تذكرني !

 





بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

فلسفة الفرد نورث وايتهيد دراسة تحليلية

رافد قاسم هاشم جامعة بابل – كلية الفنون الجميلة المقدمة مشكلة البحث : أن المشكلة الاساسية التى يطرحها هذا البحث للمناقشة هى علاقة نظرة وايتهيد باهم المشاكل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-11-2012, 02:55 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي فلسفة الفرد نورث وايتهيد دراسة تحليلية


رافد قاسم هاشم
جامعة بابل – كلية الفنون الجميلة
المقدمة
مشكلة البحث : أن المشكلة الاساسية التى يطرحها هذا البحث للمناقشة هى علاقة نظرة وايتهيد باهم المشاكل الفلسفية التي تطرحها الفلسفة المعاصرة في ثنايا البحث 0 فقد تطرق وايتهيد لعدد من المشاكل الفلسفية التي عولجت في ثنايا الفلسفة المعاصرة والتي كانت المحور الاساس للبحث في اوراقه وبالتالي يمكن القول أن مشكلة هذا البحث تتصل باهم التطورات العلمية المعاصرة التي تطرحها العلوم المعاصرة من النسبية الى التطورية 0000وهي ولاشك ابحاث فرضتها المعرفة العلمية المعاصرة بابحاثها المتعددة0لقدعالج وايتهيد عبر فلسفته مسائل تتعلق ببنية البحث الفلسفي الاساسية من الزمن الى السببية الى مقولات الفلسفة العضوية والتي كونت الحجر الاساس لفلسفته التي طرحها عبر بحثه في الفلسفة المعاصرة0أذن مشكلة هذا البحث تتجلى من خلال قيام الفيلسوف بالتطرق لمباحث كانت من ضمن الحدود التي طرحتهافلسفة العلم المعاصرة الا وهي محاولة لتقديم نسق شامل لتفسير الكون والحياة بالاعتماد على عدد قليل من مقولات الفلسفة العضوية وان كان عهد الانساق الشاملة قد ولى منذ كانت وهيجل الا أن ذلك الفيلسوف قد فاجئنا بولادة نسق فلسفي شامل حظي بالاكبار والاجلال في الفلسفة المعاصرة .
هدف البحث: ان هدف هذا البحث تتجلى بصورة واضحة من خلال القضايا التي طرحها وايتهد عبر فلسفته والتي تمثل من أولويات المشكلات الفلسفية للعلم المعاصر عبر نشاط وايتهيدالمخصص للابحاث الرياضية او ابحاثه الميتافيزيقية ومن هنا كانت غاية البحث هي تسليط الضوء على تلك المشكلات والحلول المقترحة التي قدمها وايتهيد عبر فلسفته وما تمثله من حلول لمعضلات الفلسفة العريقة عبر مزاوجته بنظرة علمية معاصرة اشتقت اسسها من مبادى ومقولات الفلسفة المعاصرة
وقد حاول وايتهيد التوفيق مثلا بين نظرية نيوتن في المكان والقائلة بأن المكان مطلق وبين نظرية أينشتين القائلة بأن المكان نسبي وقد قام بهذا التوفيق بأن رفض نظرية أينشتين القائلة بان المكان علاقة بين اشياء فيزيائية وقال بدلا من ذلك ان المكان علاقة بين أحداث مدركة بالحس مباشرة أي انه أرجع نسبية المكان من الادراك الحسي الى الواقع الموضوعي في الطبيعة . ولانخفي سرا عندما نؤكد من هنا أن غايةالفلاسفة المعاصرين هي محاولة لوضع حدودا نهائية للعالم تفسر بموجبها الحدود النهائية للكون ولاتتخرج غاية فيلسوفنا عن ذلك الهدف فبالفلسفة العضوية حاول فيلسوفنا أن يفسر العالم وهي خطوة تنذر عن جدة في مجال البحث الفلسفي.حدود البحث :من أجل الدقة العلمية التي هي غايتنا المرجوة فيجب أن تكون هناك حدوداواضحة للبحث من خلالها يتم تعيين حدودها الواضحة والتي يجب أن تكون بعيدة عن البحث الموسوعي دون توخي الدقة والموضوعية أو الاختصار والايجاز الذي يشوه تلك الحدود الواضحة لذلك أصبحت حدود البحث مبنية على خطوات البحث وما تعززه من مباحث واضحة ‘ وقد كانت هذه الحدود مقيدة بمقولات التقدم العلمي وماأفرزته من مباحث فلسفيه أوجدتها المقولات المعاصرة للعلم . فكانت المقولات التي طرحها القرن العشرين في بدايته من مقولات جديدة هي المعول عليها في بناء فلسفة وايتهيد.ومن المعتاد تقسيم نشاط وايتهيد الفكري الى ثلاث مراحل:
1)المرحلة الاولى كرسها خصوصا لابحاثه الرياضية والمنطقية . 2)المرحله الثانية كرسها لفلسفة الفيزياء.
3)المرحلة الثالثة كرسها للميتافيزيقا وللدور التاريخي للافكار الميتافيزيقة فى تكوين الحضارة.وبالرغم من أنه يلاحظ في بعض الاحيان تداخل هذه المراحل الثلاث فيما بينها.لقد عمل على أيجاد فلسفة العلم عند وايتهيد ثلاث عوامل:
1)توكيد برجسون للكفاية الشاملة للعيان المباشر وأولية العملية .2)الصعوبات الابستمولوجية التي وقع فيها الفلاسفة المحدثون من جراء تمييز نوعين من الطبيعة. 3)أعادة بناء التصورات الاساسية في العلم المعاصر كنتيجة ضرورية للاكتشافات الحديثة خصوصا لنضرية أينشتين في النسبية وفلسفته في العلم فيها قوة وضعف هذه التأثيرات الثلاث.
أما فيما يتعلق بالمباحث الاساسية للبحث فهو يتألف من أربعة فصول أساسية .في الفصل الاول وأسميته (الفلسفة والعلم في مذهب وايتهيد) ويتضمن المباحث التالية الطبيعة في فلسفته وثانيا الكون في فلسفته وكذلك القول بالكائنات الفعليه ومن ثم القول بمقولات الفلسفة العضويه.
وفي الفصل الثاني تضمن البحث مقولات الفلسفة الطبيعية في مذهب وايتهيد وتضمن البحث في الزمن عند وايتهيد والسببية بالاضافة الى الادراك الحسي وكذلك أصطلاح الزمرة وحقيقة الموجودات عند وايتهيد ونقد المذهب المادي والنظريه التطوريه عند وايتهيد .ماهية العالم عند وايتهيد ومن ثم الصيروره والثبات في الفلسفه العضوية .
وفي الفصل الثالث يتضمن نظرية المعرفه بالقول بأثر القول بالعوابر الفعلية ومعنى عملية التشرب وأنواعه عند وايتهيد ثم علم النفس والميتافيزيقا. وفي الفصل الرابع .تضمن البحث في الدين وأثره في فلسفة وايتهيد يتضمن البحث الله عند وايتهيد وادلة وجوده ومفهوم الشر عند وايتهيد والغائيه في فلسفته.
ثم أتت الخاتمة ونتائج البحث تضمنت أهم النتائج التي توصلت أليها خلال البحث ،والتي تمثل ثمرة البحث النهائية بالاضافة الى قائمة المصادر والمراجع.
ترينتي بجامعة كامبدريج طالبا للرياضيات حيث أختير فيما بعد زميلا في الرياضيات وعندئذ بدأ يشترك مع رسل في وضع الاسس المنطقية للرياضهفي تأليف كتاب (أسس الرياضه) برنكيبا ماثمتيكا في ثلاث مجلدات وضح هذا الاهتمام في المبدأ في كتابة (رسالة في الجبر العام عام 1903) و(المفاهيم الرياضيه للعالم المادي) عام 1905، في عام 1910 انتقل وايتهيد الى لندن حيث شغل كرسي الرياضه التطبيقيةفي كلية العلوم الامبراطورية في ساوث كنزنجتون حيث عام 1924 ،وعندئذ دعي الى جامعة هارفرد أستاذا للفلسفه حيث لبث في كامبدريج بولاية ماشتوس حتى وفاته مع زوجته (أيفلي ويللوي تي ويد ) وفي عام 1945 منح واتهيد نوط الاستحقاق(1)
الفصل الاول
الفلسفة والعلم في مذهب وايتهيد
تكشف فلسفة وايتهيد عن محاوله الجمع بين (أ) أهتماهه المنطقي الرياضي ب بالنسقات العلاقية المجردة (ب) علم الكون (لابالمعنى الفني المستخدم في فيزيقا الفلك ولكن بالمعنى الواسع الذي يعني تفسير العالم تفسيرا توحي به أفكار عامة ينطوي عليها العلم الفيزيقي (ج) أهتمامه الخلقي والديني والجمالي كذلك مايتعلق بالعلاقات الانسانية داخل المجتمعات(2)
يتحدث وايتهيد في أحد المواضع عن دور (الفلسفة النظرية)فيقول (أن مهمة الفلسفة النظرية تنحصر في تكوين أطار متماسك منطقي ضروري من الافكار العامة التي تسمح لنا بأن تفسر كل عنصر من عناصر تجربتنا)
ومعنى هذا أن للمعطيات العلمية أهمية كبرى في تكوين مذهبه الميتافيزيقي العام وأن كان وايتهيد يعترف بأن العلم يكون عن الاشياء نظرة جزئية ،فلابد للفلسفة من أن تحاول التعبير عن تلك الجوانب الواقعية التي قد يغفلها العلم هذا ،الى أن أطار الفلسفة أعم وأكثر تجريدا من أطار العلم ،نظرا لان من شان الفلسفة أن توسع منرقعة بحثها حتى أنها لتريد أن تصور العالم الواقعي ككل ،ولكن فيلسوفنا يحاول(في موضع أخر) أن يلقي لنا بعض الاضواء على الصلات الوثيقة التي تجمع بين العالم والفيلسوف فيقول (أن من شأن العلم والفلسفة أن يتبادلا النقد ،وأن يمد كل منهما الاخر بالمواد الخصبة التي تسمح له بالتقدم وعلى حين أن المذهب الفلسفي يقوم بمهمة توضيح الحقيقة الملموسة التي يحددها العلم ،تجى العلوم فتتخذ مبادئهامن تلك الوقائع الملموسه التي يقدمها المذهب الفلسفي ،وليس تأريخ الفكر سوى القصة التي تروي لنا مدى نجاح هذا المشروع المشترك أو فشله(3).
