تعود أصول نشأته إلى الغابية أو الزراعية ولكنه لم يستوف مقومات شخصيته إلاّ في المرحلة الرعوية.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط، عثرت على مئتين واثنين وتسعين مصدراً جذراً تبدأ بالباء. كان منها تسعة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الاتساع والامتلاء والعلو ماديّاً ومعنويا، بما يحاكي انفتاح الفم على مداه عند خروج صوت الباء منفردا ممدودا. منها:
البأج (الغلام السمين). البجباج (السمين الغليظ). الببُّ (الغلام السمين). بجل (ضخم جسمه وعظم). بخدج في مشيه (فرشخ رجليه وباعد بينهما). برطم (انتفخ غيظاً وأدلى شفتيه). بلخ( تكبر وجرؤ على الفجور). بدن (سمن وضخم). بذخ الجبل (علا فبان) برج (ارتفع) . بسط الشيء (نشره). بسق (تم ارتفاعه) بشم من الطعام (أتخم).بضَّ البدن (امتلأ ونضُر). باك البعير (سمن) . تبلخص (غلظ وكثر لحمه).
وكان منها سبعة وأربعون مصدراً تدل معانيها على الانبثاق والظهور والانفراج، بما يحاكي خروج صوت الباء من بين الشفتين بعد انطباق وانفراج . منها :
بجس الماء (انفجر). بدا . بدر. بدح بالسر (باح به). برز (ظهر بعد خفاء). برق (بدا) . بسر (أظهر العبوس) بسم انفرجت شفتاه عن ثناياه). بصر. بصق . بصّ (لمع وتلألأ). بصع الماء (رشح) بعّ الماء (صبّه في سعة) بزغ النجم (ظهر)، بزق (بصق) .بزل الناب (طلع). بغشت السماء ( أمطرت). بقل الشيء (ظهر). بلج الصبح (أسفر). بلق الباب (فتحه كلَّه). باح (ظهر).
وكان منها ثلاثة وخمسون مصدرا تتوزع معانيها بين الحفر والشق والبعج والقطع والشدة، بما يتوافق مع صدى صوته الانفجاري في النفس. منها:
بأر (حفر حفرة) . بتّ الشيء وبتره، وبتعه، وبتكه، وبتله، وبركعه ، وبرشق اللحم، وبشقه وبضعه، جميعها بمعنى (قطعه). بجّ الشيء وبذحه، وبعج البطن وبقره ، وبحر الأرض، بمعنى (شقّها). بحث الأرض (حفرها وطلب الشيء فيها).بخص عينه (فقأها) . بدهه وبغته (فاجأه) . بذم (قوي ومتُنَ).بأش فلانا (صرعه بغتة) بعط الحيوان (ذبحه). بكّ الشيء (هشمه ومزّقه) . باغ (ثار وهاج) . بهس (جرؤ وشجع).
وكان منها ستة عشر مصدراً تدل معانيها على البعثرة والتبديد بما يحاكي بعثرة النفَس بعد خروج صوته. هي:
بثّ الشيء ، وبدّه، وبدّده وبرقطه، وبسّه ، وبلبل المتاع، جميعها بمعنى (فرقّه). بحثر الشيء، وبعثره، وباثه بوثا، وبعزقه، جميعها بمعنى (بدَّده وفرَّقه).ابزعرّ القوم وابزقرُّوا (تفرقوا). . بزر الحب (نثره في الأرض).بكش العقدة (حلّها . بذر الحب (القاه في الأرض للزراعة).
وهكذا بلغت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بالخصائص التمثيلية لحرف الباء (35%).
لتبلغ نسبة ما تأثر منها بالخصائص الإيحائية في صوته (18%)، بما مجموعه (53%).
وهذه النسبة لا تؤهله للانتماء إلى الحروف القوية الشخصية، لولا أن معاني المصادر التي تبدأ به قد بقيت عند حدود الطبقة البصرية لم تتجاوزها إلا في ثلاثة للسمعية. بما يتوافق مع طبيعة صوت الباء والحروف المرافقة له. هي:
بغمت الظبية (صوّتت). بعبع الماء (صوَّت حين يخرج من الإناء) ، بقبقت القدر (سمع صوت غليانها)، وذلك بشفاعة حرفي (القاف) الصوتية و (العين) الشعورية.
كما تجاوزها في ثلاثة للمشاعر الانسانية : هي بغضه. بهته (حيّره وأدهشه). بهج (فرح وسُرّ)، وذلك بشفاعة حرفي (الضاد والهاء) الشعوريين.وهذا يقطع بصحة انتماء حرف الباء إلى الطبقة البصرية.
ولقد لوحظ عدم وجود حرف الباء في أول أي لفظة تبدأ بحرف الميم، على غرار ما سبق وتبين لنا عدم وجود حرف (الراء) في أول أي لفظة تبدأ بحرف (اللام). فحرف (الباء) للانبثاق والانفراج والاتساع والشق، بما يحاكي انفراج الشفتين عند التلفظ به. وحرف الميم للانضمام والانجماع، بما يحاكي انضمام الشفتين وانغلاقهما عند التلفظ به. فيبدو أنَّ العربي لم يجد من الذوق الفني السليم أن يبدأ ألفاظه بالساكن لينتهي بالمتحرك، وان كان استساغ العكس كما لحظنا ذلك في حرفي (اللام والراء)، فكان ثمة ألفاظ كثيرة تبدأ بالباء وتنتهي بالميم بعد فاصل من الحروف كما في (بلم، بشم ، بكم ، بسم، برم ، بصم، بغم...). ، أما العكس فلا.
6- حرف الجيم:
مجهور. معناه في اللغة العربية (الجمل الهائج) . يشبه رسمه في السريانية صورة الجمل. قال عنه العلايلي:إنه (للعظم مطلقا) . وهو صحيح ولكنه قاصر ويعتبره الدكتور كمال محمد بشير من الأصوات المركبة انفجاري - احتكاكي).
وقبل أن نتحدث عن إيحاءاته الحسية ، يجدر بنا أن نقطع أولاً في قضية النطق به، معطشاً على الطريقة الشامية، أو غير معطش على الطريقة القاهرية ، لعلاقة هذه المسألة بإيحاءاته الصوتية ، وبالتالي بشخصيته ومدى تأثيره في معاني الألفاظ التي يشارك.فيها.
لقد أفرد الدكتور أنيس لهذه المشكلة بحثاً خاصا في كتابه (الأصوات اللغوية ص77- 83).كما أفرد له الدكتور كمال محمد بشير بحثاً خاصا في كتابه (علم اللغة- الأصوات ص160-166).
وعلى الرغم من أن الدكتور أنيس يرجِّح مسبقا بأن الجيم التي يسمعها من مجيدي القراءة القرآنية ، هي أقرب إلى الجيم الأصلية (ص77)، أي إنها شامية معطشة بصورة ما من صور التعطش. فإنه يعود فيشكك في ذلك، لنقاش كان جرى بينه وبين أستاذ الأصوات في جامعة لندن (البروفيسور فرث) حول هذه المشكلة.
فلقد أعلمه هذا الأستاذ أن هناك قاعدة صوتية مسلَّماً بها في اللغات الأوروبية تدعى (بقانون الصوت الحنكي)، تقرر : بأن الإنسان يميل بالفطرة عبر تطوره الحضاري إلى تسهيل النطق بالحروف الصعبة. ولذلك فان هذا الأستاذ يستطيع أن يفسر تطور الجيم من عدم التعطيش القاهرية إلى التعطيش الشامية ، أما العكس فلا. بمعنى أن الجيم القاهرية الأعسر نطقاً هي الأصل ، وقد تطورت إلى الجيم الشامية الأسهل نطقاً.
وبما أن مخرج صوت الجيم القاهرية هو الأبعد عن الشفتين ، فقد حاول الدكتور أنيس إقامة الدليل على أنه زحزح إلى الأمام باتجاه الشفتين فتحول إلى الجيم الشامية المحدثة وقد لاحظ في كتاب (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن) أن الجيم قد حرِّكت بالفتحة والكسرة وهما أماميتان (1264) مرة، لتتحرك بالضم وهي خلفية (102) مرة فقط.
وهكذا فان كثرة تحريك الجيم بحركات أمامية قد جذبت مخرجها من الخلف إلى الأمام، أي من عدم التعطيش إلى التعطيش .
أما الدكتور (بشير) ، فهو يقرّ مبدئياً بأن الجيم الشامية المعطشة هي الجيم الفصيحة المعاصرة ، إلاَّ أنه يذهب مذهب الدكتور أنيس في اعتبار الجيم القاهرية هي الأصل. ولقد استشهد بما جاء به الدكتور (اتوليتمان) حيث يقول:
(نعرف أن نطق هذا الحرف الأصلي كان جيما قاهريا، ، وكما كان ويكون في اللغات السامية الباقيه. مثلاً كلمة (جمل) العبرية (gamol). وفي السريانية (gamala) وفي الحبشية (جومال) (gomal) (ص162-163). بدعوى أن هذه اللغات هي أقدم في الزمن من اللغة العربية. وهذا عكس ما تبيّن لي في الحرف العربي ص (52) وما بعدها.
ثم يقرر الدكتور بشير أن الجيم القاهرية قد تطورت إلى (دج) في نطق قريش. ولكنه يعترف كزميله الدكتور أنيس ، بأن علماء العربية وإن وصفوا الجيم الأصلية بما ينطبق على الجيم القاهرية، فإنهم نسبوها إلى المنطقة التي تخرج منها (الشين والياء) ، وهي (بين وسط اللسان، ووسط الحنك الأعلى). وهذه المنطقة برأيه هي للجيم القرشية (دج)
ونحن لو رجعنا من عالم التخمين والفرضيات إلى واقع الإيحاءات الصوتية لحرف الجيم بمعرض تأثيره في معاني الألفاظ التي يتصدرها، اذن لعرفنا كيف نطق به مبدعوه الأوائل ، معطشاً شامياً أو غير معطش قاهريا. ولا عبرة بما يلفظ في (الساميات) لأن العربية هي الأصل.
فإذا وجدناهم قد استخدموه للتعبير عن المعاني التي يوحي بها صوت الجيم معطشاً، فإنهم لاشك قد لفظوه معطشاً طوال مرحلة إبداع تلك الألفاظ ، وإلا فيكونون قد لفظوه قاهريا غير معطش. وذلك:( حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث).
آ- الجيم المعطشة:
نظرا لشدة تدافع النفس أثناء خروج الجيم الشامية،. وما يحدثه من ارتجاج في مساحة واسعة من سقف الحنك، كان لابد أن تتنوع إيحاءاته الصوتية.
فالجيم الشامية المعطشة، توحي بالشدة والقوة والدفء والمتانة كأحاسيس لمسية، وبطعم الدسم ورائحته كأحاسيس ذوقية وشمية. أما إيحاءاتها البصرية فهي تتردد بين الفخامة والعظم والامتلاء. لتقتصر إيحاءاتها السمعية على شيء من الفجاجة ، وهي لا توحي بأية مشاعر إنسانية أصلاً.
ب- الجيم القاهرية:
صوتها الانفجاري يوحي بالقساوة والصلابة والحرارة والخشونة كأحاسيس لمسية، وبما يدل على أصوات مزيجة من الحدَّة والانفجار كأحاسيس سمعية، ولا إيحاءات أخرى في صوتها ، حسيةً أو شعوريةً.
فلو أن العربي قد أبدع الجيم قاهرية غير معطشة كما يقول الدكتوران أنيس وبشير، إذن لكانت ندرت بصورة خاصة المعاني الدالة على العظم والفخامة والضخامة والارتفاع والفجاجة في الألفاظ التي يتصدرها.
فهل المعاجم إلى جانب الجيم الشامية أو القاهرية؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وثلاثة وخمسين مصدرا جذراً تبدأ بحرف الجيم، قد توزعت معانيها وفقا للزمر المبيَّنة في الجداول التالية:
الزمرة الأولى:
ثلاثة وثمانون مصدرا تدل معانيها على الشدة والفعالية المادية. منها:
الجأب (كلُّ كزٍّ غليظ). جأى عليه (عضَّه). جشب (غلُظ واشتد). جمح الفرس (عتا عن أمر صاحبه). جهلت القدر (اشتد غليانها). جذف الطائر (أسرع). جردم فلان (أسرع) . جعط فلانا (دفعه). جَعِمَ الرجل (اشتد حرصه وطمعه). جلز في الأرض (مضى مسرعا). جهض فلاناً (غلبه). جمر الفرس (وثب في القيد). جمز الفرس (سار مسرعا). جاب الطيرُ (انقض مسرعا).
وكان من هذه الزمرة أربعة عشر مصدرا للقطع والقشر . هي:
جبَّه (قطعه). جحف الشيء (قشره)، جدعه، وجذّه، وجزمه وجزّه، وجرده، وجلمه جميعها بمعنى (قطعه) جرشه وجلفه بمعنى (قشره). جذر الشيء (استأصله).جلق رأسه (حلقه) . جمش نبات الأرض (حصده). جرف السيل الوادي (أكل من جوانبه).
وكان منها أيضاً خمسة مصادر بمعنى صرعه هي:
جأفه (صرعه، والشجرة قلعها من أصلها). جحدره (صرعه ودحرجه). جحفله (صرعه ورماه). حجله وجعبره (صرعه).
الزمرة الثانية:
ثلاثة وخمسون مصدراً تدل معانيها على العِظَم والفخامة والضخامة والامتلاء والغلظة، ماديَّاً ومعنوياً . منها:
الجأر من الرجال (الضخم). جثل النبات (طال وغلظ والتفَّ). الجبأى (المرأة القائمة الثديين). الجبل. الجمل. جبجب (سمن). جحظت عينه . الجحمرش من النساء (الثقيلة السمجة). الجعيس (الغليظ الضخم). جعا الشيء (غلظ). الجمظ (الضخم). الجدار. جمّ (كثر).جوث (عظُم بطنه في أعلاه). الجَفْر ( ما عظم واستكرش من ولد الشاة والمعزى ). الجِفس (الضخم الجافي). جفظه (ملأه). جفخ (فخر وتكبر). جوِق (غلظ عنقه).
الزمرة الثالثة:
خمسة عشر مصدرا تدل معانيها على الحيوانات والجسد وما هو من أبعاض الجسد . هي الجيئل (الضبع). الجثة. الجثمان. الجرائض (الأسد). الجعول (ولد النعام) الجفن (غطاء العين). الجلد. الجاموس. الجمل. الجنين. الجيد(العنق).
الجواد . الجحش (ولد الحمار). الجيم (الجمل الهائج).
الزمرة الرابعة:
تسعة مصادر تدل معانيها على أصوات . هي:
جئ جئ ( دعاء للإبل إلى الماء). جأر (رفع صوته). جرس الطائر (صوّت). جشَّ صوته (اشتد وصار فيه بُحّة). جرجر البعير (ردَّد صوته في حنجرته). جعجع البعير (اشتد هديره). جلجل الرعد (صوت في حركة). جمجم (لم يبين كلامه) . جهجه الأبطال (صاحوا في الحرب).
الزمرة الخامسة:
ستة مصادر للانفعالات النفسية . هي:
جزع (لم يصبر على ما نزل به) جشأت نفسه (ثارت للقيء). جشع (اشتد حرصه). جهث (استخفه الغضب أو الفزع). جهشت نفسه (همت بالبكاء).
وبتحليل معاني المصادر الواردة في الزمر الخمس لمعرفة مدى تطابقها مع الخصائص الصوتية للجيم المعطشة وغير المعطشة ، نلاحظ مايلي:
أ- في الزمرة الأولى:
جميع مصادر هذه الزمرة تتوافق معانيها مع الخصائص الصوتية للجيم الشامية. كما أن بعضها يقبل الجيم القاهرية وان كانت الشامية أكثر تطابقاً مع معانيها . على أن المصادر الدالة على القطع والقشر وان كانت تقبل الجيمين، فإن القاهرية أكثر تطابقاً مع معانيها.
أما المصادر التي تدل معانيها على التماسك والمقاومة والتدافع والامتلاء والاستمرار من هذه الفئة، فإن معانيها لاتتوافق مع خصائص الجيم القاهرية.فجميع المصادر التي جاءت بمعنى (صرعه، واستأصله)، لا تقبل الجيم القاهرية لما في هذه الأحداث من تماسك ومقاومة، بل لا يوجد أي حرف آخر يسدّ مسدّ الجيم الشامية لاقامة التطابق بين الصور البصرية والصور الصوتية (أي الجمل الصوتية) لواقع الصراع في هذه المصادر (جحدره، جحفله، جعبره، جعفه...).
وهكذا الأمر مع جاش الماء (تدفق وجرى). فصوت الجيم القاهرية لا يستطيع أن يوحي بتدافع الماء واستمرار جريانه.
ولفظة جأى عليه (عضَّه)، وان كانت تقبل الجيم القاهرية للتوافق بين قساوة الصوت وقساوة العض فإن الجيم الشامية التي يملأ صوتها الفم هي أوحى بعملية العض التي يشترك فيها الفم والأسنان بمساحة واسعة دون قطع (عضّ على شفته).
وهكذا الأمر مع حجم النارَ (أوقدها). جرضه (خنقه). جرف السيل الوادي. جهلت القدر (اشتد غليانها). جعم الرجل. جرى ( اندفع في السير).
ومنه نرى أن الجيم الشامية قد تغلبت بالمفاضلة على الجيم القاهرية في عقر دارها مما يتعلق بالشدة والفعالية الماديتين.
ب- الزمرة الثانية:
ان الغالبية العظمى من مصادر هذه الزمرة الدالة على الضخامة والعظم والامتلاء ، لا تتوافق معانيها قطعا مع الإيحاءات الصوتية للجيم القاهرية ، لتتحول معها هذه المصادر إلى مصطلحات ورموز على معان دون إيحاء . وبذلك تتعطل هذه الخاصية الإيحائية في اللغة العربية التي تميزها أصلا من سائر اللغات.
فأين موحيات صوت الجيم القاهرية مثلا من معاني المصادر التالية:
جبل، جبجب. جحظت عينه . جشم (سمن). جشن (سمن وغلظ). جضّ (مشى متبخترا). جحدل الوعاء (ملأه)...... الخ.
جـ- الزمرة الثالثة:
ان هذه المصادر الدالة على حيوانات وعلى الجسد وأبعاضه . تتنافى معانيها جميعاً مع الخصائص الصوتية للجيم القاهرية. فأين القساوة التي يوحي بها صوتها من منظر وملمس مِمّا جاء في هذه الزمرة؟. مثال (الجؤزر ، الجاموس ، الجنين، الجلد، الجَفن ، الجثمان،....).
لابل إن صوت الجيم الشامية بايحاءاتها اللمسية والشمية والبصرية ، لهو أصدق إيحاء بمعاني هذه المسميات من صوت أي حرف آخر. وقد أطلق العربي على الجمل الهائج لفظة (الجيم) لهذا السبب بالذات.
د- الزمرة الرابعة:
باستقراء مصادر هذه الزمرة الدالة على أصوات يتضح أن صورها الصوتية (أي جملها الصوتية) إذا لفظت بالجيم الشامية تتطابق مع معانيها إلى أبعد الحدود، على العكس مما لو لفظت بالجيم القاهرية.
فلفظة (جشَّ الصوت) مثلاً بمعنى (اشتد وصار فيه بُحَّة)، تتطابق جملتها الصوتية إذا لفظت بالجيم الشامية مع طبيعة الصوت الإنساني عندما يشتد إلى الحدَِّ الذي تظهر فيه البحَّة.ولو لفظت بالجيم القاهرية لانعدم هذا التطابق بين الجملتين الصوتيتين، وتحولت اللفظة إلى رمز.
ولفظة (جئ جئ) ، وهي (دعاء للابل إلى الماء) ، قد لفظها العربي ولاشك بالجيم الشامية أي الصعيدية، ليقلد بها الأصوات التي تصدر عن الإبل عند ورود الماء فينبه بهذا الصوت شهية الإبل للماء بطريقة المحاكاة الطبيعية. ولو لفظت بالجيم القاهرية لتعطلت وظيفتها الإيحائية لعدم توافق جملتها الصوتية مع طبيعة صوت الإبل.
ولفظة (جعجع البعير) اشتد هديره تتطابق جملتها الصوتية مع الجملة الصوتية لهدير البعير فيما لو لفظت بالجيم الشامية ، على العكس مما لو لفظت بالجيم القاهرية.
وهكذا الأمر مع ألفاظ _جمجم، جأر، جهجه).
أما لفظة جرس الطائر(صوّت))، فهي الوحيدة التي تقبل الجيم القاهرية.
هـ- الزمرة الخامسة:
يلاحظ أن المصادر الواردة في هذه الزمرة تدل جميعا على انفعالات نفسية سلبية، وأن لها انعكاساتها المحسوسة على وجوه الناس وأصواتهم مما يشاهد بالعين أو يسمع بالاذن. ولمّا كانت هذه المصادر من شأن جملها الصوتية أن تنقل لنا أثر تلك الانفعالات على ملامح الوجوه في نبرات أصوات أصحابها ، فإننا نستطيع أن نقرر أنَّ حرف الجيم لم يتجاوز طبقته إلى الشعورية.فلفظة (جهشت نفسه) همَّت بالبكاء ، لابد أن تلفظ بالجيم الشامية. وذلك كيما تتطابق صورتها الصوتية مع انفعالات الحزن المرتسمة على قسمات وجه صاحبها، وكيما تتوافق أيضاً مع البوادر الصوتية الخاصة التي تترافق عادة مع ظاهرة الانتقال من حالة الحزن المكبوت، إلى البكاء الصريح. ولو لفظت بالجيم القاهرية لانعدم التطابق والتوافق بين معناها وبين جملتها الصوتية.
وهكذا الأمر مع (جشأت نفسه) ثارت للقيء، وجهث) استخفه الغضب أو الفزع .
أمّا لفظتنا (جبن وجزع) فهما تقبلان الجيمين معا، وذلك لانطواء معنييهما على انقباض نفسي يرافقه انقباض في الملامح ، وان كانت الشامية أوفى للغرض.
ومما تقدم يتضح أن الجيم الشامية هي الأصل، وأن القاهرية ما هي إلا لهجة بدوية لاحقة، ربما اقتضتها قساوة البداوة وشظف العيش.
وعلى الرغم من توزع الخصائص الصوتية لحرف الجيم بين مختلف الحواس ، فقد استطاع أن يفرضها على (5،65%) من معاني المصادر التي تبدأ به. وهذه النسبة تؤهله للانتماء إلى الحروف القويّة الشخصية.
ولئن تجاوزت بعض المصادر طبقته البصرية إلى السمعية والشعورية، فإن معانيها جميعاً تتوافق أصلاً مع الخصائص الصوتية للجيم الشامية كما مر معنا في تحليل المصادر الواردة في الزمرتين (جـ،د) ، مما يؤكد التزامه الشديد بطبقته.
ومما لاشك فيه أن الإنسان العربي قد استخدم الخصائص الصوتية للجيم الشامية بمعرض التعبير عن حاجاته ومعانيه ، بإحساس فني فائق الرهافة والدقة والذكاء.
7- حرف السين:
مهموس رخو، يشبه رسمه في السريانية صورة السن. يقول عنه العلايلي: إنه (للسَّعة) والبسط بلا تخصص). وقال الأرسوزي عنه: إنه للحركة والطلب . والقولان صحيحان ولكنهما قاصران.
حرف السين هو أحد الحروف الصفيرية ، صوته المتماسك النقي يوحي بإحساس لمسيِّ بين النعومة والملاسة، وبإحساس بصري من الانزلاق والامتداد، وبإحساس سمعي هو أقرب للصفير. وليس في صوته مايوحي بأي إحساس ذوقي أو شمي أو مشاعر إنسانية. فما رصيد هذه الخصائص الصوتية في حرف السين من معاني المصادر التي تبدأ به؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين واثنين وخمسين مصدراً جذراً تبدأ بحرف السين، كان منها اثنان وثمانون مصدرا تدل معانيها على التحرك والمسير بما يتوافق مع خاصية الانزلاق في صوته. منها:
سبق. سجم العطر (سال) . سحبه اسبلت عينه (صبّت دمعها- والسماء أمطرت). سرح السيل (جرى جريا سهلا). سرى الشيء عنه سروا (نزعه وألقاه). سرى سرْياً وسِراية وسُرىً (مضى وذهب). سعر الفرس (عدا شديدا). سفح الدمُ (انصبَّ). سفّ الطائر (مرّ على وجه الأرض طائرا). سفا سفوا (أسرع) . سقط. سكع (مشى متعسفاً) . سهكت الريح (عصفت واشتدت). ساخت قوائمه (غاصت في الأرض). ساج (جاء وذهب).
سال. ساب سيبا وسيبانا (ذهب حيث شاء). سأى (عدا) . سبسب الرجل (سار سيرا لينا). سبح. سفكه (صبّه). سكب. سلك المكان (دخل ونفذ). سعسم (مشى مشيا رفيقا). سهرج (عدا شديدا من فزع). سار. اسلهبَّ الفرس (مضى في عدوه). تسحسح الماء(سال).. أسحمت السماء (صبَّت ماءها). سحّ الماءُ (سال). سفنت الريح (هبت على وجه الأرض. ومنه، السفنية مهب للرياح في البحر). ساق سوقاً.
كما عثرت على ستة عشر مصدراً تدل معانيها على الخفاء والاستقرار ، بما يتجافى مع خاصية الانزلاق في صوت السين . منها:
ستره . سدك بالشيء (لزمه). سدل الثوب (أرخاه). السِّرُّ. سقف البيتَ (غطاه).سكن. السِّجاف (الستر).
كما عثرت على أحد عشر مصدراً للتعالي بما يتوافق مع خاصية الامتداد إلى أعلى.منها:
سبغ (تم وطال واتسع). سمد (علا ، رفع رأسه ونصب صدره). سمك سموكا.وسنع سنوعا وسما سموا (ارتفع وعلا). سمق النبات (علا) . سطع سطعا (طال عنقه) . السُّلاجم (الطويل من الرجال).
كما عثرت على ثمانية عشر مصدرا للرقة واللين والضعف ، بما يتوافق مع خاصية الرقة والسلاسة في صوت السين . منها:
سبت (استراح ، وسكن). سبخ(سكن وفتر). سرك (ضعف بدنه بعد قوة). سعسع (كبر حتى هرم). سقم (طال مرضه). سكر (فتر وسكن). سلس (صار سهلا). سهل.سمح (سهل ولان). سجا البحر والليل (سكن). سخف الشيء (رقَّ وضعف). السخل (كل شيء لم يتم).
كما عثرت على ثلاثة عشر مصدرا تدل معانيها على القشر والقطع، بما يتوافق مع خاصية الانزلاق في صوت السين . منها:
سبّ الدابة (عقرها). سحجه (قشره). سحفه (قشره). سحق الشيء (دقّه).سلخه . سبد شعره (حلقه) . سرّمه (قطَّعه). . سحا الشيء (قشره). سلع الطريق (شقه) . سرد الشيء (ثقبه).
وكان للأصوات مصدران اثنان. هما: سعل. سهف الدب (صاح) . (لتدخل حرفي . ع. هـ)
وكان للمشاعر الانسانية ثلاثة مصادر . هي سئِم ، سُرّ، سعِد.
وهكذا لم يكن لهذا الحرف من صفيريته إلا الاسم . على أنه استطاع أن يفرض خصائصه الصوتية على (56%) من معاني المصادر التي تبدأ به، لتكون شخصيته بذلك معتدلة القوة.
ولكن ، ماذا عن المصادر التي تنتهي بهذا الحرف؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وسبعين مصدرا جذراً ، كان منها ستة وأربعون للشدة والفعالية ماديهما ومعنويهما ، بما يتعارض مع خاصية الرقة والسلاسة في صوت السين منها:
أبسه (قهره). بهس (جرؤ وشجع). بكس خصمه (قهره) . حَوِس (جرؤ وتشجع).دعسه (داسه دوسا شديدا). دهسه (وطئه وطأ شديدا). شرس (ساء خلقه) وضرسه (عضَّه). عفسه (طرحه على الأرض وضغطه ضغطاً شديداً). قرس البرد (اشتد). كاس فلانا (صرعه وكبّه على وجهه). لدسه ولطسه (ضربه). مقسه (دلكه بشدة). نهسه (عضّه) . هرسه (دقَّه بشيء عريض). وطس الشيء (كسره ودقَّه).
وكان منها ثلاثون مصدرا للخفاء والاستقرار والظلام . منها:
ترس (توقى بالترس). جلس. خرس. دبسه (ستره). رمس الميت (دفنه) طمس. عسَّ وعاس (طاف ليلاً) غطس . قمس الشيء ( ألقاه في الماء فغاص). كنس الظبي (دخل مأواه). لَيِسَ فلان ليسا (لزم البيت فلم يبرحه). حبسه.
وكان منها تسعة وعشرون مصدراً للرقة والرخاوة ، بما يتوافق مع خاصية الرقة والسلاسة في صوت السين. منها:
أنس به. باس بوساً (قبّل). فطس الرجل، وفقس وقفس (مات). لحس. لمس. مسّ ملس. نعس. هلسه الداء (هزله وضمَّره). وكس الشيء (نقص).
وكان منها عشرة مصادر للتحرك والمسير هي:
حلست السماء (أمطرت). عدس في الأرض (بعُد). طسّ في الأرض ( أبعد في السير).مقس في الأرض (ذهب فيها). نبس (تحركت شفتاه بشيء). ناس (تحرك). هجس الأمر في صدره (خطر بباله). ماس (تبختر واختال). حدس في الأرض (ذهب على غير هداية).
وكان منها مصدر واحد للأصوات . هو: جرس الطائر (صوت).
وكان منها ثلاثة مصادر للمشاعر الإنسانية. هي:
تعِس. وَجَس (وقع في نفسه الخوف). فجس (تكبر وافتخر).
وبمقارنة الجداول السابقة مع بعضها بعضا، وتحليل مصادرها نلاحظ مايلي:
أ- حرف السين في بداية المصادر:
هو أوحى ما يكون بالتحرك والمسير إذ بلغت نسبة هذه المعاني وحدها (32%) بينما راوحت نسب بقية المعاني بين (5،4و7%). مما يقطع بخاصية هذا الحرف في التحرك والطلب والبسط، كما أشار إلى ذلك كل من العلايلي والأرسوزي.
ب- حرف السين في نهاية المصادر:
هو أوحى ما يكون بمعاني الخفاء والاستقرار، إذ بلغت نسبتها (5،20%) . بينما لم تبلغ هذه النسبة في المصادر التي تبدأ به سوى (3،6%). ثم تليها معاني الرقة والسلاسة والضعف، إذ بلغت نسبها (5،16%). بينما لم تبلغ في المصادر التي تبدأ بالسين سوى (7%) للخفاء.
ج- ومما يلفت الانتباه أن المصادر المنتهية بالسين التي تدل على الشدة والفعالية مما يتناقض أصلاً مع خصائص الرقة والسلاسة والضعف في صوته، قد بلغت نسبها (5،26%) بينما لم تبلغ هذه النسبة في المصادر التي تبدأ به سوى (5%). فما تعليل ذلك؟
عندما يقع حرف (السين) في أول اللفظة لابد ان يشدَّ المتكلم على صوته أثناء التلفظ به، فيمنحه ذلك فعالية انزلاقية تحاكي الأحداث الدالة على التحرك والمسير والقشر والسمو، فبلغت نسب هذه المعاني بذلك (38%)، مما حال دون تسلط الحروف القوية على خصائصه الصوتية. ولذلك اقتصرت معاني القوة والشدة والفعالية في هذه المصادر على (5%) منها فقط أما عندما يقع هذا الحرف في آخر اللفظة ، فإن الصوت يخفت به ويسكن مما يحدّ من فعاليته ، ويكون بالتالي أوحى بالخفاء ، والرقة والضعف والاستقرار.
وهكذا تسنح الفرص للحروف القوية التي تشترك في هذه المصادر للتسلط عليه بخصائصها الصوتية سواء أوقعت في أول المصادر أم في وسطها لتبلغ نسب هذه المعاني (5،26%).
وهذه الظاهرة اللغوية الصوتية تكشف عما كان العربي يتمتع به من رهافة فائقة في السمع ومن ذوق رفيع في الأدب، قد مكّناه، من أنْ يفرِّق بكثير من الدقة والبراعة بين الإيحاءات الصوتية لحرف السين في أوائل المصادر وبينها في أواخرها بمعرض التعبير عن معانيها، مما لا مثيل له في أية لغة . وهذا يشير إلى مداخلات الشعراء الاصلاء في صناعة اللغة العربية كما أسلفنا في المرجع السابق ص (92) وما بعدها.
وهكذا نستطيع ان نقرر مع العلايلي والأرسوزي: أن حرف السين يوحي فعلاً بالحركة والطلب والبسط، ولكن عندما يقع في أوائل الألفاظ ، أما عندما يقع في أواخرها فهو هناك أوحى بالخفاء والاستقرار والضعف والرقة وقد فاتتهما هذه المعاني لعدم ملاحقته في نهاية المصادر كما وقع لهما مع الحروف العربية جميعاً.
وهذا الحرف وان لم يؤثر في معاني المصادر التي تبدأ به إلا بنسبة (56%)، وفي المصادر التي تنتهي به بنسبة (35%)، فإنه قد التزم بطبقته البصرية، فلم يتجاوزها في كلتا الفئتين إلا في ثلاثة للأصوات وستة للمشاعر الإنسانية. وهذا يؤهله للانتماء إلى الحروف القوية الشخصية، على الرغم من رقة صوته.
8- حرف الشين
مهموس رخو يشبه رسمه في السريانية صورة الشمس يقول عنه العلايلي:" إنه للتفشي بغير نظام " وهذا صحيح ولكنه قاصر.
لقد سبق ان ذكرنا أن حرف (الشين) كحرف (الراء) قد تعود أصوله الحركية إلى المرحلة الزراعية.فإذا صح هذا الاحتمال لابد أن تكون المرأة هي التي اعتمدت طريقة النطق به (إيماءً) وتمثيلاً ، عن الأمور التافهة والحاجات المنزلية مما يتعلق بالمرحلة الزراعية ، كما سيأتي في معاني المصادر التي تبدأ أو تنتهي به. ثم تُعتمد (إيحاءاته) الصوتية في مراحل رعوية متطورة لاحقة. فتكتمل بذلك مقومات شخصيته (الإيمائية- الإيحائية)، ويحق له ان يصنّف في زمرة الحروف (الإيحائية) الرعوية الراقية: كما وقع لحرف (الراء)
وفي الحقيقة، إن بعثرة النفَس أثناء خروج صوت هذا الحرف يماثل الأحداث التي تتم فيها البعثرة والانتشار والتخليط. كما أن طريقة النطق بصوته المبدِّد للنفَس بين شفاه مكشِّرة ، إذا أخذت الكشرة أبعادها ، كانت أصلح ما تكون للتعبير عن توافه الأشياء والأمور.
أما صوته فهو يوحي بإحساس لمسي بين الجفاف والتقبض.
فما رصيد هذه الخصائص الإيمائية والإيحائية في المعاجم اللغوية؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وعشرة مصادر تبدأ بالشين، كان منها تسعة وأربعون مصدراً تدل معانيها على البعثرة والانتشار والتشتت والاضطراب بما يحاكي بعثرة النفَس عند خروج صوته، وهي خاصية إيمائية ، منها:
شأشأ القوم (تفرقوا). التشتت. شرشر الماءُ (تقاطر). شذا المسك شذواً (قويت رائحته وانتشرت). شقأ شعره بالمشط (فرقه). شَظِيَ القوم وتشذّروا (تفرقوا) : تشعب الشيء وتشعَّث (تفرق) الشَّعر للإنسان والحيوان. شعّ الشيء (تفرق وانتشر). شعشع الضوء (انتشر خفيفاً). شعِن شعره (تشعّث وتفرق). شنَّع الخُرقة (شعّثها حتى تنفش). شنَّ السائل (صبّه متفرقاً). شَعَبَ في القوم (هيّج الشر بينهم). شبرقه (قطَّعه ومزقّه ) شرِثت يده (غلظ ظاهرها وتشقّق). شلشل الماء( صبّه متتابعاً). الشمس. الشهرة الإشاعة.
وكان منها تسعة عشر مصدراً للخلط والتجميع العشوائي، بما يحاكي تدافع النفَس واختلاطه عند خروج صوته. منها : شبث الشيء وبالشيء (تعلق به ولزمه). شحم (سمن وامتلأ) . شحن السفينة وغيرها (حمّلها وملأها). اشترك الأمر (اختلط والتبس). شقر شُقرة (أُشرِبَ بياضه حُمرة). شمج الشيء (خلطه بغيره). شمرج الكلام (خلطه). شمط الشيء (خلطه بغيره).
شاب (خالط بياض شعره سواد). الشهل (ان يُشرب إنسان العين حمرة). . شاب الشيء بالشيء شوْباً (خلطه به). شوّشه (خلّطه وأساء ترتيبه).
وكان منها ستة عشر مصدراً لتوافه الأشياء والأمور ، بما يتوافق مع طريقة النطق به والشَّفاه مكشِّرة. منها :
الشؤم . الشبق (للحيوان ، والغُلمة للإنسان). شَتُمَ شتامة (كان كريه الوجه). الشُحُّ (البخل والحرص). الشعبذة والشعوذة. الشراهة. الشناعة. شاه شوها (قبح). الشيش( تمر لا يعقد نوى، ويصير حشفا إذا جفّ). الشيص (تمر لم ينتج لفساد في تكوينه) شخّ (بال). شحم الطعام (فسد وتغيرت رائحته).
وكان منها ستة مصادر تدل معانيها على الجفاف والخشونة بما يتوافق مع صدى صوته في النفْس، هي، الشأفة (قرحة تخشن فتستأصل بالكي). شثُنت كفّه (خشُنت وغلُظت). شظُف الشجر (يبس لقلة الري). شمر الشيء(قلصه وضم بعضه إلى بعض). شمز (تقبض وتجمع).شنج (تقبض).
وكان منها : ثمانية مصادر لأصوات تتوافق جملها الصوتية مع صوت الشين والحروف المرافقة هي:
شجنت الحمامة (رددت صوتها). شحج البغل (صوَّت). شدا (حدا وتغنَّى). شخر النائم. شخشخ القش (خشخش). شقشق الجمل (هدر). شنشن الثوب الجديد (سُمع له صوت أثناء التحرك). شخب اللبن (خرج من الضرع مسموعاً صوته).
وكان منها سبعة مصادر لمشاعر إنسانية . هي:
شجاه الأمر (حزنه). شده فلاناً (أدهشه). أشفق منه (خافه وحَذِرَهُ). شمت به (فرح لمكروه أصابه). شهاه (أحبّه ورغب فيه). شمخر (تكبر). الشوق.
وهكذا فإن تأثير خصائص الشين الإيمائية في معاني المصادر التي تبدأ به، بما في ذلك ما يدل منها على أصوات قد بلغت (48%) . وهذه النسبة لا تؤهله للانتماء إلى رمزة الحروف القوية
فماذا عن حرف الشين في نهاية المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وعشرين مصدراً جذراً انتهت بالشين. كان منها ثلاثة وأربعون مصدراً تدل معانيها على البعثرة والانتشار والاضطراب مادياً ومعنوياً ، بما يتوافق مع بعثرة النَّفَس عند خروج صوت الشين. منها:
أَرَشَ بينهم أغرى بعضهم ببعض). بغشت السماء (أرسلت مطرا خفيفاً.) جاش الماء جيشاً (تدفق وجرى). رشّت السماء(أمطرت). رعش (ارتجف). رغش (شغب). ارتهش (ارتعش). الريش للطيور . فرش النبات (انبسط على وجه الأرض). الكناشة (الأصل تتشعب منه الفروع). نشنش الطائر (نتف ريشه وألقاه). نفش (تفرق وانتشر بعد تلبد).هتش الكلبَ( حرّشه وأغراه بالصيد). هاش القوم هوشاً وهيشا (هاجوا واضطربوا).
على أنه كان من هذه الفئة ايضاً خمسة عشر مصدراً لا تدل معانيها أصلاً على البعثرة والتفشي إلا أن العربي قد جعل الشين في آخر كل منها مضاهاة منه لنهاية الحدث المعني الذي ينتهي بالبعثرة أو التفشي. وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد). كما قال ابن جني . منها:
جرش رأسه بالمشط (حكّه حتى أثار وسخه). حمش نبات الأرض (حصده). دبشه (قشره). دشّ الحبَّ (دقّه). فتش عن الشيء. (سأل عنه واستقصى). مرش وجهه (خدشه قليلا). ملش الشيء (فتشه بيده كأنه يطلب منه شيئاً). نبش البئر (استخرج ركامها).فتش الشيء (جذبه واستخرجه). نجش الشيء( استثاره واستخرجه). نخش الشيء (قشره). نقش الشيء (بحث عنه واستخرجه). نكشه (اخرج ما فيه). نهش اللحم (تناوله بفمه ليعضه).
ففي مصدر (جرش) مثلاً، جعل الشين (للبعثرة) في نهايته ، لتضاهي بذلك تناثر الوسخ بعد حك الرأس بالمشط).
وفي مصدر مرش وجهه (خدشه قليلاً)، جعل الشين في نهايته مضاهاة لظاهرة تفشي الخدوش في الوجه بعد حادثة (المرش)، وهي أقل شدة من حادثة (الخدش). وذلك لأن صوتي) الميم والراء) في مرش، أوحى برقة الملمس ولطافته من صوتي الخاء والدال في (خدش) . وهكذا الأمر مع بقية المصادر.
وكان منها أربعة وعشرون مصدراً جذراً تدل معانيها على الخلط والتجميع عشوائياً بما يتوافق مع تدافع النفَس عند خروج صوته، منها : أبش الشيء وحكشه ، وعكشه، وعفشه، وهبش المال بمعنى (جمعه) . حبش له (جمع له) . حمش الناس (جمعهم). حاش الدواب (جمعها وساقها).(خبش الشيء وقرشه وقشه، وقمشه بمعنى (جمعه من هنا وهاهنا). خرش لأهله (جمع وكسب).
كبش الشيء (تناوله بجميع كفه) . وبّش للحرب (جمّع لها من قبائل شتى ، ومنها الأوباش ، بمعنى أرازل الناس). باش الشيء بوشا (خلطه بغيره). غبش الليل (خالط بقية ظلمته بياض الفجر). ماش الشيء بالشيء (خلطه).
وكان منها ثمانية للجفاف والتقّبض. بما يتوافق مع صدى صوته في النفس هي:
الأش (الخبز اليابس الهش). حرش الشيءُ حرشا (خشُن). حشّ الشيء (جف ويبس).
العطش (الحاجة إلى الماء). تكرش وجهه (تقبض جلده)، والكرش للحيوانات المجترة كالمعدة للانسان ، وذلك لظاهرة التقبض في جلدتها). كمشت المرأة (صغر ثديها، والجلد تقبض واجتمع). نشّ (جف وذهب ماؤه). هشّ الخبز (رقّ وجفّ وصار سريع الكسر).
وكان منها سبعة عشر مصدراً للتوافه والعيوب الجسدية والنفسية، بما يتوافق مع الشين المكشور بها عند النطق بصوتها. هي:
الخَفَش (ضعف البصر). الدَّوَشُ (ظلمة في البصر، أو حول في العين). الطرش. الطنفش (الضعيف البصر). طنهش العمل (أفسده). الطيش. عمش (ضعف بصره مع سيلان دمع عينه). الغش. الفحش . فشفش (ضعف رأيه). فاش (افتخر وتكبّر ولا شيء عنده).اهترشت الكلاب (تقاتلت). الهمَّرش (العجوز المضطربة الخلُق). همش (اكثر الكلام في غير صواب) .الجحش، الوحش، ورش (أكل شديداً حريصاً).
مع الإشارة إلى أن ثمة كثيراً من المصادر الواردة في الجداول السابقة تدل على التفاهة أيضاً إضافة إلى معانيها الأصلية . كما في رغش، هتش هاش ، نهش. عكش، عفش، هبش، قرش وبَّش:
وكان منها مصدران اثنان للأصوات ، بما يتوافق مع صوت الشين . هما:
جشّ الصوت (اشتد وصار فيه بُحّة). كشّت الحية (صوتت).
وكان منها أربعة مصادر للمشاعر الإنسانية بما يتوافق إلى حد ما مع خاصية الاضطراب في صوت الشين . هي:
جأشت نفسه (ارتعشت من حزن أو فزع). جهشت نفسه (تحركت وهمت بالبكاء). حاش حيشاً (فزع) . دهشه (حيره).
في المقارنة بين المصادر التي تبدأ بحرف الشين والتي تنتهي به:
يلاحظ ان حرف الشين لهشاشة صوته وضعفه كان أكثر إيحاءً بخصائصه الصوتية عندما يقع في نهاية الألفاظ، إذ بلغت نسبة تأثيره في معانيها (73%). بينما لم تبلغ في المصادر التي تبدأ به سوى (48%).
كما يلاحظ أن هذا الحرف قد حافظ على طبقته البصرية في المصادر التي تنتهي به فلم يتجاوزها إلآ في مصدرين للأصوات وأربعة للمشاعر الإنسانية بما يتوافق مع خصائصه الصوتية بينما تجاوزها هناك في ثمانية للأصوات وسبعة للمشاعر الإنسانية.
وهكذا كان هذا الحرف عندما يقع في نهاية المصادر من أشد الحروف قوة شخصية والتزاماً بطبقته الهرمية على الرغم من هشاشة صوته. ولو أضفنا إليها المصادر التي تتوافق نهاية أحداثها مع ظاهرة التفشي في الشين لكانت ارتفعت نسبة تأثيرها في المعاني إلى (86%).
على أن ما يلفت الانتباه ، هو كثرة المصادر التي تدل على الأمور التافهة والعيوب الجسدية والنفسية ، سواء في المصادر التي تنتهي أو تبدأ به ، ثم كثرة الأشياء والأحداث المتعلقة بالشؤون المنزلية والبيئة الزراعية . وهذا يرجع إلى ما ذهبت إليه، من أن العربي كان أبدعه باحتمال شديد في المرحلة الزراعية لهذه المعاني ، فحافظ له إلى حد بعيد على اختصاصه الإيمائي الفطري هذا في مراحل لغوية لاحقة استوفى خلالها مقوماته الشخصية الإيمائية والإيحائية.
ولكن يبدو أن العربي عندما أخذ في تهذيب أصوات حروفه وتلطيف النطق بها في مراحل شعرية راقية متأخرة صار يلفظ الشين ، بشيء من الرقة والشفافية دونما كشرة . وهذا ما جعل صوته يوحي بالرقة واللطافة فاستخدمه لهذه الأغراض في بضعة عشر مصدراً . منها:
البشاشة . العرش . شبَّ . شبّب . شبن. الشادن. الشرف. الشفافية. الشهامة. شنب الثغر (رقت أسنانه وابيضت). . شار الرجل (حسن منظره).

