تذكرني !

 





تحقيق مرويّات أدبية

تحقيق مرويّات أدبية (1) : بقلم : د. عبد الله بن سليم الرشيد - قصة علي بن الجهم مع المتوكل : يشيع بين المتأدبين في مجالسهم وفي بعض منتدياتهم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-01-2012, 12:13 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,483
افتراضي تحقيق مرويّات أدبية


تحقيق مرويّات أدبية (1) : بقلم : د. عبد الله بن سليم الرشيد

- قصة علي بن الجهم مع المتوكل :



يشيع بين المتأدبين في مجالسهم وفي بعض منتدياتهم ومحاضراتهم قصة تقول : إن علي بن الجهم كان بدوياً جافياً ، فقدم على المتوكل العباسي ، فأنشده قصيدة ، منها :
أنت كالكلب في حفاظك للود (م) وكالتيس في قِراع الخطوب
أنت كالدلو ، لا عدمناك دلواً من كبار الدلا كثير الذنوب
فعرف المتوكل حسن مقصده وخشونة لفظه ، وأنه ما رأى سوى ما شبهه به ، لعدم المخالطة وملازمة البادية ، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة ، فيها بستان حسن ، يتخلله نسيم لطيف يغذّي الأرواح ، والجسر قريب منه ، وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به ، فكان – أي ابن الجهم – يرى حركة الناس ولطافة الحضر ، فأقام ستة أشهر على ذلك ، والأدباء يتعاهدون مجالسته ومحاضرته ، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده ، فحضر وأنشد :
عيون المها بين الرصافة والجسر ***ن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقال المتوكل : لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة.
أقول : هكذا وردت القصة – بتصرف يسير – في محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار لابن عربي الصوفي ( 2/3 ) وعنه نقل محمد أحمد جاد المولى وصاحباه في قصص العرب (3/298) وخليل مردم في تحقيقه لديوان علي بن الجهم (حاشية ص 143) فالمصدر واحد لا ثاني له ، وقد حاولت أن أجد لها أصلاً في كتب المتقدمين كالجاحظ وابن قتيبة والمبرد وابن عبد ربه وآخرين فلم أقع على شيء من ذلك ، وهذا وحده كاف في توهينها .
فإذا عرفت أن ابن عربي أسند روايتها إلى مجهول فقال:( حكى لنا بعض الأدباء …) زاد وهنها عندك ، علما أن بين ابن الجهم ( ت 249هـ) وابن عربي ( ت 638هـ) ما يقارب أربعة قرون ، فأين انزوت هذه القصة الطريفة طوال أربعمائة سنة ؟!
زد إلى ذلك أن ابن عربي نفسه متّهم في دينه ، مطعون في إيمانه ،بل متهم بالكفر ، نقل ذلك فيمن نقل الذهبي (سير أعلام النبلاء : 23/48 ) فقال : إن الشيخ العز بن عبد السلام يقول عن ابن عربي : ( شيخ سوء كذاب ) ، وقال الذهبي نفسه : ( ومن أردأ تواليفه كتاب الفصوص ، فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر ) . فهذا الذي يتهم بالكفر كيف لا يتهم بصناعة قصة طريفة يأنس بها الناس ويهشون إليها ؟
أما وقد تسرّب الشكّ إلى نفسك في صحة هذه القصة - من حيث تفرّد امرئ مغموز في دينه ، متأخّر زمنه بروايتها _ فاعلم أن متن القصة يحوي شيئاّ يكذبها :
قال :( إن علي بن الجهم كان بدوياً جافياً ) ،والتاريخ يقول خلاف هذا ، ففي معجم الشعراء للمرزباني ( ص 286) أن أصله من خراسان ، ولا يعني هذا أنه غير عربي ، ونقل عمر فروخ ( تاريخ الأدب العربي 2/289) أنه ولد ببغداد عام 188هـ ، وفي طبقات الشعراء لابن المعتز (ص 319) ما يدل على أنه حضري لا صلة له بالبادية ، فقد روي أنه حبس في المكتب ، فكتب إلى أمه :
يا أمّـنا أفـديك من أمّ أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرّح الصبيان كلهم وبقيت محبوسـاً بلا جرم
وفي تاريخ الطبري ( 9/152) أن علي بن الجهم مدح الواثق بعد أن ولي الخلافة ، وهذا يدلّ على صلته بالخلفاء قبل المتوكل ، وعلى معرفته بما يلائم وما لا يلائم من فنون القول وضروب التشبيه .
وفي هذه القصة لفحة شعوبية تريد تصوير العرب أجلافاً لا يعرفون ذوقاً ، ولا يدركون الحسن من السيئ ، ولذا جاء هذا البدوي فشبه الخليفة بالتيس والكلب والدلو _ على سليقته زعموا _ وعنده أن هذه الأشياء خير ما يشبه به.
والتاريخ الأدبي يكذب هذه الفرية ، فالعرب لم تمدح أحداً بتشبيهه بالحمار أو التيس أو الكلب ، وهذا أدبهم بين أيدينا، إنما شبّهوا بالبحر والقمر والشمس والسماء والجبل وغيرها من المشبهات الحسنة، أما عند الهجاء فلا عجب أن يشبهوا بالكلب أو الدلو أو ما قلّ وحقر في عيونهم.
هذا وقد وصف خليل مردم هذه القصة بأنها خيالية ، وقال : إن أثر الوضع ظاهر عليها (انظر ديوان ابن الجهم ص 117،143) ولكنه لم يبيّن سبب شكّه ، ومع ذلك أثبت البيتين الواردين فيها ضمن الديوان (ص117) واكتفى بقوله : ( والذي نراه - إن صحت نسبة البيتين له - أنه قالهما في أحد مجالس المتوكل يعبث ببعض الندماء أو المضحكين ).
أقول : إذا ثبت فساد القصة - وقد ثبت - فلا يصحّ أن يلحق البيتان بديوان ابن الجهم ؛ لعدم ورودهما في المصادر المتقدمة ، ولو أن مردماً جعلهما في آخر الديوان في ضمن ما ينسب للشاعر مع تحقيق ذلك لكان أولى ، والله أعلم.
-------------
[ نشر في المجلة العربية - عدد ( 250 ) ذو القعدة 1418 ص 58 ]
المصدر: ملتقى شذرات