أن من المسلمات الاساسية للفكر هي التسليم بالتجريد وأنه من عمليات الفكر الاساسية لاتتم بدون اللجوء الى التجريد .ولكن ذلك لايمنع خطر الوقوع في مزالق الخطأ.فالتجريد ينطلق من أساس ضيق كما هو الحال في علم الطبيعة الحديث ويقود الى التعصب العقلي الذي يعمينا ويدفعنا الى رفض كل مبدأمن مبادى الحقيقة التي لاتتمشى مع مقتضيات التجريد ،أذ أنه ما يأخذ لب المرء حتى يدفعه الى أعتبار المقومات التي صيغ عليها أساسا عقائدنا لايمكن التحول عنها ،وبالتالي يجد نفسه ملزما بالتسليم بتلك المجردات التي حاكها على أعتبار أنهاحقائق. وهذه النزعة السفسطائية الرامية الى تذويب الملموس تعتبر أيذانا بخطر يهدد الثقافة بالجمود بل بالزوال ولذا فأن مهمة الفيلسوف تنحصر في عملية نقد المجردات ومن ثم يتحتم أعادة النظر في كل ماسبق وأن أستقر عليه الرأي بأعتبارها مبادى لا تقبل الجدل وسيلم به العلماء والمفكرون بدون جدال .كما يتحتم أيضا المقارنة بين المبادى الممجردة التي تنطوي بعضها بالبعض الاخر ،أذن فأن منهج الفلسفة لابد أن يكون منهجا عقليا ،ولقد أبدى وايتهيد قلقه الشديد تجاه التقهقر الذي مني به العقل الانساني من جراء الملابسات التي تميز بها عصرنا الراهن. أولا أن يكون الوقت قد جاء لكي يتبوأ العقل مكان الصدارة،لأن أستتباب المذهب العقلي يعتبر ضرورة يفرضها الادراك المباشر لبداهة العالم . وهذه البداهة تستحيل البرهنة عليها عن طريق الاستقراء ،كما لايمكن أثباتها على أستنتاجي غير أن هذا لايمنع من أن حدسا مباشرا قادر على توجيهنا الى أن العالم يخضع لقوانين منطقية وأنه يتألف في ظل أنسجام جمالي متكامل وأيماننا بهذه البداهة هو وحده الكفيل بالتسليم بأمكانية قيام العلم الطبيعي.
لقد أمن وايتهيد بالحقيقة السابقة أيمانا مفعما بالتصديق واليقين وذلك بفضل سعة أطلاعه على المأساة الاغريقية ودراسته لفلسفات القدماء ومفكري العصر الوسيط، ولكن أيمانه لم يكن أعمى بل كان أيمانا عقليا بالمعنى التقليدي لتلك الكلمة بل هو يعني بأختيار الواقع وممارسته ممارسة مباشرة. كما يحثنا على البحث عن علة الاشياء من خلال طبيعة الموجودات الواقعية. أذن مهمة الفيلسوف تنحصر في تفسير كل ماهو مجرد غير أنه ليس من شأنه أن يفسر ماهو واقعي وملموس والتجربة وحدها هي القادرةعلى أبراز الحقيقة لنا. ولا ريب أن التجربة التي قصد اليها هي تجربة تتجاوز حدود المعرفة الحسية ، ثم زاد وايتهيد فعزز مذهبه التجريبي موكدا بأن الميتافيزيقا لايمكن أن تكون الا وصفية .
كذلك يحذر وايتهيد الفلاسفة من أستخدام مناهج العلوم الطبيعية قائلا أن المرء لايمكنه أبدا أن يتوصل الى نقل المجردات بواسطة تعميمات تجريبية كما أن المرء يحيد عن الصواب أيضا أذا أدعى أمكانية جعل التاريخ أساسا للميتافيزيقا ذلك لان أي تأويل للتأريخ يفترض مسبقا قيام ميتافيزيقا متكاملة(1) .
لقد أراد وايتهيد أن يقيم مذهبه الفلسفي على أساس من الحدس أو الوجدان المباشر سائرا في ذلك على نهج برجسون وغيره من فلاسفة ( العيان ) أو( الحدس ) معتبرا أن للخبرة المباشرة دورا أساسيا في حين أن دور البرهان هو مجرد دور ثانوي، ولكن وايتهيد في الحقيقة قد أصطبغ فيكل فلسفته (منهجا تمثيليا ) قوامه أستخلاص بعض المبادى من التجربة ثم العمل على تعميمها في نطاق أوسع،مع الاستناد الى شواهد خاصه تبرر مثل هذا التعميم وهكذا أستطاع وايتهيد أن يقيم مذهبا فلسفيا شاملا أستند فيه الى عدة أفكار هامة كان الناس من قبل يأخذونها بمعنى جزئي خاص ،فحاول هو أن يجعل منها أفكارا كلية عامة ومن بين هذه الافكار الهامةالتي أكتشف وايتهيد عموميتها فكرة (التعضون organicism )وفكرة الطابع الاجتماعي للظواهر وفكرة التواصل المباشر بين الاحداث أو الكائنات الواقعية وفكرة مشاركة الموجودات بعضها للبعض الاخر ،وبهذا المعنى فهم وايتهيد الفلسفة على أنها محاولة من أجل التعبير عن لانهائية الكون في حدود لفظية قاصرة ، مادامت اللغة بالضرورة متناهية وقد أستعان وايتهيد على ذلك بعدة مفاهيم أفلاطونية هي التغيير والثبات ،والموضوعات الازلية ،والتعميم ، والتعضون ،والتداخل فيما بين الاحداث محاولا أن يقيم تصوره للكون على أساس مذهب منهجي متماسك قوامه المزج بين تلك المفاهيم في وحدة كلية شاملة متسقة من هنا فقد جاءت فلسفة وايتهيد العضوية بمثابة تعبير عن أيمانه بأن الطبيعة مشيدة على نسق متصل الاطراف كتلك الانسقه المشاهدة في الرياضة وبعبارة أخرى يمكننا القول بأن الفكرة الاساسية التي قام عليها كل مذهب وايتهيد الميتافيزيقي هي أن هناك ترابطا فيما بين الاحداث الكونية بحيث أنه لايمكن تصور أي حدث منها في أستقلال تام عن غيره من الاحداث مادام الكون أقرب مايكون الى نسق متماسك متصل(2).
لقد أخذ وايتهيد على عاتقه أصلاح ماأفسده غيره من الرياضيين فقد كان لطرقهم العقلية البحتة أثر كبير في أنهم جعلوا من الطبيعة وهي الظنية بالاشياء التي ندركها أدراكا مباشرا عالما (لانحس فيه صوتا ولا نرى فيه لونا ولانشم فيه رائحة ومكاننا تتدفق فيه المادة تدفقا لانهاية له ولا معنى) وهو يعتقد أيضاأن علماء الطبيعة الرياضيين قد حللوا النظام الكوني الى عناصر متفرقة ومزقوه كل ممزق (وأن كان تحليلهم لحسن الحظ تحليلا ذهنيا فقط ) لذلك جعل وايتهيد همه هذه العناصرالى سيرتها الاولى فوضع مذهبه الفلسفي الذي أطلق (فلسفة الكائن) وغايته من هذا المذهب ليست البرهنة على وجود الكيفيات الثانية فحسب ، بل على وجود كل ماله أثر في الحياة الانسانية من ناحية تقرير الجمال.ومن الناحيتين الخلقية والدينية وعى الرغم من أن هوايتهيد عالم لايبخس العلم معه ،غير أنه يرى أن العلماء قد قصروا همهم على البحث في المعنويات ،أو في المقولات العقلية البحتة فكانت نتيجة ذلك أن أتجهوافي تفسير الكون،أتجاها ماديا ميكانيكيا مع أن أدراكنا أنما هو دائما أدراك بحوادث محسوسة. نعم للعالم أن يحلل هذه الحوادث المحسوسة الى عناصر،أو ينظر أليها من وجوه مختلفة ولكن ليس له أن يجسم هذه العناصر البسيطة المعقولة ويعتبرها حقائق منفردة مستقلة ، أما هذه الحوادث المحسوسةالتي هي موضوع أدراكنا فهي مايسميه وايتهيد نظما أو (كائنات ) وفي كل نظام من هذه النظم أو كائن من هذه الكائنات،تؤثر في طبيعة الكائن (من حيث هو كائن أو كل) في طبيعة الاجزاء أو العناصر أو الحوادث المختلفة التي يتألف منها بعبارة أخرى تشبه طبيعة (الكل عند وايتهيد(الصورة) التي قال بها أرسطو طاليس والكائنة بهذا المعنى الواسع صفة من صفات الكون بأسره،وليست قاصرة على الكائنات الحسية بل هي ظاهرة أساسية موجودة في كل ناحية من نواحي الطبيعة(3).
كانت كتابات وايتهيد بمثابة تمرد على الطابع المألوف في الفلسفة التحليلية حين ذهبت تلك الفلسفة الى أن الوقائع في الطبيعة توجد بمعزل عن بعضها بعضا ولايربط بينها رباط أو علاقات . فليس الكون في حقيقته وكما يراه وايتهيد كثرة مفارقة من الاجسام أومجموعة من الاشياء مستقل كل منها بوجوده الخاص ولا علاقة له بوجود غيره .بل الحق أن كل مافي الطبيعة يرتبط بعضه ببعض أرتباطا وثيقا وتتصل أشياء الكون صغيرها وكبيرها على حد سواء.
ربما يسلك العلم الى أتخاذ منهجا خاصا به الى تجزئة الحقيقة أجزاء كثيرة وتشريح مضمونها الىشرائح متعددة ثم من بعد ينكب على دراستها بقصد أستخلاص النتائج المختلفة ، فعلم الطبيعة يأخذ شريحة منها والكيمياوي يأخذ شريحة أخرى ثم علم الحياة يأخذ شريحة ثالثة من نوع جديد ولكن أذا كان ذلك هو شأن العالم، فأن الفلسفةقد أخذت على عاتقها جمع تلك الكثرة المتفرقة التي أبتدعها العلوم الجزئية ودمجها في وحدة عضوية أو كل واحد يجمعها معا . فما عادت الظواهر بعد هذا ينظر أليها نظرة جزئية يتناول كل علم خاص جانبا من جوانبها أنما الظاهرة كلها وبجملتها أصبحت موضوع الفلسفة بحيث لاتقدم على دراسة جانب منها وتترك الجوانب الاخرى التي تظهرها فلا يمكن لنا في ظاهرة الضوء مثلا أن نقطع أوصال الطبيعة حين تميل الشمس نحو الغروب ، فتدرس القوانين الخاصة بجانب واحد فيتناول تلك الظاهرة ونهمل غيره من الجوانب الاخرى .فالموقف شامل يتجسد في أن الشمس جانب من الطبيعة كما ،أن موجات الضوء جانب منها ،وحتى القيم وحتى تلك القيم التي يضيفها الى تلك الظهرة وقتئذ من جمال أو غيره تعتبر جزءا من الطبيعة ككل. فالنواحي الجمالية في الظاهرة والقيم الخاصة بها لاتقل في أهميتها عن النواحي التي يتناولها العلم الطبيعي ويهتم بدراستها(1).
لم الطبيعة في نظر هوايتهيد هو العلم الذي يدرس الكائنات البسيطة كالذرات ونموها،بينما يدرس علم الحياة الكائنات الاكثر تركيبا وهو بهذا لايقرب مسافة الفرق بين الكائنات العضوية وغير العضوية فحسب بل ينكر أثنينية العقل والجسم ،أذ ليس العقل في نظره سوى (نظام ) خاص في مجموعة (الحوادث) التي يتألف منها الجسم وعن هذا النظام تصدر الظواهر العليا التي نسميها بالظواهر العقلية ولكن ليس معنى هذا أن هوايتهيد ممن يعتقدون بوجود جواهر ثابتة للاشياء بل هو بالعكس يأخذ بوجهة نظر علماء الطبيعة الحديثين الذين يعتبرون الحوادث لاالجواهر الوحدات الاولية التي يتألف منها الكون أي أن الكون في نظره ونظرهم مجموعة مؤلفة من حوادث ومما بين هذه الحوادث من نسب ،وتختلف الحوادث بساطة وتعقيدا، فالمركبة منها تتألف من جمل من الحوادث التي هي أبسط منها، وهكذا حتى ينتهي التحليل الى الحوادث الذرية فالكون على هذا الرأي مجرى يتدفق بالحوادث بلا أنقطاع وهو رأي يشبه برأي هرقليط في (التغير ) ولو أن وايتهيد يفترض بالاضافة الى هذا وجود مايسميه بالمثل أو الاعيان الثابتة أو المقولات الكلية كما فعل أفلاطون وبذلك يحتفظ في فلسفته بفكرة الدوام التي قال بها الايليون كما أحتفظ بفكرة التغير التي قال بها هرقليط (ففي ذلك العالم الزاخر بالحوادث المتغير على الدوام شي ما ثابت قار ،وفي ذلك القار الثابت عنصر ما يعتريه التغير(2).