9- حرف الطاء
مهموس شديد يشبه شكله في السريانية صورة الطير . ويقول عنه العلايلي: إنه (للملكة في الصفة والالتواء والانكسار). تعريف مبهم.
صوت هذا الحرف ، إنما هو تفخيم للتاء الرقيقة. وعندما ينفخ في الرقيق ويضخم ، لابد ان نحصل منه على ما هو مجوَّف كالطبل. وهكذا كان صوته أشبه ما يكون بضجّة الطبل. له إيحاء لمسي بين المرونة والطراوة، وله من المذاقات طعم الدسم، ومن الشمِّيات رائحة العطور، وله إيحاء بصري من الضخامة بين التكوّر والفلطحة.
قد استمد هذا الحرف إيحاءاته الذوقية من تماسِّ اللسان المباشر بكامل مساحته العليا مع سقف الحنك عند التلفظ به، على مثال ما يضغط اللسان على مضغة من اللحم الطري النضيج.
كما استمد إيحاءاته الشمية من تجاوب صدى صوته مع التجويف الأنفي (الخيشوم).إذ لابد ان يؤثر صدى اهتزازته الطرية اللينة مباشرة في خلايا حاسة الشم عند النطق به يدغدغها بنعومة ورقة كما تدغدغها موجات من نسيمات رائحة ذكية. وبذلك تتنبّه الأعصاب في الخلايا الشمية آلياً لا كيماوياً، فتوحي بإحساس شمي خاص (نظرية حديثة في حاسة الشم) . وذلك على العكس من صوت (الخاء) الرخو المخنخن الذي يوحي بالروائح الكريهة كما سيأتي.
ويكفي ان نتلفظ بكلمات تدل معانيها على مذاقات وشميات بعضها يتخلله حرف الطاء ، وبعضها الآخر خال منه، لنرى مدى استجابة حاستي الذوق والشم لكل من الصورتين الصوتيتين.
فعندما يقال لنا في الساحل السوري (بطِّيخ) وهو البطيخ الأصفر، يتبادر إلى الذهن مباشرة دونما أية عملية تذكُّر ، شكله المكور، فلونه الأصفر، فطعمه الحلو، ورائحته العطرة. بمعنى أنه ينبه فينا هذه الأحاسيس. بينما لو قيل لنا برتقاله، فإن شكلها المكور ولونها الوردي هما أول ما يخطران بالتتابع على الذهن، وقد يقف بعضنا عند هذا الحد فلا يتجاوزه إلى طعمها ورائحتها إلا إذا وجد فسحة من الوقت فيستعيدهما على مهل عن طريق الذاكرة.
وقد يعترض بعضهم على هذا الترتيب في تنبيه الحواس بمجرد ذكر هذه الأسماء. ولكن مما لاشك فيه أنّ عبارة (طبخنا لك طعاماً) هي أكثر إثارة للشهية من عبارة (هيأنا لك زاداً) وعبارة (رائحة عطرة)، هي أرضى لحاسة الشم من عبارة (رائحة ذكية).
وعبارة (طعام طيب)، أرضى لحاسة الذوق من عبارة (أكل سائغ). فألفاظ (طبخنا وطعام، وطيب، وعطر)، تشغل اللسان كله. وتتجاوب أصداء أصواتها في تجويف الأنف فتثير حاستي الذوق والشم أكثر مما تفعل ألفاظ (هيأنا، زاد، ذكي، سائغ) التي تشغل الذهن أكثر مما تشغله الألفاظ السابقة.
ويلاحظ أن أهم مصادر الروائح الذكية في حياة البدوي يوجد في ألفاظها حرف الطاء منها، (الطِّيب، العطر، الخمط، وهو الريح الطيب) . وذلك على مثال وجود حرف الراء في أهم مصادر الحلاوة والحرارة في حياة البدوي كما سبق ولحظنا ذلك في حرف (الراء)، ليكون حرف (الطاء) بذلك أكثر الحروف إيحاء بالأحاسيس الشمية الطيبة الرائحة.
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وثمانية مصادر تبدأ بحرف الطاء . كان منها تسعة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الضخامة والعلو والاتساع دونما شدة أو قساوة، بما يتوافق مع إيحاءات الضخامة والفلطحة في صوت الطاء ، منها:الطبل، الطّخّاء (السحاب المرتفع). طغى (جاوز الحد المعقول). طفح الإناء.
طفر (قَفَزَ من فوقه). طفّ (ارتفع). طلع (ظهر من علو). طمح (ارتفع). طمّ (كثر حتى عظم). طما (ارتفع) . طنشر (ثقل جسمه من اكل الدسم ). طنِخ (اشتد سمنة) . المطهَّم (السمين الفاحش السمن). الطّود( الجبل) . طال. الطوق (كل ما أحاط بشيء خلقة أو صنعة).
وكان منها تسعة عشر مصدراً تدل معانيها على الطراوة والمرونة والمطاوعة والرقة ، بما يتوافق مع موحيات صوته من الطراوة والمطاوعة. منها:
طرب (خف واهتز من فرح). طرّ (كان ذا رواء) . طري. الطفل (المولود مادام ناعما رخصا). الطلالة (الحسن والبهجة). طاس (صار كالقمر في حسنه). المطاوعة. الطفطفة (الناعم من لحم البطن).
وكان منها ستة مصادر تدل معانيها على الطعام ومتعلقاته والروائح الطيبة. هي:
الطبيخ . طجن الشيء (قلاه وأنضجه). . الطرَّم (شهد العسل). الطعام . الطهي.الطِّيب.
وكان منها سبعة وعشرون مصدرا تدل معانيها على الضعف والتفاهات والعيوب البدنية والنفسية، بما يتوافق مع جوفية صوت الطاء. منها:
طأطأ برأسه (خفضها). طخَّ (شرس وساء خلقه). طنفس (ساء خلقه بعد حسن).الطَّنفش (الضعيف البصر) . طني (مرض) . طهش العمل (أفسده). طاش (اضطراب وانحرف).
طفس (قذر واتسخ). الطليس (الأعمى). طنأ (فجر وزنى). الطِّنجير (الجبان اللئيم).طنز به (سخِر منه). الطَّنبل (البليد الأحمق). الطَّغام (أرازل الناس). الطميس (الأعمى لا يبين حرف جفنه). طمل بكذا (تلطخ). الطَّهمل (الجسم القبييح الخلقة) طاح عقله (اضطرب). طاخ (تلطخ بالقبيح أو بالباطل).
وكان منها ستة مصادر تدل على أصوات ، بما يتوافق مع جوفية صوته . هي:
طبطب الماء (صوّت في تلاطمه). طحر (زحر وعلا نَفَسُه للضيق). طنَّ . طنطن . طقَّ طحطح (ضحك) . مع ملاحظة مشاركة (النون والقاف) في ثلاثة منها.
ولم أعثر على أية لفظة تدل على مشاعر إنسانية ، فليس في صوته الأجوف ما يثير فعلا أية مشاعر إنسانية.
وباستعراض معاني المصادر الواردة في الجداول الأربعة السابقة ، نجد أن العربي قد التزم بالخصائص الصوتية لهذا الحرف بنسبة عالية بلغت (90%)، لم يحظ بمثلها إلا قلة من الحروف القوية، على الرغم من طراوة صوته ومطاوعته.
ومما يلفت الانتباه، أننا لم نعثر على أي مصدر يدل على الشدة المادية سوى ثلاثة مصادر. هي:
طحّه (دلكه بعقبه). طحنه (صيره دقيقا)- طرده.على أن مصدري (طحَّ ، وطحن)، وان كان معنياهما ينطويان على شيء من الشدة، فإن عمليتي الطحِّ والطحن تتفقان مع الخصائص الصوتية لحرفي الطاء والحاء من حيث المطاوعة والنعومة.
ولا أكتم القارئ أن هذا الحرف قد خيب جميع توقعاتي بصدد تأثيره في معاني الألفاظ التي تبدأ به. فلقد كنت أحسب أن صوته بحكم طراوته وفلطحته أنما هو أضعف من أن يفرض شخصيته الجوفاء على الحروف الأخرى. وان الحروف القوية بالتالي سوف تسوقه قسرا عنه إلى أغراضها ومعانيها ، لتذوب بذلك شخصيته الإمّعية، فلا يبقى له منها إلا طابع الجوفية، هذا إذا واتته ظروف من أوزان وحروف.
ولكن بدراسة الخصائص الصوتية لهذا الحرف على واقع المعاجم ، تبين أن العربي قد استخدمه بكثير من الدقة والحساسية السمعية، قلّ نظيرهما في بقية الحروف.
وهكذا احتفظ العربي لهذا الحرف الأجوف بكامل حقوقه الشخصية، عدلا وحقا.
10 - حرف الظاء:
مجهور رخو، يعرِّفه الدكتور بشير بأنه (من الأصوات الاحتكاكية، مجهور، مفخم مطبق).
ويقول عنه العلايلي: إنه (للتمكن). تعريف مبهم
صوت هذا الحرف إنما هو تفخيم لحرف الذال ، يلفظ ملثوغاً مثله، فخفّ بذلك توتره الصوتي وقلَّت غلظته. وهو يوحي بالفخامة والنضارة والأناقة والظهور، وبشيء من الشدة والقساوة.فما حصيلة هذه الخصائص الصوتية من معاني المصادر التي تبدأ به؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثمانية عشر مصدراً تبدأ بالظاء ، وما أقلَّها . كان منها ستة مصادر تدل معانيها على الرقة والأناقة والنضارة بما يتوافق مع ظاهرة اللثغ في صوت هذا الحرف. هي:
ظأرت المرأة على ولدها (عطفت عليه). الظبي . الظريف. الظعينة (الهودج أو الزوجة).الظل الظليل. ظميت شفتها (كان فيها سمرة وذبول).
وكان منها سبعة مصادر تدل معانيها على القساوة بشيء من الخشونة بما يتوافق مع صدى صوته المفخم. هي الظُّبة (حدُّ السيف). الظَّرُّ (الحجر الصوان له حد). الظَّرِب (ما نتأ من الحجارة وحدِّد طرفه ). الظِّفر للإنسان، والجوارح والكواسر). الظِّلف (الظفر المشقوق للماشية).الظنب ( أصل الشجرة). الظُّنبوب (حرف ساق القدم).
أما المصادر الخمسة الباقية ، فكان بين معانيها رابطة من الشدة والظهور ، بما يتوافق مع الخصائص الصوتية لهذا الحرف. هي:
الظُّلم (وضع الشيء في غير موضعه). ظهر ، ومن مشتقاتها (الظُّهر والظهيرة). الظَّلع (العرج). الظمأ (شدة العطش). الظنّ (الشك بما يقارب اليقين).
ولكن ماذا عن هذا الحرف في آخر المصادر؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثة وعشرين مصدراً جذراً، وما أقلَّها أيضاً . كان منها ستة عشر مصدرا تدل معانيها على الشدة والامتلاء والظهور ، بما يتوافق مع ظاهرة التوتر والفخامة في صوت الظاء . هي:
بهظه (شق عليه). دأظ (امتلأ ، سمن). دلظ في سيره (مرَّ مسرعا ). عظّ (اشتد).عكظ عليه الأمر (تعسر وتمنع). غلُظ. غاظه (أغضبه). وكظ (واظب على). جحظت عينه.قاظ اليوم (اشتد حرُّه). فظّ . كنظه الأمر (جهده ، وشق عليه). كظّ السيل بالماء (ضاق من كثرته). كظكظ السِّقاء (تمدد وانتفخ كلما صبَّ فيه الماء). لظّ به (لزِمه ولم يفارقه ). لظلظت الحية برأسها (حركته من شدة غيظها).
وكان منها ستة مصادر تدل معانيها على الرقة والأناقة، بما يتوافق مع ظاهرة اللثغ في صوت الظاء . هي:
حظَّ . حفظ. قرَّظَ فلانا (مدحه). لحظ. لفظ. وعظ.
وكان منها مصدر واحد لعيب في البدن . هو:
أخظّ الرجل (استرخى بدنه واندال). وذلك لأن الخاء مختصة بالعيوب الجسدية والنفسية والقذارة كما سوف نرى.
لتبلغ نسبة تأثير خصائص هذا الحرف في معاني المصادر التي تنتهي به، أكثر من (95%).
ثم ماذا عن المصادر التي يتوسطها هذا الحرف؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على سبعة وعشرين مصدراً. كان منها ستة تدل معانيها على الامتلاء. بما يتوافق مع ظاهرة التفخيم في صوته. هي:
بظا لحمه (اكتنز وتراكب. خظا لحمه (اكتنز). كظب (امتلأ سِمنا). كظا لحمه (كثر واكتنز). عظر السقاء (ملأه). كظم السقاء (ملأه وسدَّ فاه)، ومنه كظم غيظه.
وكان منها عشرة مصادر تدل معانيها على الشدة والقسوة. هي:
حظر عليه (حجره ومنعه). حظل عليه (ضيَّق وقتَّر). شظف (يبس لقلة الرى). عظّه بالأرض (ألزقه بها). تعظلم الليل (اشتد سواده). عظل بالكلام (عقّده وصعّبه). عظاه (اغتاله، سقاه ما يقتله). فظع بالأمر (استعظمه وهاله). كظر القوس (حزّ طرفيها). لظيت النار (تلهبت).
وكان منها خمسة مصادر تدل معانيها على الرقة والأناقة ، ماديها ومعنويها. هي:
الحُظوة. نظر إلى الشيء (أبصره وتأمله بعينه). نظم الأشياء (ألَّفها وضمَّ بعضها إلى بعض). النظافة مظع الوتر (ملَّسه ويبّسه).
ويلحق بهذه الفئة مصدر واحد هو. وظف القوم (تبعهم).
وكان منها مصدران للعيوب الجسدية والنفسية . هما:
بظِرت شفته العليا (نتأ وسطها مع استطالة). بظرم (حمق) . وذلك لتنافر أصوات الحروف فيهما.
لتبلغ نسبة المعاني التي تأثرت بصوت هذا الحرف هنا (90%).
وباستقراء معاني المصادر التي يشارك فيها هذا الحرف في الجداول السابقة نلاحظ ان حرف الظاء قد تفرَّد عن سائر الحروف العربية بالميزات التالية:
1- ندرة الألفاظ الدالة على عيوب جسدية أو نفسية ، إذ اقتصرت على أربعة فقط. ولكن دونما أي قذارة أو فجور في معانيها. هي : (ظلع. أخظَّ. بظر. بظرم).
وذلك يرجع إلى ما في صوت الظاء الملثوغة من موحيات الفخامة والعذوبة والنضارة والأناقة ،بما يتناقض أصلاً مع معاني الخسَّة والقذارة والتشوهات الجسدية والنفسية والفحش.
2- التزام معاني جميع هذه المصادر بالطبقة البصرية لهذا الحرف، لم تتجاوزها إلا في مصدر واحد للمشاعر الإنسانية، هو (غاظ) ولا شيء للأصوات. مما يدل على تمتع هذا الحرف بشخصية فذَّة. مع الإشارة إلى أن الغيبوبة النفسية في الغيظ ترجع للغين كما سيأتي.
3- لم أعثر في المعجم الوسيط على أية لفظة دخيلة أو معربة أو مولدة أو محدثة في مشتقات جميع المصادر التي شارك في تركيبها هذا الحرف سوى لفظة (وظيفة) بمعنى المنصب والخدمة المعينة. وذلك لعدم وجود حرف الظاء في لغات الشعوب المجاورة من غير الساميين.
ولكن ما علة اقتصاد العربي في استخدام صوت هذا الحرف في مختلف مواقعه من الألفاظ ، بمعرض التعبير عن أحاسيسه ومعانيه ، إلى هذا الحد من القلة (68) مصدرا في المعجم الوسيط؟. فكاد العربي بذلك أن يحرم لغته من مصدر صوتي فريد في عذوبته وترفه وأرستقراطيته مما حدا ببعض القبائل العربية أن تلفظ كل ضاد ظاء، تعشقاً لسماع هذا الصوت المفخم الأنيق: (اللهجة العراقية ، واللهجة الديرية في سورية).
لعل هذا يرجع إلى استحالة اجتماع صوته مع أصوات بعض الحروف في لفظة واحدة، وإلي تعذّر تلاؤم صوته مع مجموعات كثيرة من الحروف لتأليف ألفاظ تحافظ معانيها على موحيات الفخامة والأناقة والنضارة في صوته.
وقد يرجع ذلك أيضاً إلى استعاضة العربي عن هذا الحرف بالذال الملثوغة.
على أن أشد منافسي هذا الحرف على معاني الفخامة والأناقة والنضارة، كان حرف الضاد مخرج صوت وخصائص ، كما سوف نرى.
وقد يرجع ذلك أيضاً ثالثا إلى أن العربي لم يبدع صوت هذا الحرف إلا في مرحلة لغوية مترفة راقية من مراحل الحياة الرعوية الشعرية المتأخرة، فكان صوته بذلك أقلَّ حروف الدنيا استعمالا على الإطلاق.
11- حرف الغين:
مجهور ، رخو. قد اتفق العلايلي والأرسوزي على أنه (لغؤور المعنى والغموض والخفاء). وهذا هو أقلُّ من واقعه الصوتي.
فظاهرة الغؤور والغموض في حرف الغين، انما هي مستمدّة من طبيعة صوته. فهو لا يوحي بالغموض فحسب، وانما بالامِّحاء والعدم أيضاً.
إن صورته الصوتية وهو يدغدغ سقف الحلق عند خروجه، لهي أشبه ما تكون بدغدغة محسَّة من حديد تزيل غباراً عالقاً بجلد بعير. وإذا خُفف صوته قليلا، كان أشبه بحفيف ممحاة من نسيج خشن تحكُّ خطوطا طباشيرية مرسومة على لوح أسود، ويتطاير الغبار.
فهذه هي حكاية حرف الغين: صورة صوتية يقابلها في الطبيعة صورة تمثيلية: اهتزاز واضطراب وبعثرة نفَس في صوت الغين ، ودغدغة محسّةٍ أو ممحاة ، أو راحة كفِّ خشنة، وغبارٌ يتناثر في الهواء . هذه هي الخصائص الإيمائية في صوت الغين، فماذا عن خصائصه الإيحائية؟.
ماذا يوحي لنا صوت (غ-غ-غ..)؟.
لا شيء قطعاً إلاَّ غرغرة الموت والامِّحاء. فصوته عندما يخرج من فوَّهة الحلق، إنما يخرج مخربّا ممحوّ الألوان م***با بالسواد. وهكذا نسمع صوت هذا الحرف مثلما نرى الليل المظلم البهيم.
فما رصيد الخصائص الإيمائية والإيحائية في صوت الغين من الحقيقية على واقع المعاجم اللغوية؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وخمسين مصدراً تبدأ بحرف الغين. كان منها اثنان وعشرون مصدرا تدل معانيها على الاضطراب والبعثرة والتخليط، بما يماثل الاهتزاز في صوت الغين، وبعثرة النفَس عند خروجه. منها:
الغُبار (لبعثرته). الغثَر (ما يعلو الثوب كالوبر). غثم الشيء وغثمره (خلطّه).
الغُثاء (رغوة القدر). أغدق المطر( كثر قطره). غدرم الكلام (اختلط ). غربل الحَبَّ (نقَّاه بالغربال من الشوائب، لظاهرة الاهتزاز في هذا الحدث). غرغر الرجلُ (ردَّد الماء في حلقه). تغسّر الأمر (اختلط والتبس). الغصن (ما تشعَّب من ساق الشجرة ، دقيقه وغليظه). غلت الشيءَ (خلطه). غليان القدر. غيد (تمايل وتثنَّى في لين ونعومة).
وكان منها ثلاثة مصادر لمشاعر الغضب، في تماثل بين ظاهرة الانفعال النفسيِّ في حالاته وبين ظاهرة الاضطراب في صوت الغين، على شيء من الغيبوبة في الوعي هي: غضب. غاظ. غذفر.
وكان منها سبعة مصادر لأصوات تحاكي ما في صوت الغين من غرغرة وغمغمة هي:
غرِد الطائر (رفع صوته بالغناء وطرَّب فيه). غطفت القدر وغقّت (صوَّتت في غليانها). غقفق الصقر (رقَّق صوته). غمغم (صوّت من فزع). الغوغاء (الصوت وال***ة). الغُنَّة (صوت يخرج من الخيشوم).
وهكذا بلغت نسبة تأثر معاني المصادر التي تبدأ بالغين بخصائصه التمثيلية(21%). كما كان منها خمسة عشر مصدرا تدل معانيها على الظلام والسواد بما يتوافق مع موحيات صوت الغين. هي:
غبس الليل (أظلم). غبش الليل (خالط بقية ظلمته بياض الفجر). أغدق الليل (أرخى سدوله). الغِربيب (الشديد السواد، أسود غِربيب). غسق الليل وغسا وغشي، وغسم وغطش ( أظلم). غضف الليل (أظلم واسودَّ). غضا الليل (عمّ ظلامه كلَّ شيء). غطا الليل ( أظلم وسترت ظلمتُه كلَّ شيء). الغلَس (ظُلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح). الغيهب (الظُّلمة). تغيَّق بصره (غشيته ظُلمة فأظلم).
وكان منها تسعة وثلاثون مصدرا تدل معانيها على الخفاء والستر والغياب. منها:
غبَّت الحمىّ فلانا (أخذته يوماً وتركته آخر). غتَّه في الماء وغطّه وغطّسه (غمسه فيه).
غربت الشمس (اختفت في مغربها). غرا السِّمن قلبه غَروا (لصق به وغطاه). غثر الشيء (ستره). تغلغل في الشيء (دخل فيه). الغِلاف. الغمد. أغلق الباب. غَلَم الإنسانَ (غطّاه ليعرق). غمت الشيء وغمّه (غطاه). غمره (علاه وستره). اغمض عينيه . غاص. غاط في الشيء غوطا وغيطا (دخل فيه وغاب). غمى البيت غموا وغميا (سقفه). غار الماء. غاب. الغيم. غانت السماء (غامت).
وكان منها اثنان وعشرون مصدراً تدل معانيها على غيبوبة وجدانية أو نفسية أو عقلية . منها:
غبغب (خان في بيعه وشرائه). غبنه في البيع (غلبه ونقصه). غبيَ الشيء عنه (خفي عليه فلم يعرفه). غدر فلاناً وبه (نقض عهده وترك الوفاء به) . غرّ الرجل (جهِل الأمور وغفِل عنها). الغرام (التعلق بالشيء تعلقاً لا يستطيع التخلص منه). غشم فلانا (ظلمه أشد الظلم). غشمر فلان (ركب رأسه في الحق والباطل لايبالي ما صنع). غطرس ( أعجِب بنفسه). المغفَّل (من لا فطنة له). غفا غفوا (نام قليلا). غفي غفا (نِعس). غلط (اخطأ وجه الصواب). غنجت المرأة (تدللت على زوجها بملاحة كأنها تخالف وليس بها خلاف). الغَوْل (ما ينشأ عن الخمر من صُداع وسُكر). غوى ( أمعن في الضلال). غطرف (عبث واختال وتكبر)
وهكذا بلغت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بخصائص الغين الايحائية (51%). لترتفع هذه النسسبة مع خصائصه الايمائية إلى (72%)، مما يؤهله للانتماء إلى زمرة الحروف القوية الشخصية، ما دامت المصادر التي تدل على أصوات ومشاعر الغضب، قد تأثرت بالخصائص الإيمائية والإيحائية لحرف الغين ، كما مرَّ معنا.
ولكن ماذا عن هذا الحرف في نهاية المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على أربعة وستين مصدراً جذراً تنتهي بالغين. كان منها خمسة عشر مصدراً تدل معانيها على الاهتزاز والبعثرة والتخليط ، بما يتوافق مع خصائص الغين الإيمائية في الاهتزاز والبعثرة. منها، مع بيان الرابطة بين معاني بعضها وبين خصائص الغين الإيمائية.
بثغ الجسد (ظهر فيه لون الدم، للبعثرة). بزغت الشمس (بدا طلوعها، لبعثرة اشعتها). بغبغ الكلام (خلّط). بغَّ الدم، وتبوغ ، وباغ بيغا ( هاج وثار، للاضطراب). ثمغ الألوان (خلطها). ريّغ الطعام (دسّمه ، لظاهرة تخليط الطعام بالدسم). دغدغ الصبيَّ (حكّه في موضع حساس يحدث انفعالا ، لظاهرة الذبذبة في الحكِّ والارتعاش في موضع الحدث). نشغ الشيء (انتشر). نضِّغ الشيء (لوّنه بسواد وحمرة وبياض مخلوطة غير متبينة ). الوزغ ( الارتعاش والرعدة).
وكان منها مصدران اثنان للخفاء . هما:
دمغ فلانا (غلبه وعلاه، والحقُّ الباطلَ ، محاه)، زغزغ الشيء (خبّأه وأخفاه).
وكان منها عشرة مصادر لغيبوبة نفسية أو وجدانية أو عقلية . هي:
راغ (ذهب يمنة ويسرة في سرعة وخديعة). زاغ زوغاً وزيغا (مال عن القصد أو الحق) تليَّغ (تحمَّق). مذغ (كذب وادَّعى). ملغ في كلامه (تحمَّق). نزغ فلانا (طعنه برمح، أو اغتابه وذكره بالقبيح). الهِبيَّغ (المرأة الحمقاء والفاجرة لا تردُّ يد لامس).
ولا شيءَ للظلام ولا للأصوات والمشاعر الإنسانية.
لتبلغ نسبة تأثر معاني هذه المصادر بخصائص الغين الإيمائية والإيحائية (42%) . فقط. ومما يلفت الانتباه ، في المصادر التي تنتهي بالغين عدم وجود أيٍّ منها يدل معناه على ظلام الليل والسواد ، واقتصار معاني الخفاء المادي على مصدرين اثنين فقط. بينما كان في المصادر التي تبدأ بالغين خمسة وخمسون لمعاني الظلام والسواد والخفاء المادي.
فما تعليل هذه الظاهرة؟.
إذا كان العربي يشدُّ بصوته أصلاً على أصوات الحروف التي تقع في مقدمة الألفاظ، ويخفت بها في نهايتها ، كما مرَّ معنا، فانه لابد أن يكون ثمَّة رابطة أصيلة بين الظلام والسواد، وبين الشدِّ على صوت الغين.
وهذه الرابطة ، ما أحسبها تخرج عن واقعة التماثل بين ظاهرة التخريب في صوت الغين، وبين واقعة حك الخطوط والألوان بشدَّة من على الجدران أو الصخور أو الألواح، أووجه الأرض وما إليها. حتى إذا خُفِت بصوت الغين قليلا في نهاية اللفظة، كان أكثر تمثيلاً لوقائع الاضطراب والبعثرة المارة الذكر، من واقعة حك الخطوط والألوان.
فهل للقارئ تعليل آخر؟.
وقبل أن أنتهي من حديثي عن حرف الغين ، أرى من المفيد أن أقوم بتحليل معاني بعض المصادر التي تبدأ بالغين أو تنتهي به، للكشف عن العلاقة الفطرية بين معانيها وبين الخصائص الصوتية لهذا الحرف.
وإنَّها لفرصة طيبة مع حرف الغين لفهم طبيعة الذهن العربي بمعرض انتقاله من المعاني الحسية إلى المعاني المجردة، للكشف عن المضامين الاجتماعية والفنية والفلسفية في اللفظة العربية بالرجوع إلى خصائص حروفها، ولتصحيح شروح معانيها في المعاجم اللغوية عند الاقتضاء.
في الأمثلة:
1- غشم فلانا: (ظلمه أشد الظلم).
جاءءت من غشم الحاطب (احتطب ليلا فقطع كلما يقدر عليه بلا نظر ولا فكر).
واذن فالغشم (بفتح الغين وتسكين الشين)، ليسس مجرد اعتداء على حقٍّ معين من الحقوق، وانما هو اعتداء على ما يقدر الغاشم عليه من حقوق مادية ومعنوية لغيبوبة في الوجدان.ويقال حرب غشوم وحاكم غشوم. ولقد جعل العربي الغين (للظلام والسواد والخفاء) في مقدمة غشم مضاهاة لبداية حدث الاحتطاب (ليلا). ثم أتبعه بالشين (للتفشي والانتشار)، مضاهاة لواقعة الاحتطاب وعشوائياً من هنا وهاهنا. ثم جعل الميم (للانجماع والانضمام) في نهاية اللفظة، مضاهاة لنهاية الحدث بجمع الأحطاب ووضعها في حزم. وذلك (سوقا) للحروف على سمت المعنى المراد والغرض المقصود)، كما قال ابن جني.
2- غبنه في البيع.
جاءت من الغبن (بفتح الغين والباء) ، ومعناه ( الموضع الذي يُخفى فيه الشيء). وإذن فالغبن (بفتح الغين وتسكين الباء). في البيع والشراء ، لايحصل أصلا إلا لِخفاء أمر يتعلق بالمبيع ، إما لجهل في سعره أو في أوصافه. والغَبْن قانونا، لايكون موجبا للابطال أو التعويض إلا إذا تجاوز خمس قيمة المبيع مع فاقد الأهلية ، لعلة الجهل (المادة 393 من القانون المدني السوري )، أو للغلط (المادة 121) أو للغش والتدليس.وهذه الأسباب الثلاثة تبدأ بحرف الغين، لعلة الجهل والخفاء، قد جعلت الغين في المقدمة مضاهاة لجهل الشاري ابتداء ثم تلتها الباء (للحفر) مضاهاة لموضع الخفاء في المبيع. ثم جعلت النون في نهاية اللفظة (للاستكانة، كما سوف نرى) مضاهاة لواقعة القبول بالصفقة الخاسرة.
3- في لفظة الغرام.
جعل الغين في المقدمة ، مضاهاة لبداية هذه الحالة من غيبوبة نفسية. فكانت الغين للتعبير عن وجهة نظر العربي في إدانة هذه الحالة وصاحبها. ثم أتبعها بالراء (للتحرك والاضطراب) . مضاهاة لاضطراب المشاعر. ثم جعل الميم في نهايتها (للانجماع والانضمام) مضاهاة لنهاية هذه الحالة من تعلق / شامل مكتوم لاخلاص للنفس منه.
4- في لفظة غطرس.
جاءت الغين في المقدمة للغيبوبة النفسية التي تعتري المعجب بنفسه.وادانة لصاحب هذه الحالة.
5- وفي لفظة غنِجت المرأة.
لبيان أن المرأة تخفي في تدللها على زوجها أمرا غير الذي أظهرته .
6- ومما يلفت الانتباه أن لفظة (الدماغ)، بمعنى (حشو الرأس من أعصاب ونحوها) ، قد جاءت من مصدر (دمغ)، بمعنى الغلبة والمحو، مما لا رابطة حسية أو معنوية تجمع بين المعنيين. وأرى ان العربي قد عمد إلى تصوير الدماغ بأصوات الحروف. فالدال (للقساوة) ، تضاهي قساوة عظم الجمجمة، والميم تضاهي انجماع الأعصاب في غلافه داخلها، والغين تضاهي واقعة خفاء هذه المجموعة العصبية عن النظر داخل الجمجمة
7- وفي لفظة راغ، الراء (للتحرك والتكرار) تضاهي ما في هذا الحدث من ذهاب يمنة ويسرة بسرعة ، والغين تضاهي مافي هذا التحرك من خدعة خفية.
استطراد لابد منه،
ونظراً لكثرة المصادر التي يشارك حرف (الغين) في تركيبها مما يدل على الغيبوبة (الوجدانية والنفسية والعقلية) فقد صنفته في (الاطلالة ص73) في زمرة الأحرف (اللاشعورية) مع حرفي (الخاء والهاء) للمعاني الرديئة.
12- حرف الفاء
صوت هذا الحرف مهموس رخو. يقول العلايلي عنه: إنه، (يدل على لازم المعنى، أو المعنى الكنائي). تعريف مبهم. ويقول عنه ابن جني، إنه : لرقة صوته، كثيراً ما يضفي معنى الضعف والوهن على الالفاظ التي يدخل في تراكيبها ، ولاسيما المؤلفة من حروف : (د. ت. ط. ر. ل. ن).
ولكن هذا الحرف بحفيف صوته الرقيق وبعثرة النفَس لدى خروجه من بين الأسنان العليا وطرف الشفة السفلى، يوحي بملمس مخملي دافئ ، كما يوحي بالبعثرة والتشتت. لتكون الخصائص الصوتية لهذا الحرف موزعة بين اللمسي والبصري.
ولقد كنت أتوقع فعلاً أن يضفي صوت هذا الحرف معاني الضعف والوهن والتشتت على الألفاظ التي يدخل في تراكيبها ، أخذا بالقاعدة الصوتية التي اعتمدتها في هذه الدراسة (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث ). كما قال ابن جني.
ولكن باستقراء معاني المصادر التي تبدأ بهذا الحرف في المعجم الوسيط لفت انتباهي أن قرابة ثلاثين في المئة منها تدل معانيها على الشق والقطع والشدخ. أحداث يتطلب تنفيذها شيئاً من القوة والشدة والفعالية ، مما يتناقض أصلا مع موحيات الرقة والوهن والضعف في صوت حرف الفاء.
فلم ذلك؟.
بتمحيص معاني هذه المصادر المذكورة آنفا وجدت أن ثمة رابطة أخرى تجمع بينها غير رابطة القوة والشدة. فهذه الأحداث ، وإن كان تحقيقها يتطلب في الغالب بعض القوة والشدَّة، فإن ظاهرة (الانفراج) تؤلف بينها جميعا.
فما هو سرُّ تفشي هذه الظاهرة في معاني معظم المصادر التي تبدأ بحرف الفاء، سواء مادَلَّ منها على الشدة أم الضعف؟.
لئن كان من نهج العربي بمعرض التعبير عن معانيه أن يطابق بين الصورة البصرية (المرئية) للحدث أو الشيء ، وبين الصورة الصوتية المعبرة عنه إيحاء، وذلك (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث) فإنه قد كان لهذه القاعدة شذوذ خاص مع حرف الفاء. فالمطابقة مع هذا الحرف قد تمت هنا بين الصورة البصرية للحدث في (الشق والفصل والقطع) ، وبين الصورة البصرية لكيفية خروج صوت الفاء من بين الأسنان العليا والشفة السفلى، أي وفقا لطريقة النطق به، إيماء وتمثيلاً.
وتوضيحاً لذلك أبين مايلي:
عندما يخرج النفَس مع صوت الفاء على المدرج الصوتي يبدو لنا وكأن الأسنان الأمامية العليا هي التي تقوم بالضرب خفيفا على طرف الشفة السفلى، حبْساً للنفَس ، ثم يتمُّ الانفراج بينهما بشيء من التأنّي، فيخرج الصوت مع النفس المبعثر أثناء الانفراج ضعيفاً واهياً.
وهكذا فالصوررة البصرية لعملية خروج صوت الفاء تمثل ضربة الفأس (الأسنان العليا) ، على الأرض، (الشفة السفلى). كما أن بعثرة النفَس ، تمثل بعثرة التراب المحفور.
وفي الحقيقة إن انفراج الأسنان العليا عن الشفة السفلى (كصورة بصرية مرئية) يمثَّل الأحداث الطبيعية التي يتم فيها الشقُّ والفصل والتفريق والتبعيد والتوسُّع.....
كما أن بعثرة النفَس عند خروج صوت الفاء يحاكي الأحداث التي تنطوي على البعثرة والتشتت دونما عنف أو شدَّة.وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وواحد وعشرين مصدرا تبدأ بحرف الفاء . كان منها ثمانية وخمسون مصدراً تدل معانيها على الشق والفصل والحفر بما يحاكي ضرب الأسنان العليا بشيء من الشدة على الشفة السفلى قبل خروج صوت الفاء . منها:
فأس الخشبة (شقها). فأى رأسه (فلقه). فتق الشيء . (شقّه). فثغ رأسه (شدخه).فدغ الشيء (كسره). أفرخت البيضة( انفلقت عن الفرخ). فرص الثوب (شقه طولا). فرى الشيء (شقه). فزر الثوب (شقه) . فسأ الثوب (مدّه حتى تفزر). فسق كل ذي قشر (خرج عن قشره). فشّ القربة (اخرج مافيها من ماء أو هواء). فحث في الأرض (بحث).فشق الشيء . (كسره) . فرّقَ . فصد العِرق (شقه ) فصم الشيء (شقه). فصل بين الشيئين (فرّقَ) . فضحه (كشف معايبه). فضّ اللؤلؤة (خرقها). فطم العود (قطعه). فقأ العين (شقَّها.) فقس الطائر بيضَه (كسرها ليخرج الفرخ). فقش البيضة (فضخها). فقع الشيء (شقه). فقص (فقس). فكَّ الشيء (فصل اجزاءه). فلز الشيء وفلعه (شقه) فَلَعَ رأسه (شدخه). فلقت النخلة (تشقق طلعها) . افتلم أنفه (جدعه).
وكان منها ثمانية وأربعون مصدراً تدل معانيها على الانفراج والتباعد والاتساع، بما يحاكي انفراج الفم عند خروج صوت الفاء. منها:
أفأم الدلو (وسّعه وزاد فيه). الفتخة (حلقة من ذهب أو فضة). فجّ (باعد بين رجليه).الافجل (المتباعد بين الساقين). الفجوة (المتسع بين شقين). فحج (تدانت صدور قدميه وتباعدت عقباه). الفدفد (الأرض الواسعة لاشيء فيها). الفردسة (السَّعة). الفاختة (ضرب من الحمام يوسع في مشيه ويباعد بين جناحيه وابطيه). الفرسخ (الفرجة). فرشخ (باعد بين رجليه). فرض الشيء فروضاً (اتسع). فرطع الشيء وفلطحه (بسطه ووسَّعه ). الفراغ . الفُسحة. الفرطاس (العريض). تفضَّج الشيء (توسَّع). .فضفض الشيء (اتّسع). فغر فمه (فتحه). فغم النّوْر (تفتح). فغا الشجر (تفتح نوره). فقح النبات (تفتح وازدهر). فقّ الشيءُ (انفرج). فلج الرجل (تباعد بين ساقيه أو يديه أو اسنانه خلقة). فلك ثدي الفتاة (استدار) . فنجل (مشى متباعداً ما بين ساقيه). الفائجة (متسع بين مرتفعين). الفوه ، الفم ، الفَيف (الصحراء الواسعة).
وكان منها أربعة عشر مصدراً تدل معانيها على التّشتت والبعثرة والانتشار برقَّة ولطافة ، بما يحاكي بعثرة النفّس لحظة خروج صوت الفاء ضعيفاً واهياً منها:
فرش النباتُ (انبسط ). فشغ الشيءُ (انتشر). فشل لحيته (نفشها). فاح فوحا وفيحا (انتشرت رائحته) . فاحت ريح المسك (انتشرت حتى تأخذ بالنفس). فاع الطيب (انتشرت رائحته) . فاج فيجا (انتشر) . تفصفصوا عنه (تفرقوا). فث وعاء التمر (نثر تمره)، لتدخل (الثاء) ايضاً.
وكان منها خمسة مصادر تدل معانيهاا على أصوات تترافق أصلاً مع ظاهرتي الانفلاق والانفراج هي.
فقفق الماء (صوَّت). فحّت الأفعى وفخَّت (صوتت). فحفح ( أخذته بُحَّة في صوته). فرقع (سُمع له دوي).
وكان منها مصدران اثنان للمشاعر الانسانية . هما : (فرح ، فزع). لتدخُّل حرفي الحاء والعين الشعوريين. أما ما يدل على الضعف والرقة والوهن بما يحاكي صدى صوت الفاء في النفس ، فكان لها واحد وعشرون مصدراً ، منها:
الفُتات ( ما تكسَّر من الشيء وتساقط). فتر (لان بعد شدَّة). فدر (فتر). فره (حسن وجمل). فشفش (ضعف رأيه). فِكه (كان طيِّب النفْس مزَّاحا). فلِس منه (خلا منه وتجرد). فنش في الأمر (استرخى فيه). فنِد (ضعف رأيه من الهرم). فهفه الرجل (عيَّ وكلَّ لسانُه). فني الشيء (باد) . فهَّ (زلّ من عِيّ أو غيره). فثئ الرجل (انكسر غضبه).
وهكذا فإن هذا الحرف على ضعف صوته ، قد طبع بخصائصه الإيمائية قرابة (60%) من المصادر التي تبدأ به. ليقتصر على طبع (10%) فقط بموحياته الصوتية من الضعف والرقة والوهن (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث)، بما مجموعه (70%).
فما السر في تفوق الخصائص الايمائية في صوت هذا الحرف على خصائصه الإيحائية؟.
لقد سبق أن عرضت في الدراسة الثانية (ص 131) أنَّ حرف الفاء كان أحد الحروف التي أبدعتها المرأة في المرحلة الزراعية. فالمرأة في تلك المرحلة كسيدة للأسرة والمجتمع بحكم استقرارها في بيئة محدودة (كوخ. حظيرة. حقل. حديقة ..) ، كانت أقلَّ حاجة من الرجل في مرحلتي الغاب والرعي إلى ابتكار الأصوات للتعبير عن حاجاتها المستجدة. فلقد كان من الأسهل عليها والأوضح والأدقَّ أيضاً، أن تستخدم إشارات اليدين وقَسَمات الوجه وحركات الفم واللسان، للتعبير إيماء بالتمثيل والمحاكاة عن حاجاتها ومعانيها، سواء أترافقت تلك الإشارات والحركات بأصوات معينة أم كانت خرساء صامتة بلا أصوات.
وبذلك يكون من المرجَّح أن المرأة هي التي اهتدت إلى صوت (الفاء) بمعرض استخدامها حركة الفم بضرب الأسنان العليا على الشفة السفلى للتعبير عن حادثة الحفر في الأرض كأهمِّ عمل في حياتها الزراعية. فكانت حركة الفم بذلك أسبق في الزمن من صوت حرف (الفاء) . لتسقط الإشارات المرافقة له مع تطور اللغة في المرحلة الرعوية اللاحقة ، فلم يبق منها إلاَّ حركة ضرب الأسنان العليا على الشفة السفلى بالقدر اللازم لخروج صوت (الفاء) ضعيفاً واهياً ، وكأنه لا علاقة بينه وبين ضربة الفأس القوية على أرض طرية. وذلك على مثال ما اهتدت المرأة بالذات إلى كل من حروف (اللام والثاء والذال) بمعرض استخدامها طرف اللسان للتعبير عن عمليات المضغ (باللام)، وعن جنسي الأنوثة والذكورة (بالثاء والذال) قبل أن تهتدي إلى أصواتها كما مر معنا.
فالمرأة بحكم أمومتها الفطرية التي استتبعت أصالتها الحضارية ، كانت على مر الزمن هي الأرهف حسا ومشاعر ، والأولع بفنون الرقص والتمثيل والغزل، والأبرع في دنيا الصناعات اليدوية والمنزلية ومبتكراتها، مما يؤهلها أكثر من الرجل لإبداع الحركات والإشارات الإيمائية في المرحلة الزراعية بمعرض التعبير عن حاجاتها ، فتحول بعضها إلى أصوات حروف. ليتفنّن الرجل الراعي بعدها في استخدام هذه المادة الخام من الحروف بذات المنحى من المعاني بصورة عامة. لا يؤثر في صحة هذا الرأي أن تشذ عن ذلك معاني بعض الألفاظ التي تبدأ بهذه الحروف مما أبدعه الرجل في المرحلة الرعوية : حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث ، وليس ايماء وتمثيلاً.
ولو عاد القارئ إلى معاني الألفاظ التي تبدأ أو تنتهي بأي حرف من الحروف ، لوجد فيها من الأدلة المحسوسة ما يكشف عن المرحلة التي أبدع فيها العربيُّ صوته الفجر، وإن أجرى عليه بعض التعديل في المراحل الحياتية اللاحقة.
ولكن ما مدى تأثير الخصائص الإيمائية لحرف الفاء في معاني المصادر التي تنتهي به؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وأربعين مصدرا تنتهي بحرف الفاء . كان منها واحد وعشرون مصدرا تدل معانيها على الرقة والضعف والوهن، بما يتوافق مع موحياته الصوتية في الضعف والوهن. منها:
ألِفه (أنس به). خفّ الشيء.رخُفَ العجين (استرخى من كثرة مائه).. رهُف (رقّ ولطُف). سخُف الشيء (رقّ وضعُف). شفَّ الثوب. ضعُف. عجُف (هزِل). غطف العيش (اتسع ولان). لطُف. هِيف الغلامِ (دقَّ خَصره وضمُر بطنه). وجَفَ القلب(اضطرب وخفق). وطِف (كثر شعر حاجبيه وأهدابه مع استرخاء وطول). وغف بصره (ضعف).
وكان منها ثمانية وعشرون مصدراً تدل معانيها على القطع والحفر والفصل والقلع والخرق بما يحاكي طريقة النطق به. على أن معظم هذه المصادر يشارك فيها حرف أو أكثر من الحروف القوية مما يصح إسناد الحدث إليها أيضاً. منها:
جعفه (قلعه). خزف الثوب (خرقه وشقه). دفّ الشيء (نسفه واستأصله). شدفه (قطعه). غرف الشيء (قطعه). قدف الماء (غرفه). كاف الشيء كيفا (قطعه). نسف الشيء (اقتلعه من أصله). نقف الفرخ البيضة (ثقبها ليخرج منها). جرف السيل الوادي (أكل من جوانبه).
وكان منها مصدران للتوسع بما يحاكي انفراج الفم بعد التلفظ بحرف الفاء . وهما:
الجوف . الكهف.
وهكذا فإن نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بمختلف الخصائص الايحائية والايمائية لحرف الفاء قد هبطت هنا إلى (21%) ، بينما كانت في المصادر التي تبدأ به (70%) . وذلك يعود للاسباب التالية:
أ- عندما يقع حرف الفاء في نهاية الكلمة يلفظ ساكنا بصورة عامة. فتستقر الأسنان العليا على الشفة السفلى وتغيب مع هذا الاستقرار صور الحفر والقطع والتوسع من طريقة النطق به.
ب- وعلى فرض تحريك الفاء قليلا فإن الذهن يكون أكثر انتباهاً إلى الخصائص الإيمائية والإيحائية للحروف التي تقع في المقدمة.
جـ_ بوقوع حرف الفاء في آخر اللفظة يصبح صوته في أوهى حالاته ضعفاً وخفوتا، مما يسهل معه على الحروف القوية أن تطغى بخصائصها على خصائص (الفاء). فلقد كان ثمة اثنان وأربعون مصدراً تنتهي بحرف الفاء تدل معانيها على الشدة والغلظة والفعالية والقوة، مما يتنافى مع خصائص الضعف والوهن في صوتها، وذلك بفعل الحروف القوية المشاركة ، وقد وضعت تحتها خطاً. منها:
جأفه (صرعه). جذف به (رمى). ذف الطائر (أـسرع). زرف في مشيه (أسرع ووثب). عسف فلانا (أخذه بالعنف). قذف الحجر. قصف الرعد.
لتبلغ نسبة المصادر التي تتجافى معانيها مع خصائص صوت الفاء في الضعف والوهن (17%).
وعلى الرغم من إيمائية هذا الحرف فقد التزم بطبقته الهرمية كحرف بصرى عندما يقع في بداية المصادر، فلم يتجاوزها إلا في خمسة للأصوات واثنين للمشاعر الإنسانية. مما يقطع بأن هذا الحرف ينتمي فعلا إلى الطبقة البصرية من الهرم الحسي، كما يتمتع بشخصية قوية نسبياً







الفصل الرابع
الحاسة السمعية وحرفاها

الحاسة السمعية:
آلتها الأذن: تقوم بوظيفتين اثنتين:
الإحساس بالتوازن : وآلتها الكييس والشكيّة والقنوات الهلالية الثلاث.
الإحساس بالأصوات: وآلتها القوقعة.
تصل الأصوات إلى القوقعة عن طريق الطبلة والعظيمات والسائل اللمفي الموجود في الأذن الباطنة. وفي حال إصابة الأذن تقوم العظام الجمجمية وسوائل الدماغ بتوصيل الذبذبات الخارجية إلى مراكز السمع العصبية الموجودة في اللحاء (القشرة الدماغية).
تدرك الأذن البشرية الأصوات التي تراوح ذبذباتها بين (2و20 ألف) في الثانية.
عندما تكون الأصوات ذات ذبذبات دورية منتظمة تسمى أنغاما، وإلا كانت أنواعاً من الدّويّ أو الضجيج أو القعقعة، وما إليها من الأصوات الناشزة.
الأذن المدربة تستطيع أن تميز بين النغم الأساسي والأنغام التوافقية في الأصوات الموسيقية المركبة. بينما العين لا تستطيع تحليل اللون المركب إلى ألوانه البسيطة. وهكذا نرى أن الأذن البشرية أدق تحليلاً للأصوات من العين للألوان.
الحرفان السمعيان:
وهما الزاي والقاف.
1- حرف الزاي:
مجهور رخو. يشبه رسمه في السريانية صورة الزند. يقول عنه العلايلي: إنه: (للتقلع القوي). تعريف قريب من واقعه ولكنه قاصر.
لئن كان صوت هذا الحرف يقوم أصلاً على الاهتزاز الصوتي كحرفي الذال والظاء ، فإنه يتميز منهما بحدَّة خاصة، لا يخفِّف منها لثغ كما في الذال ، ولا فخامة وأناقة في اللفظ كما في الظاء . ليكون حرف الزاي بذلك أحدَّ أصوات الحروف قاطبة.
وعلى الرغم من بساطة صوت هذا الحرف الأسَلي ، فهو متنوع الخصائص.
فحدَّة صوته توحي بالشدة والفعالية .
وهذه الحدَّة التي تحاكي صوت حزِّ الحديد على الحديد ، تؤهِّله للتعبير عن الأصوات المماثلة في الطبيعة.
ولما كان صوت هذا الحرف يستمد حدَّته من ذبذباته الصوتية العالية ، فهو إذا لفظ بشيء من الشدَّة أوحى بالاضطراب والتحرّك والاهتزاز. أما إذا لفظ مخففا بعض الشيء ، فهو يوحي بالبعثرة والانزلاق وذلك (حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث).
فما رصيد هذه الخصائص الصوتية في معاني الألفاظ التي يتصدرها حرف الزاي؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وثلاثة وثمانين مصدراً تبدأ بحرف الزاي ، كان منها سبعة عشر مصدرا تدل معانيها على أصوات. هي:
زأر الأسد. زبطت البطة (صوّتت) . زحر (أخرج صوته بأنين من عمل أو شِدَّة). زعق به (صاح به فأفزعه). زغد البعير (هدر شديدا). زغرد البعير (ردَّد هديره في حلقه). الزغدب (الهدير الشديد). زفر (أخرج نفسه بصوت مسموع). زفزفت الريح (صوتت في الشجر). زقزق الطائر (صوت). زقا الطائر (صاح). زمجر (ردَّد صوته في صدره). زمر (صوّت بالمزمار).
زهزق (ضحك بشدة). زمخر الصوت (اشتدّ). زمزم. (صوّت بِدويٍّ غير واضح).زاط (صوت و***).
وكان منها ستة وستون مصدراً تدل معانيها على الشدة والفعالية. منها:
زأب (شرب شديدا) . زأم (مات سريعاً). زبره بالحجارة (رماه بها). الزوبعة (الإعصار). زبق شعره (نتفه) . زجله (رفعه ورمى به). زجّه بالرمح (طعنه). زخمه (دفعه بشدة). زرمه (قطعه). زعط فلانا (خنقه). زكر الإناء (امتلأ). زلعت النار (ارتفعت). زمكه (ملأه). زعُم زعامة (ساد ورأس). زمِه الحر (اشتدَّ). ازمهرّت عيناه (احمرتا من الغضب). زمخ (شمخ وتكبر). الزّندق (الشديد البخيل). زنهر إليه بعينه (أبرزها واشتدَّ نظره). زهكه (جشّه بين حجرين) . الأزيب (ريح عاصفة شديدة).
وكان منها أربعون مصدراً تدل معانيها على الاضطراب والاهتزاز والتحرك والتدحرج والانزلاق بما يحاكي ذبذبة صوته . منها:
زأزأ الشيء (حركه وزعزعه) . زحن عن مكانه (تحرك) . زعزعه (حرَّكه بشدة). تزاحكوا (تدانوا). زحّه (نحاه عن موضعه). زحزحه. زحف. زحل عن مكانه (تنحَّى).زحلف (تزحلق) . زحلقه (دحرجه). زرف الدمع . زفّ (أسرع). زفن (رقص). زكمت به أمه (ولدته). زلج (أسرع في المشي). زلزله (هزّه وحركه بشدة) . زلقت القدم. زمع (أسرع في مشيه) . زنفل (أسرع، رقص كالنبط) . زاغ زوغاً وزيغاً (مال عن القصد). الزَّيازية (العجلة والسرعة).
وكان منها تسعة مصادر تدل معانيها على البعثرة والتناثر، بما يحاكي بعثرة النفَس لدى خروج صوته.: هي:
الزِّئبر (الزغب والوبر) . الزِّغبر. الأزبّ (كثير الشعر والوبر). الزَّبد (الرغوة). الزبعرى (الكثير شعر الوجه والحاجبين واللحيين). الزَّغب (صغار الريش والشعر). زعِر الشَّعر والوبر والريش (قلّ). الزوبر (زغب يعلو الثوب الجديد). زرع الحب (بذره).
وهكذا بلغت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بالخصائص الصوتية لحرف الزاي (73%) ، مما يؤكد صحة انتمائه إلى زمرة الحروف القوية.
وإذا لحظنا أنه لا يوجد أي مصدر يبدأ بالزاي يدل على مشاعر إنسانية ، يكون هذا الحرف أشد الحروف التزاما بطبقته الحسية السمعية. أما مصادر (زهد، زحل، زها) فقد اعتمدنا معانيها الحسية تباعاً : (للقلة، والتباعد ، والإشراق) ، لغلبتها على المعاني المجردة.
ولكن ماذا عن هذا الحرف في نهاية الألفاظ؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرتُ على مئة وثمانية عشر مصدراً تنتهي بالزاي. كان منها خمسة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الشدة والعنف والقوة. منها:
بزّه (غلبه). بهزه (ضربه في صدره ودفعه بعنف). جهز على الجريح (أسرع في قتله). . ضأزه (جار عليه). طرزه (دفعه باللكز). عزّ (قوى وبرئ من الذّل). فزّ الرجل فزازة (نشط وتوقد). لكزه (ضربه بجمع كفه). لمزه (ضَربه، عابه). وكزه (دفعه وضربه). مهزه ( دفعه).وهزه (دفعه وضربه بثقل يده). همزه (نخسه).
وكان منها ثمانية عشر مصدراً تدل معانيها على القشر والقطع والنفاذ ، بما يتوافق مع موحيات الحزّ في صوت الزاي. منها:
جرز الشيء (قطعه واستأصله). جزّ الصوف (قطعه) . حزّه (قطعه ولم يفصله).
حلز الأديم (قشره) . خزّه بسهم (أصابه به وأنفذه). شكزه (نخسه بالإصبع). عكز الرُّمح (غرسه في الأرض). غرز. غزّ. لهز فلانا بالرمح (طعنه في صدره). نخز . نكز الدابه (نخسها). وخزه بالرمح (طعنه به).
وكان منها واحد وعشرون مصدراً للاضطراب والاهتزاز والتحرك، من بينها سبعة للقفز والوثب، بما يتوافق مع ذبذبته الصوتية. منها:
أزّ (تحرك واضطرب). بزبز (أسرع في مشيه). جلز في الأرض (مضى مسرعا). ارتهز للأمر (تحرك له واهتز ونشط). مزمزه (حركه). ماز الشيء موزا (تحرك وتدافع). رجل نزّ (كثير التحرك لا يِقرّ في مكان).. هزّ الشيء (حركه بشيء من القوة). مزّ بأنفه (حركه غضبا). أبز (وثب وقفز في عدوه). جمز الفرس (وثب). قحز الرجل (وثب منزعجاً). قفز. قلز العصفور (وثب). نفز الظبي (طفر). نقز الظبي (وثب صعدا وقفزا).
ولا شيء للمشاعر الإنسانية . وهذا ما كنت أتوقعه ، لأن صوت الزاي لا يوحي أصلاً بأية مشاعر إنسانية ولا شيء لمعاني البعثرة، وهو أمر يلفت الانتباه.
أما ما لم أتوقعه ، فهو عدم وجود أي مصدر منها مخصص للدلالة على صوت، ولاسيما قد كان ثمة خمسة عشر مصدراً تنتهي بزاي مشددة. فلقد كنت أتوقع أن يفيد العربي من حدّة صوتها المشدّد للتعبير عن مختلف الأصوات التي تتوافق معه في الحدة والقساوة.
فما تعليل هاتين الظاهرتين؟.
أولاً - حول ظاهرة فقدان معاني الأصوات:
من الملاحظ أن الزاى غير المشددة تلفظ في نهاية الكلمة ، ساكنة ومخففة ، بذبذبة صوتية ضعيفة ، قد توحي بشيء من الاهتزاز والاضطراب ولكنها لا توحي بأصوات.
ولكن هذا التعليل لايطال الزاي المشدّدة، فمهما يُخفف صوتها ويرّفق ويُخفَفُ به ، يبقى فيه من الذبذبات الصوتية ما يكفي للايحاء بأصوات ما.
وإذن لابد من المقارنة بين حرف الزاي والحروف الموحية بأصوات (ص. ن..ق) ، في محاولة للاهتداء إلى السبب.
1- مع حرف الصاد.
من (147) مصدرا تبدأ به كان ثمة (26) للأصوات. أما المصادر التي تنتهي به، فلا شيء منها للأصوات.
2- مع حرف النون.
من (386) مصدراً تبدأ به كان ثمة (30) مصدراً للأصوات. أما التي تنتهي به، فكان منها (7) للأصوات ، ستة منها تنتهي بنون مشددة، كما سيأتي في دراسته لاحقاً..
3- مع حرف القاف.
من (280) مصدراً تبدأ به، كان ثمة (22) للأصوات . أما التي تنتهي به فكان منها (17) للأصوات . ولكن كان ثلاثة عشر منها تبدأ بالحروف الموحية بأصوات موزعة كما يلي:
(6) للنون. (3) للزاي. (4) للقاف ذاته، كما سيأتي وشيكاً.
ومما سبق يتضح أن العربي قد درج على وضع الحروف الموحية بأصوات في مقدمة المصادر التي تدل معانيها عليها. فهي في هذا الموقع البارز أوحى ما تكون بخصائصها الصوتية الأصلية. ثم يسوق الحروف الأخرى للتأليف بينها في اللفظة الدالة على صوت بالصورة التي تتوافق جملتها الصوتية مع طبيعة الصوت الذي يريد التعبير عنه.
وفي الحقيقة إن وضع الحروف الموحية بأصوات (ز. ص. ن. ق) في آخر اللفظة، من شأنه أن يضعف من موحياتها الصوتية، بمقدار ما يبعد الذهن عن معانيها وخصائصها ، إلى معاني وخصائص الحروف التي تقع في المقدمة. ولذلك شدَّد العربي من صوت النون في جميع المصادر التي تنتهي بها مما يدل على أصوات ، لفتاً للذهن والسمع إلى صوتها برنين النون المشددة
ولكن لماذا لم يتعامل العربي مع الزاي المشددة في آخر اللفظة للتعبير عن الأصوات، على مثال ما فعل مع النون المشددة؟.
ذلك لأنَّ خاصية الاهتزاز والشدة في حرف الزاي هي الأصل ، والصوت ما هو إلا نتيجة للاهتزاز. فبتشديد الزاي تتغلب خصائص الاهتزاز والقشر والشِّدة في صوتها على الموحيات الصوتية فيه.
أما النون فخاصية الرنين في صوتها هي الأصل، والاهتزاز نتيجة للرنين. وبتشديد النون في آخر اللفظة تتغلب خصائص الرنين في صوتها على الخصائص الأخرى.
وهكذا فان استبعاد معاني الأصوات عن المصادر التي تنتهي بالزاى يدل على حساسية سمعية ورهافة شعور، ما تمتع بمثلها إنسان آخر غير شاعر أو موسيقي.
ثانياً- حول ظاهرة فقدان معاني البعثرة.
عندما تلفظ الزاي في أول الكلمة ينفرج الفم قليلا ويتبعثر النفس مع خروج صوتها. أما في آخر الكلمة ، فتلفظ ساكنة ينحبس النفَس معها داخل الفم، فلا بعثرة ولا تشتت في النفَس، ولا ما يوحي بهما. ولذلك كان طبيعياً أن لا توجد في المصادر التي تنتهي بهذا الحرف ما يدل على معاني البعثرة والتشتت.
ولما كان الزاى قد طبع بخصائصه الصوتية (54%) من معاني المصادر التي تنتهي به بعد أن طبع (72%) من معاني المصادر التي تبدأ به، وكان التزم بطبقته الصوتية في كلتا الحالين لم يتجاوزها إلى الطبقة الشعورية، فهو صحيح الانتماء إلى زمرة الحروف الصوتية، ويتمتع بشخصية متميزة تؤهله للانتماء إلى الحروف القوية.
2- حرف القاف
هو شديد. يلفظه بعضهم مجهورا، وبعضهم يلفظه مهموسا. يصفه العلايلي بأنه: (للمفاجأة تُحدث صوتا) . ويصفه الأرسوزي بأنه : (للمقاومة). وكلا الوصفين يفضيان به إلى أحاسيس لمسية من القساوة والصلابة والشدة، وإلى أحاسيس بصرية وسمعية ، من فقاعة تنفجر، أو فخارة تنكسر. ولكن ما رأى المعاجم اللغوية في هذه الإيحاءات؟.
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وثمانين مصدرا تبدأ بحرف القاف، كان منها اثنان وعشرون مصدرا تدل معانيها على أصوات . هي.
قبقب الفحل (ردد صوته في حنجرته). قحب الجمل (سعل). قرَّ قريرا (صوت). قرع (ضرب بصوت). القَرْق (صوت الدجاجة إذا حضنت). قرقر وقرقف (في الضحك). قصف الرعدُ (اشتد صوته). القعقعة. قعم السنور (صاح). قهقه، وقهّ (ضحك). قفقف (اصطكت أسنانه). قاقت الدجاجة وقوقأت وقوَّقت (صوتت). قال. قوّه لصاحبه (صاح به). قضَّ قضيضاً (سُمع له صوت كأنه قطع). قضقضت العِظام (صاتت عند كسرها) قطقطت الحجلة (صوتت). قعط فلان (صاح شديداً).
وكان منها خمسة وثمانون مصدراً تدل معانيها على الشدة والقوة والفعالية. منها:
قبص (عدا عدوا سريعا). قتله. قحز (وثب) . قحم. القدرة. القسر. القساوة.
قضعه. قهره. قَفَزَ (وثب) . قحطر (اشتد). قهره. القوَّة. قاظ الحر (اشتد).
قاوم . قاد قيادة.
وكان منها واحد وثلاثون مصدراً تدل معانيها على القطع والقشر والكسر، بما يتوافق مع خاصية الانفجار في صوته. منها:
قدّه (قطعه طولا). قطَّه (قطعه عرضا). قذَّه (قطعه وهذَّبه). قرضه. قرطم الشيء (قطعه). قسم . قشده (كشطه). قشره. قتا العودَ (قشره) . قصب الشيءَ (قطعه). قصّه. قصل الشيءَ (قطعه بقوة). قصم وقصمل الشيءَ (كسره). قضبه (قطعه). قلم العودَ (قطع منه شيئاً).
وكان منها ثمانية مصادر تدل معانيها على اليباس والجفاف، بما يتوافق مع الموحيات اللمسية في صوته. هي:
قتن المسك والدم (يبُس). قحط. قحِل. قرت الدم (يبس) . قِرِه الجلد (تقشّر).أقسن الرجلُ (صلُبت يده). قشَّ النباتُ (يبس). قِهل جِلده (يبُس).
وعلى الرغم من موحيات الانفجار والقوة والقساوة والصلابة والشدة في صوت هذا الحرف ، فإنه لم يستطع أن يفرض خصائصه الصوتية على معاني المصادر التي تبدأ به إلا بنسبة (52%) . ولعل ذلك يرجع إلى أن حرف القاف لم يكن يلفظ بمثل الشدة والانفجار الصوتي اللذين يلفظ بهما اليوم. إذ إن بعضهم كان يلفظه مجهوراً والبعض الآخر يلفظه مهموسا، كما أشار إلى ذلك علماء اللغة.
على أن هذا الحرف كان شديد الالتزام بطبقته الصوتية، فلم يتجاوزها إلى المشاعر الإنسانية إلا في مصدرين اثنين هما: قَنَط بمعنى (يئس)، لتدخل حرف النون المختص أصلاً بالمشاعر الإنسانية وقَعِط‌َ (ذل وهان) لتدخل العين الشعورية. فحرف القاف بفقاعته الصوتية هو في الحقيقة من أعجز الحروف عن إثارة المشاعر الإنسانية.
وبملاحقة حرف القاف في نهاية الألفاظ : عثرتُ على مئة وخمسة وسبعين مصدرا ، كان منها سبعة عشر مصدرا للأصوات ،وتسعة عشر للشق والكسر والقشر. وسبعة وعشرون للشدة والفعالية.
ومنه يتضح أن هذا الحرف لم يحافظ على مركزه المتواضع السابق بصدد تأثير خصائصه الصوتية في معاني المصادر التي تنتهي به، إذ هبطت هذه النسبة إلى (36%).
لا بل إن معظم المصادر التي تدل على الأصوات والشق والشدة كانت مدينة بمعانيها إلى الحروف الأولى التي تتصدرها.
فلقد عثرت مثلا على سبعة مصادر تدل على الشق قد بدأت بحرف الفاء المختص أصلا بمعاني الشق والانفراج كما مَرّ معنا. هي:
فتق. فرق. فشق. فسق. فقّ الشيء (انفرج). فلق. فهق الإناء (امتلأ حتى تصبب).
كما عثرت على اثني عشر مصدرا تدل معانيها على أصوات قد بدأت بحروف الزاى والقاف والنون المختصة أصلاً بالتعبير عن الأصوات التي تتوافق مع إيحاءاتها . هي:
1- زعق به (صاح به فأفزعه). زقزق الطائر. زهزق (ضحك).
2- القَرق (صوت الدجاجة إذا حضنت). قاقت الدجاجة وقوّقت (صوّتت).
3- نطق. نعق. نغق الغراب (نعق). نقنق الضفضع. نقَّت الدجاجة. نهق الحمار.
كما عثرت على ثمانية مصادر تدل على الشدة والفعالية تبدأ بحرف الدال المختص أصلاً بالشدة والفعالية الماديتين . هي:
أدحقه (أبعده وطرده). دحلق بطنُه (انتفخ). دسق الحوضُ (فاض ماؤه). دعقت الدابة الطريقَ (داسته وأثَّرت فيه). دفق الماءُ. دلق (خرج سريعا). دمق (دخل بغتة). الدَّرَق.
وإذن فإن قلة تأثير حرف القاف في معاني الألفاظ التي تنتهي به ترجع إلى التلفظ به في هذا الموقع منخفضا أكثر مما فعل العربي به في أول المصادر. وهذا ما أفسح المجال لأصوات الحروف القوية الشخصية أن تطغى على إيحاءاته الصوتية.
وهكذا خابت توقعاتي أيضاً مع حرف القاف من حيث قوة شخصيته.







الفصل الخامس
الحروف الشعورية غير الحلقية

الحاسة الشعورية:
لقد سبق أن تحدثت في الفصل الثالث من الباب الثاني بإيجاز عن دور التقمُّص الشعوري للأحداث والأشياء بمعرض قيام العربي بإبداع أصوات الحروف العربية. كما تحدثت أيضاً عن دور الاستبطان الشعوري للأصوات بمعرض قيامي باستيحاء معانيها. وبالمطابقة بين خصائص الحروف العربية ومعانيها على واقع المعاجم اللغوية أثناء دراستها، تبين لي كما لاحظ القارئ أن العربي قد اعتمد في مطلعه الحضاري على التوالي أسلوبين اثنين للتعبير عن معانيه. هما: كيفية النطق بالحرف إيماء وتمثيلاً ومن ثم صدى صوت الحرف في نفسه إيحاء.
أولاً- في كيفية النطق بالحرف إيماء وتمثيلاً:
للاهتداء إلى معاني كل حرف من هذه الزمرة من الحروف الإيمائية التي أبدعها العربي في المرحلة الزراعية، كان لابد لنا في دراستها أن نتقمص الأحداث والأشياء المعبَّر عنها، ومن ثم نُجري المطابقة بينها وبين كيفية النطق بصوت كل حرف منها، من (حركات الفم أو اللسان أو الأسنان أو الشفاه أو فك الحنك، أو النفَس) وذلك للكشف عن الرابطة التمثيلية المرئية المشتركة بينهما، وهذه الرابطة الإيمائية التمثيلية بين الحدث أو الشيء، وبين طريقة النطق بصوت كل من هذه الحروف، هي التي حددت المعنى العام للكثير من المصادر التي تبدأ أو تنتهي به، كما مر معنا في حروف (الميم و اللام، والفاء والشين...)....
ثانياً- في صدى صوت الحرف إيحاء ومحاكاة:
للاهتداء إلى معاني كل حرف من هذه الزمرة من الحروف التي أبدعها العربي في مرحلة الرعي، كان لابد لنا من استبطان صوته لاستيحاء خصائصه، وذلك للمطابقة بين موحياته الصوتية وبين خصائص الحدث أو الشيء أو الحالة النفسية المعبّر عنها، وهذه الرابطة الإيحائية السمعية بينهما هي التي كانت تحدِّد المعنى العام لمعظم المصادر التي تبدأ أو تنتهي به، كما مر معنا في حروف: (الدال والكاف والباء والجيم والطاء والراء والزاي والقاف).
ثالثاً: في المزج بين الأسلوبين:
على أن العربي قد اعتمد في مراحل رعوية راقية الخصائص الصوتية للحروف الإيمائية بالذات، وذلك للتعبير إيحاء عن كثير من معانيه، وإن ظل يعتمد خصائصها الإيمائية أحياناً للتعبير عن معانيه المستجدة، كما لاحظنا ذلك في حروف (الثاء والذال والميم واللام والفاء....)، مما زاد دراستها تعقيداً.
أما الحروف الشعورية فقد اقتصر العربي على اعتماد خصائصها الصوتية إيحاء ومحاكاة للتعبير عن معانيه، من دون اعتماد طريقة النطق بها في حركات إيمائية تمثيلية. على أن العربي قد اعتمد كيفية التلفظ بأصواتها من حيث التشديد والتفخيم والإشباع، أو من حيث الترقيق والترخيم والخنخنة، وذلك لتلوين معانيها، كما سيأتي.
ونظراً لتنوع الخصائص الصوتية لمعظم الحروف الشعورية تبعاً لكيفية التلفظ بأصواتها، فإنه لابد أن يقع التناقض في هذه الخصائص. وهذا التناقض لابد أن ينعكس أحياناً على معاني المصادر التي تشارك فيها هذه الحروف، دون أن يكون ثمة أي مبرر له من تدخل أصوات حروف أخرى، إلا الاختلاف في كيفية التلفظ بها كما سيأتي.
ولذلك رأيت أنْ أُكثِر مِنْ سَرْدِ المصادر بمعرض الكشف عن مختلف الخصائص الصوتية لكل من الحروف الشعورية تبعاً لكيفية التلفظ بصوته. كما رأيت أن أتتبع هذه الحروف جميعاً في آخر المصادر، وأن أتتبع معظمها في أواسطها أيضاً. وذلك للتحقق من أصالة خصائصها الصوتية في معاني المصادر على أوسع نطاق، فيكون للقارئ حصيلة غنية بالمفردات قلما تواتيه الفرص للاطلاع على غرائب صيغها ومعانيها.
ولئن كنت سأقتصر على سرد الأمثلة بما يتوافق معناه منها مع الخصائص الصوتية للحرف الشعوري موضوع الدراسة، فإن القارئ سيجد أن لخصائص أصوات الحروف المشاركة التي سبق لي دراستها، المزيد من الفضل في توضيح كثير من معاني الأمثلة موضوع الاستشهاد، كما سيجد أن كثيراً من الأمثلة قد سبق الاستشهاد بها بمعرض دراسة حرف كنت قمت بدراسته، هذا وسأعمد إلى تذكير القارئ أحياناً بالحرف المساعد مع التنويه بخاصيته الصوتية ذات العلاقة، وذلك كدرس تطبيقي على استخلاص معاني الألفاظ من أصوات حروفها.
ولما كان الحديث عن الشعور كحاسة سادسة يدخل في نطاق علم النفس، فلقد رأيت أن أرجئ الحديث عنه في فصل خاص، إلى مابعد دراسة أصوات الحروف الشعورية، ذلك للإفادة منها في تتبع مختلف الحالات الشعورية التي عاناها العربي سابقاً بمعرض إبداع أصوات هذه الحروف ونعانيها نحن اليوم بمعرض استيحاء معانيها. وذلك لنرى كيف يتحول الشعور من حالات نفسية باطنية إلى أداة يعي بها ذاته، كحاسة سادسة لها طبيعتها الخاصة.
1- حرف الصاد
مهموس، رخو، يشبه رسمه في السريانية صورة الصبي. يقول عنه العلايلي: إنه (للمعالجة الشديدة)، وهو قريب من واقعه ولكنه قاصر.
هذا الحرف إنما هو تفخيم لحرف السين وصفيريٌّ مثله، إلا أنه أملأ منه صوتاً، وأشد تماسكاً، فهو من أصوات الحروف كالرصاص من المعادن رجاحةَ وزنٍ، وكالرخام الصقيل من الصخور الصمَّاء صلابة ونعومة ملمسٍ، وكالإعصار من الرياح، صرير صوت يقدح ناراً.
ولقد منحته هذه الخصائص الصوتية شخصية فذَّة طغى بها على معاني معظم الحروف في الألفاظ التي تصدرها، ليعطيها من نقاء صوته صفاء صورة وذكاء معنى، ومن صلابته شدة وقوة وفاعلية، ومن طبيعته الصفيرية مادة صوتية نقية ماكان أصلحها لمحاكاة الكثير من أصوات الناس والحيوانات وأحداث الطبيعة.
فمن مئة وخمسة وأربعين مصدراً تبدأ بحرف الصاد في المعجم الوسيط، كان منها ستة وعشرون مصدراً تدل معانيها على أصوات يتوافق معظمها مع خصائصه الصوتية. هي:
صأى الفرخ (صاح). صحِل صوته (بُحَّ وخشُن). الصخَب. صخّ الحجرُ (صوّت عند القرع). صدح الطائر (رفع صوته فأطرب).الصدى. صرخ. صرّ صريراً (صوّت). صرصر (صاح بصوت شديد متقطع). صرف الباب صريفاً (صوّت). الصفير. صفّق بيديه. صعِق الحيوان صعْقا (اشتد صوته). صفصف العُصفور (زقزق). صقب الطائر (صوّت). صقع الديك صقيعاً وصُقاعاً (صوّت). صلصل الشيء (صوَّت بترجيع). صلق صلّقا (صاح مولولاً). صلّ السيف صليلاً (صوّت صوتا ذا رنين). صمصمت القنفذ (صوّتت) صنج (ضرب الصنج) صهصه بالقوم ( زجرهم ليسكتوا) صهل الفرس. صات صوتاً (صاح). صار صورا (صاح). صاح صيحاً وصِياحاً (صوت في قوة).
وكان منها عشرون مصدراً تدل معانيها على الصفاء والنقاء مادياً ومعنوياً، بما يتوافق مع خاصية الصفاء في صوته. منها:
الصباح. صحّ الشيء (برئ من كل عيب أو ريب). صحصح الأمر (تبين). الصحو. الصِّدق. الصراحة، ذهبٌ صَرْد (خالص). شراب صِرف (غير ممزوج بغيره) الصفح. الصفاء. الصقيل. الصلاح. الصلاة. الصوم.
وكان منها ثمانية وأربعون مصدراً تدل معانيها على الشدة والصلابة وقوة الشكيمة، بما يتوافق مع هذه الخصائص في صوته. منها:
صؤل البعير (اشتد هيجانه). صبر (تجلد ولم يجزع). صحنه (ضربه). صخد اليوم (اشتد حرّه). الصخرة. صدّه. صرمه (قطعه). الصعوبة. صفده (شدّه وأوثقه). صكّه (دفعه بقوة). صلته بالسيف (ضربه). الصلد (الصلب). الصلدم (الصلب المتين). صمح اليوم (اشتد حرُّه). الصُّمود. صمل صملا وصُمولا (اكتنز وصلب). الصِّنديد (الشريف الشجاع). الصولة. أصمى الصيد (أصابه فوقع بين يديه). الصيصة (الحِصن). صال عليه (سطا عليه ليقهره). صاد الوحش (قنصه).
وكان منها عشرون مصدراً قد أضفى الصاد بعذوبة صوته ونقائه على معانيها لمحة من صفاء ونقاء ورقة وشعر. هي:
الصبابة (الشوق)، صبا إليه (حنَّ وتشوق). الإصبع. الصاحب. الصِّراط. الصَّدغ. الصغير. أصغى إليه (أحسن الاستماع). الصمخة من النساء (الغضّة). الصِّنْو (النظير). لون أصهب (أصفر ضارب إلى الحُمرة). أصاخ إليه (استمع). الصّناعة. الصياغة. صاك الطيبُ (عِبق). صيّأ. النخيلُ (ظهرت ألوان البِسْر). تصنّف الشجر (بدأ ورقه وتنوع). صفّ القوم (انتظموا في صف واحد). الصيف.
وكان منها عشرة مصادر تدل معانيها على بعض العيوب النفسية والجسدية، دونما تشويه أو فجور أو قذارة. هي:
صأصأ الرجل وتصعصع (جبن). تصعلكت الإبل (طرحت أوبارها). صعفق (ضؤل جسمه). صعِل (كان دقيق الرأس والعنق). صلِج (صار أصمَّ). صلِخ (ذهب سمعه). صلِف (تكبر وثقلت روحه). صنّت الرائحة وصنمت (خبُثت، لتدخل النون المخنخنة، كما سيأتي.
وهكذا قد طبع هذا الحرف بخصائصه الصوتية (78.5%) من معاني المصادر التي تبدأ به، وهي نسبة عالية تؤهله للانتماء إلى زمرة الحروف القوية.
وقد يتساءل القارئ:
لماذا صنفت حرف الصاد في زمرة الحروف الشعورية، ولم أصنفه سمعياً، مادام هو في الأصل صفيري الصوت؟
لقد بلغت المصادر التي تدل معانيها على أصوات في الجداول السابقة (26) مصدراً بنسبة (18%) مما لا نظير لذلك لدى أي حرف سمعي آخر. بينما اقتصر نصيب المشاعر الإنسانية منها على أربعة مصادر. هي:
الصبابة (الشوق). صبا إليه (حنَّ وتشوق). صأصأ الرجل وتصعصع (جبُن).
فكان حظ المشاعر الإنسانية من حرف الصاد أقل منه في كثير من الحروف غير الشعورية. ورداً على هذا التساؤل أقول:
لقد صنّفت هذا الحرف الصفيري شعورياً، لجمال صوته وعذوبة موسيقاه، ولما يثيره في النفس من إيحاءات النقاء والصفاء والطهارة والبراءة والعِزة وقوة الشكيمة.
مشاعر إنسانية مرهفة لم يتعرَّفها الإنسان العربي إلا في مرحلة بطولية من مراحله الرعوية الراقية، فأبدع صوت هذا الحرف، بتفخيم السين للتعبير عن هذه المعاني والمشاعر المستجدة. ليكون حرف الصاد بذلك من أنبل الحروف.
وهكذا رفعت حرف الصاد من الطبقة السمعية على الرغم من صفيريته، إلى مرتبة الحروف الشعورية لما يتمتع به صوته من أصالة ونبالة وروح فروسية. وللقارئ أن يعيده إلى زمرة الحروف الصوتية إن رغب في ذلك. وما أحسبه سيرغب.

