تذكرني !

 





ستيفن هاوكينك في السبعين؛ العالم الذي تحدى مسلّمات الطب

- د. طه النعمة "العلم ليس شأناً يخص العقل وحده وإنما يخص أيضاً الهوى والشغف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-03-2012, 01:04 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,463
افتراضي ستيفن هاوكينك في السبعين؛ العالم الذي تحدى مسلّمات الطب

- د. طه النعمة
"العلم ليس شأناً يخص العقل وحده وإنما يخص أيضاً الهوى والشغف والرومانسية"
ستيفن هاوكينك

في الثامن من كانون الثاني 2012 الماضي احتفل المجتمع العلمي بالذكرى السبعين لميلاد ستيفن هاوكينك الذي يعدّ على نطاق واسع أحد ألمع علماء الفيزياء النظرية منذ آينشتاين. وفضلاً عن ذلك فإنه، ومنذ أمد بعيد، كان ولا يزال يمثل تحدياً محيراً لخبراء الطب الذي توقعوا بأنه لن يعيش، في أفضل الاحتمالات، أكثر من بضع سنوات عندما تم تشخيص حالته على إنها أحد أنواع الأمراض العصبية الحركية (م ع ح) motor neuron disease في العام 1963، وكان آنذاك في مقتبل شبابه. إذ تشير الوقائع الطبية إلى أن 5% فقط من المصابين بهذا النوع بالذات من (م ع ح) والمسمى طبياً مرض "لو كيهرينك" كما هو حال هاوكينك، يمكن أن يبقوا أحياءً بعد 10 سنوات من التشخيص، بينما يتوفى باقي المرضى في مدة لا تتجاوز بضع سنوات. وواقع أن هاوكينك استطاع البقاء حياً قرابة نصف قرن مع حالة تهاجم باستفحال متصاعد الأعصاب التي تخدم عضلات الجهاز الحركي وتشل حركتها يُنظر إليه بواسطة الخبراء على إنه أمر معجز. أما الرجل ذاته فيقول: "لقد كنت محظوظاً، إذ إن حالتي تفاقمت بشكل أكثر بطئاً مما هو الحال في معظم الحالات، وهذا يظهر بأن المرء ليس مرغماً على الشعور بفقدان الأمل. وفي هذا الإطار كثيراً ما يجري سؤالي عن كيف هو شعوري حيال إصابتي بهذا المرض، وفي العادة تكون إجابتي: ليس لدي الكثير من المشاعر، إذ إن جلّ ما يشغلني هو محاولة أن أجعل حياتي أقرب إلى الحياة الطبيعية كل ما كان ذلك مستطاعاً، وأن لا أفكر بحالتي، أو أتحسر على الأشياء التي منعتني من القيام بها، والتي هي ليست، في واقع الحال، بتلك الكثرة."





ستيفن هاوكينك السبعين؛ العالم الذي 10-4fcc7874bf600.jpg


وقد بدأ ستيفن هاوكينك يشعر بأعراض مرضه في ذكرى ميلاده الحادية والعشرين. وفي بدايتها كانت الأعراض بسيطة؛ قليل من الحركات الخرقاء وبعض التعثر والسقوط. ولكن وعلى وفق طبيعة المرض، أخذت حالته التي لا شفاء لها تسوء بمرور الوقت. وعلى الرغم من أن التشخيص كان صادماً له في بادئ الأمر إلا أنه ساهم في تكوين معالم المستقبل وصورته، أو كما يعبر هاوكينك عن ذلك بالقول: "عند سماعي بتشخيص حالتي وتداعياتها المرجحة انتابني شعور ثقيل الوقع بأن سحابة سوداء تلقي بظلالها على مستقبلي، وبعد خروجي من المستشفى راودني حلم مفاده: "سوف يتم إعدامي"، فأدركت بأن هناك الكثير بمقدوري عمله فقط لو أعطيت فرصة. ثم تكرر لي حلم آخر عدة مرات مفاده: "إني سوف أضحّي بحياتي لإنقاذ الآخرين"، فقلت مع نفسي؛ مهلاً، إن كنت سأموت في نهاية المطاف فمن باب أولى أن أقوم بشيء مفيد. عندها وجدت، لدهشتي، بأني أستمتع بحياتي آنذاك أكثر من السابق. فقد أخذت أحقق تقدماً في أبحاثي، وعقدت خطوبتي على فتاة تدعى جين وايلد، التي التقيتها حوالي الوقت الذي شُخصت حالتي فيه. وتلك الخطوبة غيرت حياتي إذ أعطتني شيئاً يستحق أن يعيش المرء من أجله." وحتى العام 1974 كان بمقدور هاوكينك وزوجته، اللذين كانا قد رُزقا بثلاثة أطفال، تدّبر تبعات المرض بدون الحاجة إلى عون خارجي، إذ كان هاوكينك لا يزال قادراً على تلمس نفسه والقيام ببعض النشاط الحركي، مثل الرقاد على السرير والنهوض منه بدون مساعدة، ولكنه لم يكن قادراً على السير لمسافات طويلة نسبياً.