لقد رأى وايتهيد أن العلم الطبيعي قد بلغ مرحلة أصبحت الحاجة فيه ماسة لايجاد اطارات جديدة ومفاهيم حديثة تعكس روح العصر بأمانة وتجسد حقيقة التقدم الذي أصابه ، ولان العلم قد أمتد في عصرنا هذا الى شتى مناحي الحياة .وأستتباعا لما يشيد العلم عليه بناءه في قواعد عامة وأسس ثابتة وشاملة فأنه قد بات لزاما على الفلسفة أن تظهر تلك الاسس الشاملة للنظر فيها وتبرزالقواعد العامة التي ترتكز عليها. بقصد تمحيصها والنظرفي صلاحيها يرى وايتهيد أن الفيزياء نيوتن كانت تعتمد في كثير من جوانبها على مغالطات واسس واهية ، كاعتمادها مثلا على مبدا (الواقع البسيط ) وهو ماأطلق عليه وايتهيد أصطلاحه القائل ب (الخطأ المنطقي الخاص باليقين في غير موضعه ) وهو أصطلاح يصور أسلوب المعالجة والدراسة لموجود ما. حين نتناوله على أنه مجرد ولايمت الى الواقع بصلة ونقوم نحن بتصويره كما ولو كان واقعا ،وننسبه الى عالم الطبيعة الحقة كما لو كان حقيقيا ذلك أن نيوتن كان يتفق مع ديمقريطس في أن طبيعة الاشياء تتشكل من ذرات بسيطة تملا المكان. فكل موجود هو ماهو عليه من خلال شغله جزءا من المكان في مدة محددة من الزمن . متناسين في ذلك كل أشكال العلاقات التي تشد ذلك الموجود نفسه الى جملة المواضع المكانية أو مدد الزمان الاخرى . ويى وايتهيد أن الواجب يقتضي أن ننظر الى الموجودات من خلال أرتباطها ببعض أما أن ننظر الى الموجود على أنه يحتل بمفرده مكاننا يقتصر عليه وحده وزمانناخاصابه مستقلاعن غيره تماما، فان ذلك لايتم الا عن طريق التجريد بمعنى أنك لاتشير في عبارتك أو نتائجك الى واقع محسوس أذ تصف الاحداث على حقيقتها وما كان هذا هو الهدف الذي سعى وايتهيد الى أبرازه ،بل أنه على العكس من ذلك كان يرمي الىتناول الوجود كما هو في عينيته وواقعيته كان يهدف الى معالجة الطبيعة ودراسة جملة الكون كما تتبدى لناظواهره وتكشف عن موجوداته الواقعية وحين ذهب وايتهيد الى دراسة الوجود كما يتبدى على حقيقته أعتمد نظرة جديدة ، أستوحى معالمهامن فيزياء الكم والنظرية النسبية ونظرية التطور فالموجودات الطلقة أو الكائنات الفعلية تختلف عن الذرات التي قال بها ديمقريطس ونيوتن ،أن في طبيعتها ومكوناتها أو العلاقلت التى تشد بعضها الى بعض(3)
ويمكن تقسيم أحداث الطبيعة بشكل تقريبي ستة أقسام، النوع الاول الوجود البشري عقلا وجسما ،النوع الثاني يشمل جميع أنواع الحياة الحيوانية ، والحشريات والفقريات وكل الانواع الاخرى النوع الثالث يشمل كل الحياة النباتية، النوع الرابع يتألف من الخلايا الحية المفردة ويتألف النوع الخامس من كل التجمعات غير العضوية من مقاييس الاجسام الحيوانية أو أكبر منه ،النوع السادس يتكون من كل أحداث على مقايس في غاية من الصغر يكشفه التحليل الدقيق للفيزياء الحديثة(1).
أذن فالطبيعة تكوينها عضوي وسيرها عبارة عن المواءمة بين التكوينات العضوية وبنيتها التي تتغير تبعا لتلك المواءمة(2).
وبعد فأن كل أحداث الطبيعة هذه يؤثر بعضها في البعض الاخر ويتطلب بعضها البعض الاخر، ولقد تم أعداد القائمة بصورة تقريبية عن بعضها البعض قصد من دون أي أدعاء علمي، أن التصنيفات العلمية الجادة ضرورية للطريقة العلمية لكنها خطر على الفلسفة لان تصنيفا كهذا يخفي وراءه حقيقة أن مختلف أساليب الوجود الطبيعي يدخل بعضها في البعض ، فهناك الحياة الحيوانية الموجهة بصورة مركزية نحو مجتمع من الخلايا وهناك مجتمع الجزئيات غير العضوية الواسع النطاق مع قوله بشكل منفعل الضرورات الانية من العلاقات المكانية وهناك الفعالية الجزئية التحتية التي فقدت كل أثر لتوقف الطبيعة غير العضوية على نطاق أوسع. أن النظرية التي ناقشها وايتهيد مستندا الى تحليلات فلسفية وعلمية معاصرة هي نظرية أنشطار الطبيعة وقد خصص وايتهيد لمناقشة هذه النظرية بابا خاصا في كتابه (مفهوم الطبيعة) وركز على أربع مسائل مهمة،لها أتصال بأنشطار الطبيعة هي:(السببية،الزمان،المكان،التوهم).
ويقصد وايتهيد بالسببية الطبيعية العلية وأعتبار العقل أن الطبيعة مؤلفة من ظواهرها فالطبيعة هي سبب أو علة المعرفة الحاصلة في العقل الذي يظهر على هيئة معلول .ويتناول وايتهيد نظرية الزمان المطلق بأنتقاد لاعتبارها الزمان والمكان حقائق منفصلة وأنظمة مستقلة فالزمان تتابع منظم للحظات زمانية ثابتة بالامكان معرفته أو أدراكه دون الحوادث فهو على هذا الاساس عامل ثابت لايتغير بتغير الحوادث،أن جذور نظرية أنشطار الطبيعة في الفكر الاوربي نجدها في التفكير العلمي ،والفلسفي معا .فثنائية الزمان بذاته والحوادث وثنائية المكان بذاته والاجسام أمثلة واضحة على أهتمام الفكر الاوربي بأنشطار الطبيعة ولقد تعددت هذه الثنائية حدودا أخرى من نظرية المعرفة والميتافيزيقا أو العلوم بحيث أصبحت أساسا قاد الفكر الفلسفي والعلمي نحو الميتافيزيقا والبعد عن الحقيقة.
يرفض وايتهيد كل الانواع التي تدخل في أنشطار الطبيعة لاعتقاده أن كل شي يدرك أنما هو من الطبيعة وأن الالطبيعة غير قابل للانشطار ،فحمرة شعاع الشمس المتوهج عند الغروب جزء من الطبيعة لايختلف في موضوعيته عن الذرات والالكترونات التي يدرسهاعالم الفيزياء بأعتبارها حقائق موضوعية في الطبيعة وبعبارة أدق: أي أنه يرفض كل تفسير لها يعتمد شطرها شطرين: جوهر عرض ،علة معلول ،عقل ومادة. يرفض وايتهيد بصورة عامة مبدا أنشطار الطبيعة الى جزئين ويرفض تبعا لذلك الفصل التام بين العقل والمادة والزمان والمكان لان مثل هذا الانقسام لايقره العلم ويتنافى مع حقيقة الصيرورة الطبيعية التي تمثل الجانب الحياتي والطبيعي في كل لايتجزأ(3).
أن الطبيعة عند وايتهيد تتكون مما أصطلح عليه (بالكائنات الفعلية ) كل كائن فعلي(actual entities ) وكل كائن فعلي يمكن النظر أليه على أنه حادث(event) والحادث هو مايقع في فترة زمنية بسيطة ينتقل بعدها الى الدخول في تركيب الكيان الداخلي لحادث أخر، أو يكون خاصية من خصائص حادث يليه أو أنه (أيالحادث ) نفسه يستجمع في داخل كيانه الخاص به مقومات الاحداث الاخرى فأذا هو من جديد حادث أخر غير الذي كان .
يعيب وايتهيد على بعض الفلاسفة أنتهاجهم وسيلة التأمل الذاتي وركونهم الىعملية الاستبطان الداخلي من أجل الوصول الى حقيقة الاشياء الخارجية ووصف خصائصها مهملين بذلك كل المعطيات الحسية في العالم الخارجي ومنصرفين عن صلب مايمتالى حقيقة الادراك بصلة، كاغفالهم مثلا مظاهر القيم التي ننسبها الى موجودات الكون وأجسام الطبيعة فالمواقف الادراكية مواقف كلية ومتكاملة، ولاينفرد عامل واحد بتحديدها أو يستأثر جانب معين بابرازها ، بمعنى أن أدراكنا للطبيعة ومعرفتنا بعمل الاحداث فيها تظهر تشابك العوامل التي أدت الى أبراز ماندركه وترابط وثيق بين جوانب متعددة وأعتبارات كثيرة لايمكن أغفالها عند الحديث عن موقف أدراكي شامل ، ومن الواضح مثلا أن الطبيعة هي مجال أدراكتنا الحسية تزخر بأحداث متشابكة وتتصف بخاصية الانتقال (passage) فيما بينها . وتتبدى بعض سماتها الظاهرة في اللون والطعم والرائحة وغيرها. ونحن أذ نختبر كل ذلك بوسائل الاحساس المختلفة نقر بأن المعطيات الحسية المتعاقبة ليست مواتا أو منفصلة أو خالية من أي مضمون،بل أن الصلة أشد ماتكون عليه بين الاحداث المتعاقبة الى الحد الذي يمكن القول فيه بأن الحادثة التي مضت توا تضل متجسدة في الحادثة التي تليها وكذا ىلامر يشير الى أن الحادثةالتي ستظهر مستقبلاستكون متمثلة لخصائص الحادثة الحاضرة وهكذا بمعنى أخر نقول بأن الاحداث المتعاقبة تظهرك على تحول غاية في الانسجام والاتصال الوثيق فيما بينها الى الحد الذي يستفيم القول فيه بوجود أستمرارية أكيدة بين الاحداث بعضها وبعض ويمكن التدليل على هذه الحقيقة بمثال بسيط وهو أننا لو كنا نسير في الشارع الذي نسير في الشارع الذي نسير فيه فأنه يتوصل أفساح الطريق لعبورها ويتحتم أن نلزم جانب الطريق ونفسح المجال امرورها في وسطه البسيط يمكن أستخلاص عدة أمور ، فمثلا نرى أن الموقف أظهر أحداثا متتابعة منها أننا كنا نسير في الطريق ، ثم روئيتنا للسيارة قادمة ثم أفسحنا المجال لمرورها وهكذا في أحداث تعاقبت في موقف واحد ، ونظرة الى تلك الاحداث المتعاقبة في المقف ذاته نرى بأن الحدث السالف يحدد الحدث الذي يعقبه أو يحتم العمل بموجبه وبما يتناسب معه ،بمعنى أن قدوم السيارة مثلا قد حتم السير على جانب الطريق فالحقيقة أن وايتهيد يذهب مثل هذا الموقف مذهبا يقول فيه بأن الامر لاينطوي على أحداث متفرقة لاأتصال بينها . بمعنى أن قدوم السيارة شىءأخر ، وعبور السيارة بعد ذلك شىءثالث وكل يحتم مابعده بل أن الموقف بجملته موقف واحد ، وأن الاحداث فيه أخذت بشكل التسلسل المنطقي أو التطور المعقول لسير الامور وأكتساب خصائص جديدة في كل لحظة من لحظات الموقف نفسه ، ولو لم يكن لدينا هذا التسلسل المنطقي للوقائع والتصور المعقول لسير الامور وأتصال الاحداث بعضها ببعض أتصالا وثيقا لايمكن الاخذ بتصور أخر مثلا، كأن نتصور أن ألارض تنشق شقا وتبتلع السيارة قبل أن تصل ألينا أو أن تتحول السيارة في لحظة الى هباء ليس من بعده شىء، والحق أن حياتنا العامة تعتمد في الكثير من جوانبها على تصورنا الخاص بتطور الاحداث وترابط وقائعها على نحو يجعلنا نتوقع في الاحداث القادمة مايناسب الاحداث التي مضت ويتفق معها ، وهذا مايدفعنا الى أعطاء كل موقف ما يناسبه من التقديرات وفق تصور سليم ومنطق معقول(1).