ولكن ماذا عن حرف الصاد في نهاية الألفاظ؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وثمانية عشر مصدراً تنتهي بالصاد، كان منها خمسة عشر مصدراً تدل معانيها على الشدة والصلابة والقوة. منها:
أصّت الناقة (اشتد لحمها). جصّ في الربِّاط (تأوه من شدة ربطه به). حصّ الفرس حصصا (اشتد عدوه في سرعة). دعصه بالرمح (طعنه به). عاص الأمر عوصاً (التوى فخفي وصعُب). قعصه (طعنه بالرُّمح). وهص الشيءَ (رماه رمياً عنيفاً).
وكان منها أربعة مصادر للصفاء واللمعان. هي:
بصّ بصيصاً (لمع وتلألأ). خلص (صفا وزال كدره). عرصت السماء (دام برقها). محص البرق (لمع). ولا شيء للأصوات. وقد سبق تعليل هذه الظاهرة الغريبة في حرف (الزاي) فليرجع القارئ إليه.
ولاشيء منها للمشاعر الإنسانية، وهذا كان متوقعاً، فليس الصاد في نهاية المصادر أوحى منه بالمشاعر الإنسانية في مقدمتها.
وهكذا هبطت نسبة تأثير حرف الصاد في معاني المصادر التي تنتهي به إلى (16%) فقط.
وكانت مفاجأة غير متوقعة، لما في صوته من موحيات الشدة الصلابة والصقل والصفاء. بل لوحظ أن معظم المصادر التي تنتهي به قد تأثرت معانيها بالخصائص الصوتية للحروف التي تقع في مقدمتها، كما في النماذج التالية:
دعصه بمعنى طعنه (للدال والعين). قعصه بمعنى طعنه بالرمح (للقاف). بخص عينه بمعنى فقأها (للباء). رعص، اضطرب (للراء). رقص (للراء) غاص (للغين). فرص الثوب شقه طولاً (للفاء)، لمِص العسل، لعقه بطرف إصبعه (لحرف اللام). مصّ (للميم).
مما يدل على أن العربي كان يلفظ الصاد في المواقع الخلفية مخففاً مرققاً، بلا تفخيم، كعادته مع أصوات الحروف التي تقع في نهاية الألفاظ.
ثم أخيراً، ماذا عن حرف الصاد في وسط المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على خمسة وثمانين مصدراً يتوسطها حرف الصاد، بعد استبعاد مضعَّف العين منها لورود حرف الصاد فيها في نهايتها، وقد سبقت دراستها في هذا الموقع.
وكما كان الحال في المصادر التي تنتهي بالصاد، فإن معاني معظم المصادر التي يتوسطها هذا الحرف قد تأثرت بالخصائص الصوتية للحروف المشاركة ولاسيما ماوقع منها في أوائلها كما في الأمثلة التالية:
بصع الماء (رشح قليلاً: الباء للحفر والنفاذ). حصد الزرع (قطعه: الدال للشدة المادية). خصل الشيء (قطعه : الخاء هنا للتخريب، كما سيأتي). رصف الشيء (ضمّ بعضه إلى بعض: الراء للتكرار). عصفت الريح (اشتد هبوبها: العين للشدة كما سيأتي). فصم الشيء (شقه: الفاء للفصل والشق والتوسع). قصب الشيء (قطعه: القاف للقوة والانفجار الصوتي، والباء للحفر). عصلب الرجل (كان شديد العصب: العين للشدة واللام للتماسك). لصب الجلد ولصغ ولصِق (بمعاني لزق: اللام للالتصاق). مصر الناقة (حلبها بأطراف أصابعه: الميم للمص والانجماع، والراء للتحرك والتكرار). نصع (صفا ووضح: النون للنقاء والعين للعيانية كما سيأتي). هصر الشيء وهصمه (كسره: الهاء للتخريب والراء للتحرك والتكرار).وصل الشيء بالشيء (ضمه به وجمعه ولأمه: اللام للالتصاق). وصم العود (صدعه من غير فصل والمعنى هو محصلة الصاد للشدة والصلابة، والميم للانجماع).
ولقد كان من هذه المصادر سبعة وعشرون مصدراً لمعاني الشدة والفعالية والقطع والكسر، قد تأثر سبعة عشر منها بخصائص الحروف المشاركة، كما لحظنا ذلك في بعض الأمثلة السابقة.
وكان منها ستة لمعاني الصفاء والنقاء والوضوح، قد تأثر أربعة منها بالحروف المشاركة. هي:
أصُل النسب أصالة (شرُف: للصاد). البصر: الباء للنفاذ والراء للتحرك). أفصح الصبح (بدا ضوءه وظهر: الفاء للانفراج، والحاء للرقة والجمال). لصف لونه (برق وتلألأ: للصاد). نصح المعدن والقلب وسواهما (خلص من الشوائب: النون للنقاء والحاء للرقة والجمال). نصع (صفا ووضح: سبق تعليلها أعلاه).
وكان منها مصدر واحد للأصوات: هو قصف الرعد (اشتد رعده: القاف للقوة والانفجار الصوتي). ولا شيء للمشاعر الإنسانية.
ومما يدعو للدهشة، أننا لم نعثر في هذه المصادر جميعاً على أي معنى من معاني البذاءة أو القذارة أو النتانة أو الفحش، أو مما يدخل في مضمار التشوهات النفسية والعقلية والجسدية سوى مصدر واحد، هو: (هصا هصواً (أسَنَّ وكبر)؛ للهاء المختصة أصلاً بالعيوب النفسية والجسدية كما سيأتي:
فلئن كانت الحروف العربية قد أثرّت في معاني معظم المصادر التي يتوسطها حرف الصاد، فإن هذا الحرف قد حماها جميعاً وحصنها من كل ماهو ناب وقبيح من المعاني، ليكون حرف الصاد بذلك من أنبل الحروف العربية.
2- حرف الضاد
يقول عنه العلايلي: إنه (يدل على الغلبة تحت الثقل) تعريف مبهم.
لقد حمل هذا الحرف لقب اللغة العربية، فقيل (لغة الضاد)، وقد أسند بعضهم هذا اللقب إلى الحديث الشريف:(أنا أفصح من نطق بالضاد). إلاّ أن الشراح لم يثبتوه. أما المتنبي فقد أثبته في قوله:
لا بقومي شرُفتُ بلْ شرُفوا بي
وبنفْسي فَخُرت لا بجُدودي

وبهمْ فخرُ كلِّ مَنْ نطقَ الضاَ
دَ وعوذُ الجاني وغوثُ الطريدِ.

وما أحسب أن المتنبي هو الذي أبدع هذا اللقب. فمسألة صعوبة النطق بالضاد الأصيلة قد أثيرت قبل المتنبي بزمن طويل، كما سيأتي:
الاختلاف في نطق الضادّ:
لقد اختلف علماء اللغة العربية في مخرجها وشِدَّتها اختلاف العرب أنفسهم في كيفية النطق بها.
يُستفاد من البحث الذي خصَّصه الدكتور أنيس في كتابه (الأصوات اللغوية) بهذا الصدد، إن الضاد القديمة، وإنْ كانت مجهورة كالضاد الحديثة (يهتز مع صوتها وترا الحنجرة)، فإنها قد تطورت من الرخاوة إلى الشِّدة.
فالضاد التي تلفظها مصر هي اليوم أشبه بالدال. والضاد السورية مفخمة وأشد انفجاراً. أما في العراق فيلفظونها ظاء رخوة، علماً أن التلفظ بالضاد ظاء كان لغة كثير من القبائل العربية. ونُقل عن الأصمعي قولُه: "إنَّه تتبع لغات العرب كلها (أي لهجاتهم)، فلم يجد فيها أشكل من الفرق بين الضاد والظاء) (الأصوات اللغوية ص54).
النطق بالضاد القديمة:
يُستفاد من وصف الخليل بن أحمد الفراهيدي أن العُضوين المكوِّنين للنطق بالضاد القديمة ينفصلان انفصالاً بطيئاً نسبياً، فحلّ الانفجار البطيء في صوتها محل الانفجار الفُجائي، ولهذا السبب قال ابن الجوزي في كتابه (النشر في القراءات العشر): (إن الضاد انفردت بالاستطالة ، وليس في الحروف مايعسُر على اللسان مثله، فألسنة الناس فيه مختلفة)، (الأصوات اللغوية ص 51).
كما أكد علماء اللغة القدامى: (أنَّ النَّفسَ مع الضاد القديمة بعد خروجه من الحنجرة يتخذ مجراه من الحلْق إلى الفم، إما عن يسار الفم عند أكثر الرواة، وإما عن يمينه عند بعضهم، أو عن كلا الجانبين على رأي سيبويه): (المرجع السابق ص 49).
ونظراً لتداخل صوتي الضاد والظاء في اللهجات العربية، فإن نهاية مخرج الضاد القديمة لابد أن يكون قريباً جداً من بداية مخرج الظاء. لتكون الصعوبة البالغة في نطق الضاد القديمة تتلخص في امتداد مخرجها حتى بداية مخرج الظاء، مع البراعة في الفصل بينهما، وهذا ماجعل إتقان التلفظ بها فائق الصعوبة، فكان لا مثيل لها في لغات العالم، مما يؤهلها لحمل لقب اللغة العربية، على رأي معظم علماء اللغة العربية وادبائها.
ولهذا السبب من الصعوبة الفائقة في نطقها تراجع العراقيون وغيرهم من القبائل العربية القديمة بمخرجها قليلاً باتجاه الفم حتى استقر في مخرج الظاء، كما تراجع المصريون بمخرجها أكثر حتى استقر قرب مخرج الدال. أما السوريون فقد تقدموا بمخرجها قليلاً نحو الحلّق. إشباعاً وتفخيماً، فكان صوتها أشد انفجاراً من الضاد الأصل.
وهكذا ضاعت الضاد القديمة من على ألسنة العرب، ولم يعد لها وجود على الإطلاق.
الخصائص الصوتية للضاد:
لابد لهذه الخصائص أن تختلف باختلاف مخرجها على المدرج الصوتي. فإذا لفظت الضاد مُفخمة شديدة الانفجار كما في سورية كانت تفخيماً للدال، لتصبح بذلك أعلى منه نبرة وأملأ صوتاً وأكثر تلوناً بإيحاءاته الصوتية.
وصوت الضاد في حالة التفخيم والتشديد يوحي بالصلابة والشدة والدفء كأحاسيس لمسية، وبالفخامة والضخامة والامتلاء كأحاسيس بصرية، وبالضجيج كإحساس سمعي، وبالشهامة والرجولة والنخوة كمشاعر إنسانية.
وإذا لفظت بما يشبه الدال المرققة كما في مصر كانت ضاداً مخففة بنطقها وخصائصها الصوتية، وبذلك تكون أقل إيحاء بالشدة والقساوة من الدال ذاتها، ولا مايوحي بالفخامة والضخامة والضجيج، ولا بأية مشاعر إنسانية كما لحظت ذلك في حرف (الدال).
ولكن ما موقف المعاجم اللغوية من هذه اللهجات الثلاث؟
إذا كنا لا نعرف اليوم كيف كانت الأجيال العربية الأولى تنطق بالضاد القديمة، فإننا بالرجوع إلى معاني الألفاظ التي تشارك فيها نستطيع أن نرجح أيّ اللهجات الثلاث (المصرية، أم السورية، أم العراقية) هي الأقرب إلى الأصل؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على خمسة وتسعين مصدراً تبدأ بحرف الضاد، كان منها أحد عشر مصدراً تدل على أصوات ضجيجية بما يتوافق مع صوت الضاد السورية، هي:
ضأضأ (*** وصاح). الضوضاء. الضُّباح (صوت الثعلب). ضجّ (*** وصاح من مشقة أو فزع) ضحِك. ضرط. ضعْ (اسم صوت لزجر الإبل). ضغضغ الادرد اللقمة (لاكها ومضغها فسُمع له صوت). ضغا ضغاء وضغوا (صاح من الألم). ضوضى (صاح و***).
كما كان منها اثنان وخمسون مصدراً تدل معانيها على الضخامة والشدة والامتلاء، بما يتوافق مع موحيات صوت الضاد السورية، منها:
ضأزه (جار عليه). الضباب. ضبج (ألقى نفسه على الأرض من ضرب أو تعب) ضبر (جمع قوائمه ووثب). ضجع (وضع جنبه على الأرض). الضجم (الأكول). الضخم. ضدَّه في الخصومة (غلبه). ضَدِيَ ضدا (امتلأ غضباً). ضرجه (شقه). ضرحه (شقه). الضرر الضِّرس. الضِّرع (مَدَرُّ اللبن لإناث الحيوان، لضخامته). الضِّرغام (الأسد). الضِّراك (الغليظ الشديد العصب). ضرِىَ ضراوة (اشتد). ضزنه (غلبه على مافي يده). ضعضع البناء (هدّمه حتى الأرض). ضغطه. ضغمه (عضه شديداً بملء فيه). الضِّغْن (الحقد الشديد). ضفر وضفز (وثب وعدا). ضكضك (أسرع في مشيه). ضكَّه (ضغطه بشدة). الضليع. الضّنْك (الضيق). ضهده واضطهده (أذلَّه وظلمه). ضار ضوراً (اشتد جوعه). ضاره ضيراً (أضرّ به). ضازه ضِيزاً (ظلمه). الضيق. الضُّماضِم (الأسد الغضبان، والأكول النَهم لا يشبع). ضنأت المرأة وضنت (كثُر نسلها). الضاهر والضهر (أعلى الجبل). ضاج الوادي ضوجاً (اتسع). ضان ضوناً (كسر نسله وولده).
وكان منها أربعة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الرقة أوالنضارة أو الضعف، بما يتوافق مع الخصائص الصوتية للضاد المصرية، وإن كانت الضاد السورية أكثر انسجاماً مع أصوات الحروف التي يتألف منها معظم هذه المصادر. منها:
ضؤل (صغر). الضائق (الضعيف اللين، والحسن الجسم من غير امتلاء). ضأى (ضؤول جسمه ودق). الضحُّ (الشمس، أو ضوؤها على الأرض). ضحضح الأمر (تبين). ضحل الغدير (قل ماؤه). ضحا ضحوا (برز للشمس). ضلّ (خفي وغاب). اضمحل (ضعف) ضمر ضموراً (هزل وقل لحمه). ضَنِيَ وضنا وضناء (اشتدَّ مرضه حتى نحل). ضاع الشيء ضوعاً (تحرك فانتشرت رائحته). ضَوِى ضَواً (ضَعُفَ ) الضياح (اللبن الرقيق الكثير المياه). ضاع ضياعاً (فقد وأُهمل). ضعف (هزل). ضاء الشيء (أنار وأشرق). ضاف إليه (دنا ومال واستأنس به).
وهكذا بلغت نسبة المصادر التي تتوافق معانيها مع صوت الضاد المفخمة الأقرب إلى اللهجة السورية (66.3%) بينما بلغت نسبةالمصادر التي يمكن أن تقبل الضاد المصرية المخففة، بشيء من التسامح (25.2%) . وبذلك ترجح اللهجة السورية في الضاد على اللهجة المصرية عدداً وكمّاً وكيفاً، بما مجموعه (91.5%).
ولكن ماذا عن الضاد في نهاية المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثة وستين مصدراً، كان منها مصدر واحد يدل على صوت. هو: الحبض (الصوت الضعيف). ولا غرابة في هذه الندرة، كما أسلفت.
وكان منها خمسة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الشدة والضخامة والامتلاء، يما يتوافق مع الضاد السورية. منها:
بُضّ البدن (امتلأ ونضُر). بعضه البعوض (عضّه). بهضه (شقّ عليه). جرضه (خنقه). حضّه (حثّه). رضّه ورضرضه (دقّه). ركض. رمِض اليوم (اشتد حرّه). خاض الماء (دخل فيه ومشى). عضّ. فضّ اللؤلؤة (خرقها).فاض الماء. الفيوض (الواسع). قرضه (قطعة بالمقراض) قضّ الجدارَ (هدّه بعنف). قاض البناء (هدّمه). نهض (قام يقظاً). هضَّت الإبل (أسرعت). هاض الشيء (كسره). وفض (عدا مسرعاً). النحض (اللحم المكتنز). الهِنْبضُ (العظيم البطن).
وكان منها ثمانية عشر مصدراً تدل معانيها على الرقة أو النضارة أو الضعف بما يتوافق مع الضاد المصرية. منها:
باض بَوْضاً (حسن وجهه بعد كلف). حرِض الثوب (بليت أطرافه). خفض (حط بعد عُلوٍّ). رحض الثوب (غسله). غمُض (خفي). غاض الماء (غاب في الأرض). المحض (الخالص من كل شائبة). المرض. نبض (تحرك في مكانه). نضَّ الماء (سال قليلاً). نفض الكرم (تفتحت عناقيده). ومض البرق (لمع خفيفاً).
أما المشاعر الإنسانية فكان لها مصدر واحد هو معض من الأمر (غضب وتألم) بما يتوافق مع الضاد السورية.
وهنا ترجح أيضاً كفةُ اللهجة السورية على المصرية بنسبة (57%) إلى نسبة (28.6%) مع الإشارة إلى أن معظم المصادر التي تدل معانيها على الرقة والضعف، تتوافق أصوات حروفها مع الضاد السورية، لا المصرية، فكانت نسبة تأثيرها في معاني المصادر هنا (87.33%).
ثم بملاحقة الضاد في وسط المصادر، عثرت على ثلاثة وثمانين مصدراً، كان منها ثمانية وأربعون مصدراً تدل معانيها على الشدة والقوة الضخامة والامتلاء، بما يتوافق مع معطيات الضاد السورية في الشدة والتفخيم. منها:
بضع اللحم (قطعه). حضأت النار (التهبت). خضخض الشيء (حركه ورجرجه). خضمه(قطعه وأكله بجميع فمه، للرطب). قضمه (كسره بأطراف أسنانه، لليابس). رضحه (دقّه بحجر وكسره). عضب الشيء (قطعه). عضبر الكلبُ (استأسد) عضل به الأمر (اشتد واستغلق). الغضافر (الأسد). تفضّح (توسع). قضبه (قطعه). قضعه (قهره). لضمه (عنف عليه وألحّ). نضخ الماء (اشتد فورانه). مضغ الطعام.الهضبة. هضَّت الإبل (أسرعت). وضم القوم (تجمعوا وتقاربوا).
وكان منها خمسة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الرقة والضعف والأناقة بما يتوافق إلى حد ما مع موحيات الضاد المصرية. منها:
الخُضرة. خضِل (ندي وابتل). الرُّضاب (الريق). الرَّضاع. رضيه (اختاره وقبله). غضَّت المرأة (رقَّ جلدها وظهر دمها). نضح (رشح). نضُر (كان ذا رونق وبهجة. وضؤ (حسنُ وجمُل ونظُف). وضح الأمر (بان).
ولم أعثر على أي مصدر يدل على صوت.
وكان للمشاعر الإنسانية خمسة مصادر تتصف معانيها بالشدّة والحدّة والسلبية بما يتوافق مع الضاد السورية. هي:
خضع. أضّه الأمر (حزنه وجهده). أضم عليه (أضمر حقده). الغضب. مضَّه (آلمه).
لترجح بذلك الضاد السورية على المصرية بنسبة (63.9%) إلى (30%). ليبلغ معدل النسب الثلاث )(61.7%) لصالح الضاد السورية و (28%) لصالح الضاد المصرية بما مجموعه (90%) وتلك نسبة عالية جداً تجعله في مقدمة الحروف العربية قوة شخصية. وبذلك تكون الغلبة من حيث الكمية العددية إلى جانب الضاد السورية.
ولكن ماذا عن الكيفية أيضاً؟
بالرجوع إلى جميع المصادر التي شاركت الضاد في تراكيبها في مختلف المواقع منها، يتضح أن معظم معانيها يتوافق مع الخصائص الصوتية للضاد المفخمة لا المرققة. فمعظم المصادر التي تدل معانيها على الشدة والضخامة والامتلاء والصلابة والنضارة والأصوات والمشاعر الإنسانية، لا تقبل الضاد المصرية قطعاً، وذلك للتعارض الكائن بين موحيات صوتها وبين تلك المعاني.
كما أن الجداول الثلاث التي صنفت مصادرها لصالح الضاد المصرية، وإن كانت معانيها تقبلها بشيء من التسامح، فإن جميع مايدل منها على الرقة والنضارة والأناقة، هي أقبل للضاد السورية، لما في صوتها من موحيات النضارة والأناقة والفخامةـ، كما في:
الضحى. ضوع العطر، الضوء. المحض، النبض، ومض البرق، الخضرة، الخضيلة (الروضة الندية). الرُّضاب. النضارة. الوضوح....
ومنه يتضح أن الأجيال العربية الأولى إذا لم تكن قد لفظت الضاد بمثل فخامة وشدة الضاد السورية، فإنها لم ترققها قطعاً كالضاد المصرية، فترقيق صوت الضاد وتخفيضه من شأنه أن يحولها إلى دال قاحلة، لا أناقة فيها ولا نضارة ولامايوحي بأي شعور إنساني.
ومنه يتضح لنا صحة ماذهب إليه علماء اللغة القدامى، من أن الضاد القديمة الضائعة كانت تلفظ بصوت يجمع بين النضارة والأناقة والفخامة بشيء من القلقلة الرشيقة.
وقد يتساءل القارئ هنا أيضاً: لماذا لم تُصنَّف الضاد في زمرة الحروف السمعية، لما في صوتها من موحيات الضجيج؟ وقد كان هناك أحد عشر مصدراً تبدأ بالضاد تدل معانيها على أصوات، بينما لم يكن منها سوى ثلاثة للمشاعر الإنسانية. هي: ضجر (ضاق وتبرم). ضَدِيَ ضداً (امتلأ غضباً).الضغينة (الحقد الشديد).
وأجيب عن هذا التساؤل):
لقد صنّفتُ الضاد شعورية، لما يوحيه صوتها من المشاعر الإنسانية. فلتفخيم الضاد لابد من اعتماد التجويف الأنفي أثناء خروج صوتها. ليأخذ بذلك طابعاً متميزاً من الغُنَّة، تلطف من ضجيجه، وتُضفي عليه شيئاً من النضارة والرشاقة.
ولذلك فإن صوت الضاد بفخامته ونضارته وغُنّته، إنما هو أوحى أصوات الحروف قاطبة بمشاعر الشهامة والمروءة والشمم . ولا أدلّ على ذلك من أن الأصوات الغنائية التي تعتمد في غنتها التجويف الأنفي، إنما هي أشد أصوات الطرب إثارة لمشاعر النخوة والرجولة والعواطف القومية، كما في صوتي فايدة كامل في أغنية (يانيل)، واسمهان في أغنية (حنَّا روينا سيوفنا من القوم).
3- النون:
مجهورة متوسطة الشدة، رسمُها في السريانية يشبه النجم. معناها لغة: شفرة السيف أوالحوت أو الدواة، ولعل رسمها في العربية قد اقتبس من صورة إحدى هذه المسميات قبل أن يتطور إلى الرسم الحالي. فالنقطة في النون تمثل نتوءاً عند مقبض السيف، أو عين الحوت، أو مرتسم القلم في الدواة.
يقول العلايلي: إنها (للتعبير عن البطون في الأشياء). ويقول عنها الأرسوزي: إنها (للتعبير عن الصميمية). والمعنيان صحيحان ومتقاربان ولكنهما قاصران وهذه الإيحاءات الصوتية في النون مستمدة أصلاً من كونها صوتاً هيجانياً ينبعث من الصميم للتعبير عفو الفطرة عن الألم العميق (أنّ أنيناً).
ولذلك كان الصوت الرنان ذو الطابع النوني (أي ذو المخرج النوني)، الذي تتجاوب اهتزازاته الصوتية في التجويف الأنفي، هو أصلح الأصوات قاطبة للتعبير عن مشاعر الألم والخشوع. (المقرئ الشيخ عبدالباسط عبد الصمد).
على أن صوت النون إذا لفظ مخفَّفاً مرقَّقاً أوحى بالأناقة والرقة والاستكانة، وإذا لفظ مشدداً بعض الشيء. أوحى بالانبثاق والخروج من الأشياء، تعبيراً عن البطون والصميمية، كما قال العلايلي والأرسوزي.
أما إذا لفظ بشيء من الشدة والتوتر، فلابد لموحياته الصوتية أن تتجاوز ظاهرة الانبثاق العفوية، إلى النفاذ القسري والدخول في الأشياء، وإذا لفظ بشيء من الخنخنة (إخراج الصوت من الأنف). أوحى بالنتانة والخِسّة.
وإذن فإن موحيات صوت هذا الحرف ومعانيه تتغير بحسب كيفية النطق به، فهو يوحي تارة بالحركة من الداخل إلى الخارج، وهو الانبثاق، كما يوحي تارة أخرى بالحركة من الخارج إلى الداخل، وهو النفاذ في الأشياء.
وهذا فيما أرى ليس من قبيل الجمع بين المتضادات في معاني الحروف، كما يرى القائلون بجدلية الحروف العربية. فالحركة المنبثقة من الداخل إذا أعطيت مزيداً من الشدة، وسُلِّطت على الأشياء الخارجية فإنها بعد تجاوزها نطاق الذات، لابد أن تنفذ في الأشياء حتى صميمها وهي في ذات الاتجاه.
ولذلك فإننا إذا لم ننتبه إلى مبدأ حركة النون، يبدو لنا وكأنها قد عكست اتجاهها فانطلقت من الخارج إلى الداخل، وهو مجرد توهّم. ولذلك فإن كل فعل يبدأ بالنون مما يدل معناه على الانبثاق والظهور، هو في الأعم الأغلب فعل لازم، أما كل فعل يدل معناه على النفاذ في الأشياء فهو متعد إطلاقاً.
ولكن مانصيب هذه الخصائص الصوتية في النون، من رنين واهتزاز ورقة وأناقة وخشوع وخفاء وانبثاق ونفاذ، من معاني المصادر التي تبدأ بها؟....
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثمئة وثمانية وستين مصدراً تبدأ بحرف النون. كان منها تسعة وعشرون مصدراً تدلُّ معانيها على أصوات تحاكي في الغالب انبثاق صوت النون من الصميم، بما يتوافق مع مافيه من أنين أو رنين واهتزاز. هي:
نأج البوم (صاح). نأم الرجل (أنّ أنينا ضعيفاً). نبّ التيس (صاح). نبح الكلب. نحّ ونحنح (تردد صوته في جوفه). نحم (تنحنح وسعل). نحب الباكي (أعلى بكاءه).نخر (صوَّت بخياشيمه). نخف (صوت بأنفه). نده (صات). ناداه، نشج (البكاء). نشنشت القِدر (صوتت بالغليان). نشّ الشواء (صوت على النار). نعق الغراب ونغق ونعب (صاح). نعر (صوت بخيشومه). نغم (تكلم بخفاء). نقس الناقوس (صوت). نقّ ونقنق (للضفدع). نهت القرد (صاح). نهق الحمار.نهَم الأسد (صوت). ناحت الحمامة (سجعت). نتّ من المرض (أنّ). نشع (شهق حتى كاد يموت).
وكان منها اثنان وثلاثون مصدراً يغلب على معانيها الاهتزاز والاضطراب وتكرار الحركة، بما يحاكي الاهتزاز في صوت النون، في مطابقة بين الصور الصوتية لهذا الحرف وبين الصور المرئية لهذه الأحداث منها:
نبض القلب. نتق الوعاءَ (هزّه ليخرج مافيه). نجخ (هاج واضطرب). ندّ البعير (نفر وشرد). نزا للشر (ثار وتحرك). نغرت القِدر (غلت)، انتفض (تحرك في ارتجاف واضطراب). نعظل (تمايل في مشيته يُمنة ويُسرة). نضنض الشيءَ (أقلقه وحرّكه). نصنص الشيء (حركه وقلقله). ناب إلى الشيء (رجِع إليه واعتاده، ومنه اشتقت لفظة (المتناوب للتيار الكهربائي)، ناض الشيء نوضاً (تحرك وتذبذب). نورج (اختلف إقبالاً وإدباراً). النَّيْرج (سرعة في تردد). ناص نيصاً (تحرك حركة ضعيفة). ناض العرق نيضاً (اضطرب). تنجنج في أمره (تحرك واضطرب).
وكان منها مئة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الانبثاق والخروج، بما يحاكي خروج صوت النون من الصميم: منها:
نبأ (ارتفع وظهر). نأدت الأرض (نزّت بالماء). نبت. نبج الجرح (تورّم). نبع. نبغ الشيء بما فيه (نضّ ونضح). نتأ (برز في مكانه). نتجت الدابة (ولدت). نتح (رشح). نثج مافي جوفه (أخرجه). النُّخامة (مايلفظه الإنسان من بلغم). نثّ العِرْق (رشح). نجد المكان (ارتفع). نجم (طلع وظهر). نخج السقاء (رشح). ندص القيح (خرج من البثرة). نضب. نضح. نضخ الماء (اشتد فورانه من ينبوعه). نطف (قطر). نطق (تكلم). نظر. نذَع العَرَق (خرج قطرات). النَّزْع (خروج الروح، الاحتضار). نزِف. نزنز المكان (استمر نزّه). نشح السِّقاء (رشح). نشمت الأرض (نزّت). نصل من كذا (خرج منه). نسل ريش الطائر (انفصل عنه وسقط). نفر الرجل (خرج من وطنه وضرب في الأرض). نفست المرأة (ولدت). نفض الكرم (تفتحت عناقيده). نهض. ناه نيها (ارتفع). نفث (نفخ). نهد الثدي (برز وارتفع). نزح عن بلده (خرج منها). النزُّ (مايتحلب من الأرض من الماء).
وكان منها خمسة وأربعون مصدراً تدل معانيها على النفاذ في الأشياء مما يفيد الحركة من الخارج إلى الداخل. منها:
نبث الأرض (نبش ترابها وحفرها). نبش. نثل الشيء (استخرجه). نجث الشيء (استخرجه) نجله بالرمح (رماه به). نخره. نخرب الشيء (ثقبه ومنه نخاريب شهد العسل). نحره. نخسه. ندس فلاناً (طعنه خفيفاً). نضف الرضيع مافي الضرع (استخرج مافيه من حليب). نقب الجدار. نقث العظم ونقحه ونقخه (استخرج مخه). نقد الشيء (نقره ليختبره). نقر الطائر الشيء (حفره بمنقاره). نكت الأرض بعود (نقب فيها). نكح المرأة (تزوجها). نكز الدابة (نخسها). نكف البئر (نزحها). نهسه الكلب (عضه). نهشه (تناوله بفمه ليعضه). وهذه الأفعال متعدية جميعاً.
وكان منها سبعة وأربعون مصدراً تدل معانيها على الرقة والأناقة والضعف بلا عيوب نفسية أو جسدية، بما يتوافق مع صوت النون مرققاً مخففاً. منها:
النأي. نحُف ونحَل (دقْ وهزل). ندف القطن، نسك الثوب (غسله بالماء فتطهر). نضِّد العقد (ضمّ حباته إلى بعضها بانتظام). النفأل (القطع المتفرقة من النبت). النقطة، نيّق في مأكله وملبسه (تأنق). نعس (فترت حواسه للنوم). نقِه (برئ من مرضه ولا يزال به ضعف). نمس فلاناً (سارّه). نمّق الكتاب (أحسن كتابته). نهو الرجل (صار منتهياً في العقل). النور.
وكان منها خمسة مصادر تدل معانيها على عيوب، بما يتوافق مع صوت النون المخنخنة. هي:
نتن اللحم (فسدت رائحته). نجِس. نعثل (عرج). نفه (جبُن). نهتر (تحدث بالكذب).
وإن قلة معاني العيوب في المصادر التي تبدأ بالنون يرجع أصلاً إلى مجافاة خصائص الرقة والأناقة ومشاعر الخشوع في صوت النون مع معاني الفحش والقذارة والتشوهات النفسية والجسدية.
أما المشاعر الإنسانية فلم يكن لها سوى مصدرين اثنين. هما:
ندم (أسف). نغص عليه (كدّره).
وعلى الرغم من ندرة المصادر التي تدل معانيها على مشاعر إنسانية، وكثرة مادل منها على أصوات في الجداول السابقة، فقد صنفت هذا الحرف في زمرة الحروف الشعورية لا السمعية وذلك لما يثيره صوته الرنان في النفْس من مشاعر الحنين والخشوع والألم الدفين، على مثال مافعلت في تصنيف الصاد الصفيري. والضاد الضجيجي.
ولقد استطاع هذا الحرف على رقته وأناقته أن يطبع مباشرة بخصائصه الصوتية (76%) من معاني المصادر التي تبدأ به، كما استطاع أن يؤثر بصورة غير مباشرة على معانيها جميعاً، حماية لها من معاني القذارة والفحش والفظاظة وما شذ عن ذلك إلا خمسة مصادر. هي:
نتن (النون المخنخنة في نهاية المصدر). ونفه ونهتر (لتدخل حرف الهاء في هذين المصدرين). ونعثل للاضطراب في وزنه. ونجس.
ولكن ماذا عن معاني المصادر التي تنتهي بهذا الحرف الرقيق؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وستة وعشرين مصدراً، كان منها سبعة تدل معانيها على أصوات. هي:
أنّ (تأوه). حنّ (صوتّ)، خنّ (خرج صوت بكائه من أنفه). رنّ. شجنت الحمامة (ردّدت صوتها). طنّ. غنّ (كان في صوته غُنة).
وكان للاهتزاز والاضطراب مصدر واحد هو : زفن (رقص). وذلك يعود إلى حرف (الزاي). المختص أصلاً بمعاني الاهتزاز والاضطراب.
وكان للحركة من الداخل إلى الخارج مصدران اثنان. هما:
- دنّت العين (سال مافيها من عمش). عنّ الشيء (ظهر وبان). وهما فعلان لازمان. أما مايفيد الحركة من الخارج إلى الداخل. فكان له مصدر واحد هو (طعن) فعل متعد.
وكان منها ثمانية وخمسون مصدراً تدل معانيها على الرقة والأناقة والجمال، وفيها الكثير من مزايا النساء ومحاسنهن التي تتلاءم مع نظرة العربي إلى المرأة في المجتمع الرعوي.منها:
أرِن (نشط وفرِح). البَثنة (الروضة والمرأة الحسناء). الجُمان (اللؤلؤة). الحُسْن. الحنان. خادنه (صادقه). امرأة رزان (ذات وفاء وعفاف). رقنت المرأة (اختضبت بالزعفران). زانه (جمّله). شبن الغلام (شبّ وامتلأ). الشادن (ولد الظبي). الظعينة (الهودج والزوجة). عَثِن الثوب (عبِق بدخان الطيب). الغسَّان (حِدّة الشباب). الغُصن. تعكنَّ البطن (تثنى لحمه سمنا). العين. فتنته المرأة (استهوته). الفن. الأفنون (الغُصن الملتف). فتاة فينانة (حسنة الشَّعْر طويلته). القَينة (المغنية والماشطة). لدُن (كان ليناً). اللسان. لَقِن (كان ذكياً). مرن (لان في صلابة). لان. ماء معين. الميسون (الغلام الحسن القد والوجه). هتنت السماء (أمطرت). تورَّن (أكثر من التدهُّن والتنَّعم). الوهنانة من النساء (الكسلى عن العمل تنعماً). الوسنى (امرأة فاترة الطرف، كسلى من النعمة). جارية جُهانه (شابة). ران عليه النعاس (غلبه). وسِن (أخذ في النعاس).
وكان منها أربعة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الإقامة والاستقرار والإحاطة والخفاء، بما يتوافق مع وضع المرأة في المجتمع الرعوي. وذلك على النقيض من موحيات صوت النون في مقدمة المصادر، من اهتزاز وانبثاق ونفاذ في الأشياء. منها:
أتن بالمكان، وبنَّ به، وسكنه، ورزن به، وعدن به، وعمن به، وعهن به، ومتن به ووتن به ووطنه بمعنى (أقام في المكان). أكن الطائر ووكن (دخل وكَنَه، أي عشّه). أمن (اطمأن). الجَفن (غطاء العين). جَنّ (استتر). حصُن المكان (صار حصيناً مانعاً). حضنه. دجن بالمكان (أقام فيه وألِفه). دفن. رجن بالمكان (ألِفه). رصُن (ثبت واستحكم). ركن إليه (مال إليه). رهن (ثبُت ودام). صان الشيء (حفِظه في مكان أمين). اطمأنَّ (ثبت واستقر). كفن. كمن (توارى). كنّ (استقر). هدن (سكن). وثن الشيء بالمكان (أقام وثبت فيه، ومنه الوثن للصنم). الوكَن (عُشّ الطائر).
وكان منها ثلاثون مصدراً تدل معانيها على عيوب جسدية ونفسية وروائح نتنة، يغلب عليها طابع الضعف والتفسُّخ، دونما فظاظة أو فجور، وذلك بما يتوافق مع صوت النون المخنخن به. منها:
أَجِنَ الماء وأَسُن (تغيَّر طعمه). ثدِن اللحم ونتن (تغيَّرت رائحته). جبُنَ (خاف). حَشِن الوعاء (أنتن). خزَن اللحم (فسد وتغير). الدرن (الوسخ). دعن (مجن وساء خلقه). دان دوناً (خسّ وحقُر). دان ديناً (خضع وذلَّ). ذعن (ذلَّ وخضع). الأرعن (الأهوج). لِخن (أنتن). عفِن اللحم (فسد). هان (ذلّ). توجّن (ذلّ وخضع). خان. لحن (أخطأ).
وكان للمشاعر الإنسانية تسعة مصادر هي:
(الحنان، الحزن، هان، ذعن، دان ديناً (خضع وذل). شجِن. منها ثلاثة للحقد، هي أحِن، ودَمِنَ (حقد). ضغن عليه (حقِد).
وهكذا يكون حرف النون قد طبع بخصائصه الصوتية (62%) من معاني المصادر التي تنتهي به.
بعد أن طبع (76%) من المصادر التي تبدأ به. مما يدل على أن هذا الحرف النسوي الرقيق الأنيق يتمتع بشخصية فذة، لا يتمتع بمثلها أي من حروف الغلظة والشدة والفجاجة.
وذلك إشارة صريحة إلى مافي الرقة والأناقة من طاقات روحية كامنة.
مقارنات ونتائج:
بمقارنة معاني المصادر التي تبدأ بحرف النون مع نظائرها من المصادر التي تنتهي به نلاحظ أن تأثير هذا الحرف في المعاني يختلف باختلاف موقعه من اللفظة.
فلقد كان نصيب المعاني الدالة على الأصوات والاهتزاز والانبثاق والنفاذ في المصادر التي تبدأ بالنون (61%). بينما لم تبلغ هذه النسبة في المصادر التي تنتهي به سوى (4%).
أما المصادر التي تدل معانيها على الإقامة والاستقرار والإحاطة، والخفاء في الجداول الأولى، فلم يكن لها سوى مصدرَيْ (نام وأناخ). بنسبة تقل عن (1%)، بينما بلغت هذه النسبة في المصادر التي تنتهي بالنون (15%).
كما أن معاني الرقة والأناقة والضعف والجمال في المصادر التي تبدأ بالنون، كانت نسبتها (18%). بينما كانت نسبتها في المصادر التي تنتهي بها (25%).
ولكن لماذا طغت المعاني الدالة على الأصوات والاهتزاز، وما يفيد الانبثاق والنفاذ، على المصادر التي تبدأ بالنون، بينما كانت معاني الرقة والمرح والاستقرار والخفاء. ومتعلقات الأنوثة، أطغى على المصادر التي تنتهي بها.؟
والنون هي النون، إن في أول الكلام أو في آخره؟
ذلك أن العربي قد ميَّز بين شخصية النون في أول اللفظة، وبينها في آخرها، على مثال مانميز اليوم بين شخصية المرأة على رأس عملها، معلمة أو شرطية، رئيسة دائرة أو قاضية، نائبة أو وزيرة، وبين شخصيتها خلف رقيق الستائر، أُمّاً رؤوماً، وزوجة وفية، وربة بيت حانية، مصدر رعاية وإحاطة وحنان، وعنوان رقة وأناقة واستقرار واطمئنان.
فالنون في أول الكلام، لا يمكن أن تُلفظ إلا بشيء من النشاط والحيوية، لا بل كثيراً مايقتضي المعنى أن نرصَّ بالصوت على مخرجها، لتتحول إلى مايشبه النون المشددة، ليصبح صوتها بذلك أكثر رنيناً، وأشد اهتزازاً وفعالية، وبالتالي أصلح مايكون للتعبير عن المعاني الدالة على الاهتزاز والاضطراب والانبثاق والنفاذ، ومايحاكي رنينها من أصوات.
وذلك على العكس مما لو وقعت النون في آخر الكلام، فهي لا تلفظ هناك إلا مخففة، مرققة، منعمة، يسكن الصوت إليها، كأنه يستقر على فراش من حرير، فكان صوتها بذلك أصلحّ مايكون للتعبير عن معاني الرقة والأناقة والجمال والاستقرار والخفاء والإحاطة والطمأنينة.
وهكذا غابت معاني الإقامة والاستقرار عن المصادر التي تبدأ بالنون، كما غابت معاني الاهتزاز والتحرك عن المصادر التي تنتهي بها. ولولا النون المشددة في آخر بعض المصادر لغابت عنها أيضاً، معاني الأصوات.
ومما يلفت الانتباه، أنه كان من بين المصادر التي تنتهي بالنون ثمانية مصادر تدل معانيها على النتانة، بينما لم يكن في المصادر التي تبدأ بها سوى مصدر واحد يدل عليها هو (نتن). لأنه ينتهي بالنون أيضاً.
فلقد رأى العربي أنّ مما يشوّه نطقه أنْ يبدأ اللفظة بنون مخنخنة الصوت بمعرض التعبير عن معاني العفونة والنتانة، بينما لاحظ أنّ الخنخنة بصوتها في آخر اللفظة هو أخفى لها وأقل تشويهاً للنطق بهما وأرضى لأناقتها، وهكذا بلغت نسبة المعاني الدالة على العيوب والنتانة، مما يستدعي الخنخنة بالنون، في المصادر التي تنتهي بها (13%). بينما لم تبلغ هذه النسبة في المصادر التي تبدأ بها سوى (1%).
كما يلفت الانتباه أيضاً عدم وجود أي مصدر يدل معناه على أية رائحة غير نتنة، عطِرة كانت أو غير عطرة، في جميع المصادر التي تبدأ أو تنتهي بالنون، على الرغم من رقة صوت هذا الحرف وأناقته، وذلك لأن صوت النون إذا لم يخنخن به، لا يوحي فعلاً بأية رائحة طيبة كانت أو غير طيبة.
وأنه لأمر عجيب أن يكون لذلك العربي الضارب في مجاهل الأرض والتاريخ هذه الحساسية السمعية والذوقية في التمييز بين موحيات صوت الحرف الواحد تبعاً لموقعه من اللفظة بمعرض التعبير عن معانيه.
ومن ألطف ماأبدع العربي وأذكاه في استعمالاته للنون أن اتخذها رمزاً للنسوة، فألحقها بالضمائر والأفعال، ليضفي عليهن وعلى فِعالهن من ألق النون طيف رقة وأناقة وعذوبة.
فالنساء عدما يقتلن أو يحرقن أويسبين، كان لابد لذهن العربي أن ينصرف مباشرة إلى المجازي الغزِل من معانيها، على العكس مما لو أسندت تلك الأفاعيل إلى الرجال.
ولم يقصر العربي عن هذا المستوى العالي من الذوق والذكاء بمعرض استعماله هذا الحرف في أغراض صرفية أخرى.
فلقد أبدع لفظة (ابن) بإلحاق النون بلفظة (أب)، كناية عن الحاق الأبناء بالآباء، وليس بالأمهات، وذلك توافقاً في المعاني بين موحيات صوت النون في نهاية الألفاظ وبين موحيات الطفولة، رقة ووداعة واستكانة، كما أنّثت الابنة بتاء التأنيث الملحقة بالابن، وذلك تأكيداً لهذه المعاني ولتقدم الابن على الابنة، وكل مذكر على كل مؤنث.
وليس فيما أرى ثمة مجال للتأويل بأن الابن هو ظهور الأب، بالاعتماد على موحيات النون في الظهور والانبثاق، كما قال بعضهم، وإن كان الابن فعلاً وواقعاً هو ظهور الأب وانبثاقه في الوجود.
فالنون في نهاية المصادر لاتوحي بالانبثاق والظهور قطعاً، وإذا جاء مصدرا (دنّ وعنّ) الوحيدان بما يفيد الانبثاق والظهور، فذلك يرجع إلى النون المشدَّدة، وكذلك الأمر بصدد المصادر التي تدلُّ معانيها على أصوات بما يفيد الانبثاق والظهور، فإن ستة من سبعة منها تنتهي بنون مشددة، فتغلبت بذلك طبيعة صوتها الرنان على خصائص الاهتزاز فيه، كما مرَّ معنا في حرف الزاي، أما لفظة (شجنت الحمامة). فالنون هنا لتبيان مافي ترديد صوتها من رقة وحنان وحزن، وليس لتبيان مافي صوتها من رنين.
ومما لاشك فيه أنّ إلحاق النون في لفظتي ابن وابنة، قد تم في المرحلة الرعوية، وذلك جرياً مع التقاليد السائدة فيها، من حيث إلحاق الأبناء بالآباء، وليس بالأمهات، وفي تقدم الرجل بالتالي على المرأة.
وما كان ذلك ليضير الأم في مجتمع قائم بالفطرة على التشرد والقوة البدنية، لما فيه من الثقة بعفتها وأمانتها الزوجية، ومن ضمان حماية الرجل ورعايته لها ولأبنائها، ولو أُلحِقوا بالأمهات لضاع نسبهم ولفقدوا حماية الآباء. وذلك على العكس مما كان الحال عليه في المجتمع الزراعي المستقر، يوم (كانت) الحضارة الزراعية البكر تقوم على خبرة المرأة في شؤون الزراعة والتربية، فكان لها المقام الأول: ربة خصب تعبَد، وسيدة أسرة مستبدة تتحكم، تملك الزرع والضرع، ويلتحق الأزواج بها والأبناء.
وهكذا كانت نون النسوة بحدِّ ذاتها، عنوان ثورة ثقافية مستمرة في ضمير اللغة العربية، قادها الرجل الراعي ضدَّ المرأة الزارعة منذ آلاف الأعوام، عزْلاً لها عن مقام الصدارة في الأسرة، وتحجيماً لدورها القيادي في المجتمع، وذلك على مثال ماكانت تفاحة حوّاء عنوان ثورة على قداستها وخصوبتها وتسلطها بحكم خبراتها السابقة في شؤون الزراعة والبستنة وفي فنون التربية والسياسة و*****، منذ آلاف الأعوام أيضاً.
وإذا كان للنون هذا الفضل الثقافي الكبير في الكشف عن طبيعة المجتمع الرعوي وتقاليده، فلقد كان لها على اللسان العربي فضل فصاحة وأناقة ورشاقة أعظم.
فلولا النون تقي المتكلم من الكسر بنون الوقاية، لا نكسر لسان كل عربي آلاف المرات كل يوم.
ولولاها تسكُن النفْسُ إليها وتطمئنُّ الأنفاس في آخر المثنَّى وجمع الذكور والأفعال الخمسة، وفي التوكيد والتنوين، لكثر اللغو في اللسان العربي، ولتعطل شعره وتبلدت أناشيده.
فللنون من رقيق الفضة الخالصة صافي رنينها، ومن أنين المفجوع ذوب صميمه، لا أمسُّ بإنسانية الإنسان منها ولا ألصق. ففي النون رِقَّة وعصير أنفاس وإلفة، لا أرشق بداية تبدأ الألفاظ بها ولا ألطف نهاية. ماجاورت النون حرفاً إلا وكان له من سنا أناقتها، طيفُ خِفة ورِقة ورشاقة، تفعل النون بأصوات الحروف، ماتفعله الأنيقات الأديبات في نفوس الناس هزاً لمشاعرهم وتهذيباً لعواطفهم، صَحابة عيش ووفاء، ورِفقة رِقَّةٍ وإحاطة وحَنان.
فكانت النون الأنيسة بذلك وحدَها، دنيا من المشاعر والشعر والموسيقى، لولاها ما اهتدى الإنسان إلى وترٍ يئنُّ وناقوسٍ يرنُّ، ولا إلى ناي أو كمان.







