تذكرني !

 





إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #5  
قديم 07-01-2012, 11:58 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,419
افتراضي

الفصل السابع -

أحرف النفي

هي: (لَمْ لمَّا لَنْ- ما لا- لاتَ- إنْ)


تمهيد:

لقد سبق أن استعرضنا معاني (لا) مع أحرف العطف و(لمْ، ولمّا) مع الجوازم و(لَنْ) مع النواصب، متطرقين إلى معانيها في النفي وهكذا لم يبق من أحرف النفي دون معالجة، سوى أحرف (ما- لات- إنْ). ولكن نظراً لأهمية (لا) وكثرة معانيها واستعمالاتها في اللغة العربية سنتحدث عنها هنا بشيء من التفصيل، كما سبق أن وعدنا القارئ بذلك في معرض الحديث عنها مع أحرف العطف.
1-لا

أولاً- حول خصائص حرفيها ومعانيها الفطرية:

1-(اللام)- للإلصاق والجمع والإلزام.
2-(الألف اللينة)- فاصل صوتي ممتد يحول دون مباشرة (اللام) وظائفها الفطرية في الإلصاق والإلزام والجمع.
وبذلك يكون النفي هو محصلة الخصائص المتناقضة لهذين الحرفين. ولكنها وإن كانت تنفي وقوع الفعل، نحو (لا تعلو العين على الحاجب)، وتنفي الوجود، نحو: (لا رجل في الدار) إلا أنها تلصق النفي بـ (العلو) في المثال الأول، كما تلصقه (بوجود جنس الرجال) في المثال الثاني وذلك لخاصية الإلصاق في (اللام) من حرف (لا).
ثانياً- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

لما كانت (لا) مؤلفة من (اللام) ذات الصوت اللين المتماسك و(الألف اللينة) الأشد ليونه ومرونة، فمن المتوقع أَن تكون كثيرة الوجوه والأنواع والأقسام والاستعمالات.
لقد عددنا لها لدى (ابن هشام) نيفاً وخمسين وجهاً ونوعاً واستعمالاً، وفي (المحيط) نيفاً وثلاثين. فلم ذلك؟
تساؤل قد طرحناه أكثر من مرة بمعرض الحديث عن بعض حروف المعاني التي تكثر معانيها واستعمالاتها، وبخاصة ما كان منها مؤلفاً من حرف واحد أو اثنين. وكان الجواب: "بساطة النطق بالحرف، ومرونة صوته، ثم تحرره من قيود الحروف العربية المشاركة في تركيبه". وسنرى أن (ما) لن تقل عن (لا) تنوعاً في المعاني والاستعمالات، ولا أشدّ منها عصياناً على الضبط والربط، لهذه الاعتبارات بالذات.
فإن (لا) مؤلفة من (اللام) المرنة الصوت المتعددة الخصائص والمعاني، ومن (الألف اللينة) الأكثر مرونة والأطوع تكيفاً في النطق بمعرض التعبير عن مختلف الأغراض والمعاني، فكثرت بذلك معاني (لا) واستعمالاتها.
واختصاراً للبحث وحصراً له فيما يغنينا الآن، نكتفي باستعراض وجوهها وأنواعها واستعمالاتها حسبما جاء في (المحيط)، وبشيء كثير من الإيجاز.
1-نافية تعمل عمل (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر:

تسمى (نافية للجنس)، أو (تبرئة)، لأنها تنفي الحكم عن جميع أفراد جنس اسمِها، نحو "لا رجلَ في الدار". فهي تعمل عمل الأحرف المشبهة بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر، ولكنها لا تعمل إلا بشروط:
أ-تنصبّ على نفي الجنس، وإِلاّ وجب إهمالها وتكرارها أيضاً. نحو: "لا رجل في الدار ولا امرأة".
ب- أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وإِلاّ وجب الإهمال والتكرار، نحو: "لا زيدٌ عندي ولا عمرو".
ح-أن لا يتقدم خبرها على اسمها، فإن تقدم يجب الإهمال والتكرار، نحو: (لا في الدار رجل ولا امرأة".
د- أن لا يدخل عليها حرف جر، وإلا يجب إهمالها، نحو (سافرت بلا زاد).
هـ وإذا تكررت (لا) النافية للجنس، جاز إعمالها، وجاز إلغاؤها، وجاز إعمال إحداهما وإهمال الأخرى نحو: (لا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله- ولا حولاَ ولا قوةٌ إلا بالله..).
و- يكثر حذف خبر (لا) النافية للجنس، نحو: "ضيرَ لا شكَّ- لا ريبَ- لا محالةَ- لا بأسَ).
ويقل حذف اسمها، نحو: (لا عليك) أي لا بأس عليك.
ز- إن اسمها يكون مبنياً على ما نصب عليه، إن كان مفرداً، كما ينصب إذا كان مضافاً أو شبيهاً بالمضاف. نحو لا معلمَ مدرسة في الباحة.
2-نافية تعمل عمل (ليس) ترفع الاسم وتنصب الخبر:

لا يشترط لها إلا تأخير خبرها وعدم انتقاض نفيها بإلاّ. أما تنكير معمولها فقد اشترطه بعضهم ونفاه آخرون لمجيء اسمها معرفة كما في قول النابغة الجعدي:
وحلّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغِياً



سِواها ولا عَنْ حُبِّها مُتراخياً


وأما نفيها فيكون للوحدة، كما هو ظاهر في البيت السابق. ويكون للجنس كقول الشاعر:
"تعزّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقياً



ولا وَزَرٌ ممّا قضى اللهُ واقيا"


3-نافية عاطفة:

وقد مرّ ذكرها مع أحرف العطف.
4-نافية لا عمل لها:

إنها لا تعمل في الأحوال التالية:
أ- إذا كانت معترضة بين الجار والمجرور، نحو: "سافرت بلا زادٍ"، أو بين الناصب والمنصوب نحو: "اجتهدت كثيراً لكي لا أرسب". أو بين الجازم والمجزوم، نحو: "إن لا تجتهدْ ترسبْ" أو بين العاطف والمعطوف، نحو: "ما جاء زيد ولا عمرو" وكذلك إذا دخلت على فعل مضارع، نحو "زيد لا يحبُّ القراءة". أو على فعل ماض لفظاً ومستقبل معنى، نحو: "لا رحم الله الأشرار".
ب- كما أنها لا عمل لها، ولكن يجب تكرارها في الأحوال التالية: إذا دخلت على الجملة الاسمية، نحو "لا رجل في الدار ولا امرأة". أو على الجملة الفعلية التي فعلها ماض لفظاً ومعنى، نحو: "زيد لا جاء ولا اعتذر". أو دخلت على الإخبار، نحو: "زيد لا شاعر ولا كاتب". أو على النعوت، نحو "جاءنا رجل لا طويل ولا قصير". أو على الأحوال، نحو: "جاءنا زيد لا ضاحكاً ولا عابساً".
5-نافية جوابية:

وهذه تحذف الجمل بعدها كثيراً، نحو يقال لك: أجاء زيد؟ فتجيب (لا). والأصل "لا لم يجيء".
6-ناهية لا عمل لها:

وقد سبق ذكرها مع الأحرف الجازمة.
7-زائدة لا عمل لها:

ومثّل النحاة لها في قوله تعالى: "ما منعك أَلاّ تسجد إذ أمرتك.."(73) وكذلك قول الشاعر:
وتلحيْنَنِي في اللهوِ أنْ لا أُحِبَّه



وللّهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافِلِ"


يقول (الانطاكي): إِنهم اعتبروها هنا زائدة. لأنهم لو اعتبروها نافية ثم فهموا من كل لفظ معناه- المعجمي، لفسد المعنى المراد. إذ يصبح المعنى في الآية: "ما منعك من عدم السجود". فكأنه تعالى يأمر إبليس بعدم السجود لآدم، وهو خلاف المقصود. وكذلك الأمر في بيت الشعر، إذ يصبح المعنى: تلومينني على "عدم حب اللهو"، بينما اللوم هو على "حب اللهو"، لا على عدم حبه.
ويرى الانطاكي أنها هنا (نافية، لا زائدة). وذلك لأن اللغة العربية تعامل الجمل أحياناً بحسب معناها العام، وليس بحسب المعنى المعجمي لكل مفردة على حدة. فقوله تعالى:
"ما منعك" يساوي في المعنى: "من أمرك" أن (لا) تسجد. فتكون بهذا التأويل (نافية، لا زائدة). وكذلك الأمر في قول الشاعر: "وتلحينني" يساوي في المعنى (تطلبين مني).
واستعرض (ابن هشام) المزيد من الأمثلة مبيناً اختلاف الفقهاء حول نفيها وزيادتها، مما لا مجال لسرده.
ولكن يبدو لي أنها هنا نافية، على الوجه الذي ذكره (الأنطاكي). فلقد لازمها النفي في أوجهها واستعمالاتها جميعاً، كما أسلفنا، فلماذا لا تكون هنا نافية أيضاً؟ فالنفي هو معناها الفطري المستمد من خصائص حرفيها ومن طريقة النطق بها.
2-مَا

أولاً- حول خصائص حرفيها ومعانيها الفطرية:

1- (الميم)- للجمع والضم.
2- (الألف اللينة)- هي هنا فاصل صوتي ممدود يحول دون قيام (الميم) بوظيفتها في الجمع والضم فكان النفي، على مثال ما لاحظناه مع (لا).
وهكذا يكون النفي هو محصلة الخصائص المتناقضة لهذين الحرفين. فهل ستحافظ على هذه الخصائص في معانيها واستعمالاتها التراثية كما فعلت (لا)؟
ثانياً: حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

تأتي على وجهين: اسمية وحرفية. ولكل منهما لدى (ابن هشام) أقسام وأنواع واستعمالات قد نوفت على الخمسين. لتبلغ في (المحيط)(20). وما أقلّ أن نعثر على ما هو أعصى منها على تقصي معانيها واستعمالاتها ولا أكثر إثارة للجدل بين الفقهاء بصددها وذلك لبساطة حرفيها وسهولة التكيف بنطقهما ومرونتهما على وجه ما لاحظناه في (لا).
ولقد اختصر الأنطاكي في محيطه أخذاً عن (ابن هشام) أقسامها وفروعها وأبوابها واستعمالاتها، كما جاءت في التراث، بما يلي:
"اسم موصول- ومعرفة تامة عامة- ومعرفة تامة ناقصة- ونكرة ناقصة- ونكرة تامة واسم استفهام- وشرطية غير زمانية- وشرطية زمانية- وحرف نفي وحرف مصدري وحرف مصدري زماني.. وزائدة بين (الفعل ومرفوعه+ بين الجار والمجرور + بين المضاف والمضاف إليه+ بعد أدوات الشرط+ قبل (خلا- عدا حاشا).
ولما كنا بصدد الحديث عن فئة أحرف النفي، فإننا نكتفي هنا بالحديث عن (ما) النافية فقط.
تدخل (ما) النافية على الجملتين الفعلية والاسمية. فإذا دخلت على الفعلية، لم تعمل شيئاً نحو: "ما جاء زيد". وإن دخلت على الاسمية أعملها الحجازيون والتهاميون والنجديون عمل (ليس) بشروط معروفة، كقوله تعالى: (ما هذا بشراً)(74). وأهملها اليمنيون، نحو: "ما زيد قائم".
وقد تستعمل (ما) نافية للجنس، فتعمل عمل (إنّ). وهذا نادر، ومنه قول الشاعر:
وما بأسَ لورَدّت علينا تحيَّةً



قليلٌ على مَنْ يعرفُ الحقّ عابُها".


وينبه (ابن هشام) إلى مسألة تداخل عمل (ما) النافية مع (ما) الشرطية. ففي الآيتين "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم"
(75). فإن (ما) فيهما شرطية لا نافية.