2) الكون
الكون في فلسفة وايتهيد يتمثل في كثرة من الموجودات . أن نظرة وايتهيد الى الموجودات في كثرتها قد جعلت فلسفته تصطبغ في جانب منها بصبغة ذرية. وهو هنا يجاري ديمقريطس في قوله بأن الكون يظهرنا على هويات متكثرة وموجودات ذرية لامحدودة ولكنه لايختلف عنه في فكرته حول طبيعةالعملية التي تحكم الكون ، وقول ماهية الاشياء وحقيقة تركيبها ونظامها يذهب ديمقريطس الى أتخاذ مذهب مادي صرف يقول فيه ، بأن لاحقيقة في الكون سوى حقيقة الذرات المادية المطلقة بمعنى أن الذرات المادية أو الجواهر الفردة تؤلف مادة الكون وهي أبدا تكون في حركة دائمة، أنها في نظر ديمقريطس ذرات مادية أو جواهر مطلقة بمعنى أنها موجودات بلغت من الصغر والدقة حدا لايمكن معه تفتيتها أو تقسيمها الى ماهو أبسط منها أنها موجودات ذرية مصمتة ، أو عناصر ثابتة جامدة في الوقت الذي ذهب فيه ديمقريطس الى هذا الرأي يرى وايتهيد مخالفا أياه ، يذهب الى أن كل ذرة في الكون أن هي الا هوية حقيقية أو كائن فعلي كله حركة وتغير وتشده الى جملة الكائنات الفعلية في الكون علاقات كثيرة((1)
لقد نسب وايتهيد الى الطبيعة ضربان من الحياة ، ذلك لانه رفض منذ البداية تلك التفرقة التقليدية التي أعتاد الفلاسفة أقامتها بين الطبيعة والحياة ، وحجة وايتهيد في هذا الصدد أنه هيهات لنا أن نفهم (الطبيعة الفيزياوية ) أو أن ندرك معنى الحياة اللهم الا أذا عمدنا الى المزج بينهما تماما ، على أعتبار أنهما عاملان جوهريان يدخلان في تركيب تلك الاشياء (الواقعية حقا ) ألا وهي الاشياء التي يتكون من علاقاتها المتبادلة وخصائصها الفردية ما أصطلح على تسميته بأسم (الكون ) وأن مافي الموجودات الواقعية في تحقيق مستمر ، وصيرورة دائبة وأنتقال حركي دائم يضطرنا الى القول بأن كل مافي الطبيعة نهب لتلك القوة الابداعية أو فريسة لذلك التقدم الخلاق الذي يتقدم بالكون دائما نحو المستقبل وقد يكون من السخف أن نتصور الطبيعة على أنها مجرد (واقعة سكونية) أو (أستاتيكية) حتى ولو كان ذلك من لحظة خاطفة خالية من أية ديمومة أو أي أستمرار فليس هناك (طبيعة ) في أستقلال تام عن أي (أستمرار زماني ) وهذا هو السبب في أن نتصور (الان الزمني )على أنه الواقعة البسيطة الاولية ، أنما هو في رأي فيلسوفنا تصور فارغ لامعنى له على الاطلاق(2) .
3)الكائنات الفعلية
أن الذرة التي كانت جامدة في مذهب ديمقريطس قد دبت فيها الحياة في مذهب وايتهيد ،وفي الوقت الذي نرى فيه كيف أن مذهب ديمقريطس قد شل كل حركة ، وتغير في باطن الذرة . حتى بدت الجواهر الفردة عنده مادة خاملة لاحياة فيها ولانشاط نرى وايتهيد في مذهبه يقول على العكس من ذلك بكائنات فعلية أو عوابر فعلية ليطلعنا على حقيقة مخالفة تماما فلان الكئن الفعلي ليس جسما ماديا أو شيءا جامدا فأنه من الافضل النظر أليه على أنه حدث أو خبرة وعله فأن الكائنات الفعلية لاتوجد وأنما تحدث ، أنها كائنات تعمر بالنشاط والفاعلية وهي أبدا في صيرورة مطلقة ، أنها كائنات عضوية في نمو وأنجاز، تجري عليها سنة التطور والتغير ، وتنتابها عواملالضعف والفناء فوايتهيد في فلسفته التي ضمنها كتابه الشهير (التطور والواقع ) يقوم بمحاولة لسد الخصائص التي تتصف بها الكائنات الفعلية التي تشكل جملة الكون وأظهار أشكال العلاقت التي تربط بينها . أن الكائنات الفعلية هي الحقيقة المطلقة في الكون وهي وأن كانت تختلف فيما بينها لاعتبارات كثيرةالا أنها جميعا تشكل الوجود كله وهي التي تجعله يظهر لنا في الشكل الذي يظهر عليه ، فالكل كائنات فعلية والكل عبارة عن قطرات من الخبرة كما يسميها وايتهيد وهي ذات تركيب خاصة، يسند بعضها بعضا ويعتمد عليه ويرتبط الواحد منا بالاخر أرتباطا وثيقا وحين يطلق وايتهيد كلمة واقعي أو فعلي على موجود ما ، فأنه يقصد بذلك أن الشىء قد أكتسب صفة الوجود الحق،وأجتمعتفيه خصائص الوجود بمعناها الكامل وعلى ذلك فأن الكائنات الفعلية هي الموجودات الاكيدةوأن وجودها هي الوجود الحق فهي كائنات فعلية بمعنى أن وجودها يظهر تماما حيث لاوجوده بعده فهي أذن توجد فأنما توجد بكامل هويتها وجملة خصائصها وبعلاقاتها وظروفها التي تحيط بها(1).
ويسمي وايتهيد (الحوادث الذرية ) بالظروف الواقعية وأحيانا بأسم (الموجودات الحقيقية ) وعلى هذا فالحادثة بمعناها الواسع هي في نظره رابطة بين طائفة من الحوادث الواقعية فتصل بعضها ببعض على هيئة خاصة وبنظام خامل في كم ذي أمتداد . أما ذلك الذي نسميه عادة (الشىء) أو الشخص فهو مجموعة أو هيئة منتظمة من الحوادث مرتبط يعضها ببعض أرتباطاعليا دائما ، أضف الى هذا أن كل( حادثة واقعية مرتبطة بكل حادثة واقعية أخرى في الكون وعليه فالعالم نظام واحد محكم الاتصال والتركيب مولف من حوادث واقعية ) أو هو سلسلة متصلة حلقاتها هذه الحوادث(2).
والكيانات الواقعية تبقى في عملية فناء دائم ، وكلما فنيت أنجزت في التقدم الخالق ، فتنتقل الى كيانات واقعية أخرى من خلال عملية الادراك وتحقق خلودا موضوعيا ، ويقول وايتهيد أن عملية الفناء والانشاء الجديد هذا ينبغي أن تفهم على أنها شرح لعبارة أفلاطون في محاورة ( طيماوس ) هذا نصها ( ولكن مايدركه الظن بمعونةالاحساس وبدون العقل هو دائمافي عملية كون وفساد وليس موجودا وجودا حقيقيا أبدا ) أن الكون هو كون حدوث وتغير وفساد (فناء ) ومقولة الكيانات الواقعية تنطبق على المادة غير الحسية كما تنطبق على كل ضروب الحياة . وتنطبق على وجود الانسان كما تنطبق على وجود الله .
ويترجم البعض (الكيانات الفعلية ) ب ( الاحداث الواقعية ) ويقول أن الاحداث الواقعية والجماعات التي تؤلفها هي في عملية نمو معا . حتى تصل الى المرحلة النهائية التي تسمى ( الاشباع )satisfaction وهذه العملية من النمو معا، والتي تحدث أدراكات جديدة بأستمرار يسميها وايتهيد بأسم النمو معا ، ويقول ( في عملية النمو معا يوجد توال من المراحل تنشأ فيها أدراكات جديدة بالتكامل مع أدراكاته في المراحل السابقة وتستمر العملية حتى تغير كل الادراكات عناصر في أشباع تام مجرد ( وكل حادث واقعي من حيث هو متموضع في عملية النمو معا يكشف عن مطلب يتعلق بالمستقبل والمستقبل هو بمعنى ما عنصر داخل في تركيب وجود كل حادث واقعي ، ويعبر وايتهيد عن هذا حيث ينعت الحادث الواقعي بأنه موضوع فوقاني أن كل حادث هو في نفس الوقت الموضوع التحتاني الذي يجذب ، والموضوع الفوقاني لهذه التجربة ،أنه المعطى التجريبي الحاضر لكنه أيضا النتيجة المستقبلة أو الهدف لتجربته الحاضرة وهذا الهدف أو المشروع المستقبل يسمى (0الهدف الذاتي ) الذي يضبط حدوث الحادث الواقعي ويقوده الى أشباعه النهائي وهكذا يحدث كل تغير في نطاق متصل مكاني زماني فيه كل الموجودات تعاني عضة الزمان ، أن كل حدث في الكون يتصف بالماضي والحضر والمستقبل . وعلى الرغم من أن الاحداث الواقعية تفنى فأنها تدخل في التركيب الباطن لاحد في واقعية أخرى فيها تتموضع وهكذا فأن كل واقعة حاضرة في الكون تتكون بواسطة كل المراحل السابقة .
كذلك كل واقعة حاضرة تتألف من أمكانيتها للتحقق من المستقبل عن طريق هدفها الذاتي ، وهذا هو مبدأالعملية أن وايتهيد يقسم كل مذهبه على أساس أن كل الاشياء في سيلان دائم وهو مذهب قال به هرقليطس والى جانب نظرية السيلان هذه يقول وايتهيد بفكرة منافسة لها هي : بقاء كل ألاشياء وهاتان الفكرتان تؤلفان في نظره مشكلة الميتافيزيقا كلها ، ويحاول وايتهيد على عادته ، التوفيق بين هاتين الفكرتين المتضادتين ذلك عن طريق نظريتي :
(نظرية الهوية المكونة لذاتها ) و (نظرية النظام الكوني ) ويحاول الاخذ بفكرة الانسجام الازلي التي قال بها ليبنتز (3) .
4) مقولات الفلسفة العضوية.
قدم وايتهيد في كتابه ( الصورة والعالم الواقعي ) تعميما وصفيا شرح خلاله أحوال فلسفته العضوية فتراه يحاول أن يضع بين أيدينا قوائم مسهبة بالمفاهيم الاساسية أو المقولات الجوهرية التي يقوم عليها كل بناء فلسفته أو مذهبه الميتافيزيقي وهو يقسم هذه المقولات الى أربعة أقسام :