الفصل السادس
الحروف الشعورية الحلْقية

الحَلْق: (بتسكين اللام) لغة، هو (مساغ الطعام والشراب إلى المريء).
والحلّق، كما أنه مساغ الطعام والشراب إلى المريء، في حركة من الخارج إلى الداخل، هو أيضاً مسار النفس (بفتح الفاء). من الحنجرة إلى جهاز النطق، في حركة معاكسة من الداخل إلى الخارج، فمعظم النفَس الذي يخرج من الفتحة المزمارية في الحنجرة يدخل مباشرة في جوف الحلْق، ومنه يسري إلى مختلف مناطق المدرج الصوتي حتى آخره في الشفتين، على أن قسماً ضئيلاً من النفَس يتسرب إلى الأنف، مما يُسهِم في خنخنة أصوات بعض الحروف، وفي غُنَّة البعض الآخر كما مر معنا.
وهنا يطيب لي أن أُجري المقارنة بين النَّفَسِ المنطلق من جوف الصدر، وبين مياه نبع تنبثق من باطن الأرض.
فكما أن أعضاء النطق على المدرج الصوتي تأخذ حاجتها من النَّفَس لتشكيل أصوات الحروف، مخرج صوت بعد مخرج، من أول الحنجرة، داخلاً إلى آخر الشفة خارجاً؛ فإن الناس يغترفون من ضفتي النبع على الطبيعة مايُعوزهم من المياه لشتى الحاجات والأغراض، مأخذ ماء بعد مأخذ، من منبعه إلى مصبه.
ولكن يطيب لي أن أضبط للقارئ بالمقابل هذه المفارقة بين النفس ومياه النبع.
فمياه النبع تكون في غاية النقاء والصفاء لحظة خروجها من باطن الأرض، ثم لا تلبثْ أن يأخذ بها الكدر والعكر، موقعاً بعد موقع بمقدار مايبتعد المجرى بها عن فوّهته.
أما النفس، فهو عند خروجه من جوف الصدر يكون في أول الحلْق مشحوناً بأكبر طاقة من الانفعالات النفسية التي يعاني المتكلم منها، وهكذا يتسنى للحروف الحلْقية أن تمتص هذه الشحنة قبل غيرها من أصوات الحروف. ولذلك ما أن يتجاوز النفَس جوف الحلْق حتى تأخذ هذه الشُّحنة في التلاشي مخرج صوت بعد مخرج، كلما بعد المكان بها عن جوف الصدر، وطال الزمن، ولو واحداً في الألف من الثانية.
وإحساساً بهذه الظاهرة الصوتية الانفعالية، كثيراً ماتمنّى بعضهم أن يكون له مثل رقبة الجمل، فيمنحه طولُها فسحة في المسافة والزمن لمراجعة نَفْسِه، قبل أن يَظهر غضبُه وانفعالُه في صوته وكلامه.
وهذان المثالان من الموافقة والمفارقة بين النَفس ومياه النبع، وإن كان الغرض منهما مجرد التمثيل والتشبيه لتوضيح دور أصوات الحروف الشعورية الحلْقية في التعبير عن الانفعالات النفْسية التي تجيش في الصدر قريباً من فوّهَة الحلق، فإنهما لا يخلوان من بعض الحقائق.
فقدرة أصوات الحروف الشعورية الحلقية على التعبير عن الانفعالات النفسية ذاتياً، تعود بالدرجة الأولى إلى رقة أنسجة غشاء الحلق وحساسيتها الفائقة، لا إلى قرب الحلْق من جوف الصدر فحسب، فليس في جهاز النطق ماهو أقدر من هذه الأنسجة على امتصاص الاضطرابات والانفعالات التي تجيش في النفْس (بتسكين الفاء) والصدر معاً، ليصبَّها المتكلم المنفِعل في أصوات مهتزة أو مضطربة تجسِّدها تجسيداً أكثر مما توحي بها إيحاء.
على أن قرب الحلق من جوف الصدر يعطي الأصوات التي تتشكل فيه فرصة أفضل لتلقي الانفعال النفسي بحيويته وتلوناته ودقائق رعشاته.
وهكذا كأني بأنسجة الحلق، بحساسيتها المفرطة وقربها من جوف الصدر، قد تحولت إلى مصفاة للانفعالات النفسية في اللسان العربي، فما تسرب منها إلى مختلف مخارج أصوات الحروف إلا القليل بعضها لحرف النون المهتز الصوت تعبيراً عن حالات الخشوع والألم الدفين، وبعضها لحرف الصاد الصقيل، لمعاني الصفاء والنقاء، ومابقي منها لحرف الضاد المفخَّم لما يوحيه من مشاعر النخوة، مع الإشارة إلى ندرة المشاعر الإنسانية في معاني المصادر التي شاركت فيها هذه الحروف كما مر معنا في دراستها.
وهكذا.. لم يكن عبثاً أن أجّلتُ دراسة أصوات الحروف الشعورية الحلْقية إلى مابعد الانتهاء من دراسة بقية الحروف. فليس ثمة ماهو أعصى منها على تمحيص الخصائص والمعاني، وفي الإمكان إجمال هذه الصعوبات بمايلي:
آ- حساسية أنسجة الحلْق:
نظراً لرقة أنسجة غِشاء الحلْق وحساسيتها المتناهية، فإن أصوات الحروف التي تتشكل على صفحاتها تتصف على العموم بخاصية الاهتزاز والاضطراب، بما في ذلك حرف (الغين) الحلقي الذي صنفناه في زمرة الحروف البصرية لمافي طبيعة صوته من موحيات الظلام والغؤور والغيبوبة. وماشذ عن خاصية الاهتزاز هذه سوى حرف الحاء الذي تحول الاهتزاز الرقيق في صوته إلى حفيف وصحل (بحّه). أما الهمزة فصوتها انفجاري معدوم الاهتزاز، وهي مزمارية أصلاً لا حلْقية كما مر معنا في دراستها.
ب- خاصية الاضطراب في المشاعر الإنسانية:
إن من يدخل في حالة من الحالات الشعورية، سواء أكانت سلبية من فزع أم حزن أو غضب، أم إيجابية من فرح أو شوق أوهوى أوهيام، لابد أن يشيع الاضطراب معها في نفْسه (بتسكين الفاء). ولابد لهذا الاضطراب أن يتسرب إلى جوف الصدر وأنسجة الحلْق، وهكذا فإن الصعوبة التي عاناها العربي الفجر مع أنسجة حلْقه المهتزة بمعرض التعبير عن الانفعالات النفسية المضطربة، لا تقل عما يلاقيه فارس على صهوة جواد يحاول اصطياد طير يطير بسهام قوسه، وهكذا ظل العربي آلاف الأعوام يروِّض حنجرته وسمعه ومشاعره على هذه الرياضة الثقافية البالغة التعقيد، قبل أن ترسُخ قواعد هذه اللعبة الذكية في جملته العصبية جيلاً من الهُزَّاج والشعراء والفصحاء بعد جيل.
جـ- تنوع الخصائص الصوتية للحروف الحلقية تبعاً لكيفية التلفظ بها:
بحكم رقة الأنسجة الحلقية وحساسيتها الفائقة، وبحكم قربها من جوف الصدر، قد سهل على أصوات الحروف الحلقية أن تتكيف مع مختلف الحالات الشعورية والمعاني المراد التعبير عنها شعورية كانت أم غير شعورية فالرقة والنعومة في أصوات بعضها لمعاني الرقة والكياسة، أما الاهتزاز والاضطراب في أصوات بعضها الآخر، فلِما يحاكيها من الأحداث المضطربة والأصوات المهتزة، وأما الخنخنة فللعيوب النفسية والجسدية ولمعاني التقزز والقذارة والفحش وما إليها. ويزيد الأمر صعوبة في دراسة خصائص أصوات هذه الحروف على واقع المعاجم اللغوية، أنَّ كيفية النطق بصوت الحرف الواحد منها لاتعمل على تغيير إيحاءاته وبالتالي معانيه من حال إلى حال فحسب، كما لحظنا ذلك في حرف الجيم، وإنما قد تقلب معانيه من النقيض إلى النقيض.
وذلك لطواعية أنسجة الحلق، وقدرتها على التكيُّف مع المعاني المراد التعبير عنها، كما سيأتي.
وهكذا، كان لابد لي من ملاحقة الحروف الشعورية الحلقية في مختلف مواقعها من المصادر لاستكشاف خصائصها الصوتية تبعاً لكيفية النطق بها كما كان لابد لي من الإكثار من الأمثلة للكشف عن كل خاصية منها.
وقد يجد القارئ أنِّي أكثرت من الأمثلة ولاسيما من غرائب الكلم أكثر مما ينبغي، إذ ما الجدوى منها على رأيه، وقد حُنِّطت هي ومعانيها في الزوايا الخلفية من المعاجم، لا يسعى اليوم إليها إلاّ منقب متخصِّص بالآثار اللغوية، وما أندره؟
وأردُّ على هذه التُّهمة الصحيحة بأنني قصدت من ذلك (إطلاع) القارئ على مبلغ رهافة أحاسيس العربي وشفافية مشاعره، وعلى نباهته الفطرية وأصالته الفنية بمعرض التعبير عن مقاصده ومراميه، ولاسيما وقد جاء معظم غرائب الكلم للمعاني الرديئة، فصورها العربي في غالب الأحيان بأصوات حروف رديئة الايحاءات، وصبها في صيغ متنافرة التراكيب لا يضاهيه في ذلك أي رسام (كاريكاتوري) معاصر على الإطلاق، كما جاء في المقدمة. فمعذرةً قارئي الكريم، وصبراً جميلاً إنها فرصة العمر، ولن تحظى بمثل فكاهاتها الكاريكاتورية أبداً.
د- صعوبة الاهتداء إلى المصدر الجذر:
لقد سبق أن لحظت أن العربي كان يلجأ في مراحل تطوره إلى إبداع أصوات حروفه، ومن ثم مختلف المصادر الجذرية للتعبير عن حاجاته الحضارية والثقافية المستجدة، فيشتق منها فيما بعد مايلائم معانيه. ولما كانت كيفية التلفظ بأصوات الحروف الحلقية من شأنها أن تغير في خصائصها ومعانيها إلى حد التناقض أحياناً، فإننا سنلاحظ هذه الظاهرة في مشتقات المصادر التي تبدأ أو تنتهي بها. وهكذا لا يبعد أن نجد معاني مشتقات المصدر الواحد قد توزعت على سلم طويل متدرج من اللمسيات حتى الشعوريات.
ولكن بما أن العربي قد أبدع أصوات الحروف الشعورية في مرحلة رعوية راقية خصيصاً للتعبير عن مشاعره الإنسانية، فإنني سأعمد هنا إلى اختيار المشتقات والمعاني التي تتلاءم مع الخصائص الصوتية الأصلية للحرف موضوع الدراسة. وهكذا أتجاوز بذلك القاعدة الحسية التي اعتمدتها في دراسة أصوات الحروف غير الشعورية فلا تُعتَمد هنا المعاني الحسية للمصادر إلا عند الاقتضاء.
ولكنني في هذا التجاوز أعود في الحقيقة إلى القاعدة الفطرية الأصل بالذات، مادامت كل لفظة يشارك فيها حرف شعوري، قد أبدِعت في مرحلة راقية من مراحل الإنسان العربي الحضارية، بعد أن أخذ يتعامل بأصوات حروفه مع مشاعره وانفعالاته وحالاته النفسية وغيرها.
الحروف الشعورية الحلقية:
هي : الخاء. الحاء. الهاء. العين.
1- حرف الخاء
هو أخر الحروف الحلْقية، مهموس رخو. يقول العلايلي عنه: إنّه (للمطاوعة والانتشار والتلاشي). وهي تتوافق مع بعض معانيه، ولكنها قاصرة.
تختلف إيحاءات صوت هذا الحرف باختلاف كيفية النطق به فإذا لفظ صوته مخففاً مرققاً قريباً من جوف الحلق غير مخنخن به كانت إيحاءاته الصوتية مزيجاً من الأحاسيس اللمسية: رخاوة ورقة وملمساً مخملياً فيه شيء من الدفء.
أما إذا لفظ صوته بشيء من الشدة والخنخنة، بعيداً عن جوف الحلق، أوحى بإحساس لمسي مخرش رخو، وبطعم يمجُّه الذوق، ورائحة شمية نتنة، وبإحساس بصري منشاري الشكل وسمعي مخرِّب للصوت، وبمشاعر إنسانية من الاشمئزاز والتقزز.
وإذن بأي الكيفيات لفظ الإنسان العربي هذا الحرف بمعرض التعبير عن حاجاته ومعانيه؟
لمعرفة ذلك، لابد من الاحتكام إلى المعاجم اللغوية، وذلك على مثال مانهجت مع غيره من الحروف، ولاسيما (الجيم والضاد).
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وخمسين مصدراً جذراً تبدأ بالخاء، كان منها ستون مصدراً تدل معانيها على أمراض نفسية وعيوب أخلاقية بما يتوافق مع إيحاءات صوت الخاء المخنخن به، منها:
خبْ خباً (خدع وغشّ). خُبث. خبِل (فسد عقله وجُنّ). ختّ (خسّ وردؤ). الخِبَقَّاء من النساء (السيئة الخلق). ختل (خدع عن غفلة). الخجخاجة (الأحمق). إخرنشم (تكبر وتعاظم في نفسه). خرص (كذب). خرطت المرأة (فجرت). خرِف (فسد عقله من الكبر). الخِرْمِل (المرأة الحمقاء). خرِق (بكسر الراء حمُق). الخُزَعْبِل (الباطل). الخسيل (الرَّذل من كل شيء). اخرنطم (رفع أنفه وتكبر). الخِزْرافة من الرجال (الضعيف الخوّار). خيشَرَ بفتح الشين (شره). وبكسرها (هرب جبناً). الخشْل (الرذل الرديء). الحطيئة. الخطِل (الأحمق). خضْرع البخيل (تسمَّح، وشيمته تأبى السماحة). خلِب بكسر اللام (حمُق وخِرق في عمله). الخلبوب (الخدّاع المكّار). خلبسه (فتن قلبه وذهب به). خلبص (فرّ وهرب). خلس. الخُندَب والخُندَع (السيء الخلق والخسيس). الخناعة (الِذِّلَّة والضعف). خنّ البعير (جُنّ). الخيانة. اخرمسّ واخرمصّ (ذلّ وخضع). الخضاض (الأحمق). الخِنْسِر (اللئيم). خذِئ له خَذَأ، وخذْءاً وخُذُؤاً وخذاءة (خضع وانقاد). خضن الجمل (ذلّله، ومنه خاضن القوم، تراموا بقول الفحش).
الخُنْدُب من الرجال (السيء الخلق).
كما كان منها ثلاثون مصدراً تدل معانيها على أمراض وعيوب جسدية تتوافق مع إيحاءات صوت الخاء مخنخناً به. منها:
الخُباط (الصرع أو الزكام). ختر (استرخى وضعف من مرض أو شراب). خرِثت المرأة (ضخُمت خاصرتاها واسترخى لحمها). الخرَس، الخِزباز (داء يأخذ في عنق الإبل). خزَرت العين (صغُرت وضاقت خلقة). خزعل الماشي (نفض رجله من ظلَع). خذا خذواً (استرخى). خزِل (كُسر وسط ظهره). خشِف البعير (عمّه الجرب). الخَصّي. خضرف (هَرِم وترهّل جلده). الخفَج (داء يصيب الإبل). الخُمال (داء يصيب المفاصل فيعرج منه). الخنَّب (داء في الأنف يردِّد معه الإنسان كلامه من أنفه). الخُنثى. الخَوجلى (مشيَة فيها تكسُّر). الخُناف (داء يصيب عضل الخيل). خيص الرجل (صغرت إحدى عينيه وكبرت الأخرى). خيف الإنسان (كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى سوداء أو كحلاء).
وكان منها تسعة عشر مصدراً تدل معانيها على القذارة والبشاعة بما يتوافق مع إيحاءات صوت الخاء المخنخن به هي:
الخث (غُثاء السيل إذا خلَّفه ونضب عنه). خثي البقر (ألقى مافي جوفه من روث). الخَذْق (الروث). خرئ (تغوّط). الخُرقُح (القطن الفاسد في براعمه). خزن اللحم (فسد وتغير). خشعمه (لطخه بالدم). خفس (نطق بالقبيح). خلف الشيءُ خلوفاً (تغير وفسد). المستخِسّ (القبيح الوجه).خمَّ اللحم (أنتن). الخُنابس من الرجال (الضخم الكريه المنظر). الخشيء من النبات (اليابس العفن ومن اللحم اليابس). الخِنَّوص (ولد الخنزير). الخنزير. الخُنفُساء. خوِث (عظم بطنه واسترخى). خام خومانا (وخِم ووبئ). خامت الأرض خيماناً وخمت).
وكان منها اثنا عشر مصدراً تدل معانيها على أصوات تتوافق مع صوت الخاء مخنخناً به حيناً وغير مخنخن به حيناً آخر. هي:
خرير الماء وخرخرته. خشرمت الضُّبُع (صوتت في أكلها). الخفخاف (الذي يخرج صوته من أنفه)، خشخش الثوب الجديد (صوت إذا تحرك). خقخق القار وخقّ (سُمِع صوت غليانه). خنخن (أخرج الكلام من أنفه). الخُواع (شبه النخير والشخير). خات خيتاً (صوَّت). خار الثور (صاح). خَنّ (خرج صوت بكائه من أنفه). وقد شارك القاف والنون في أربعة منها.
وكان منها خمسة وأربعون مصدراً تدل معانيها على التخريب والخدْش والشق والنفاذ، بما يحاكي التخريب الكائن في صوت الخاء عندما يُلفظ مشدداً غير مخنخن به، في مطابقة بين الصورة الصوتية لهذا الحرف وبين الصورة المرئية لهذه الأحداث، منها:
خدشه (قشره). خرّب. خرت الشيء (شقه). خرش الجسد (خدشه بِظُفره، ومنه تخارشت الكلاب، تخادشت ومزّق بعضها بعضاً). خرم الشيء (شقه وثقبه). خزَّه بالسهم (أصابه به وأنفذه). خدع اللحم (حزّزه ولم يقطعه). خزع الشيء (قطعه وفصله). خَرق الشيء (شقه). خذم الشيء (قطعه بسرعة). خسق السهم (أصاب الرمية وثبت فيها). خدف الشيء وخذفه (قطعه). خضرم الأذن (قطع طرفها).
وكان منها سبعة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الرخاوة والتفاهة والاضطراب، بما يتوافق مع صوت الخاء رخواً مخنخناً، منها:
خبت ذكره (خفي).خبخب الشيء (استرخى واضطرب). خبت النار (همدت). خَتْمرَ (اضمحل). خرع الشيء (لان واسترخى). خربق العمل وخربسه، وخرمشه (أفسده). الخشاش (حشرات الأرض)، أخَظّ الرجل (استرخى بدنه). خلِقَ الثوب (بلي). الخيبة (الفشل). الخوب (الجوع). خزرب الكلام (اختلط واختلَّ).خسأ البصر (كلّ وأعْيا). خسِر. الخُصاصة (الفقر والحاجة وسوء الحال). خطِل (استرخى واضطرب). الخلل، خمج خمجاً (فتر أو ضعف أو مرض). خمره (ستره). خلبص (فرّ هارباً). خِمُص بطنه (خلا وضمر جوعاً). خمل ذكره، الخيبة.
كما كان منها ثلاثة عشر مصدراً تدل معانيها على مايفيد الرقة والصفاء والبضاضة بما يتوافق مع صوت الخاء مخففاً ومرققاً ومنعماً، دونما أي خنخنة، هي:
خادنه (صادقه). الخَرود (المرأة الحيية، والبكر لم تُمس). الخَرْعَب من النساء (الشابة الحسنة الخلق الناعمة). الخِصب، خضِل (ندي وابتل). خفِرت الفتاة (اشتد حياؤها). الخمْط (الطّيب الريح). خلص الشيء (صفا من شوائبه). خالمه (صادقه، والمرأة غازلها). الخُوْد (الشابة الناعمة الحسنة الخلق)، الخير (الحسن لذاته). الخُوط (الغصن الناعم).
وكان منها تسعة مصادر لمشاعر إنسانية قد ورد ذكرها في جداول الأمراض والعيوب النفسية، وبذلك تبلغ نسبة المصادر التي تتوافق معانيها مع الخاء المخنخنة (60%)، ومع الخاء غير المخنخنة (25%)، بما مجموع النسبتين (85%).
وكأني بالإنسان العربي قد خصص هذا الحرف لمعاني الرداءة والخسة والقذارة والبشاعة في بنيانه اللغوي الفخم الأنيق، على مثال ماتخصص ربة البيت الذكية سلة للنفايات والأوساخ تضعها في زاوية مهملة من زوايا قصرها المنيف، (والخاء هي آخر الحروف الحلقية). لا يغير من وظيفة هذه السلة أن تسهو ربة البيت فتلقي فيها ثلاث عشرة حبة من اللآلئ والأحجار الكريمة مع ما ألقته فيها من القمامة على مر العصور.
ولكن ماذا عن الخاء في آخر الألفاظ؟
هل احتفظ العربي لهذا الحرف بوظيفته الأساسية في التعبير عن معاني الخسة والقذارة والبشاعة، كما فعل بالمصادر التي تبدأ به.؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على أربعة وسبعين مصدراً تنتهي بالخاء، كان منها سبعة للعيوب النفسية، وتسعة للعيوب الجسدية، وثمانية للقذارة والبشاعة، وخمسة لأصوات مشوهة، ولا صفاء فيها ولا رنين، وأربعة عشر للرخاوة والتفاهة والاضطراب، وسبعة للشدخ والقطع وستة للرقة والنضارة.
فكانت نسبة المصادر التي تتوافق معانيها مع صوت الخاء مشدداً ومخنخناً (68%)، ونسبة مايتوافق منها مع صوت الخاء مرققاً منعماً (8%) بما مجموعه (76%).
واكتفي بسرد مايتعلق منها بالعيوب النفسية والجسدية والقذارة:
1- في العيوب النفسية: بلِخ (تكبر وجرؤ على الفجور). داخ الرجل والبعير (ذلَّ وصغُر) رضخ، زمخ (تكبر وتاه). طَخَّ (شرِس وساء خلقه). رجل لُطخة (أحمق لا خير فيه). المطاخ (الأحمق الفاحش البذيء), رجل موثَّخ الخَلْق (ضعيفه).
2- في العيوب الجسدية: بخبخ لحمه (استرخى من هُزال بعد سِمن)، بزِخ (دخل ظهره وخرج صدره). الدلاخ من النساء (العظيمة العجز). الربيخ من الرجال (الضخم المسترخي). طَنِخَ (اشتد سِمنة). فشَّخ الرجل (أرخى مفاصله). الوخواخ من الرجال (المسترخي البطن). المسخ.
3- في القذارة: الإخ بكسر الهمزة (القذر). ثلخ الحيوان (ألقى روثه رقيقاً). زنخ الدهن وسنِخ (تغيرت رائحته). السُّواخ (الوحل الشديد). شخَّ (بال). طاخ طيخاً (تلطخ بالقبيح أو بالباطل). الوسخ.
وزيادة في التقصي عن مدى اعتماد العربي الخصائص الصوتية في حرف الخاء للتعبير عن المعاني التي تتناول العيوب النفسية والجسدية والقذارة، رأيت أن أتتبع هذا الحرف .
في أواسط المصادر:
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على تسعين مصدراً، كان منها اثنا عشر للعيوب النفسية وعشرة للعيوب الجسدية، وستة للقذارة والنتانة، وثلاثة للأصوات، تتوافق معانيها جميعاً مع الخاء المخنخنة، كما كان منها تسعة للقطع والشق والوخز ومصدران للاصوات، بما يتوافق مع الخاء المشددة غير المخنخنة، وثمانية للرقة والنضارة بما يتوافق مع الخاء المرققة المخففة المنعمة، أكتفي بسرد مايتوافق من معانيها مع الخاء المخنخنة ونسبتها (35.5%). أما غير المخنخن بها بنسبة(20%).
1- في العيوب النفسية: ولها اثنا عشر مصدراً. هي:
بختر (مشى مشية المعجب بنفسه). بخع له (تذلل له وأطاع وأقر). البُخل. دخر دخوراً (صغر وذل وهان). زخف (فخر وتكبر). السخرية، السخط، سخِف الشيء (رق وضعف) لخِيَ لخيا (أكثر من الكلام في الباطل). نخِب قلبه (جبُن). نخط عليه (تكبَّر). وخُش الشيء (رذُل وصار رديئاً). ومعظم هذه المصادر تدل على حالات شعورية سلبية.
2- في العيوب الجسدية: ولها ثمانية مصادر. هي:
دخِس (سمِن وامتلأ شحماً ولحماً) الدّخْنَسِ (الشديد، الكثير اللحم من الناس والدواب). الشخت (الضامر خلقه). الضخامة (العِظم مع غلظة). لخِصت عينه (غُلظت أجفانها وكثر لحمها خِلقة أو من ورم). نخش الرجل (هزل). نخصَ لحمه (هزُل وتخدد جِلده)، التُّخمة.
3- في النتانة والقذارة: ولها ستة مصادر: هي:
بخِر الفم (أنتنت رائحته). سخَّم اللحم (أنتن). شخِم الطعام (فسد وتغيرت رائحته). لخِن (أنتن). المُخاط. النُّخامة (مايلفظ من بلغم).
4- في الأصوات: ولها ثلاثة مصادر تتوافق مع الخاء المخنخنة.هي:
شخر (تردد صوته في حلقه من غير كلام). نخر (صوت بخياشيمه). نخف (صوَّت بأنفه عند المخْط).
أما مصدرا صخب. وشخب اللبن (خرج من الضرع بصوت)، فهما يتوافقان مع الخاء، غير المخنخنة.
في الاستنتاجات:
1- لوحظ وجود ثمانية مصادر قد شارك في تراكيبها حرف الخاء المخنخن بصوته وقد تناولت معانيها صوراً من مظاهر السِّمنة، ولاسيما في البطن والعجيزة، وذلك بمعرض التعبير عن مشاعر التقزّز والاشمئزاز، مما يقطع بأن العربي قد استقبح هذه الظاهرة في النساء والرجال على حد سواء.
ولئن أخذ بعضهم على العربي استحسانه مظاهر السِّمنة والعجيزة الضخمة في المرأة لشذرات وردت في الأدب الجاهلي ومابعده، فإنه لا يعتد برأيهم، مادام الإنسان العربي مبدع اللغة، قد أعطى مسبقاً رأياً مخالفاً بهذا الصدد، وذلك باستخدامه الأوزان المضطربة والحروف التي في أصواتها نشوز وتنافر في الألفاظ التي تدل معانيها على السمنة والعجيزة الضخمة ومنها حرف الخاء المختص أصلاً بالتعبير عن مشاعر التقزز والتشوهات النفسية والجسدية. كما مرّ معنا في المصادر التالية:
خرثت المرأة، الدلاخ، الربيخ. طنخ. الوخواخ. دخِس. الدخِنس. خزج.
2- حول شخصية حرف الخاء:
باستعراض تأثيره في معاني المصادر التي شارك في تراكيبها كانت معدلاتها في مختلف مواقع هذا الحرف منها، على الشكل التالي:
آ- للخاء المخنخنة: مما يدل على العيوب والتشوهات والقذارة والرخاوة وتوافه الأمور:
(60+56.5+35.5)/3 = 50.7%
من مجموع المصادر التي تتصدرها الخاء وتتوسطها وتقع في آخرها.
ب- للخاء المشددة غير المخنخنة، مما يدل على القطع والشدخ والرخاوة:
(20+10+12 ) /3 = 14%
جـ- للخاء المنعمة المرققة بلا خنخنة، مما يدل على الرقة والنضارة.
(5+7+9)/ 3= 7%
وبجمع المعدلات الثلاثة نحصل على معدل تأثير حرف الخاء في معاني المصادر التي شارك في تراكيبها مخنخناً بصوته وغير مخنخن مشدداً ومخففاً.
50.7+14+7= 71.7%
وهذه النسبة العالية تدل على أن حرف الخاء، برخاوته وخنخنته أنَّى كان موقعه يتمتع بشخصية فذة في دنيا القذارة والعيوب قلَّ أن يتمتع بمثلها حرف قوى آخر، في دنيا النبالة والشرف. وكما في دنيا الحروف كذلك في دنيا الناس، وعلى كل المستويات.
جـ- عودة إلى نشأة حرف الخاء:
سواء أكانت المرأة العربية هي التي أبدعت أصول حرف الخاء في المرحلة الزراعية ترجيحاً، أم أن الرجل هو الذي أبدعه في مرحلة لاحقة، فإن استعماله قد تغير من مرحلة إلى مرحلة وفقاً لكيفية النطق به. ولاشك أن العربي، رجلاً كان أم امرأة، قد أبدع صوت الخاء أول ما أبدعه، رخوا مخنخناً به للتعبير عن معاني القذارة. ولقد احتفظ العربي لهذا الحرف باختصاصه الوظيفي عبر مراحل تطوره للتعبير عن معاني الخسة والتفاهة والبشاعة والعيوب النفسية والجسدية، لأن صوته هو الأصلح للتعبير عن هذه المعاني إطلاقاً.
ولكن ما أن تهذَّب النطق بأصوات الحروف عامة وفقاً لقانون الصوت الحنكي في مرحلة رعوية شعرية راقية، حتى صار العربي يلفظ الخاء بلا خنخنة، فشددها حيناً ورققها ونعَّمها حيناً آخر. فكان أن استعملها لمعاني الشق والقطع والوخز، كما استعملها لمعاني الرقة والنضارة والليونة، ولو على نطاق ضيق محدود.
2- حرف الحاء:
في كيفية التلفظ بصوته:
حرف الحاء مهموس رخو، يحدث صوته باندفاع النّفَس بشيء من الشدة مع تضيِّقٍ قليل مرافق في مخرجه الحلْقي، فيحتك النفَس بأنسجة الحلْق الرقيقة، ويحدث صوتُ هو أشبه مايكون بالحفيف.
وهكذا.. شذّ صوت هذا الحرف عن الحروف الحلْقية جميعاً، بأن تحولت اهتزازاته الصوتية الواهية المضمرة إلى حفيف وصحل. وإخراج صوت الحاء من على صفحات الأنسجة الحلْقية دون اهتزاز أو اضطراب، يتطلب مهارة عفوية فائقة في التحكم بخلايا هذه الأنسجة الحساسة لمنع النفَس من الاهتزاز والاضطراب لحظة احتكاكه بها، فيخرج مع هذا التحكُّم الدقيق بما يشبه الحفيف. ولذلك يستحيل على غير السامي العربي أن يلفظ صوت الحاء لفظاً معافى. فهو إما أن يلفظه مشوباً بهاء مخففة، وإمّا بهمزة مفخمة، أو خاء صريحة. ولهذا السبب من الصعوبة الفائقة في النطق بصوته، لم تستطع الشعوب الأوروبية أن تأخذه عن الأبجدية الفينيقية خلال الألف الثانية قبل الميلاد. كما أن الشعوب الإسلامية الشرقية لا تزال تلفظه في تلاوة القرآن الكريم مفخماً مجعجعاً به قليلاً، وكأنه يخرج من جوف الفم لا من جوف الحلْق.
في إيحاءاته ومعانيه:
يقول العلايلي عنه: إنه (للتماسك، وبالأخصِّ في الخفيات، ويدل على المائية).
وهذا التعريف المبهم الذي استخلصه العلايلي من (النصوص المحفوظة)، أي من معاني الألفاظ التي يدخل في تراكيبها، يشير إلى عدم التزام العربي بالخصائص الصوتية لهذا الحرف بمعرض استخدامه في التعبير عن حاجاته ومعانيه، فغابت عن العلايلي خصائصه الفعلية.
ولكن ماهي المعاني التي يمكن استخلاصها من صدى صوت الحاء في النّفْس (بتسكين الفاء)، وفقاً للنهج الذي اعتُمد في هذه الدراسة؟..
إذا لفظ صوت الحاء مشدداً مفخماً عالي النبرة، أوحى صوته بالحرارة، وبأصوات فيها شيء من الحدّة، وبمشاعر إنسانية لا تخلو من الحدّة والانفعال.
أما إذا لفظ صوته كما نلفظه اليوم بحناجر حضارية رخوة مرققاً مرخَّماً، أوحى لنا بملمس حريري ناعم دافئ، وبطعم بين الحلاوة والحموضة، وبرائحة ذكية ناعمة، يطوف السمع فيه على مثال مايطوف النظر في سفح معشب خَضِر تتلاعب بأزاهيره نسيمات الربيع. وهو بحفيف النَفَس أثناء خروج صوته من أعماق الحلْق، يرفد اللسان العربي بأعذب أصوات الدنيا قاطبة، وأوحاها بمشاعر الحب والحنين.
وهكذا كان الصوت الغِنائي الذي يتصف بخصائص صوت الحاء هو أغنى الأصوات عاطفة وأكثرها حرارة، وأقدرها على التعبير عن خلجات القلب ورعشاته. ليتحول مثل هذا الصوت مع البحّة الحائية في طبقاته العليا، إلى ذوب من الأحاسيس وعُصارة من عواطف الحب والحنين والأشواق (أم كلثوم في الطبقات العليا من صوتها ونجاح سلام في شبابها).
وماكان أجدر بالإنسان العربي أن يجعل من الحاء واحة عاطفية ظليلة لهذه المعاني من الرقة والشفافية والعذوبة وحكايات الحب والغزل. وذلك بمقابل ماجعل من جاره حرف الخاء سلة للنفايات، من معاني القذارة والبشاعة والعيوب الجسدية والعقلية والنفسية.
فهل فعل الإنسان العربي ذلك؟
إيضاح لابد منه:
يلاحظ في المصادر التي تبدأ بحرف الحاء أن ثمة للواحد منها معاني مختلفة تتعدد بحسب استعمالاته، لتتشتت بذلك معاني مشتقاته إلى أغراض قد تبلغ العشرات. ولذلك كثيراً ماتنعدم الرابطة الحسية أو المعنوية، سواء بين معاني المصدر الواحد أم بين معاني مشتقاته. وهذا يجعل مسألة اختيار المصدر الجذر والمعنى الأصل في غاية الصعوبة والمخاطرة.
فمن مصدر حفَّ الشيء حفيفاً بمعنى (سُمع له صوت كالذي يكون من جَناحي طائر، أو تلهب النار، أو مرور الريح في الشجر)، نجد له ولمشتقاته تسعة وأربعين معنى واستعمالاً. منها: حفَّتِ الأرض حفوفاً (يبس بقلها)، حفّ عيشه (كان ضيِّقاً خشناً). حفّ بطنه (يبس من عدم أكل الدسم واللحم). حفّ شعره أو رأسه (شعُث من عدم الادِّهان). حفّ الشيء حفّاً وحَفافاً (استدار حوله وأحدق به). حفّ فلاناً (اعتنى به ومدحه). حفّ الشيءَ (قشره). حفّت المرأة وجهها (أزالت ماعليه من الشعر). حَفَّتْهُ الحاجة (أصابته). أحفّ الثوب (نسجه، وفلاناً ذكره بالقبيح). احتفّ النبات (جزّه). حِفاف الشيء (مااستدار حوله وأحدق به). جاء على حِفاف ذلك (في حينه وإبّانه). الحَفاف (ماتساقط من الشعر المحفوف وبقية العانة)، هو حَفٌّ بنفسه (معنيٌّ بها). الحَفف (الحاجة وضيق العيش)، الحَفّاف (اللحم اللين الذي في أسفل الحنك إلى اللهاة). الحَفاف (صغار الحيوان، والخدم)، الحَفَّة بفتح الحاء (آلة النسج). الحِفّة (قبضة كالسيف يضرب بها الحائك). المحَفّة (هودج لا قُبَّة، له تُحمل فيه المرأة).........الخ.
وهنا نلاحظ أن ثمة أكثر من مصدر وأكثر من معنى تزاحم على زعامة هذه الأسرة من المشتقات والمعاني. ولقد كان المصدر الذي وقع الخيار على معناه، أقلها أشقاء وأبناء عم وأخوالاً وأصهاراً، وذلك لأن الصورة الصوتية للفظة (حفّ) من صوتي حفيف الحاء وحفيف الفاء هي أشد ماتكون محاكاة لصوت مرور الريح في الشجر.
وواضح أنه كان بالإمكان اختيار المعاني التالية:
حفّ الشيء حفوفاً (يبس). وحف الشيء حفاً وحفافاً، بمعنى (استدار حوله وأحدق به). أو بمعنى (قشره).
أسوق هذا المثال بشيء من التفصيل لأمرين اثنين:
آ- لإعطاء القارئ فكرة واقعية عما لاقيته من العناء في اختيار المصادر والمعاني من بين عشرات ألوف المصادر والمشتقات والمعاني، بمعرض التقصي عن خصائص أصوات الحروف ومعانيها.
ب- للاعتذار عن أي خطأ أو سهو قد وقعت فيه بمعرض اختيار المصدر أو المعنى في الأمثلة المضروبة، ولحمل القارئ في الوقت ذاته على أن ينعم النظر جيداً في كل خلاف قد يقع بيننا بصدد أي مصدر، أو معنى قد اخترته، قبل أن يطلق بشأنه أحكام الإدانة: (وفوق كل ذي علم عليم).
حول خصائص حرف الحاء ومعانيه:
بالرجوع إلى المعجم الوسيط، عثرت على ثلاثمئة وثمانية مصادر تبدأ بحرف الحاء. كان منها اثنان وعشرون مصدراً تدل معانيها على مشاعر (إنسانية) أصيلة تؤهله للانتماء بجدارة إلى زمرة الحروف الشعورية. منها مايتوافق مع صوت الحاء مرققاً منعماً مرخماً، ومنها مايتوافق مع صوته مشدداً مضغوطاً على مخرجه. هي:
الحُبّ . حبره (سرّه ونعّمه). حجأ به (تمسك به وفرح). حذِره (خافه واحترز منه). حرِب، (اشتد غضبه). حرِد (غضِب). حزِنه الأمر (غمّه). الحسد. الحسرة (الغيظ، العداوة). حسِف عليه، (حقِد). الحساكه (الحقد والعداوة). حشِم (خجل وغضب). أحشبه (أغضبه). الحقد. حلط (غضب). حمِر فلان (تمزّق غضباً وغيظاً). حمس فلاناً حمساً (أغضبه). حمِس فلان حماسة (شجع). الحنين (الشوق). حنِق (اشتد غيظه). حاش حيشاً (فزع).
وكان منها أحد عشر مصدراً تدل معانيها على أصوات يتوافق معظمها مع صوت الحاء مرقَّقاً منعَّماً مصحوباً ببُحة: هي:
حأحأ بالحمار (صوَّت لحثه على السير). حبص الوتر (انطلق بشدّة فصوَّت). الحجيف (صوت يخرج من الجوف). حشرج (ردَّد نفسَه في حلْقه). حفْ حَفْ (اسم صوت يُزجر به الدجاج. حفّ الشيء حفيفاً (سُمع له صوت كمرور الريح في الشجر). حمحم الفرس (صوَّت صوتاً دون العالي). حنّ حنيناً (صوّت). الحوشكه (غوغاء حول الدار). حيجم الرجل (تكلم همساً). الحُداء (غناء للإبل).
وكان منها أحد عشر مصدراً تدل معانيها على الحرارة، بما يتوافق مع صوت الحاء مشدداً مضغوطاً عليه. هي:
حدمه (أحماه بالنار أو الشمس إحماءً شديداً، لاجتماع الحاء مع الميم للحرارة، والدال للشدّة). حرّ الماءُ (سخُن، لاجتماع الحاء والراء). الحريق. حشأ النار (أوقدها). حضأت النار (التهبت واستعرت). حضب النار (ألقى عليها الحطب لتتقد). حمت الشمس (اشتدّ حرّها). حنذ الحرّ (اشتد، ومنه حَناذِ اسم للشمس). حضا النار حضوا (حضأها).
وكان منها ثلاثة وعشرون مصدراً تدل معانيها على الرقة والكياسة والجمال بما يتوافق مع صوت الحاء مرققاً مرخماً. منها:
حبحب الماء (جرى قليلاً قليلاً). الحدج (الهودج للنساء). الحرّية. الحُسن. الحِشمة. الحلال. الحِلم. الحِليّ. حنط الزرع (نضج). حنت المرأة على ولدها حنّوا (عطفت وأشفقت فلم تتزوج بعد أبيهم). حنأ المكان (اخضرّ والتفّ نبته). حمده (أثنى عليه). حَوِرَتِ العين (اشتد بياضها وسوادها واستدارت حدقتها ورقت جفونها وابيض ماحواليها). الحياة.
وهكذا تبلغ نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بخصائص صوت الحاء، مرخماً وغير مرخم (22%) فقط، وما أقلها.
ولكن ماذا عن بقية المصادر؟
بتأمل معاني المصادر التي لم يرد ذكرها في الجداول السابقة، وبتمحيص معاني مشتقاتها، استطعت أن أجد قاسماً مشتركاً بين ثلاث فئات منها، وإن لم ألحظ في معظم الأحيان أية رابطة ظاهرة بينها وبين الخصائض الفطرية لصوت الحاء.
الفئة الأولى:
لقد عثرت على أربعة وخمسين مصدراً تدل معانيها على الشدة والفعالية والقشر والقطع والشق والتحطيم، كان منها أربعة عشر مصدراً شاركت فيها حروف الدال والذال والزاي المختصة أصلاً بهذه المعاني، كما مر معنا في دراستها، منها:
حدّ السيف (صار قاطعاً). حَذَّهُ (قطعه بسرعة).حزّه (قطعه ولم يفصله). حزب الأمر (اشتد). حذف الشيء (قطعه من طرفه). حصد. حفر. حلز الأديم (قشره) الحمزة (الأسد لقوته وصلابته). حذت الشيء (قطعه).
وكان منها أربعة مصادر في صيغها مايوحي بالضخامة، وفي أصوات حروفها بعض التنافر. هي: الحُلابس والحُمارس (للأسد والشجاع). الحُرحوح من النوق (الطويلة الجسيمة). الحِرماس (الصلب الشديد).
أما بقية مصادر هذه الفئة وعددها خمسة وثلاثون، فقد كان في صيغها رشاقة وأناقة وفي حروف معظمها رقة ولطافة، لا تتوافق معانيها بذلك مع موحياتها الصوتية. ولذلك من المحتمل أن العربي كان يلفظ الحاء معها بشيء من الشدة والزلق، بما يحاكي هذه المعاني، مثلما كان يلفظه في المصادر لمعاني الحقد والغضب منها:
حتا حتواً (عدا عدواً شديداً). حرته (قطعه قطعاً مستديراً). حرث الأرض (شقها). حرج أنيابه (حك بعضها ببعض من الحنق والغيظ). حرص الشيء (شقّه).حسّ الشيء (استأصله). حسم الشيء (قطعه). حشأه بالعصى (ضرب بها بطنه وجنبه). حصم الشيء (قطعه). حضّه (حثَّه عليه بقوة ). حطأ به الأرض وحفأه (صرعه). حكره (ظلمه وتنقّصه). حلأ الجلد (قشره). حمر الشيء (قشره). حنشه (ساقه وطرده). حاس الرجل حوساً (شجُع وثبت).
الفئة الثانية:
كما عثرت على واحد وخمسين مصدراً تدل معاني بعض مشتقاتها على الدوران والفتل والربط والاحاطة والحيازة. هي:
حبسه. حبش له(جمع له). حبقه (جمعه وأحكم شده). حبك العقدة وحتأها وحترها وحكأها (أوثق شدها وأحكمه). حنج الحبل (شدّ فتله). الحبل (مافتل من ليف ونحوه ليربط به). حجبه. الحُجرة (الغرفة، حظيرة الدواب). حجز الشيء (حازه ومنعه من غيره). حدج الحبل ونحوه (فتله وأحكمه). الحدلقة (إدارة النظر). حدق به (أحاط). حرجم الدواب (ردّ بعضها على بعض وجمعها). الحِرز (الوعاء الحصين يحفظ فيه الشيء). حزأ الإبل وحاش الدواب (جمعها وساقها). حزلم الشيء (دحرجه). حزق الرباط وحزكه (أحكم شدّه). حزمه (شدّه بالحزام ليحكم ربطه). الحشر. حصره (ضيق عليه وأحاط به). حصرم الشيء (ضيقه). الحِصن. حضنه. الحظيرة. الحفل. حفن الشيء (أخذه براحته). حقِب الشيء (احتبس وامتنع). حقن الماء (جمعه وحبسه). حكش الشيء (جمعه). حلّب القوم (اجتمعوا من كل وجه). حملج الحبل (فتله فتلاً شديداً). حات الطائر بالشيء حوتاناً (حام حوله). حاذ الشيء حوذاً (حاط). حاز الشيء حيازة (ضمّه وملكه). الحوصل للطير. (كالمعدة للإنسان). حاض الماء حوضاً (جمعه وحاطه). المِحْوَرُ (قضيب تدور عليه البكرة). حاص حوله حوصاً (حام). حاس الحبل حيساً (فتله ولم يحكمه). الحلْقة (كلُّ شيء استدار). حوى الشيء (استولى عليه وملكه). حار الماء حيراً وحيراناً (اجتمع ودار). حاق به الشيء (أصابه وأحاط به). الحيّة (لخاصية الدوران واللف والفتل في تكوينها وتحرّكها).
الفئة الثالثة:
كما عثرت على اثني عشر مصدراً تدل معاني بعض مشتقاتها على الميل والحيدان. هي:
الأحدب. حدِل (مال). حرف عنه (مال وعدل). حضج عن الطريق (حاد ومال). حفض العود (حناه). حقف الشيء (طال في اعوجاج). حَنِفَ عن الشيء. (مال). حَنِفَ (اعوجت قدمه فصار بطنها ظهرها خِلقة). حنا العود (ثناه). حال الشيء (اعوجّ بعد استواء).. حوِلت عينه (أصابها الحول). حاد. حاص عنه محيصاً (عدل ومال).
أما ماتبقى من المصادر وعددها مئة وسبعة عشر، فلم أستطع أن أتلمس أي توافق أو تماثل بين معانيها وبين صوت الحاء بأي كيفية يمكن أن يلفظ بها، كما كانت معاني مشتقاتها كثيرة التنوع إلى حد التناقض، وقلما يجمع بينها جامع معنوي أو حَدْس مشترك.
وماذا عن المصادر التي تنتهي بالحاء؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة واثنين وسبعين مصدراً، كان منها سبعة عشر مصدراً تدل معانيها على أصوات يتوافق معظمها مع صوت الحاء مرققاً مصحولاً به. هي:
أحّ (سعل وتنحنح). أنح (تنفس بأنين). بحّ (غلظ صوته في خشونة). الثحثحة (صوت فيه بحة عند اللهاة). صدح الطائر (رفع صوته فأطرب). صاح. طحطح (ضحك خفيفاً). ضَبَحَ الثعلب (صوَّت). فحّت الأفعى (صوتت). فحفح (أخذته بُحّة في صوته). كحّ (سعل). نبح الكلب. نحّ نحيحاً (تردد صوته في جوفه). نحنح (ردد في جوفه صوتاً كالسعال استرواحاً). نشح الباكي (تردد البكاء في صدره من غير انتحاب). ناح نوحاً (بكى). وحْوح (صوت مع بَحَح).
وكان منها سبعة مصادر لمشاعر إنسانية تتوافق معانيها مع صوت الحاء مرققاً. هي:
بَجَحَ به (فرِح). ترِح (حزِن). دبَّح (ذلّ وهان، حنى ظهره). الفرح. قفح عن الشيء (نفر منه وكرهه). أودح (أذعن وخضع). مرح.
وكان منها ثمانية عشر مصدراً لمعاني الرقة والصفاء والنقاء والكياسة، بما يتوافق مع صوت الحاء مرققاً مرخماً، وقد شارك في اثني عشر منها حرفا الصاد والضاد، للصفاء والنضارة. هي:
الصبح، صحّ، صحصح، الصراحة، الصفح، الصلح، ضحضح، الضحّ (الشمس). الفصاحة، القحاح (الخالص من كل شائبه). المديح. المزاح. الملاحة. النجاح. النصح. الوضوح. مسح. مشحت السماء (صحت).
وكان منها ثمانية وعشرون مصدراً لمعاني الشدة والفعالية والقشر والحفر والقطع، قد شارك في عشرين منها حروف (الجيم والدال والذال، والزاي والكاف). منها:
بدحه (شقه). جرحه. جمح الفرس، دحّه. درحه (دفعه). ذبحه. ذحّ الشيء (دقه وفّرقة). ذرح الشيء (ذراه). ذاح الشيء (فرقه وبدده). زحّه. زحزحه. ضرحه (شقه). طحّه. قرحه (جرحه). كبح جماحه. كدح. كشح العود (قشره). مطحه (ضربه بيده). وطحه (دفعه بيده عنيفاً). سطحه (ذبحه). نطحه.
وكان منها (مصدر واحد) للحرارة، هو: صمح الحر (اشتد).
وكان منها أربعة مصادر للميل. هي:
ماح ميحاً (مال وتبختر). ناح الغصن نيحا (مال). جنح (مال). رنَّح (تمايل من سكر وغيره). بما مجموع نسبتها (43%).
ولا شيء للدوران والإحاطة والربط والجمع والحيازة.
ثم أخيراً، ماذا عن حرف الحاء في وسط المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئة وأربعة وأربعين مصدراً يتوسطها حرف الحاء. كان منها عشرة مصادر لأصوات تتوافق معاني معظمها مع صوت الحاء مرققاً مصحولاً به. مع الإشارة إلى أن سبعة منها تبدأ بحروف ذات خصائص صوتية أصلاً. هي:
زحر. صحِل صوته. ضحِك. طحر. نحم (سعل). قحب الجمل (سعل). ...نحب الباكي. نحط (زفر من جهد أو غيظ). محَّط الوتر (أمرَّ عليه أصابعه ليصلحه).
وكان منها ستة مصادر لمشاعر إنسانية تتوافق مع صوت الحاء مشدداً مع شيء من الحدَّة. هي:
أحِن عليه ووحِن (حقِد وغضِب). الذحل (الحِقد). التَحَطَ (غضِب). محَتهُ (ملأه غضباً). الوَحْر (الحقد, الغيظ، أشدّ الغَضب).
وكان منها سبعة مصادر تدل معانيها على الرقة والنقاء بما يتوافق مع صوت الحاء مرققاً ومرخماً. هي:
بحُت (خلص ولم يخالطه غيره). التُّحفة (الطرفة). الرُّحاق (الخمر الخالص الصافي منها). الصحو. الضُّحى. محض الشيء (خلص من عيوبه). الوحي.
وكان منها مصدر واحد للحرارة. هو: جحم النار (أوقدها).
وكان منها مصدران اثنان للميل. هما:
بحدل الرجل (مالت كتفه). لحد (مال عن الطريق القصدِ، ولحد السهم عدل).. ولاشيء للدوران والإحاطة وكان منها ثمانية وثلاثون مصدراً تدل معانيها على الشدة والقطع والقشر، بما يتوافق مع صوت الحاء مشدداً مع شيء من الحدّة والزلق. ولكن يلاحظ أن ستة وعشرين منها قد شاركت فيها حروف (الجيم والدال والزاي والقاف والكاف). منها:
بحث الأرض (حفرها). بحر الأرض (شقها). جحدره وجحفله وجحله (صرعه). جحف الشيء وذحجه. وسحجه وسحقه. وسحاه سحواً ومحج العود ومحش الجلد وقحف الشيء بمعنى (قشره). دحبه، ودحقه، ودحره، ودحقبه ودحمه بمعنى (دفعه). دحرج الشيء، ودحدره. ودحمله. وزحلقه بمعنى (دحرجه). زحمه (دفعه في مضيق). سحنه وصحنه وكحصه بمعنى (دقّه). محن فلاناً (عذّبه أشد العذاب). نحسه (أجهده وأضرّه).
ولاشيء للدوران والإحاطة والفتل والجمع والحيازة وما إليها، وقد بلغت نسب تأثيرها في معاني المصادر (41%).
في مناقشة خصائص الحاء الصوتية على واقع معاني المصادر التي شاركت في تركيبها.
أولاً- في المصادر التي تبدأ بحرف الحاء:
آ- لقد بلغت نسبة المصادر التي تأثرت بالخصائص الصوتية للحاء المرققة والمشددة، مما يدل على مشاعر إنسانية وأصوات ومايشير إلى الرقة والكياسة والجمال (22%). فقط، وهي نسبة ضعيفة.
ب- أما المصادر التي في أوزانها رشاقة وفي حروفها رقة، مما يدل على الشدة والقطع والقشر والبالغة (11%)، فمن الممكن أن نعزو معانيها بكثير من التسامح إلى كيفية النطق بصوت الحاء حاداً حيناً، ومع الزلق والزحلقة حيناً آخر.
ولكن مايثير الدهشة حقاً،’ أن يكون ثمة اثنان وستون مصدراً تدل معانيها على الميل والانحناء والفتل والدوران والربط والإحاطة والجمع والحيازة، في أسرة من المعاني يجمع بينها حَدْس مشترك من حركة تدور حول محور، منها مالم تكتمل حركته فظل في مرحلة الميل والانحناء والاعوجاج، ومنها مااكتملت حركته فأخذ صوراً من الفتل والدوران والإحاطة والجمع والعقد والربط والحيازه.
فهل جاءت هذه المعاني التي بلغت نسبتها (20%). اعتباطاً وخبط عشواء؟
أم أن ثمة علاقة ما، بينها وبين كيفية التلفظ بصوت الحاء في مقدمة المصادر إيماء وتمثيلاً مما لم تألفه أسماعنا الحضرية؟
وهكذا ترتفع نسبة تأثير الحاء في معاني المصادر التي تبدأ بها مع المحاباة إلى (53%).
ثانياً- في المصادر التي تنتهي بالحاء:
1- لقد بلغت نسبة المصادر التي تدل معانيها على مشاعر إنسانية وأصوات، وما يتعلق منها بالرقة والصفاء والجمال، مما يتوافق مع صوت الحاء مرققاً أومشدداً (24.4%).
2- وبإضافة مايدل منها على الشدة والقطع والقشر، مما لم يشارك في تراكيبها حروف الشدة والقوة، وكذلك مايدل على الحرارة والميل، ترتفع هذه النسبة إلى (41.6%)/.
ثالثاً: في المصادر التي يتوسطها حرف الحاء:
1- بلغت نسبة المعاني الدالة على المشاعر والأصوات والرقة والصفاء (14%).
2- وبإضافة معاني الشدة والقطع مما لم يشارك في مصادرها حروف الشدة والغلظة، وكذلك مايدل على الحرارة والميل ترتفع هذه النسبة إلى (41%).
في الخلاصة:
1- على الرغم من التسامح الذي أبحته لنفسي في اختيار المصدر الجذر والمعنى الأصل في الأمثلة السابقة، بمعرض تقصي خصائص صوت هذا الحرف الحرون، فإنه لم يؤثر في معاني المصادر التي شارك في تراكيبها إلا في نسب على التوالي (23- 19- 16%) هذه النسب تؤهل حرف الحاء لزعامة الحروف الضعيفة الشخصية. ولكن بضم الإضافات المذكورة آنفاً ترتفع هذه النسب إلى (53-41-41 %). وهي في غاية الاعتدال.
2- لَئِنْ كنت عثرت على ستة مصادر فقط لمعنى (الميل) في المصادر التي يتوسطها حرف الحاء والتي يقع في نهايتها، فأنني لم أعثر فيها على أي مصدر يدل على الفتل والدوران والإحاطة والجمع والحيازة، وهذا يقطع بأن هذه الخاصية في حرف الحاء، بفرض صحتها في بداية المصادر، ترجع إلى طريقة التلفظ بصوته إيماءً وتمثيلاً، لا إيحاءً، وهذا يتعارض مع ماذهبت إليه من أنَّ معاني الحروف الشعورية الحلقية، إيحائية لا إيمائية.
فهذه المعاني من الدوران والجمع وما إليها من الأحداث تتوافق مع واقع إحاطة جوف الحلق بالنفَس عند التلفظ بصوت الحاء مشدداً عالي النبرة مع شيء من التفخيم، وذلك قريب مما سنلحظه من هذه الوقائع مع حرف العين كما سيأتي.
وسيجد القارئ في دراستي الثالثة (حروف المعاني بين الأصالة والحداثة) مايدعم هذه الدراسة على واقع المراجع (الصرفية- النحوية) بما يقطع كل الشكوك ويدحض جميع التهم التي أثيرت سذاجة أو كيداً حول فطرية اللغة العربية وأصالتها.
3- حرف الهاء
مهموس رخو، يشبه رسمه في السريانية شكل الهاله. يقول العلايلي عنه: إنه (للتلاشي). وهو تعريف مبهم.
ولقد اختلف علماء اللغة العربية في موقع مخرجه من الحلْق. فمعظمهم جعله في أوله داخلاً قبل أي حرف آخر، وقلة منهم كالخليل بن أحمد الفراهيدي وابن سينا والعلايلي، قد جعلته بعد حرفي العين والحاء، وهذا الاختلاف يرجع إلى كيفية التلفظ به. فمن أشبع صوته وزاد في توتره وارتفاع نبرته، يلاحِظ أن مخرجه الصوتي يقع فعلاً في أول الحلق، أما من خفَت بصوته ورقَّقه، فلابد أن يلاحِظ أن مخرجه يقع بعد حرفي العين والحاء.
وللفصل في هذا الاختلاف، لابد أن نرجع إلى المعاجم اللغوية، على غرار مافعلنا بصدد كل خلاف وقع حول مخارج أصوات الحروف، كما مر معنا. فإذا غلب على معاني المصادر التي تبدأ بهذا الحرف طابع الشدة والفعالية والاهتزاز، بما يتوافق مع صوته مشبعاً مضغوطاً عليه، عالي النبرة، كان مخرجه في أول الحلق داخلاً، أما إذا غلب على معانيها طابع الضعف والرقة والوهن، بما يتوافق مع صوته مخفوتاً به مرققاً، كان مخرجه بعد حرفي العين والحاء، كما قال الفراهيدي.
ولكن قبل ذلك، أرى من المفيد أن نعرف كيف اهتدى الإنسان العربي إلى وظيفة صوت هذا الحرف الذي لاشبيه له في الطبيعة.
إن صوت حرف الهاء باهتزازاته العميقة في باطن الحلق يوحي أول مايوحي بالاضطرابات النفسية. وإذن لابد أن يكون الإنسان العربي قد اهتدى إلى صوت هذا الحرف للتعبير عفوياً‌ عن اضطراب نفسي معين قد أصابه، أو أن يكون قد اقتبسه عن صوت إنسان كان اعتراه مثل هذا الاضطراب النفسي.
ولكن ما أكثر أنواع الاضطرابات النفسية، فأيها هو الذي يتوافق مع موحيات صوت الهاء؟
إن الإنسان المنفعل الذي يدخل في حالة يأس أو بؤس أو حزن أو ضياع ولو لعارض مفاجئ، لابد أن تنقبض معها نفسه، فينعكس ذلك على جملته العصبية. وتبعاً لذلك لابد أن ينقبض لها بدنه بما في ذلك جوف الصدر وأنسجة الحلْق. وهكذا عندما ينطلق النَّفسَ الهيجاني المشحون بمثل هذه الحالات النْفسية من جوف الصدر إلى مخرج الهاء في جوف الحلق ليتحول إلى صوت، لابد له أن يرتعش على شكل اهتزازات توحي بالحالة النفسية التي تعرَّض لها صاحب هذا الصوت.
وهكذا يبدو أن العربي قد اقتبس صوت الهاء من مادة هذا الصوت الهيجاني المضطرب المهزوز للتعبير عن تلك الاضطرابات والانفعالات النفسية التي عاناها هو، أو عاناها غيره على مشهد منه ومسمع.
ولكن عندما تتأصّل تلك الحالات في نفْس صاحبها لأسباب عاطفية عميقة الجذور من فواجع موت أو حب، أو لظروف قاهرة من يأس دائم وأسى مقيم، وما إليها من دواعي البؤس المتحكِّمة في النْفس، لابد لطبيعة الانقباض بالذات أن تتحكم في جملته العصبية، ليصبح صوت مثل هذا الإنسان هائي الطبيعة والمخرج الصوتي معاً.
وهكذا فإن الأصوات الغنائية التي لها في الأصل خصائص الهاء المخفوت بصوتها، إنما هي أشجى الأصوات وأبلغها في التعبير عن مشاعر اليأس والبؤس والهجران (خضيري أبو عزيز العراقي، فريد الأطرش السوري بعد وفاة شقيقته اسمهان).