وباستقراء استعمالات (ما) في باقي الأقسام والفروع والأبواب لدى (ابن هشام)، لم نجد للنفي أي مداخلة في معانيها، بما فيها الأقسام (الكافة) عن العمل منها.
وهكذا كانت خاصية النفي الفطرية في (ما) المستمدة من خصائص حرفيها هي الأقل استعمالاً خلافاً للتوقع، على العكس مما لحظناه في معاني (لا) للنفي، فلم ذلك؟
2-حول أسباب الاختلاف بين معانيها

إن ذلك يرجع فيما نرى إلى أمرين اثنين:
الأمر الأول: إيمائي: يتعلق بالخصائص الإيمائية لحرفي (اللام والميم).
فطريقة النطق بـ (لا) تتطابق مع طريقة النطق بـ (اللام) المفتوحة أصلاً. فبمجرد ما ينفصل اللسان عن سقف الحنك يخرج صوت (لا). فكانت بذلك أسرع الإشارات إطلاقاً للدلالة على الرفض أو النفي، بما يتوافق مع متطلبات الإنسان العربي من السرعة في البيان. وهكذا خصها بالنفي من قبيل (وضع الشيء المناسب في المكان المناسب).
أما طريقة النطق بـ (ما) فهي أعقد وأطول زمناً إذ تتم على مرحلتين اثنتين متباينتين: ضم الشفة إلى الشفة بشيء من التأني حبساً للنفس، ثم بانفراجهما وفتح الفم واسعاً. ولما كانت هاتان الحركتان تستغرقان زمناً أطول مما يستغرقه النطق بـ (لا) فقد انصرف العربي عن استعمال (ما) للنفي، وجنح إلى تحميلها معان أخرى يتطلب تحقيقها زمناً أطول مما يتطلبه الرفض أو النفي، وبما يتوافق مع طول مرحلتي خروج صوتها وذلك على مثال ما عبّر العربي عن معنى القطع طولاً بكلمة (قدّ)، والقطع عرضاً بكلمة (قطّ)، لأن مخرج صوت (الدال) في (قدّ) أبعد عن مخرج (القاف) من (الطاء) في (قط) فكانت (قط) الأخصر للصوت تناسب القطع عرضاً، كما قال (ابن جني).
الأمر الثاني معنوي: يتعلق بالمعاني الفطرية لكل من (اللام والميم).
فمن معاني (اللام) الفطرية: (الإلصاق) بما يضاهي واقعة التصاق طرف اللسان بسقف الحنك ، عند تشكل صوتها. ولكننا ألحقنا بها معاني (الجمع والضم)، وذلك لأنه ليس ثمة تعارض واضح بين معاني (الإلصاق والجمع والضم)، فهي صور مرئية محسوسة يكمل بعضها بعضاً.
وهكذا قد تداخلت في دراستنا خصائص (اللام والميم) ومعانيهما في (لا وما). ولكن التراث اللغوي العظيم قد كشف عن الفروق الدقيقة بين معانيهما في هذا التداخل. فكيف كان ذلك؟
عودة إلى الخصائص الإيمائية لحرفي (اللام والميم):
أ- (اللام) في (لا) هي للإلصاق. وإذن، عندما نلفظ (لا) بشيء من التفخيم، ينفصل طرف اللسان عن سقف الحنك مع انفتاح الفم واسعاً وارتفاع الرأس إلى الأعلى، في حركة متناسقة موحدة سريعة مما يشير إلى الرفض بحزم وبالتالي إلى (النفي) البات ولا شيء آخر.
فانفصال طرف اللسان عن سقف الحنك عند النطق بـ (لا)، لا يخلّف وراءه أي صورة محسوسة أخرى، سوى (حركة) الانفصال التي تشير إلى الرفض أو النفي. فاستأثرت هذه المعاني باستعمالاتها التراثية جميعاً.
ب- أما (الميم) في (ما) فهي بحكم انطباق الشفة على الشفة تشير إلى (الجمع والضم)، ولكن عندما نقول (ما) تنفرج الشفتان عن بعضهما البعض، وينفتح الفم واسعاً مع ارتفاع الرأس إلى الأعلى في حركتين متمهلتين تشير محصلتهما إلى الرفض. على أن الصور المحسوسة من (الجمع والضم) تبقى في الذهن بعدهما، فتغلبت على معاني الرفض والنفي، كما لحظنا ذلك في دراستها. حساسية (سمعية بصرية) فطرية لدى الإنسان العربي لا نظير لها.
ونحن لو عدنا إلى معاني (ما) واستعمالاتها التراثية لتبين لنا أنها تخلف وراءها شيئاً معيناً قد ارتبط (وجوده) بها، على العكس من (لا)، التي لا تخلف بعدها سوى النفي والعدم.
3-وإذن، ما طبيعة العلاقة بين (ما) وما يأتي بعدها من أحكام؟

إنها علاقة وجود
1- تأتي (ما) اسم موصول. ويعرّفه (الانطاكي) بأنه: "ما يدل على معيّن بواسطة جملة تذكر بعده) كقوله تعالى: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء.."(76). فهذا المعيّن الذي دلت عليه (ما) هو (النساء). لهنّ (وجود) مستقل متكامل يظل ثابتاً بعد (ما) ماثلاً في (الميم).
2- كما تكون (ما) استفهامية، كقوله تعالى، نحو "وما تلك بيمينك يا موسى"(77). فالتي بيمينه (وهي عصاه) شيء له وجوده المستقل المتكامل ماثلاً في الذهن..".
3- وهكذا الأمر عندما تكون (ما) معرفة تامة خاصة كقوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما)(78) أو شرطية غير زمانية، كقوله تعالى: (وما تفعلوا من خير يعلمْه الله)(79). أو شرطية زمانية، كقوله تعالى: "فما استقاموا لكم، فاستقيموا لهم"(80)، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم أو مصدرية كقوله تعالى: "ليجزيك أجر ما سقيت لنا"(81)، أي أجر سقيك..
وهذه المعاني تتطلب أحكامها فسحة في الزمن، تتوافق شيئاً ما مع الزمن الذي يستغرقه خروج صوت (ما). أما بقية معانيها، إذا لم تتعلق صراحة بوجود، فهي لا تتضمن النفي ولا العدم.
4-ولكن ثمة حالة واحدة تكون (ما) فيها للنفي، نحو: (ما جاء زيد). وشأنها في هذه الحالة شأن (لا) نفياً للوجود. ولكن هذه الحالة وحدها، لا تجرح صحة ربط (الوجود) بخصائص (الميم) في (ما) من حيث (الجمع والضم)، كما أسلفنا
أقول هذا وأنا غير غافل عما قد يلاقي هذا التعليل من اعتراض. وذلك بزعم أن العربي الضارب في أعماق التاريخ ومجاهل الأرض كان من المتعذر عليه أن ينتبه إلى هذه الفروق الدقيقة بين خصائص (لا وما) بمعرض التعبير عن معانيه.
ونرد على هذا الاعتراض أن اللغة العربية فطرية النشأة كما لاحظ القارئ ذلك مراراً عديدة في هذه الدراسة. والفطري في الإنسان يضاهي الغريزي في الكائنات الحية. فلو أنهم تمعنوا في سير حياة أي كائن حي بدءاً من النملة فالنحلة، إلى الأسماك فالطيور حتى ملوك الغابات، إذن لرأوا من الدقة والبراعة وحكمة في السلوك واقتصاداً في الزمن، ما لا يتصوره عقل إنسان.
واللغة العربية الفطرية النشأة، ما هي إلا نموذج راق من نماذج الكائنات الحية. فبمقدار ما نتعمق في دراسة مظاهرها تتاح لنا فرص أكثر لاكتشاف المزيد من أسرارها مما لم يخطر على بال عالم لغة أو فقيه صرف ونحو طوال ألف عام ونيف.
3-لاتَ

أولاً حول خصائص أحرفها ومعانيها الفطرية:

1-(لا)- من (اللام والألف اللينة)، كانت محصلة معانيهما الفطرية والتراثية النفي كما أسلفنا.
2-(التاء) للرقة والضعف.
فتكون محصلة معاني أحرفها: النفي بضعف لتعدد الفواصل بين (لام) الإلصاق ومتعلقها.
ثانياً- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

1-حول حقيقتها:

أ-قال بعضهم: هي فعل ماض بمعنى (نقص)، ثم استعمل في النفي. كما استعملوا فعل (قلَّ) في قولهم: "قلّ رجل يفعل ذلك"، بمعنى: "ما رجل يفعل ذلك". فقال تعالى: "لا يَلِتْكُم من أعمالكم شيئاً"، بمعنى لا يُنقص. فيقال: "لات يليت، وألت يألت".
ب-وقال بعضهم أنها كلمتان: (لا) النافية، و(التاء) لتأنيث اللفظة، كما في: (ثُمّت رُبّت) بضم أولهما.
ح-وقال آخرون: هي (ليس)، قلبت ياؤها (ألِفا) وسينها (تاء). وهو تعليل أبعد عن الصواب مما جاء آنفاً حول حقيقتها، ولعل الوجه الأول بمعنى (قل) هو الأصوب.
2-حول عملها:

أ-إنها لا تعمل شيئاً: إذا وليها مرفوع، فهو مبتدأ حُذف خبره. فإن قُرِئ في الآية القرآنية: "لات حينُ مناص"(82) بالرفع، كان التقدير: "ولا حينُ مناصٍ كائن" وإذا قرئ بالنصب فهو مفعول لفعل محذوف تقديره: "لا أرى حينَ مناص".
ب- إنها تعمل عمل (إنَّ): تنصب الاسم وترفع الخبر. فإذا كان ما بعدها منصوباً، فهو اسمها وخبرها محذوف. وإن كان مرفوعاً، فهو خبرها واسمها محذوف.
ج-إنها تعمل عمل (ليس). فإن رفع ما بعدها فهو اسمها والخبر محذوف، وإن نصب فهو خبرها واسمها محذوف.
والمتفق عليه أن (لات) لا تدخل إلا على أسماء الزمان، نحو: "لات حينَ مناص- لات ساعةَ مندم".
وهكذا تتوافق معانيها الفطرية مع معانيها التراثية من حيث ضعف قدرتها على النفي بفعل (التاء)، فاقتصرت على نفي الزمان فحسب، وما أضيّقَه من مجال، وضعف قدرتها على النفي يضاهي ضعف (ليت) في التمني، للأسباب ذاتها، كما سيأتي.
4-إنْ

لما كان لا علاقة ظاهرة بين خصائص حرفيها ومعانيهما بما فيها (النفي)، فلقد رأينا أن نستعرض بإيجاز شديد معانيها واستعمالاتها التراثية تذكيراً للقارئ بها.
فهي لدى (ابن هشام) على أربعة أوجه:
1-حرف شرط جازم: تدخل على المضارعين فتجزمهما لفظاً، نحو "إن تدرسْ تنجحْ" وإذا دخلت على الماضيين تجزمهما محلاً، نحو: "إن درسَ زيدٌ نجحَ".
2-حرف نفي: تدخل على الجملة الاسمية، كقوله تعالى: "إن الكافرون الاّ في غرور"(83)، أي ليس الكافرون إلاّ في غرور. وتدخل على الجملة الفعلية كقوله تعالى: (إن أردنا إلاّ الحُسنى)(84). أي ما أردنا إلاّ الحسنى.
3-مخففة من (إنَّ): تدخل على الجملة الاسمية وتعمل عمل (إنَّ)، نحو: إنْ زيداً لمنطلق). وبعضهم يهملها، فيكون ما بعدها مبتدأ وخبر، نحو: "إن زيدٌ لمنطلقٌ". وإذا دخلت على الجملة الفعلية فلا تكون إلا مهملة كقوله تعالى: "وإن ْكادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك"(85).
هذا ولا بد في (إنْ) المخففة من الثقيلة من (لام) مفتوحة بعدها تسمى (لام) الفارقة، لأنها تميزها من (إنْ) النافية.
4-زائدة: تزاد بعد (ما) النافية نحو:

"ما إنْ أتيتُ بشيء أنت تكرهه.." وتزاد بعد (ما) الموصولية: نحو:
"يرجّى المرءُ ما إن لا يراه



وتعرض دون أدناه الخطوب".


وتزاد بعد (ألا) الاستفسارية، نحو:
ألا إنْ سرى ليلي فبتُّ كئيبا



أُحاذِرُ أن تنأى النَّوى بِغَضُوبا".


ويبدو لي أن معانيها جميعاً اصطلاحية.


¡¡





الفصل الثامن -

أحـــرف
(التمني والعرض والتحضيض والتنديم والترجِّي)



أولاً- (أحرف التمني والعرض):
هي: ليت لو هل.


1-ليْتَ:

لقد سبق أن تحدثنا عنها بوصفها واحدة من الأحرف المشبهة بالفعل، وذكرنا في حينه أنها حرف تمنّ يتعلق بالمستحيل غالباً، وبالممكن قليلاً. وذلك لأن (لام) الإلصاق في (ليت) يفصل بينها وبين متعلقها حرفان اثنان، هما: (الياء) حفرة صوتية، و(التاء) الضعيفة الواهية مما أضعف فعالية (اللام) في الإلصاق، حتى حدود التلاشي، كقول الشاعر:
"فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً



فأَخْبرَه بما فعَل المَشيبُ"


2-لَوْ

هي لدى (ابن هشام) على خمسة أوجه: (الشرطية للماضي + الشرطية للمستقبل + مصدرية + للتمني + للعرض):
نقتصر هنا على وجهيها في التمني والعرض. ولكن نظراً لأهمية أوجهها الثلاثة الباقية، سنتناولها مفصلاً في الفصل الحادي عشر.
أ-لو للتمني: نحو: "لو تأتيني فتحدثني" واختلفوا في (لو) هذه. فقال بعضهم:
هي (لو) الشرطية أُشربت معنى التمني. وقال آخرون هي (لو) المصدرية أغنت عن فعل التمني ففي قولنا (لو تأتيني فتحدثني) أرادوا أنّ الأصل: "وددت لو تأتيني". فحذف فعل التمني لدلالة (لو) عليه. فأشبهت (ليت) في الإشعار بمعنى التمني، فكان لها جواب كجوابها. أما أن تكون (لو) حرفاً وضع للتمني مثل (ليت) فممنوع فيما يرون.
ولكننا نرى أن معنى التمني هنا في (لو) مستمد من خاصية الإلصاق الفطرية في (اللام) وخاصية الجمع في (الواو). وهذه بتدافعها الصوتي قد أحدثت فاصلاً صوتياً مرنا بين (اللام) وبين متعلقها (تأتينا). فكان التمني برفق ولين هو محصلة خصائص هذين الحرفين. ومنه ترجّح أنَّ (لو) قد وضعت أصلاً للتمني لتوافق هذا المعنى مع خصائص حرفيها. كما سيأتي:
ب-للعرض: نحو: "لو تنزلُ عندنا فتصيبُ خيراً". والعرض هنا يتضمن معنى الإلصاق بين النزول وإصابة الخير، بما يتوافق مع الخصائص الفطرية لحرفي (لو). وفي العرض رفق ولين كما في التمني. ولا فرق بينهما إلا في المعنى المستفاد من سياق الكلام.
3-هَلْ:

هي حرف استفهام. لم ترد لمعنى التمني لدى (ابن هشام)، ولا في (المحيط. ولكن (الغلاييني) أثبته في كتابه (جامع الدروس العربية) حيث يقول:
(لو- وهل) قد تفيدان التمني، لا بأصل الوضع، فالأولى شرطية والثانية استفهامية. فمثل (هل) في التمني قوله تعالى: (هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا)
(86). وسنعود إليها في الفصل الأخير.