jprdr lv,d~hj H]fdm hgl;jfm ]vhshj H]fdm

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-01-2012, 12:15 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,483
افتراضي

2- صوت صفير البلبل

شاع بين نابتة هذا العصر قصيدة متهافتة المبنى والمعنى ، منسوبة للأصمعي ، صنعت لها قصة أكثر تهافتاً ، وخلاصة تلك القصة أن أبا جعفر المنصور كان يحفظ الشعر من مرة واحدة ، وله مملوك يحفظه من مرتين ، وجارية تحفظه من ثلاث مرات ، فكان إذ ا جاء شاعر بقصيدة يمدحه بها ، حفظها ولو كانت ألف بيت (؟!!) ثم يقول له :إن القصيدة ليست لك ، وهاك اسمعها مني ، ثم ينشدها كاملة ، ثم يردف : وهذا المملوك يحفظها أيضاً – وقد سمعها المملوك مرتين ، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة – فينشدها ، ثم يقول الخليفة : وهذه الجارية تحفظها كذلك – وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات- فتنشدها ، فيخرج الشاعر مكذباً متهماً .
قال الراوي : وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه ، فعرف حيلة الخليفة ، فعمد إلى نظم أبيات صعبة ، ثم دخل على الخليفة وقد غيّر هيئته في صفة أعرابي غريب ملثّم لم يبِنْ منه سوى عينيه (!!) فأنشده :
صــوت صفير البلبل هيّج قلب الثمــل
الماء والزهـــر معاً مع زهر لحظ المقل
وأنت يا سيـــددلي وسيددي وموللي (!)
ومنها - وكلها عبث فارغ - :
وقــــال : لا لا لللا وقد غدا مهــرولي (!)
وفـــــتية سقونني (!) قهــيوة كالعسل
شممـــــتها في أنففي (!) أزكى من القرنفل
والــعود دن دن دنلي والطبل طب طب طبلي (!)
والكـــل كع كع كعلي (!) خلفي ومن حويللي (!)
وهلمّ شرّا ( بالشين لا بالجيم ) ، فكلها هذر سقيم ، وعبث تافه معنى ومبنى .