ولكن هل تقتصر الايحاءات الصوتية للهاء على مشاعر الحزن والياس والشجى، وما إليها، على مثال الأصوات الغنائية ذات الطابع الهائي؟
إن الايحاءات الصوتية للهاء تختلف بحسب كيفية النطق بها:
1- فإذا لفظ صوتها مشبعاً مشدداً عليه، أوحت الاهتزازات المتوتِّرة بالاضطراب والاهتزاز والسحق والقطع والكسر والتخريب، وبما يماثلها أيضاً من الأصوات الشديدة التوتر العالية النبرة. وفي هذه الحال يكون مخرج صوت الهاء في أول الحلق داخلاً قبل أي حرف آخر.
2- وإذا لفظ صوت الهاء باهتزازات رخوة مضطربة، أوحى بمشاعر إنسانية من حزن ويأس وضياع وبما يحاكيها من الأصوات الرقيقة، ومخرجه في هذه الحال يكون بعد العين والحاء.
3- وإذا لفظ صوتها مخففاً مرققاً مطموس الاهتزازات، أوحى بأرق العواطف الإنسانية وأملكها للنفس، فيكون مخرجه أيضاً في أول الحلق، أقرب مايكون من جوف الصدر.
4- أمَّا إذا لفظ صوتها بطريقة تهكمية (كوميدية) مخنخناً به ولو بصورة مضمرة، كان أوحى أصوات الدنيا بالاضطرابات النفسية، وبما يُضحِك من مظاهر الخبل والهتر والتشوهات العقلية والجسدية، ويكون مخرجه بعد العين والحاء.
وهكذا يتحول صوت الهاء (المأساوي) أصلاً وطبيعة إلى صوت (كوميدي) إن صح التعبير. ولا فارق بين الصوتين، إلا كيفية النطق بهما، وقيد شعرة بين المخرجين، مخنخناً أو غير مخنخن. وما أكثر الخصائص الصوتية في حرف الهاء تنوعاً وتناقضاً.
فهل يرجع ذلك إلى خاصية الاهتزاز في صوت الهاء؟
إن صوت الزاي أشد اهتزازاً منه، ومع ذلك فإن معاني المصادر التي تبدأ بالزاي ظلت ملتزمة بما هو محسوس مادي من مظاهر الشدة والفعالية والاضطرابات والأصوات الحادة، ولاشيء للمشاعر الإنسانية، كما مر معنا.
وفي الحقيقية، إن الفارق بين الموحيات الصوتية لحرفي (الزاي والهاء) يرجع إلى موقع المخرج الصوتي لكل منهما، وإلى طبيعة الأعضاء التي تحدثه.
فالاهتزازات الصوتية (للزاي) تحدث في آخر المدرج الصوتي بعيداً عن أي انفعال يعتمل في جوف الصدر. كما أن المخرج الأساسي لهذا الحرف يقع بين طرف اللسان، لا أرشق حركة وبين صفحتي الثنيتين العُلْوِيتَين، ولا أقسى مصداً، ولذلك فإن الإيحاءات الصوتية لهذه الاهتزازات ظلت محصورة ضمن نطاقها المادي المحسوس من المعاني التي تحاكيها رشاقة حركة، وصلابة أحداث، وحِدَّة أصوات من دون أن تتجاوزها إلى النطاق الشعوري.
أما الاهتزازات الصوتية للهاء، فهي تحدث في الحلْق قريباً من جوف الصدر،’ لا أرق أنسجة، ولا أكثر حساسية. ولذلك فإن هذا الموقع الممتاز لمخرجها قد جعل اهتزازاتها الصوتية أكثر عرضة للتأثرّ المباشر بمختلف الانفعالات. التي تجيش في الصدر، من حِدَّة وقساوة، أو حزن وأسى، أو تهكم وسخرية، أو رقة وشفافية.
كما أن الرقة المتناهية في أنسجة مخرجه في الحلق قد جعلته أكثر طواعية لإرادة الناطق به وأسلس قياداً، فمنحت صوته المهتز قدرة فائقة على التكيف مع الحالات النفسية والمشاعر الإنسانية التي تعتمل في نفس صاحبها، ومع مختلف المعاني المعبَّر عنها.
ولما كان صوت الهاء بحسب طبيعته وكيفية النطق به، هو أقدر الأصوات على التعبير إيحاءً عن مشاعر اليأس والأسى والشجى، وعن الاضطرابات والتشوهات والعيوب العقلية والنفسية والجسدية، فإننا كثيراً مانرى أن العربي قد اعتمد مصدراً ما، أو واحداً من مشتقاته لمثل هذه المعاني، وإن كان هذا المصدر قد أبدِع أصلاً للتعبير عن معنى مادي محسوس آخر.
وإذن، فالصعوبة في دراسة هذا الحرف تتجلى في إشكالات اعتماد المصادر التي يشارك فيها، ثم في اختيار معنى كل منها.
فأيٌّ هو المصدر الجذر الذي ينبغي اعتماده؟
وأيٌّ هوالمعنى الأصل الذي ينبغي اختياره؟
فهل نعتمد المصدر الألصق نشأة بفطرة الإنسان العربي، فنختار المعنى الحسي من مختلف معانيه ومعاني مشتقاته. وذلك جرياً على القاعدة الفطرية التي درجنا عليها في دراسة معظم الحروف السابقة.
ولكن هذا الحرف الشعوري بغض النظر عن المرحلة الحياتية التي أبدعه العربي فيها، فإنه قد استثمر خصائصه الصوتية للتعبير عن حالاته ومعانيه في مرحلة (رعوية شعرية) كانت أكثر رقياً وتطوراً.
ولذلك رأيت من الدقة والأمانة في دراسة هذا الحرف أن لا أتقيد دائماً بالقاعدة السابقة، على أن أشير كلما اقتضى الأمر إلى المصدر ذي المعنى الحسي إلى جانب المصدر المعتمد. وللقارئ أن يأخذ باختياري أو لايفعل، فيعدِّل من نتائج الدراسة بمقدار مايُسقط من هذه الاختيارات.
وبتمحيص معاني المصادر التي تبدأ بهذا الحرف تبين لي أنه لا يكاد يوجد مصدر واحد منها دون أن نجد علاقة وثيقة بين معناه وبين إحدى خصائص الهاء الصوتية تبعاً لكيفية النطق بها.
فمثلاً في المصادر التالية:
هجد (نام. صلّى بالليل). هدى هَديا وهِداية (استرشد). هاد هوداً (ناب ورجع إلى الحق). هاء إليه هيئة (اشتاق).
نلاحظ أن الحروف المشاركة للهاء فيها هي (الجيم والدال والهمزة). وهذه الحروف كما مر معنا في دراستها تتجافى خصائصها الصوتية قطعاً مع كل مايمت إلى المشاعر الإنسانية بأي صلة. كما أن معاني هذه المصادر من حالات الطمأنينة وصفاء النفس ورقة المشاعر، تتناقض أيضاً مع الخصائص الصوتية لحرف الهاء الذي اختص أصلاً باليأس والشجى.
وإذن فإن هذه المعاني وماشاكلها من هوى وهيام هي مدينة ولا شك إلى كيفية النطق بصوت الهاء. فإذا لفظ مرققاً مخففاً مخفوتاً به، وخرج عميقاً من جوف الصدر في أول الحلق، لابد أن تتلاشى بذلك اهتزازته الصوتية مع النفَس المبعثر، فيختفي التخريب فيه ويغيب التشويه عنه ويضمحلُّ الاضطراب.
ودفعاً لأي تُهمة من التحيز في تطويع المعاني وقسرها لصالح خصائصه الصوتية، رأيت أن أستشهد بأكبر عدد من الأمثلة بمعرض البرهان على كل خاصية منها، كما رأيت أن أتتبع الهاء في نهاية المصادر وفي وسطها للتأكيد من مدى رسوخ خصائصها الصوتية في معاني المصادر التي تشارك فيها.
وقد يرى البعض في ذلك شيئاً من التطويل المملَّ، ولاسيما والكثير من هذه الأمثلة هو من غرائب الكلم لفظاً وتركيباً قد تجاوز العصر أغراضها ومراميها قروناً عديدة.
ولكن بعض الصبر، وسيجد القارئ أنها فرصة فريدة تتاح له مع الهاء كي يطلع على خبرة الإنسان العربي في تشخيص مختلف الاضطرابات والتشوهات والعيوب والأمراض النفسية والعقلية والجسدية والاجتماعية بصدق فراسة ودقة ملاحظة، مما لا يحيط به اليوم أي طبيب متخصص بالأمراص العصبية. كما ستتاح له فرصة مماثلة لمعاينة براعة الإنسان العربي في اختيار الحروف المتنافرة والتراكيب المضطربة في صور صوتية ساخرة من الألفاظ النشاز للتعبير عن هذه الحالات النشاز أيضاً، مما لايستطيعه أي رسام كاريكاتوري معاصر.
أما أنا، فستتاح لي مناسبة جديدة أخرى لتذكير القارئ بالعلاقات الأصيلة المتبادلة بين القيم الجمالية والقيم الأخلاقية بمعرض تعبير العربي عن أمثال هذه العيوب، بما يتوافق معها من الألفاظ النشاز، ولعله قد يخرج من دراسة هذا الحرف وهو أكثر قناعة بأنه: (لافن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن). مقولة كانت هي الدافع الحقيقي لقيامي بهذه الدراسة المضنية عن أصوات الحروف العربية.
ولكن ما رأى المعاجم اللغوية في كل ذلك؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وثمانين مصدراً تبدأ بحرف الهاء، كان منها سبعة وسبعون مصدراً تدل معانيها على الاضطرابات والعيوب النفسية والعقلية والأخلاقية، بما يتوافق مع صوت الهاء رخواً مخنخناً به بعض الشيء، وبذلك يقع مخرجه بعيداً قليلاً عن أول الحلق. منها:
الهبيت (الجبان الذاهل العقل من هبت، لان واسترخى). هبرم وهترم (أكثر الكلام). الهبنّغ من النساء (الفاجرة لا ترد يد لامس من هبغ رقد بالنهار). الهُبَكة (الأحمق). الهَبل. الهِبلَّع (اللئيم). الهَبَنّك (الأحمق الضعيف). هتر (حمُق وجهل). الهُتْكة (الفضيحة من هتك الثوب، شقه). هثّ (كذب). الُهجأة (الأحمق من هجأ الشيء، انقطع). هجر المريض (هذي من هجر، تباعد). رجل هِجرس (لئيم الهِجرس هو القرد أو الثعلب). الهَجْرع (الأحمق). الهِجْزع (الجبان). هجلت المرأة بعينها (أدارتها) تغمز الرجال من هجل بالشيء، رمى به). هجُن الكلام (صار معيباً من هجنت الصبية، تزوجت قبل البلوغ). الهِجاء (السب وتعديد المعايب). هذر الرجل في منطقه (تكلم بما لا ينبغي). هرأ فلان في منطقه (أكثر الخطأ والقبيح في كلامه). الهرب. هرج في الحديث (أفاض فيه وخلَّط). هرِش فلان، (ساء خلُقه من هارش الكلب، قاتله). هرط في الكلام (خلط وسفسف من هرط الشيء، مزّقه). هرف الرجل (هذي من هرفت الريح فلاناً، استخفته وجعلته يمشي بسرعة). هرمز الرجل (لؤم). هرمط الرجل عِرض فلان (وقع فيه). هثّ (كذب من هثّ الأشياء، خلط بعضها ببعض). الهَيعرة (الفاجرة النزقة من هيعر، خفّ وطاش). الهيفك من النساء (الحمقاء من تهفّك، اضطرب واسترخى في المشي). تهقّع الرجل (جاء بأمر قبيح). الهقلس (السيء الخلق من الناس). هكب فلاناً وبه ومنه (استهزأ). هقي فلان هقياً (هذي فأكثر). الهكيك (المخنث). تهكم به (استهزأ به واستخف). هاكاه (استصغر عقله). هلب فلاناً بلسانه (نال منه نيلاً شديداً من هلب الفرس، نتف شعر ذنبه). الهُلابج (الأحمق الذي لا أشد منه حمقاً). الهَلائث (السَّفِلة من الهلاث، الاسترخاء يعتري الإنسان). هلس هُلاساً (سُلب عقله). الهِلّوس (الثقيل الجافي). الهِلَّكس (الدنيء الخلق). الهمَج (الحمقى من الهمج، ذباب صغير يقع على وجوه الغنم والحمير). همزه (اغتابه وغض منه). همش الرجل (أكثر الكلام في غير صواب). همط (خلّط وأتى بالأباطيل). الهِمَّق (الأحمق المضطرب). الهَملَّع ( مَنْ لا وفاء له). هِنب (بلُه وحمُق). الهَنْبَثة (الاختلاط في القول). الهِنْبَص (الضعيف الحقير الرديء). الهُنْبُع (المرأة الحمقاء، أو الفاجرة). هنفت المرأة (فجرت). الهَوْب (الأحمق المهذار). هوج (حمق). الهوَس (طرف من الجنون من هاس، طاف بالليل في آخره). هوِك الرجل (حمُق وفيه بقية من عقل). هاش فلان هيشاً (أكثر من الكلام القبيح من هاش القوم، هاجوا). الهَيضة (معاودة الهم والحزن من هاض العظم، كسره بعد ماكاد ينجبر). اهرمّع الرجل (كان سريع البكاء والدمع).
وكان منها اثنان وأربعون مصدراً تدلُّ معانيها على التشوهات والعيوب الجسدية في شكل أو مشية أو حركة نابية، بما يتوافق مع صوت الهاء، رخواً مخنخناً به بعض الشيء، منها:
تهبرس وتهطرس (تمايل في المشي وتبختر فيه). هبع الحمار (مشى مشياً بليداً)، هبرج (خلط واضطرب في مشيته). هتهت في كلامه (أسرع فيه فالتوى لسانه). هجَّت العين هجّاً (غارت)، الهِجَفُّ (الطويل الضخم لاغَناء عنده)، الهُجَّنف (الطويل العريض). الهِدَبْل (الأشعث الذي لا يسرح رأسه ولا يدهنه). هدج فلان (مشى متثاقلاً في ضعف ومنه الهودج). الهربذى (مشية فيها اختيال وعجب). هرجل (اختلط مشيه). الهِرشِن (الواسع الشدقين). هرِص (جرب جرباً يابساً). الهِرطال (الرجل الطويل العظيم الجسم). الهُراكل (الجسيم الضخم من الرجال والحيوان). هرملت العجوز (بليت كبراً وخرقت). الهيشر (الرخو الطويل من الرجال من هشر الناقة، حلب ما في ضرعها جميعاً). هصا هصواً (أسنَّ وكبر). هضب الرجل هضباً (مشى مشية البليد من الدواب). الهضْلاء من النساء (الطويلة الثديين وهذا عيب في نظر العربي، على العكس من الأفريقي الأسود). الهَطلَّع (الجسيم المفرط في الطول مما يدعو إلى الاضطراب في الحركة).الهِقَبُّ (الضخم في طول وجسم). الهِقمّ (الكثير الأكل). هكّلت المرأة (مشت اختيالاً). الهالط (المسترخي البطن). الهِلقام (الواسع الشدقين). الهِنْبض (العظيم البطن). هنبع وهنبل (ظلع في مشيه). الهَيْق من الرجال (الدقيق الجسم المفرط الطويل). الهِرمل من النساء (الهوجاء المسترخية).
وكان منها اثنا عشر مصدراً تدل معانيها على الرداءة والضعة والاهتراء، بما يتوافق مع الهاء مخفوتاً بصوتها، رخواً ومخنخناً به: منها:
الهُباشة (الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة). الهِدْمل (الثوب الخلق). الهرشم (الحجر الرخو). الهش. الهلاك. تهلهل الثوب (رقّ حتى كاد يبلى). الهماليل (الممزق من الثياب). هاص الطير (رمى بسلحه).
وكان منها أربعة وثلاثون مصدراً تدل معانيها على أصوات يمكن تصنيفها في فئتين اثنتين:
آ- الأصوات التي فيها رقة أو ضعف أو تدل على حزن بما يتوافق مع صوت الهاء مرققاً مخففاً، وعددها ثمانية عشر، هي:
هتَّ الماءُ (سُمع له صوت عند صبه). هتفت الحمامة وهدلت (صوتت). هتْمل (تكلم بكلام خفي). هدهد الطائر (قرقر). هرنفت المرأة (بكت وتكلمت في ضعف). وهرنف الرجل، (ضحِك في ضعف قد أسند الضحك للرجل لأن البكاء يعيبه). هرهر الشيء (أحدث صوتاً ضعيفاً). هزِج (تغنَّى). هسهس الرجل (أحدث صوتاً ضعيفاً). هطف الراعي (احتلب فسمع صوت اللبن عند الحلب). هفّت الريح (هبّت فسُمع صوت هبوبها). الهمْس (كل خفي من كلام ونحوه). همهم (ردّد الزئير في صدره من همّ وحزن). هنّ هنيناً (بكى بكاءً مثل الحنين). هوّت به وهيَّت (صاح). هَهْ (حكاية صوت للتذكير). تهوّه (تأوه وتوجع).
ب- الأصوات النابية والمستهجنة والغوغائية، بما يتوافق مع صوت الهاء مشدداً، وعددها ستة عشرة. هي:
هأهأ (قهقه). هبِص بالضحك (بالغ فيه من هبِص الكلب، حرص على الصيد وقلِق عليه). هتش الصياد الكلب (حرشه وأغراه بالصيد). هجهج الفحل (شدّد في هديره). هدر البعير (ردد صوته في حنجرته). هرّ الكلب (نبح وكشرّ عن أينابه من هرّ سلحه، استطلق حتى مات). هرمس الناس (صاحوا و***وا). هزر (ضحك من الهِزْر). هزِق في الضحِك (أكثر منه). الهزَق (النزق والخفة). الهزيم (صوت الرعد). الهزمجة (اختلاط الأصوات). همرج (لغط). هند (صاح كالبوم). هاط هيطاً (ضجّ وأ***). هاهى بالإبل (دعاها وزجرها).
وكان منها اثنان وعشرون مصدراً للمشاعر الإنسانية ثمانية عشر منها للحزن والخوف والذل، وأربعة للفرح والهوى والهيام، بما يتوافق مع صوت الهاء رخواً مضطرباً، أو مخففاً مرققاً، هي:
هطر الفقير للغني (تذلّل). هقّ (هرب مذعوراً). أهطع (نظر في ذلّ وخشوع). تهكَّن (تندَّم). هلِع (جزع جزعاً شديداً). هنع (خضع والأهنع هو ابن العربية من مولى). هنِق (ضجر). هاع هوعاً (خاف وجزع)، هال هولاً (خاف ورعب). هابه هيباً ومهابة (حذره وخافه). هاع فلان هيعاً (فزع وجبن). هان هوناً (ذلّ). هاده هيداً (زجره فأفزعه وكربَه). هزأ منه وهزِئ به (سخر منه). الإهساء (حيرة يقع الناس فيها). هاضاه (استحمقه واستخفَّ به). هلّ فلان به، وهاء هوءاً (فرِح). الهوى (الميل والعشق). الهيام (الجنون من العشق).
وكان منها واحد وثلاثون مصدراً تدل معانيها على ماهو محسوس من الاضطراب والارتعاش والتحرك السريع، بما يتوافق مع صوت الهاء مشدداً، منها: هبّت الريح (هاجت). هبا الغبار (ثار وارتفع). هذرم (أسرع في مشيه). هزلم (أسرع في مشيه مقارباً بين خطاه). هزّ الشيء (حركه بقوة). هفّت الريح (هبّت). هرول. هزرع في عدوه (أسرع). هزرق (أسرع). هزع الظبي (عدا عدواً شديداً). هزهز الشيء (كرر تحريكه). هشهش الشيء (حركه). هصت الإبل (أسرعت). همر الماء (انصبّ). همعت العين (دمعت). هملت العين (فاضت وسالت). تهنَّج الجنين (تحرك في بطن أمه). الهُوف (الريح الهوجاء، حارة أو باردة). هات الشيء (تحرك). هاش القوم هوشاً (هاجوا). هاده هيدا (حركه). تهطلس الرجل (هرول واحتال في طلب اللص).
وكان منها واحد وثلاثون مصدراً لمعاني التخريب والقطع والسحق والكسر بما يتوافق مع صوت الهاء ملفوظاً بشدة وحِدَّة. منها:
هتم الشيء، وهتاه، وهشم الشيء الأجوف، وهصر الشيء، وهصمه، وهاضه، وهضمه بمعنى (كسره). هبر اللحم، وهدب الشيء وهذاه بالسيف هذواً، وهزبره بمعنى (قطعه). هذّ الشيء هذا وهذذا وهذأة وهذمه بمعنى قطعه سريعاً). هتم الشيء، وهرسه، وهمق السويق، وهمك البطاطس بمعنى (دقه وسحقه وهرسه). هدّ البناء، وهدمه، وهورّه، وهبره بمعنى (هدمه). هثهث الشيء (وطئه شديداً). هرت الشيء (شقه ليوسعه). هرد الثوب (شفه ومزقه). هرض الثوب (مزقّه). هدغه، وهمغه (شدخه). هصّ الشيء (وطئه فشدخه). هلت الشيء (قشره).
نتائج:
1- بلغت نسبة المعاني الدالة على الاضطرابات والعيوب النفسية والعقلية والجسدية (43.5%)، وكان للرداءة والضعة، ولما هو ناب ومستهجن من الأصوات، وللحزن والفزع والذل والحيرة (17.5%). بما مجموعه (61%) وهذا يقطع بأصالة هذه المعاني التي تترافق أصلاً مع (الهاء) المخفّفة كما أسلفنا:
2- بلغت نسبة المعاني الدالة على الاهتزاز والتخريب بما يتوافق مع الهاء المشدّدة التي يقع مخرجها في أول الحلق (31%).
3- وهكذا تتفوق (الهاء) المخففة على (الهاء) المشدّدة بنسبة (61% إلى 31%) بما مجموعه (92%) وهي نسبة عالية.
ولكن ماذا عن الهاء في آخر المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على سبعين مصدراً تنتهي بحرف الهاء، كان منها اثنا عشر مصدراً للرقة ماديها ومعنويها، بما يتوافق مع الهاء المرققة المرخمة، منها:
أبه له (فطن وتنبه). رفه. رفقه. كنه الأمر (أدرك حقيقته). نقه (برئ ولا يزال به ضعف). بره (ثاب جسمه بعد علة). رهره لونه (حسن بريقه ولمعانه).
وكان منها تسعة للشدة دون كسر أو قطع أو سحق، بما هو أكثر توافقاً مع الهاء المشددة، منها:
بدهه (فاجأه). دره عليهم (فاجأهم غفلة). رمِه اليوم وذمِه (اشتد حره) زمِه الحر (اشتد). وَمِهَ النهار (اشتد حره).
وكان منها سبعة للأصوات، ثلاثة للهاء المخففة وأربعة للهاء المشددة. هي:
أيَّه به (صاح به وناداه). فاه بالقول (نطق). قهقه (ضحك، فسمع له صوت). صهصه بالقوم (زجرهم). قهَّ (ضحك). نده (صات). ويْه (كلمة اغراء وحثّ).
وكان منها أربعة عشر مصدراً للاضطرابات والعيوب النفسية والعقلية والجسدية بما يتوافق مع الهاء المخففة المخنخن بها. هي:
أمُه (ذهب عقله). البله. ترِه (وقع في الأباطيل). دلِه (ذهب فؤاده من همٍّ أو عشقٍ أو نحوه). تفِه. تاه توهاً(ضل الطريق). عتِه. سفِه. شرِه. كمه الرجل (عمي). كهّ (هرِم). مته (ضلّ وغوى). شاه شوهاً (قبح). ورِه (حمق).
وكان منها ثلاثة عشر مصدراً لمشاعر إنسانية: أحد عشر منها لمشاعر سلبية من حزن وألم وحيرة، بما يتوافق مع الهاء المخففة. هي:
الِه ألهاً (تحيّر). أهَّ (توجع وتأوه). آه أوهاً (للتوجع والحزن). فهّ فهاهة (ذلّ من عِيٍّ وغيره). الكره. ولِه (حزِن حتى ذهب عقله). الوهُّ (الحزن). وَهْوَهَ (حزن). العمه (الحيرة والتردد). كوِه الرجل (تحير). شدهه (دهشه حيره).
واثنان منها لمشاعر إيجابية تتوافق مع الهاء المشددة. هما:
تاه تِيهاً (تكبر). فرِه (بَطِرَ وأشِر).
ولم أعثر على أي مصدر يدل على الاهتزازات والاضطرابات المادية، وذلك لأن الهاء لا تلفظ في آخر المصادر إلا مخففة ومرققة، مما يحرمها من مثل هذه الإيحاءات.
ومما يلفت النظر، أن المصادر التي تنتهي بالهاء، مما يدل منها على العيوب والاضطرابات النفسية والعقلية والجسدية، وعلى مشاعر الحزن واليأس والحيرة، كانت جميعاً من أرق الألفاظ نغماً ومبنى، فلا تنافر في أصوات حروفها ولا اضطراب في تراكيبها، مما هو أقرب إلى الألفاظ الشعرية. كما كانت معانيها مجرد تعابير علمية مهذبة عن حالات نفسية أو جسدية معينة، فلا فجور فيها ولا شناعة ولا سخرية ولا استهزاء، ولا مِمّا هو نابٍ عن المألوف، وذلك على العكس مما كان حال هذه الفئة من المعاني مع الهاء في أول المصادر، كما مرَّ معنا.
وهذه الظاهرة الغريبة مع الهاء في آخر المصادر، تدل على قدرتها الذاتية على التعبير عن الاضطرابات والعيوب النفسية والعقلية والجسدية، دونما حاجة بها إلى الاستعانة بتنافر أصوات الحروف واضطراب تراكيب الألفاظ. وهذا مايقطع بأصالة هذه الخصائص الإيحائية في صوت الهاء، ولاسيما ما يدل منها على مشاعر إنسانية سلبية قد بلغت نسبتها )(21%).
وهكذا كانت الهاء المخففة أغلب على معاني هذه المصادر من الهاء المشددة بنسبة (57 إلى 21%) بما مجموعه (78%). وهي نسبة عالية قلَّ أنْ حظي بمثلها أي من الحروف.
ثم أخيراً، ماذا عن حرف الهاء في وسط المصادر؟
هل ستظل كفة الهاء المخففة هي الأرجح. وهل ستحافظ في هذا الموقع الثانوي من اللفظة على إيحاءاتها المعتادة من الاضطرابات النفسية والتشوهات الجسدية ومشاعر الحزن والخوف والحيرة....؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وأربعة وعشرين مصدراً وما أكثرها؟ كان منها تسعة وعشرون مصدراً للرقة بما يتوافق مع الهاء المخففة. كما كان منها ثمانية وأربعون لمعاني الشدة والفعالية والقطع والقشر والكسر وما إليها، بما يتوافق مع الهاء المشددة، قد شاركت حروف القوة والغلظة، ولاسيما (الدال والزاي والباء والكاف). في تسعة وعشرين منها.
أما الاضطرابات والاهتزازات الحسية فلم يكن لها سوى مصدرين (ارتهز وارتهش بمعنى ارتعش)، وذلك لعلة (الراء). في أول المصدرين.
وكان منها تسعة وثلاثون مصدراً للعيوب والتشوهات الجسدية، مما يتوافق مع الهاء المخففة، منها.
تبهصل (تعرى وخرج من ثيابه). داء البهاق. تهِم الرجل تهماً (خبُثت ريحه). الجهبلة (المرأة القبيحة الدميمة). الدهكر (القصير من تدهكر، تدحرج في مشيه). الدهكم (الشيخ الفاني). رهِل (اضطرب واسترخى). رهيأ (ضعف وعجز وتوانى). الضهياء (امرأة لا تحيض ولا تلد لضمور أعضائها الجنسية). ضهب الرجل (لم يصل مستوى البلوغ، ولم يشبه الرجال في صفات الرجولة). الطهْمَل (الجسيم القبيح الخِلقة). فهفه (عيّ وكلّ لسانه). قهل جلده (قشف ويبس) قهِم (قلَّت شهوته للطعام من مرض أو غيره). قهي قهيا (لم يشته الطعام). الكَهمَس من الرجال (القصير القبيح الوجه). تلهْيع في الكلام (أفرط). مهق (كان لونه ناصع البياض بغير حمرة، وهو لون قبيح). النهبَرة من النساء (الطويلة المهزولة). نهبل (ظلع ومشى كأن أعرج). الوهن. الأيهم (الأصم من الناس).
وكان منها خمسة عشر مصدراً للعيوب والاضطرابات العقلية والنفسية، مما يتوافق مع الهاء المخففة. منها: بهتر ونهتر (كذب). الجهل. الرهدل والرهدن (الأحمق الجبان). رهق (سفِه وحمُق وجهل ومنه المراهق). زهف (ذلّ كذب). السهو. عهر عهوراً (فجر). غهب (غفل عنه ونسيه). يهم يهماً (جُنّ).
وكان منها عشرة مصادر للأصوات تتوافق جميعاً مع الهاء المشددة، هي:
أَهَى (قهقه في ضحكه). بهِص (عطش). جهجه الأبطال (صاحوا في الحرب). دهدق في ضحكه (أساء الضحك). زهزق (ضحك شديداً). سهف الدب (صاح). نهت القرد (صاح). نهق الحمار (يلاحظ في هذا المصدر اجتماع النون للرنين والهاء للاهتزاز والقاف للانفجار الصوتي فكان النهيق أنكر الأصوات قاطبة). نهم الأسد (صوت). يْهيَهَ بالإبل (صاح).
وكان منها اثنان وعشرون مصدراً لمشاعر إنسانية، منها ثلاثة عشر لمشاعر سلبية معظمها للهاء المشددة وهي:
بهره وبهته (أدهشه وحيَّره). جهث (استخفه الفزع أو الغضب أوالطرب). جهشت نفسه (تحركت وهمّت بالبكاء). دهشه (حيّره أذهب عقله). الداهل (المتحيّر) رهبه (خافه). زهد فيه (أعرض عنه احتقاراً). ضهده (أذله وظلمه). كهي (جبن وضعف). لهف (حزن). وهل (جبن فزع) سهجر (عدا عَدْوَ فَزَعٍ).
ومنها تسعة لمشاعر إنسانية إيجابية، معظمها للهاء المخففة، هي:
بهأ به بهئاً وبهوءاً (أنس به وأحب قربه). بهجه (أفاض سروره). بهش إليه (ارتاح). ذهِل (تدلّه وغاب عن رشده لعشق). زهَل (اطمأن قلبه). زها زهواً (تاه وتعاظم وافتخر). شهاه (أحبه ورغب فيه). لهي به لها (أحبّه) تجهضم (تغطرس وتكبر).
فكان للهاء المخففة نسبة 45% وللهاء المشددة 29% بما مجموعه 74% لتتغلب الهاء المخففة أيضاً على المشددة.
في الخلاصة:
1- كانت المعاجم اللغوية لصالح الهاء المخففة بنسبة وسطية مقدارها (56 إلى 25%). مع الإشارة إلى أن الهاء لا تلفظ في نهاية المصادر إلا مخففة مرققة وإن كانت معانيها تدل على الشدة والقوة، وذلك بخلاف ماهو حالها في أول المصادر، حيث تلفظ بما يتوافق مع معانيها. أما الهاء في وسط المصادر، فهي تلفظ بين بين، وإن كان في معانيها شدة وفعالية. وبذلك ترجح كفة الهاء المخففة بنسبة وسطية لا تقل عن ثلاثة أمثال، لنخلص من كل ذلك إلى أن مخرج الهاء لا يقع في أول الحلق، تأكيداً لرأي الفراهيدي وابن سينا والعلايلي.
2- بلغ متوسط نسبة تأثير خصائص الهاء في المصادر التي شاركت فيها (81%)، وهي نسبة عالية تجعل هذا الحرف المضطرب المهتز في مقدمة الحروف القوية الشخصية.
3- أما المعاني الدالة على عيوب نفسية وعقلية وجسمية، وعلى مشاعر إنسانية سلبية، وعلى ماهو ناب ومستهجن من الأصوات، وعلى مايدل على التفاهة والضعة، فقد بلغ متوسط نسبتها (43%). وهكذا يكون العربي قد جعل من (الهاء) مصّحاً للأمراض النفسية، ومحجراً للأمراض والتشوهات الجسدية، وما يستتبع ذلك من حالات الضعة والرداءة، على مثال ماجعل من حرف الخاء سلة للنفايات في بنيانه اللغوي الأنيق.
4- ومما يلفت الانتباه في تعامل العربي مع حرف الهاء، كيفية توزع المشاعر الإنسانية على معاني المصادر، تبعاً لموقعه منها:
آ- لقد كان لحالات الخوف والجبن في المصادر التي تبدأ بحرف الهاء ثماني كلمات وفي المصادر التي يتوسطها خمس، ولا شيء لهذه الحالات في المصادر التي تنتهي به.
ب- كان لحالات الحزن في المصادر التي تنتهي به خمس لفظات، وفي المصادر التي يتوسطها اثنتان ولا شيء لها في المصادر التي تبدأ به.
وهاتان الظاهرتان ترجعان فيما أرى، إلى أن حالات الخوف والذعر والفزع والجبن، هي: الأظهر على سيماء الإنسان وملامحه وحركاته، فوضع العربي لها حرف الهاء في أبرز موقع له من اللفظة، أما حالات الحزن والشجى والتوجع، وهي الأخفى في طيات النفس وحشايا القلب، فقد وضع لها هذا الحرف بعيداً عن الأنظار خلف ستائر من أصوات الحروف.
جـ- كان لحالات الحيرة في المصادر التي تبدأ بحرف الهاء لفظة واحدة، وأربع لكل من المصادر التي يقع في وسطها وآخرها، وذلك لأن الحيرة كالحزن تدخل في زمرة الهواجس النفسية الخفية.
د- على الرغم من تنوع المشاعر الإنسانية وتوزعها على سلم طويل متعدد الدرجات من الحالات النفسية التي شملت أيضاً، مشاعر الذل والندم والكراهية والضجر والتحقير والسخرية والفرح والحب والتكبر والغطرسة، فإنني لم أجد أي مصدر منها يدل على الحقد أو الغضب، سوى لفظة واحدة، هي جهث بمعنى (استخفه الفزع أوالغضب أو الطرب)، وبأفضلية الفزع على المشاعر الأخرى.
وذلك، فيما أرى، ليس للتنافر بين موحيات صوت الهاء، وبين حالات الحقد والغضب فحسب، وإنما للتناقض أيضاً بين طبيعة صوت الهاء خلخلة واضطراباً، وبين طبيعة الحقد والغضب حشداً وتجميعاً لهذه المشاعر في النفس، وتوتراً عنيفاً في انفعالاتها.
ولهذا السبب بالذات من التنافس بين طبيعة صوت الخاء، رخاوة واضطراباً، وبين خصائص الحقد والغضب، لم أعثر على معانيها في المصادر التي شارك فيها هذا الحرف إلا في لفظة واحدة، هي: سخطه بمعنى (كرهه، وغضب عليه، ولم يرض عنه). وبأفضيلة الكره على المشاعر الأخرى.
هـ- ولكن مايدعو للغرابة والدهشة أن عثرت في المصادر التي شارك حرف (الحاء) في تراكيبها على تسعة عشر مصدراً لحالات الحقد والغضب من بين خمسة وثلاثين مصدراً لمختلف المشاعر الإنسانية، وصوت (الحاء) هو كما يعلم القارئ، أجمل أصوات الدنيا قاطبة، وأرقها حاشية وأعذبها جرساً، فلماذا؟
وذلك يرجع فيما أرى إلى أن العربي كان يلفظ صوت الحاء بشيء من الحدّة، كما سبق أن أشرت إلى ذلك في دراسته. وهكذا يتجمع النفَس في جوف الحلق ويزداد توتره، مما يجعل طبيعة صوت الحاء الحادة، المتماسكة، متوافقة مع طبيعة الحقد والغضب.
وقد يجد بعضهم في هذه الظاهرة مايتعارض مع الطبيعة الإنسانية: تناقضا بين موحيات الجمال وبين حالات الحقد والغضب.
ولكن الجمال له أسرة حميمة من المفاهيم الثقافية، في مقدمتها عاطفة الحب، وليس بين مشاعر الحب في النفس وبين حالات الحقد والغضب إلا سماكة نسيج عنكبوتي شفاف، قد تثقبه نظرة شذراء، وقد تمزقه لمسة يد خرقاء. وهكذا قد يتسرب الحقد والغضب لأي هفوة إلى منطقة الحب، فيختلط الحب بالحقد والغضب.
هذا هو إنذار الإنسان العربي في حرف الحاء ومعانيه للذين يتعاملون على الطبيعة مع مفاهيم الحب والجمال.
فالحب الذي يقوم على الجمال أعزل من مشاعر الإيمان لا يصمد لتقلبات الأمزجة وظروف الحياة. ذلك أن الحب هو من أسرة المفاهيم الفنية، والإيمان هو من أسرة المفاهيم الأخلاقية، فكما أنه (لافن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن)، فإنه:
(لا حب بلا إيمان ولا إيمان بلا حب). بعضهما يأخذ بعناق بعض ولا فراق.
وهكذا، قد بلغ الإنسان العربي، عفو فطرته السوية، في تعامله الثقافي مع أصوات الحروف الشعورية ومعانيها حساسية سمع ورهافة مشاعر، أعماقاً نفسية لا تقصر عما وصل إليه علم النفس الحديث، إن لم يكن قد بزّه في بعض النقاط.
4-حرف العين
تمهيد:
"أما وقد قاربت رحلتي الشاقة مع أصوات الحروف على نهايتها، فإنَّه يطيب لي أن أتمهل قليلاً في دراسة هذا الحرف، فأتوسع شيئاً ما في تقصي خصائصه، وأتعمق أكثر في سبر أبعادها.
فمن هذا الموقع المطل الذي وصلت إليه مع خصائص أصوات الحروف، أصبحت أقدر على استشفاف المزيد من خصائص صوت العين ومعانيه. وبعد هذا الجهد الطويل مع الحروف الشعوريَّة؛ سبراً لأعماق السمع صدى صوت بعد صدى، وسبراً لأغوار النفس قطاعاً شعورياً بعد قطاع، وسبراً لجوف الحلق مقطع نسيج بعد مقطع، أصبحت أقدر على سبر هذه الأبعاد الثلاثة مع صوت العين.
ولذلك كان لا بد لي من الاستشهاد بالمزيد من المصادر التي شارك حرف العين في تراكيبها، في محاولة صعبة لضبط خصائصه ومعانيه في أبواب محددة. كما كان لا بد لي من مقارنة طبيعية صوت هذا الحرف وطريقة تشكله مع طبيعة أصوات الحروف الشعورية وطريقة تشكلها، وذلك استكمالاً للكشف عن خصائصه الصوتية ومقوماته الشخصية".
تأثراً بما ذهب إليه الفراهيدي وابن جني والعلايلي من أن مخرج العين يقع في أول الحلق داخلاً على المدرج الصوتي، رأيت أن أبدأ دراستي هذه عن الخصائص الصوتية للحروف العربية ومعانيها بحرف العين.
ولكن هذا الحرف الذي قدرت له بادئ الأمر أن يكون فاتحة الحروف، كان لزاماً عليّ أن أجعله خاتمتها. وذلك ليس لأنه آخر ما أبدع العربي من أصوات الحروف، وإنما لأنه يستحيل على القارئ أن يستوعب خصائصه الصوتية وأن يحيط بمشاكلها وإشكالاتها، قبل أن يتعرف أولاً خصائص الحروف جميعاً، ولاسيما الحروف الحلقية، كما سيأتي.
في نشأته التاريخية:
هذا الحرف هو من نتاج المرحلة الرعوية كما جاء في دراستي (الحرف العربي والشخصية العربية) (ص137). ولئن كانت هذه المرحلة قد أنجبت عدداً من أصوات الحروف العربية تلبية لحاجاتها الثقافية المتطورة من معاني السمو والفخامة والصفاء ومختلف المشاعر الإنسانية، فمن المرجح أن حرف العين كان آخر ما أبدعه الإنسان العربي في هذه المرحلة من أصوات الحروف.
فقضية إبداع الأصوات كانت على مر الزمن قضية سيطرة الإنسان على جهاز نطقه، تدرجاً في ذلك من آخر المدرج الصوتي عند الشفتين بالباء والميم وانتهاء بالعين في أول الحلق.
فعلى مقدار ما كان الإنسان يتدرج في المضمار الحضاري، كان مضطراً لإبداع المزيد من أصوات الحروف للتعبير عن مختلف المعاني المستجدة. ولذلك كان الإنسان عبر مراحل التاريخ يجهد للسيطرة أكثر فأكثر على جهاز نطقه لاستخدام المزيد من مساحة مدرجه الصوتي في إبداع أصوات حروف متنوعة الإيحاءات الصوتية والمعاني.
ولما كان النطق بصوت العين هو أعسر ما يكون النطق به من أصوات الحروف العربية جميعاً كما سيأتي، فمن البداهة أن يتأخر رعاة الجزيرة العربية في إبداعه إلى أن يتم لهم ترويض كامل مساحة الجوف الحلقي وإخضاع عضلات أنسجته لإرادتهم.
وهكذا بلغ الإنسان العربي قمة السيطرة على جهاز النطق بإبداع صوت العين في أول الحلق من الداخل، معجزة الشعوب العروبية أي (الساميّة) في النطق، وفي خصائص صوته ومعانيها.
في الاختلاف على مخرجه الصوتي:
لقد اتفق معظم علماء اللغة العربية على جعل مخرج العين بعد مخرج الهاء، وشذّ عنهم الفراهيدي وابن جني والعلايلي فجعلوه في أول الحلق من الداخل قبل مخارج الحروف جميعاً، كما لحظنا ذلك في حرف الهاء.
على أن اختلاف العلماء لم يقتصر على مخرجي العين والهاء، وإنما تعداهما إلى مخارج حروف (الخاء والغين والقاف، والكاف، والضاد، والشين، والتاء، والثاء).
واختلافهم في ذلك يرجع إلى تردد تلفظهم بصوت الحرف الواحد موضوع الاختلاف بين الجهر والهمس، أو الشدة والتخفيف، أو التفخيم والترقيق. وليس لهم ضابط في ذلك إلا السماع الشائع في عصر كل منهم، أو نقلاً عن كتب اللغة، ليظلوا بذلك في موقعهم ذاته من المشكلة دون حل. فكل عالم لغة في عصور التدوين وما بعدها كان يحدد مخارج أصوات الحروف وفقاً لنطقه بها، أو حسب سماعها.
فالحرف الذي يُشبع صوته جيداً، أو يشدّد، أو يفخّم، يتقدم مخرجه إلى الأمام نحو الحلق، ويعلو أكثر نحو سقف الحنك أو سقف الحلق. أما إذا لفظ صوته مرققاً مخفوتاً به، فإن مخرجه يتراجع إلى الوراء ويهبط أكثر إلى أسفل. وهكذا يمكن للحروف المتجاورة أن يتقدم مخرج الواحد منها على الآخر خلافاً للأصول مما يغير من خصائصه الصوتية ومعانيه، ويبعدنا بالتالي عن أصالة اللغة العربية.
وإذن ما هي القاعدة في تحديد المخارج الصوتية للحروف؟
إن الخطأ في طريقة النطق بالحرف لا يؤثر في موقع مخرجه فحسب، وإنما يتعداه أيضاً إلى إيحاءاته الصوتية، ومن ثم إلى المعاني الفطرية للألفاظ التي يشارك في تراكيبها. وإذن لا بد من الرجوع إلى معاني المصادر التي يشارك فيها الحرف الذي وقع الاختلاف على مخرجه، للتثبت من صحة النطق بصوته، كما جرى لي مع حرف الهاء، ومن قبله مع حرف الجيم.
فهل لفظ العربي صوت العين بهمس وخفوت أكثر مما لفظ صوت الهاء، ليظل ترتيب مخرجه بعد مخرج الهاء قائماً معبراً على رأي معظم علماء اللغة أو العكس هو الصحيح؟
فمن المرجح أن ابن سينا قد جعل مخرج القاف قبل الخاء والغين، لأنه أشبع صوت القاف لقوته الانفجارية أكثر مما ينبغي، وخفت بصوتي الخاء والغين لرخاوتهما أكثر مما ينبغي (الأصوات اللغوية ص145). على أنه قد سبق أن تبين لي في دراسة حرف القاف أن العربي لفظه مخففاً بعض الشيء مما يجعل تقديم مخرجه على مخرجي الخاء والغين بلا سند.
وإذن، لحسم الاختلاف حول مخارج أصوات الحروف لا بد من الرجوع إلى مجمل الإيحاءات الصوتية للحرف من جهة، ومن ثم إلى الطابع العام لتأثيره في معاني الألفاظ التي يشارك فيها من جهة أخرى. إذ ليس من الذوق الموسيقي السليم في شيء أن نهمس ونخفت بصوت الحرف القوي الذي فرض معاني القوة والفعالية على الألفاظ التي يشارك فيها، ثم نشبع ونفخم صوت الحرف الرخو الضعيف الذي اختص أصلاً بترقيق المعاني وإضعافها.
ولقد التزم العربي بهذا النهج الموسيقي السليم بمعرض هذه العلاقة الفنية بين أصوات الحروف ومعانيها. وذلك لأن العربي هو نفسه الذي فرض ابتداء بكيفية نطقه بصوت كل حرف، إشباعاً أو خفوتاً، شدة أو رقة، معاني الألفاظ التي شارك فيها. وهكذا نطق بصوت الحرف الذي أبدعه بالكيفية التي توحي بالمعنى المقصود والغرض المراد: تشديداً لمعاني الشدة والقوّة، وتفخيماً لمعاني العظم والفخامة، وترقيقاً لمعاني الرقة والليونة، وخنخنة لمعاني النتانة والخسة والعيوب النفسية والعقلية والجسدية.
هذا جانب من مشكلة مخارج أصوات الحروف التي عانى منها علماء اللغة العربية في القرون الهجرية الأولى وهم أقرب عهداً من عصور اللغة الذهبية، ترتيل آيات فصيحة، ورواية أشعار بليغة ولهجة بدوية بعيدة عن رطانة العُجْمة ورخاوة الحضر.
أما نحن اليوم، فقد بعد الزمان بنا، وضعنا في متاهات من اللهجات العربية، لكل قطر لهجة خاصة في التلفظ بأصوات الحروف، ولكل لهجة فروع عامية، بين حضريها وريفيها وبدويها، لا بل يكاد يكون لكل مدينة وعشيرة وقرية طريقة نطق متميزة. ولولا القرآن الكريم لضاع العرب إبان عصور انحطاطهم في أمم شتى من اللهجات.
ومما يزيد الأمر صعوبة في الاهتداء إلى الطريقة الأصلية في التلفظ بالحروف، هو أن العربي قد فقد اليوم على العموم طابعه الصوتي الأصيل.
ولئن كان علماء اللغة يعزون ذلك إلى الاختلاط بمختلف الشعوب الإسلامية غير العربية، فإني أرى أن بعض ذلك يعود إلى افتقار الحياة الحضرية لدواعي الصلابة وحوافز الهمة في التغلب على مشاق الحياة ومخاطرها. كما يعود أيضاً إلى ما عانى العربي طوال ألف عام من عصور الانحطاط ولا يزال يعاني من مظاهر القلق. وأضاف بذلك إلى رخاوة صوته شيئاً من العتامة والاضطراب أيضاً.
وهكذا قد تسربت الرخاوة إلى صوت الإنسان العربي في عصور الانحطاط، فبهِت رنينه وخبا بريقه، لتتراجع مخارج الكثير من أصوات حروفنا إلى الوراء، وتنطمس موحياتها الصوتية في الأسماع. وما لم يتحرر العربي من قلقه وخنوعه وريائه، فيجهر صوته عالياً بآرائه ومعتقداته، لن يستقيم نطقه أبداً: مصداقاً لقوله تعالى:
 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم(الرعد -10)
فاللغة العربية إنما هي لغة الحرية والأحرار.
وإني لا أزال أذكر حواراً جرى بيني وبين راعي إبل شاب من عشائر (عنزة) في بادية حمص الشامية في أوائل الخمسينيات. فلقد كانت الألفاظ تتناثر من فمه كأنها الدرر، بفصاحة عربية مدهشة، وسرعة لا يكاد السمع يلحق بها. ومع ذلك كان صوته ذو الطابع العيني، ولسانه الرشيق يعطيان كل حرف من حروف ألفاظه حقه الوافي من الإشباع أو الترقيق. وكان حديثه على بساطته، ذكي التعبير، جميل الجرس، لا تزال تتردد في ذاكرتي حتى الآن أصداء صاداته الصقيلة، وعيناته الناصعة، وضاداته النضيرة، وراءاته الرشيقة، ونوناته إالأنيقة، مما لا يحسنه مجوِّد ولا مغنٍّ. وكان صوته يشع بالفرح والصدق والبراءة والعزة، وكأنه فارس نبيل على صهوة جواد أصيل، وليس مجرد راعي إبل في بادية.
فلم ذلك؟.
ألأنَّ هذا البدوي كان فلتة حنجرة مرنانة؟.
ولكن قيل لي يومها: إنها خصائص صوتية وطريقة نطق، قد تميز بهما أبناء عشائر (عنزة) من رعاة الإبل دون سواهم من رعاة الضأن.
وإذن أَوَ يكون ذلك لأن أبناء هذه العشائر لا يتغذون على العموم إلا بالتمر والبرّ وحليب النوق؟.
أم لأنهم يعيشون على الفطرة: هواء نقي، وشمس حارقة، وشظف عيش متحكِّم، دونما قهر اجتماعي، أو نفاق مصلحي ، أو قلق على مصير، جيلاً من رعاة الإبل بعد جيل منذ آلاف الأعوام؟.
قد يكون الأمر لكل هذه الأسباب، ولغيرها أيضاً مما يتعلق بالوراثة والتقاليد والرقابة الاجتماعية على النطق.
إذا كان هذا هو حالي، إعجاباً وافتتاناً بحديث راعي إبل منفي في بطون البوادي، مشرد على هامش الطبيعة والتاريخ، فكيف بنا لو سمعنا حديث الأعراب يوم كانوا سادة أرضهم ومصيرهم وتاريخهم؟.
وإذن، فإن الجاحظ لم يكن مبالغاً ولا بعيداً عن الصواب، عندما قال:
"ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالاً بالعقول السلمية، ولا أفتق للسان، ولا أجود للبيان، من طول سماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء".
وهكذا لم يبق لنا نحن أبناء الحضر من وسيلة لتحديد مخارج أصوات الحروف إلا الرجوع إلى إيحاءاتها الصوتية، ومن ثم إلى تأثيرها في معاني الألفاظ التي تشترك في تراكيبها.
في الخصائص الصوتية المميزة لحرف العين:
صوت هذا الحرف متوسط الشدة. يشبه شكله في السريانية صورة العين. يقول عنه العلايلي: إنه "لخلو الباطن والخلو مطلقاً". وهو تعريف مبهم.
إن صوت هذا الحرف هو نقيض صوت حرف الغين.
فصوت الغين يتشكل بتقبُّض مخرجه في الحلق بشيء من التشنُّج، ثم بتوزع النَفس بفعل هذا التقبض، في دغدغة يوحي معها بغرغرة الموت والظلام والغؤور، كما سبق ولحظنا ذلك في دراسته.
أما صوت العين، فهو يتشكل بتضيُّق مخرجه في أول الحلْق على شكل حلقة ملساء، ومن ثم بتجميع ذبذبات النفس في بؤرة هذه الحلقة. وهكذا لا بد لصوته النقي الناصع أن يوحي بالفعالية والإشراق والظهور والسمو، على العكس مما يوحيه صوت الغين المخرب المحكوك.
ويقول الدكتور إبراهيم أنيس بمعرض تحليل صوت العين: إنه (من حيث انعدام حفيفه، أقرب من الميم والنون واللام، ومن حروف اللين: "الألف والواو والياء". (الأصوات اللغوية ص88).
وأنا لو أخذت بهذا النهج في تحليل صوت العين لكان بإمكاني أن أزيد على ذلك: إن هذا الصوت من حيث صفاؤه ونقاؤه يمت بقرابة مماثلة إلى حرف الصاد، ومن حيث فخامته فهو غير بعيد في قرابته عن حرف الضاد. أما من حيث توتره الصوتي، فهو ألصق طبيعة بحرف الزاي شدة وفعالية.
ليبدو صوت العين بذلك وكأنه مزيج من خصائص أصوات هذه الحروف كلها. من متانة اللام وتماسكه، وصفاء الصاد وصقله، ونقاء النون وأناقته، ومن فخامة الضاد، وفعالية الزاي، ومرونة الألف والواو والياء.
وهكذا كان حرف العين أكثر الحروف أرستقراطية، قد جمع إلى نفسه خلاصة ما في خيار أصوات الحروف العربية من خصائص ومعان. وذلك على مثال ما في معدن الذهب من الأرستقراطية. له من الفضة أنصع ما فيها من صفاء وصقل ورنين، وله من النحاس أنقى ما فيه من صفرة، لا يجاريه في ثقله النوعي معدن، وهو إذا ما رقق في أسلاك، كان في ليونته ومرونته كخيط من حرير.
على أن هذه المادة الصوتية النبيلة في حرف العين، بدل أن يخصصها العرب الرعاة للتعبير عما أبدعت له من معاني السمو والصفاء والعزة، فإنها لعلة مرونتها وقابليتها للتكيف، قد أساؤوا استخدامها في كثير من معاني الغلظة والفجاجة والعيوب الجسدية والنفسية. وذلك على مثال ما وقع لمعدن الذهب. فبدل أن يخصص لصناعة أدوات الزينة والحلي، فإنه لعلَّة مرونته وقابليته للتداول ونفاسته، قد أسيء استخدامه في أعمال الغواية والخداع وشراء الضمائر على مدى التاريخ.
ولكن الصوت الغنائي ذا الطابع العيني، سيان كان صاحبه رجلاً أم امرأة، ظل على مر الزمن أصلح الأصوات قاطبة للتعبير عن مختلف المشاعر الإنسانية، من حب وحنين وخشوع ونخوة وسمو وعزة نفس، بحرارة وصدق أصوات الحروف المختصة أصلاً بهذه المشاعر. وذلك لما يتمتع به هذا الصوت الذهبي المرنان، من مرونة وعذوبة وصفاء ونقاء وفخامة (أم كلثوم. عبد الوهاب في شبابه. فيروز. وديع الصافي الحرف العربي والشخصية العربية ص256).
وهكذا بتوافق خصائص العين مع خصائص أصوات الكثير من الحروف قد سهُل عليه أن يتعاون مع الحروف العربية جميعاً، ضعيفها وقويها. رقيقها وغليظها، ما عدا حرف الحاء للاستثقال، وحرف الغين للتناقض في الخصائص والمعاني.
وحرف العين في تعامله مع الحروف، إما أن يشّدها إلى تحقيق خصائصه الذاتية، من الفعالية والقوة والصفاء والفخامة والسمو، وإما أن ينساق معها للتعبير عن مختلف خصائصها الحسية والشعورية، وإن تناقضت أصلاً مع خصائصه. ولكن ليضفي على معاني الألفاظ التي يشارك في تراكيبها في الأعم الأغلب، كثيراً من الفعالية والعيانية والظهور.
فالعشق هو الظاهر من الحب الخفي.
والعذاب هو الظاهر من الألم الدفين.
والعبودية هي الظاهر من الطاعة والتبعية.
والعداوة هي الظاهر من الحقد الدفين.
فيكون العشق منتهى الحب، تأججاً وتمكناً وعلانية وإفراطاً، ما فوقه هوى ولا حب. وهكذا الأمر من المبالغة والشدة والعلانية في العذاب والعبودية، وفي العهر والعري والعمى والعار والمرض العُضال والأمر العويص.
ولكن ما نصيب حرف العين من موحياته الصوتية على واقع المعاجم اللغوية؟
- بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على ثلاثمئة وعشرة مصادر تبدأ بحرف العين. أما بالرجوع إلى قاموس محيط المحيط للمعلم بطرس البستاني، فقد عثرت على ستمئة وأربعة وستين مصدراً. ولكن معظم هذه الزيادة كان من غرائب الكلم مما يدور معناه حول الحياة الرعوية، من بيئة طبيعية ومواش، ووحوش وحشرات ونباتات وطراز عيش وعيوب جسدية ونفسية، قد خرج أغلبها من التداول منذ زمن بعيد. ولذلك رأيت أن أعتمد محيط المحيط في دراسة هذا الحرف في أول المصادر فحسب للتدليل على نشأته الرعوية، لكثرة ما استخدم في التعبير عن متطلبات هذه المرحلة المادية والمعنوية مما لا نظير له في أي حرف آخر من الحروف العربية.
وهكذا سأضطر إلى الاستشهاد بالكثير من غرائب الكلم لغرائب المعاني، مما يتعلق بالبداوة وأحوالها، وإن استثقل القارئ أوزانها وتنافر أصوات حروفها.
وأرى من المفيد أن أنبه منذ الآن إلى أن العربي قد استخدم معظم المصادر التي تبدأ بحرف العين لمعان كثيرة التنوع إلى حد التناقض أحياناً، ولا سيما ما كان منها من غرائب الكلم. وذلك يرجع فيما أرى لأسباب عدة، منها:
آ-لنصاعة صوت العين وتوافقه مع طبيعة أصوات الأعراب، مما حببه إلى نفوسهم فأكثروا من استعماله لشتى الأغراض والمعاني الجيدة والرديئة على حد سواء.
ب-لمرونته الفائقة، مما سهل عليهم إدخاله في شتى المصادر وإن كان في أصوات حروفها تنافر وفي أوزانها قلقلة واضطراب.
جـ -للفوضى العشائرية في التعامل مع هذا الحرف الرعوي. فكل قبيلة على ما يبدو، قد أسهبت في اعتماده بمعرض التعبير عن حاجاتها وشؤونها بإبداع ما خطر لها من المصادر والمشتقات التي رأتها ملائمة لخصائصه الصوتية المتنوعة، فتداولتها البوادي والحواضر.
وذلك على العكس مما لحظناه من الضبط والربط في معاني المصادر التي تبدأ بالحروف الزراعية كما مر معنا في دراسة الفاء واللام والميم...
وهكذا كان لا بد لي مع هذه الفوضى في المعاني أن أجهد الفكر في انتقاء المعنى الذي رأيته أقرب إلى معاني المصدر ومشتقاته، أو أكثر توافقاً مع موحيات أصوات حروف اللفظة المختارة ووزنها، وللقارئ، المحتج أن يختار البديل لفظاً ومعنى، وما أحسبه سيبتعد كثيراً عن حصيلة ما توصلت إليه حول خصائص هذا الحرف ومعانيه.
مع معحم محيط المحيط:
لقد عثرت على مئة وخمسة وعشرين مصدراً تدل على الشدة والفعالية والصلابة والقطع، مما يتوافق مع صوت العين مشدداً عالي النبرة.
منها تسعة عشر مصدراً يدل بعض معانيها على الأسد بمختلف أوصافه من الشدة والقوة والثقل والضخامة.. هي.
العبّاس. العثمثم. العشزب. العذافر. العرابض. العزرم. العرصام. العرفاس- العرندس. العرهم. العسرب. العسلق. العضمر. العرفس. العفراس. العكندس. العميثل. العنباس... عفرين.
ومنها ثمانية عشر مصدراً يدل بعض معانيها على الإبل أو الناقة بمختلف الأوصاف من الشدة والغلظة والصلابة وسرعة العدو والطول والنحافة هي:
العبسر. العبسور. العجرمة. العرجوف. العرجوم. العزهل. العسبورة العشوز. العيسجور. العمفج. العنتريس. العنسل. العيدهور. العيهل. العلطمس. العلكم. العيهامة. العنكرة (الناقة العظيمة) العنواش والعوهج والعهسول ولم أعثر على أي منها في الوسيط.
ومنها عشرة مصادر بمعنى (الصلب الشديد) هي:
العِرزب، العشنزن، العصلد، العضائج، العضنبل، العلنكد، العنتل، علب الشيء. وعلد (اشتد وصلب) رجل عبنّك (صلب شديد). ولم أعثر في الوسيط الإ على مصدرين (علب وعلد).
ومن معاني الشدّة أيضاً:
عبط الذبيحة (نحرها. الباء للبقر والبعج). عتك القتال (اشتد . الكاف للاحتكاك) عتله (جذبه وجرّه بعنف. اللام للالتصاق). عثُر الشيء (اشتد). عتنه إلى السجن (دفعه دفعاً قوياً) العِران (القتال). عفجه بالعصا (ضربه). اعتفد الرجل (أغلق بابه على نفسه فلا يسأل أحداً حتى يموت جوعاً. وَيا لها من عزّة نفس). عفسه وعفصه (قلعه وصرعه). العقابيس (الدواهي). العقابيل (الشدائد). عقّ الثوبَ (شقه). علس الداءُ (اشتد). العلفصه (العنف). العلندي (الغليظ من كل شيء). العلنكز (الرجل الصلب العظيم). العملَّس (الجريء المقدام). عندر المطر (اشتد)عنتر فلان (سلك في الشدائد). المعنجد (المغضوب الشديد) العنصنص (الشديد) العنف.
وكان منها أربعة وستون مصدراً لمعاني العظم والظهور والعلو، بما يتوافق مع العين المشددة عالية النبرة. منها:
عبّ البحر (كثر موجه وارتفع). العباهر (الممتلئ الجسم الطويل). العرندي (السيل الكثير). عرج في السماء (ارتفع وصعد). العراهل (الضخم الفاحش الطول). العلجم، والعنشط، والعشنق والعطلّس، والعناهك والعنط، والعوهق جميعها بمعنى (الطويل). العظم. العلو. عاطت العنق (طالت). العِلج (الرجل الضخم). العيدانة (أطول ما يكون في النخل). العسقد (الطويل الأحمق). العلهم (العظيم من الإبل). العنكرة (الناقة العظيمة). العنواش (الطويلة من النوق). العوهج (الطويلة العنق من النوق). العُنجه (القنفذ الضخم). العنق (الرقبة).
وهنا لا بد لي من تعليقين اثنين:
آ-بما أن العُنجه معناها (القنفذ الضخم) فإن العنجهية التي يتغنى بها العربي اليوم إنما هي مذمّة لا محمدة، فحبذا الإقلاع عن التباهي بها.
ب-على الرغم من أن العنق هي الرقبة معجمياً، فإن ثمة فارقاً أدبياً كبيراً بين اللفظتين. فالخاصية المميزة في معنى العنق هي الطول (للعين)، والرقة والأناقة والانبثاق (للنون). أما (القاف) فهي لاصطدام نهاية العنق ولا أرق، بالجمجمة ولا أغلظ عضوا. ومسيرة العنق صعدا من أعلى الصدر إلى الجمجمة جعلت لهذه اللفظة الشعرية ومشتقاتها المقام الأدبي الرفيع في دنيا الجمال وعالم الحب والغزل.
أما الرقبة، فالخاصية المميزة في معناها هي التأود وتكرار الحركة (للراء) وهي وظيفة فيزيائية بحتة لا أبعد منها عن عالم الشعر والأدب.شتان بين المراقبة والرقابة، وبين المعانقة والعناق.
وكان منها مئة وخمسة عشر مصدراً للعيوب النفسية والجسدية، معظمها يتصف بالشدة أو الظهور. بما يتوافق مع صوت العين مشدداً. كما أن معاني معظمها يرجع إلى الاضطراب في الوزن والتنافر في أصوات الحروف بعيداً جداً عن الخصائص الصوتية للعين. منها:
عربد (ساء خلقه). عرّ الجمل (جرب). المِعذج (الغيور السيء الخلق). العزهاة (امرأة اسنّت ونفسها تنازعها إلى الصِّبا). العزْهل (الرجل المضطرب). العسق (عسر الخلق). عسلط (تكلم بلا نظام). عشى عشوا (ساء بصره). العشوز (الشديد الخلق الغليظ). عَفِك (اشتدت حماقته). العفكل والعفليط (الأحمق). العفنط (اللئيم السيء الخلق). العكبرة (المرأة الجافية الخلق). العكرشة (العجوز الضخمة). العِلشط (السيء الخلق). العلكذ (الغليظ). العلهج (الأحمق اللئيم). العنبوج (الأحمق الرخو الثقيل). العنفط (اللئيم السيء الخلق). غنظى به (أسمعه كلاماً قبيحاً) العُهْر. العهّ (القليل الحياء المكّار). العمى. العمه (عمى البصيرة فقط). العور. العار. العاهة. العيب.
وكان منها ثلاثون مصدراً للرقة واللطافة والضعف بلا عيوب، بما يتوافق مع العين المرققة المنعمة. منها:
العبرد من الجوارى (البيضاء الناعمة). عِبق الطيب. العدث (سهولة الخلُق).
العذوبة. العزّة. العسن (الطول مع البياض وحسن الشعر). العسنق (التام الحسن). العصمة. العُطبول (المرأة الفتية الجميلة الممتلئة، الطويلة العنق). العطر. العطموس (المرأة الجميلة). عفز الرجل زوجته (غازلها). العفة. العفو. علبوبة القوم (خيارهم). العنبر. العناهيج (خيار الخيل والإبل). عنم البنان (خضبه).
وكان منها أحد عشر مصدراً للصفاء والضياء والعيانية، بما يتوافق مع العين المرققة. هي:
عبا وجهه عبواً (أشرق). عَرِبَ عروباً (فصُح). المعرفة. العِراص (اللمع المضطرب الكثير اللمعان). العقق (البرق يشق السحاب). العَقل. العلطمس (الأملس البراق). العلم. العين.
وكان منها ستة وعشرون مصدراً لأصوات تتوافق مع العين المشددة. منها:
عتْ عتْ (دعاء للجدى). عجّ الرجل (صاح ورفع صوته). عجعج (كرر العجيج). عد عدت القطاة (صوتت). عزّف تعِزيفاً (صوت). عصود القوم (صاحوا واقتتلوا). عطس. العطعطه (تتابع الأصوات). عفطت العنز (نترت بأنفها). علْعلْ (زجر للغنم). عنظز (صاح كالعنز). عهْ عهْ، وعيَّه (صوت تُزجر به الإبل لتُحبس). عهعه الراعي بالإبل (زجرها لتُحبس). العوعاء (الضوضاء). العويل. عاي وعيعي (زجر للضئين). العُواء. عيهى (زجر للضئين). عيّق تعييقا (صوّت). العيهكة (الصياح).
وكان منها عشرون مصدراً لمشاعر إنسانية تتوافق معانيها مع العين المشددة حيناً والمرققة حيناً آخر. هي:
عبد (خضع وذلّ). عتب عليه. تعترف. تعجرف. أعجبه (سرّه). تعذمر الرجل (تغضّب). عذله وعذمه (لامه). عرِد الرجل (هرب من خوف). عسِق به (لزمه ولصق به وأولع). العِشق. العصلبة (شدة الغضب). عظر الشيء (كرهه). علِز المريض (أخذه القلق والخفة والهلع). علِه الرجل (تحيّر ودُهش). عمِد الرجل (غضب). المعندب (الغضبان). عنشط الرجل (غضب). عنا له عنواً (خضع). العمو (الضلال والمذلَّة والخضوع).
خاصية غير متوقعة لحرف العين:
باستقراء معاني المصادر التي تبدأ بالعين، عثرت على أربعة وستين مصدراً تدل معانيها على العقد والربط وأدواتهما، وعلى الميل والعوج، وعلى الفتل والدوران، في أسرة من الأحداث يجمع بينها عامل حسي منظور هو تكرار الحركة، مما لم أتبينه في خصائص صوت العين وفق ما نلفظه اليوم.
منها ثمانية عشر مصدراً للعقد والربط، ولما يعقد به ويربط، منها:
العبكة (العقدة من الحبل). عرس البعير عرَسا (شدّ عنقه إلى ذراعه وهو بارك) ، والعِراس هو الرباط. أما العُرْس، بضم العين وتسكين الراء فهو الزفاف والتزويج. فهل كان ثمة رابطة في ذهن العربي بين عُرْس الرجل، وعَرْس البعير؟ العِصابة (العِمامة). العِصام (حبل تشدّ به القربة وتحمل). عقد الحبل (لواه على بعضه). عقصت المرأة شعرها (ضفّرته ولوته على رأسها). عقل الدابة (ربطها، والعُقال هو الرباط). عقط الرجل (شدّ عمامته). عكم المتاع (شدّه بثوبه). عكس الشيء (ردّ أوله إلى آخره). عكا ذنب الفرس (عطفه وعقده). العِلاط (حبل يجعل في عنق البعير). عكبشه (شدّه وثيقا). العِياج (زمام البعير). عِنان الفرس (مقودها). العُكال (الحبل الذي يشدّ به عضد الدابة إلى رسغها
وكان منها تسعة وعشرون مصدراً تدل معانيها على العِوَج والميل والثني. منها:
عتش الشيء (عطفه وأماله). عِثلت يده وعِثم العظم (انجبرا على غير استواء). عدل عن الطريق (مال). عرقل عليه الكلام (عوّجه). عسف عن الطريق (مال). عصد الشيء (لواه). عصف الشيء (مال). عصل العود (عوّجه). العصلّج (المعوج الساق). أعصد الأمر (أعوجّ وعثر). عفته (لواه). عفص يده (لواها). عقش العود (لواه). عقفه. العُكنة (ما تثنّى من لحم البطن سِمنا). عنَد عن الطريق (مال). أعنز الشيء (أماله ونحّاه). عنس العود (عطفه وقلّبه). عِكش الشعر (التوى وتلبد). العِوج. عال في الحكم عولا (جار ومال عن الحق). عال في الأرض عيلا (ذهب ودار، وفي مشيه تمايل واختال وتبختر).
وكان منها سبعة عشر مصدراً لتكرار الحركة والدوران. منها:
عَبل الحبل (فتله). عرقد الحبل وعسده (فتله شديداً). عسّ عسسا، وعاس عوسا (طاف ليلا). عفق (أكثر الذهاب والمجيء في غير حاجة). عَكف (عطف حول الشيء). عمت الصوف (لفّه مستديراً ليجعله في اليد فيغزل). عقى العقاب تعقية (حام حول الشيء وارتفع). عكر على الشيء (كرّ وانصرف وعطف). العِمامة (ما يلف على الرأس). عاف الطير عوفاً وعيفاً (دار حول الشيء يريد الوقوع عليه). عاك عليه عوكا (عطف وكرّ وأقبل). عاد عوداً (رجع وارتد).
وهذه الخاصية المستدركة في صوت العين لمعاني العقد والربط، والميل والحني، والفتل والدوران، في صور من التحرك وتكرار الحركة، لها نظير من خاصية صوت (الراء). لمعاني التأود والترجيع والدوران، في صور من تكرار الحركة، كما مر معنا في دراسة هذا الحرف.
وإن دلّ التوافق في هذه الخاصية بين العين والراء على شيء، فإنما يدل على أن العربي قد لفظ صوت العين مشدداً عليه مع شيء من التواتر والتكرار (ع، ع،ع) قريباً مما لفظ صوت الراء، وليس كما نلفظه نحن اليوم. فكان له من هذه الظاهرة الصوتية مختلف معاني العقد والربط والعِوج وتكرار الحركة والدوران، مضافاً إليها ما سبق بيانه من المعاني. فهل للقارئ تعليل آخر؟ ومثل ذلك ما لحظناه من هذه المعاني في حرف (الحاء).
وهكذا بلغت نسبة تأثير صوت العين في معاني المصادر التي تبدأ به في محيط المحيط (68%) بينما هذه النسبة في الوسيط (88%). على أن انخفاض هذه النسبة في محيط المحيط يرجع إلى كثرة ما ورد فيه من غرائب المعاني المتناثرة، مما تعذر ضبطه في أبواب معينة من المعاني. كما يرجع أيضاً إلى كثرة ما ورد فيه مما هو مولّد ومعرّب ودخيل ومحدث وعامّي، فلم نستشهد به أخذاً بالنهج الذي اتبعناه في دراسة أصوات بقية الحروف. مع الإشارة إلى أن معظم غرائب الكلم كان حِكراً على محيط المحيط.
في النتائج:
1-كانت الصفة الغالبة على معاني المصادر الواردة في الجداول السابقة جميعاً، هي الشدة والفعالية أو الظهور والعلانية، وفقاً لما توقعته.
2-على الرغم من أن صوت العين هو أوحى أصوات الحروف بالصفاء والنقاء والضياء والسمو، فإنه قد اقتصر على طبع أحد عشر مصدراً فقط بهذه المعاني، لتخيب بذلك توقعاتي جميعاً. على أن موحياته الصوتية هذه، وإن أقلّ العربي من اعتمادها في التعبير عن معانيه، فإنها تؤهله إلى تصدر الحروف الشعورية. ويكفينا من هذه الموحيات أن الأصوات الغنائية ذات الطابع العيني، هي أكثر الأصوات قدرة على التعبير عن مختلف المشاعر الإنسانية النبيلة.
3-بلغت نسبة المصادر التي تتوافق معانيها في محيط المحيط مع العين المشددة (46.2%) بينما اقتصرت نسبة المصادر التي تتوافق معانيها مع العين المرققة على (6.4%) مما يقطع بأن مخرج العين يقع في أول الحلْق داخلاً كما قال الفراهيدي وابن جني والعلايلي.
ولكن ماذا عن حرف العين في آخر المصادر؟
إن معنى كل لفظة هو في الأغلب محصلّة خصائص أصوات الحروف، أي معانيها. ومن قوانين اللغة العربية كما رأينا، أنّ الحرف القوي يضعف تأثيره في معاني المصادر عندما يقع في نهايتها لتسلط الحروف التي تقع في مقدمتها. لذلك رأيت أن أشير إلى المساعدة التي يقدمها حرف أو أكثر في تكوين المعنى المقصود من اللفظة. وهذه الإشارة إنّما هي درس تطبيقي مبسط للدراسة التي قمت بها حول خصائص أصوات الحروف على واقع المعاجم اللغوية.
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وخمسة مصادر تنتهي بالعين، كان منها خمسة وستون مصدراً تدل معانيها على الشدة والفعالية بما يتوافق مع صوت العين مشدداً عالي النبرة. منها:
بزُع الصبي (صار جريئاً على الكلام، الباء هنا للظهور والبيان، والزاي للشدة). بضع اللحم (قطعه. الباء هنا للحفر والبقر). بكعه (ضربه ضربا شديداً متتابعاً، الكاف للاحتكاك). جذع الشيء (قطعه، الذال للحز والقطع). خرع الشيء (شقه، الخاء للتخريب) دفع الشيء (نحاه وأزاله بقوة، الدال للشدة المادية). ردع. شجع (جرؤ، الجيم للغلظة). الصدع (الشق في الشيء الصلب، الصاد للصلابة والدال للشدة). صرعه (طرحه أرضاً، الصاد للصلابة). الضّلع. قضعه (قهره، القاف للقوة والمقاومة). قطع. قلع. قسعه (ضربه على قفاه). تكنع (تحصن، الكاف للاحتكاك، والنون للبطون والخفاء). مزع الفرس (عدا عدواً شديداً. الزاي للفعالية والاهتزاز). هزع (أسرع، الهاء للاضطراب والزاي للشدة). ملعت الدابة (أسرعت).
وكان منها واحد وعشرون مصدراً للعظم والارتفاع والظهور، بما يتوافق مع صوت العين مفخماً. منها:
بتع الإنسان (طال، الباء هنا للظهور والبيان). ترع الأناء ( امتلأ). تلِع الرجل (طال عنقه). زلعت النار (ارتفعت، الزاي للشدة والاهتزاز). سنُع (طال وارتفع، السين للمسير، والنون هنا للانبثاق). فرع (طال وعلا). نبع الماء من الأرض (خرج، النون للانبثاق رفع الشيء (أعلاه).
وكان منها واحد وثلاثون مصدراً للعيوب الجسدية والنفسية، معظمها يتصف بالعلانية، بما يتوافق مع العين المشددة، منها:
خدعه (ختله، الخاء للعيوب النفسية). خفع (ضعف من جوع). رقُع (حمُق، للتنافر في أصوات الحروف). الشناعة (القبح الشديد)، الشين للتوافه. الظلع. الأكتع. الهلاع. (الأحمق، الهاء للاضطرابات العقلية). الهِمْلع (من لا وفاء له، والهاء للتنافر). الوجع. كعكع في كلامه (تحبَّس. نعّ (ضعف).
وكان منها تسعة مصادر للنور والصفاء والصقل بما يتوافق مع العين المشددة. هي: سطع. أشعّت الشمس (انتشر شعاعها، الشين للتفشي والانتشار). شمع السراج (سطع نوره). المِصطع (البليغ الفصيح، الصاد للصفاء والصلابة). المِصقع. صلِع. قشع النور الظلام (كشفه ،القاف للقوة، والشين للانتشار). نصُع (صفا ووضح، النون للنقاء والانبثاق والصاد للصفاء). لمع البرق.
وكان منها اثنا عشر مصدراً لمعاني الرقة واللطافة بما يتوافق مع صوت العين مرققاً مخففاً. هي:
تاع الجْمد (ذاب، التاء للضعف والوهن). و(رتعت) الماشية (رعت كيف شاءت في خصب وسعة، الراء للتحرك والتكرار). رضع (الراء لتكرار الحركة، والضاد لفخامة الثدي وامتلائه، والعين لرقة وعيانيه المشاعر المتبادلة بين الرضيع ومرضعته). السمع. الشفاعة. المتعة. مرع المكان (أخصب). معَّ الشمع (ذاب). النفع. هجع (نام ليلاً). هكع (سكن واطمأن). الورع (التحرج عن المحارم).
وكان منها تسعة مصادر لأصوات لا تطريب فيها، تتوافق مع العين المشددة عالية النبرة هي:
جعجع الجمل (اشتد هديره). خَبّع الصبي (فحِم من البكاء). فرقع (بدا له دوي، الفاء للانفلاق والقاف للانفجار الصوتي). قرع الطبل. قعقع الشيء (أحدث صوتاً عند تحريكه). لعلع الرعد (صوت) نشع (شهق حتى كاد يموت، النون للصميمية والانبثاق). وعوع الكلب (عوى وصوَّت). الخُواع (شبه النخير والشخير).
وكان منها تسعة عشر مصدراً لمشاعر إنسانية سلبية موزعة المعاني بما يتوافق مع العين المشددة والعين المرققة. هي:
خشع. خضع. خنع. (الخاء للعيوب النفسية).الجشع (الجيم للغلظة والفجاجة والشين للانتشار). الطمع (الطاء للفلطحة والميم للانجماع). الفزع. قنِع. اللوعة (الحزن الشديد). كعّ (جبن وضعف). المصوع (الرجل الخائف لا فؤاد له). صعصع (خاف واضطرب). هِلع (جزِع جزعاً شديداً، الهاء للاضطرابات النفسية واللام للالتصاق). هطع (أقبل مسرعاً خائفاً). هنع (خضع). الولع (التعلق بالشيء والحرص عليه، اللام للالتصاق). هاع هوعا (خضع وذلّ). هاع هيعاً (فزع وجبن). يَرِعَ (جبن).
ولم أعثر على أي مصدر يدل على الربط أو العقد أو العوج والتكرار والدوران سوى لفظة الفدع (العوج في المفاصل، الفاء للتوسع). وهذا كان متوقعاً لأن صوت العين في نهاية المصادر لا يلفظ متواتراً أو بشيء من التكرار كما يمكن أن يلفظ في أولها.
وهكذا قد طبع حرف العين بخصائصه الصوتية مشدداً ومرققاً منعماً (61%) كان منها (44%) للتشديد، و(17%). للترقيق. وبذلك يكون هذا الحرف قد حافظ على قوة شخصيته في نهاية المصادر. كما أن العين المشددة قد تغلبت هنا أيضاً على العين المرققة، على الرغم مما يتعرض صوتها في نهاية المصادر للترقيق والتخفيف أصولاً.
ثم أخيراً ماذا عن حرف العين في وسط المصادر؟
بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين وثمانية مصادر. كان منها ثلاثة وأربعون لمعاني الشدة والفعالية بما يتوافق مع العين المشددة. ولقد سبق أن استشهدت بمعظمها لهذه المعاني بالذات في حروف (الباء والجيم والدال والزاي والقاف والكاف). لذلك سأكتفي بسرد ما يرجع تأثيره حصراً لحرف العين. منها:
رعبل الشيء (قطعه أومزقه). رعله (شقه). لعسه (عضه). معج (أسرع). معس الشيء، ومعك الأديم (دلكه دلكاً شديداً) معل الرجل (أسرع في المشي). وعث الطريق (تعسّر سلوكه). وعُر المكان (صلُب). وعك الحر (اشتد).
وكان منها أحد عشر مصدراً للعلو والضخامة والامتلاء بما يتوافق مع صوت العين مفخماً عالي النبرة. هي:
الجَعْظ (الضخم، الجيم للغلظة والفجاجة). الجعفر (النهر الكبير). رعبب (سمن حتى قطر دسما). زعب الإناء (امتلأ). صعد (الصاد للفعالية والدال للشدة). فعم الإناء (ملأه وبالغ في ملئه، الفاء للتوسع، والميم للانجماع). القعب (قدح ضخم غليظ). كعَبت الفتاة نَهَدَ (ثدياها). كعر الصبي (امتلأ بطنه وسمن). توعّل الجبل (علاه). وعَّنت الدواب (سمنت).
وكان منها ثمانية وعشرون مصدراً لعيوب جسدية ونفسية تتصف بالشدة أو الظهور، بما يتوافق مع العين المشددة عالية النبرة. منها:
الجعيس (الغليظ الضخم). الجُعْوَس (القصير الضخم). دعر (فسد وفسق). دعن (مجن). الأرعن. الزُّعنفة (رديء كل شيء ورزالته). شعبذ وشعوذ (مهر في الاحتيال).القُعْدُد (الجبان الخامل، يقعد عن المكارِم). قعِن الأنف (كان فيه قِصِرٌ فاحش) معد الشيء (فسد، ومنه المعدة بيت الداء والفساد). معق فلان (ساء خلقه). نعثل (عرج). وكان منها مصدر واحد للنور هو:
رعج البرق (اضطرب وتلألأ وتتابع لمعانه، على أن الاضطراب والتكرار هو الغالب على المعنى، للراء).
وكان منها ستة عشر مصدراً للرقة واللطافة والكياسة، ماديها ومعنويها، بما يتوافق مع العين المرققة. منها:
دعب (مزح). دعجت العين (اشتد سوادها وبياضها). السعابيب (خيوط العسل). اللعب. الماعي (اللين من الطعام). نعج (خلص بياضه). نعس. النعفة (الذؤابة). نَعُم الشيء (لان ملمُسه).
وكان منها عشرة مصادر لأصوات تتوافق معانيها مع العين المشددة هي:
بعق الحيوان (صوّت شديداً، الباء للبيان والقاف للانفجار الصوتي). الرعد. رعقت الدابة (صوَّت بطنها في العدو. للقاف). السُّعال. صعق الحيوان (اشتد صوته، للصاد الصفيرية والقاف الانفجارية). قعم السِّنور (صاح). معاً السنور معاء (صَوَّت). نعب الغراب (صاح، للنون والباء). وعق الفرس (سُمع في بطنه صوت إذا مشى). يَعَرت الشاه (صاحت).
وكان منها تسعة مصادر لمشاعر إنسانية موزعة المعاني بما يتوافق مع العين المشددة والمرققة. هي:
بعِل بأمره (دهش وتحير). التعاسة. ذعن (خضع وذل). الرُّعب. السعادة. قعِط (ذل وهان). أكعت فلان (مضى منتفخاً من الغضب). لعج الحب فؤاده (استحرّ فيه). معِض (غضِب).
وخلافاً لتوقعاتي، كان منها عشرة مصادر لمعاني الالتواء والعوج والتمايل بما يتوافق مع صوت العين متواتراً عالي النبرة، مما يدل على أصالة هذه الخاصية في صوت العين. هي:
جعُد الشَّعر (اجتمع وتقبّض والتوى). دعلج (تردد في الذهاب والمجيء). قعس الشيء (عطفه). قعنب الأنف (أعوجّ). قعي (أشرفت أرنبة أنفه ثم مالت نحو القصبة). كعنب قرن التيس (التوى كأنه حلقه). كعنز في مشيه (تمايل كالسكران). معِض فلان (أصابه التواء في مفصله أو عصب رجله). نعظل (تمايل في مشيه يُمنة ويُسرة، النون للنوسان). وعى العظم وعياً (برأ على أعوجاج).
وهكذا بلغت نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بخصائص العين قرابة (58%) كان منها (44%) للعين المشددة مما يقطع بقوة شخصية العين أنّى كان موقعها من اللفظة.
ملاحظات ونتائج:
آ-باستقراء معاني ألوف من المصادر والمشتقات التي تبدأ بحرف العين في محيط المحيط لوحظ أن معظمها يتعلق بشؤون المرحلة الرعوية، أو يصلح للتعامل الحياتي فيها. بينما لم أعثر على أي معنى منها يتعلق صراحة بالمرحلة الزراعية، فلا شيء منها لأعمال الفلاحة والحفر أو الزراعة والبستنة، أو السِقاية والجِني، وما إليها. وكأني بهذا الحرف الرعوي قد نشأ وترعرع في- البادية، فلم يشأ أن يفارق خيامها وإبلها ورُعاتها وعاداتها وأحوالها إلى الحياة الزراعية طوال آلاف الأعوام.
وذلك على العكس من حرف (الفاء) المختص أصلاً بشؤون الزراعة والبستنة. فمن أربعمئة وأربعة وثلاثين مصدراً تبدأ بحرف (الفاء) عثرت عليها في محيط المحيط، لم أجد في معانيها ومشتقاتها، ما يتعلق بالحياة الرعوية وشؤون البادية سوى الآتي:
1-خمس لفظات للأسد من غرائب الكِلم. 2-الفصيل (ولد الناقة: فصل عن أمه)
3-الفودج (الهودج، من هدج الظليم، مشى في ارتعاش) 4-الفلاة والفيف (للأرض والصحراء الواسعة). وذلك لخاصية التوسع في (الفاء). 5-فعفع الغنم (زجرها) 6-الفَرَاءُ. (حمار الوحش) 7-الفرتاج (سمة للإبل) 8-الفرس (واحد الخيل للذكر والأنثى). وهكذا الأمر مع حرف (اللام) الزراعي، فلم أعثر في المعجم الوسيط على ما يتعلق معناه بالمرحلة الرعوية من المصادر والمشتقات التي تبدأ به سوى ثلاثة، هي لاه السراب بمعنى (اضطرب وبرق، والهاء الرعوية للاضطراب أصلاً)، الليث واللبوة (للأسد وأنثاه).
وهكذا قد صح ما ذهبت إليه سابقاً من أنني أستطيع إلى حد ما تحديد المرحلة الحياتية التي أُبدع خلالها أي من أصوات الحروف، وذلك بالرجوع إلى معاني المصادر التي شارك في تركيبها. هذا وغير خاف عني ما قد يثيره هذا القول من احتجاج البعض. وفي مصالحة ودية بيننا أقول: من المرجح أن العربي قد استعمل بعض الحروف العربية ليعبر بكل واحد منها عن حاجات المرحلة الحياتية التي تتوافق مع خصائصه. فكانت حروف (الفاء واللام والميم) بترجيح شديد من نصيب المرحلة (الزراعية)، وكانت العين قطعاً من نصيب المرحلة (الرعوية) في توافق عجيب بين الخصائص الفطرية لهذه الحروف وبين المراحل الحياتية التي مر بها الإنسان العربي في جزيرته، مما لا نظير له في أية لغة أخرى.
ب-بلغ متوسط نسبة المصادر التي تأثرت معانيها بخصائص حرف العين الصوتية مما عثرت عليه في المعجم الوسيط كما يلي
88+61+58/3=(69%).
وهذه النسبة العالية تجعل حرف العين في مقدمة الحروف القوية الشخصية.
ج-بلغ متوسط نسبة المصادر التي تقبل العين المشددة:
62+44+44/3=(50%).
ليقتصر نصيب العين المخففة المرققة على 69-50=(19%)
وهذا يقطع بأن العرب الأوائل قد لفظوا (العين) بحناجر بدوية مرنانة وصوت ناصع مشبع مفخم، لا يخلو من التكرار. وذلك لتأمين التوافق بين إيحاءاته الصوتية وبين الشدة والفعالية والظهور والعيانية التي رافقته على العموم في مسيرته الثقافية عبر التاريخ.
قاعدة لغوية ميدانية تغني عن السماع لتحديد مخارج أصوات الحروف التي اختلف حولها علماء اللغة، ولبيان كيفية نطق العرب الأوائل بالحروف العربية قبل أن ترتخي حناجر الأجيال التالية في عصور الانحطاط، فتوزع العرب بذلك إلى لهجات كادت تتحول إلى لغات.
عودة إلى تشكل صوت العين:
إنه أعسر أصوات الحروف العربية نطقاً. فهو يتشكل عبر مراحل ثلاث:
1-يتضيق أول الحلق من الداخل على شكل حلقه مجوفة ملساء الجوانب.
2-يندفع النفس من جوف الصدر فيحتك بفوهة الحلق ويتوزع إلى ذبذبات هوائية.
3-تتكيف فوهة الحلق مع هذه الذبذبات لتجميعها في محراق الفوهة، فتتحول إلى صوت صاف نقي ناصع، لا اهتزاز فيه ولا اضطراب ولا صحل ولا رخاوة.
فصوت العين كما بدا لي، يتشكل في جوف الحلق وليس على صفحات غشائه. وذلك على مثال ما يتشكل صوت الصفير خارج الفم وليس على صفحات الشفتين.
فبعد أن يتم ضم الشفتين في حلقه مضيقة ويحتك النفس المضغوط بحافاتها الملساء، يتحول إلى ذبذبات هوائية تتجمع في بؤرة هذه الحلقة خارج الفم في صورة صوتية صافية نقية من الصفير. ليكون الصفير بذلك من الشفتين كصوت (العين) من الحلْق. مما يصح معه أن نقول: إن صوت (العين) هو صفير الحلق، وإن الصفير هو (عين) الشفتين.
وهكذا، إذا كان التحكم بصفحات أنسجة الحلق لإحداث صوت الحاء مصحولا به يتطلب كثيراً من المهارة، فإنه لا بد من مهارة معجزة (لتحويل) فوهة الحلق إلى عدسة صوتية ملساء، تتمركز في بوتقتها ذبذبات النفَس في صوت متوهج ناصع اللمعان، على مثال ما تفعل العدسات الضوئية بأشعة الشمس.
ولذلك يتعذر على غير أبناء اللغات السامية (العروبية) التلفظ بصوت العين إلا بكثير من التشويه بمن فيهم أبناء اللغة الفارسية، على الرغم من وجود حرف خاص في لغتهم لصوت (العين).
وهكذا يبدو لي أنه كان أولى بالعربي أن ينسب لغته لحرف (العين)، من أن ينسبها لحرف (الضاد).
فلئن كان في (الضاد) فخامة قد أرضت كِبريِاء المتنبي في موقف فخار شعري، ولا قت هذه الدعوى من بعده هوى في نفوس الشعراء والأدباء، فإن في (العين مزايا قد تفردت بها عن سائر الحروف مما يجعلها أولى وأجدر بهذا المقام الثقافي الرفيع.
فصوت (العين) وإن كان خاتم أصوات الحروف العربية. فإنه يتقدمها جميعاً في مخرجه الصوتي.
وإذا كان صوت العين يقصر شيئاً ما عن الضاد في مضمار الفخامة، فإنه أشد من صوتها نصاعة وصفاء ونقاء ومرونة وهو لا يزال معجزة اللغات العروبية، لا يتقن النطق به إلا أبناؤها ومن تربوا بينهم من الشعوب والأمم.
وإذن أما آن لحرف الضاد أن يتنازل طوعاً عن عرش لم يعد أهلاً له، إلى حرف لا يزال يتمتع بكل ما يتطلبه هذا المنصب الرفيع في العصر الحديث من الشروط والمؤهلات؟