ثانياً- أحرف التحضيض والتنديم:
هي: (هلاّ- ألا- ألاَّ لولا- لوما).


1-هَلاَّ:

أولاً- حول خصائص أحرفها ومعانيها الفطرية:

أ-الهاء هي بحكم خاصية الاهتزاز في صوتها من شأنها أن تثير انتباه السامع. فكانت (ها) حرفاً للتنبيه. وقد سبق أن ألمحنا إلى تأثير هذه الخاصية في معنى (هيا) من أحرف النداء.
وهكذا كانت (الهاء) في (هل وهلاّ) لمجرد إثارة انتباه السامع لأمر ما يعنيه المتكلم: للاستفهام والتمني في (هل) وللتحضيض في (هلاّ). ولنا عودة مطولة إلى خصائص (الهاء) ومعانيها بمعرض حديثنا عن ضمائر الغائب (هو- هي هما).
ب- (اللام) المشدّدة هي هنا للمزيد من الإلصاق بما يتوافق مع معنى التحضيض.
ح-(الألف اللينة)هي هنا لإعطاء التخصيص فسحةً أطول في الزمن كما لحظنا ذلك في (إلى وعلى)الجارتين، مما يفسح المجال للمزيد من اهتمام السامع لتلبية ما هو مطلوب منه.
وبذلك تكون محصلة الخصائص الفطرية لأحرفها تتوافق مع معانيها التراثية، كما سيأتي:
ثانياً- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

(هلاّ، هي (هل) قد ألحق بها (اللام) و(الألف اللينة). فنقلا معناها بفعل (اللام) المشددة من (التمني) إلى معنى أشد.
فإذا دخلت على المضارع كانت (للتحضيض)، نحو: "هلاّ تزورنا". أما إذا وليها فعل ماض، فتكون للتنديم والتوبيخ، نحو: (هلاّ كتمت السر). وتعليل ذلك أن (اللام) المشددة تضاعف من خاصية الإلصاق والإلزام فيها. فإذا وليها فعل مضارع نقلت المعنى من مجرد التمني المتئد إلى التحضيض الملحاح. أما إذا وليها فعل ماض، فإنه لا يعود ثمة جدوى من الإلحاح، فيتحول التحضيض إلى (توبيخ وتنديم)، وذلك تعبيراً عن خيبة أمل المتكلم بالمخاطب.
ومما يشير إلى صلة النسب بين، (هل، وهلاّ)، لفظاً ومعنى، إنهما لا تدخلان إلا على فعل.
2-ألا

أولاً- حول خصائص أحرفها ومعانيها الفطرية:

أ-(الهمزة) انفجار صوتي، لمعاني الظهور والبروز، مما يثير الانتباه.
ب-(اللام)- للإلصاق والإلزام.
ح-(الألف اللينة)- امتداد صوتي، هي هنا لإعطاء السامع فسحة في الزمن لمزيد من الانتباه والاهتمام فهل ستتوافق محصلة هذه الخصائص الفطرية لأحرفها مع معانيها واستعمالاتها التراثية؟
ثانياً- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

لم يرد ذكرها لدى (ابن هشام) وهي في (المحيط) على ثلاثة أوجه:
أ-حرف استفتاح: لا عمل لها، كقوله تعالى: "ألا إنهم هم السفهاء"(87).
وهذا المعنى الذي لا عمل له مستمد من خصائص أحرفها على الشكل التالي:
1-(الهمزة)-للبروز وإثارة الانتباه، مما يتوافق مع افتتاح الحديث بها.
2-(اللام) لربط انتباه السامع وذهنه بما سيأتي بعدها.
3-(الألف اللينة) لإعطاء السامع فسحة من الزمن يستجمع خلالها شتات ذهنه. ومحصلة هذه المعاني تتوافق مع وظيفتها في الاستفتاح.
ب-مركبة من (همزة) الاستفهام و(لا) النافية:
تعمل عمل الحروف المشبهة بالفعل ولها ثلاثة معان
1-التوبيخ كقول الشاعر:
"ألا ارْعِواءً لمن ولَّت شبيبتُه



وآذنتُ لمشيبٍ بعده هَرمُ".


والتوبيخ القاسي في هذا المعنى مستمد من سياق الكلام، لا من أصلها. فاللام المنفردة لا تستطيع حمل هذه القساوة:
2- التمني كقول الشاعر:
"ألا عُمْرُ ولّى مستطاعٌ رُجوعُهُ



فيرْأبَ ما أشأتْ يدُ الغَفَلاتِ"


أما الرقة في هذا المعنى فهي تتوافق مع محصلة خصائص أحرفها.
3-الاستفهام الحقيقي، كقول قيس بن الملوِّح.
"ألا اصطبارَ لسلْمى أمْ لها جَلَدُ



إذنْ أُلاقي الذي لاقاهُ أمثالي".


وهذا المعنى يتوافق أيضاً مع محصلة خصائص أحرفها. فـ (الهمزة) الانفجارية الصوت هي هنا لإثارة انتباه السامع فيتهيأ للإجابة، كما في (الهمزة) الاستفهامية، نحو: "أرأيت زيداً"؟
ح-حرف عرض وتحضيض:
هي هنا تختص بالجملة الفعلية. فالعرض طلب بلين يتوافق مع خصائص أحرفها، كما في قوله تعالى: "ألا تحبون أن يغفر الله لكم"(88). أما التحضيض فطلب بِحثّ، لا تتضمنه (اللام) المفردة، كما لحظنا ذلك في معنى (التوبيخ). ويبدو أن العربي قد ترك أمر التمييز بين هذين المعنيين لسياق العبارة، وليس لأصل كلمة (ألا)
3-ألاَّ

هي (ألا) بتشديد (اللام) فيتحول الطلب بها من الرقة إلى الشدة قطعاً. ولها وجهان:
أ-حرف تحضيض ولا عمل لها. وتختص بالجمل الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض، نحو "ألاّ زرتنا". وهي بحكم (لامها) المشددة، لا تأتي إلا، للتحضيض.
ب- مركبة من (أن) الناصبة للمضارع، و(لا) النافية: نحو: (أريد ألاّ أسافر). أي "أريد أن لا أسافر". وهي هنا بحكم تركيبها، للنفي لا للإلصاق أو الإلزام، وبالتالي ليست للتحضيض.
4-لَوْلا

هي لدى (ابن هشام) على أربعة أوجه:
أ-تدخل على جملتين اسمية وفعلية لربط امتناع الثاني بوجود الأول. فهي حرف (امتناع لوجود)، نحو "لولا زيدٌ لأكرمتك"، أي أن الكرم قد امتنع لوجود (زيد).
وهذا المعنى يتوافق مع اعتبارها مركبة من (لو) الشرطية، و(لا) النافية، بتقدير (لو زيد، لا وجود له، لأكرمتك).
ب-للتحضيض والعرض، فتختص بالمضارع، أو ما في تأويله، كقوله تعالى: "لولا تستغفرون الله"(89)، ونحو "لولا أجّلتني إلى أجل قريب".
والفارق بينهما، أن التحضيض طلب بِحثّ وإزعاج، والعرض طلب بلين وتأدب، وهو يفهم من سياق الكلام.
ج-للتوبيخ والتنديم، فتختص بالماضي كقوله تعالى: "لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء"(90)، وشأنها في ذلك شأن (هلاّ)، كما أسلفنا.
د-للاستفهام كقوله تعالى: "لولا أخرتني إلى أجل قريب"(91). وفي هذا المعنى خلاف. فبعضهم يرُّده إلى معنى (العرض)، كما جاء آنفاً.
وهكذا نرى أن الحثّ والإلحاح والتعنيف في معاني (الحض والتوبيخ والتنديم)، هو أولى بها من اللين والتأدب في معنيي العرض والاستفهام). وذلك لتكرار (لام) الإلصاق والإلزام في تركيب (لولا).
5-لَوْما:

هي بمنزلة (لولا)، نحو: "لو ما زيدٌ لأ كرمتك". وكقوله تعالى: "لوما تأتينا بالملائكة(92) ولا شك أن تماثل معانيهما يعود إلى أن خاصية الإلصاق في (اللام) الثانية من (لولا) تماثل خاصية الجمع والضم في (الميم) من (لوما). وهكذا، ليس ثمة من داع للتوسع في معانيها واستعمالاتها.
ثالثاً- حرف الترجي:
لَعلّ:


هي أحد الأحرف المشبهة بالفعل، وقد سبق العرض عنها في حينه. لها عند (ابن هشام) ثلاثة معان:
أ-التوقع وهو ترجِّي المحبوب، نحو: (لعلّ صديقي ناجح). والإشفاق من المكروه، نحو "لعلّ السنة مجدبة".
ب-التعليل: قال به بعضهم كقوله تعالى: "فقولا له قولاً ليناً، لعله يتذكّر أو يخشى"(93). أما من لم يُثبت هذا المعنى، فقد حمله على الرجاء. وهو الأكثر تطابقاً مع خصائص ومعاني أحرفها.
ح-الاستفهام أثبته الكوفيون، نحو: "لا تدري، لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً". و(لعّل) هنا فيما نرى مشربة بالترجي.
وهكذا فإن خاصيتي الإلصاق والإلزام في (لعلَّ) ترافقانها في معانيها جميعاً: تارة بشدة، كما في (التوقع). وتارة برفق وتراخ، كما في (التعليل والاستفهام) المشربتين بالرجاء. وذلك لتكرار (لام) الإلصاق فيها ثلاث مرات، ولأن (اللام) المشددة متصلة مباشرة بمتعلقها.
ولكن ما الذي أبعد (لعلَّ) عن معاني (التمني والتحضيض، والتنديم والتوبيخ) الواردة في معاني (ليت لو هلا- لولا)، على الرغم من تكرار (اللام) فيها ثلاث مرات؟، فأجيب:
أ-إن تكرار (لام) الإلصاق والإلزام في (لعلّ)، قد حول الطلب برفق ولين في (التمني) إلى استعطاف ملح في الترجِّي.
ب-كما أن معاني السمو والعلو في (العين)، كما أسلفنا في حينه، تتوافق مع واقع الترجي الذي يتجه أصلاً من الأدنى إلى الأعلى، وإن جاء أحياناً كثيرة في سياق الكلام لمجرد طلب تحقيق رغبة. أما التحضيض والتنديم والتوبيخ فهي تتجه من الأعلى إلى الأدنى.
فكان أن استعمل العربي حرف (العين) في (لعلّ) بما يتوافق مع استعطاف الأدنى للأعلى بعيداً عن التحضيض والتنديم والتوبيخ. أدب جم وتهذيب رفيع مع (العين) في (لعلّ) لا تحظى بهما الحروف الأخرى.
تعقيب لا بد منه:
لقد تكرر دوران (اللام) (15) مرة في تراكيب التسعة أحرف من هذا القطاع المتجانس من معاني (التمني والعرض والتحضيض والتنديم والتوبيخ والترجي)، بما يتوافق مع خصائص (اللام) في (الإلصاق والإلزام) لم يخل واحد منها من (لام) أو أكثر، ظاهرة لغوية متفردة، لا مثيل لها في أي من لغات العالم.
فأي حساسية سمع ورهافة حس وشفافية مشاعر كان يمتلكها ذلك الإنسان العربي، الذي أدرك بفطرته السليمة الخصائص الفطرية في (اللام) فوظفها في استنباط هذه المعاني، مما لا يقدر على ذلك بمثل هذا الصدق وهذه العفوية أي حرف عربي آخر، ولا أي إنسان آخر.
وما أحسب أن القارئ سيزعم بعد كل هذا، أني قد فسرت معاني حروف المعاني التي شاركت (اللام) في تركيبها لمصلحة معانيها التراثية، دونما رابطة من أصالة فطرية بينهما. فعسى أن يكسبني ذلك ثقته أيضاً، بأني لم أكن متعنتاً ولا متعسفاً في استنباط العلاقات الفطرية بين خصائص حروف المعاني الأخرى وبين المعاني التراثية للحروف العربية التي استشهدت بها في الأمثلة السابقة.
وهكذا فإن هذا الوعي الجديد للعلاقة الفطرية بين معاني هذه الفئة من أحرف المعاني، وبين خصائص الحروف التي شاركت في تراكيبها، تتوافر فيه شروط الحداثة في الحرف العربي.
¡¡



الفصل التاسع -

أسماء الكناية



وقفة ولفتة إلى الوراء:

لقد محصنا حتى الآن (63) واحداً من حروف المعاني لثمان من أهم فئاتها وأكثرها تداولاً وأعقدها استعمالاً وأكشفها عن أصالة اللغة العربية وأخطرها على فصحاها. قد شارك في تراكيب هذه الحروف (19) واحداً من حروف المباني أي (الحروف العربية). قد تكررت (152) مرّة، كان دورانها فيها كما يلي:
(اللام. (35) مرّة الألف اللينة (24)- النون (15)- الهمزة (14)- الميم( 12)- التاء 9) الياء (8)- الواو(7) الكاف(7)- العين(6). وكان دوران أحرف (الهاء- الباء الحاء) ثلاث مرات. وحرف (الدال) مرتين. أما (الراء والخاء والشين والثاء والفاء) فمرة واحدة. ولا شيء لباقي حروف المباني.
ولقد لاحظنا أن معظم المعاني التراثية لحروف المعاني المدروسة واستعمالاتها، كانت تتوافق مع الخصائص الفطرية لحروف المباني التي شاركت في تراكيبها ما شذ عن ذلك إلا قلة قليلة منها مما لا يجرح صحة القول بأصالة اللغة العربية وفطرتها في قطاع حروف المعاني.
ولكن يلاحظ أن (الهاء) قد اقتصر دورانها على (3) مرات والذال على
(2) مرة، فلم يتح لنا المجال الكافي لاستعراض معظم خصائصهما على الرغم من أهميتهما الفائقة في قطاع الأسماء، أما الكاف فهي وإن تكرر دورانها (7) مرات في حروف المعاني، فإن خصائصها الصوتية ومعانيها لم تستوفيا حقهما من التمحيص. فعسى أن يتسنى لنا ذلك في قطاع الأسماء.