ومع ازدياد الصعوبات وتفاقم الخذل العصبي وما صاحبه من فقدان القدرة على تحريك معظم أجزاء جسمه قرر هو وزوجته قبول إقامة أحد طلابه معهما في البيت. وفي مقابل ما يقدمه من عون في تدبير أمور البيت، كانا يوفران للطالب إقامة مجانية فضلاً عن دفع رسوم دراسته. ولكن على مدى السنوات القليلة اللاحقة اتضحت للأسرة ضرورة اللجوء إلى مساعدة تمريضية احترافية، وإن هاوكينك سوف يمضي معظم أوقات صحوه جالساً في كرسي متحرك. غير أن الأمور زادت سوءاً عندما تعرض للإصابة بذات الرئة، ولما كانت رئتاه قد ضعفتا أساساً بواسطة مرضه، فإنه كافح للبقاء حياً في مواجهة تلك العدوى، والتي غالباً ما تميت من هم في مثل حالته، في إرادة لا تلين. ولمساعدته في التغلب على مصاعب التنفس كان لابد من اللجوء إلى مداخلة جراحية تدعى (فغر الرغامى) التي تتضمن مد أنبوب من خلال ثقب في الرقبة مباشرة إلى الرغامى أو القصبة الهوائية لتزويد الرئتين بالأوكسجين مع تجاوز الأنف والفم. وقد تكللت تلك المداخلة بالنجاح إذ أنقذت حياته، ولكنها أدت إلى فقدان هاوكينك لصوته بصورة تامة ودائمة. ومنذ ذلك الحين أصبح بحاجة إلى فريق من المساعدين المتفانين لرعايته على مدار الساعة طوال ما تبقى من سنوات حياته.
ولبعض الوقت كانت الطريقة الوحيدة التي بمقدوره التواصل بها مع الآخرين هي أن يتهجأ الكلمات حرفاً حرفاً وذلك برفع حاجبيه عندما يؤشر أحدهم إلى الحرف الصحيح على لوحة حروف التهجئة. ولكن خبيراً في تقانة الحاسوب يدعى والت والتوز سمع بمعاناة هاوكينك، الذي أضحى آنذاك شخصاً معروفاً في الأوساط الشعبية فضلاً عن المجتمع العلمي، فأرسل له برنامجاً حاسوبياً صمّمه خصيصاً اسماه "ايكويلازر". وبفضل ذلك البرنامج أصبح هاوكينك قادراً على اختيار كلمة من سلسلة من قوائم الكلمات التي تظهر على شاشة الحاسوب بواسطة مفتاح مثبت إلى أحد أصابعه. ثم فيما بعد تم مزاوجة هذا البرنامج مع مؤَلّف صوتي صُنع خصيصاً له من قبل شركة معروفة في مجال الصناعة المعلوماتية، والذي أصبح منذ ذلك الحين العلامة الفارقة لصوت هاوكينك، الذي يعلق عليه قائلاً: "صوت الشخص مهم جداً، وصوت هذا المؤلّف هو بما لا يقاس من أفضل ما سمعت لأنه يمتلك تنغيمات متنوعة عديدة، ولا يتكلم كما تفعل الآلات الناطقة، ولكن مشكلته الوحيدة هي إنه أعطاني لكنة أمريكية!"