ولم ينته العبث بالعقول ، فقد زاد الراوي أن الخليفة والمملوك والجارية لم يحفظوها ، فقال الخليفة للأصمعي : يا أخا العرب ، هات ما كتبتها فيه نعطك وزنه ذهباً ، فأخرج قطعة رخام وقال : إني لم أجد ورقاً أكتبها فيه ، فكتبتها على هذا العمود من الرخام ، فلم يسع الخليفة إلا أن أعطاه وزنه ذهباً ، فنفد ما في خزانته (!!!) .
إنّ هذه القصة السقيمة والنظم الركيك كذب في كذب ، وهي من صنيع قاصّ جاهل بالتاريخ والأدب ، لم يجد ما يملأ به فراغه سوى هذا الافتعال الواهن .
إن القصة المذكورة لم ترد في مصدر موثوق ، ولم أجدها بعد بحث طويل إلا في كتابين ، الأول : إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ، لمحمد دياب الإتليدي ( ت بعد 1100هـ ) وهو رجل مجهول لم يزد من ترجموا له على ذكر وفاته وأنه من القصّاص ، وليس له سوى هذا الكتاب .
والكتاب الآخر : مجاني الأدب من حدائق العرب ، للويس شيخو ( ت 1346هـ ) ،وهو رجل متّهم ظنين ، ويكفي أنه بنى أكثر كتبه على أساس فاسد - والتعبير لعمر فرّوخ ( ت 1408هـ ) - وكانت عنده نزعة عنصرية مذهبية ، جعلته ينقّب وينقّر ويجهد نفسه ، ليثبت أن شاعراً من الجاهليّين كان نصرانياً ( راجع : تاريخ الأدب العربي 1/23) .
ويبدو أن الرجلين قد تلقفا القصة عن النواجي ( ت859هـ ) _ وقد أشار شيخو إلى كتابه ( حلبة الكميت ) على أنه مصدر القصة ، ولم أتمكّن من الاطلاع عليه ، على أن النواجي أديب جمّاع ، لا يبالي أصحّ الخبر أم لم يصحّ ، وإنما مراده الطرفة ، فهو يسير على منهج أغلب الإخباريين من الأدباء ، ولذا زخرت مدوّنات الأدب بكل ما هبّ ودبّ ، بل إن بعضها لم يخلُ من طوامّ وكفريّات .
وتعليقاً على كون الإتليديّ قصّاصاً ، أشير إلى أن للقصّاص في الكذب والوضع والتشويه تاريخاً طويلاً ، جعل جماعة من الأئمة ينهون عن حضور مجالسهم ، وأُلّفت في التحذير منهم عدة مصنّفات ( راجع : تاريخ القصّاص ، للدكتور محمد بن لطفي الصباغ ) .
ثمّ اعلم أيها القارئ الحصيف أن التاريخ يقول : إن صلة الأصمعي كانت بهارون الرشيد لا بأبي جعفر المنصور الذي توفي قبل أن ينبغ الأصمعي ، ويُتّخذ نديماً وجليساً ، ثم إن المنصور كان يلقّب بالدوانيقي ، لشدة حرصه على أموال الدولة ، وهذا مخالف لما جاء في القصة ، ثم إن كان المنصور على هذا القدر العجيب من العبقريّة في الحفظ ، فكيف أهمل المؤرخون والمترجمون الإشارة إليها ؟
أضف إلى ذلك أن هذا النظم الركيك أبعد ما يكون عن الأصمعي وجلالة قدره ، وقد نسب له شيء كثير ، لكثرة رواياته ، وقد يحتاج بعض ما نُسب إليه إلى تأنٍّ في الكشف والتمحيص قبل أن يُقضى بردّه ، غير أن هذه القصة بخاصة تحمل بنفسها تُهَم وضعها ، وكذلك النظم ، وليس هذا بخاف عن اللبيب بل عمّن يملك أدنى مقوّمات التفكير الحرّ .
ولم أعرض لها إلاّ لأني رأيت جمهرة من شداة الأدب يحتفون بالنظم الوارد فيها ، ويتماهرون في حفظه ، وهو مفسدة للذوق ، مسلبة للفصاحة ، مأذاة للأسماع .
وبعد : فإنه يصدق على هذه القصّة قول عمر فرّوخ رحمه الله :( إن مثل هذا الهذر السقيم لا يجوز أن يُروى ، ومن العقوق للأدب وللعلم وللفضيلة أن تؤلف الكتب لتذكر أمثال هذا النظم) .
-----------------
[ نشر في المجلة العربية - عدد ( 256 ) جمادى الآخرة 1419 ص 94 ]
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-01-2012, 12:15 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,483
افتراضي