ولكن هذه العلاقة الحميمة بين معاني حروف المعاني واستعمالاتها التراثية وبين الخصائص الفطرية للحروف العربية التي تشارك في تراكيبها، هل ستظل على ما كانت عليه من الإلفة والمودة في قطاع الأسماء أيضاً؟
وهكذا رأينا أن نتناول بعض الفئات من الأسماء الموازية لحروف المعاني من حيث أهميتها وبساطة تراكيبها وعراقتها في القدم وكثرة استعمالاتها مما تتزعمه أحرف (الهاء والذال والكاف).
ولكننا نرى أن نبدأ بأسماء الكناية، وإن لم تكن هي الأهم، وإنما لأنها الأقل تعقيداً، وقد تزعمها جميعاً حرف (الكاف) عدا واحداً منها. ظاهرة تخصص في وظائف الحروف العربية، تدعو إلى الدهشة حقاً فماذا عنها؟
أسماء الكناية: هي: "كم كأيّن- كأيّ- كائن كذا كيت ذيت"

ظاهرة من تصدّر (الكاف) أسماء الكناية جميعاً باستثناء واحد منها تماثل ظاهرة تصدّر (اللام) معظم أحرف (التمني والعرض والتحضيض والتنديم والترجي) كما أسلفنا. وذلك على مثال ما تتصدر (الهاء) أيضاً ضمائر الغائب جميعاً وبعضاً من أسماء الإشارة، وما تتصدر (الذال) بعضها أيضاً، كما سيأتي:
ويبدو لنا أنّ العربي قد حرص ما استطاع أن يختار لكل فئة من حروف المعاني والأسماء التي توازيها حرفاً عربياً معيناً يتزعمها تتوافق خصائصه الفطرية مع المعاني التراثية لحروف المعاني وما يوازيها من الأسماء. ظاهرة تخصص وظيفي في الحروف العربية قد لحظناها في فئات المعاني المعجمية للمصادر التي تبدأ بكل واحد من حروف المباني. فكان من طبيعة الأمور أن ينقل هذه الظاهرة التخصصية في اللغة العربية من المعاجم إلى حروف المعاني والأسماء الموازية على أن العكس هو الصحيح تاريخياً.
فماذا عن أسماء الكناية و(الكاف) التي تتزعمها؟

أ-اسم الكناية: هو اسم يكنى به عن مبهم من عدد أو حدث، أو فعل.
ولكن، للكشف عن العلاقة بين المعاني التراثية لأسماء الكناية، وبين الخصائص الفطرية للحروف العربية التي تشارك في تراكيبها، وعلى رأسها (الكاف)، لا بد أولاً من تحديد مفهوم الكناية.
فالكناية لغة من كنى عن كذا كناية: "تكلم بما يستدل به عليه ولم يصرِّح". والكناية في علم البيان هي: "لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته المعنى الأصلي لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته"، نحو: "نظافة اليد". فكما يمكن صرف هذه العبارة إلى المعنى المحسوس من (الطهارة)، وهذه ليست كناية، يمكن أن تنصرف أيضاً إلى المعنى المجازي غير المحسوس من: (العفة أو الأمانة، أو النزاهة أو الترفع أو نقاء الضمير..) وما ماثل ذلك من المعاني المجردة حسب سياق الحديث، وهذه كناية:
وهكذا فإن مفهوم الكناية يتماس مع مفهوم التشبيه.
فالتشبيه في علم البيان هو: (إلحاق أمر بأمر لصفة مشتركة بينهما) وهذه الصفة المشتركة إما أن تكون محسوسة، نحو: (يد زيد كالحديد): قساوة وصلابة، وإما أن تكون معنوية: بطشاً وجبروتاً.
ب-الكاف: من معانيها التشبيه، كما أسلفنا بمعرض الحديث عن خصائصها. والتشبيه يتطلب إجراء مطابقة حسية أو ذهنية بين خصائص المشبه والمشبه به. وهذه المطابقة تتضمن عملية احتكاك حسية أو ذهنية بين المشبه والمشبه به، أو بين المكنى والمكنى عنه على حد سواء.
وإذن لم يكن من قبيل المصادفات العشوائية أن جعل العربي (كاف) الاحتكاك والتشبيه في مقدمة كلمة (كناية)، كما جعلها في مقدمة أسماء الكناية جميعاً عدا (زيت)، النادرة الاستعمال فماذا عن أسماء الكناية وأصول استعمالها؟
1-كَمْ

أولاً حول خصائص حرفيها ومعانيهما الفطرية:

أ-(الكاف)- من معانيها المستفادة من معاني المصادر الجذور التي تبدأ أو تنتهي بها (الاحتكاك) بما يتوافق مع واقع احتكاك النفس عند مخرج صوتها في سقف الحنك، كما أسلفنا في حينه، كما أن من معانيها الكثرة والتراكم والضخامة، وذلك بما يتوافق مع واقع تجمع النفس وتدافعه عند خروج صوت (الكاف)، إذ لفظ في بداية المصادر مضغوطاً على مخرجه ومفخماً.
ب-(الميم)- من معانيها الإيمائية في نهاية المصادر (الجمع والضم والكسب).
وهكذا تكون محصلة المعاني الفطرية لهذين الحرفين (التشبيه والتراكم والجمع والضم)، فما رصيد ذلك في معاني (كم) التراثية؟
ثانياً- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

هي في المحيط على وجهين اثنين: خبرية واستفهامية.
أ-كم الخبرية: يخبر بها عن العدد الكثير كما لو قلت: "كم كتابٍ قرأت"؟ أي قرأت كثيراً من الكتب. فالكلام معها هو على وجه الإخبار، وليس على وجه الاستفهام.
ب-كم الاستفهامية: يطلب بها تعيين العدد، كما لو سألت المخاطب: "كم كتاباً قرأت"؟ وهكذا فإن معاني (كم) التراثية، المكنى بها عن الكثرة، سواء في الخبرية أو الاستفهامية تتوافق مع معانيها الفطرية في التراكم (للكاف) والجمع (للميم). فالصفة الحسية المشتركة بينهما هي (كثرة العدد).
وإن (كم) الخبرية و(كم) الاستفهامية لدى النَّحاة تشتركان في أن كلتيهما اسم مبهم كناية عن عدد مفتقر إلى التمييز، مبنيٌّ على السكون واجب التصدير.
وتختلف (كم) الخبرية عن (كم) الاستفهامية في شيئين: فالأولى للإخبار بالكثرة، أما الثانية فللاستفهام عن العدد. كما أن تمييز الأولى مجرور دائماً بالإضافة، أو بـ (من)، أما تمييز الثانية فمنصوب أبداً.
كما أن تمييز الخبرية يجوز إفراده وجمعه، نحو: "كم كتبٍ كتابٍ قرأت". أما تمييز الاستفهامية فلا يكون إلا مفرداً.
وهكذا، بتوافق الخصائص الفطرية لحرفي (كم) مع معانيها التراثية، يمكن اعتبارها إحدى المستحاثات اللغوية.
2-3-4- (كأيّنْ- كأيّ- كائِنْ)

هذه الأسماء الثلاثة، وإن كانت تختلف قليلاً في تراكيب أحرفها، فإن لها معان تراثية واستعمالات موحدة.

ولما كانت (كأيّ) المنتهية بالياء المشددة المنونة هي أبسط تركيباً من (كأين) المنتهية بالياء المشددة والنون فمما لا شك فيه أنها هي الأصل التاريخي لها. فكانت الأجدر بالدراسة من شقيقتيها (كأيّن وكائن) يعزز هذا الرأي ما ذكره الغلاييني عنها:
"كأيِّ، هي في الأصل مركبة من كاف التشبيه و(أيّ) للشرط والاستفهام. ولأنّ التنوين قد صار جزءاً من تركيبها، كتبت بالنون، "جامع الدروس ج1 ص148".
أما (كائن)، فهي لدى الغلاييني والأنطاكي (كأيّن) ذاتها كقول الشاعر المتنبي:
وكائن ترى مِنْ صامتٍ لك مُعجب



زيادته أو نقصُه في التكلُّمِ".


بتقدير (كثيراً ما ترى)، ونرى أن الشاعر قد أتى بها هنا لضرورة الوزن مما يرجح أنها كانت من صناعة الشعراء وابتكاراتهم.

وإذن: ماذا عن (كأيّ)؟

أولاً- حول خصائص أحرفها ومعانيها التراثية:

أ-(الكاف)- من معانيها الاحتكاك والتشبيه والكثرة والتراكم.
ب-(الهمزة) من (أيّ) بانفجارها الصوتي، من شأنها أن تثير انتباه السامع واهتمامه، بما يتوافق مع وظيفتيها في الاستفهام والشرط على حد سواء.
ج-(الياء) المشددة من (أيّ) كحفرة صوتية تشير إلى تحت، وإلى الذات، بما يتماس مع معنى النسبة. ففي قولنا "في أي كتاب قرأت؟" للاستفهام، أو: "أيّ كتابٍ تقرأ تستفدْ" للشرطية تكون في الحالتين مضافة مسندة، ويكون ما بعدها (كتاب) مجروراً بالإضافة مسندا إليه. وهذه الرابطة بين (المضاف والمضاف إليه والمسند والمسند إليه تتماس مع معنى النسبة أحد معاني (الياء). كما في كتابي.

ثانياً- حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

إذا نقلنا معاني (كأيِّن) الكثيرة الاستعمال إلى أصلها (كأيّ) القليلة الاستعمال نجد أنها: "هي اسم مبهم يكنّى به عن العدد الكثير" نحو: "كأيّ من كتاب قرأت" أي: قرأت كثيراً من الكتب. ومن أحكامها:
أن تكون مبنية على السكون، وواجبة التصدير، وهي تفتقر إلى التمييز بسبب إبهامها كما أن الغالب في تمييزها أن يكون مجرداً بمن، نحو: "وكأين من آية في السموات والأرض" ثم لا يجوز جرها بحرف. فلا يقال: "بكأيّ تبيع الثوب".
ولئن كانت (كم) تأتي (خبرية واستفهامية). فإن (كأيّ) وشقيقتها كأيّن لا تأتيان إلا (خبريتين). وإذن فإن معاني (كأيّ) فيما نرى هي ألصق بمعاني (أيّ) الموصولية، التي تضاف إليها (كافٍ) التشبيه.
فعندما أقول: "ركضت (كأيّ) عداء متمرس"، فإن (كأيّ الموصولية هذه تتضمن التشبيه والكثرة أيضاً بتقدير: "ركضت مثل جميع العدائين المتمرسين".
وهذا قريب من قولنا "وكأيِّ من عدَّاءٍ متمرسٍ ركضت مثله". ولكن بفارق من أن استعمال اسم الكناية (كأيٍّ) في المثال الثاني كان أبلغ.
وهكذا تتماس المعاني التراثية لأسماء الكناية (كأيّ كأيّن كائن) مع الخصائص الفطرية لأحرفها ولا سيما (الكاف) التي تتصدرها، لمعاني: "التشبيه والكثرة".
5-كَذا:

أولاً- حول خصائص أحرفها ومعانيها الفطرية:

أ-(الكاف)- من معانيها الاحتكاك، وينطوي تحته معنى (التشبيه)، وكذلك الكثرة والتجمع والتراكم كما أسلفنا.
ب-(ذا) للإشارة كما سيأتي.
فتكون محصلة معاني أحرفها: (الكثرة المشار إليها)، أي المكنى عنها.
ثانياً-حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