1)مقولة الحقيقة القصوى . 2) مقولة الوجود . 3) مقولة التغير . 4) الالزامات المقولية .
وليست مقولة الحقيقة القصوى في فلسفة وايتهيد سوى الابداعية creativity أو (القرة الخلاقة ) وأذا كان فيلسوفنا يعد ( الابداعية) أكثر المبادىء الكلية (كلية ) فما ذلك الا لانها تمثل في نظره الحقيقة الميتافيزيقية القصوى التي تكمن من وراء شتى الاشياء بدون أستثناء والحق أن كل واقعة من الوقائع الماثلة في الكون أنما هي بمعنى أو بأخر (مظهر للابداعية أو أنموذج للقدرة الخلاقة ، والله نفسه – فيما يقول وايتهيد – خاضع لمقولة (الحقيقة القصوى ) و (اللابداعية ) بوصفها المبدا الميتافيزيقي الاقصى ، تمثل في الوقت نفسه مبدا ( الجوة novelty ) ومعنى هذا أنها تمدنا بالعلة أو السبب المبرر لظهور كل ماهو جديد وحينما تنطبق الابداعية على الموقف الجديد بأعتبارها الاصل الذي صدر عنه فأنها تعبر عن ذاتها على صورة (تقدم خلاق ) ،وأما مقولات الوجود في فلسفة وايتهيد هي :
1)الموجودات الواقعية actul entities . 2) الالتقاطات الايجابية prehensions . 3) الروابط المتعددة nexus .
4) الاشكال أو الصور الذاتية subjective forms . 5) الموضوعات الازلية eternal objects . 6) القضايا propositions.
7) مظاهر التعدد multiplicities . 8) ضروب التباين contrasts> .
والمقولة الاولى من هذه المقولات الوجودية تجىء فتحل في فلسفة وايتهيد كل المفهوم التقليدي للجواهر الخاصة أو (الجزئية ) على أعتبار أن مايسميه فيلسوفنا بأسم ( الموجودات الواقعية ) يمثل الوقائع النهائية للكون ، أن لم نقل بأن هذه الموجودات الواقعية هي بمثابة الاشياء الحقيقية التي يتكون منها العالم نفسه . ومعنى هذا أنه ليس ثمة حقيقة أعلى أو أكثر واقعية من تلك الموجودات الجزئية التي تشبه في فلسفة وايتهيد (مونادات ليبنتس ) وأغلب الظن أن يكون وايتهيد نفسه قد أدرك أوجه الشبه بين هذه (الموجودات الواقعية) وبين (الجواهر الفردة) أو الذرات الروحية ) بدليل أننا نجده يرد فلسفته الى ليبنتس لاالى هيجل ولكن على حين أن مونادات ليبنتس كانت مغلقة على ذاتها لاتملك أبوابا ولا نوافذ نجد أن الموجودات الواقعية التي يتحدث عنها وايتهيد غاصة بالابواب حافلة بالنوافذ فضلا عن ذلك فقد عملت نزعة وايتهيد التجريبية على الاتجاه بتفكيره نحو (التعدد) أو الكثرة وأن كانت هذه النزعة التعددية قد قادته بدورها نحو (العودة ) الى مفهوم أرسطو طاليس القديم الا وهو مفهوم (العلل الغائية ) ولا غرابة في ذلك فقد أرتأى فيلسوفنا أنه ليس في وسع أية نزعة تعددية أصيلة أن تقوم بدون الاستناد الى ضرب من الغائية نظرا لان الفردية والغاية المتناهية تملاءن مفهومين مترابطين كل الترابط .
وأما المقولة الثانية فهي مقولة (الالتقاطات الايجابية ) وهي تشير الى وقائع عينية تتم فيما بين (الموجودات الواقعية ) الا وهي وقائع الارتباط التي ترجع الى ماللاشياء من ( طابع موجبة ) وسواء أكنا بأزاء أنفعال أم بأزاء قصد ، أم بأزاء تقييد ،أم بأزاء تأثير على ، فأننا في كل هذه الحالات لابد من أن نجد أنفسنا بأزاء أنماط مختلفة من الترابط تتحقق بين الموجودات الواقعية المختلفة واقعية كانت أم غير واقعية ، وأذا كنا قد ترجمنا كلمة prehension التي يستعملها وايتهيد هنا بمعنى خاص باللفظ العربي ( ألتقاط ) فذلك لان فيلسوفنا قد قصد بهذا المصطلح الاشارة الى عملية أيجابية يتم عن طريقها أنتقال التأثيرات من وافعة الى أخرى أو من حدث الى أخر ومثل هذا الانتقال لابد من أن يؤثر على الوجود الخاص للواقعة ، كما يؤثر في الوقت نفسه على وجود الوقائع الاخرى التي تلتقطها ، ومعنى هذا أن من شأن كل حدث أن يلتقط من داخل وحدته الخاصة نمطا أو نموذجا من مظاهر غيره من الاحداث كما أن من شأنه هو نفسه أن يكون بمثابة مظهر من مظاهر الانماط أو النماذج التي تلتقطها الاحداث الاخرى ، وأما الروابط المتعددة التي يتحث عنها وايتهيد فهي عبارة عن وقائع جزئية تشير الى ( أقتران ) الموجودات الواقعية أو ( حدوث ضرب من المعية ) فيما بينها ولكن المهم أن لكل ( واقعة ) أو (حدث ) في نظر وايتهيد – قطبين : قطبا ماديا ( يشير الى عملية ألتقاطها للوقائع الاخرى ) وقطبا نفسيا (يشير الى عملية أدراكها لبعض الامكانيات الجديدة ) وعلى الرغم من أن (القطب النفسي ) أو العقلي (كامن ) أو (ساكن ) في الغالبية العظمى من الوقائع أو الاحداث الا أن الاجسام اللاعضوية نفسها لايمكن أن تعد مجرد وقائع سلبية صرفة ، بل هي كائنات أيجابية تستجيب لما يقع عليها من مؤثرات أستجابات نوعية خاصة ، وأية ذلك أن هذه الموجودات اللاعضوية تقوم بعملية ( أختيار ) أو أنتقاء فيما بين المؤثرات التي تتعرض لها . ومن ثم فأنها لا تستجيب لتلك المؤثرات الا على خط معين من خطوط ( الامكان ) يكون في العادة متلائما مع (مقصدها الذاتي ) أو (غايتها الذاتية ) وليس هذا المقصد الذاتي سوى الطبيعة الخاصة المميزة اكل ( موجود واقعي) (عضويا كان أم لاعضويا ) ولابد لهذا المقصد من أن يشتمل على كل من مافي الواقعة ومستقبلها ، ويضرب لنا وايتهيد مثلا لذلك فيقول أن من شأن المغناطيس أن يستجيب للمجال الكهربائي كما أن من شأن الشريحة الفوتوغرافية أن تستجيب للاشعة الضوئية ولكن لاالعكس وأما حين يتحدث وايتهيد عن ( الصور الذاتية ) فأنه يعني بهذا المصطلح الكيفية المحددة أو المعينة لبعض الوقائع الخاصة ثم تجىءبعد ذلك (مقولة ) (الموضوعات الازلية ) فتشير الى القوى المحضة التي بمقتضاها تتحدد الوقائع في صورها الذاتية ومعنى هذا أن للاشياء عناصر ثابتة هي بمثابة هيكل علاقات يربط متغيرات في بنية منطقية متماسكة ولولا هذه (الموضوعات الازلية ) لما كان في أمكاننا التعرف على الاحداث المتغيرة أو الوقائع المتطورة ، وأما ( القضايا ) وهي المقولة السادسة ، فهي ما يجعل التميز بين الحق والباطل تمييزا ذا معنى وأن كان وايتهيد لا يستعمل هنا كلمة (قضية ) بالمعنى اللغوي أو المنطقي بل بمعنى (العرض) أو (الاقتراح ) الذي ينصب على (النوعية الخاصة ) للموجودات الواقعية . وتبقى بعد ذلك مقولتان أخيرتان : مقولة ( ضروب التعدد ) وهي تشير الى أشكال (أنفصال ) الموجودات المتنوعة ثم مقولة ( مظاهر التباين ) وهي تشير الى طريقة التأليف أو نوع (التركيب ) الذي يحدث في أية حالة ( ألتقاط أيجابي ) وفي أية (واقعة عينية ) من وقائع (الارتباط ) وأما المقولات الاخرى التي يتحدث عنها وايتهيد وهي مقولة التغيير وعددها سبع وعشرون مقولة ( ومقولات الالزام ) وعددها تسع مقولات فهي تمثل أدوات علمية أخرى يستعين بها فيلسوفنا من أجل تكملة صورة (النسق الواقعي ) الذي أراد أن يقدمه لنا في أطار من (التعضون )(1).
أما فيما يتعلق بتقسيم د. عبد الرحمن بدوي للمقولات مبتدأمن مقولة الاقصى ويعرفها بأنها النشاط الابداعي والنشاط الابداعي هو كلي الكليات وهو المبدأ الميتافيزيقي الاقصى الذي على أساسه تقوم كل الاشياء بدون أستثناء وكل واقعة في الكون هي على نحو أو أخر شاهد على النشاط الابداعي والله نفسه يتدرج تحت مقولة الاقصى والنشاط الابداعي بوصفه المبدأ الميتافيزيقي الاقصى هو أيضا مبدأ الجدة . وهو الذي يزود بالسبب من أنبثاق ماهو جديد .
وواضح من هذا أن هذا المبدأ هو نفسه مبدأ التطور الخالق عند برجسون ولم يأت وايتهيد فيه بأي جديد سوى سوء التعبير . وأما مقولات الوجود فثمان : (1) الكيانات الفعلية (2) الادراكات (3)العقد (4)الاشكال الذاتية (5)الموضوعات السرمدية (6) القضايا (7)التعددات (8)التقابلات .
ومعظم أو كل هذه المقولات هي مجرد جسميات أخرى لمعان تفليدية فالكيانات الواقعية هي الجواهر الجزئية التي يتألف منها العالم وهي الوقائع النهائية للكون والادراكت هي الوقائع العينية لوجود علاقات تكشف عن طابع متجه وتتضمن الانفعال والعرض والتقويم، والسببية والعقدة ، وهي واقعة جزئية لاجتماع كيانات واقعية معا ،والشكل الذاتي هو الكيفية المحددة لامور واقعية خاصة ، والموضوعات السرمدية هي الامكانات المحضة ، التي بها تحدد الوقائع في أشكالها الذاتية والقضايا هي التي تعطي معنى للتمييز بين
الحق والباطل والتعددات تدل على الانفصالات بين مختلف الكيانات والتقابلات تدل على حالة التركيب الناشئة في أدراك أو واقعية عينية للكون في علاقات (2).
الفصل الثاني
مبادىءالفلسفة الطبيعية في مذهب وايتهيد:
(1)الزمن وايتهيد وفوله بالعلية الحتمية ( أو الحتمية السببية ): يرى وايتهيد أن الزمن يقترن أساسا بأحداث الطبيعة ووقائعها والاحداث أذ تقع فلأنما تقع في زمن ، وليس في زمن الا تكون الاحداث تقع فيه على أمتداد لحظاته ( هذه الجزئيات التي قوامها أحداث هي العناصر المطلقة للكثرة ذات الابعاد الزمانية –المكانية الاربعة التي تفترضها نظرية النسبية ، ومن الملاحظ أن كل جزئية حدسية هي لحظة زمنية بقدر ماهي نفطة مكانية) ، وهكذا فأن المكان ليس في أخر الامر منفصلا عن الزمان ، في بناء هذه الكثرة الزمانية المكانية . ويرى وايتهيد وفق تصوره هذا للزمن ( أن هيوم قد جانب الصواب في فكرته حول الزمن ) ورأيه فيه ،فأن يكن هيوم قد ذهب الى أن الزمن هو مجردتتابع للحظات وتعاقبها ، فأن ذلك يرجع بالاساسالى أنه عمل على تفريغ الزمن من محتواه ، ودأب على تجريد الزمن من أحداث الطبيعة العينية فهو بذلك ، كان يهمل :
(1) حقيقة الاحداث الواقعية وما بينهما من علاقات .(2) ويغفل خصائص الاستمرارية بين وقائع الطبيعة ومظاهر التطور والابداع فيها.(3) ثم يحيل كل ذلك الى زمن مجرد ، ويستخلص من كل ذلك أن الزمن ليس سوى تعاقب لوحدات زمنية مجردة succession of abstract units وفكرته عن الزمن (بأعتباره وحدات زمنية متعاقبة ) قد أنعكست بدورها على نظرته الى الاحداث حين ذهب الى أنكار الحتمية السببية بين الوقائع والاحداث في الطبيعة ، فهو قد ذهب الى أن ملاحظتناالخصة بتعاقب المعطيات الحسية هي كل ما نستقيه في مجال أدراكنا الحسي ، فقد كان هيوم يذهب الى أن الامر لايزيد عن كونه علدة نفسية وأنطباعات خاصة نستقيها من ملاحظتنا المتكررة للتعاقب القائم في الطبيعة بين حدثين يسبق الواحد منهما الاخر ،ولايرى وايتهيد أساساقويا يدعم قول هيوم أو زعمه ذاك حول العلية (3).
فقد ذهب هيوم الى أن معرفتنا بالسببية قامت أساساً على ملاحظات عامة ومشاهدات متكررة لنوع من التتابع يجري في العالم الخارجي، وبتوالي هذه الملاحظات والمشاهدات تتكون لدى الفرد فكرة خاصة أو عادة يتوقع بموجبها أن تتعاقب احداث وأن تسبق حادثة ما حادثة أخرى تليها وهكذا .
أما أن تكون هناك ضرورة منطقية لتتابع الوقائع في الطبيعة أو سببية يحتم أن تكون الحادثة هذه قبل تلك ، أو أن تعقب بعض الاحداث بعضا أخر سبقها ،فذلك أمر لايقطع بصحته أبدا ويذهب وايتهيد أزاء هذا القول الى أن فكرة هيوم هذه لاتغدو أن تكون في الحقيقة تفسيرا ذهنيا لتعاقب الاحداث في الطبيعة أو سردا لما يدور في العقل أكثر منه سردا لما يدور في الطبيعة وما ندركه فيها حقيقة ، وما يأخذه وايتهيد على هيوم هو أن الاحداث لاتوجد منفصلة عن بعضها بعضا أو أن التتابع بين الوقائع يحدث أعتباطا . بل أن هناك أتساقا بين السالف في الزمن والاحق بعده كل ذلك ضمن موقف محدد ومتكامل وهذا ماحدا وايتهيد الى القول بالعلية الحتمية على أعتبار أن الوقائع تمثل تأريخا لاحداث مترابطة ، وسيرة للعلاقات التي تربط بينها في موقف شامل وعلى أمتداده فترة زمنية أكيدة ولو ذهبنا الى مثل يوضح فكرة واتهيدبهذا الخصوص فلو أفترض أن رجلا كان في غرفة يكتنفها ظلام دامس ، ثم أومض النور فجأة في لحظة خاطفة وبلحظة قصيرة جدا كما في ومضة البرق الخاطفة ، فأن الجفن سرعان ما ينسدل فوق العين وفق عملية الفصل المنعكس ، ولو رحنا في محاولة لتحليل الموقف بكامله كما يقول به هيوم ، بأعتبار أن الامر لايغدو أن يكون تعاقبا لمعطيات مختلفة لاأرتباط بينها . لما أسفر الموقف عن شىء سوى عن ومض النور أولا ثم رمش الجفن ثانيا ، وبعدها كان الظلام من جديد ولكن الموقف نفسه كما يراه وايتهيد ليس بالسهولة التي يصفها به هيوم أذ أن الرجل (وهو من تعرض للموقف وخبره) يؤكد أيضاً أن ومض النور فجأة أدى الى الفعل الخاص بالعين ، وأن الموقف بكامله أسفر عن وعي بحتمية خاصة تجعلنا نقول بان التعرض لخبرة معينة قد أدت الى قيام خبرة أخرى ثانية ، وأن واحدة من هاتين الخبرتين قد جاءت قبل الاخرى وهذا ما يجعلنا نؤكد بأن الامر ليس مجد تتابع لمعطيات حسية منفصلة ، بل أن الموقف بكامله يشير الى أنه كل متكامل وأنه نسق من الخبرة تترابط أجزاؤه وتتسق أزاء خبرتنا المباشرة بها أو معرفتنا البسيطة لها (1).
أذن فالعالم بنظر وايتهيد نظام واحد محكم الاتصال والتركيب مؤلف من (حوادث واقعية ) أو هو سلسلة متصلة حلقاتها هذه الحوادث (ومن أجل هذا الاتصال الذي في حلقات السلسلة الكونية أمكننا أن نقول أن كل شىء في الكون واقع في كل زمان وفي كل مكان) وليس المكان والزمان في نظر وايتهيد كما في نظر الكسندر حقيقة أولية مسلما بوجودها ، بل هي شىء مركب من النسب الموجودة بين (الحوادث الواقعية ) وأما نقطة الاتصال بين الحوادث الكونية فيسميها بالروابط وهي نظرة روابط علية فكل حادثة واقعية تتولد عن الروابط التي تربطها بالحوادث التي تسبقها في الوجود في الوقت الذي تتصل فيه بالحوادث التي تليها وهي فكرة تشبه فكرة برغسون في دخول الزمان الماضي في الزمان الحاضر ، بهذا المعنى يصح لناالقول بأن (كل حادثة واقعية ) خالدة خلودا ذاتيا على الرغم من أنها واقعة في عالم التغير (2).
(2) السببية عند وايتهيد .
لقد بدى أهتمام وايتهيد بالمواقف الكلية الشاملة من خلال كتاباته البكرة ، فنجد لديه ميلا واضحا الى التفريق بين فكرته عن الاحداث في الطبيعة وبين الموجودات الحسية على أعتبار أن النظريات التقليدية التى راحت تصف الاشياء من خلال معطياتهاالحسية ،وتفهم حقيقتها في ضوء الادادات التي نستبقيها منها بواسطة الحواس ، لن تعمر طويلا بل سيظهر عمقها وقصر نظرتها لكونها لم تأخذ بعين الاعتبار ملابسات الموقف الادراكي بجملته ولم تعر أهتماما للمتغيرات والعديد من الجزئيات التي يسفر عنها الموقف عادة وليست الحتمية السببية سوى حقيقة واحدة من الحقائق الكثيرة التي طالما أغفلتها تلك النظريات وتجاوزها تفسير الاشياء من خلال خصائصها الحسية فحسب ، تماما كما كان أغفالهم للحتمية السببية ذاتها لكونهم نظروا الى الادراك الحسي على أنه مجرد تتابع لمعطيات حسية نستقيها من العالم الخارجي وقالوا بأن السببية خاصية عرضية للاحداث التي ندركها بدلا من تصورها صفة أساسية لها ومظهرا أصيلا من مظاهرها ولم يكن وايتهيد ليعني بالسببية من وجهة النظر العلمية البحتة أن حادثة ما تسبب بالضرورة قيام حادثة أخرى كأن نقول بأن (أ ) تسبب في وقوع (ب) كنتيجة حتمية لها ، بل كان يعني بالسببية في أطار المفهوم الذي أتى على ذكره سابقا ،حصيلة ما نستخلصه من المواقف الكلية الشاملة في معياشنا للحياة وخبرتنا المباشرة بمجريات الامور في الطبيعة أما السببية كما يقول بها أرباب العلم ويفسرها فلاسفته فأن مفهومها أعم من مفهومها السالف الذكر وأكثر تجريدا(3) .
(3) الادراك الحسي عند وايتهيد وطبيعته :
أن الحقيقة المطلقة من وجهة نظر وايتهيد لاتعدو أن تكون أحداثا أو كائنات فعلية كما يتصورها وايتهيد فأن المرء لامحالة واقع في حيرة من أمره ، أذ كيف يمكن التوفيق بين هذا التصور حول الكون وبين ماتشهد به الحواس حول الاجسام في الطبيعة كما تبدو لنا، أني أمسك بالقلم في هذه اللحظة أسطر به بعض خواطري وجملة تصوراتي وأشعر بصلابة القلم في يدي وبين أصابعي وأدرك أن له لونا يميزه عن ذلك الكتاب فوق المنضدة التي على يميني وكل ذلك يشهد بأنني أبدا أكون في خبرتي الاعتيادية وممارسة الحياة اليومية أزاء أجسام في الطبيعة مع ماينطوي عليه كل ذلك من أقرار للخصائص المتصلة بتلك الاجسام من صلابة ولون وغيرها ولا أثر في خبرتي لما أسميه حدثا أو كائنا فعليا أذن كيف يمكن تلافي التناقض القائم بين تصورنا للكون كما يقول به وايتهيد وبين ما نخبره في حياتنا اليومية هنا يحذرنا وايتهيد من الخلط بين ناحيتين هامتين تظهران في الموجودات الطبيعية فتلك الصخرة على جانب الطريق لها في عين الرأي صفات محددة ، وهي أمام وسائل الاحساس تتكشف في مظاهر عديدة أما أذا طرحنا جانبا مظاهرها الحسية تلك ، ورحنا في محاولة للبحث عن حقيقتها كما كما تقول بها الفيزياء الحديثة ، ألفينافي تلك الصخرة حقيقة جديدة تتمثل في كونها مجموعة هائلة من الذرات وعلاقات مختلفة بين المكونات الذرية ذات الانشطة المتعددة ،وواضح أزاء هذه الحقيقة أن المعرفة الحسية غالبا ما تقضي على الفروقات الكبيرة التي تميز الاشياء في الطبيعة ، وذلك ظاهر في أن الادراك الحسي يطيح بالكثير من الحقائق الخاصة بمكونات الاشياء ووظائفها عن طريق عملية تحويلية يتم بموجبها صهر الصفات التي تميز الاحداث المختلفة في خاصية حسية واحدة، فما أن تستقبل أجهزة الاحساس المختلفة المعطيات الحسية الخارجية حتى تراها قد أنتقلت (أي المعطيات الحسية ) عبر قنوات خاصة في الجهاز العصبي وطرأ عليها الكثير من التعديل والتبسيط لكي تبدو لنا في أخر الامر على شكل محسوسات مجردة تشغل حيزا مكانيا محددا ، ويرى وايتهيد أن الذهن يلعب دورا بارزا في تسطيح الامور وقيام عملية ا لتحويل ( أنه لمن الخطأأن نفترض أن مهمة الوظائف الذهنية على مستوى الذهن البشري هي أضافة الدقة الى مضمون الخبرة ، العكس تماما هو الصحيح . فالذهن هو عامل تبسيط ولهذا السبب فأن المظهر الخارجي هو أضافة مبسطة للحقيقة) (1).