3- طلع البدر علينا" - مذاكرة تاريخيـة أدبـية :

يشيع في الأدبيات التاريخية ، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أبيات مستفيضة الشهرة مختلف في زمن إنشادها، وهي في الأصل بيتان هما :


طـلع الـبدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع


وأكثر من يورد قصة الهجرة المباركة يروي هذين البيتين فقط.
قال ابن حجر في الفتح:" وأخرج أبو سعيد في (شرف المصطفى) ورويناه في (فوائد الخلعي) من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعاً :
لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جعل الولائد يقلن :] وأورد البيتين[ وهو سند منقطع ، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك " .] فتح الباري : 7/307[
فثمة إذاً خلاف في زمن الإنشاد كما ذكر ابن حجر ، وممن ذهب إلى أنها قيلت عند مقدمه صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة : أبو بكر المعري والبيهقي وابن كثير والنويري والمباركفوري ، والثلاثة الأخيرون نقلوا الخبر دون تحقيق ، إلا أن المباركفوري أشار إلى أن ابن القيّم ذهب إلى أن إنشاد هذا الشعر كان عند مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك ، ووهم من يقول : إنما كان ذلك عند مقدمه المدينة ، وقال - أي المباركفوري - : لكن ابن القيم لم يأت على هذا التوهيم بدليل يشفي ، وقد رجّح العلامة المنصورفوري أن ذلك كان عند مقدمه المدينة، ومعه دلائل لا يمكن ردّها .ا.هـ ] انظر : الرحيق المختوم ص193، وقد أحال إلى : زاد المعاد3/10، ورحمة للعالمين 1/106[ .