في الختام:
لقد عرضت في مدخل الدراسة الثانية (الحرف العربي والشخصية العربية ص22-23) أن فطرية اللغة العربية، تقتضي أن تكون حروفها موزعة الخصائص والمعاني بين الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية.
فرضية لغوية ولا أغرب، قد اقتضاها المنطق الرياضي الصرف، ولا سابقة لها في علوم اللغة. فما من عالم لغة عربياً كان أم غير عربي على مدى التاريخ، قد خطرت هذه الظاهرة على باله فأشار إليها ولو بصورة عابرة، فكان سعيي الحثيث طوال أعوام عديدة للتثبت من صحتها مغامرة حقيقية تتماس مع المستحيل. وأخيراً تتحقق هذه الفرضية في هذه الدراسة على واقع المعاجم اللغوية بما لا يدع مجالاً لأي شك في صحتها تأييداً لفطرية اللغة العربية.
ولكن البرهان الحاسم على فطرية اللغة العربية يتوقف على صحة الفرضية القائلة بأن معنى الكلمة العربية هو محصلة الخصائص والمعاني الفطرية لحرفها (المرجع السابق ص25-28).
ولقد أثبتت هذه الدراسة على واقع المعاجم اللغوية كما لاحظ القارئ، أن معاني المصادر الجذور قد تأثرت بخصائص ومعاني الحروف التي شاركت في تراكيبها بنسب راوحت بين (50-92%) ولئن كانت هذه النسب ولا سيما العالية منها تعزز صحة القول بخصائص الحروف العربية ومعانيها الفطرية فإنَّها تثير الشكوك حول فطرية المصادر التي لم تتأثر معانيها بخصائص الحروف التي تقع في أولها أو آخرها أو وسطها، كما مر معنا. فحق للمحتج أن يجد في باقي المصادر التي راوحت نسبها بين (8-50%) ثغرة للطعن منها في فطريتها، وبالتالي في فطرية اللغة العربية أيضاً.
والرد على هذا الطعن بأن أي مصدر جذر لا تتأثر معانيه بأحد حروفه موضوع الدراسة، قد تتأثر بأحد الحرفين الباقيين أو بهما معاً. فثمة تعاون حقيقي بين حروف كل مصدر جذر للتعبير عن معناه الفطري. ولكن هذا القول على منطقيته ومعقوليته يحتاج إلى إقامة الأدلة القاطعة على صحته.
لذلك وحماية لدراساتي اللغوية جميعاً من هذا المطعن العقلاني الرصين كان لابد لي من تخصيص الباب الأخير بفصوله الثلاثة للبرهان على أن معاني المصادر الجذور هي في الغالب (محصلة) خصائص ومعاني حروفها. ويا له من اختبار تطبيقي شاق وخطر وخطير، فهل أوفّق فيه أيضاً.
على أن القارئ سيجد في دراستي الثالثة " (حروف المعاني) بين الأصالة والحداثة" مئات الأدلة والبراهين على صحة ذلك من واقع المراجع (الصرفية -النحوية). مما يقطع كل الشكوك ويدحض جميع التهم التي أثيرت ببراءة أو بلا براءة حول فطرية العربية وأصالتها.


















الباب الثالث
في التطبيق على
خصائص الحروف العربية ومعانيها



الفصل الأول
حول الأسس المعتمدة في التطبيق:

الحروف العربية كأدوات فنية:
لو استعرضنا ما تحصل لدينا في الفصول السابقة من خصائص الحروف العربية (الهيجانية والإيمائية والايحائية)، لرأينا العربي وكأنه قد جعل من حروفه ومعانيها مستودعاته الثقافية. قد وضع مفاتيحها الفنية بين أيدي أبنائه يأخذون منها جيلاً بعد جيل ما يحتاجون إليه من هذه المواد الصوتية لبناء الألفاظ تعبيراً عما يخطر في أذهانهم من معان وأفكار. فما أن تعترض أحدهم حاجة ما، أو حالة نفسية معينة، حتى يجد لديه ما يلزمه من أصوات الحروف في زمر منسقة الخصائص، فيوالف بينها في صيغ ملائمة للتعبير عن أحاسيسه ومشاعره وحاجاته، وفقاً لمقولَتَي ابن جني (حذوا لمحسوس الأحداث على مسموع الأصوات). و(سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
وهكذا قد تحولت الحروف العربية من مجرد أصوات إلى أدوات فنية متخصصة صالحة لبناء ثقافة عربية رائدة أصيلة في أحاسيسها ومشاعرها ومفاهيمها دونما حاجة بها إلى أي اقتباس أو تقليد. فكان الحرف العربي بذلك هو على العموم أداة الفكر العربي ومحتواه على حد سواء.
ولئن تمرد كثير من الشعراء الأصلاء والكتاب المبدعين في مختلف العصور على الألفاظ المستهلكة والتعابير المبتذلة، والأفكار المجترة، فإنهم ظلوا يتقيدون عفو السليقة بمبدأ الإيحاء الحسي والشعوري لأصوات الحروف، في كل ما أبدعوه من ألفاظ تعبيراً عن المعاني المستجدة. فإذا ماجاء أحدهم بلفظة مبتكرة للتعبير عن معنى مستحدث، استغنى الناس بإيحاءات أصوات حروفها، ومعاني أسرتها وصيغة تركيبها، عن أي شرح أو توضيح. وليس كما يفعل الكثير من أدبائنا وشعرائنا المحدثين، لا ينفعنا اليوم مع مبدعاتهم اللفظية ومعانيها المبهمة معجم يشرح ولا فصيح يحلل أو بليغ يعلل.
حول المضمون الثقافي للفظة العربية:
لقد أصبح من ناقلة القول أن نؤكد أن الألفاظ العربية ليست مصطلحات ولا رموزاً معان.
فلو أن ألفاظنا قد رتبت على هذه الشاكلة من الرمزية والاصطلاحية كما يدعي بعضهم لما وجدنا الحرف الواحد من معظم حروفنا يطبع بخصائصه الصوتية أو الإيمائية معاني المصادر التي تبدأ أو تنتهي به بنسب راوحت بين (50-92) في المئة. ولما كانت معاني الألفاظ التي تبدأ بحرف ما أو تنتهي به، قد تقيدت بطبقته الهرمية، لا تتجاوزها إلى أحاسيس الحواس الأعلى، أو إلى المشاعر الإنسانية بنسب تراوح بين (95-99%) كما مرّ معنا في هذه الدراسة. وتلك خاصية فريدة في اللغة العربية لا نظير لها.
فحروفنا وألفاظنا قد بدأت بالتطور مع تفتح الروح العربية عن مكنوناتها فكانت بذلك هي التحقق الفطري المباشر لهذه الروح في دنيا الواقع: فكراً وفنّاً وأدباً، ليصدق في الأمة العربية القول المأثور (في البدء كانت الكلمة).
وهكذا قام التراث العربي الأصيل في مرحلة رعوية رائدة على أجيال فطرية من مرهفي المشاعر والأحاسيس، من هزاج العرب وشعرائهم وحكمائهم وأنبيائهم وفصحائهم يبدعون أصوات حروفنا وألفاظنا ويهذبونها عبر ممارساتهم العملية وتأملاتهم الروحية جيلاً مثقفاً بعد جيل: تجسيداً للمعاني التي كانت تجول في خواطرهم، في صور صوتية من صِرف المشاعر والأحاسيس، لتتحول بذلك كل لفظة إلى أعزوفة. ولقد دوّن مبدعو لغتنا كل ذلك في ذاكرة فائقة القوة والحساسية، لم يكن العربي يميز معها بين الإيحاءات الصوتية للألفاظ وبين معانيها.
وهكذا قد انصهر في اللغة العربية في جملة ما انصهر مؤسستا الفن والأخلاق. لتتعادل بذلك على العموم في كل لفظة قيمها الجمالية مع قيمها الإنسانية: جميل الأصوات للجيد والسامي من المعاني، ومضطرب الأصوات متنافرها للخسيس والرديء.
وإذن فاللفظة العربية إنما هي التحفة الفنية الحية التي تستطيع بخصائص حروفها الإيحائية أو الإيمائية أو الهيجانية أن تعيدنا بكامل وعينا إلى الحالات الشعورية واللاشعورية التي استلهم العربي منها عبر معاناته الطويلة مفاهيمه وقيمه وتقاليده وحدوسه الفنية والأخلاقية والفلسفية، فصب معانيها في الفاظ:
فلتحرير مفاهيمنا الثقافية وقيمنا الإنسانية مما لحق بها عبر العصور من شبهات الحضارات القديمة والحديثة وعصور الانحطاط، ما علينا الآن إلا أن نعود إلى أسرة اللفظة ومقاطعها وأصوات حروفها.
عودة إلى المقاطع والحروف:
إن معظم علماء اللغة العربية القائلين بفطرية اللغة العربية القدامى منهم والمحدثين يرى أن لغتنا بدأت بالثنائي، ثم انتقلت في مرحلة النضج إلى الثلاثي والمزيدات.
هذا الرأي على خطئه التاريخي يكشف لنا عن واقع لغوي يستحق التمحيص.
فعندما يرى معظم علماء اللغة العربية القائلين بإيحاءات أصوات الحروف أن اللغة العربية الفطرية قد قفزت من الثنائي إلى الثلاثي بإضافة حرف ثالث، فإن هذا يعني أن العلاقة بين معنى اللفظة العربية وبين أصوات حروفها، ليست قطعاً بمثل الوضوح الذي بينها وبين مقاطعها الثنائية الحروف:
وهذا أمر طبيعي، فالعلاقة الفطرية بين أصوات الحروف وبين المقاطع الثنائية الحروف قد استمرت باحتمال شديد آلافاً كثيرة من الأعوام منذ المرحلة الزراعية حتى أوائل المرحلة الرعوية، قبل أن تتحول إلى الثلاثي والمزيدات. فكانت هذه المرحلة اللغوية مدرسة حضانة وإعداد للحروف، قد تم فيها تهذيب النطق بها وصهرها في بوتقة من المعاني المستحدثة تحت رقابة سمع مرهف، ومشاعر إنسانية حية، ولقد تحدَّدت خلال هذه المرحلة معالم شخصية كثير من الحروف والمقاطع الثنائية الحروف.
فمن ثمانية وعشرين حرفاً فطرياً، تخرَّج ثلاثة عشر حرفاً (ابتدائياً)، ظل كل واحد منها محافظاً على فرديته، قد أسند العربي له فيما بعد وظائف خاصة في بنيانه اللغوي تتوافق مع خصائصه. بعض هذه الحروف يتصدر الألفاظ كما في حروف العطف (و.ف) والجر (ك.ل.ب.تاء- القسم. واو القسم)، والمضارعة (أ.ن.ي.ت)، والتسويف (س)، والتنبيه (هـ) وبعضها الآخر يلحق بالألفاظ: (التاء والهاء) في الضمائر المتصلة، و(النون) للنسوة. وما إلى ذلك من الوظائف الصرفية والنحوية المختلفة.
ومن سبعمئة وستة وخمسين مقطعاً ثنائي الحروف تخرج الكثير من المقاطع الإعدادية يستكمل كل واحد منها مقومات شخصيته في معان محددة وظل محافظاً على قوامه الصلب حتى الآن. وذلك كما في بعض حروف العطف والجر والجزم والنصب، وفي بعض أسماء الشرط والاستفهام والإشارة والأسماء الموصولة، وأسماء الأفعال، والأسماء الخمسة، وما إلى ذلك من حروف المعاني والأسماء (من. في. بل. لم. ان. اب.اخ.يد.فم. لا. لن. بل).
ولما كانت الصلة الإيحائية بين الثلاثي (الجامعي) والثنائي (الإعدادي) هي أقرب عهداً وأشفّ معنى مما بين الثلاثي وأصوات الحروف الابتدائية، فلقد كان من طبيعة الأمور أن تحجب المقاطع الثنائية الحروف أنظار معظم علماء اللغة عن الصلة الفطرية المباشرة بين معنى اللفظة وبين خصائص حروفها، وذلك لكثرة ما تعرضت له هذه الصلة من ضروب الصناعة والتهذيب والتثقيف عبر الثنائي (الإعدادي) طوال آلاف الأعوام.
وهكذا قد توقفت آلات سبر معظم علماء اللغة عند طبقة الثنائي (الإعدادي) لم تتجاوزها إلى ينابيع الثلاثي من أصوات الحروف (الابتدائية) إلا في مصادفات من الاستطراد والاستشهاد أو الإشراقات الذهنية العابرة.
فبأخذهم المقطع الثنائي خريج المرحلة (الإعدادية) على أنه صوت فطري قد أراحهم ذلك من مشاق التنقيب في أعماق الطبيعة والتاريخ والحس والنفس والشعور للكشف عن تلك الصلة الفطرية بين معنى الثلاثي وبين خصائص (حروفه).
ومما يلفت الانتباه أن علماء اللغة جميعاً سواء من قال منهم بالثنائي أو بأصوات الحروف كأصل للفظة العربية، كانوا يرجعون إلى معاني الألفاظ التي يشارك فيها حرف معين لتحديد خصائصه ومعانيه. وحتى العلايلي نفسه الذي أقام صرحه اللغوي الطريف على مقولة فطرية أصوات الحروف، قد حدد معانيها في جدوله الهجائي (بما تسمح به النصوص المحفوظة)، أي من المعاني المعجمية للألفاظ، وليس من صدى أصوات حروفها، أو من طريقة النطق بها، مما أوقعه في كثير من الأخطاء كما سبق أن أشرت إلى بعضها في حينه.
وإذن كيف نصل إلى المعنى الفطري للفظة العربية؟
هناك طرائق أربع هي:
الطريقة الأولى:
بالتحري عن المعنى الأصل للفظة، وذلك بالرجوع إلى المعاجم اللغوية.
الطريقة الثانية:
بالتحري عن معاني أفراد أسرتها، بالرجوع إلى المعاجم اللغوية أيضاً.
ولما كان لكل لفظة أسرة معاصرة من الصيغ المختلفة لمعان متنوعة فإنه لا بد أن يكون ثمة روابط صميمية بينها وبين معاني أفراد هذه الأسرة وذلك للاعتبارات التالية:
آ-لاشتراكهما في أصول صوتية واحدة (ثلاثة أحرف أو أكثر) مما يحتم أن تتأثر معانيها جميعاً بخصائص الحروف الأصل إيحاء أو إيماء أو هيجاناً.
ب-لبقاء أصولها الصوتية جميعاً في ذات الترتيب مهما تختلف صيغ الاشتقاقات، مما يحافظ على الاتجاه العام للمعنى المشترك، وعلى مسار الحدث المعبر عنه: سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
جـ-لمرور أفراد أسرة اللفظة في مختلف المراحل الحضارية، فتتعرض بذلك إلى تجارب ذهنية وفنية وروحية متطورة متماثلة، مما يسهل معه استخلاص المعنى الجذر للفظة العربية.
وهكذا تتحدد بهذه الطريقة سمات المعنى الأصل للفظة، إن لم يكن يقيناً فاحتمالاً شديداً.
الطريقة الثالثة:
بالتحري عن الجذر الثنائي الأصل والحرف الملحق:
لما كان معنى الثلاثي هو ألصق بمعنى الثنائي منه بأصوات الحروف، فإنه لا بد لنا من التحري أولاً عن المقطع الثنائي الجذر، وذلك لتحديد الاتجاه الصحيح للمعنى الفطري الأصل للثلاثي.
ولكن لكل ثلاثي ثلاثة مقاطع، ثنائية الحروف، كما في بتر (بتْ.برْ. ترْ)، فأيها هو المقطع الجذر؟
للاهتداء إلى هذا المقطع يصار إلى تشديد الحرف الأخير من المقاطع الثلاثة لمعرفة من منها هو الألصق معنى بالثلاثي، فسمات معاني هذه المقاطع لا تتغير قطعاً بتشديد الحرف الأخير منها، على مثال ما يحصل بتشديد عين الثلاثي (كسر كسّر. فهِم فهّم...) وذلك لأن التشديد لا يغيّر من أصوات حروف الثلاثي أو الثنائي، ولا يبدّل من مواقعها أيضاً.
فالجرْس فيهما هو هو، والحركة هي هي، وأن كان يعتري معانيها شيء من الفعالية الزائدة في بعض الأحيان.
بل إنّ الثلاثي المضعف كما في (طلّ، كلّ مرّ، شقّ) الذي جاء مباشرة من تشديد الحرف الأخير من الجذر الثنائي، لم يكن ذلك لمنحه دائماً شيئاً من الفعالية وإنما لمقتضيات جمالية في الصياغة والنطق.
وإذا صادف أن كان مقطعان اثنان من المقاطع لا معنى لأي منهما، أو كانت معانيهما لا علاقة لها بمعنى الثلاثي، فإن المقطع الثالث يكون هو المقطع الجذر، إذ يستبعد أن تخرج مقاطعه جميعاً عن نطاق معناه. وإن حصل ذلك فلا بد من الرجوع إلى معاني أصوات حروفه: (سوقاً للحروف...).
وقد يصادف بالمقابل أن يكون ثمة أكثر من مقطع واحد يتوافق معناه العام مع معنى الثلاثي ولئن كان ذلك من شأنه أن يوقعنا أحياناً في حيرة وتردد لمعرفة المقطع الجذر، فإنَّ هذه الحيرة تفيدنا حتماً في اكتشاف المزيد من تلونات معاني الثلاثي، سواء أذكرتها معاجم اللغة أم لم تذكرها، كما سيأتي في (النفاق والغدر...) وغيرهما.
ولكن أين هو موقع الحرف اللاحق الذي يقوم بتلوين معنى الجذر الثنائي استكمالاً لحقيقة معنى الثلاثي؟
لقد تضاربت آراء علماء اللغة حول موقع الزيادة من الثلاثي.
فالعلايلي يجزم بزيادة الحرف في وسط المقطع الثنائي، إلاّ في حالات نادرة. وقال آخرون بزيادته في آخره كابن جني والزجاج وابن أثير (المقدمة اللغوية ص56). وتبعهم الأرسوزي في هذا الرأي أيضاً. كما قال بعضهم الآخر بزيادة الحرف في أوله. وكلهم ضرب الأمثلة الموفقة مما يتوهم معه أن العربي قد سلك هذه السبل الثلاثة بصورة عشوائية.
ولكن ماعلة هذه الفوضى في أصول الزيادة؟
يقول جرجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية) ص58. "إن الثلاثي قد نشأ بدمج مقطعين ثنائيين اثنين في لفظة واحدة على قاعدة النحت والاشتقاق الكبير". وعلى الرغم من أن العلايلي يرفض صراحة هذا الرأي (المقدمة ص68) فإني أراه جديراً بالاهتمام، ولكن على أن يكون بين المقطعين حرف مشترك. وهذا الرأي وإن كنت لا أعتقد باطلاقه، فإن من شأنه أن يفسر لنا في معظم الحالات كيف يمكن أن تقع الزيادة في أول الثلاثي أو وسطه أو آخره. فلفظة (بتر) مثلاً، يمكن تقطيعها بلا قلب إلى ثلاثة مقاطع ثنائية الحروف، بين كل اثنين منها حرف مشترك. وهي: (بتْ، برْ. ترْ). وبدمج المقطع الأصل (بت) من (بتْ بمعنى قطع) مع المقطع الثانوي (ترْ) من (ترّ العضو بمعنى بأن وانقطع) نحصل على الثلاثي (بتر). والحرف الزائد في هذا المثال هو حرف (الراء). ولقد أضيف هذا الحرف إلى آخر المقطع الثنائي الجذر (بتْ)، لإعطاء هذا الحادث شيئاً من الحركة بعد القطع، لاختصاص حرف (الراء) بالتحرك والتكرار، كما مر معنا.
وواضح من هذا المثال، أنه لو كان المقطع الجذر هو (تر) لكان الحرف الملحق هو (الباء) ويقع في أول الثلاثي، ولو كان (برْ) لكان الحرف الملحق هو (التاء)، في الوسط.
ملاحظة:
على أنه يمكننا أن نستغني عن فكرة دمج المقاطع الثنائية الحروف، على الرغم من موفقيتها في معظم الحالات كما سوف نرى، وذلك بالرجوع إلى الحرف الأصل الذي يطبع معنى الثلاثي بطابعه الخاص. وهذا أمر لم يعد صعباً بعد أن تعرفنا خصائص أصوات الحروف ومعانيها في هذه الدراسة. ومن ثم نبحث عن المقطع الثنائي الجذر الذي يحدد المعنى العام للفظة. ولذلك يكون الحرف الثالث هو الزائد الذي يلوّن معانيها ويتحدد به موقع الزيادة من كل ثلاثي.
فما دام الحرف الأصل في لفظه (بتر) مثلاً. هو (الباء) للحفر والبعج، والمقطع الثنائي الجذر فيها هو (بتْ) للقطع كما لحظنا آنفاً، فيكون حرف الراء الذي يقع في نهايتها هو الزائد الذي ألحقه العربي لاضفاء معنى الحركة على حادثة (البتر). وبذلك يتم التطابق بين الصورة الصوتية للفظة (بتر) وبين الصورة البصرية لهذا الحادث.
فبالباء ذات الصوت الانفجاري يبدأ فعل (البتر) بالحفر. وبالتاء ذات الصوت اللين الضعيف يرق الشيء ويستكين لفعل (البتر). أما الراء المتكررة الحركة في نهاية الثلاثي، فهي تحاكي حركة الجزء المبتور من الشيء بعد فصله عن أصله. وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
ولكن معرفة الحرف الأصل، وإن كان من شأنها أن تحدد الاتجاه العام للمعنى، فإن ذلك لا يُغني عن معرفة الجذر الأصل أيضاً لتحديد المعنى الفطري للثلاثي.
وسواء أكان الثلاثي حاصلاً بالفعل من إضافة حرف ثالث إلى المقطع الثنائي الجذر، على رأي معظم علماء اللغة وإن اختلفوا في موقعه من اللفظة، أم كان حاصلاً من دمج مقطعين اثنين من مقاطعه بينهما حرف مشترك، على رأي جرجي زيدان المعدل.
فإن العودة إلى مقاطع الثلاثي لاستخلاص معناه الفطري، إنما هي عودة تاريخية إلى مركبات الثلاثي من شأنها أن تهدينا إلى المقطع الثنائي الجذر، وبالتالي إلى الحرف الملحق، إن لم يكن يقينا فاحتمالا شديداً.
الطريقة الرابعة:
بالتحري عن معاني حروف اللفظة:
ومما سبق يتضح لنا الآتي:
آ-إن التحري عن معاني أفراد أسرة اللفظة من شأنه أن يوضح لنا معناها الحضاري المعاصر بعد أن استكمل نطقها شروطه الصوتية واستوفت أبعادها الحسية والذهنية عبر مراحل طويلة من عمليات التطور والاشتقاق.
ب-إن التحري عن معاني الجذر الثنائي الأصل في اللفظة من شأنه أن يكشف لنا عن النشأة الحسية لمعناها الأصل، وعن كيفية أخذ هذا المعنى بُعده الثالث مع الحرف الزائد، في طفرة نوعية على مسار اللفظة التاريخي من البدائي الفطري إلى الحضاري.
جـ- كما أن التحري عن الحرف الأصل من شأنه أن يحدد الاتجاه العام لمعنى اللفظة. أما التحري عميقاً في معاني حروف اللفظة فمن شأنه أن يكشف لنا عن معناها الأصل الألصق بفطرتها ونشأتها الأولى، لا بل وعن حركة الحدث أو الشيء المعبر عنه في صورة صوتية تتطابق مع صورته البصرية في كثير من الأحيان وفقاً لمقولة ابن جني آنفة الذكر.
د-وعلى الرغم من بعد المسافة بين مرحلة أصوات الحروف وبين مرحلة تأليف الثلاثي من أصوات حروفه، فإن الحدس الذي انبثق منه معناه لا يزال كامناً في جذور هذه الأصوات حتى الآن.
ولذلك لا بد من الرجوع إلى معاني حروف اللفظة للكشف عن حدس العربي في العلاقة الفطرية بين أصواتها وبين معناها، ولا سيما إذا كان هذا المعنى يتصل بمفاهيمنا الثقافية وقيمنا ومؤسساتنا الاجتماعية الأصيلة.
وهكذا فإن العودة إلى حروف اللفظة بمقدار ما تكشف لنا عن جذور معانيها في الطبيعة والحس والنفس والمشاعر، فإنها تكشف بالتالي عن البنية العقلية والنزعة الروحية والملكة الفنية في الإنسان العربي الذي أبدعها تعبيراً عن حاجاته ومفاهيمه وحالاته وأحواله: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".







الفصل الثاني
أمثلة تطبيقية

الامتحان الأصعب:
لقد كان صعباً بما فيه الكفاية، أن أقيم البرهان في هذه الدراسة على أن معاني المصادر الجذور قد تأثرت بالخصائص الصوتية (إيحاء)، أو النطقية (إيماء وتمثيلا) للحروف التي تقع في أولها أو في آخرها بنسب راوحت بين (50-92) في المئة.
وكانت قفزة في المجهول أن أحاول البرهان على أن كل حرف من الحروف العربية ينتمي إلى طبقة هرمية حسية محددة أو إلى حالة معينة من المشاعر الإنسانية: ولقد كان أن التزمت معاني المصادر بالطبقات الهرمية للحروف التي تقع في أولها أو في آخرها بنسب عالية راوحت بين (95-99) في المئة.
وعلى الرغم من كل هذه المكتشفات اللغوية الصوتية الشائقة فإنها تظل حتى في نظر الذين يسلِّمون بها، مجرد العاب ذهنية، إذا هي لم تقدنا فعلاً إلى المعنى الأصل لكل لفظة من لفظاتنا.
وهذا هو الامتحان الأصعب فهل سأوفق في اجتيازه؟
أولاً- في تحديد معاني بعض الأحداث المحسوسة:
تمهيد:
التزاماً بما جاء في الفصل السابق حول الطرق الأربع لاستخلاص معاني الجذور للكشف عن المعاني الفطرية للأمثلة المضروبة، وحذر الإطالة سأكتفي غالباً بإثبات ما هو ألصق منها بالمعنى الفطري. وقد أتبسط شيئاً ما مع بعضها بعضاً كما في المثال الأول، وذلك لإعطاء القارئ فكرة عامة عن النهج الذي اتّبعته في التقصي عن المعاني الفطرية للمصادر الجذور.
1-قطع لغة :
من قطع الثمر (جزّه) قطع الشيء (فصل بعضه وأبانه) قطع النهر (اجتازه والصديق تركه وهجره...).
في أسرتها: (أقطع، قاطع، اقتطع، انقطع، تقاطع، استقطع، الاقطاع، الأقطوعة، القطيع، القطعة، القُطعاء، القواطع، المقطع...) ومعانيها جميعاً تنطوي على حدس الجزّ والفصل والاجتياز.
في مقاطعها : قط- من قطّ الشيء قطّا (قطعه عرضاً). قطّ الشعرُ قططا وقطاطة (كان قصيرا جعدا) الأقط (الذي انسحقت أسنانه حتى ظهرت أدرادها). القِطاط (حرف الجبل والمثال الذي يحذي عليه الحاذي ويقطع النعل). القِطّ (الهرّ، النصيب، الصك، الكتاب مطلقا). القَطّة (الشقيقة يقال هاتِ قَطّة من البطيخ). قع- من قعّة (اجترأ عليه بالكلام). أقعّ القوم (حفروا، فهجموا على ماء قعاع). القُعاع (ماء شديد الملوحة يحرق جوف الإبل)، طع -من طعّ لا معنى له- والمقطع الجذر لهذه اللفظة هو (قط) والحرف الملحق هو (العين) للوضوح والعيانية.
في حروفها: القاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي). والطاء (للمطاوعة والطراوة والفلطحة) والعين (للعيانية والوضوح والفعالية) والحرف الأصل هو (القاف).
وهكذا يبدأ حادث القطع بحسب أصوات حروفها، بصدمة قوية تحدث صوتاً انفجارياً (للقاف) ثم يطرى موضع الصدمة ويلين (للطاء) مما يؤدي إلى فصل بعضه عنه بوضوح وعيانية (للعين). وذلك "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
وهكذا فالتعريف بالقطع بأنه مجرد عملية (جزّ) هو قاصر لانعدام الصدمة القوية والانفجار الصوتي في الجزّ. فالجزّ هو أصلح ما يكون للتعبير عن قطع الصوف. كما أن استعمال لفظة قطع للثمر جاء في غير محله لانتفاء الصدمة والانفجار الصوتي.
ومنه يتضح أن لفظة (قطع) قد أبدعت أصلاً للتعبير عن حادث قطع الأشياء الصلبة بأدوات غليظة كالغصن بالفأس. ولذلك أبدع العربي الألفاظ التالية: الجز للصوف، والجني للثمار، والقطاف للبلح والعنب، والفصل للتفريق بين الأشياء دونما صدمة أو انفجار صوتي مع المحافظة على صلة ما بينها. لقد جاء في التعريف السابق قطع الشيء (فصله وأبانه) فما الفرق بين قطع وفصل.
2-فصل:
لغة من فصل بين الشيئين (فرَّق) فصل الشيء (قطعه).
من أسرتها: الفصيل (ولد الناقة بعد فطامه) افتصلت المرأة رضيعها (فطمته). المفصل (ملتقى كل عظمين في الجسد).
من مقاطعها: فص- من فصّ الشيء (فصله وانتزعه من غيره).الفُص (ملتقى كل عظمين والفلقة من الليمونة، ومن الشيء مفصله ومحزّه)، فل: من فلّ السيف فلاّ (ثلمه وكسره في حدّه) صل من صلّ الشيء (صوت برنين) والمقطع الجذر هو (فص)، و(اللام) الملحقة للالتصاق.
في حروفها: الفاء (للانفراج والفصل والقطع والتباعد) والصاد (للصلابة والشدة) واللام (للالتصاق والتعلق) بما يفيد المماطلة.
وهكذا فإن المعنى الأصل للفظة (فصل) هو التبعيد بين أجزاء الشيء (للفاء) بلا شدَّة و(للصاد) بلا قساوة، مع إبقاء علاقة مادية أو معنوية بين الأجزاء المفصولة عن بعضها بعضاً (للاّم). وذلك كما في الرابطة الحسية في (المفصل) بين كل عظمين يلتقيان في الجسد، أو الرابطة الروحية بين الأم وطفلها في (افتصال) المرأة رضيعها. أما ما جاء في معاني (الفصل) من التفريق والقطع، فهو لاحق بالمعنى الأصل لهذه اللفظة.
3 -فلق لغة:
من فلقت النخلة (تشقق طلعها عن الحب المنضود) وفلق الشيء (شقه).
من أسرتها: الفالق (الطريق المنخفض بين الربوتين). الفلق الصبح ينشق من ظلمة الليل).
من مقاطعها: فل- من فلّ السيف فلاّ (ثلمه وكسره في حدّة) فق- من فقّ الشيء (انفتح) لق- من لقّ عينه (ضربها بيده). اللق (الشق في الأرض).
وكل من هذه المقاطع يصلح أن يكون الجذر الأصل للفظة (فلق) على أن المقطع (فق) هو الأصلح، وألحقت اللام في الوسط للالتصاق والتعلق والمماطلة. وذلك للدلالة على تماسك الشقين المشقوقين وعدم انفصالهما عن بعضهما البعض، فالشق لا يتضمن القطع أصلاً، ولا البتر أو التفريق.
في حروفها: (الفاء) للانفراج والتباعد. (واللام) للالتصاق والتماسك والمماطلة (والقاف) للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي. وبذلك يكون المعنى الأصل للفظة (فلق) هو إحداث انفراج بين شقي الشيء مع بقاء الاتصال بينهما مصحوباً بصوت انفجاري: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
وهكذا فإن المعاني المستخلصة من أسرة هذه اللفظة ومقاطعها تتوافق مع الحدس المستخلص من معاني حروفها. أما الفصل فهو يتم بلا صوت انفجاري، فصحَّ استخدامه لمعنى الفطام.
4-سمع لغة:
من سمع الصوت (أحسته أذنه) سمع الدعاء (أطاع واستجاب).
من أسرتها: سمّع به (شهره وفضحه). المسمع (الأذن) السمع- (الإحساس بالصوت).
من مقاطعها: سم- من سمّ الإبرة (جعل لها سماً، أي ثقباً). الأسمّ (الأنف الضيق المنخرين) السُّم (لنفاذه في الأحشاء) سع- من سعّ لا معنى له. مع -من معّ الشحم ونحوه (ذاب).
والمقطع الجذر هو (سم). و(العين) الملحقة للوضوح والعيانية، ومن هذه المقاطع نحصل على المعنى الأصل للسمع، هو (دخول صوت في ثقب الأذن يكون واضحاً بفعل حاسة السمع).
في حروفها: السين في أول اللفظة (للانزلاق والمسير). والميم (للانجماع والانضمام). والعين (للعيانية والوضوح). ومنه يكون السمع، موجات صوتية (س) تتجمع في تجاويف الأذن (م)، تكون واضحة بفعل حاسة السمع (ع). وهذا التعريف أبلغ مما جاء في أسرة اللفظة ومقاطعها مما ذكرناه منها وما لم نذكره.
5-بصق لغة:
من بصق (لفظ ما في فمه) بصق الشاة (حلبها وفي بطنها ولد، لكراهة هذا الفعل، وقذارة الحليب الناتج). ولا تخرج أسرتها عن هذه المعاني.
من مقاطعها : بص- من بصّ الماء (رشح) بصّت العين (نظرت بتحديق). بقْ من بقْت السماء (أمطرت). بقْ الخبر (أذاعه). صق- من صقّ لا معنى له.
والمقطع الجذر هو (بق) والصاد الملحقة في الوسط للشدّة على شيء من الامتلاء.
في حروفها : (الباء) للحفر يضاهي صوتها بداية الحدث في تجميع الريق وما في جوف الفم، وصوت (الصاد) المفخم يملأ جوف الفم بما يضاهي واقعة امتلائه بالبصاق والضغط عليه بشدّة (والقاف). للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي، مما يضاهي نهاية الحدث بقذف البصاق في قوة تحدث انفجاراً صوتياً شديداً وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى...)
ثم ما الفرق بين بصق ولفظ؟
6-لفظ لغة:
من لفظ بالكلام (نطق به) ولفظ الشيء من فيه وبه (رماه وطرحه). ولا تخرج أسرتها عن هذه المعاني
من مقاطعها: لف- من لفّ الشيء بالشيء لفا (ضمّه إليه ووصله به). لفّت المرأة لففا (تدانى فخذاها سمناً). لظْ- من لَظّ به لَظّا (لزمه ولم يفارقه). فظ -من فظّ فظظا وفظاظة (قسا وأساء).
المصدر الجذر هو (لف) يضاهي بداية الحدث باشتمال اللسان على المادة الملفوظة كلاماً أو شيئاً ما. والحقت به (الظاء) الملثوغة لمضاهاة نهاية الحدث عندما يخرج الملفوظ مدفوعاً بطرف اللسان برفق على شيء من الفخامة.
في حروفها: (اللام) للالتصاق والتعلق والمماطلة. تضاهي هنا تلاعب اللسان بأصوات حروف الكلمة أو بالشيء الملفوظ (والفاء) للتوسع والوهن، تضاهي واقعة انفراج الفم أو الشفتين أثناء اللفظ بتأن (والظاء) الملثوغة لإضفاء معاني الرقة والعذوبة والفخامة على اللفظ، وذلك دونما شدّة أو قوة أو انفجار صوت. وهذا بعض من الفوارق بين معنى بصق (لفظ ما في فمه) وبين لفظ الكلام (نطق به).
ثم ما الفرق بين اللفظ والنطق؟
7-نطق لغة:
من نطق نطقاً ومنطقاً (تكلم) نطق الطائر والعود (صوّت).
من أسرتها: أنطقه، ناطقه، استنطقه، الناطق للكلام، نطقه (شد وسطه بالنطاق).
من مقاطعها : نط من نطّ (وثب) النطاط (المهذار الكثير الكلام). نق -من نقت الدجاجة (صوتت) طق -من طقّ طقا (صوت).
وكل من المقاطع الثلاثة يصح أن يكون جذراً لكلمة (نطق) مع أفضلية مقطع (نق)، والحقت- (الطاء) في الوسط للمطاوعة والتلطيف من حدّة النقيق بفصل (النون) الرنانة عن (القاف) الانفجارية،
في حروفها : (النون) للانبثاق والرنين. و(الطاء) للمطاوعة والفخامة والطراوة و(القاف) للانفجار الصوتي. ومحصلة هذه المعاني يكون النطق هو: إخراج الكلام بشيء من الطراوة والفخامة والقوة.
ثم ما الفرق بين النطق والكلام.
8-الكلام لغة:
هو: (الأصوات المفيدة). وعند المتكلمين (المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بألفاظ: يقال في نفسي كلام).
من أسرتها: كلمهُ كلما (جرحه) كلّمه تكليما (وجّه الحديث إليه).
من مقاطعها: كل -من كلّ فلان (تعب) تكلل الشيء بالشيء (استدار به وأحدق). كم -من كمّ الشيء (غطاه وستره) لم- من لمّ الشيء (جمعه جمعاً شديداً) اللمّة بضم اللام (الرفقة).
وعلى الرغم من بعد معاني هذه المقاطع الثلاثة عن معنى الكلام، فإن مقطع (كم) هو الأصلح، لخاصية الاجتماع والستر في معناه (واللام) الملحقة هي هنا لتمثيل واقعة تلاعب اللسان بالكلام، ولو في لجلجة خفية.
في حروفها: (الكاف) للاحتكاك، تضاهي واقعة اعتمال الفكر بالمعنى الذي يجول في الخاطر. (اللام) لتمثيل واقعة تلاعب اللسان باللفظ المعبر عن المعنى، و(الميم) للانجماع والتماسك وهي تمثل هنا مطابقة اللفظ للمعنى.
ويستخلص من معاني مقاطع هذه اللفظة وحروفها، أن الكلام يمكن أن يكون حبيساً في النفس، خلافاً لمفهومي النطق واللفظ. وإذن فالله تعالى يكلم أنبياءه إيحاء بالمعاني دون أصوات مسموعة، كما يكون الكلام في أحلام اليقظة وفي المنام. وهكذا فإن تعريف الكلام عند (المتكلمين) هو أكثر تطابقاً مع المعنى المستفاض من موحيات حروف هذه اللفظة، ومع المعاني المستفادة من مقاطعها.
9-ذبح لغة:
من ذبح الشاة (نحرها في عنقها، والشيء شقه وثقبه).
من أسرتها: أذبحه. الذبيح، الذبح... ومعانيها جميعاً تدور حول النحر.
من مقاطعها :ذب- من ذبّ (لم يستقر في مكان واحد) ذح- من ذحّ الشيء (دقه وشقّه) بح- من بحّ الرجل (غلظ صوته وخشن).
وواضح أن المقطع الجذر هو (ذح)، وألحقت (الباء) في الوسط للحفر.
في حروفها : (الذال) للاهتزاز والذبذبة يضاهي صوته بداية النحر بتكرار حزّ السكين في العنق. و(الباء) لمضاهاة واقعة الحفر في العنق. و(الحاء) للبحة الصوتية والحشرجة والمطاوعة.
وهكذا قد توافقت معاني أسرة اللفظة ومقاطعها وحروفها في تمثيل ومحاكاة واقعة الذبح، من حز وشق وتخبط وبُحّة في الصوت.
ثانياً- في تحديد معاني بعض القيم الإنسانية والاجتماعية:
تنبيه لا بد منه:
لقد عرضت أكثر من مرة أن اللفظة العربية بحكم نشأتها الفطرية قد أبدعت أصلاً للتعبير عن معنى حسي معين، ولذلك فإن العربي عندما كان يعوزه التعبير عن معنى غير حسي في مراحله الثقافية المتطورة كثيراً ما كان يلجأ إلى استخدام لفظة معينة تتوافر بين معناها الحسي وبين المعنى المستحدث رابطة ذهنية ما. ولذلك فإن من طبيعة الأمور أن يختار اللفظة التي تكون موحيات أصوات حروفها أكثر توافقاً مع المعنى الجديد وسياقه. ولهذا السبب بالذات قد اختار لفظة (عقل الأشياء) بمعنى أدركها على حقيقتها، ولم يختر لفظة (ربط الأشياء) لهذا الغرض.
وكثيراً ما كان العربي يوفق في اختيار اللفظة المناسبة للمعنى الجديد إلى الحد الذي يغيب معه معناها الحسي، فلا يفطن له إلا كل ضليع. مما يجعل العودة إلى مقاطع مثل هذه اللفظة وحروفها مفيداً في الكشف عن معناها غير الحسي بمقدار ما هو مفيد في الكشف عن معناها الحسي الأصل، كما في (عقل الأشياء، وعقل البعير)، كما سوف نرى.
1-الحَميّة لغة:
هي الأنفة: والأنفة معناها (العزّة والحميّة). والعزّة معناها (الحميّة والأنفة والقوة والغلبة).
من أسرتها: حمت الشمس (اشتد حرها) حامى عنه (دافع) حِمى الله (محارمه) ومنه يكون مفهوم الحمية: هو (تأجج المشاعر لحماية المحرمات)، أي المقدسات.
من مقاطعها : حم- من حمّ النار (أوقدها). حمّه الأمر (أهمّه). حي حيّ يحي (فهو حيّ). مي- من ميّ، لا معنى له. والمقطع الجذر هو (حم)، والمقطع الثانوي هو (حي) ليصبح معنى الحمية (توقد الحياة).
في حروفها: الحاء (للعاطفة والحرارة). الميم (للانضمام والانجماع) (الياء) لتثبيت هذه الخصائص في نفس صاحبها. وهذه المعاني تتوافق مع المعاني المستخلصة من أسرتها ومقاطعها.
2-الأنفة لغة- (العزّة والحمية)
من أسرتها: الأنف (عضو التنفس والشم) أنِف (استنكف واستكبر). وهو مستمد من الصورة البصرية لرفع الرأس عالياً وفي مقدمته الأنف، في حالة ترفع النفس عن الصغائر أو المذلّة.
من مقاطعها :أن- من أنّ (تأوه) أف- من أفّ تضجر، نف - من نفّ الأرض (بذرها) والمقطع الجذر هو (أف) والنون الملحقة (للصميمية) ليصبح معنى الأنفة هو: التضجر الذاتي من المستكرهات).
في حروفها: الهمزة (للبروز). والنون (للصميمية والبطون).والفاء في نهاية اللفظة (للرقة) ليصبح معنى الأنفة (موقف تعال نابع من الصميم بلا عنف).
3-العزّة لغة:
هي الحمية والأنفة كما سبق.
من أسرتها: عزّ (قوي وبرئ من الذل) تعزَّز لحمه (اشتد وصلب) ليصبح مفهوم العزّة (الترفع بقوة عن الذل).
في حروفها: العين (للعلو والفعالية والوضوح) الزاي (للفعالية والشدّة) ليصبح معنى العزّة (المنعة والترفع بصلابة).
فما كان أوهى الروابط بين معاني هذه المفاهيم الثلاثة: (الحمية والأنفة والعزّة) التي جعلوها مترادفات وهكذا تتحول ألفاظنا إلى مصطلحات، ليس في نظر المستشرقين فحسب، وإنما في نظرنا نحن أيضاً، وذلك بفعل أصحاب المعاجم اللغوية أنفسهم.
4-الشهامة لغة :
هي: (عزة النفس وحرصها على مباشرة أمور عظيمة تستتبع الذكر الجميل).
من أسرتها: شهمه (نشطه، وزجره). الشهم (الذكي، السيد السديد الرأي).
من مقاطعها: شه- من شهّ (لا معنى له)، شم - من شمّ الرجل (ترفع وتكبر). الشمم (الارتفاع) هم من همّ بالأمر (عزم عليه ولم يفعل)، همّ الأمر فلاناً (أقلقه وأحزنه).
وهكذا فالشهامة هي: مزيج من الترفع والكبر والاهتمام وعلو الهمة.
في حروفها: الشين (للتفشي والانتشار). والهاء (للانفعالات النفسية) الميم (للانجماع والحرارة).
وهكذا مفهوم الشهامة بحسب معاني (أسرتها ومقاطعها وحروفها) هي أقرب إلى الكبرياء، التي في (الأنفة) وإلى الحرارة الوجدانية التي في (الحمية) وإلى ما في (العزّة) من ترفع ومنعة وفعالية. لتصبح الشهامة ضرباً من: (الاهتمام العام بالقيم الإنسانية)، أو ضرباً من (الالتزام بالقيم الاجتماعية) وهو أصدق مما جاء في المعاجم حول تعريف الشهامة.
5-الصّدق لغة:
هو (مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم). وهو (الصلابة والشدة).
من أسرتها : صدق في الحديث (أخبر بالواقع)، الصديق (الصاحب الصادق الود). الصَّدْقُ بفتح الصاد (الكامل من كل شيء) رجل صَدْق في القتال (ثَبْتٌ فيه). تصدّق عليه (أعطاه)، أي فعل معه فعل الأصدقاء.
من مقاطعها: صد- من صدّ (اعترض، منع، صرف). دق- من دقّ (كسر) دقّ الأمر (كان خفياً لا يدركه إلا الأذكياء). صق- من صقّ (لا معنى له).
في حروفها: الصاد (للصفاء والصلابة). الدال (للشدة والقوة). القاف (للقوة والمقاومة).
وهكذا فإن مفهوم الصدق بحسب المعاني المستخلصة من أفراد أسرتها ومقاطعها وحروفها يتجاوز (الإخبار بالواقع). إلى (صفاء الطوية وصد الإنحراف والشطط). ليصدق بذلك القول المأثور: (الصديق من صدَقَك، لا من صدّقك).
6-النبل لغة:
هو النبالة، وهي (الذكاء والنجابة والشرف).
من أسرتها: نُبل (عظم وشرف). النَّبل (السهام) لتتردد معانيها بين (الشرف والنبال).
من مقاطعها: نب- من نبّ التيس (صاح). نل- من نلّ (لا معنى له). بل من بلّ بالأمر (ظفر به) بلله الماء (ندّاه):
وهكذا يبدو كأن معاني هذه المقاطع لا علاقة لها بمعاني النبالة والشرف.
في حروفها: النون (للصميمية والانبثاق). والباء هنا من معانيها (البيان). واللام (للتعلق والالتصاق). ليصبح معنى النبل بحسب حروفها هو: (التعلق الواضح بصميم الذات). وهذه هي الأصالة في الإنسان)لذلك فإنَّ اسناد (الذّكاء والنجابة) للنبل لا محل له. كما أن اسناد (العِظم) إلى فعل النبل، لا محلَّ له أيضاً. ليبقى لنا من كل ما اسندوا إلى مفهوم النبل من معان هو حدس (الشرف). على أن ظاهرة -(التعالي) في الشرف، هي أبرز من ظاهرة (الانبثاق) من صميم الذات في النبل الذي هو ألصق ما يكون بمفهوم الأصالة ولكن ماذا عن الشرف؟
7-الشرف لغة:
هو (الموضع العالي يشرف على ما حوله، والعلو والمجد).
من أسرتها: شرُف المكان (ارتفع، والرجل علت منزلته)، أشراف الوجه ( الأذنان والأنف). الشرفة (أعلى الشيء).
من مقاطعها: شر- من شرّ شرّاً وشِرَّة (مال إلى الشرّ، وتعوده)، الشّرار والشرر (أجسام صغيرة متوهجة تنفصل عن جسم يحترق). شَف- من شفّ الثوّب (رقَّ حتى يُرى ما خلفه). رف من رفّ الطير (رفرف). رفّ له وإليه (هشّ واهتز وارتاح). الرّف (السّرب من الطير) والمقطع الجذر (رف) للتحليق.
وعلى الرغم من أن مفهوم الشرف المعنوي قد جاء مجازاً من معنى الشرف الحسي للمكان العالي، فإن كلاً من هذه المقاطع الثلاثة يكشف عن جانب معين من مفهوم الشرف فمن (شر)، التوهج. ومن شف الشفافية والرقّة. ومن المقطع الجذر (رف) للتحرك والعلو برفق، بما يماثل تحليق الطير. وقد الحقت (الشين) لإضفاء معاني الشمول على مفهوم الشرف.
في حروفها: الشين (للانتشار والتفشي) الراء (للتحرك)، الفاء في نهاية اللفظة (للرقة) لتضفي معاني هذه الحروف على مفهوم الشرف: الشمول، والحيوية، والرقة.
8-الشجاعة لغة:
هي: قوة القلب، وشدّة البأس.
من أسرتها: شجع شجاعة (قوي قلبه واشتد عند البأس) رجل شجاع وشجيع (جريء مقدام).
من مقاطعها : شج- من شجّه (شق جلدة رأسه أو وجهه). شع- من شعّ الشيء شَعَّاً (تفرق وانتشر). الشَّعاع بفتح الشين (المتفرق المنتشر). الشُّعاع بضم الشين (الضوء الذي يُرى كأنه خيوط). جع من جعّ فلانا (رماه بالطين). ومقاطعها الثلاثة تصلح أن تكون جذراً أصلاً لها.
في حروفها: الشين (للتفشي والانتشار). والجيم (للغلظة) والعين (للفعالية والعيانية). وهكذا فإن مفهوم الشجاعة ينطوي على (مواجهة) جميع التحديات علانية).
9-البطولة لغة هي:
الشجاعة.
من أسرتها: بطل الشيء بطلا وبطولاً وبطلانا (ذهب ضياعاً)، بطل في حديثه (هزل) بطُل بطولة (شجُع) ومعانيها تتردد بين: البطولة والبطلان.
من مقاطعها: بط من بّط الدّمّل ونحوه (شقه). بل من بلّ بالأمر (ظفر به). طل- من طلّ دم القتيل (ذهب هدراً). طلّ طلاًّ (حسن وأعجب). أطل (أشرف).
والمقطع الجذر (للبطولة) هو (بط) للشق، واللام (للتعلق) ليقتصر معنى البطولة على أعمال القتال والحروب وهذا المفهوم أضيق من مفهوم الشجاعة.
أما المقطع الجذر (للبطلان) فهو (طل) للهدر، والباء (للظهور) ليكون معنى البطلان(الأمر الظاهر الهدر).
في حروفها :الباء (للحفر والظهور) والطاء (للمطاوعة والفخامة) واللام (للتعلق). وهكذا ينطوي حدس البطولة بحسب معاني أسرتها ومقاطعها وحروفها على (الفتك والتعالي).
10-الكرم لغة:
هو: العطاء بسهولة والجود.
من أسرتها: كرمه وكارمه، واستكرم، والتكرمة، وهي تدور حول (الجود والعطاء). الكرْم (العنب).
من مقاطعها: كرّ- من كرّ الفارس كرّاً (عاد مرة بعد أخرى)، كرّرّ الشيء (أعاده مرة بعد أخرى) كمْ من كمّ الناس (اجتمعوا). رم- من رمّ الشيء. رمّا وَمَرمَّةً (أصلحه وقد فسد بعضه).
والمقطع الجذر هو (كر) للتكرار والإقدام، والمقطع الثانوي هو (رم) للإصلاح. ومحصلة معنييهما هي :(تكرار إصلاح ما فسد من حال الناس بالعطاء).
في حروفها : الكاف (للاحتكاك). والراء (للتحرك والتكرار) والميم (للانضمام والانجماع) بما يفيد الترميم والاصلاح. ومن معاني أسرة هذه اللفظة ومقاطعها وحروفها يتضح أن مفهوم الكرم يتناقض مع الإسراف والتبذير والسفه، ببذل المال فيما لا يغني ولا يرمم.
ثالثاً- في تحديد معاني بعض النقائص الإنسانية والاجتماعية:
ولنبدأ بتحديد مفهوم النقيصة.