(1) جلال كامل واخرون (الموسوعة الفلسفية المختصره ) ،دار العلم ، بيروت ، لبنان ، بدون تأريخ ،ص 494

(2) جلال كامل واخرون ( الموسوعه الفلسفية المختصرة) ص497 .

(3) زكريا أبراهيم ( دراسات في الفلسفة المعاصرة) ص172

(1) بوخنسكي (تأريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا ) ص347

(2) د. زكريا ابراهيم ( دراسات في الفلسفة المعاصرة)ص175.

(3) أوولف (فلسفة المحدثين والمعاصرين ) بدون تاشر ،بدون تأريخ ،ص125 .


(1) د زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد) المكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ،1969 ،ص 169

(2) أوولف (فلسفة المحدثين والمعاصرين )ص126

(3) د محمود ،زكي نجيب ( حياة الفكر في العالم الجديد )ص 190

(1)مورتون وايت ( عصر التحليل ) فلاسفة القرن العشرين ،ترجمة ،أديب يوسف شيش ، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي،دمشق ،1975 ،ص93.

(2) محمد شفيق غربال ( الموسوعة العربية الميسرة ) ،مؤسسة فرانكلين للطباعة ،القاهرة ،1965 ،ص1913.

(3) الحوار المتمدن : العدد 891 في 11- 7 – 2004.

(1) زكي نجيب محمود ( حياة الفكر في العالم الجديد ) ص203



(2) المصدر السابق ص190

(3) د زكريا أبراهيم (دراسات في الفلسفة المعاصرة )ص 184

(1) زكي نجيب محمود ( حياة الفكر في العالم الجديد )ص191

(2) أ ، وولف ( فلسفة المحدثين والمعاصرين )ص 127

(3) عبد الرحمن بدوي ( موسوعة الفلسفة ) ج 2 ،الموسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ،لبنان ، 1984 ، الطبعة الاولى،ص551

(1) د زكريا أبراهيم ( دراست في الفلسفة المعاصرة ) ص182

(2) د. عبد الرحمن بدوي ( موسوعة الفلسفة ) ج 2 ص551 .

(3) زكي نجيب محمود ( حياة الفكر في العالم الجديد ) ص 204

(1) المصدر السابق ص 205 .

(2) أ ، وولف (فلسفة المحدثين والمعاصرين ) ص 127

(3) زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد ) ص 206

(1) المصدر السابق ص 207
المصدر: ملتقى شذرات


tgstm hgtv] k,ve ,hdjid] ]vhsm jpgdgdm

__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-11-2012, 02:55 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,456
افتراضي