وقد تبين من كلام ابن القيم أنه يروي أن زمن إنشاد هذا الشعر كان عند مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك ، أما ابن حجر ، فأورده بصيغة التمريض :" ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك" .
وذهب آخرون - منهم الجاحظ وياقوت وابن منظور - إلى أنها أُنشدت لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ، ]ينظر : البيان والتبيين 4/57، ونهاية الأرب 4/190، واللسان (ودع)[.
وأحبّ لفت نظر القارئ إلى أن الرأي الأخير وهو الإنشاد عند فتح مكة لم يذهب إليه _ حسب اطّلاعي _ إلا الأدباء والمنشغلون باللغة ، وهم ليسوا محققين في هذا المقام.
وأبرز من حقّق قصة هذا النشيد _ وهو من مجزوء الرمل _ محمد الصادق عرجون(1321_1400) في كتابه القيم (محمد رسول الله 2/602-611) ،وسوف أنقل بعض كلامه لأهميته:
قال : وهذا النشيد لم نعثر على اسم قائله، ولا وجدناه منسوباً لشاعر صغير أو كبير ، بيد أنه شعر مشهور مُذاع على الألسنة وفي بطون الكتب والدواوين.
ومن غريب أمره أن سيرة ابن إسحاق التي بين أيدي الناس - باختصار وتهذيب عبد الملك بن هشام ، وهي العمدة في أحداث السيرة النبوية ، وما يتصل بها من أشعار صحيحة أومنحولة مما بينه الباحثون ، وفي طليعتهم ابن هشام - لم تورد هذه الأبيات ، لا في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، ولا في استقباله وهو آيبٌ من غزوة تبوك ، وكلّ قد ذهب إليه طائفة من العلماء الباحثين والمؤلفين في أحداث السيرة النبوية .ا.هـ
وأضيف : ولم يوردها الطبري في تاريخه - وهو من العُمد - ولا خليفة بن خياط ، كما أن جملة من كتب الأدب ودواوينه لم تشر إليها.
ويتعلق ببحث المسألة تحقيق موضع (ثنيات الوداع ) التي اختلط القول فيها ، وهي بحاجة إلى مختص بالبلدانيّات ولا أستبعد أن يكون عاتق البلادي قد أشار إليها، ولكن كتابه ليس في متناول يدي الآن ، فليراجع .
ومما وقفت عليه قول ياقوت :( ثنية الوداع : ثنية مشرفة على المدينة ، يطؤها من يريد مكة ، وقيل : الوداع وادٍ بالمدينة) ]معجم البلدان :2/86[
وفي اللسان: (الوداع : واد بمكة، وثنية الوداع منسوبة إليه" ]مادة: ودع[وهذا اختلاف ظاهر ، ويبدو أن ما ورد في اللسان غير محقق ، إلا إذا أخذ اللفظ على أصل وضعه اللغوي :
فالثنية :هي الطريق في الجبل كالنقب ، وقيل : هي العقبة ، وقيل : هي الجبل نفسه ، وكل عقبة مسلوكة هي ثنية . اللسان (ثني) .
وعلى هذا التعريف اللغوي يصح أن تكون الثنية في كل جبل ، سواء كان بمكة أو المدينة أوغيرهما، والإضافة إلى الوداع واردة أيضاً في كل ثنية يُوَدّع المسافرون عندها ، غير أن المعتبر هنا ما أثبته التاريخ وكتب البلدان التي فيها أن ثنية الوداع في المدينة ، أما كونها بمكة فقول توقف عن الأخذ به بعض المعتنين بتاريخ المدينة ]ينظر : آثار المدينة المنورة لعبد القدوس الأنصاري : ص 160]
أرجع إلى كتاب الصادق عرجون الذي نقل عن القسطلاني قوله :"وسميت ثنية الوداع لأنه عليه السلام ودّعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره ، وهي غزوة تبوك …قال الزرقاني : وهذا يعطي أن التسمية – أي تسميتها ثنية الوداع – حادثة" وهو - والكلام لعرجون- أن نشيد : طلع البدر علينا قيل بعد التسمية الحادثه.
وذكر عبد القدوس الأنصاري (1324-1403) أن في المدينة ثنيتيْ وداع ، إحداهما شمال المدينة ، وإحدى الثنيتين هي التي عناها الولائد الأنصاريات في نشيدهن، والدلائل القوية التي ساقها السمهودي تجعلنا نرجح أن الثنية المقصودة هي الثنية الشامية (الشمالية). ا.هـ
ولم يُعلم - كما يقول عرجون - أن أحداً نص على أن ثنيات الوداع خاصة بناحية الشام ، ولا يمنع أن يكـون في كل ناحية ثـنية أو ثنيات وداع عندها يكـون وداع المسافرين وتلقي القادمين.
وإذا جاز هذا فلا مانع قط أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تلقّاه أولاً أهل المدينة وهو قادم من مكة بذلك النشيد ، ثم تلقّوه ثانياً وهو قادم من تبوك . ا.هـ
وأعود إلى النصّ المنشد الذي أسلفت أن أكثر من يرويه يورده هكذا :