1-النقيصة لغة:
هي (الخصلة الدنيئة).
من أسرتها: نقص الشيء (قلّ وخس). النقص (الضعف).
من مقاطعها: نق- من نقت الدجاجة أو الضفدع (صوتت). النقوق (الصائح) نص- من نص الشواء (صوت على النار). نصّ الشيء (أظهره ورفعه) قص- من قصّه (قطعة بالمقص). القصاص (العقوبة). تقصّص أثره (تتبعه).
والمقطع الجذر هو (قّص) والنون الملحقة (للصميمية) وبذلك يكون صاحب (النقيصة هو (المقطوع في صميمه) أي (الأبتر).
في حروفها: النون (للصميمية)، والقاف (للقوة والانفجار الصوتي) والصاد (للوضوح) والياء لترسيخ هذه الخاصية في نفس صاحبها.
وبالتأليف بين المعاني المستخلصة من أسرتها ومقاطعها وحروفها يصبح معنى النقيصة (خسة راسخة في النفس).
2-الكذب لغة:
هو خلاف الصدق.
من أسرتها: كذب (أخبر عن الشيء خلاف الواقع) كذب الظن والسمع (أخطأ).
من مقاطعها: كذ- من كذّ (خشن وصلب). كب- من كبّه على وجهه (قلبه وألقاه). أكب على وجهه (انقلب) ذب -من ذبّ (لم يستقر في مكان واحد) ذبّ لسانه (جفَّ) والذباب (نحَّاه وطرده). والمقطع الجذر هو (كب) للانقلاب والذال الملحقة (للذبذبة والاهتزاز).
في حروفها: الكاف (للخشونة والاحتكاك) الذال للاهتزاز والاضطراب. الباء هنا (للحفر والبعج). وهكذا، فإن الصورة المحسوسة لمقطع (كب) تشير إلى قلب الواقع وعكسه في حفرة نفسية، وليس (مجرد ذكر خلافه)، كما أن الخشونة والصلابة في مقطع (كذ) تشير إلى الصفاقة وفقدان ماء الحياء في الوجه والضمير. أما الصورة المحسوسة في مقطع (ذب) فهي تشير إلى الاضطراب والتفاهة في الكذب والكذاب، وكل منها يصلح أن يكون المقطع الجذر لها.
كما أن معاني حروفها تزيد في توضيح معنى الكذب، فالكاف للاحتكاك توحي (بالصراع الداخلي) والذال للاهتزاز توحي (بالاضطراب النفسي) والباء هنا (للحفر). ولذلك كثيراً ما يفضح الكذاب نفسه بنفسه لما يعانيه من اضطراب في النفس والذهن. ولقد أفاد علم النفس الجنائي من هذه الظاهرة في اختراع جهاز كشف الكذب.
3-النفاق لغة:
هو (إظهار المرء خلاف ما يبطن).
من أسرتها: نفق الشيء (نفد) المنافق (من يخفي الكفر ويظهر الإيمان) النفق (سرب في الأرض أو الجبل له مدخل ومخرج) النافقاء (إحدى حجرتي اليربوع يكتمها ويظهر غيرها).
من مقاطعها: نف- من نفّ الأرض (بذرها) نق- من (نقيق الدجاج والضفدع) فق- من فقّ الشيء (انفرج والباب فتحه) النقاق (الكثير الكلام القليل الغناء).
والمقطع الجذر هنا يختلف باختلاف المعنى المقصود من هذه اللفظة.
آ-فالمقطع (نف) للمعاني التي تدل على الإنفاق.
ب-والمقطع (نق) للمعاني التي تدل علىالنفاق.
جـ-والمقطع (فق) لما يدل على النفق والنافقاء.
في حروفها: النون (للصميمية والنفاذ والانبثاق) والفاء (للانفراج والاتساع والضعف) والقاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي).
ومعاني هذه الحروف هي أصلح ما تكون للتعبير عن (النفق). فالنون هنا (للنفاذ في الأشياء) والفاء (للانفراج) والقاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي). وحكاية النفق ليست إلا نفاذاً في أرض أو جبل بشيء من الاتساع وبكثير من القوة والمقاومة، وذلك (سوقاً للحروف على...)
وهكذا يمكن تعريف مفهوم النفاق بالرجوع إلى مقاطعها وحروفها، بأنه (نثر للكلام في سمع الآخرين، من (نفّ، ونقّ، وفقّ) بشيء من اللطف والليونة (للفاء) وبما يتعارض مع الصميم (للقاف) كما يمكن تعريف المنافق بالرجوع إلى أفراد أسرتها، بأنه : (هو الذي يتخذ الأنفاق في تعامله مع الآخرين). فيظهر بذلك خلاف ما يبطنه في دهاليز نواياه.
4- الخيانة لغة:
هي الغدر والنقصان.
من أسرتها: خان الشيء خونا وخيانة (نقصه). خان الأمانة (لم يردها). خان صديقه (غدر به)
من مقاطعها: خو- من الخوّ (الجوع، والعسل). الخوَّة (الأرض الخالية). خن -من خُنّ بضم الخاء (جُنّ). استخنت البئر (أنتنت). الخن، لغة في الخُم (محبس الدجاج). ون - من الوّن (للضعف). والمقطع الجذر فيها هو (خن) للخنخنة والنتانة والقذارة. وقد ألحقت (الياء) بها لاستقرار هذه الخاصية في صاحبها.
في حروفها: الخاء هنا (للقذارة والعيوب النفسية والأخلاقية). والياء (للاستقرار) والنون في نهاية الألفاظ (للخفاء والضعف).
وهكذا، فإن مفهوم الخيانة بحسب أسرتها ومقاطعها وحروفها ينطوي على النقاصة والغدر والنتانة وفساد النفس المستقر في الذات، مما يجعل الإعدام المادي أو الأدبي عقوبة عادلة للخيانة.
5- الخُبث لغة:
هو الفساد والرداءة.
خبُث الشيء (صار فاسداً رديئاً مكروهاً)، الخِبثة (الحرام). المخبثة (المفسدة). خب- من خبّ خِبّا (خدع وغش فهو خبّ) خببّه (خدعه وأفسده). خث- الخُثّ (غثاء السيل بعد أن يجف ماؤه، بث بثّ (فرق، والسّر أفشاه).
والمقطع الجذر هو (خب) للخداع والغش والثانوي (خث) للحثالات والقذارات والتوافه.
في حروفها: الخاء (للرخاوة والتشويه والتقزز) والباء هنا (للحفر والبقر). والثاء (للرقة والدماثة والبعثرة).
وهكذا تبدأ ظاهرة الخبث بطوية مجبولة على الفساد والغش وعلى ما هو خسيس وحقير (للخاء) ثم يتم الانتقال إلى الحفر ونصب الفخاخ حول الضحية (للباء) لتنتهي هذه الظاهرة بكل ما هو دمث من معسول الكلام والوعود (للثاء) وذلك (سوقاً للحروف على..).
6- الفُحش لغة:
هو (القبيح الشنيع من قول أو فعل).
فحش القول فحشا (اشتد قبحه) فحش الأمر (جاوز حدّه). فحَّش وتفاحش وتفحش والفاحشة، والفحشاء، (للشناعة والقبح قولاً أو عملاً).
من مقاطعها: فح- من فحّت الأفعى (صوتت) وفُحّة الفلفل (حدّته). فش من فشّ (نفخ قليلاً). الفش (الأحمق). الفشوش (المفتخر بالباطل) حش - من حشّ الشيء. (جف ويبس). حشّ الحرب (اضرم نارها). الحشيش (ما يبس من الكلأ).
وهكذا فالمقطع الجذر هو (فح) لما يماثل فحيح الأفعى من القول قبحاً وشناعة والمقطع الجذر الثانوي هو (فش) لما ينتج عن الحمق والبطلان من الأعمال الشنيعة والقبيحة.
في حروفها: الفاء (للانفراج والاتساع). والحاء (للعاطفة) وهي هنا سلبية. والشين في نهاية اللفظة (للتفاهة والتفشي).
وهكذا ينطوي مفهوم الفحش على انفراج العواطف السلبية عن الشناعة والقبح والتفاهة والجفاء، بأكثر ما يكون من الانتشار.
7-الخداع:
من أسرتها: خدع فلان خدعاً (تخلق بغير خلقه). خدع الظبي (دخل كناسه). خدع الطعامُ (أنتن) خدع الشيء (كتمه وأخفاه). الخادعة (الباب الصغير في الباب الكبير، والبيت في جوف البيت)- المخدع (البيت الصغير داخل البيت الكبير).
من مقاطعها: خد- من خدّ الأرض (حفرها)، الأخدود (الشق المستطيل في الأرض) الخُدّة (الحفرة). خع -من خعّ الفهد (صاح من حلقه إذا انبهر في عدوه) دع -من دعّه (دفعه دفعاً عنيفاً بجفوة).
وهكذا تكون محصلة معاني مقطعي (خد +دع): أن يحفر أحدهم حفرة. ثم يدفع شخصاً آخر بقوة وجفوة ليوقعه فيها.
وهذا المعنى هو أكثر توافقاً مع المفهوم الحقوقي والأخلاقي للخداع مما جاء في أسرتها. فمجرد أن يتخلق إنسان ما بغير خلقه، إذا لم يكن لغرض معين من إيقاع الأذى بالآخرين، لا تتوافر فيه شروط مفهوم الخداع فالناس إذا عمدوا إلى إخفاء عيوبهم الجسدية أو النفسية، وعملوا على الظهور بأحسن المزايا، لا يُعد في حد ذاته خداعاً ولهذا السبب عرّض الشاعر العربي بهذه الظاهرة الإنسانية دون أن يدينها أخلاقياً فقال:

ومهما تكن عند امرء من خليقة
وإن خالها تُخفى على الناس تُعلم.

في حروفها: الخاء (للعيوب النفسية والأخلاقية) والدال (للشدة) والعين (للفعالية)،
وهكذا فإن المعاني السابقة تضفي على الخداع شيئاً من الشدة والفعالية. مما يؤكد أن المخادع يتحلى بقدرات ذهنية متميزة، وهمة وعزيمة، وأنه ليس مجرد خائن خسيس أو منافق ضعيف أو خبيث يتزلف ولهذا السبب قيل (الحرب خدعة).
8-الغدر لغة:
هو -نقض العهد وترك الوفاء به.
من أسرتها :غدَر الرجل (نقض العهد، وشرب ماء الغدير). غدر الشيء (خلّفه وجاوزه). الغدير (القطعة من الماء يغادرها السيل).
في مقاطعها: غد- من غدّ البعير (صار ذا غدّة، وهو طاعون الإبل)، ولا علاقة له. غر - من غرّ الرجل غرّا أو غُروراً (جهل ، وفلانا، خدعه وأطمعه بالباطل، غرّه الشيطان وغرته الدنيا). غرّر به (عرّضه للتهلكة) در- من درّ الماء أو الحليب (كثر وجرى وسال).
يمكن اعتماد مقطع (غر) للتغرير جذراً للفظة الغدر، وألحقت الدال به للقساوة والعنف. كما يمكن اعتماد (در) لكثرة المياه وجريانها جذراً للفظة الغدير، وألحقت الغين في أوله (للغؤور والغموض).
في حروفها: الغين (للغؤور والغموض) والدال (للشدة) والراء (للتحرك والتكرار). ومعاني هذه الحروف تكشف عن المعنى الأصل لكل من أفراد أسرة هذه اللفظة ومقاطعها، وإن تنوعت معانيها، واختلفت بين معاني الغدر والغدير.
9-الحسد:
من أسرتها : حسده (تمنى أن تتحول إليه نعمته، أو أن يسلبها).
من مقاطعها : حس- من حسّ الشيء حسّا (استأصله). انحسّ (انقطع)، حد- من حدّ السيف حِدّةً (-صار قاطعاً)، أمر حَدَد (ممتنع باطل) سد- من سدّ الشيء سّدا (أغلق خلله وردم ثلمه)، تسدَّد- واستدّ (استقام وانتظم)، السد (ما يسد مياه الوادي من حجارة).
يمكن اعتماد (حس) للاستئصال والقطع مصدراً جذراً للحسد بمعنى سلب المحسود والدال للشدة. كما يمكن اعتماد مقطع (سد) جذراً لها بمعنى تحويل النعمة من المحسود إلى الحاسد، وألحقت الحاء (العاطفية للمشاعر السلبية).
في حروفها : الحاء (للعاطفة السلبية) والإحاطة والسين (للمسير والخفاء). والدال (للشدّة).
وهكذا تضفي حروف ومقاطع هذه اللفظة على مفهوم (الحسد) مشاعر إنسانية سلبية، لا تقف عند حدود التمني بل تتعداه إلى السعي الخفي، لاستئصال النعمة من المحسود (حس)، أو لتحويل النعمة عن صاحبها إليه (سد).
10-السرقة شرعاً:
هي- (أخذ مال معين المقدار غير مملوك للآخذ من حرز مثله خفية).
من أسرتها سرقه (أخذ ماله خفية). سرق صوته (بُحّ). سُرق (خفي).
من مقاطعها: سر- من سرّه سروراً ومسرة (أفرحه).سرَّ الشيء سِرَّاً (كتمه). السريرة (ما يكتم ويسرّ) سق- من سقَّ (لا معنى له). السقق (المغتابون للناس). رق- من رقه (جعله رقيقاً)- رقّ له (رحمه وخضع وذلّ. واستحيا والحُرُّصار رقيقاً).
والمقطع الجذر هو (سر) للخفاء، وألحقت القاف به للقوة والمقاومة. بمعنى أن السرقة وإن كانت تعتمد التلصص والتستر والخفاء ابتداء، فإنها تعتمد القوة انتهاء، في الكسر والخلع وربما القتل على العكس من الاختلاس كما سيأتي.
في حروفها: السين (للمسير). تضاهي سعي اللص تصيداً للفرص والراء (للتحرك والتأود ذات اليمين وذات اليسار والتكرار)، تضاهي واقعة التلصص والمراقبة تمهيداً للجرم، والقاف (للقوة والمقاومة) تضاهي نهاية الحدث بالإقدام على انتزاع المال من حرزه بقوة وذلك (سوقاً للحروف).
11-الاختلاس:
لغة: الاستلاب مخاتلة وانتهازاً. ولا تخرج أسرتها عن هذه المعاني.
من مقاطعها: خل- من خلّ خلولا (صار فيه خلل). خلّ الشيء (ثقبه ونفذه) الخلل والخلال (منفرج بين شيئين) خس- من خسّ الرجل (فعل الخسيس)، خسّ النصيب (قلّ) الخسيس (القليل التافه) لس -من لسّ الشيء لسّا (أكله ولحسه).
وهكذا فالمقطع الجذر هو (خل) للخلل والانفراج، بما يضاهي بداية حادث الاختلاس، في انتهاز فرصة مواتية من غفلة في الذهن وفسحة في الزمان أو المكان. وقد ألحقت السين في نهاية اللفظة للخفاء بما يضاهي نهاية الحدث بالاستيلاء على المسلوب خفية ودونما شدة، على العكس مما لحظناه في مفهوم السرقة.
في حروفها : الخاء (للاضطراب والرخاوة والخسّة). اللام (للالتصاق). السين في نهاية اللفظة (للخفاء). وهكذا تضيف (الخاء) إلى مفهوم الاختلاس معاني الخسة، كما تحدد (اللام) شروط الاختلاس، من تواجد المختلس والمختلس منه والشيء المختلس في مكان واحد، وذلك لخاصية الالتصاق فيه وإلاّ كانت الفعلة سرقة لا اختلاساً.أما (السين) في نهاية اللفظة فهي للخفاء): ولذلك أطلقوا على سرقة أموال الدولة من المؤتمن عليها مصطلح (الاختلاس) للخسة والخفاء. هذا كما يمكن اعتماد (لس) جذراً للأكل واللحس و(الخاء) للرداءة.
12-البخل:
من أسرتها : بخُل بكسر الخاء وضمها (ضنَّ بما عنده ولم يَجُد).
من مقاطعها : بخ- من بخّ (لا معنى له). بل -من بلّ من مرضه (برأ وصحّ) بلّ بالأمر (ظفر به) خل- من خلّ الشيء (صار فيه خلل)، خلّ فلان (افتقر واحتاج).
والمقطع الجذر هو (خل) للافتقار والاحتياج والحقت الباء في أوله وهي هنا (للبيان والظهور) وهكذا فإن إعلان الفقر والاحتياج، هو الشرط اللازم والكافي لمفهوم البخل، بمعنى أن مجرد تظاهر الإنسان بالفقر والاحتياج، كاف لاتهامه بالبخل. كما أن من يمنع الحاجة عن سائلها، إذا لم يعلن فقره واحتياجه لا يقال له بخيل، وإنما مقتر، أو شحيح، أو ضنين.
في حروفها: الباء (للظهور والبيان) الخاء (للخسة والرخاوة). اللام (للتعلق والالتصاق)- وهكذا تكشف معاني هذه الحروف عن حقيقة مفهوم البخل، من العلنية (للباء) ، والخسة (للخاء)، وإمساك اليد والتعلق بالحاجة موضوع المسألة (للاّم).
13-الشح:
من أسرتها: شحّ الماء (قلّ وعسر) شحّ فلان بالشيء (بخل به). الشح (البخل والحرص). وهكذا فالشح هو البخل مع الحرص، ولا يشترط فيه التظاهر بالفقر والحاجة، لا بل يشترط في الشحيح اليسر والسعة.
في حروفها : الشين (للتفشي والجفاف) والحاء (مسيبة المعاني، هي هنا للعواطف السلبية). لتضفي الشين على مفهوم (الشح) الشمول والإطلاق، يشمل الشحيح ذاته وأهله.
14-الضن:
من أسرتها: ضنّ عليه (بخل بخلاً شديداً) الضنين (الشديد البخل، أو البخيل بالشيء النفيس).
وهكذا فالضن يغلب على مفهومه: البخل بما هو نفيس، أو أثير على النفس عزيز، ليرقى بذلك أحياناً إلى مرتبة الفضيلة. وذلك كمن يضن بمحبة آخر أو صداقته، أو سمعة قومه وشرف أمته، (لا يفرّط بهما) وما إلى ذلك، مما لا يصح فيه استعمال البخل أو الشح.
في حروفها :الضاد (للفخامة والنضارة ومشاعر النخوة). النون في نهاية اللفظة (للرقة والأناقة والاستقرار). وهذه المعاني تتعارض أصلاً مع معيبات البخل والشح والتقتير وتتوافق مع مفهوم الضن بما هو أثير وعزيز على النفس وهو المعنى الأصل.
رابعاً -في تحديد معاني بعض المفاهيم الاجتماعية والفلسفية:
لقد لاحظ القارئ ولا شك سهولة استنباط المعاني الفطرية الحسية للأمثلة من الأحداث التي استعرضناها آنفاً بالرجوع إلى أسرها ومقاطعها وحروفها، كما في قطع (فصل...).
أما استنباط الروابط الذهنية بين المعاني الحسية والمجردة للقيم والنقائض، كما في (الحميَّة -النفاق -الخداع...) فقد اقتضاني شيئاً من الجهد والمشقة.
ولكن استنباط الروابط الذهنية بين الحسي والمجرد في هذه الفئة من المفاهيم (الاجتماعية والفلسفية) قد اقتضاني المزيد من الجهد والمشقة، كما سيرى القارئ وذلك لعلة التجريد في بعضها وغلبة استعماله للمعاني المجردة، كما في (العقل- العقيدة- الحق) كما سيأتي.
1-فماذا عن العقل؟
هو لغة (ما يقابل الغريزة التي لا اختيار لها. وما يكون به التفكير والاستدلال وتركيب التصورات والتصديقات، وما به يتميز الحسن من القبيح، والخير من الشر، والحق من الباطل).
من أسرتها: عقل الأشياء عقلا (أدركها على حقيقتها) عقل البعير (ضم رسغ يده إلى عضده وربطهما بالعُقال ليبقى باركاً). عقل فلاناً عن حاجته (حبسه عنها). عقل البعير (التوت رجله). العُقال (الحبل الذي يُعقل به البعير) المعقِل (الملجأ والحصن).
ونظراً لغلبة معاني الربط والحبس على المشتقات السابقة، فإن العربي كما يبدو قد استعار هذه اللفظة الرعوية للتعبير عن مفهوم (العقل المجرد) في مرحلة ثقافية متطورة، وذلك لرابطة ذهنية مشتركة بين الصورة الحسية (لعقل البعير) والصورة الذهنية (لعقل الأشياء).
فما هي هذه الرابطة بين المعنيين؟
إنها واقعة الربط ذاتها: فالعقال يربط حسياً (رسغ يد البعير إلى عضده)، والعقل يربط ذهنياً (العلة بالمعلول) كما في العلاقة بين الاحتكاك والحرارة، فالاحتكاك (علة) والحرارة (معلول) فإذا صح الربط بين العلّة والمعلول توصل الذهن إلى حقيقة معينة ومن خصائص الحقائق (الثبات) بما يماثل ثبات البعير بعد عقله. والثبات يقوم أصلاً على التوازن) بين المقادير (1+1=2). وخاصية الربط بين العلّة والمعلول وما يستتبع ذلك من التوازن بين المقادير أو القيم وما إليهما، يمارسهما العقل في شتى المجالات الرياضية والفيزيائية والاجتماعية والفلسفية والجمالية والروحية واللغوية أيضاً.
وهكذا يدرك العقل حقائق الأشياء أي عللها ومعلولاتها. وما أحسب أن المفهوم الفلسفي الحديث للعقل يتجاوز حدود حدس العربي فيه.
في مقاطعها:عق- من عقّت انثى الحيوان (حملت) عقّ ثوبّه (شقّه) عقّ أباه (عصاه) العقّة (حفرة عميقة في الأرض). عل- من علّ (شرب ثانية ومرض) قل - من قلّ الشيء (نقص) - استقل الطائر (ارتفع). ومعاني هذه المقاطع بعيدة عن مفهوم الربط والعقل وإن كان في مقطع (عق) لحمل انثى الحيوان ما يتصل بمعنى الربط لواقعة اللقاح فماذا عن حروفها؟
في حروفها- العين هنا (للفتل والدوران كما مر معنا في دراستها) بما يضاهي واقعة لف العقال على رسغ يد البعير وعضده والقاف (للقوة والمقاومة) بما يضاهي الشّدة والمقاومة في الربط. واللام- (للالتصاق والتعلق) بما يضاهي ضم رسغ اليد إلى العضد والتصاقهما، وذلك (سوقاً للحروف على...). ويطيب لي أن أتساءل هنا: لماذا اختار العربي لفظه (عقل البعير) الحسية للتعبير عن (عقل الأشياء) الذهنية، ولم يختر لفظه (ربط) وهي في إطلاقها أعم من (عقل)؟
ذلك أن (العيانية والوضوح) للعين في عقل هما من أخص الخصائص العقلية. كما أن (القوة والمقاومة) في القاف تضاهي واقعة المشقة الذهنية في الكشف عن حقائق الأشياء وعللها. أما اللام- (للالتصاق) فهي تمثل واقعة ارتباط العلّة بالمعلول التصاقاً سرمديا.
أما في (ربط الدابة)، فالراء (للحركة والتكرار) تضاهي واقعة التفاف الحبل حول عنقها أو رسغها، والباء (للحفر والبقر) تضاهي ربطها بوتد يشق الأرض من (بطّ الدّمّل، شقها) والطاء- (للمطاوعة والفلطحة) تضاهي واقعة استكانتها لفعل الربط).
وواضح أن المعاني الحسية في (ربط) تقصِّر عما في (عقل البعير) من الضبط والربط والإحكام، كما أن أصوات حروفها تفتقر إلى ما في موحيات صوت العين من إشراق وعيانية ووضوح، لا يضاهيه في ذلك إلا إشراق الذهن في تأملاته العقلية.
2-الفكر لغة:
هو إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول.
من أسرتها: فكّر في الأمر (أعمل العقل فيه ورتب بعض مايعلم ليصل به إلى مجهول). أفكر في الأمر (فكّر فيه) افتكر الأمر (خطر بباله). الفكرة (الصورة الذهنية لأمر ما).
من مقاطعها: فك- من فكّ الشيء (فصل أجزاءه) وفكّ العقدة (حلّها). فر- من فرّ الأمر وعنه (بحثه ليكشفه). فرّ الدابة (كشف عن أسنانها لينظر ما سِنُّها). كر- من كرّ الليل والنهار (عادا مرة بعد أخرى).
وهكذا فالمقطع الجذر هو (فك) لمضاهاة ما يقوم به الذهن من تجزئة المشكلة موضع النظر إلى عناصرها الأولية، مادية كانت أم ذهنية، و(الراء) الملحقة به للدلالة على التحرك والتكرار والترجيع في الذهن أثناء التفكير. أما المقطع الثانوي فهو (كر) للترجيع والتكرار، و(الفاء) الملحقة به للتوسع والانفتاح في الذهن وللقارئ. إذا رغب أن يعتبر المقطع الثانوي (فر) للبحث والاختبار والانفتاح و(الكاف) الملحقة به (لاحتكاك الذهن بما لديه من معطيات).
في حروفها :الفاء (للشق والفصل والانفراج والانفتاح)، مما يضاهي تجزئة موضع التأمل إلى عناصره الأولية، والكاف (للاحتكاك) مما يضاهي إعمال العقل في المطابقة بين المعطيات المعلومة وبين المجاهيل المطلوب معرفتها، كما في الفكر الهندسي والرياضي أو الفلسفي والراء (للتكرار والترجيع)-بما يضاهي إمعان النظر وتقليب الأمر على مختلف وجوهه.
3-العقيدة هي:
الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده وفي الدين هو: ما يُقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله وبعثه الرسل.
من أسرتها: عقد الزهر (تضامت أجزاؤه فصار ثمرا) عقد الحبل ونحوه (جعل فيه عقدة). عقد قلبه على الشيء (لزمه)، أعتقد الشيء (صلب واشتد). (العِقد (قلادة من خرز ونحوه تُحيط بالعنق).
والعقيدة بحسب أسرتها، هي ما انعقدت النفس عليه من معنى معين، فتتكون به تكويناً جديداً على مثال ما ينعقد الزهر في الثمر.
من مقاطعها: عق- من عقّت انثى الحيوان (حملت). عد- من أعدّ الشيء (هيأه وجهزّه). قد- من القدّ (المقدار، والقامة والقوام). والمقطع الجذر هو (عق) لحمل الأنثى، مما يضاهي لقاح النفس بمعتقد معين. والدال (للشدّة).
في حروفها: العين (للسمو والعيانية والوضوح والفعالية والعقد والربط). لتجمع العين بذلك كامل المضمون الروحي للعقيدة الإنسانية النبيلة. والقاف (للقوة والمقاومة) مما يضاهي قوة التمسك بالعقيدة والياء في الوسط (لاستقرار المعنى في الصميم. والدال (للشدة المادية)، مما يضاهي واقع شدة التمسك بالعقيدة بكل ما لدى صاحبها من قوى.
وهكذا قد جمعت (لفظة) العقيدة إلى نفسها أقوى ما في أصوات الحروف من موحيات القوى الروحية والمادية، وذلك على مثال ما جمع (مفهوم العقيدة إلى ذاته أقوى ما في أغوار النفس من أسباب التفتح والنماء جيلاً بعد جيل، وعقيدة بعد عقيدة، وألف مأساة وكارثة بعد ألف، منذ فجر الحضارة الإنسانية إلى نهاية الحياة، إن كان للحياة نهاية.
4-العدل لغة:
هو الإنصاف، وهو إعطاء المرء ماله وأخذ ما عليه.
من أسرتها: عدل عدلاً وعدولاً (مال، وإليه رجع، وفي أمره استقام). اعتدل (توسط بين حالين من كم وكيف). العِدل (المثيل والنظير ونصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير).
وهكذا فالمعنى المحسوس لمفهوم العَدل هو نصف الحمل وزناً لا نوعاً.
من مقاطعها: عل- من علّ (شرب ثانية، ومرض). عد- من عدّ الدراهم (حسبها وأحصاها)- العديد (النِّدّ والقرن والنظير). دل -من دلّه عليه (أرشده وهداه).
وهكذا، فالمقطع الجذر لهذه اللفظة هو (عد) للقرن والند والنظير، أما المقطع الثانوي فهو (دل) للهداية والرشاد.
في حروفها: العين (للعيانية والوضوح والسمو). الدال (للشدة). اللام (للتعلق والالتصاق). والعدل بحسب هذه المعاني يتصف بالعيانية والظهور والوضوح (للعين). وبالشدّة (للدال)، وبالالتزام- (للام).
وهكذا يتلخص مفهوم العدل في الموازنة العلنية بين الحقوق، والموازنة هي أحد عناصر الجمال. على أن ظاهرة العطاء في العدل هي الأصل كما في قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). (سورة/ النساء- 3)- فعندما يقضي العدل أن يأخذ من أحد شيئاً فذلك ليعطيه إلى صاحب حق آخر فيأخذه بالحق. وفي ذلك قوله تعالى:
(وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) سورة (الأعراف /159).
5- الحق لغة:
هو ضد الباطل، والأمر المقضي، والعدل، والمال، والملك، والوجود الثابت، والصدق والحزم، والواجب، وما أكثر الخلط في هذا التعريف. وهو من الأسماء الحسنى.
من أسرتها: حق الأمر (أوجبه) استحق الشيء (استوجبه واستأهله) الحُق (النقّرة في رأس الكتف، أو رأس الورك الذي فيه عظم الفخذ). حُقّ الطيب (وعاؤه).
والمعنى الحسي الأصل لهذه اللفظة هو الحُق (للنقرة في رأس الكتف أو رأس الورك) وهذه النقرة هي الحيّز الطبيعي اللازم والكافي للنتوء في عظم العضد أو عظم الفخذ، كيما يقوم بوظائفه الطبيعية فلا تضيّق في النقرة يحول دون تحرك النتوء، ولا توسع فيها يؤدي به إلى الانخلاع من مقره. وهذا ما يتوافق مع مفهوم الحّق الطبيعي للإنسان.
في حروفها: الحاء (للعاطفة والحرارة والإحاطة) والقاف المشددة (للمزيد من القوة والمقاومة) وهذان الحرفان اللذان يجمعان بين العاطفة والقوة دونما فاصل بينهما يحكيان قصة الحق عبر التاريخ فحقُّ التملك، وهو أصل الحقوق جميعاً، يبدأ برغبة ما (للحاء)، فتعمل القوة فوراً على تحقيقها (للقاف المشددة). وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
على أن مفهوم الحق بحسب أسرة هذه اللفظة وحرفيها هو أن يأخذ الإنسان الحيز اللازم والكافي لممارسة وظائفه الطبيعية دون زيادة أو نقصان في مختلف مجالات الحياة الأسروية والدينية والسياسية وما إليها. وإذن فإن ظاهرة الأخذ في مفهوم الحق هي الأصل على النقيض من مفهوم العدالة وإن كان كل منهما يكمل الآخر ويتممه.
وهكذا يُضفي حرف الحاء على مفهوم الحق حرارة التعلق العاطفي بمواضيعه والإحاطة بها. أما حرف القاف، فيكشف عمّا يقتضي الإنسان من قوة للحصول على حقوقه بمواجهة ما يلقاه في سبيل ذلك من مقاومة جميع الكائنات وقوانين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية على حد سواء.
ومفهوم الحق بحسب اللغة العربية يختلف عن مفهوم العدالة في أمور كثيرة، منها:
العدالة موضوعية عيانية، والحق ذاتي صميمي.
العدالة ظاهرة اجتماعية والحق ظاهرة أصالة حياتية.
العدالة توازن، والحق تكامل.
العدالة عطاء، والحق أخذ.
6-الرحمة لغة هي:
رِقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان والمغفرة.
من أسرتها: رحِمه (رقّ له وغفر وتعطف). الرِّحم، والرَّحِم (بيت منبت الولد ووعاؤه، والقرابة وأصلها وأسبابها)، الرحمن، الرحيم (من أسماء الله الحسنى).
من مقاطعها: رم- من رمّ الشيء رما ومرمة (أصلحه وقد فسد بعضه). حم -من حمّ التنور (أوقده) الحميم بالحاجة (الكلف بها). رح- من رحَّ الفرسُ (اتسع حافره). الرَّحَح (الجِفان الواسعة). الجفنة هي القصعة العظيمة تشبع أكثر من عشرة.
والمقطع الجذر هو (رح) بمعنى الاتساع والجفنة الواسعة للطعام. وألحقت به (الميم) للانجماع والانضمام. وهكذا فإن الجفنة الواسعة المفتوحة المعدّة للطعام في (رح) تنقلب (بميم) الأمومة المضافة إلى وعاء واسع مغلق معد لاستيعاب الجنين وما يحتاجه من الطعام في (الرَّحِم).
أما المقطع الثانوي فهو (حم) للحرارة والإحاطة والتعلق وخاصية الأهل والولد.
في حروفها: الراء (للتحرك والتأود) الحاء هنا (للإحاطة وعاطفة المحبة والحرارة). الميم (للانضمام والانجماع والحرارة).
وهكذا تتوافق معاني هذه الحروف إلى أقصى الحدود مع معنى (الرحم)، ومع مفهوم (الرحمة) في كل ما يكتنفهما من مظاهر الحركة والتحرك والحرارة والإحاطة والانضمام، حسيها ومعنويها على حد سواء.
ولما كان أصل المعاني في اللفظة العربية هو الحسي، فإن مفهوم (الرحمة) قد اشتق من (الرحِم) كوعاء للولد، وذلك لما تقتضيه هذه الصلة بين الأم وجنينها من دواعي العطف والحدب والرقة والحنان.
وهكذا يتجاوز مفهوم الرحمة مفاهيم العدالة (تعادل واعتدال)، والحق (واجب) والكرم والصدقة (عطاء) إلى ما هو أمس بصميم الإنسانية، فكما أن عاطفة الأمومة تنبعث أصلاً من علاقة الأم بمعناها (الجنين)، فإن الرحمة تنبعث أيضاً من علاقة الإنسان بمعناه الملقى على الآخرين، في فيض ذاتي يلتزم به وجدانياً تجاههم عفو فطرته السوية، في وعاء من الرحمة، لا أوسع رحاباً ولا أضمّ آصرة، ولاأكثر دفئاً. وجاء في كتابه العزيز (ورحمتي وسعت كل شيء). فكان الرحمن الرحيم من أسماء الله الحسنى.
7-الشعور لغة:
هو الإدراك بلا دليل. الإحساس. وفي علم النفس، يطلق الشعور على العلم بما في النفس أو بما في البيئة، وعلى ما يشتمل عليه العقل من إدراكات ووجدانيات ونزعات، ولذا قالوا أن للشعور ثلاثة مظاهر هي: الإدراك والوجدان، والنزوع. وهذا التعريف لا يخلو من غموض واضطراب.
من أسرتها: شعر به شعوراً (أحسّ به وعلم). الشّعر (ما ينبت على الجسم مما ليس بصوف ولا وبر للإنسان وغيره). الشِّعْر (كلام موزون مقفى قصداً). الشعيرة (ما ندب الشرع إليه وأمر بالقيام به). وهكذا تتوزع هذه المعاني بين الشعور وشعر البدن، فأيهما هو الأصل؟
من مقاطعها : شع- من شعّ الشيء شعّاً (تفرق وانتشر). أشعّت الشمس. شر- من شرّ فلان (مال إلى الشر). الشّرار والشرر (أجزاء صغيرة متوهجة تنفصل من جسم يحترق). عر- من عرّ الظليم عِراراً (صاح). العَرّة (الشدة والخلة القبيحة). العُرَّة (الجرب).
والمقطع الجذر هو (شع) للانتشار والاشعاع و(الراء) الملحقة به، للتحرك والترجيع. أما المقطع الثانوي، فهو (شر)، للبسط وتناثر الشرار والشرر و(العين) الملحقة به للعيانية والوضوح.
أن مقطع (عر) لا علاقة له. ولذلك إذا اعتمدنا مقطع (شع) للانتشار والتفرق كانت (الراء) الملحقة به للتحرك والتأود، وكان المعنى أقرب إلى شعر البدن. أما إذا اعتمدنا مقطع (شر) لبسط الأشياء وتناثر الشرار والشرر من الأجسام المتوهجة كانت (العين) الملحقة به للسمو والعيانية والوضوح كان المعنى الصق بالشعور الإنساني.
في حروفها: الشين (للتفشي والانتشار). والعين (للعلو والعيانية والوضوح)، والراء (للتحرك والترجيع والتأود والتكرار). وهذه المعاني تتوافق مع الصورة البصرية لشعر رأس الإنسان عندما تتلاعب الأنسام بذوائبه ذات اليمين وذات الشمال. كما أنها تتوافق مع المفهوم الفلسفي للشعور (فالشعور هو تيار نفسي مستمر معبأ بالمعاني والتصورات الذهنية).
وهذا التعريف يتضمن خصائص الشعور الأربع التي قال بها الفيلسوف الفرنسي (هانري برغسون) وهي: (الديمومة، والتغير، والتكامل، والاصطفاء).
فالشين (للتفشي والانتشار)، مما يحاكي الانفعال النفسي مع بداية كل حالة شعورية. والعين (للعيانية والوضوح والصفاء والفعالية)، مما يحاكي انتقال الشعور من الانفعال إلى حالة نفسية واضحة (حب. كره. عطف. حزن. حقد) والراء (للتحرك والترجيع والتكرار)، مما يحاكي حركة الشعور ضمن الحالة النفسية الواحدة، من تصور إلى تصور، في حركة واصطفاء. وذلك سعياً من الشعور لتحقيق المثل الأعلى في تحفة فنية (تمثال، لوحة، قصيدة، معزوفة...) أو في قيمة أخلاقية (بطولة، كرم، نجدة..).
فهل يُعقل أن يكون العربي قد عنى بالشعور هذا المفهوم الفلسفي البرغسوني الحديث؟.
أعتقد أن نعم، إن لم يكن فلسفياً فعلى واقع نظرته الفنية إلى الحياة المعاشة، فما الشعر العربي إلا حصيلة معاناة الشاعر مع مشاعره الإنسانية على وجه ما سبق بيانه، في موقف حب، أو بطولة، أو نخوة أو فخار. وكان مَثل العربي الأعلى، أن يصبح بطلاً أو شاعراً.
8-الضمير لغة:
هو: استعداد نفسي لإدراك الخبيث من الطيب من الأعمال والأقوال والأفعال
من أسرتها: ضمُر ضموراً (هزل وقلّ لحمه). أضمرت المرأة (حملت، والشيء أخفاه). رجل ضمر (ضامر البطن).
من مقاطعها: ضم- من ضمّ الشيء (قبضه إليه وجمعه). ضر- من ضّره (الحق به مكروهاً أو أذى) الضّراء (الشدة). مر- من مرّ الرجل مروراً (جاء وذهب). مرّ الشيء مرارة (صار ذا طعم مرّ). ولا علاقة له.
فالمقطع الجذر هو (ضم) للانضمام، مما يتوافق مع دخيلة الخاطر في النفس و(الراء) الملحقة به للحركة تعطي دخيلة الخاطر التي تضمها النفس قدرة على التحرك للتحقق خارج الذات في فعل أو قول. وخاصية الحركة في الضمير هي التي تضفي عليه معناه الأخلاقي، مما هو ألصق بالمفهوم الفلسفي للضمير الإنساني، فالضمير الذي لا يتحرك إنما هو مجرد سِرّ متحجر لا حياة فيه.
أما المقطع الثانوي فهو (ضر) للضرر، والميم الملحقة في وسطه تتوافق مع ألحاق الضرر بالجوف وهو الهزال الذي يصيب البطن أصلاً، فعمم العربي هذه الحالة على كل ضمور يصيب الإنسان أو الحيوان أو الأشياء.
في حروفها: الضاد (للفخامة والنضارة)، والميم (للانضمام والانجماع)، والراء (للحركة والترجيع). معاني هذه الحروف هي أكثر توافقاً مع مفهوم الضمير الفلسفي، من الضمور الحسي.
9-السعادة لغة:
هي معاونة الله للإنسان على نيل الخير.
من أسرتها: سعد (نقيض شقي، أي كان في راحة نفسية). ساعده في الأمر (عاونه). ومعاني هذه اللفظة وأسرتها تتردد بين نيل الخير والراحة النفسية، وبين المساعدة.
من مقاطعها : سع- من سعّ لا معنى له. سد من سدّ الشيء سداداً وسدوداً (استقام). السدّ (الحاجز بين الشيئين). عد - من عدّ الدراهم (حسبها وأحصاها). أعدّ الشيء (هيأه وجهزه). والمقطع الجذر هو (سد) للاستقامة، والعين الملحقة به للصفاء والعيانية والوضوح والفعالية.
في حروفها: السين (للحركة والطلب) العين (للصفاء والوضوح والفعالية). الدال (للشدّة والقوة). وهكذا فإن مفهوم السعادة، يتردد بين نيل الخير والراحة النفسية والمساعدة والاستقامة بوعي وفعالية. وإذن فالسعادة كراحة نفسية تتحقق، إما في (مساعدة الآخرين بعزيمة واعية)، وإما في (السعي باستقامة ووعي وفعالية).
ومنه نرى أن مفهوم السعادة قد انقلب من (معاونة الله للإنسان على نيل الخير) إلى (معاونة الإنسان للآخرين على نيل الخير). كما انقلب أيضاً من مجرد (راحة واستمتاع بخيرات الحياة) وفقاً لما يراه أصحاب نظرية اللذة، إلى (السعي الجاد والمجهد باستقامة ووعي)، وهو الأصح والأصدق.
11-التعاسة لغة:
هي سوء الحظ والحال والهلاك والنحس.
من أسرتها: تعس تعسا (عثر فسقط وأكبّ على وجهه، وهلك) والتُّعس (الشرّ).
من مقاطعها: تع- من تعّ الرجل تعّا وتعّة (استرخى وتقيأ). تس - من الّتسَسُ (الأحوال الرديئة) عس -من عسّ فلان (طاف ليلاً). والمقطع الجذر هو (تع) للتقيؤ والاسترخاء. والسين الملحقة في آخر اللفظة للاستقرار والاستكانة.
في حروفها: التاء ( للضعف والتفاهة). العين (للوضوح والعيانية). السين (للاستقرار والخفاء). وهكذا فإن مفهوم التعاسة ينطوي على النكسة من (تعس)، وعلى الاسترخاء من (تع) وعلى الرداءة من (تس) وعلى الاستقرار والاستكانة من حرف (السين) في آخر اللفظة، وبذلك تكون التعاسة ضرباً من النكسة والاستكانة، على النقيض من السعادة، كسعي باستقامة ووعي وفعالية.
كما أن التناقض بين التعاسة والسعادة يمكن استخلاصه من حروفهما:
فالسين في أول السعادة (للحركة والطلب). والسين في آخر التعاسة (للاستكانة والخفاء). والتاء في أول التعاسة (للضعف وتوافه الأمور)، والدال في آخر السعادة (للشدّة والقوة). أما العين في الوسط، فهي حيادية بينهما لمجرد العيانية والظهور.
12-الفرح لغة:
هو السرور والابتهاج.
من أسرتها: فِرح فرحاً (رضي) فرِح بكذا (سُرّ وابتهج).
من مقاطعها: فر- من فرّ فرّا وفراراً (هرب). فرّ الأمر وعنه (بحث ليكشفه). افتر البرق (تلألأ). الفّراء من النساء (الحسناء الثغر). فرّ الدابة (كشف عن أسنانها لينظر ما سنها). فح- من فحّت الأفعى (صوتت من فيها). فُحّة الفلفل (حرارته). رح- من رحّ الفرس (اتسع حافره). الرحراح (الواسع المنبسط).
وهذه المقاطع تضفي على مفهوم الفرح معاني الانفتاح والانكشاف (فر) والحرارة (فح) والسعة والانبساط (رح)، بما يتوافق مع المعنى اللغوي للفرح.
في حروفها : الفاء (للانفتاح) والراء (للتحرك)، والحاء هنا (للعواطف الإيجابية والإحاطة).
والفرح بحسب معاني هذه الحروف، هو حالة نفسية منفتحة (للفاء)، متحركة (للراء). تكتنفها حرارة العواطف الإيجابية (للحاء)، مما يتوافق مع المعنى النفسي للفرح.
وهكذا، ما من لفظة في الدنيا تضاهيها في التعبير عن حالة الضياع النفسي التي يحياها الإنسان الفَرِحُ: انفتاح مشاعر بلا حدود (للفاء) وحركة في النفس بلا قيود (للراء)، وحرارة تؤجج العواطف بلا ضوابط (للحاء). ولذلك غالباً ما يختم الذين يقعون فيها بالدعاء: (اللهم أعطنا خير هذه الساعة..)
وكما أدانت اللغة العربية حالة الفرح، فقد أدانها القرآن في (32) أية بكل ما يتعلق بأمور الدنيا، كما في قوله تعالى (إن الله لا يحب الفرحين) القصص (76) لتقتصر براءتها على ما يتعلق منها بالإيمان في (3) آيات فقط: "فرحين بما أتاهم الله". آل عمران (170).
13-القبح لغة:
هو ضد الحسن، ويكون في القول والفعل والصورة.
من أسرتها: قبح البيضة (كسرها والبثرة، فضخها حتى يخرج قيحها). القبيح (ذو القبح، وقيل هو ما يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل).
من مقاطعها: قب -من قّب يد فلان (قطعها) قّب الشيء عن موضعه (ارتفع) ومنها القبّة. قح- من قح (صار قُحا). القُحّ (الخالص من اللؤم أو الكرم وكل شيء. ويقال لئيم قُحّ، وعبد قُحّ) بح- من بحّ الرجل (أخذته خشونة وغلظة في صوته).
والمقطع الجذر في هذه اللفظة هو (قب) لما في معانيه من التشويه النظري (القطب، ارتفاع الشيء عن موضعه، أي عن أصله). والمقطع الثانوي هو(بح)، لما في معانيه من التشويه في الصوت.
في حروفها: القاف (للقوة والمقاومة، والأصوات الانفجارية). الباء (للقطع والبقر والبعج). الحاء هنا للعواطف السلبية.
وهكذا ينطوي مفهوم القبح على التشويه البصري والسمعي. كما ينطوي أيضاً على التنافر الذوقي، لما في صوتي (القاف والباء) من عنف وغلظة، وما في صوت (الحاء) من رقة وجمال، فكان هذا التنافر الذوقي في أصوات الحروف هو الرابطة بين القبح المحسوس في البصريات والسمعيات، وبين مفهوم القبح فيما هو غير محسوس من الأفعال والأفكار والمعاني.
14-الحُسن:
هو الجمال، وكل مبهج مرغوب فيه.
من أسرتها : أحسن (فعل ما هو خير). أحسن الشيء (أجاد صنعه). حاسنه (عامله بالحسنى).
من مقاطعها: حس- من حسّ الشيء وبه حسيساً (أدركه بإحدى حواسه). أحسّ الشيء وبه (علم به). حن من حنّ حنيناً (صوت) حنّ إليه (اشتاق). سن -من سنّ الحجر ونحوه (صقله). سنّ الشيء (صوّره وملسه، والطريق مهده)، سنّن كلامه (حسّنه وهذّبه).
وظاهر أن كلاً من هذه المقاطع الثلاثة يصلح أن يكون جذراً لمفهوم (الحُسن). ليكون هو نفسه محصلة معانيها: فمقطع (حس) للإحساس بالشيء والعلم به، يُدخل الحسن في نطاق المحسوسات ومقطع (حن) يكشف عما يثيره الحسن في النفس من عواطف الشوق والحنين، ليتجاوز الحسن بذلك نطاق المحسوسات إلى ما هو غير محسوس من العواطف والمشاعر والمعاني، أما مقطع (سن) فيضفي على الحسن شيئاً من الصقل والملاسة، تخليصاً له من كل ما هو ناب أو متنافر.
في حروفها: الحاء هنا (للعاطفة الجميلة والحرارة). والسين (للحركة والرشاقة والملاسة). والنون (للرقة والأناقة).
وهكذا، جمع الحسن إلى نفسه أجمل الأصوات وأعذبها جرساً، وأوحاها بمشاعر الحب والحنين، وأكثرها دفئاً ورشاقة ورقة وأناقة، في تناغم صوتي وتوافق معنوي، مما لم يتوافر في أي لفظة أخرى، ليشع الحسن بذلك إشعاعاً من هذه اللفظة دونما حاجة إلى أي تفسير أو تأويل، وقد وردت هذه اللفظة ومشتقاتها في مئة وثمانية وثمانين آية في القرآن الكريم قد اختصت المرأة بواحدة منها فقط في صورة (الأحزاب)/52). (لا يحل لك النساء من بعد... ولو أعجبك حسنهن.....).
15-الجمال لغة:
هو: الحسن في الخَلْقٍ والخُلق.
من أسرتها: جمل الشيء (جمعه). جامله (أحسن عشرته). الجمل (واحد من الإبل). الجملاء (الجميلة). تجمّل الرجل (تكلف الجمال وتحسن وتزين وتلطف في الكلام).
من مقاطعها: جم- من جمّ الماء (كثر واجتمع)، الجِمام (الراحة). الجميم (الكثير من كل شيء) جل- من جلّ الرجل جلالة (تمّ)، جلّ جلالا (عظم قدراً وشأناً)، مل- من ملّ الشيء في الجمر (أدخله فيه)، ولا علاقة له.
والمقطع الجذر هو (جل)، للتمام والكمال ورفعة المقام، والميم الملحقة في وسطه للانجماع والانضمام مما يفيد التناسق والانسجام.
في حروفها: الجيم (للضخامة والامتلاء)، والميم (للانجماع) واللام (للتعلق والتماسك، وهذه المعاني هي أكثر توافقاً مع معنى الجمل، كواحد من الإبل.
ومن المعاني المستخلصة من أسرة هذه اللفظة ومقاطعها وحروفها يتبين أن مفهوم الجمال في الذهن العربي ينطوي على التكامل والتناسق، على العكس مما في القبح من نشاز وتشويه وتنافر واضطراب، ليكون القبح بذلك هو نقيض الجمال، وبفارق أيضاً بين الحسن والجمال: إن طابع الإشراق والصقل والملاسة يغلب على مفهوم الحسن، أما مفهوم الجمال فيغلب عليه طابع الجلال والعظم، ولذلك قيل (الله جميل ويحب الجمال). ولم يسند الجمال للمرأة في أي من آيات القرآن الكريم.
16-الحب لغة:
حبّ الأمرُ (صار محبوباً). وحبّ فلانا (أحبّه).
من أسرتها :حبّب الزرع (بدا حبّه)- تحبب إليه (تردد). الحُباب (طرائق تظهر على وجه الماء تصنعها الريح).
في حروفها : الحاء هنا (للعاطفة الإنسانية الجيدة والإحاطة والحرارة). الباء (للشق والبقر والحفر).
وهكذا فالحب بحسب هذه المعاني، هو شُحنة عاطفية جميلة تغزو قلب الإنسان، فتشق شغافه وتحفر فيه عميقاً إلى سويدائه. بمعنى أن الحب يأتي من العالم الخارجي غازياً على جناح صورة جميلة أو في سهام من نظرات آثرة. وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد)، لتلتقي بذلك وجهة نظر العربي في الحب بوجهة نظر اليونان، عندما مثلوا الحب بسهام يطلقها طفل جميل فيشك بها قلوب الناس.
على أن العربي قد اكتفى بإعطاء مفهوم الحب معاني الود والوداد، ليضفي عليه بحرف (الحاء) ما يلزمه من العاطفة والحرارة والجمال، وليمنحه بحرف (الباء) معاني العمق والتغلغل في الأحشاء دونما أي تصور جنسي، خلافاً لما يرى بعض مفكرينا.
ولكن، أين هذا المفهوم مما يكابده المحب من قلق وأرق وشوق وتعلق وولع ووله، مما يقرِّح الجفون ويضني الجسم ويذهب بالعقل؟
لقد أحال العربي هذه الحالات العاطفية إلى ألفاظ أخرى، قد اختص كل منها بالكشف عن لون ما من ألوان الحب وعن درجة ما من درجاته.
وهكذا احتفظ العربي لمفهوم الحب بصفائه ونقائه وبراءته وحرارته وعمقه وعفته وكياسته وجماله، مما يجعل هذه العاطفة صالحة للتداول بين الأصدقاء أيضاً، وبين الآباء والأبناء، وبين الناس والطبيعة، وبين الله والناس. ولقد تردد ذكر الحب ومشتقاته في خمسٍ وسبعين آية من القرآن الكريم، ولم يرد الحب بمعنى العشق إلا في آية واحدة ولكن مقترناً بالشغف: (وقال نسوة في المدينة، امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، قد شغفها حباً...) (سورة يوسف- 30). مما يثبت ابتعاد مفهوم (الحب) الصّرف عن التصور الجنسي.
17-الغرام لغة:
هو: التعلق بالشيء تعلقاً لا يُستطاع التخلص منه، والعذاب الدائم الملازم.
من أسرتها: أُغرم بالشيء (أولع به) الغرامة (الخسارة) المغرم (المولع بالشيء لا يصبر على فراقه). ومعانيها تتردد بين الولع والغرامة.
من مقاطعها: (غر- من غرّ الرجل غرارة وغِرّة (جهل وغفل عنها فهو غُرّ). غرّ فلاناً غرّاً وغروراً (خدعه وأطمعه بالباطل) الغّرر (الخطر)، غم- من غمّ اليوم (اشتد حرّه، حتى كاد يأخذ بالنفس) غمّ الشيء (غطاه وستره). الغمّ (الكرب، أو الحزن يحصل للقلب بسبب ما). رم- من رمّ العظم (بلي) ورمَّ الشيء رما ومرمَّةً (أصلحه وقد فسد بعضه) الرُّم- (الهمّ).
في حروفها: الغين (للغيبوبة النفسية والغؤور والظلام). الراء (التحرك والحرارة). الميم (للانضمام والانجماع والحرارة).
وهكذا ليس لعاطفة الحب مما ورد آنفاً سوى ما جاء فيها من الولع بالشيء والتعلق به، كما يمكن صرفها أيضاً إلى التعلق ببعض العادات والهوايات والملذات وما إليها، بمعرض المدح والذم على حد سواء.
ولئن كانت المعاني المستخلصة من مقاطعها خلواً من كل ما يمت إلى الحب بصلة، فإن من شأنها أن تصور لنا الحالة النفسية للمغرم بعد أن يقع في الحب ويتمكن من نفسه (فيتعلق به تعلقاً لا يستطيع التخلص منه).
فللغرام من المقطع الجذر (غر)، الجهل والغفلة والخدعة والخطر، والتعرض للهلاك. وله من مقطع (غم) الكرب والحزن وشدة الحرارة والظلمة، وله من مقطع (رم) البلى والهم. وما أحسب أن ثمة محللاً نفسياً يستطيع تصوير الحالات التي يمر بها المغرم بأبلغ وأدق مما جاء في معاني هذه المقاطع.
على أن مفهوم الغرام وفق ما جاء في مقاطع هذه اللفظة، إنما هو مدين في معانيه إلى حرف الغين (للغيبوية النفسية والغؤور والظلام) ولحرف الراء (للقلق والهيجان)، ولحرف الميم في آخر اللفظة (للحرارة والانضمام).
وهكذا فالغرام ليس إلا حالة مرضية من حالات الحب.
18-العِشق لغة:
هو عُجب المحبوب بمحبوبه، أو إفراط الحب، ويكون في عفاف ودعارة، أو عمى المحب عن إدراك عيوب المعشوق، وقال أبقراط (العشق نصف الأمراض).
من أسرتها: عشقه (أحبّه أشدّ الحبّ).عِشق بالشيء (لِصق به ولزمه).
من مقاطعها: عش- من عشّ بدنه (نحل وضمر) عشّش الكلأ (يبس). عق -من عقّ الثوب (شقه). شق- من شقّ الشيء (صدعه وفرقه). شقّ عليه الأمر (صعب).
في حروفها: العين (للعقد والربط والعيانية والفعالية والإحاطة). الشين (للتفشي والانتشار). القاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي).
ومفهوم العشق بحسب معاني أسرة هذه اللفظة يتضمن التلازم والالتصاق وهما من أخص خصائص العشق ولئن كانت معاني مقاطعها لا تمت إلى عاطفة الحب بأي صلة، فإنها تكشف عما يكابده العاشق من:
نحول وضمور، ومن يباس ومشقة، ومن تصدع في النفس يعمى له العاشق عن إدراك ما في المعشوق من عيوب (وعين الرضى عن كل عيب كليلة...)
أما مفهوم العشق بحسب حروف هذه اللفظة، فهو يتضمن العقد والربط (للعين)، كما يشمل مختلف النزعات النفسية (للشين)، في صراع بين القلب والعقل (للقاف) من قوة ومقاومة
وإذن فالعشق يبدأ بإحاطة عاطفة الحب بمشاعر الإنسان، لينتهي إلى صراع مدمر بين مشاعره وقواه العقلية.
وهكذا يتضمن مفهوم العشق، العلانية والشدة والتعلق والمشقة والقلق والضنى والوساوس، وكل ما يعانيه المحب من حالات وأعراض تصل به إلى حد الهوس والجنون.
ومما سبق يتضح أن العشق ليس (حباً)، وإنما هو حالة مرضية مستعصية من حالات مرض الحب كما قال أبقراط.
ولكن ماذا عن بقية الالفاظ التي استخدمها العربي للتعبير مجازاً عن حالات خاصة من حالات الحب وأمراضه؟ باختصار شديد أجيب.
الهوى: يمثل حالة الحصار والتخبط في الحب. كمن يسقط في هاوية.
والهيام بمعنى (العطش الشديد)، لمحاكاة من يحرق الحب قلبه (والهاء) للاضطرابات النفسية.
والوجد بمعنى (الحزن تارة، والغضب تارة أخرى)، يمثل تقلب المحب بين هذه المشاعر بصدد علاقته ب******.
والولع، للتعلق الشديد ب******. وذلك لخاصية اللام في (الالتصاق) وخاصية العين (في العيانية والظهور والفعالية والإحاطة والربط).
والوله بمعنى (شدّة الحزن حتى ذهاب العقل)، لمضاهاة ضياع الرشد بعد أن يتمكن الحب من نفس صاحبه لتخصص (الهاء) بالاضطرابات النفسية.
والدّله بمعنى (ذهاب الدم هدراً)، لمضاهاة من يقع في (حيرة ودهشة من الحب والعشق)، فيذهب عقله هدراً ، من دلَه (ذهب دمه هدراً) ودلِه (ذهب فؤاده من هم وعشق)، للهاء.
ونحن لو عمدنا إلى استخراج معاني أسر هذه الألفاظ ومقاطعها وحروفها، لرأيناها خلواً مما يتصل مباشرة بعاطفة الحب فكل واحدة منها كما لحظنا آنفاً، تكشف عن حالة معينة من حالات الإنسان المرضية بعد أن يغزو الحب قلبه، على مثال ما لحظنا ذلك في لفظتي الغرام والعشق.
فعاطفة الحب في اللغة العربية كما هي في الطبيعة الإنسانية، إنما هي وقف على حرفين اثنين:
عاطفة جميلة يحتضنها قوس من (الحاء)، مشدودة إلى سهم من (الباء) يشكها المحبوب في سويداء القلب . وهكذا، قد خلت الألفاظ الدالة على حالات الحب ومقاطعها مما يشير إلى أي لذة أو مسرة. وكأني بالحب لدى الإنسان العربي ليس إلا مدخلاً لصنوف الهموم والأوهام وضروب العناء والمعاناة، وألوان الشقاء والضياع، فلم أعثر على أي لفظة لحالات الحب وضروبه فيها مسرة أو سعادة أو لذة، مما جعل الشكوك تحوم حوله في تهم من الجنون.
فالحب على رأي اللغة العربية بين فتى وفتاة ليس مجرد نداء غريزي خفي، وإنما هو قبل ذلك اختبار حساسية مشاعر وتجربة حياة، وامتحان وجود. فمن لم يغز الحب النقي قلبه أنّى كان مصدره ومحله، تظل أعماقه النفسية مغلّقة الأبواب لا يتسرب إليها نور، وخامدة لا تحركها أنسام، وهكذا يمضي صاحب هذا القلب المتحجر أو العاصي عمره، وفي نفسه ضمور، وفي عواطفه شلل، هيهات أن يعرف للجمال طعماً وللإيثار معنى.
تعقيب لا بد منه:
بحيادية قاض نزيه، ودرءاً لكل شبهة تحيز أو محاباة، قد اخترت هذه الفئة من المفاهيم الاجتماعية والفلسفية التي يغلب على معانيها بالضرورة طابع التجريد، وقد أبدعت مصادرها أصلاً لمعان محسوسة. لقد وقع اختياري عليها متحملاً مشقة البحث عن الرابطة الذهنية بين معانيها الحسية وغير الحسية وذلك للأغراض التالية:
1-لاختبار هذه الدراسة عن خصائص الحروف ومعانيها في أعصى استعمالاتها، وأدق دلالاتها.
2-للاهتداء إلى حقيقة مضامين هذه المفاهيم إزالة لكل التباس معجمي حول معانيها.
3-للكشف عن عمق نظر الإنسان العربي فيما تناولته هذه المفاهيم من الشؤون الثقافية، وعن صِدق حدسه فيها.
فهل وفقت في ذلك كله؟
