لها في المحيط ثلاثة أوجه:
أ-كناية عن شيء: ويضرب لذلك الأمثلة التالية: "قلت لفلان كذا وكذا، ومررت به يوم كذا وكذا، وفعلت به كذا وكذا".. وهذه الأمثلة تقع على كثرة من الأقوال والأزمنة والأفعال، وليس على شيء مفرد وهذا يتوافق مع معاني (الكاف) في الكثرة والتجمع والتراكم.
ب-كناية عن عدد: وذلك في نحو: "اشتريت كذا وكذا كتاباً"، أي اشتريت عدداً غير معلوم من الكتب. وهذا المعنى يتوافق مع خاصية (الكاف) في الكثرة والتكوم. و(كذا) هذه لا تختلف عن (كأين) إلا في شيئين:
1-ليست واجبة التصدير.
2-لا يكون تمييزها إلا منصوباً. والغالب أن تستعمل مكررة بالعطف، نحو: "قرأت كذا وكذا كتاباً" هي مركبة: من (كاف) التشبيه، و(ذا) الإشارية، نحو: "كذا كرمي". أي: "كرمي مثل هذا".
ويدخل على "كذا" هذه ما يدخل على أسماء الإشارة. فتدخلها (هاء) التنبيه، فيقال: "هكذا كرمي"، وحرف الخطاب، فيقال: "كذاك كرمي"، وأيضاً (اللام) مع حرف الخطاب، فيقال "كذلك كرمي". ويغلب عليها أن تستعمل مفعولاً مطلقاً. نحو: (كذلك فاعملوا"، أي "اعملوا عملاً كهذا العمل".
وهكذا نرى أن (كذا) بوجوهها الثلاثة تتوافر فيها الصفات المشتركة بينها وبين المكنى عنه، من حيث الكثرة والمشابهة في (الكاف) بوسيط من دلالة الإشارة في (ذا) لتلتقي الخصائص الفطرية لأحرفها بذلك مع معانيها واستعمالاتها التراثية، فتصبح واحدة من المستحاثات اللغوية أيضاً.
6-كَيْتَ

هي اسم يكنى بها عن الجملة قولاً وفعلاً، نحو: "قلت لزيد كيت وكيت ووضعت لـه كيت وكيت" ويرى بعضهم أنه لا يكنى بها إلا عن جملة القول. وهي مبنية على الفتح في محل نصب مفعول به، ولا تستعمل إلا مكررة.
ونرى أن الصفة المشتركة بين (كيت) المكنّى بها، وجملة القول المكنّى عنه، هي خاصية التشبيه والكثرة في (الكاف) من كيت
7-ذَيْتَ:

يكنَّى بها عن جملة الفعل، نحو: "فعلت ذيت وذيت". وهي مجرد مصطلح، لا علاقة بين خصائص أحرفها وبين المعنى المكنّى عنه. ولعل العربي قد أبدعها بطريقة (الاتباع) عن (كيت) كيت ذيت. وما أندر استعمالها.
في الخلاصة:

لا يبعد أن يلاقي ما ذكرناه من التوافق بين خصائص الأحرف التي تشارك في تراكيب أسماء الكناية وبين معانيها التراثية، اعتراض بعضهم. ولكن الخصائص الفطرية لـ (الكاف) ومعانيها في الكثرة والتراكم والتشبيه هي القاسم المشترك بينها جميعاً مما لا يطاله أي اعتراض أو احتجاج.



¡¡

__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-01-2012, 11:59 AM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,419
افتراضي


الفصل العاشر-

حول (الهاء والذال)
في ضمائر الغائب وأسماء الإشارة




بعد أن استعرضنا خصائص (الكاف) ومعانيها في أسماء الكناية بقي علينا أن نلاحق (الهاء والذال) في الأسماء التي تشاركان في تراكيبها، مما له أهميته ودلالاته المميزة والكثير الاستعمال. ولكن يستحسن بنا أن نعود للحديث بإيجاز شديد عن دور حرفي (الهمزة والنون) في ضمائر المتكلم والمخاطب، للمقارنة بينه وبين دور (الهاء والذال) في ضمائر الغائب وأسماء الإشارة و ذلك للكشف عن بعض ملامح الأصالة والحداثة في هذا القطاع اللغوي البالغ الدقة والحساسية.
لقد سبق أن تحدثنا عن الأصل في إبداع ضمير المتكلم (أنا)، والمخاطب (أنت) وعرضنا في حينه أن العربي قد وضع (الهمزة) ذات الصوت الانفجاري في أولهما تعبيراً عن الظهور والبروز والفعالية والحضور، ثم أتبعها بـ (النون) تعبيراً عن الصميمية، إشارة إلى الذات- الإنسانية في المتكلم والمخاطب على حد سواء، وكان من أقطع الأدلة على الذاتية الإنسانية في (النون) استعمال (مَنْ) للعاقل و(ما) لغير العاقل.
ولكن العربي قد خصّ ضمير المتكلم بـ (الألف اللينة) في آخره. مما يوحي بالامتداد إلى الأعلى فصار (أنا). أمّا المخاطب فقد خصه بـ (التاء) الضعيفة الرقيقة في آخره فصار (أنت). وذلك إصراراً من العربي على وضع المخاطب إطلاقاً في موقع (صوتي اجتماعي لغوي) أقل شأناً من موقع المتكلم. فكان معنى (أنا) هو: (الذات الإنسانية الحاضرة بوضوح وتعال) وذلك في مواجهة المخاطب الحاضر الأخفض مقاماً منه، كما ألمحنا إلى هذه المقابلة بينهما أكثر من مرة.
أما (نحن)، فهي لجمع المتكلم: (النون) الأولى للصميمية تعبيراً عن الذات الإنسانية، كما في (أنا). أما (الحاء) فمن موحيات صوتها الجميل الحُبُّ والحنين والحرارة، ومن معانيها الإحاطة كما أسلفنا في (حتى). بما يتوافق مع خصوصية جمع المتكلم. و(النون) الثانية في نهاية (نحن) هي للكثرة قريباً من وظيفة (النون) في نهاية جمع المذكر السالم فكانت خصائص أحرف (نحن) تتوافق مع الصميمية الذاتية والعاطفة الإنسانية بكثير من الرقة والأناقة والجمال والإحاطة وليس ثمة لفظة عربية. هي أحوى منها للقيم الجمالية والإنسانية، مما يشير إلى تعظيم الإنسان العربي ومحبته للجماعة التي ينتمي إليها، أسرة كانت أو قبيلة أو أمة.
كما عرضنا في حينه أن العربي قد حرم ضمير الغائب من (الهمزة) للظهور والحضور والعيانية ومن (النون) للذات الإنسانية. فأبدع له كلمة (هو)، دون أن نعلل سبب ذلك لعدم المجال وقد صاحبت (الهاء) ضمائر الغائب جميعاً في أوائلها على مثال ما صاحبت (التاء) ضمائرَ المخاطب جميعاً في نهاياتها.
فلماذا تصدرت (الهاء) ضمائر الغائب:

لا بد لنا أولاً من الكشف عن خصائص (الهاء) الصوتية، وعن معانيها المعجمية، ثم عن استعمالاتها التراثية، وذلك لمعرفة السبب الحقيقي الذي جعل العربي يخص ضمائر الغائب بهذه (الهاء).
أولاً- حول خصائص (الهاء) الفطرية وموحياتها الصوتية:

تختلف خصائص (الهاء) وموحياتها الصوتية، وبالتالي معانيها، تبعاً لكيفية النطق بها. فإذا لفظ صوتها مشبعاً مشدداً على مخرجه، غير مخنخن به، أوحت اهتزازاته المتواترة بالاهتزاز والاضطراب والسحق والقطع والكسر والتخريب، وبما يماثلها من الأصوات الشديدة التواتر العالية النبرة.
وإذا لفظ صوتها باهتزازات رخوة مضطربة، دونما خنخنة، أوحى بمشاعر إنسانية من حزن ويأس وبما يحاكيها من الأصوات.
وإذا لفظ صوتها مخففاً مرققاً مطموس الاهتزازات، ولا سيما إذا وقعت ضميراً في نهاية الكلمات أوحى صوتها بأرق العواطف الإنسانية وأملكها للنفس. فصنفتها في فئة الأحرف (الشعورية للمعاني الجيدة) انظر (الإطلالة ص65-66).
أما إذا لفظ صوتها بطريقة تهكمية مخنخناً به فهو يصبح أوحى أصوات الدنيا باللاضطرابات النفسية وبما يدعو للسخرية من مظاهر الهبل والهتر والتشوهات والعيوب النفسية والعقلية والجسدية.
ثانياً- فماذا عن كل ذلك في معانيها المعجمية؟

باستعراض معاني المصادر الجذور التي تقع (الهاء) في أولها ووسطها وآخرها، وقد بلغت في المعجم الوسيط (574) مصدراً كان منها(350) مصدراً جذراً للمعاني الرديئة من (التشوهات والعيوب الجسدية والاضطرابات والعيوب النفسية والعقلية والأخلاقية والتخريب" بما نسبته (60%) مما يصح معها أن نطلق على (الهاء) المصحّ (العقلي) في اللغة العربية، قد فرد العربي فيه جناحاً خاصاً للتشوهات الجسدية، ولا يضير هذه التسمية أن نعثر على بضعة عشر كلمة للمعاني الجسدية كما في (هدى، هلَّ، هام..) على مثال ما نعثر في المصح على بضعة عشر طبيباً وممرضاً.
ثالثاً- حول معاني (الهاء) التراثية:

(الهاء) لدى الأنطاكي في محيطه على ثلاثة أوجه:
أ-أن تكون ضميراً للغائب، وتستعمل في موضعي الجر والنصب كقوله تعالى: "قال له صاحبه وهو يحاوره"
ب-أن تكون حرفاً للغيبة، وهي (الهاء) في (إياه).
ح-أن تكون للسكت. وهي حرف ساكن يلحق أواخر بعض الكلمات عند الوقف عليها، نحو:
(وازيداه). وربما وصلوها، كقول المتنبي:
"واَحرَّ قلباه مِمَّن قَلبُه شبِمُ..)
ولكن هذه المعاني الفقيرة لـ (الهاء) واستعمالاتها التراثية المحدودة، لا تكشف لنا عن السبب الحقيقي الذي جعل العربي يضعها في صدارة ضمائر الغائب.
فماذا عن (الهاء) في ضمائر الغائب؟
لقد وضع العربي (الهاء) في مقدمتها جميعاً، وذلك للإفادة من خاصية الاهتزاز في صوتها، إثارة لانتباه السامع إلى ما يقصده المتكلم ممن لا حضور له من إنسان أو حيوان أو جماد.
وقد أضاف (الواو) ذات الفعالية الصوتية إلى (الهاء) للغائب المفرد، دعماً لها في إثارة الانتباه. أما الغائبة فقد أضاف لها (الياء) غضاً للصوت عن الأنثى وتقليلاً من شأنها في مواجهة الغائب.
وذلك على مثال ما خص (تاء) المخاطبة في (أنتِ) بالكسرة.
ويبدو لي أن جمع الغائب (هم) وجمع المخاطب (أنتم) كانا أقدم في الزمن من مثناهما (هما- أنتما). وذلك أخذاً بنهج العربي في الانتقال بمفرداته من قليلات الحروف إلى كثيراتها، كما أسلفنا مراراً مما يشير إلى أن الأسر في المجتمع العربي (الزراعي) كانت موسعة من (الأجداد والأبناء والأحفاد..) ثم انتقل في مرحلة الرعي المشردة مضطراً إلى الأسر الضيقة من زوج وامرأته.. ومما يدعم هذا التعليل أن الأمم الأخرى التي لم تمارس حياة الرعي لم تبدع للمثنى مفردة خاصة به، فهو في لغاتها الراقيه من الجموع.
هذا مع الإشارة إلى أن وضع (الهاء) في مقدمة ضمائر الغائب لا يخلو من الغمز المبطن بمقامه الاجتماعي لا سيما وأنه يدل على (الإنسان والحيوان والجماد)، على العكس من ضمائر المتكلم والمخاطب المختصة أصلاً بالإنسان برعاية (النون) وحمايتها، وإن جاز مخاطبة الحيوان والجماد.
وما أحسب أن ثمة حقلاً تجريبياً هو أصلح من (أسماء الإشارة) لاختبار صلاحية (الهاء) في إثارة انتباه السامع، ولمعرفة مدى اعتماد هذه الخاصية في هذا المضمار دونما غمز مبطن أو غير مبطن.
4-الهاء والذال في أسماء الإشارة:

باستعراض أسماء الإشارة نلاحظ أن (الهاء والذال) تدخلان في تراكيب معظمها، مما يشير إلى أن ثمة علاقة معينة بين خصائصهما وبين معاني هذه الأسماء.
فما هو القاسم المشترك بين الخصائص الصوتية لهذين الحرفين:
لقد تحدثنا عن خصائص (الهاء) بما فيه الكفاية، وبقي أن نتحدث عن الذال الملثوغة:
أ ـ حول خصائص (الذال) ومعانيها:

يتشكل صوت (الذال) باحتكاك النفَس بين طرف اللسان والأسنان العليا بذبذبة صوتية أقل حِدّة من (الزاي)، وأعذب جرساً من صوتها.
وبالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرنا على (58) مصدراً جذراً تبدأ بالذال، وما أقلها، قد وزعت معانيها على الشكل التالي:
اًـ(18) مصدراً لمعاني الاهتزاز والاضطراب والتحرك السريع، بما يتوافق مع ظاهرة الاهتزاز في صوت (الذال) الملثوغة. كما في (ذأل (مشى مسرعاً) ذبّ ـ ذعذعه ـ ذحجته الريح.
2ًـ(11) مصدراً لمعاني البعثرة والانتشار، بما يتوافق مع بعثرة النفَس أثناء خروج صوتها، مثل: ذرّ.ذاع.
3ًـ(19) مصدراً لمعاني القطع والشدة والفعالية، بما يتوافق مع خاصية القوة والفعالية والاهتزاز في موحيات صوتها كما في: ذبح ـ ذحَّ ـ ذربَ ـ الذكورة ـ ذلِقَ. بما نسبها جميعاً(80%)..
وإذن فإن القاسم المشترك بين (الهاء، والذال)، هو خصائصهما الفطرية من الاهتزاز والذبذبة والتخريب في صوتيهما، مما يثير انتباه السامع واهتمامه. وذلك إمّا إلى غائب لا حضور له إلا في الذهن بفعل (الهاء) كما في (هو)، وإما إلى حاضر يعينه المتكلم بالإشارة إليه بفعل (الذال)، كما في (ذا)..
ب ـ في التطبيق على أسماء الإشارة:

إن اسم الإشارة، ((هو اسم يدل على معيّن مصحوباً لفظه بإشارة حسية باليد ونحوها، إن كان المشار إليه ذاتاً حاضرة نحو: خذْ هذا الكتاب، أو بإشارة معنوية إنْ كان المشار إليه معنى أو ذاتاً غير حاضرة: نحو: سِرْ هذه السيرة))..
أولاً ـ أسماء الإشارة التي تبدأ بالذال:

آ ـ للمفرد المذكر: (ذا) للقريب، (ذاك) للمتوسط البعد. قد أضيفت (الكاف) لإعطاء السامع فسحة معتدلة من الزمن تتوافق مع المسافة التي تفصل المتكلم عن الذات أو الأمر المعني بالإشارة. (ذلك) للبعيد، قد أضيفت (اللام والكاف) لإعطاء السامع فسحة أطول في الزمن بما يتوافق مع المسافات البعيدة.
وهكذا الأمر بمعرض إضافة (الكاف واللام) للمتوسط البعد فالبعيد في بقية أسماء الإشارة، سواء ما ابتدأ منها بـ(الهاء)، نحو (هناك هنالك) أو (التاء)، نحو (تيك تلك) أو (الذال) نحو (ذانك).
وهذا يثبت أن العربي كان يضيف بعض الحروف إلى جذور كثيرة من الكلمات لإعطاء السامع فسحة أطول في الزمن تتناسب مع الفسحة في المكان المقصود كما في (إلى) أو مع العدد المقصود كما في (هؤلاء) كما سيأتي وشيكاً وذلك: ((سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد))، كما قال (ابن جني).
لابل لو أمعنا النظر في دلالات مزيدات الفعل الثلاثي، لوجدنا أن العربي قد أضاف إلى الفعل المجرد حرفاً أو أكثر لمنح الحدث المقصود فسحة في الزمن تتناسب مع الوقت اللازم لإنجازه، ولإعطاء الذهن بالتالي فسحة مقابلة في الزمن لاستيعاب معناه الجديد. فوزن (استفعل) نحو: (استكتب) يحتاج وقوعه واستيعاب معناه إلى زمن أطول مما يحتاجه فعل (كتب)، وهكذا الأمر مع أوزان: فعَّل ومفعال للمبالغة وفاعل للمشاركة ـوانفعل وافتعل للمطاوعة، واستفعل للطلب أو للدخول في حالة (استحجر).
ب ـ للمثنى المذكر: ذان ـ ذين وذانّ ـ ذينّ (للقريب). ذانك (للبعيد)..
ح ـ للمفرد المؤنث: ذِهِ ـ ذِهْ. ولاشيء للجمع، مما يبدأ بالذال.
ومما سبق يتضح أن الفعالية في منح الأسماء أعلاه دلالة الإشارة تعود إلى خاصية الاهتزاز في صوت (الذال)، التي من شأنها إثارة انتباه السامع إلى الموضوع المشار إليه.
أما الأحرف الأخرى في أسماء الإشارة التي تتصدرها (الذال)، مثل (الكاف واللام)، فهي لمجرد وضع المشار إليه في إطاره المكاني: (قريباً، أو متوسط البعد، أو بعيداً)..
وأما (الهاء) في نهاية (ذِهْ ـ ذهِ) للمفرد المؤنث، فهي لمجرد التأنيث، لا شأن لها في إثارة الانتباه، لأن صوتها في هذا الموقع، يلفظ برقة لا يكاد السمع يلتقط اهتزازاته مراعاة للحشمة في الأنوثة.
ثانياً ـ أسماء الإشارة التي تبدأ بالهاء:

للمفرد المذكر: هذا.
للمثنى المذكر: هذان، هذين ـ هذانّ، هذينّ.
للمفرد المؤنث: هذهِ، هذهْ ـ هاتِهِ هاتِهْ.
للمثنى المؤنث: هاتان، هاتين ـ هاتانّ، هاتينّ.
لجمع المذكر والمؤنث: هؤلاء، هؤلى.
تحليل وتمحيص:

يلاحظ أن أسماء الإشارة التي تتصدرها (الهاء) للمفرد المذكر ومثناه (هذا ـ هذان)، قد أضيفت (الذال) إليها، فتآذرت بذلك اهتزازاتهما الصوتية في إثارة انتباه السامع، إلى أمر أو شيء معين، بمزيد من الشدة. فـ(الهاء) في مقدمة أسماء الإشارة تلفظ (ها) وهي حرف للتنبيه أصلاً.
أما (الهاء) في نهاية (هذهِ ـ هذهْ) للمفرد المؤنث، فهي كما أسلفنا في: ((ذِهْ ـ ذِهِ) لمجرد التأنيث بحشمة.
كما أن (تاء ) التأنيث في (هاتِهِ) وشقيقاتها قد جاء العربي بها للتطليف من إثارة الانتباه إلى ماهو معنيٌّ من الأشياء والأمور المؤنثة، غضَّاً للصوت، كغضِّ البصر عنهن في المجتمع الرعوي. فصوت (تاء) التأنيث، كصوت (الثاء) الأنثوية، إنما هو أكثر رقة وحشمة من صوت (الذال) الجهوري الذكوري.
أما (هؤلاء وهؤلى)، لجمع المذكر والمؤنث للعاقل وغير العاقل، فإن أصلها ((أولاء ـ أولى) قد أضيف حرف التنبيه (ها) إلى مقدمتهما، لتتضافر بذلك الاهتزازات الصوتية في (الهاء) مع الانفجار الصوتي في (الهمزة)، لإثارة انتباه السامع بمزيد من الشدة. وأما مقطعاً (لاء ـ لى)، في نهايتيهما فلإعطاء ذهن السامع فسحة في الزمن كيما يتصور المزيد مما أشير إليه بهما من جمع المذكر والمؤنث للعاقل وغير العاقل.
كما أن أسماء الإشارة للمكان: (هنا ـ ههنا ـ هناك ـ هنالك) لا تخرج أحكامها عما لحظناه في الأسماء السابقة، سواء من حيث خاصية (الهاء) في إثارة الانتباه، أو من حيث إضافة (الكاف، ثم اللام والكاف) للمسافات المناسبة. أما الزعم بأن (الكاف) هنا هي للخطاب كما جاء في المحيط، فذلك لمجرد التوافق بين (كاف) الخطاب في (كتابك)، وبين (الكاف) في (هناك) للمسافة فأسماء الإشارة جميعاً موجهة أصلاً إلى مخاطب مفترض، لا فرق في ذلك بين (هنا) و(هناك) ولا بين (ذا) و(ذاك) إلا مسألة البعد.
ولكن ماذا عن أسماء الإشارة التي تتصدرها (التاء)؟
لقد اقتصرت على المفرد والمثنى للمؤنث فقط، وهي:
1 ـ للمفرد المؤنث: تِه ، تِهِ ـ تيك ـ تلك.
2 ـ للمثنى المؤنث: تان، تين ـ تانّ ـ تينّ ـ تانكْ.
ولا شيء للمفرد المذكر ومثناه، ولا لجمع المؤنث أو المذكر.
ويبدو لي أن العربي قد أجاز لنفسه استخدام (التاء) للمؤنث في صدارة أسماء الإشارة آنفة الذكر لاعتبارات تتعلق بالخصائص الأنثوية في (التاء) من ضعف ورقة وحشمة. ولم يجز ذلك للمذكر لتعارضها مع الخصائص الذكورية الرعوية.
حول دلالات استعمالات الضمائر المنفصلة للغائب:

1 ـ هو: للمفرد المذكر. (الواو) في نهايته للفعالية، للعاقل وغير العاقل.
2 ـ هي: للمفرد المؤنث: (الياء) للاستكانة. وتستعمل (هي) أيضاً لجمع الغائب غير العاقل مذكراً كان أو مؤنثاً، استهانة واستخفافاً به.
3 ـ هم: لجمع المذكر العاقل. (الميم) في نهاية المصادر للجمع والضم. وتستعمل (هم) لجمع الخليط من الذكر والإناث، إلحاقاً للإناث بالذكور.
4 ـ هما: لمثنى المذكر والمؤنث. أصلها (هم)، قد أضيفت (الألف اللينة) للفصل بين الجمع والمثنى فتكون (هم) أسبق في تاريخنا اللغوي من (هما) كما أسلفنا.
5 ـ هنّ: لجمع المؤنث العاقل حصراً. (النون) للرقة والأناقة، وللذات الإنسانية أصلاً، بمقابل ما جعل (هي) للعاقل وغير العاقل. وذلك لأن (الياء)، وإن كانت للاستكانة بما يتوافق مع الخصائص الأنثوية إلا أنها لا تحمل الهوية الإنسانية على مثال ما تحملها (النون) في ضمائر المتكلم والمخاطب، وفي (مَنْ) للعاقل كما أسلفنا. وهكذا أجاز العربي استعمال (هي) للمؤنث غير العاقل)، على العكس من (هنّ) ـ لمؤنث العاقل حصراً. بفعل (النون).
تنويه لابد‍َّ منه:
لقد أشرنا في دراسة (الهاء) إلى أن العربي قد أكثر من استعمالها معجمياً للمعاني الرديئة، بما يتوافق مع طريقة النطق بصوتها (مهتزاً، مضطرباً، مخنخناً به). وأنه قد وضع (الهاء) في مقدمة ضمير الغائب غضاً ضمنياً بمقامه الاجتماعي بمواجهة المتكلم والمخاطب.
على أن العربي قد استعمل (الهاء) أحياناً قليلة للمعاني الجيدة بما يتوافق مع طريقة النطق بصوتها في أول الحلق (مخففاً، مرققاً، مطموس الاهتزازات) ليكون أوحى الأصوات بالخشوع والحنين. فاستعمل لفظة (ياهو) للتوسل بالذات العلية. وذلك على مثال ما استعمل (الخاء) المختصة أصلاً بالمعاني الرديئة ((للخير والخصب والخفر) وما إليها
وتعليق لابد منه:
ما أحسب أن ثمة قطاع لغوي هو الكشف عن المضامين الاجتماعية في اللغة العربية من قطاع حروف المعاني وأصول استعمالاتها، ولاسيما أسماء الإشارة والضمائر.
فلقد تخير الإنسان العربي الحروف والصيغ المناسبة للتعبير عن مقاصده ومعانيه بما يتوافق مع عاداته وتقاليده (الرعوية ـ الذكورية)، مما أتّاح لنا في جملة ما أتاح، إلقاء الأضواء على تاريخه المنسي، إن لم نقل المجهول، بصدد تطوره الاجتماعي في جزيرته العربية.