طلـع البدر عــلينا من ثنيات الوداع
وجب الشكـر علينا ما دعـا لله داع

وبعضهم يزيد بيتاً ثالثاً:

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع


وقد كان هذا النص منطلقاً لاجتهادات وزيادات ، إذ بنى شوقي ضيف – مثلاً - عليه أن نساء المدينة ألّفن ما يشبه الجوقات ، وغنين بالدف والألحان ] انظر : الشعر والغناء في مكة والمدينة :ص 39[ ، وهذا من التهويم الذي لا يدعمه شاهد ، ولا يقوم به دليل ، والذي رواه أبو داود أن الحبشة لعبوا بحرابهم ، وأن ذوات صعدن على السطوح وأنشدن .
وتبارى بعض من كتبوا سيرة النبي كتابة مسهّلة للناشئة ، تباروا في تضمين هذا النشيد ، كعلي أحمد باكثير في مسرحية (الشيماء شادية الإسلام ص69).
بل إن بعضهم زاد هذا البيت :

جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع


[ ينظر : أحمد التاجي ،قصة النبي الأعظم ص46 ]، ولا أدري هل الزيادة من التاجي أم أنه نقلها من غيره .
وغيّر بعضهم في النص تغييراً كثيراً ، وهو محمد موفق سليمة ، إذ جعله هكذا :
طلع البدر علينا بالهدى من ثنيات البشائر والـوداع
وجب الشكر علينا دائماً مرحباً يا خير ركب خير داع
أيها المبعوث فينا رحمة جئت بالأمر المحبب والمطـاع
ينظر : الهجرة ص16 ، وواضح أنها زيادة سقيمة أثقلت المبنى ولم تفد المعنى ، بل إن بعض الكلمات تنطق ساكنة ليستقيم الوزن ، وحسبك بهذا فساداً .
يقول عبد القدوس الأنصاري :" ومن الطرائف ما ذكره صاحب (مرآة الحرمين ) من أن الخدور أنشدن عند مقدم النبي هذين البيتين:

أشرق البدر علينا واختفت منه البدور
مثل حسنك ما رأينا قط يا وجه السرور"


ثم أشار إلى ركاكتها ، وأنه أوردهما اعتماداً على رواية ملفقة لا أصل لها .
والزيادة في الأخبار ونظم الشعر العاضد لها أمر مستفيض ، وأكاد أجزم أنه لا يصحّ من الأبيات التي هي مدار هذه المذاكرة سوى البيتين الأولين ، وما عداهما فمزيد.
هذا ما تسنّى قوله ، وأحسب أن في الموضوع مجالاً للأخذ والرد ، والله المستعان. 7/2/1422هـ .
--------------
[نشر في مجلة المعرفة - ربيع الأول 1422 ص 102]
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المكتبة, دراسات أدبية

« اللوحة الضائعة في معلقة طرفة بن العبد | ابن حذام بين الوهم والحقيقة »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فرض عقوبات على فصائل ليبية عبدالناصر محمود أخبار عربية وعالمية 0 11-08-2014 07:25 AM
طرائف أدبية ام زهرة أخبار ومختارات أدبية 0 09-28-2013 08:22 PM
كتب أدبية لا تقدر بثمن احمد ادريس دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-20-2012 06:26 PM
لويس عوض ، دراسات أدبية احمد ادريس دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-20-2012 06:22 PM
نصوص أدبية احمد ادريس دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-20-2012 06:21 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:24 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68