الباب الرابع
الشعور، كحاسة سادسة




تمهيد:

لما كانت دراستي هذه وما تلاها وسيتلوها من الدراسات اللغوية تقوم أصلاً على العلاقة الفطرية بين الحواس الخمس والمشاعر الإنسانية، فلقد كان لا بد لي من تخصيص هذا الباب للكشف عن جذور هذه العلاقة بينهما على واقع علم النفس التجريبي، وذلك تحصيناً لدراساتي من كل نقد محتمل،ودحضاً لكل ما تعرضت له (فطرية العربية) هي والقائلون بها من الافتراءات.
لقد سبق أن تحدثت في (الباب الأول الفصل الثالث) بإيجاز عن كيفية استعانة العربي بالشعور في عمليات إبداع أصوات حروفه (تقمصاً)، وعن كيفية استعانتي بالشعور إياه في عمليات استيحاء خصائصها ومعانيها (استبطاناً).
والآن، بعد أن انتهيت من دراسة أصوات الحروف العربية، أصبح لدي كل ما أحتاجه من الأمثلة الواقعية للتثبت من صحة ما أُسْنِدَ إلى الشعور من الأدوار في هاتين العمليتين.
ولكن هل الشعور حاسة؟
لقد رأينا أن لكل حاسة من الحواس الخمس آلة عضوية خاصة تردّ بها على التنبيهات الخارجية بإحساس معين. فالأذن هي آلة حاسة السمع، والعين هي آلة حاسة البصر.
وهكذا...
ولكن ما هي الآلة التي تحس بالشعور في حالاته أو انفعالاته، عندما تتدفق معها المعاني والصور في تيار نفسي؟ وبتعبير أبسط.
أية حاسة أو ملكة تستطيع أن تجعلني أعي حالاتي الشعورية التي تعتمل في داخلي؟ لا شيء يجعلني قادراً على إدراك حالاتي الشعورية ووعيها الاّ شعوري ذاته، وذلك بانعكاسه على نفسه.
بل إن أحداً لن يستطيع أن يستدل على أي من الحالات الشعورية التي يحياها الآخرون إذا لم يكن قد سبق له أن عاناها هو بالذات. فمن لم يعش مشاعر القهر والحرمان والغربة مثلاً، لا يمكن أن يشعر بحقيقة هذه الحالات لدى الآخرين إطلاقاً، وقد قال الشاعر: (لا يدرك الحب إلاّ من يكابده).
بعض وجوه الاختلاف بين الحواس الخمس والشعور:
إن وجوه الاختلاف بينهما تنبع من تدرج الحواس الخمس على سلم من الكثافة المادية، ومن تجرد الشعور المطلق عن المادة، وأن كره القائلون بالنظرية المادية.
1-في الفارق العضوي:
إن أول اختلاف بين الحواس الخمس والشعور يتجلى في أن للحواس الخمس أعضاء حاسة تستجيب بها لمختلف التنبيهات الحسية، وفي أنه ليس للشعور عضو خاص يدرك به حالاته إلا ذاته، فهو آلة وعي ذاته.
2-في ظاهرة التنبيه:
لا بد للحواس الخمس من منبه حسي ما يؤثر في العضو الحاس إما مباشرة كما في اللمس والذوق والشم، وإما بصورة غير مباشرة، كما في المرئيات والسمعيات.
أما الشعور فلا يمكن أن ينبهه إلا معنى ما. فإذا كانت المنبهات الحسية تستطيع أن تثير في النفس شتى الانفعالات فإن هذه الانفعالات لا يمكن أن تتحول إلى حالات شعورية إلا من خلال معانيها. فأثر الصفعة على الخد مثلاً، يرتبط بمعنى الموقف. فإذا كان الأمر مزاح صديق أو دعابة حبيب، ظل محدوداً في نطاق الألم الموضعي، هذا إن شعر مثل هذا الإنسان بألم ما. أما إذا كان الأمر جداً أو من عدو، فإن أثر الصفعة يتعدى الجسد إلى مشاعر الكرامة، فيطغى ألم النفس بذلك على ألم الجسد، مهما تكن الصفعة قوية.
بل إن الكلمة النابية التي لا تؤذي الجسد أصلاً، قد تكون أحز في المشاعر وأقطع في النفس من طعن الجسد بسكين. ومنه قول الشاعر:
جِراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان

3-في عتبة الإحساس:
كيما تتنبه حاسة اللمس في أطراف الأصابع بالضغط مثلاً، لا بد لها من ثقل يزن ثلاثة غرامات على السنتمتر المربع.
وكيما تتنبه حاستا الذوق والشم بطعم ما أو رائحة، لا بد من مزج كميات محدودة منهما في مقادير معينة من السوائل المائية أو الهوائية.
وكيما تتنبه حاسة البصر بضوء ما، لا بد أن يقع طول موجة شعاعه بين 390-670 ميلليمكرون.
وكيما تتنبه حاسة السمع بصوت ما، لا بد أن تقع ذبذبات موجاته بين (20.2)ألف في الثانية.
أما مسألة تنبيه الشعور لإثارة بعض الحالات فإنها لا تخضع إطلاقاً إلى أي شرط كمي محدد. فقد تجرح كرامة أحدهم نبرة صوت، أو تقطيبة جبين، أو ليّة عنق. وقد لا يشعر آخر بأي مهانة في أن يركع مطأطئ الرأس لقضاء حاجة عابرة. في الحواس (كم)، وفي الشعور (كيف). هناك أرقام ومقادير، وهنا تربية وثقافة.
4-في عتبة الفارق الحسي:
تتكيف الحواس مع أحاسيسها المعتدلة بسرعة، فلا تدرك الزيادة أو النقصان فيها إلا إذا زادت شدة المنبه أونقصت بنسب معينة.
ففي الإحساس بالضغط مثلاً، يجب أن تبلغ الزيادة أو النقصان 1/20 من وزن الثقل كيما يحس الإنسان بالفارق بين الضغطين. أما مقدار هذه النسبة لبقية الحواس فهي 1/100 للإحساس البصري، 1/5 للإحساس بالحرارة 1/3 للإحساس الشمي والذوقي، وهذه النسب تعرف بكمية (فيبير).
ولما كانت الحواس تتكيف بسرعة مع أحاسيسها المعتدلة، فهذا يعني أن الإنسان لا يحس إلا بالفارق الحسي الذي يسميه علم النفس عتبة الفارق. (مبادئ علم النفس للدكتور يوسف مراد ص65-66).
ولما كان الشعور لا يخضع أصلاً لشروط عتبة الإحساس، فمن البداهة أن لا يخضع لشروط عتبة الفارق الحسي.
أما عتبة فارق الحس الشعوري (إن صح التعبير) للإنسان الواعي الشديد التهذيب بمعرض استهدافه لعبث طفل، أو حماقة جاهل، إنما هي أكثر بكثير منها لدى الشخص العادي. فالقضية بالنسبة للأول ليست مجرد ضبط نفس وحسب، وإنما هي فوق ذلك انعدام الشعور بالمهانة. فالفارق الثقافي والتربوي بين المستويين هو الذي يجعل فارق الحس الشعوري بينهما كبيراً جداً، وإن تعرضا لذات الإثارة.
بينما عتبة فارق الحس الشعوري للإنسان العاشق الرقيق العاطفة، بمعرض علاقته ب****** مثلاً، إنما هي أرهف بما لا يقاس مما هي مع الآخرين، فقد يجمد الدم في العروق لنظرة باردة، وقد تهتز المشاعر حتى الأعماق لبسمة حانية.
5-في انتقال الأحاسيس:
إن تنبيه الحواس الخمس لا يمكن أن يتعدى جسد صاحبها إلى أجساد الآخرين، فمن يتذوق طعماً طيباً لا ينتقل بالعدوى إلى غيره، وليس من يُقرع بالعصي كمن يعدُّها، كما يقول المثل. ولكننا نستطيع أن نحسّ بمشاعر الآخرين عن طريق المشاركة الوجدانية من خلال مواقفهم عندما نعيها. فصرخة (وامعتصماه) التي أطلقتها امرأة عربية في أسر الروم، قد أثارت مشاعر الكرامة والعزة والنخوة في نفس المعتصم، فتحرك إلى قتالهم لإنقاذها.
بعض وجوه التوافق بين الحواس الخمس والشعور:
إن وجوه التوافق بينهما تعود أصلاً إلى قيامهما على التوازي بوظيفتي الإحساس والإدراك، منها:
1-ظاهرة الإحساس:
أ-عندما تتلقّى إحدى حواسنا تنبيهاً ما، فإن عصباً حسياً معيناً هو الذي ينقل هذا الإحساس إلى المركز الحسي المختص في اللحاء (القشرة الدماغية) ولو نبه هذا العصب المورد بطريقة صنعية (تيار كهربائي، ضغط، مواد كيماوية)، لحصل الإحساس نفسه في اللحاء أيضاً. ولذلك إذا نبه العصب الذي كان يربط أصابع اليد قبل قطعها، فإن صاحب اليد المقطوعة يحس بأكّال في أطراف أصابعه وكأنها لا تزال موجودة، وهذا ما يسمى بخداع المبتور (المرجع السابق ص64).
وذلك على مثال ما تثار في شعورنا ذات الحالات التي سبق لنا أن عانيناها في مواقفنا الخاصة، بمجرد ما نقرأ عنها في قصيدة أو قصة، أو نسمع عنها في حكاية أو نشاهدها في مسرح أو على شاشة. وهذا ما يتيح للثقافة والفنون أن تؤديا أدوارهما في تهذيب مشاعرنا وتنميتها، وذلك بما تتيحه لنا من الفرص لاستعادة حالاتنا الشعورية السابقة (المبتورة) ونحن أهدأ نفسا وأكثر موضوعية وأغنى تجربة.
ب-المنّبه الخارجي لا يولّد الإحساس، وإنما يحوّل الإحساس الكامن في اللحاء إلى إحساس فعلي واضح. وإن المنبه الحسي هو مجرد منشط للطاقة الداخلية وللإحساس الكامن. فوظيفة الجهاز العصبي الذي ينقل هذه التنبيهات إلى اللحاء الدماغي، هي توجيه آثار هذا التنشيط وتركيزه وتحديده في المناطق الخاصة به من البدن، وإن كانت هذه المناطق مبتورة كما في المثال السابق.
أما إذا كان المركز الحسي في اللحاء قد أصابه التلف، فلا جدوى من تنبيه العصب الحسي المورد الخاص به وإن بقي العضو دون بتر.
ولذلك فنحن عندما نحس بالأشياء والمنبهات، فإننا نحس أنفسنا بأنفسنا بفعل تأثير المنبهات الخارجية في حواسنا (المرجع السابق ص65).
وهكذا الأمر مع مشاعرنا. فنحن عندما نعي حالة شعورية نعانيها، إنما نعي شعورنا بشعورنا، كما نحس أنفسنا بأنفسنا، ليتحول الشعور بذلك إلى (لحائنا) الشعوري كمستودع للقيم.،إذا صح التعبير.
فعندما يعترضنا حادث ما يتطلب اتخاذ موقف معين (كمنبه شعوري). فإننا نعي هذا الموقف، ونتخذ القرار بصدده سلباً أو إيجاباً من خلال ما في (لحاء نفوسنا) من معاني القيم والمفاهيم.
فذو النخوة مثلاً، قد يضحي بمصلحته، وقد يخاطر بحياته نجدة لإنسان في مأزق، أما معدوم النخوة فلا يبالي. ذلك أن هذا المأزق قد أثار في نفس الأول من القيم الإنسانية ما حفزه إلى نجدة المحتاج، أما الثاني فلم يجد المأزق لديه أي قيمة إنسانية يثيرها في (لحائه الشعوري) فكان هذا المأزق بلا معنى، وظل معدوم النخوة ساكناً بلا حراك (وذلك على مثال من أصاب التلف مركزه الحسي أي (لحاءه الدماغي كما لحظنا آنفاً).
2-الإحساس والإدراك:
1-قانون الشكل والأرضية:
كلما ازداد التباين بين الإحساس وما يحيط به من أطر وملابسات، يزداد الإحساس وضوحاً فوقع الصوت في السكون، هو أقوى منه في الضوضاء. واللون الأبيض على سطح أسود، هو أبرز من اللون الأحمر على الأسود، والرائحة العطرة في جو نقي، هي أنفذ منها في جو ملوث.. (المرجع السابق ص67).
والمشاعر تخضع لهذا القانون. فالضحك في مأتم هو أدعى لإثارة مشاعر الاستهجان أو الغضب وما إليها، كما العويل في عرس. أما الضحك في عرس، أو العويل في مأتم، فكمن يكتب بالأبيض على الأبيض أو بالأسود على الأسود، ليس ثمة ما يدعو لإثارة أي مشاعر إنسانية أخرى.
ب-التكامل الحسي والتكامل الشعوري:
إن المراكز الحسية في اللحاء التي تتم فيها عملية إدراك مختلف الأحاسيس، ليست مستقلة عن بعضها أيضاً، فهناك ألياف ارتباط عصبية تصل بينها وهذا ما يؤدي إلى تكامل الإحساسات المختلفة في العمليات الإدراكية المركبة (المرجع السابق ص64). ولقد سبق أن رأينا في هذه الدراسة أن الأصوات مثلاً، تستطيع أن تنبه فينا مختلف الأحاسيس الحسية. وذلك يعود إلى هذا التكامل الحسي. وهذا التنبيه يكون مباشرة عن طريق مركز الحس السمعي في القشرة الدماغية بفعل ألياف الارتباط العصبية ( المختصة).. كما يمكن أن يكون بصورة غير مباشرة، عن طريق صدى الاهتزازات الصوتية في عظام الجمجمة الداخلية وقحفها الخارجي والسوائل الجمجمية، مما يتيح المجال لها كيما تنبه مختلف المراكز الحسية في القشرة الدماغية، ولو بشيء قليل من الوضوح.
ولكن المشكلة في هذا التكامل، أن أحاسيس الحواس الدنيا لا تستطيع أن تنبه الحواس العليا، كما لحظنا ذلك في الهرم الحسي المنكوس، بينما العكس صحيح. فهل ثمة نظام هرمي مماثل في ألياف الارتباط الحسية أيضاً؟. لا شك في ذلك أخذاً بفطرية اللغة العربية.
على أن التكامل في عالم الشعور هو أشد وضوحاً وتلازماً منه في دنيا الأحاسيس. فالتجارب الشعورية التي نعانيها تدخل في نسيجنا النفسي كمعانٍ من القيم الأخلاقية أو الجمالية. ايجابية كانت أم سلبية. وتظل في حالة كمون في بنيتنا النفسية، أي تحت الشعور، حتى إذا ما أثيرت فينا إحدى الحالات الشعورية بعمق لأي سبب كان، تأججت في نفوسنا مختلف المشاعر الإنسانية كمعان من القيم المتكاملة، لنلخصها في موقف إنساني أصيل، أو في عمل فني بديع.
هذه بعض العينات من مظاهر الاختلاف والتوافق بين الحواس الخمس والشعور. ومنها نرى أنه يوجد بين الحواس الخمس نفسها من الفروق، أكثر مما يوجد بين حاسة السمع والشعور، كما أنه يوجد بينهما من وجوه التوافق أكثر مما يوجد بين بقية الحواس.
وإذن ألا يجوز لنا أن نعتبر الشعور حاسة أيضاً، ولو من نوع خاص؟؟
ولكن كيف يعمل الشعور كحاسة؟
لن نذهب بعيداً مع الفلاسفة للخوض مباشرة في مشاكل المعرفة والإدراك والوعي ومدى علاقتها بالشعور. ولكننا سنعتمد في ذلك بالدرجة الأولى علم النفس لمعرفة كيفية قيام الشعور بوظيفته الإدراكية، على غرار ما رأينا كيف عالج علم النفس مشاكل الإدراكات الحسية، فنبقى بذلك ضمن نطاق علم واحد يقوم على التجربة. وهذا أصلح لنا وللقارئ كيما ننطلق من حقائق علم النفس التجريبي إلى فضاء التأملات الفلسفية أو الميتافيزية إذا رغبنا وأحوجنا البحث.
هناك منهجان اثنان في علم النفس يعتمدان الشعور في الكشف عن الحالات الشعورية.
1-المنهج الذاتي أو الاستبطان.
يرى هذا المنهج أن الشعور وحده ليس صالحاً ولا قادراً على إدراك الظواهر البيولوجية (دورة دموية، إفرازات غدية، انقباضات هضمية...)، ولا الظواهر الاجتماعية، لأنهما خارجتان عن ساحة الشعور. ولذلك فهو أصلح ما يكون لإدراك الحالات الشعورية الداخلية.
ولكن لماذا؟
"لأن الحالات الشعورية من حيث هي حالاتي أنا، أختبرها بنفسي وأحياها، فإن إحساسي بها هو إحساس مباشر" (المرجع السابق ص14).
ثم كيف؟
"وهذا الإحساس المباشر أو الشعور الصرف التلقائي، لا يصلح من الناحية المنهاجية كطريقة للبحث العلمي، إلا إذا انعكس على نفسه وأصبح إحساساً بالإحساس، وتأملاً لما يجول في الذهن. وانعكاس الشعور على نفسه هو ما يسمى بالتأمل الباطن. أو الاستبطان". (المرجع السابق ص14).
وهذا المنهج يرى أنه لا يوجد شعور بحت منفصل عن المشعور به، فالشعور هو دائماً شعور بأمر ما. وهذا يعني أن هناك فعل الشعور (إدراك، إحساس، وعي، معرفة...) ومحتويات الشعور (حالات شعورية)، هما في الواقع أمر واحد.
وهكذا اعتمدت في دراسة أصوات الحروف العربية هذا المنهج بالذات، وذلك بأن أتأمل صدى أصواتها في نفسي لإدراك خصائصها ومعانيها كما مر معنا. وشأني في ذلك شأن كل من قال بإيحاءات أصوات الحروف، لا فرق بين من عرف منهم ما هو المنهج الذاتي وبين من لم يعرفه.
على أن أصحاب هذا المنهج، الأكثر التصاقاً بالمتصوفين، قد نبهوا إلى المشقة البالغة في عملية التأمل الباطني القائمة أصلاً على وصف الحالة الشعورية وتحليلها. وذلك لأنها تخالف الطبيعة الإنسانية التي تنزع بصورة عفوية إلى مشاهدة العالم الخارجي، لا العالم الداخلي.
على أن الديانة الفيدية في الهند، أقدم أديان الضياع الروحي في تاريخ البشرية كله، قد استخدمت هذا المنهج للمعرفة الإنسانية منذ القرن العشرين قبل الميلاد، ولكن بتعليلات دينية غيبية، وقد نبهت هذه الديانة أيضاً إلى صعوبة الاستبطان حيث تقول:
"أن براهما (الإله) الواضح بذاته، قد تخلل فتحات الحواس من الداخل فاستدارت هذه الفتحات إلى الخارج. وبذلك كان الإنسان ينظر في الخارج، وينظر إلى نفسه في داخل نفسه".
بمعنى أن الإله براهما كحقيقة ومعرفة ووعي، موجود في داخل الإنسان، فنفذ إلى الخارج عبر الحواس، ليصبح الإدراك الحسي متجهاً بشكل عفوي من الداخل إلى الخارج.
أما من يريد أن يعرف نفسه (حالاته الشعورية)، فلا بد له أن ينظر إلى داخل نفسه. وهذا هو الاستبطان صراحة، ليتأكد هذا المعنى في العبارة الفيدية التالية:
"أما الحكيم الذي يغلق عينيه ويلتمس لنفسه الخلود، يرى النفس في دخيلة نفسه". (قصة الحضارة لويل ديورنت المجلد الأول- جزء 3ص46-50.
وصعوبة الاستبطان هذه تفسر لنا علة خفاء الإيحاءات الصوتية للحروف العربية عن الكثير من أساتذة اللغة العربية ودكاترتها المحدثين. فالقضية كما سبق ونبهت إليها في هذه الدراسة، ليست قضية علم ومنطق، وإنما هي قبل ذلك قضية رهافة أحاسيس وحيوية مشاعر مع المعاناة الطويلة.
فمعرفة خصائص أصوات الحروف ومعانيها عن طريق الاستبطان، ليست ضرباً من التخيل الواهم كما يدعي القائلون برمزية الحروف العربية، وإنما هي حقيقة واقعية، ما دامت معاجم اللغة والقرآن وقواعد الصرف والنحو قد أيدتها إلى حد بعيد، كما مر معنا في المقدمة، وهل ثمة حقيقة إنسانية هي أثبت من هذه التي صمدت أمام تغيرات الزمن وتقلبات الظروف الحياتية والاجتماعية وما إليها طوال آلاف الأعوام؟.
ولكن إذا كان التأمل الباطني يستطيع أن يكشف لنا اليوم عن خصائص أصوات الحروف العربية ومعانيها، فكيف تم للعربي أن يهتدي إلى هذه الحروف للإفادة من خصائصها الحسية والإيمائية والشعورية بمعرض التعبير عن حاجاته ومعانيه منذ آلاف الأعوام؟
وإذن أي منهج اتبعه العربي للاهتداء إلى أصوات حروفه وخصائصها.
2-المنهج التمثيلي، أو التقمص:
يقوم هذا المنهج على أمرين اثنين: التأمل الباطني، أي (الاستبطان) + الملاحظة الظاهرة. وذلك بأن نستدل بالسلوك الظاهر للآخرين على حالاتهم الشعورية بالقياس مع حالاتنا الشعورية التي سبق أن اختبرناها نحن بأنفسنا.
ونحن في الحقيقة نستخدم هذا المنهج لفهم مشاعر الآخرين وتأويل سلوكهم، وذلك بأن نسقط عليهم ما نشعر به نحن فيما لو وُجدنا في ظروفهم ذاتها. وهذا الضرب من المشاركة الوجدانية يسميها علم النفس (التعاطف).
"قد يتم التعاطف بدون الاستعانة باللغة، بمجرد النظر الصامت إلى موقف الشخص الآخر كأن الذاتين قد صُهِرتا في بوتقة واحدة، وهذا ما يسمى بالتقمص الوجداني" (مبادئ علم النفس ص20).
وعملية التقمص الوجداني على رأي هذه المدرسة، وأصْوِبْ به من رأي، لا تتناول الأشخاص فحسب، وإنما تتعداهم إلى أشياء الطبيعة وأحداثها التي تقع في العالم الخارجي، أي خارج الذات.
"الحقائق التي تكشفها عملية التقمص الوجداني، لا تصلح مادة للدرس والتحليل إلا إذا صيغت في عبارة لفظية كما يعبر الشاعر أو الفنان الذي يستلهم الطبيعة ويتحد بها، عما استشف خلالها من معان خفية طريفة" (المرجع السابق ص20).
وهكذا، فإن عملية التقمص الوجداني هي قوام النزعة الفنية في الإنسان بمعرض اتصاله بالطبيعة، أو تواصله مع الآخرين.
وعلى الرغم من واقعة التركيب في عملية التقمص الوجداني: (تأمل باطني+ الملاحظة الظاهرة)، فإن هذه العملية فطرية في الإنسان، قد مارسها عن طريق التقليد منذ فجره الحضاري الأول. وذلك لأن التقليد كضرب من ضروب التمثيل، ليس إلا تجسيداً لعملية التقمص في حركات صِرفة، أو أصوات صِرفة، أو في حركات مترافقة مع الأصوات.
وهكذا، فإن تقمص الأشياء والأحداث للتعبير عن معانيها بالحركات والأصوات المناسبة، لا يتطلب بحد ذاته مستوى حضارياً عالياً، على العكس من عملية الاستبطان الصرفة، ففي التقمص الوجداني يوجد صور حسية هي (الملاحظة الظاهرة)، يعتمدها الذهن للتعبير عنها بالتقليد والتمثيل في حركات وأصوات.
أما عملية استبطان الأصوات لإدراك خصائصها ومعانيها، فهي صرف من التأملات النفسية المجردة بمعزل عن الصور الحسية (الملاحظة الظاهرة)، مما يتطلب وعيها مستويات نفسية وثقافية وفنية متميزة، وهذا ما جعل الكشف عن خصائص الحروف العربية ومعانيها صعباً ومحفوفاً بالمخاطر.
ولكن ما هو دور عمليات التقمص والاستبطان في إبداع اللغة العربية:
إذا كنا استطعنا معرفة خصائص أصوات الحروف العربية ومعانيها، باستبطان أصواتها فلا بد أن يكون الإنسان العربي قد سلك نهجاً نفسياً موازياً للاهتداء إلى أصوات حروفه بمعرض التعبير بها عن حاجاته ومعانيه.
فما هو هذا النهج؟
بعد أن تحدثنا مفصلاً عن الجذور الغابية والزراعية والرعوية في أصوات الحروف العربية، وبعد أن انتهينا من دراسة الحروف العربية ومعانيها، فإننا في ضوء ذلك، أصبحنا الآن أقدر على تقديم الإجابة الأكثر دقة وواقعية عن هذا التساؤل.
وإذن فلنرجع في هذه المسألة إلى جذورها التاريخية والطبيعية الفطرية.
1-في المرحلة الغابية حتى الألف (14-12)ق.م:
لقد بدأ الإنسان العربي في هذه المرحلة كأي إنسان بدائي آخر مسيرته اللغوية بمعرض تواصله مع أبناء جنسه خلال طورين اثنين لكل منهما طريقته الخاصة في التعبير.
الطور الأول: بالصراخ والأصوات الهيجانية مصحوبة بحركات جسمية عفوية. وهذه الطريقة غريزية بحتة لا شأن لها بعمليات التقمص أو الاستبطان. وبعد عشرات ألوف الأعوام وربما مئاتها بدأ الثاني.
الطور الثاني: بأصوات مقتبسة من الطبيعة مصحوبة بحركات إرادية تمثيلية. وبديهي أن مجرد محاولة التعبير عن أحداث الطبيعة وأشيائها بالحركات أو الأصوات الملائمة، إنما هي عملية تقمص صريحة مستوفية شروطها النفسية جميعاً. وذلك بغض النظر عن مسألة مستوى البراعة في التقليد، وقد أبدع العربي في هذه المرحلة أصول الأحرف الهيجانية (ا-و-ي) كما أسلفنا.
2-في المرحلة الزراعية حتى الألف (9) ق.م:
لقد سبق أن عرضنا أن المرأة العربية هي التي اضطلعت بالمهام الحضارية البكر في هذه المرحلة. ولذلك كانت مضطرة لإتقان عمليات التقمص للتعبير عن حاجاتها المستجدة بالإشارات اليدوية والحركات الجسمية مترافقة بالأصوات المناسبة، ليتحول بعضها فيما بعد إلى أصوات حروف، كما في حروف (ف. ل. م. ث.ذ..).
ولقد سبق أن شرحنا خصائص هذه الحروف ومعانيها في متن هذه الدراسة.
أما علاقة المرأة بهذه الحروف فقد عرضناها مفصلاً في الدراسة الثانية (الحرف العربي والشخصية العربية) ص131 وما بعدها.
ولقد حافظ العربي عبر مراحل تطوره على معاني هذه الحروف لصدق دلالة طريقة النطق بها على الأحداث التي تمثلها.

3-في المرحلة الرعوية حتى العصور الجاهلية وفجر الإسلام:
على الرغم من براعة الإنسان العربي رجلاً كان أم امرأة، في عمليات التقمص سواء في استخدام الأصوات الغابية الموروثة، أم في إبداع أصوات الحروف الزراعية المبتكرة، فإنه ظل ولا شك يعتمد مختلف الحركات الجسمية المرافقة لتلك الأصوات بمعرض التعبير عن حاجاته ومعانيه. فالشعوب البدائية الغابية والزراعية، لا يزال معظمها حتى الآن يعتمد الحركات الجسمية المرافقة للكلام بمعرض التعبير عن معانيه (قبائل الهنود الحمر. البوشمان. سكان أميركا واوستراليا الأصليون).
ولكن بمجرد ما أن انتقل العربي إلى مرحلة الرعي والتشرد قد وجد نفسه مكرهاً على التخلي شيئاً فشيئاً عن حركات جسمية لا تجديه نفعاً بمعرض تواصله مع أبناء جنسه وكلاب الحراسة والمواشي، سواء عبر المسافات البعيدة نهاراً، أم عبر الظلام في الليالي الساهرة.
وكيما يتخلى العربي الواعي عن تلك الحركات الجسمية التواصلية، كان لا بد له أن يستعين بنهجين اثنين:
آ-أن ينفذ في عمليات تقمصه إلى صميم الأشياء والأحداث والكائنات الحية، لاستشفاف خصائصها المادية والروحية بحدس فني صادق.
ب-أن يختار الأصوات الملائمة للتعبير عن معانيها إيحاء ومحاكاة، سواء مما ورثه عن عهدي الغاب والزراعة، أم مما احتاج إلى إبداعه من أصوات الحروف المبتكرة (ع.غ.ج.ح.ص.ض.ط.ظ).
ولئن كان التعبير عن معاني الأشياء والأحداث الخارجية يعتمد التقمص الوجداني (استبطان+ الملاحظة الظاهرة)، فإن الاقتصار في التعبير عن معانيها على الأصوات دونما حركات جسمية مرافقة ينقل المسألة بالنسبة للسامع من قطاع التقمص إلى قطاع الاستبطان الصّرف.
ذلك أن الصوت في هذه الحالة هو الذي يوحي إلى سامعه بمعناه. وهذا الإيحاء الذي يعتمد صدى الأصوات في النفس، إنما هو بالنسبة للسامع عملية استبطان صرفة، وليس عملية تقمص قطعاً.
ولا بد للإنسان العربي مبدع أصوات الحروف والألفاظ، أن يكون قد بلغ مستويات نفسية وفنية وثقافية راقية ليتقن اختيار الأصوات المناسبة للتعبير عن المعنى المناسب في عملية تقمص وجداني.
فالمطابقة بين الصور السمعية والصور البصرية للأحداث والأشياء في الطبيعة بلا وسيط من حركات جسمية، يتطلب رهافة في الأحاسيس وتأججاً في المشاعر.
ولكن قد يتساءل معترض ما :
ما شأن التقمص في اهتداء العربي إلى أصوات حروفه الشعورية السبعة؟
فتقمص المشاعر إذا صح هذا التعبير، إنما هو انعكاس الشعور على الشعور، في عملية استبطان صريحة وليس عملية تقمص.
لن نتحدث في هذا الشأن عن حروف الصاد والضاد والعين الشعورية. فما أكثر ما يعثر الإنسان في الطبيعة على أحداث وأشياء وأصوات تنطوي على الصفاء والصقل وعلى الفخامة والفعالية وما إليها، التي كان من الممكن أن يستوحي البدوي منها في صحرائه أصوات هذه الحروف. ولن نتحدث عن الخاء الشعورية، وقد سبق الحديث عن احتمال نشأتها في المرحلة الزراعية.
ولكننا سنقتصر على الحديث الموجز عن حروف النون للصميمية، والهاء للاضطرابات النفسية، والحاء لعاطفة الحب والحنين. وسواء أكان العربي قد اهتدى إليها في المرحلة الرعوية أم في غيرها من المراحل فإنه لم يتقن استعمال خصائصها ومعانيها إلا في مرحلة رعوية متطورة.
فصوت النون مقتبس من الأنين. والأنين هو التعبير الهيجاني المباشر عن ألم النّفس الداخلي، سواء أكان مصحوباً بألم جسدي أم غير مصحوب.
وإذن لماذا لا نقول أن العربي قد استبطن مشاعره عندما كان يئن متوجعاً من ألم عميق، فاهتدى إلى صوت النون؟
ولماذا لا نقول أنه استبطن مشاعره عندما اهتزت نبرات صوته في موقف فزع أو رهبة، فاهتدى إلى صوت الهاء؟.
ولماذا لا نقول أيضاً ثالثاً أنه استبطن مشاعره عندما تملكت صوته بحة في انفعال عاطفي ماسك للأنفاس فاهتدى إلى صوت الحاء؟.
وذلك للتعبير عن هذه الحالات الشعورية.
ولكن الإنسان عندما تجتاحه أمثال هذه الانفعالات المتحكمة بالنفْس، لا يلجأ إلى استبطان مشاعره، لتعطل ملكاته الذهنية. وهو إن حاول ذلك، فلا بد لعملية الاستبطان أن تتعرض إلى التشويه. وذلك إما لانعدام التركيز الذهني بسبب الانفعال، وإما لانخفاض حِدّة الانفعال بمجرد تسليط الذهن عليه.
أما إذا حصل الاستبطان بعد هدوء الانفعال وانقضائه، فلا بد أن يناله التشويش والتشويه لاعتماده على الذاكرة. فالذاكرة في الانفعالات النفسية لا يمكن أن تكون أمينة على الإطلاق (مبادئ علم النفس ص16-219-223).

وإذن، لماذا لا نقول: إنّ العربي قد لجأ بكل بساطة إلى المنهج المباشر الأكثر عفوية والأقل تعقيداً، وذلك بأن يتقمص شخصية الإنسان الذي شاهده وهو يئن من الألم (طفل -زوج- أخ...) فاستشف من ظاهر حاله وأنينه النوني، معنى الألم الدفين الذي سبق أن عاناه هو نفسه في وضع مماثل. وإذن فإنه من طبيعة الأمور أن يستخدم العربي صوت النون للتعبير عن الألم الباطني، ليطور استخدامه مع الزمن تحت ضغط الحاجات الثقافية، للتعبير عن الصميمية والانبثاق والنفاذ وما إليها من معاني الرقة والأناقة، كما مر معنا.
ولماذا لا نقول أيضاً أن العربي تقمص شخصية إنسان ما في موقف قد هز (الفزع أو الحزن أو اليأس) نبرات صوته، فأسقط مشاعره عليه واهتدى إلى صوت الهاء للتعبير عن هذه المشاعر التي عاناها، ثم طور استخدامه مع الزمن للتعبير عن معاني مختلف الاضطرابات النفسية والعقلية والتشوهات الجسدية، وما إليها.
وهكذا الأمر مع حرف الحاء لبحته الصوتيه العاطفية.
وبذلك يكون العربي قد أبدع أصوات حروفه الشعورية اقتباساً عفوياً من الطبيعة والناس عن طريق التقمص الوجداني، وليس عن طريق الاستبطان، أما نحن، فإننا نستشف اليوم خصائص أصوات الحروف ومعانيها عن طريق الاستبطان كما مر معنا في هذه الدراسة، وما أوعره وأخطره من طريق.
ولئن كان العربي بنى ألفاظه عن طريق التقمص الوجداني وفقاً لمقولة ابن جني:
(سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).
فإننا نقوم اليوم بفك إيحاءات أصوات هذه الحروف في عملية استبطان واعية نصل بها إلى المعنى المقصود والغرض المراد من كل لفظة.
وإذن ما دام العربي قد استعان بالشعور لإبداع أصوات حروفه وألفاظه عن طريق التقمص، وما دمنا نحن نستعين بالشعور ذاته للكشف عن خصائص الحروف ومعاني الألفاظ عن طريق الاستبطان:
ما دام الشعور والحالة هذه، هو آلة إدراك المشاعر ومعانيها.
هل نجانب الحقيقة بعد الآن أن نقول:
الشعور هو الحاسة السادسة المختصة أصلاً بإدراك المشاعر الإنسانية وحالاتها؟







الخاتمة
حول تداخل المراحل اللغوية

على الرغم مما سُقْتُهُ في هذه الدراسة من الأدلة على صحة انتماء أصول الحروف العربية إلى المراحل (الغابية والزراعية والرعوية)، لا يبعد أن يظل في نفس القارئ بعض الشكوك حول هذه الانتماءات الغريبة على علوم اللغة، فقد يتساءل مستنكراً.
بفرض أن الإنسان العربي قد اعتمد في المرحلة الرعوية صدى الأصوات في نفسه للتعبير عن حاجاته بكلمات توحي أصوات حروفها بمعانيها إيحاء:
فلماذا ظل في المرحلة الرعوية يستخدم الخصائص الهيجانية لحروف المرحلة الغابية، والخصائص الإيمائية لحروف المرحلة الزراعية بما يتوافق مع خصائصهما، وثمة فواصل زمنية بين هذه المراحل الثلاث آلاف الأعوام؟.
لماذا ظل يعتمد هاتين الطريقتين المتخلفتين (الهيجاني والإيمائي)، من طرق التواصل اللغوي البدائي بعد أن اهتدى في المرحلة الرعوية إلى طريقة التواصل بالأصوات الموحية، أرقى طرق التواصل الإنساني، براعة في النطق، ورهافة في الأحاسيس وشفافية في المشاعر؟
واردّ على هذه التساؤلات الاستنكارية بتساؤلات مضادة.
إذا كان الإنسان العربي قد اعتمد في المرحلة الرعوية صدى الأصوات في نفسه، فأبدع الحروف الإيحائية للتعبير عن معانيه، فهل يعقل أن يعود القهقري فيبدع الحروف الإيمائية والهيجانية في تواصله اللغوي؟
وإذن لا مفر من الإقرار بأن الإنسان العربي قد أبدع الحروف (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) تباعاً في المراحل (الغابية ثم الزراعية ثم الرعوية) التي مر بها في الجزيرة العربية، كما ثبت ذلك في دراستي "الحرف العربي والشخصية العربية".
ولكن لماذا ظل الإنسان العربي يتعامل في المرحلة الرعوية مع الأحرف (الغابية والزراعية) للتعبير عن معانيه وفقاً لخصائصهما الهيجانية والإيمائية؟
ففي دراسة حرف (الفاء) مثلاً عثرت على (120) مصدراً جذراً تتصدرها (الفاء) لمعاني (الشق والقطع والتوسع والبعثرة) بما يتوافق مع خصائصها الإيمائية، كانت الحروف الإيحائية (الرعوية) تشارك في تراكيب معظمها. مما يقطع بأن الإنسان العربي قد أبدع معظم هذه المصادر الجذور في المرحلة الرعوية.
وهكذا الأمر مع باقي الحروف (الهيجانية والإيمائية) كما لحظنا ذلك في المعاني المعجمية للمصادر الجذور التي شاركت في تراكيبها.
والأغرب مما سبق أن يلتزم العربي في المرحلة الرعوية بالخصائص الإيمائية في (الفاء) لمعاني (الشق والقطع والتوسع والبعثرة) بنسب بلغت (55) في المئة ولم أعثر على أي مصدر تتزعمه (الفاء) لمعاني الإلصاق. وأن يلتزم العربي أيضاً بالخصائص الإيمائية في (اللام) لمعاني الإلصاق واللوك والأطعمة بنسب بلغت (63) في المئة من المصادر التي تبدأ بها، لم يكن ثمة واحد منها لمعاني الشق والقطع والتوسع والبعثرة.
وإذن فإنه لا بد لنا من التسليم بأن الإنسان العربي قد التزم أيضاً في المرحلة الرعوية بخصائص الحروف (الهيجانية والإيمائية) بمعرض التعبير عن معانيه (انظر هذين الحرفين في متن الدراسة).
وهكذا يمكن المصالحة بين (لما ذات) القارئ الاستنكارية، وبين (لما ذاتي) المضادة في "كيف" "كيف تم هذا التداخل المرحلي بين خصائص الحروف في اللغة العربية؟".
عود على بدء مع المراحل الحياتية:
ما أحسب أن القارئ هو الآن بحاجة إلى أي دليل آخر غير ما سقته سابقاً في هذه الدراسة للبرهان على أن الحروف العربية والإنسان العربي ينتميان إلى المراحل (الغابية والزراعية والرعوية) التي أمضياها في ربوع الجزيرة العربية.
ولكن كيف تم التواصل بين أبناء الجزيرة العربية مرحلة حياة بعد مرحلة؟
إن تقسيمي تواصلهم اللغوي إلى مراحل هيجانية (غابية)، وإيمائية (زراعية) وإيحائية (رعوية) لا يعني وجود فواصل قاطعة بين هذه المراحل، وإنما يعني أن كل مرحلة منها قد انطبعت بطابع خاص يميزها من بعضها بعضاً. وإن كانت متداخلة فيما بينها، كما سيأتي:
وإذن كيف تم تداخل التواصل اللغوي الراهن في تلك المراحل؟
أولاً- في المرحلة الغابية:
إن التواصل اللغوي في هذه المرحلة كان يتم بالأصوات الهيجانية والحركات العفوية.
وإذن، فالإنسان (الغابي) قد اعتمد الحركات الجسمية للتعبير عفوياً، وليس (إرادياً) عن حاجاته وبذلك تكون الحركات الجسمية الإرادية (المحدثة) في المرحلة الزراعية لها (أصولها) الفطرية في المرحلة الغابية.
كما أن الإنسان (الغابي) باعتماده الأصوات الهيجانية الانفعالية، كان يعتمد بذلك أصداء أصواتها في نفسه للتعبير بها عفوياً لا (إرادياً) عن حاجاته وهكذا كانت الأصوات الإيحائية الإرادية (المحدثة) في المرحلة الرعوية لها (أصولها) الفطرية في المرحلة الغابية.
ثانياً- في المرحلة الزراعية:
وهكذا عندما انتقل أبناء الجزيرة العربية من المرحلة (الغابية) المشردة إلى المرحلة (الزراعية) المستقرة، كانوا يمتلكون ثروة متواضعة من الأصوات الهيجانية والحركات الجسمية العفوية، بما يكفي للتعبير عن حاجاتهم المعيشية المحددة.
ولكن معظم هذه الأصوات والحركات قد سقط من التداول في المرحلتين الزراعية والرعوية لعدم اللزوم. أما ما بقي منهما، فقد تهذب بما يناسب التواصل اللغوي في المرحلتين آنفتي الذكر ولم يبق لنا من أصولهما يقينا مما احتفظ بخصائصه (الهيجانية والإيمائية) سوى (الهمزة والألف اللينة والواو والياء).
وبفرض أن الإنسان العربي قد اهتدى في المرحلة (الغابية) إلى أصول بعض الأصوات مما يسهل النطق بها عفوياً مثل (الباء- الميم- التاء- الدال...) فإنها لم تحتفظ بخصائصها الهيجانية، وهذا يجيز لنا أن نستبعدها عن فئة الأحرف (الغابية) ونلحق كلاً منها بالمرحلة التي تتوافق مع خصائصه الإيمائية أو الإيحائية في معظم استعمالاته ومعانيه.
كما أضافوا في المرحلة الزراعية إلى ماورثوه عن المرحلة الغابية حركات جسمية إرادية ترافقها أصوات مناسبة للتعبير عن حاجاتهم الحضارية المستجدة. وقد سقط معظمها من التداول في المرحلة الرعوية لعدم جدواها، ولم يبق لنا منها يقيناً سوى أصول أصوات (ف-ل-م-ث-ذ) واحتمالاً، حرفي (ش-خ) أيضاً كما مر معنا في دراستهما.
وهكذا كان من طبيعة الأمور أن يظل أبناء الجزيرة العربية يستخدمون في المرحلة الزراعية ما ورثوه من الأصوات والحركات الغابية بما يتوافق مع خصائصهما (الهيجانية والإيمائية) العفوية، لتتأصل بذلك هذه الخصائص في معانيهما بفعل التداول والاستمرار.
وعلى مدى آلاف الأعوام من التعامل الحضاري البكر مع الأحرف الغابية (الهيجانية) والزراعية- (الإيمائية)، كان لا بد لهاتين الفئتين من الأحرف أن تستكملا الكثير من مقوماتهما (الشخصية) فتصبح أصواتهما والحركات المرافقة لهما صالحين للتعبير عن حاجات المرحلة الزراعية في لغة (إرادية) فطرية غير اصطلاحية، كما لحظنا ذلك في متن هذه الدراسة.
ثالثاً- في المرحلة الرعوية:
وكما انبثقت المرحلة الرعوية القطيعية البكر لأول مرة في تاريخ الإنسانية من رحم المرحلة الزراعية الأم في الجزيرة العربية حصراً منذ الألف (9) ق.م. كذلك كان الأمر مع التواصل اللغوي.
فعندما غادر أبناء الجزيرة العربية الحياة الزراعية المستقرة إلى الحياة الرعوية الجوالة، كانوا يملكون ثروتين عظيمتين من القطعان المستأنسة في القطاع الاقتصادي، ومن الأصوات الهيجانية والحركات الإيمائية المروضة في القطاع اللغوي.
وفجأة يجد الرعاة الأوائل أنفسهم في العراء لا أسوار تحمي ولا سقوف تقي.
فالبيئة (الطبيعية -الإنسانية) التي واجهتهم لا عهد لهم بالتعامل مع معظم ما تحويه من الكائنات الحية والنباتات البرية والتضاريس الأرضية والكواكب والنجوم. كما لا عهد لهم بما أصبحوا يعانون فيها من قساوة المناخ وشظف العيش، ومن مخاطر التجوال دفاعاً عن النفس وحماية للقطيع، ونزاعاً على المناهل والمراعي. دنيا جديدة في تحركها ومحتوياتها ومخاطرها، قد أضطرهم التعامل معها إلى إبداع المزيد من المفردات الجديدة للتواصل فيما بينهم.
وهكذا كان من طبيعة الأمور أن يلجؤوا في بادئ الأمر إلى ما ورثوه من الأصوات الهيجانية والحركات الإيمائية عبر المرحلتين (الغابية والزراعية) للتعبير عن حاجاتهم ومعانيهم الجديدة.
ولكن هؤلاء الرعاة الأوائل، بعد أن استنفدوا الخصائص الهيجانية والإيمائية لهذه الأحرف قرناً بعد قرن، فضاقت بهم عن التعبير عن معانيهم وحاجاتهم المتطورة، قد أخذت (مجامعهم اللغوية) تحت الخيام في ساهرات الليالي المعتمة تبتكر أصواتاً جديدة توحي بمعانيها إيحاء، بمعزل عن الحركات الجسمية، لعدم جدواها في الظلام ليلاً، ولا عبر المسافات البعيدة نهاراً.
وهكذا كان من البداهة أن يقوموا بإضافة الحرف الرعوي المناسب إلى أوائل المقاطع الثنائية الحروف الموروثة، أو إلى أواخرها أو أواسطها حسب مقتضى الحال وفقاً لمقولة ابن جني "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".
وعندما كثر ما أبدعوه من أصول أصوات الحروف الرعوية، ألف عام بعد ألف، راحوا يؤلفون مقاطعهم الثنائية والثلاثية والمزيدات مما أبدعوه من الحروف الرعوية الإيحائية ومما ورثوه من الحروف الهيجانية والإيمائية.
أما مزيدات الثلاثي، فإن معظم الأحرف المزادة عليه هي من الأحرف الغابية. وإذا أضفنا إليها حركات الشكل (الفتحة والضمة والكسرة) مخففات (الألف اللينة والواو والياء)، فإن أحرفنا الموروثة من عهد الغاب تتدخل في كل شاردة وواردة من شؤوننا اللغوية. وذلك على مثال ما تتدخل غرائزنا وطباعنا وأمزجتنا الموروثة عن عهد الغاب في كل شاردة وواردة من شؤوننا الحياتية الخاصة والعامة على حد سواء. ليخلص (ارنولد توينبي) من دراسته للتاريخ إلى قوله:
"لمْ يثبت حتى الآن أن الإنسانية هي اليوم أقل همجية مما كانت عليه في عهد الغاب".
وما نحسب إلا أنّ (توينبي) كان في حكمه هذا شديد التجني على الإنسان الغابي.
خاتمة الخاتمة:
الشعر العربي الأصيل وموسقة الكلمة العربية:
ما أحسب أن كلمةً عربية وردت في تراثنا المعرفي القديم والجديد إلا وقد وردت أصولها في الشعر العربي الأصيل مراراً، وإن بمعان مختلفة، ولكن بما لا يخرج عن خصائص ومعاني أحرفها حفاظاً على أصالتها.
فنحن لو أمعنا السمع في تلك (الدواثر الشعرية) من الألفاظ، لوجدنا أن القوافي وتفعيلات الأوزان قد تركت بصماتها الموسيقية على صيغها وجملها الصوتية، مما يجعل كل لفظة منها واحدة من المستحاثات اللغوية، نستطيع أن نسبر بها اليوم أعماقها في الزمن حتى أصولها الأولى.
فما أشبه الكلمات العربية التي تتناثر اليوم من أفواه الناس وأقلامهم بالحصيات النقية التي نجدها على شاطئ أي نهر رقراق المياه.
نهر عريق قد تفجرت ينابيعه البكر من شوامخ الذرى منذ آلاف الأعوام، له روافده من غابات السفوح العذراء، ومن هضاب تكسوها البساتين والحقول، ومن مروج ترعى في خصبها القطعان. وحصيات أنيقات، لا أنعم ملمساً، ولا أصلب مكسراً، ولا أعذب جرساً لها ما لا يحصى من زاهيات الألوان وفاتنات الأشكال، مما ينتمي إلى ما لا يحصى من الصخور الصلدة من شتى الأصقاع والأعماق والعصور، إلا القليل من حجر الظران.
هكذا عركت الأوزان الشعرية وقوافيها حروفنا وكلماتنا عبر آلاف المهام والأعوام، تهذب من غلظة أصواتها، وتصقل من فجاجة صِيَفِها، وتشحنها بطاقات ذاتية من الأحاسيس والمشاعر والمعاني، إلا القليل من ناشد الكلم لغرائب المعاني.
فمن مستحاثات هذه الألفاظ الصقيلة المروضة، كان الشعراء الأصلاء والأدباء وأصحاب الأمثال والكلام المسجّع يصنعون بدائع فنونهم عفو الفطرة والموهبة دونما تكلّف أو عناء.
هذه هي أصول لغتنا العربية في الطبيعة والحس والنفس والمشاعر الإنسانية والمجتمع.
وهذه هي الملحمة الكونية الكبرى للحرف العربي والإنسان العربي في مسيرتهما الثقافية الطويلة عبر التاريخ بين قطبي الأصالة والحداثة.



من مراجع الدراسة
التسلسل العنوان
1 الخصائص -أبو الفتح عثمان بن جني ط2 القاهرة 1955
2 تهذيب المقدمة اللغوية- عبد الله العلايلي. تحقيق د. أسعد علي 1968
3 تاريخ علم اللغة. جورج مونين. ترجمة بدر الدين قاسم ط981
4 مبادئ علم النفس د. يوسف مراد ط2 1954
5 اللسان العربي. زكي الأرسوزي ط 1972
6 الأصوات اللغوية- د. ابراهيم أنيس ط5 القاهرة 1971
7 جامع الدروس العربية. الشيخ مصطفى الغلاييني جزء 3ط 11 1972
8 علم الأصوات. محمد منصف قطامي
9 علم اللغة. د.علي عبد الواحد وافي ط8 1945
10 فقه اللغة د. علي عبد الواحد وافي ط7 1945
11 في فلسفة اللغة د. محمد فهمي زيدان ط بيروت 1985
12 فقه اللغة وخصائص العربية، محمد المبارك ط2 1972
13 تطور اللغة. د. عبد الصبور شاهين
14 الفلسفة اللغوية والأصوات العربية جرجي زيدان
15 مغامرات لغوية لعبد الحق فاضل.
16 مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. عبد الله بن هشام الأنصاري القاهرة
17 نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها. انستاس ماري الكرملي ط القاهرة 938.
18 الوجيز في فقه اللغة محمد انطاكي
19 اعجاز القرآن - مصطفى صادق الرافعي
20 دلائل الإعجاز للجرجاني
21 المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة
22 قاموس محيط المحيط- لبطرس البستاني




الفهرس
المقدمة 5
المدخل 15
الباب الأول:
العلاقات الفطرية بين الحروف العربية والحواس والمشاعر الإنسانية. 25
الفصل الأول :في تصنيف الحواس. 27
الفصل الثاني: أصوات الحروف العربية وإيحاءاتها الحسية والشعورية 35
الباب الثاني:
معاني الحروف العربية على واقع المعاجم اللغوية 53
الفصل الأول: الحاسة اللمسية وحروفها 55
الفصل الثاني: الحاسة الذوقية وحرفاها 79
الفصل الثالث: الحاسة البصرية وحروفها 94
الفصل الرابع: الحاسة السمعية وحرفاها 138
الفصل الخامس: الحروف الشعورية غير الحلقية 147
الفصل السادس: الحروف الشعورية الخلْقية 170

الباب الثالث:
في التطبيق على خصائص الحروف العربية ومعانيها 229
الفصل الأول: الأسس المعتمدة في التطبيق الحروف العربية كأدوات فنية: 231
الباب الرابع:
الشعور، كحاسة سادسة 277
تمهيد: 279
الخاتمة 293
من مراجع الدراسة 299






صدر للمؤلف

1. هذه أمة العرب في تجاربها نشر عام 1958.
2. لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن نشر عام 1961.
3. بين أدب النشوة وأدب اللذة نشر عام 1961.
4. الحرف العربي والشخصية العربية نشر عام 1992.
5. اطلالة على الاعجاز اللغوي في القرآن نشر عام 1994.



 



رقم الايداع في مكتبة الأسد - الوطنية

خصائص الحروف العربية ومعانيها: دراسة حسن عباس دمشق- اتحاد الكتاب العرب 1998 ؛ 302 ص 24 سم

1- 411.2 ع ب 1 خ 2- 410.1 ع ب 1 خ
3- العنوان 4 - عباس
مكتبة الأسد





هذا الكتاب

يحاول المؤلف في دراسته الكشف عن مظاهر الاعجاز اللغوي في بنية العربية، على ضوء ما تحصل له عن تطورها عبر المراحل ( الغابية، فالزراعية فالروعية) التي مر بها العربي في جزيرته الأم فأبدع خلالها تباعاً الحروف: (الهجانية، فالإيمائية ، فالإيحائية) بما يتوافق مع تطوره المعيشي والذهني ، مرحلة حياة بعد مرحلة. وقد حافظ على خصائص ومعاني كل فئة منها في مفرداته وقواعد صرفه ونحوه. فكل حرف عربي له خصائصه ومعانيه، ومعنى كل مفردة هو بعامة محصلة خصائص ومعاني أحرفها . مما يثبت فطرية العربية وأصالة مبدعها كما أن العربي قد آخى بين القيم الجمالية والإنسانية في لسانه. فخصَّ الألفاظ التي في أصوات حروفها رقة وأناقة وجمال وفعالية، مما ترتاح له النفس بمعاني الجيدة والعكس بالعكس .
ويرى المؤلف إن دراسته هذه تمهد للانتقال بالعربية من مرحلتها التراثية التي دامت ألف عام ونيف ..( كيف استعمل العربي مفرداته وقواعد صرفه ونحوه؟) إلى مرحلة حديثة هي ( لماذا استعملها العربي هكذا ؟)
كما يرى المؤلف إنه ( ما من وسيلة عصرية متاحة، هي أصلح من خصائص الحروف العربية ومعانيها لإنقاذ العربية وحمايتها من الغزو الثقافي المضاد، ولا لمحاصرته .
المصدر: ملتقى شذرات


owhzw hgpv,t hguvfdm ,luhkdih gy,dm hgl;jfm fdzm ]vhshj H]fdm ]vhsm ;jf

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
لغوية, المكتبة, بيئة, دراسات أدبية, دراسة, كتب

« ظاهرة الترادف في اللغة العربية | الوظيفة الدلاليّة في ضوء مناهج اللسانيات »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نقش الحروف العربية على الفتاة الإسلامية صابرة الملتقى العام 0 04-20-2015 06:07 AM
اسطوانة روضة الحروف والكلمات لتعليم الاطفال الحروف الهجائية العربية قرائتها وكتابتها Eng.Jordan الحاسوب والاتصالات 4 11-04-2014 11:54 PM
خصائص العربية بين القديم والحديث Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 08-26-2012 09:44 AM
تعليم الحروف العربية للأطفال Eng.Jordan الحاسوب والاتصالات 0 02-17-2012 07:14 PM
حمل خصائص الحروف العربية ومعانيها - حسن عباس مهند دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-09-2012 06:55 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 07:38 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68