ولم تخل حياته الشخصية، كما هو حال حيوات سائر البشر، من تذبذب صعوداً وهبوطاً بما في ذلك طلاقه من زوجته جين في العام 1990 بعد زواج دام 26 سنة. ولكن الشيء الثابت في حياته والذي لم يعانِ من التذبذب كان ولا يزال عمله. لأنه وهو في السبعين من العمر لا يظهر هاوكينك أية علامات على إنه سوف يتوقف عن مزاولته في وقت قريب. إذ على الرغم من أنه تقاعد في أيلول 2009 من موقعه أستاذاً لكرسي الرياضيات في جامعة كيمبردج الذي شغله مدة قياسية قاربت الثلاثين عاماً، وهو نفس الموقع الذي كان يحتله يوماً إسحاق نيوتن، فإنه استمر يعمل في جامعة كيمبردج أستاذاً متمرساً في الفيزياء النظرية وعلم الكونيات Cosmology. لذا فإن مكتبه في قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية في الجامعة لازال يعج بنشاط منقطع النظير. وتأتي سبورة الطباشير، المزدحمة بمعادلات تستغلق على الفهم بحسب وصف أحد الكتاب، شاهداً على مجهودات تلاميذه الأخيرة. بينما تئن الجدران تحت ثقل شهادات التقدير لإنجازات حياة سكنت الحافات القصوى للعلم، من جهة، وللمكانة الفريدة لهاوكينك الشخص والعالم والتي تجاوزت حدود الأكاديمية لتستقر في وجدان الجمهور الواسع من جهة أخرى.
ومن مظاهر مواصلة عطائه بعد تنازله عن كرسي الأستاذية إصداره كتاباً جديداً في العام 2010 بعنوان The Grand Design، والذي كتبه هاوكينك بالاشتراك مع كاتب المقالات العلمية ليونارد ملودينوف. وهو الكتاب الأول الموجه إلى الجمهور منذ حوالي عشر سنوات. وقد أثار ضجة وجدالاً في الصحافة غير العلمية عند صدوره، لأن الكتاب يعلن منذ مطلعه عن "موت الفلسفة" وذلك، بحسب رأي الكاتبين، لأنه أصبح لدينا قوانين فيزيائية بمقدورها الإجابة عن معظم الأسئلة التي شغلت الفلسفة. وقد وصف بعض النقاد ذلك الاستنتاج بالمتعجل، مشيرين إلى أن الكاتبين غير مؤهلين لمناقشة القضايا الفلسفية، وكان يفضل أن يطلبا مشورة دارسي الفلسفة قبل إطلاقه. وفي كل الأحوال فإن الكتاب لا يبتعد كثيراً عن النظريات الحديثة المتداولة في علم الكونيات. إذ بعد عرض سريع لوجهات نظر الإغريق ينتقل الكتاب إلى مرحلة انتعاش الاهتمام العلمي بالكون بواسطة رجال من أمثال كوبرنيكوس وكيبلر وغاليلو وديكارت ومن ثم نيوتن. ويواصل هاوكينك وصفه لتاريخ تقدم العلوم منذ ذلك الحين، ويناقش أفكاراً حول ما المقصود بالواقع وما الذي يجب أن تتوفر عليه أية نظرية علمية، ويقدم لنا غوامض ميكانيكا الكم والنسبية، ويشرح كيف اتسع فهمنا للانفجار الكبير نتيجة دراسة أصداء الإشعاعات الكونية الميكروية المتبقية منه في خلفية الكون.
والجزء المفتاحي من الكتاب، بحسب عدد من المختصين، هو الذي يتناول شرحاً مستفيضاً لMultiverse Theory MT)) أو نظرية الأكوان المتعددة "المرشحة المتقدمة لقيادتنا نحو نظرية كل شيء"، والتي يؤمل أن توحد بين نظريتي ميكانيكا الكم والنسبية - اللتين تعدان غير متوافقتين حالياً، ولكنهما في نفس الوقت ناجحتان جداً ـ. ونظرية (MT) تشير على نحو متزايد، فضلاً عن خيوط نظرية دالّة أخرى، إلى الاستنتاج بأن كوننا ليس هو الكون الوحيد. لذا فإن أهم تداعيات هذه النظريات الحديثة، إن صحت، والتي تجدر الإشارة إليها هي وجود البلايين - وربما عدد لانهائي - من الأكوان الأخرى، ولكل منها قوانينه وثوابته الفيزيائية الخاصة.