¡¡





الفصل الحادي عشر-

متفرقات ـ
(الهمزة ـ هَلْ ـ لَوْ)




لقد محصنا حتى الآن (63) حرفاً معنوياً و(7) من أسماء الكناية و(5) من ضمائر الغائب وأربعين مفردة من أسماء الإشارة بما مجموعه (119) حرفاً واسماً وكانت الخصائص الفطرية للحروف العربية التي شاركت في تراكيبها تتوافق مع معانيها واستعمالاتها، ما شذّ عن ذلك إلا قلة قليلة منها اعتبرناها مصطلحات على معان أو معاني شاذة لا يؤبه لها.
وعلى الرغم من ذلك رأيت أن أتحدث أيضاً وبشيء من التفصيل عن ثلاثة أخرى من حروف المعاني، هي: (-الهمزة هل-لو): وذلك ليس لإقناع القارئ، بصحة هذه العلاقة بين معانيها التراثية، وخصائص الأحرف ـ التي تشارك في تراكيبها، وإنما لكثرة استعمالاتها وتفرعات معانيها، مما لا غنى لأي كاتب أو مثقف عربي عن معرفة أصولها الفطرية كيما يحسن التعامل معها ويتقنه.
1 ـ الهمزة:

أولاً ـ حول خصائصها ومعانيها الفطرية:

باستعراض معاني المصادر الجذور التي تبدأ بـ(الهمزة) في المعجم الوسيط لم نلحظ أي تأثير يذكر لخصائصها الصوتية في معانيها، مما جعلنا نتوهم أنها من الأحرف الضعيفة الشخصية. على أنه كان لهذه الخصائص تأثيرها البالغ في القطاع الصرفي ـ النحوي، كما لحظنا ذلك في حروف المعاني وضمائر المتكلم والمخاطب التي تصدرتها (الهمزة)، فماذا عن خصائصها ومعانيها؟
إن (الهمزة) المزمارية المخرج ذات صوت انفجاري. وهو كأي صوت انفجاري في الطبيعة يوحي بالحضور والعيانية والوضوح، وذلك بما يثيره من الانتباه في سمع السامع وفي ذهنه. فكانت (الهمزة) في مقدمة ضمائر المتكلم والمخاطب: ((أنا ـ أنت..)). وفي مقدمة أربعة من أحرف النداء السبعة. كما كانت في مقدمة ستة أسماء من الألوان الطبيعية السبعة، هي: ((أبيض ـ أسود ـ أحمر ـ أخضر ـ أزرق ـ أصفر))، وذلك لخاصية الوضوح في صوت (الهمزة)، كما أسلفنا.
ولما كان صوتها يترافق خروجه مع انفراج الفكين عن بعضهما بعض في حركة إلى الأعلى، فإنه يشير إلى البروز ويوحي به، كمن يقف على تُكأة. وهذا الموقع الذي تتبوأه في السمع بموحياته البصرية، يمنحها فعالية خاصة يجعلها صالحة للتعالي على الآخرين في (افعل التفضيل)، نحو: ((زيد أكرم من عمرو))، وللاعتداء عليهم، فكانت من أحرف التعدية، كما في قوله تعالى: ((فأجاءها المخاض إلى جِذع النخلة)).
ثانياً ـ حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

يسميها (ابن هشام) تارة (الهمزة)، وتارة أخرى: (الألف المفردة) وتأتي على وجهين:
أ ـ حرف ينادي به القريب: نحو ((أفاطم مهلاً)) وقد مرَّ ذكرها مع أحرف النداء.
ب ـ للاستفهام: وهو على وجهين اثنين:
1 ـ للاستفهام الحقيقي:وهو طلب الفهم، نحو ((أزيد قائم)). والهمزة هي أصل أدوات ـ الاستفهام، ولها أربعة أحكام:
أ ـ جواز حذفها إذا تقدمت على (أم) كقول مجنون ليلى.
((بدا ليَ منها مِعْصَم حينَ جَمَّرتْ



وكَفٌّ خَضيبٌ زُينَّتْ بِبَنانِ)).


((فو اللهِ ما أدري وإنْ كنتُ داريا



(بِسَبعٍ) رَميتُ الجَمْرَ أمْ بثمانِ)).


أرادَ (أبسبع)). كما يجوز حذفها وإن لم تتقدم على (أَمْ)، نحو:
((طرِبتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطربُ



ولا لَعِبَاً منّي (وذو) الشيبِ يلعبُ)).


أراد (أو ذو) الشيب يلعب؟
ب ـ إنها ترد بطلب التصور. وهو (السؤال عن شيء)، نحو: ((أزيد قائم)). والشيء هنا هو زيد). كما ترد لطلب التصديق، وهو (السؤال عن الحدث)، نحو: ((أقائم زيد)). فالحدث هن هو (القيام)، القابل للتصديق والتكذيب. على العكس من (الشيء) في (زيد) فهو من حيث ذاته ليس موضوعاً للتصديق والتكذيب، وإنما للتصور، فيما إذا كان ((قاعداً ـ قائماً ـ نائماً ـ محتبْياً..)). وإن باقي أدوات الاستفهام مختصة بطلب التصور باستثناء (هل) فهي مختصة بطلب التصديق حصراً.نحو: ((هل قام زيد)). ولا يقال: ((هل زيد قام))، كما سيأتي:
ج ـ تدخل على الإثبات، كقوله تعالى: ((أَلَمْ نشرح لك صدرك))
(94)؟ وعلى النفي، نحو: ((أقائم زيد أم لم يقم))؟..

د ـ يجب تصديرها على كل شيء، حتى على أحرف العطف، كقوله تعالى: ((أفلم يسيروا في الأرضِ..))(95).
2 ـ الاستفهام غير الحقيقي: وهي ترد على ثمانية معان، وهي:
أ ـ التسوية: كقوله تعالى: ((سواء عليهم (أستغفرت) لهم، أم لم تستغفر لهم))(96).
ب ـ الإنكار الإبطالي، كقوله تعالى: ((فاستفتهم (ألربك) البنات ولهم البنون)).(97).
ج ـ الإنكار التوبيخي، كقوله تعالى:((أتعبدون ما تنحتون))(98).
د ـ التقرير ـ ومعناه حملك المخاطب على الإقرار بما أنت عالم به، كقوله تعالى: ((أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم)).(99).
هـ ـ التهكم كقوله تعالى: ((أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا)).(100).
وـ الأمر، كقوله تعالى: ((أأسلمتم))، أي أسلموا.(101).
ز ـ التعجب، كقوله تعالى: ((ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل))(102).
ح ـ الاستبطاء، كقوله تعالى: ((ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبهم لذكرِ الله)).(103).
في الخلاصة:

وهكذا فإن معاني (الهمزة) وضروب استعمالاتها التراثية تتوافق إلى حد بعيد مع خصائصها الصوتية في الانفجار، بما يثير انتباه السامع.
فاستعمالها للنداء القريب يعود إلى إثارة الانتباه بانفجار صوتها القصير. وإذا مُدَّ صوتها فصارت (آ) كانت للنداء البعيد كما أسلفنا.
أما اعتبارها أصل أدوات الاستفهام جميعاً، فقد تأتّى ذلك فيما نرى من أن الأصل في الاستفهام هو أن يبدأ المتكلم بإثارة انتباه المخاطب. وذلك إما بحركة جسمية يلفت بها نظر المخاطب. أو بحركة يدوية يضرب بها على أحد أعضائه. وإما بصوت انفجاري يضرب به على سمعه، مما يضاهي وقع الحركة الجسمية في نظره، أو وقع اليد على جسده.
لذلك كان لـ (الهمزة) الصدارة إطلاقاً، كما جاز استعمالها للاستفهام بلا قيد ولا شرط: ((للتصور والتصديق، للإثبات والنفي)).
كما أن استعمالاتها الثمانية للاستفهام غير الحقيقي بعضها يميل إلى الشدة بما يتناسب مع صوتها الانفجاري إذا ضُغط على مخرجه المزماري، وذلك في معاني: ((الإنكار الإبطالي، والتوبيخي والتهكم، والتقرير، والأمر)). وبعضها الآخر أقل شدة، بما يتناسب مع صوتها غير مضغوط على مخرجه كما في معاني: ((التسوية والتعجب والاستبطاء))..
ولو أن المتكلم رغب عن إثارة انتباه المخاطب بـ(الهمزة)، إلى إثارة انتباهه باليد مثلاً لكانت حركة يده في المعاني الأولى أشد وقعاً منها في المعاني الثانية.
وهكذا يتضح لنا أن العربي قد استخدم الحروف ذوات الخصائص الصوتية الانفجارية أو الاهتزازية بما يضاهي المعاني والمقاصد التي أراد التعبير عنها: ((حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث)).
كما قال ابن جني. سواء أكان ذلك في ضمائر المتكلم والمخاطب أو في أسماء الإشارة وأدوات الاستفهام، وكان هاديه في ذلك كله: سمع مرهف ونظر ثاقب، وشعور متأجج، وذوق أدبي فطري شعري النزعة مما لا مثيل له.
2 ـ هل:

أولاً ـ حول خصائص حرفيها ومعانيها الفطرية:

أ ـ(الهاء) ـ هي مخفف (ها) للتنبيه. فمن شأن صوتها المهتز أن يثير انتباه السامع إلى ما سيأتي بعدها.
ب ـ(اللام) ـ للإلصاق والإلزام.
ومحصلة خصائص حرفيها، تتوافق مع معانيها في الطلب. من عيانية ووضوح وإلزام.
ثانياً ـ حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

هي على ثلاثة أوجه:
1 ـ حرف استفهام:

يقرر الأنطاكي في (محيطه)، آخذاً عن (ابن هشام)، إن (هل) حرف موضوع لطلب ـ التصديق كما أسلفنا في (الهمزة) الاستفهامية. وهو السؤال عن الحدث. أما طلب التصور وهو السؤال عن (الشيء) زماناً أو مكاناً أو ذاتاً، فليس من اختصاصها. وهي تختص بما يلي:
أ ـ طلب التصديق: وهو يتعلق بالسؤال عن الحدث حصراً. وذلك لأن وقوع الحدث هو أصلاً موضوع التصديق والتكذيب، فيقال: ((هل جاء زيد))، ولا يقال: ((هل زيد جاء)). وذلك لأن خاصية الإلصاق في (اللام) تستلزم التصاق (هل)مباشرة بالموضوع المستفهم عنه موضوع التصديق والتكذيب وهو (المجيء)، وليس (زيداً) موضوع التصور باعتباره ذاتاً. فهو من حيث ذاته لا يمكن أن يكون موضوع تصديق أو تكذيب، كما أسلفنا.
ب ـ الإيجاب: إن طلب التصديق هو بطبيعته إيجابي، فلا محل معه للسلبي لتعارضه أصلاً ـ وعقلاً مع طلب التصديق. فيقال: ((هل قام زيد))؟ ولا يقال: ((هل لم يقم زيد))؟ وهذا ناتج فيما نرى عن ضرورة إلتصاق (لام) الإلصاق والإلزام في (هل) بمتعلقها مباشرة. فكانت (هل) بذلك للإيجابي، لا للسلبي، وإن جاء الجواب (كلا) خلافاً لتوقع السائل. أمَّا (الهمزة) فهي للإثبات والنفي لانفرادها عن اللام اللاصقة.
ج ـ تخصيصها المضارع بالاستقبال: نحو: (هل تسافر))، أي في المستقبل.
د ـ لمعنى النفي أو الإنكار. الأول، كقوله تعالى: ((وهل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسْان؟))(104).
والثاني، كقوله تعالى: ((فهل على الرسل إلاّ البلاغ المبين؟)).(105).
على أن خاصيّة الإلصاق في (هل) لا تزال على حالها من حيث المعنى العام، وإن جاءت بمعنى (النفي أو الإنكار)، وذلك بتقديري أقل بلاغة: (أنَّ جزاء الإحسان هو الإحسان مؤكداً))، و((على الرسل البلاغ المبين حتماً)).
2 ـ حرف تحقيق:

قال بعضهم بأنها تأتي بمعنى (قد)، بدليل قوله تعالى: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)).(106).
3 ـ حرف تمني:

وقد سبق الحديث عن هذا المعنى مع أحرف التمني، وعن دور (لام) الإلصاق في أداء هذا المعنى. وهكذا قد توقفت الخصائص الفطرية لحرفي (هل) مع معانيها واستعمالاتها التراثية. دليل آخر على أصالة اللغة العربية وعراقتها وفطرتها وبداءتها
4 ـ لو:

تمهيد:

على الرغم مما لاحظناه وعانيناه من التعقيد والتشابك في معاني بعض حروف المعاني واستعمالاتها التراثية، كما في ((لا ـ ما ـ اللام))، فإن (لو) تفوقها جميعاً تعقيداً وتشابك معان، مما أثار حولها كثيراً من الجدل والخلاف، ما جعلني أتردد طويلاً في إثباتها هنا تخفيفاً عن القارئ، لاسيّما غير المتخصص ولكنني عدلت عن حذفها لأن هذه المعجزة اللغوية الصغيرة في حجمها (لو)، الكبيرة في معانيها لم تخرج في استعمالاتها التراثية عن الخصائص الفطرية لحرفيها وذلك للبرهان على مصداقية العلاقة الفطرية بين خصائص حرفيها وبين معانيها في أعقد وجوهها وأقسامها واستعمالاتها التراثية فينسحب ذلك كله على فطرة اللغة العربية وبداءتها. فصبراً جميلاً عليها.
أولاً ـ حول خصائص حرفيها ومعانيهما الفطرية:

أ ـ (اللام) ـ للإلصاق والإلزام.
ب ـ (الواو) للعطف والجمع العشوائي، وذلك بحكم تدافع النفس أثناء خروج صوتها. فتكون محصلة المعاني الفطرية لحرفيها: ((الإلصاق والعطف والجمع)).
ثانياً ـ حول معانيها واستعمالاتها التراثية:

هي لدى (ابن هشام) على خمسة أوجه:
الوجه الأول: كما في قولنا: ((لو جاءني زيد لأكرمته)). (لو) هنا تفيد ثلاثة أمور:
الأمر الأول ـ الشرطية: ومعناها ربط السببية (المجيء) بالمسبّبية (الإكرام). وهذه الخاصية في الربط تتوافق مع خاصية الإلصاق في (اللام) في بداية (لو)، ومع خاصية العطف والجمع في (الواو) في آخرها.
وهكذا تتعاون (اللام والواو) في تحقيق المعنى التراثي لـ(لو) الشرطية. أما (اللام) في (لأكرمته)، فهي لربط الجملة الثانية جواب الشرط بالمسببية (المجيء). وبذلك تقوم (لام) ـ الإلصاق والإلزام و(واو) العطف والجمع بشد الجملتين إلى بعضهما البعض في رباط متين من (السببية والمسبّبية). لا يجاري (لو) في متانة هذا الربط أي حرف شرط آخر.
الأمر الثاني: تقيد الشرطية بالزمن الماضي: وذلك على العكس من (إن) الشرطية التي تقيد (السببية والمسبّبية) في المستقبل، نحو: ((إن جئتني غداً أكرمْك)).. ولا يقال: ((لو جئتني غداً أُكرمُك)). بل يقال: ((لو جئتني البارحة لأكرمتك)).
الأمر الثالث: الامتناع: وما أكثر تفرعاته واستعمالاته واختلاف النحاة حوله، فلهم في هذا الأمر المزيد من الأقوال والتفرعات والتعليلات والاستشهادات، وبلا طائل يذكر، وما كان (الأنطاكي) قد وفِّق في معالجة هذه المسألة الشديدة التعقيد، فقد اقتصرت على استعراض رأيه حولها بشيء من التوسع والتفصيل.
لقد عزا (الأنطاكي) اختلاف النحاة حول مسألة الامتناع في (لو) الشرطية إلى خلطهم بين أنواع الشرط. فهو لديه على خمسة أنواع:
النوع الأول: الشرط الاحتمالي:

وأدواته ((إن ـ إذما ـ إذا)). فهو شرط سببي يقوم على ربط حدثين برابطة (السببية) يكون فيه الحدث الأول (السبب) على وجهين اثنين، هما: احتمال الوجود واحتمال عدم الوجود: ((إن هطل المطر نبت الزرع)). فهطل المطر احتمالي قد يقع وقد لا يقع. وهو للمستقبل سواء جاء الحدث الأول بصيغة الماضي أو المستقبل.
النوع الثاني ـ الشرط الامتناعي:

وأداته الوحيدة (لو). هو كالشرط الاحتمالي بفارق وحيد بينهما. هو أن الحدث الأول (السبب)، ليس له إلاّ وجه واحد هو (الامتناع). نحو: ((لو جاء زيد لأكرمته)). فبامتناع مجيء زيد امتنع إكرامه. وهي هنا ((حرف شرط امتناع لامتناع)). خلافاً لرأي ابن هشام الذي أنكر عليها ذلك.
النوع الثالث ـ الشرط الوجودي:

وأداته الوحيدة (لمّا). هو شرط سببي أيضاً، يقوم على ربط ـ الشرط بالجواب برباط السببية. نحو ((لما علمت بنجاحك فرحت)) ولكنه على عكس الشرط الامتناعي فالسبب هنا متحقق على صورة الوجود لاعلى صورة الامتناع.
النوع الرابع: الشرط الامتناعي الوجودي؟

وأداتاه (لولا ـ لوما). كما في قولنا: ((لولا المطر لهلك الزرع)) و((لوما رحمة من ربك لهلك الناس)). فجملتا ((لولا المطر)) و(لوما رحمة من ربك))، كل منهما شرط سببي موجود قد سبب وجوده امتناع الجواب: وهو هنا: ((هلاك الزرع، وهلاك الناس)). فكان امتناع هلاك الزرع والناس لوجود المطر ورحمة الله.
النوع الخامس ـ الشرط اللا سببي: وأداتاه ((لو ـ إن)):

هذا الشرط يختلف عن بقية الأنواع. فهو لا يرمي إلى إقامة علاقة سببية بين الحدثين بل إلى نفي العلاقة السببية المتوهمة، فسمى ((الشرط اللاّسببي)).
ففي قولنا: ((ستموت ولو كنت حذراً)) نريد أن ننفي أي رابطة سببية بين الموت والحذر، فالموت واقع مع الحذر وبدونه.
وكثيراً ما يلتبس الشرط الامتناعي (الامتناع لامتناع) بالشرط (اللاسببي) ـ والقاعدة في التمييز بينهما، أن الشرط الامتناعي يصح أن يعقبه حرف الاستدراك ولكن داخلاً على فعل الشرط منفياً، نحو ((لو جئتني لأكرمتك، ولكنك لم تجيء)). والثاني يصح أن يعقبه اسم الاستفهام (كيف)، داخلاً على فعل الشرط منفياً، نحو: ((لو حلفت بالله ما صدقتك، فكيف إذا لم تحلف)).
وللشرط اللا سببي أداة أخرى هي: ((إن)) نحو ((يعمل زيد وإن كان متعباً)). فكيف إذا لم يكن متعباً؟..
ويرى (الأنطاكي) إن اضطراب قواعد النُّحاة واختلافهم في (لو) الشرطية يعود إلى عدم التفريق بين (الشرط الامتناعي) أي امتناع لامتناع، وأداته (لو) حصراً، وبين (الشرط اللا سببي)، وأداتا (لو +إن) (المحيط ج2
ص 52-68).

الوجه الثاني من أوجه (لو):

أن تكون حرف شرط في المستقبل، إلا أنها لا تجزم، كما في قول الشاعر مجنون ليلى:
لو تلتقي أصداؤنا بعدَ موتنا



ومِنْ دونِ رسمينا مِنَ الأرضِ سبسبُ))


لظلَّ صدى صوتي وإِنْ كنتُ رُمَة



لِصَوت صدى ليلى يَهَشُ ويطربُ)).


ولقد اختلف النحاة كثيراً حول هذا الوجه، مما لا مجال لسرده. وقد خلص (ابن هشام) إلى صحته.
الوجه الثالث:

أن تكون (لو) حرفاً مصدرياً بمنزلة (أن)، إلاّ أنها لا تنصب. وأكثر وقوعها بعد (ودّ يودّ) كقوله تعالى: نحو: ((ودوا لو تدهن فيدهنون)). وكقوله: ((يود أحدهم لو يعّمرُ ألفَ سنة)).
وقد تقع (لو) بدون (ودَّ ـ يودُّ ـ رغبَ ـ يرغبُ)، كقول الشاعر:
ما كان ضرَّكَ لو مننتَ ورُبَّما



منَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحَنَّقُ)).


بتقدير: ((وددتُ لو مننت))..
الوجهان الرابع والخامس: أن تكون (لو)) للتمني والعرض. وقد سبق الحديث عن هذين المعنيين مع أحرف التمني والعرض. وخلصنا منه إلى توافقهما مع خصائص حرفي (اللام والواو) في الإلصاق والإلزام والعطف والجمع.
ولكن ما الأصل في استعمال (لو)؟

باستعراض أوجه استعمال (لو) وأنواعها، أجدني أميل إلى القول بأن أصل استعمالها وأقدم معانيها كان (للتمني). وذلك نظراً لبساطته وعفويته وكثرة الحاجة إليه بمعرض التعامل والتخاطب اليومي بين الناس. ويليه في ذلك معنى (العرض). فمعانيهما واستعمالاتهما التراثية تتوافق مع الخصائص الفطرية لحرفي (اللام والواو). أقول ذلك ولم يغب عن ذاكرتي أن هذا يخالف رأي النحويين ومنهم (ابن هشام والأنطاكي) بقولهما: ((أما أن تكون (لو) حرفاً قد وضع للتمني مثل (ليت) فممنوع)) فاستعمالات (لو) للشرط: لربط (السببية بالمسببية))، فيما أرى أو حرف (امتناع لامتناع)، أو للشرط (اللا سببي). أو بمنزلة (أن) المصدرية، وما استتبع ذلك من التفرعات والاستعمالات، فقد جاءت في زمن متطور من مراحل اللغة العربية، تلبية لحاجات فصحاء العرب وشعرائهم، ولكن بما يتوافق مع الخصائص الصوتية لحرفيها.
ويبدو لي أن العربي قد تناول هذه المادة الصوتية، من (اللام) اللينة المرنة و(الواو) الأشد ليونة ومرونة، فراح يروضها بذكاء وحساسية شديدين على تلبية معانيه المبتكرة، مع حفاظه على الخصائص ـ الفطرية لحرفيها. لا يحد له من قابليتهما للتكيف وجود حرف ثالث، أو خاصية صوتية في أحدهما من قساوة أو اهتزاز وشدة، وما إلى ذلك مما يحد من حريتهما وتحررهما، فتمادى العربي في استغلال هذه الخصائص فيهما إلى أبعد الحدود، في (حداثة) مغرقة في الزمن أصبحت تراثاً، على مثال ما لحظناه في حرفي (لا ـ ما).
الخاتمة:

لقد كانت مغامرة، إن لم أقل (مقامرة)، حتى حدود اللامعقول: هدراً للفكر، ومضيعة للعمر، أن أقحم نفسي في هذه المحاولة الفجرية (الفجة) للكشف عن معاني حروف المعاني وأصول استعمالاتها، بالرجوع إلى خصائص ومعاني الحروف العربية، وما من فقيه صرف أو نحو قام حتى الآن بمثابة هذه المحاولة بصدد أي مفردة من مفرداتها.
ولكن هل يستحق ما توصلت إليه من النتائج بمعرض الكشف عن أصالة الحرف العربي وحداثته في هذا القطاع (الصرفي ـ النحوي) كل ما عانيته من المتاعب، وما كرسته من ساهرات الليالي؟.
ولئن أجبت متحيزاً لدراستي بـ(نعم)، فهل وجد السيد القارئ الصبور إنها استحقت منه أيضاً كل مابذله فيها من جهد، وصرفه من وقت؟..
وما أحسب إلا أنه سيجيب أيضاً بـ(نعم).
فالبرهان على أصالة الحروف العربية وفطريتها، عودة بها إلى فجر فجرها في الطبيعة والتاريخ والحس والنفس والمجتمع، ومن ثم استعمال هذه الأصالة لمعرفة حقيقة معاني وأصول استعمالات كل مفردة عربية، سواء في القطاع (المعجمي)، أو القطاع ((الصرفي ـ النحوي)) من شأنه أن يشيع الحياة ـ والحيوية في تراثنا اللغوي في حداثة مستمرة لا نهاية لها تحفظ لنا أصالة (العربية والعروبة والإسلام) من كل غزو ثقافي مضاد.
فالانتقال بالعربية من مرحلة (كيف) التراثية التي دامت ألف عام ونيف، إلى مرحلة (لماذا) الحديثة، إنما هو مكسب (لغوي ـ إنساني)، بمقدار ماهو مكسب (لغوي ـ عربي)، وإنه ليستحق أن يكرس له جيل كامل من فقهاء العربية وعلمائها، وليس مجرد واحد من هواة الفكر الفلسفي قد سعى للكشف عن ظاهرة التوافق الفطري بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية في مقولة ((لا فن بلا أخلاق، ولا أخلاق بلا فن)): مقولة فلسفية قد ساقتني قسراً على معظم علوم اللغة في دراساتي عن الحرف العربي طوال عشرين عاماً ونيف مما يثبت صدق ما قرره فلاسفة اللغة وعلماؤها من أنه لا غنى لعلوم اللغة عن الفلسفة، ولا للفلسفة عن علوم اللغة، على تآخ فطري بينهما مما يشير إلى وحدة الوعي في الوجود.

¡¡¡






مراجع الدراسة:



1-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ـ الإمام عبد الله بن هشام الأنصاري. تحقيق وضبط محمد محي الدين عبدالحميد ـ القاهرة.
2-جامع الدروس العربية ـ الشيخ مصطفى الغلاييني طباعة/12/1993.
3-المحيط في الأصوات اللغوية لمحمد الأنطاكي ـ 1971.
4-الخصائص ـ أبوعثمان بن جني طباعة 1955.
5-المقرب-لابن عصفور.
6-الجني الداني-للمرادي.
7-معاني الحروف-للغنزوي.
8-معاني الأدوات والحروف ـ لابن قيِّم الجوزية.
9- تاريخ العرب المطول- فيليب حتي.
10-الحرف العربي والشخصية العربية- حسن عباس 1992.
11- خصائص الحروف العربية ومعانيها- حسن عباس 1998.


¡¡¡





الفهرس العام


المقدمـــــة5
القسم الأوَّل. 11
الفصل الأول-الأصالة والحداثة في الحرف العربي. 11
القسم الثاني. 21
حول معاني حروف المعاني وأصول استعمالاتها21
الفصل الأول- أحرف النداء21
الفصل الثاني-أحرف العطف.. 30
الفصل الثالث-حـــروف الجـــــر. 45
الفصل الرابع-الأحرف الجوازم82
الفصل الخامس-أحرف النصب. 89
الفصل السادس-الأحرف المشبهة بالفعل. 97
الفصل السابع -أحرف النفي. 109
الفصل الثامن -أحـــرف(التمني والعرض والتحضيض والتنديم والترجِّي)120
الفصل التاسع -أسماء الكناية127
الفصل العاشر-حول (الهاء والذال) في ضمائر الغائب وأسماء الإشارة135
الفصل الحادي عشر-متفرقات ـ (الهمزة ـ هَلْ ـ لَوْ)144
الفهرس العام157
الفهارس الملحقة158

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المكتبة, بحث, دراسات أدبية, دراسات لغوية, دراسة

« التنافذ الأدبي بين العربية والإنجليزية | اللغة العربية في أكسفورد: حديث البدايات »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:34 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68