ولكن تلك الإنجازات والمكانة التي حققها هاوكينك تبدو متناقضة مع حال هاوكينك التلميذ، إذ يعترف هاوكينك، في محاضرة له في قاعة ألبرت هول، بالقول: "لم أتعلم القراءة إلا وأنا في الثامنة بينما أختي فيليبا تعلمتها وهي في الرابعة، ولكن ذلك طبيعي لأنها كانت قطعاً أذكى مني. لقد كنت تلميذاً اعتيادياً ولم يتعد ترتيبي وسط الصف وكانت الفوضى تعم أدائي لفروضي المدرسية وكان خطي كابوساً يؤرق المعلمين." ويضيف مازحاً: "ولكن زملاء صفي أطلقوا علي اسم آينشتاين، لذا يمكن الافتراض بأنهم فطنوا إلى أمر لم أستطع تبينه". وفي حديث لروبرت بيريمان، الذي درّس هاوكينك مادة الفيزياء في الكلية الجامعة في أكسفورد في مقابلة لإحدى الصحف، جاء ما يأتي: "كان عليه فقط أن يعرف بأن شيئاً يمكن عمله لكي يتمكن من عمله بدون أن ينظر إلى كيفية قيام الآخرين بذلك (...) لم يكن لديه الكثير من الكتب، ولم يكن يسجل ملاحظات، وطبعاً كان ذهنه مغايراً لأذهان أقرانه. وكان "يعبر" من سنة إلى أخرى ولكن عاداته الدراسية غير المؤثرة أدت إلى أن تضعه علاماتُه في الامتحان النهائي بين مرتبة الشرف الأولى والثانية في صفه مما استوجب إجراء امتحان شفهي له، وأثناء إجراء ذلك الامتحان كان لدى الممتحنين ما يكفي من الفطنة ليدركوا بأنه أذكى بكثير من معظهم أنفسهم." وحتى بعد تحقيقه مرتبة الشرف الأولى في دراسته الجامعية الأولية فإنه يصف نفسه بأنه كان طالباً كسولاً متقاعساً، ويستطرد قائلاً: "أنا لست فخوراً بذلك، ولكني فقط أصف ما كانت عليه حالي آنذاك، والتي كان يشاركني فيها الكثير من زملائي؛ بما في ذلك معاناة الملل والشعور بأن لا قيمة لأي شيء وليس هناك ما يستحق العناء. ولكن مواجهة إمكانية الموت المبكر في الحادية والعشرين تجعلك تدرك بأن الحياة تستحق أن تعاش وأن هناك أمورا كثيرة تريد عملها". ويقول جيم الخليلي، أستاذ الفيزياء في جامعة سَري، والذي كان أحد حضور تلك المحاضرة: "أنا واثق من أن ستيفن هاوكينك كان مقدراً له أن يحقق إنجازات باهرة في الفيزياء مع المرض أو بدونه، وبينما يمكن أن يكون لتشخيص حالته دوره في جعل ذهنه أكثر تركيزاً فإنه كان بمقدوره ترك الفيزياء والتحول إلى شيء مختلف تماماً للقيام به بما كان يعتقد أنه تبقى له من وقت." ويعقب هاوكينك، في مناسبة أخرى، في حديث ذي صلة قائلاً: "أنا واثق من أن إعاقتي كان لها تأثير في كوني معروفاً، إذ إن الناس يبدون مأخوذين بالتباين الصارخ بين قدراتي البدنية المحدودة جداً وطبيعة الكون الشاسعة التي أتعاطي معها."
وعلى الرغم من أن هاوكينك أمضى معظم حياته على كرسي متحرك ولا يستطيع التكلم إلا من خلال الحاسوب، فإن سعي عالم الفيزياء النظرية لاكتشاف أسرار الكون جعل منه أكثر العلماء المعاصرين شهرة. إذ فضلاً عن تغييره لبعض أوجه الفيزياء الحديثة، فإنه أوجد جمهوراً جديداً يهتم بقضايا الكون عندما أصدر كتابه A brief history of Time في العام 1988، والذي عدّ من صنف أدب العلوم الموجه إلى الجمهور على الرغم من أنه تضمن في بعض أجزائه مادة غير مألوفة في ذلك الصنف من الكتب؛ من قبيل شرح بعض القوانين والمعادلات الرياضية المعقدة في سبيل المثال لا الحصر. وقد تضمنت الطبعة الأولى مقدمة بقلم عالم الفلك والروائي ومقدم البرامج التلفزيونية العلمية الجماهيرية الراحل كارل ساغان، الذي يروي فيها الواقعة التالية: "كنت في لندن في العام 1974 لحضور مؤتمر علمي وفيما بين الجلسات تجولت في المبنى فوجدت نفسي في غرفة يعقد فيها اجتماع أكبر من ذلك الذي كنت فيه، وقد اتضح لي أني أشهد مراسم منح عضوية الجمعية الملكية، إحدى أقدم المؤسسات الأكاديمية على وجه الكوكب، لشخص على كرسي متحرك. وبذا شاهدت ستيفن هاوكينك، أصغر من اكتسب عضوية الجمعية في تاريخها المديد سناً، يوقع في سجل العضوية الذي تحوي صفحاته تواقيع إسحاق نيوتن وسواه من كبار العلماء." ولكن هذه المقدمة اختفت في الطبعات اللاحقة للكتاب بسبب تحديدات ملكية حقوق النشر. مما حدا بهاوكينك إلى تصدير تلك الطبعات بمقدمة قصيرة، ومما جاء فيها: "لا أنا ولا الناشر ولا **** أعمالي توقعنا ما حققه الكتاب؛ إذ استمر ظهوره على لائحة الكتب الأكثر مبيعاً لمدة 237 أسبوعاً وهي مدة لم يقترب منها أي كتاب آخر، وقد تُرجم إلى أربعين لغة وبيعت منه نسخة واحدة لكل 750 إنسان موجود على وجه الكرة الأرضية. وفي ظني أن هذا الانتشار يؤشر اهتماماً واسعاً لدى عموم الناس في البحث عن إجابات للأسئلة الكبرى؛ من أين جئنا؟ ولماذا أصبح الكون بالصورة التي هو عليها؟ وما شاكل." وفي مقابلة صحفية يعلق هاوكينك على كتابه ذاك قائلاً: "لا أعتقد أن كل من اقتناه أكمل قراءته أو فهم كل شيء قرأه فيه، ولكنه على الأقل أصبح لديه تصور بأننا نحيا في كون تحكمه قوانين عقلانية، وهي قوانين بمقدورنا اكتشافها وفهمها".
لقد نفض هاوكينك عن كاهله المآل الرهيب الذي توقعه الطب لحالته بلا مبالاة تثير العجب منذ زمن بعيد وصولاً إلى أن يصبح الاحتفاء بذكرى ميلاده السبعين أمراً واقعاً. وبغرض إعطاء هذه المناسبة حقها قررت جامعة كيمبردج استضافة ندوة علمية احتفالية تحضرها نخبة من العلماء ورواد التقانة والأدباء والفنانين البارزين ورجال الأعمال والمهتمين من العموم. وقد انتظم عقد المجتمعين في المكان والزمان المحددين إلا أن المحتفى به أُرغم على التخلف عن الحضور بسبب تعرضه إلى وعكه صحية في وقت سابق، ولم يغادر المشفى على أثرها إلا قبل يومين من انعقاد الندوة الاحتفالية. وقد ران صمت ثقيل الوقع على القاعة عندما أعلن نائب رئيس أمناء جامعة كيمبردج عن تعذر حضور هاوكينك. واكتفى الحاضرون بالاستماع إلى كلمة مسجله له. وقد استخدم هاوكينك كلمته التي عنونها "تاريخ موجز للذهن" في التحذير من أن الجنس البشري لن يكون بمقدوره البقاء ألف سنه أخرى ما لم يبدأ باستيطان أماكن أخرى في الفضاء، وحثّ فيها على مواصلة استكشاف الفضاء "من أجل مستقبل الإنسانية". وفضلاً عن تقديمه استعراضاً سريعاً لحياته الشخصية والتحدث عن مستقبل الجنس البشري، فقد وجه خاتمتها إلى عموم الناس داعياً إياهم إلى أن يديموا حب الاستطلاع لديهم، قائلاً: "تذكروا أن تتطلعوا إلى النجوم وليس إلى أطراف أقدامكم، وحاولوا أن تعقلوا ما تشاهدون وتَخبرون، وتساءلوا عن كيفية وجود الكون." ومختتماً بالقول: "إنه لزمن مجيد ذلك الذي يعيش فيه المرء ويكون بمقدوره القيام ببحوث في الفيزياء النظرية. إذ إن نظرتنا إلى الكون قد تغيرت على نطاق واسع في الأربعين سنة الماضية وأنا سعيد لأني قدمت مساهمة صغيرة فيها."
في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم أدى المزيد من تدهور حال أعصاب وجه هاوكينك إلى تباطؤ بيّن في معدل إنتاجه للكلمات وصل إلى حوالي كلمة واحدة في الدقيقة. مما دعا شركة المعلوماتية، التي سبق لها مساعدة هاوكينك في التحدث بمختلف المعدات المبتكرة، إلى البحث عن وسيلة تعكس مساق ذلك التباطؤ. ومن الخيارات المطروحة استخدام حلول تستند إلى موجات الدماغ الكهربية أو متابعة حركة العين. ولكن خبراء الشركة يراهنون غالباً على كاميرات فائقة الحساسية تستخدم لالتقاط الحركات الدقيقة لوجه هاوكينك والتي لا تلحظها العين المجردة في توليف كلماته المنطوقة.
في كل الأحوال ومع كل ما تقدم لا يمكن القول إن هاوكينك عاش ويعيش حياة سهلة ميسرة، ولكن يمكن القول إنه عاش على الأرجح حياة مليئة، وأصبح لديه أبناء وأحفاد، وطاف في أركان الدنيا الأربعة، وأصبح صوته مسموعاً فيها. ويتسابق الإعلام المقروء والمسموع والمشاهد في تناقل أخباره وتصريحاته وتعليقاته. وفي مقابلة عبر الأقمار الصناعية، مع إحدى القنوات العلمية في آب 2010، أطلق نداءه الأول، مستبقاً ما جاء في كلمة ذكرى ميلاده السبعين، الذي قال فيه: "لقد حان وقت مغادرة الأرض، لأن مستقبل البشر بعيد الأمد يكمن في الفضاء الخارجي. إذ هناك ما يكفي من المصاعب في تفادي كارثة على كوكب الأرض في المئة سنة القادمة، ناهيك عن ألف أو مليون سنة، لذا يجب على الجنس البشري أن لا يضع كل بيضه في سلة واحدة، أو في هذه الحالة في كوكب واحد."



المصدر : الباحثون العدد 60 حزيران 2012
المصدر: ملتقى شذرات


sjdtk ih,;dk; td hgsfudkP hguhgl hg`d jp]n lsg~lhj hg'f

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« زلازل منطقة شرقي البحر الأبيض المتوسط | الوقود الحيوي استعراض لمزايا استخراجه واستخدامه التأثيرات المترتبة على استخدامه كوقود بديل »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا قال العامل الذي تعرض للإهانة أمام متجر ذهب؟ Eng.Jordan الملتقى العام 0 12-07-2016 11:44 AM
رابطة العالم الإسلامي تجدد النداء لإنقاذ المدنيين بالفلوجة عبدالناصر محمود أخبار منوعة 0 06-09-2016 06:27 AM
وليام مورتون الرجل الذي خدر العالم ام زهرة مشاهير وشخصيات أجنبية 0 06-18-2013 04:14 PM
بيرنرز لي.. الذي غير خريطة العالم باختراع الانترنت Eng.Jordan مشاهير وشخصيات أجنبية 0 02-01-2013 03:13 PM
«شيخ المجاهدين» قناص سوري محترف رغم تجاوزه سن السبعين Eng.Jordan أخبار عربية وعالمية 0 11-05-2012 10:10 AM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:53 AM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68