حياتنا اليومية هنا يحذرنا وايتهيد من الخلط بين ناحيتين هامتين تظهران في الموجودات الطبيعية فتلك الصخرة على جانب الطريق لها في عين الرأي صفات محددة ، وهي أمام وسائل الاحساس تتكشف في مظاهر عديدة أما أذا طرحنا جانبا مظاهرها الحسية تلك ، ورحنا في محاولة للبحث عن حقيقتها كما كما تقول بها الفيزياء الحديثة ، ألفينافي تلك الصخرة حقيقة جديدة تتمثل في كونها مجموعة هائلة من الذرات وعلاقات مختلفة بين المكونات الذرية ذات الانشطة المتعددة ،وواضح أزاء هذه الحقيقة أن المعرفة الحسية غالبا ما تقضي على الفروقات الكبيرة التي تميز الاشياء في الطبيعة ، وذلك ظاهر في أن الادراك الحسي يطيح بالكثير من الحقائق الخاصة بمكونات الاشياء ووظائفها عن طريق عملية تحويلية يتم بموجبها صهر الصفات التي تميز الاحداث المختلفة في خاصية حسية واحدة، فما أن تستقبل أجهزة الاحساس المختلفة المعطيات الحسية الخارجية حتى تراها قد أنتقلت (أي المعطيات الحسية ) عبر قنوات خاصة في الجهاز العصبي وطرأ عليها الكثير من التعديل والتبسيط لكي تبدو لنا في أخر الامر على شكل محسوسات مجردة تشغل حيزا مكانيا محددا ، ويرى وايتهيد أن الذهن يلعب دورا بارزا في تسطيح الامور وقيام عملية ا لتحويل ( أنه لمن الخطأأن نفترض أن مهمة الوظائف الذهنية على مستوى الذهن البشري هي أضافة الدقة الى مضمون الخبرة ، العكس تماما هو الصحيح . فالذهن هو عامل تبسيط ولهذا السبب فأن المظهر الخارجي هو أضافة مبسطة للحقيقة) (1).
(4) أصطلاح الزمرة عند وايتهيد ومعناه :
يورد وايتهيد في حديثه عن جوانب الفلسفة العضوية كلمة المجتمعات societies أو مايصطلح عليه أيضا بكلمة (nexus ) وهي ما يمكن ترجمته الى كلمة (زمرة ) وأصطلاح الزمرة عنده يسري على أي مجموعة من الحوادث تدخل في علاقات فيما بينها ولو شئنا مزيدا من الوضوح لقلنا بأن الزمرة هي سلسلة من الوقائع أو تأريخ مجموعة من الحوادث ترتبط فيما بينها بعلاقات مختلفة تظهرنا في أخر الامر على خاصية محددة . والمجتمع بهذا المعنى الذي نستعمل به هذا المصطلح هنا ، هو زمرة ذات نظام أجتماعي والكائن ذو الوجود الثابت هو مجتمع أخذ بناؤه الاجتماعي طابعا ذاتيا خاصا به وللزمرة نظام أجتماعي حيث أن : (أ)هناك عنصر مشترك في التشكيل الذي يتحدد به كل فرد من أفراد تلك الزمرة. (ب) وهذا العنصر المشترك للشكل يظهر في كل فرد من أفراد الزمرة بفضل الشروط المفروضة عليها من خلال تشربها لبعض أفراد أخرى من الزمرة (ج) وهذه التشربات تفرض ذلك الشرط الخاص بالتوالد بفضل تضمنها للمشاعر الايجابية نحو ذلك الشكل العام مثل هذه الزمرة تسمى مجتمعا والشكل العام هو الخاصة المحددة للمجتمع فلو أخذنا موجودات العالم الطبيعي جميعا كما تتبدى لنا من مظاهرها المختلفة لقلنا بأن أيا منها عبارة عن مجموعة من الاحداث تتصل أطرافها بعلاقات كثيرة بمعنى أن أيا منها يكون بمثابة زمرة من الاحداث المختلفة ذات الصلات المحددة فوجود الاشياء في الطبيعة وأستمراريتها يرجع الى كونها زمرة من الاحداث ، بمعنى أن الاشياء في الطبيعة غالبا ما تحتفظ بخصائصها ومظاهرها التي تألفها فيها بفضل التراكيب التي جاءت عليها(2).
أو قل أنها تتبدى في هوية محددة على مدى فترة زمنية طلت أو قصرت لكونها مركبة أساسا من زمرة أومجتمعات من الاحداث المتشابكة وليس الاشياء في وجودها وأستمراريتها رهنا بكونها مجتمعات خاصة أو مجموعة من الاحداث تترابط علاقاتها فحسب ، بل أن الامر يتعدى ذلك الى المحيط الذي توجد فيه تلك الاشياء والظروف أو المتغيرات التي تكتنف الاحداث وعلاقاتها بمعنى أنها قد تكون أزاء موجود معين في ظروف محددة ،وتألف فيه أنذاك خصائص واضحة فأذا بك بعد فترة أخرى أزاء الموجود نفسه وقد تبدلت خصائصه أو طرأ التعديل عليها لمجرد أن الظروف التي تحيط به الان تختلف عن الظروف التي كانت تحيط به في السابق وهكذا ، فالشجرة التي هي أمامي الان تبدو لي في هوية معينة ومظاهر مختلفة ولكنها أبدا تتغير مظاهرها وتتباين خصائصها بأختلاف الفصول وتعاقب الظروف المحيطة بها ، ربما بدا واضحا الان أن الزمرة كما يصطلح عليها وايتهيد على أستعمالها تختلف عن أصطلاحه الخاص بالحادثة على أعتبار أن الزمرة في حقيقتها تتكون من جملة من الاحداث تتصل جميعا بعلاقات كثيرة ، بمعنى أن الحدثة في هذا السياق لاتعدو أن تكون وحة واحدة من الوحدات الاخرى التي تكون بمجموعها وعلاقتها زمرة أو مجتمعا خاصا . كما أنه من الواضح أن الاختلاف في ذلك يرجع الى حقيقة أخرى وهي أن الحادثة تتصف باللحظية في حين أن المجتمع يتصف بالاستمرارية بمعنى أن الزمن الذي تستغرقه الحادثة يقاس في اللحظة التي تقع فيها ، أو قل أنها في اللحظة التي تليها لاتعود هي ذاتها الحادثة التي كانت في اللحظة التي سبقتها بل هي حادثة أخرى في حين أن المجتمع يتصف بالاستمرارية بمعنى أنه يحتفظ بهويةثابتة نسبيا على أمتداد مدة طويلة من الزمن بالقياس الى اللحظة التي تتصف بها الحادثة أو العابرة الفعلية ، ومن هنا كان حكمنا على الاجسام في الطبيعة أنها مجتمعات أو زمر من الاحداث بمعنى أنها موجودات ذات ثبات على مدى فترة من الزمن ، أي أن لها صفة الاستمرارية والثبات النسبي لجملة الخصائص التي تتبدى بها ( الموجود الفيزيائي العادي المتمتع بهذا الدوام هو مجتمع له نظام ذاتي وهو موجود ثابت )(1) .
ويرى وايتهيد أن المجتمع أو الزمرة تتسم بالنظام أذا ما توافرت فيها عناصر منها ، وجود خاصية محددة تطبع كل حادثة من جملة الاحداث الداخلة في تكوين المجتمع ، وأن هذه الخاصية تظهر في كل حادثة على حدة بفضل أضطلاعها بعملية التشرب التي تمارسها أزاء بعض الاحداث الاخرى في المجتمع أو الزمرة ذاتها ، مما تتيح المجال أمام توالد بعض الصفات المعينة والخصائص المحددة التي تسم تلك الاحداث بماهية خاصة أو هوية ثابتة على أمتداد فترة زمنية معلومة ، بمعنى أخر نقول بأن النظام الاجتماعي الخاص بالاحداث يكون باديا في المسار التأريخي للاحداث نفسها ، أي في الطريق التي ترسمها عندما يتوفر هناك نسق فيزيائي ثابت يطبع كل حادثة من الاحداث الداخلة في تكوين المجتمع أو الزمرة والتي تجسد بذلك تاريخا لموجود يتسم بخصائص ثابتة نسبيا ، ويتم توارث هذا النسق بين الاحداث على نحو تسلم فيه الحادثة السالفة خصائصها التي كانت تميزها الى الحادثة التي تليها على أعتبار أن الحادثة الاحقة تظهر من الخصائص والصفات مايجعلها تتلائم مع الحادثة التي سبقتها وتنطبق عليها . ويستخدم وايتهيد كلمة أصطلاحية أخرى وهي كلمة( المجتمع ) ومعناهاالخاص عند وايتهيد هي أن الحادثات رتظل مفككة فرادى ، بل تتجمع معا في كائنات، كالشجرة أو النهر أو الجبل أو الفرد من أفراد الانسان والحيوان تتجمع مجموعة الحوادث في تأريخ واحد وفي خط سببي واحد فيتكون منها كائن واحد ، فكل شىءفي الطبيعة يحتفظ بذاتيته على أمتداد فتلاة من الزمن قصيرة أو طويلة هو مجتمع ( بأصطلاح وايتهيد فهذه المنضدة مجتمع ) أحداث كذلك هذا المقعد ، وهذا القلم وذلك الطائر كل من هذه الاشياء (مجتمع ) لانه خط تأريخي واحد من أحداث تتوارث الخصائص المعينة حاظرا عن ماضي ومستقبلا عن حاضر ، أو قل أن كل شىءمنها خيط يحدث بين أجزائه المتتابعة أنتقال يسوده ، أحتفاظ النمط كله بذاتية واحدة تميزه وهذا (النظام الاجتماعي ) بين حوادث الشىءالواحد أي هذا النظام الذي يجعل صلة من نوع معين بين هذه الحادثة وتلك الحادثة من مجموعة الحوادث في الشىءالواحدهو الذي يخلع على الشىء واحديته ودوام ذاتيته مما يجيز لنا أن ننظر الى هذه المنضدة مثلا فنقول أنها هي المنضدة نفسها التي رأيناها هنا بالامس . كل ذلك يتيح لنا الحكم بوجود التحول والاستمرارية والثبات لخاصية واحدة تظل سائدة على مر الزمن وتوالي الاحداث ، بمعنى أنه على الرغم من أن هناك كثرة كثيرة من الاحداث يتلو بعضها بعضا ، الا أن هناك خاصية معينة تظل تتوارث هي بذاتها بين مجموعة من الاحداث على أمتداد فترة زمنية محددة تظهرنا على هذا الموجود أو ذاك ، أو مايسميه وايتهيد عادة بالمجتمع أو الموجود المتسم بالدوام (2).
ويقرروايتهيد ان المجتمعات أو الزمر ليست جميعا من طبيعة واحدة فهو يعمد الى التفريق بين نوعين من الاحداث تبعا للنظام الذاتي الذي يبديانه وهو مايعرف بأنه خيط من الانتقال الزماني فأذا ما كان سير الاحداث يتسم بصفة محددة . فأن المجتمع أو الزمرة التي ينتظمها سير الاحداث ذاك تصبح زمرة ذات هوية بسيطة ، أما أذا كان سير الاحداث يتم بأنساق كثيرة مختلفة وشبكة مترابطة من التحول في سير الاحاث نفسها بحيث تظرنا على صفات كثيرة محددة ومتشعبة فأن المجتمع في هذه الحالة يصبح مجتمعا مركبا كما يبدو ذلك واضحا في الاجسام العضوية للحيوان حيث تتعددالخلايا في الجسم وتتباين وظائفها فالجسم العضوي بجملته يشتمل على مجموعة هائلة من الاحداث ذات الخصائص المختلفة ضمن الاحداث ماله طبيعة الالكترونات ويضطلع بوظيفة خاصة وصفات محددة، ومن الاحداث الاخرى ماله طبيعة الجزيىء، والخلايا كل تلك لها وظائفها وخصائصها المميزة في داخل الجسم ، وأن تكن قد أتسقت جميعا وتعاونت في أطار هوية الكائن العضوي ككل متكامل أن الموجودات التي نعايشهافي حياتنا اليومية أنما هي في الحقيقة مجتمعات أو زمر جسيمية وهنا يكون وايتهيد قد أتى بأصطلاح أخر اما سبق أن أتى به حول الموجودات بأعتبارها مسيرة للوقائع أو تأريخا للاحداث غير أن مايجب التأكيد عليه هو أن الموجودات في الطبيعة كما نألفها في حياتنا هي مايمكن أن نسميهابالموجودات العيانية الكبرى قوامهاموجودات أخرى أبسط منها بمعنى أنه يمكن النظر أليها بأعتبارها مكونة من موجودات فرعية متعددة أتسعت في داخلها . كما في نظرتنا الى الجزئيات التي تشكل هذه الطاولة التي أمامي مثلا أو قولنا بأن الطاولة ذاتها قوامهافي الاصل ذرات كثيرة وكل من هذه جميعا عبارة عن مجتمع أو زمرة بحد ذاتها . فالجزيىء مجتمع ، والذرة زمرة من الاحداث وتأريخ لها ، والخلية ذاتعا لاتختلف عن ذلك في شىءفليس غريبا بعد هذا أن يأتينا وايتهيد بفكرة جديدة حول المجتمع النسبوي بأعتباره مجتمعا يطوي في داخله عدة مجتمعات تسانده وتدعم بناؤه ،فهي تعمل جميعا بأتسق وتكامل ضمن نسق مركب واحد ، أو قل أن المجتمعات المجهرية الصغيرة تعمل متضافرة وترتبط فيما بينها بعلاقات كثيرة تكون أزاءها في أخر الامر أمام مجتمع أو نسق كبير يتصف بخاصية محددة (3) .


(5) حقيقة الموجودات عند وايتهيد :
أن حقيقة الموجودات عند وايتهيدليست مجرد أستمرارية ودوام نسبي بل هي حركة وتغير وتبدل وتجددوأبداع وتطور على أعتبار أن الموجودات أبدا تضيف الى نفسها على أمتداد الزمن ما تيسر لها أن تضيف وتتراكم الخصائص وتزداد كل لحظة بعد أخرى (فتضيف الرجل الى حياته يوما أخر ، وتضيف الارض الى زمن وجودها ألف عام أخرى ) فأساس الحقيقة هو أن الموجودات سلسلة أحداث تتحد على الدوام مادام الموجود قائما وأن الكون تأريخ للوقائع التي لاتنقطع على مر الزمان طالما بقي الوجود ، فتأريخ الوجود هو سلسلة الاحداث التي تبدأ بوجوده وتنتهي بنهايته ، وعمر الشىءهو تأريخ الوقائع التي تشكله منذ لحظة قيامه الى حيث أنعدامه ، ولا علم لنا بتأريخ الشىء الا ما وقع منه في الماضي من أحداث أو يقع منه في الحاضر من وقائع تشكل جزءا من تأريخه العام أو هويته الكاملة أما ما ستكون عليه هويته بكاملها فأنه أمر يتعذر التنبؤ به أو أستباق معرفة وقائعه ، على أعتبار أن الاحداث في المستقبل والتي تشكل بدورها جزءا أخر من هوية الشىءنفسه ،تظل بعيدة عن معرفتبا الاكيدة بها وعلمنا اليقيني تطبيقها ، فالموجود لايعرف على حقيقته الكاملة ألابحصر تأريخ الاحداث التي تشكله ولايمكن أدراك هوية الشىء الا بعرفة الوقائع التي تناوبت الزمن الذي أستغرقته منذ بدايته الى نهايته (1).
(6) نقد المذهب المادي :
يقوم المذهب المادي أساسا على التسليم بوجود المادة ، بل أنه في عمومه لايسلم بوجود أي شىءعداها ،فهو ينظر الى المادة على أعتبار أنها شىء يتميز أول ما يتميز بالتحديد المكاني البسيط بحيث تصبح مجرد حصر للجهة في الزمان والمكان ، والوصف زعم المادية هذه فأن الزمان لن يتعدى كونه عارضا من عوارض المادة الساكنة بطبيعتها وزعم من هذا القبيل من شأنه أن يفرغ اللحظة الزمانية من كل محتوى دهري بيد أن الذي لايقبل جدلا هو أن المادة تشكل تجريدا مزدوجا ، فالوجود الكائن لايمكن تصوره خارج أطار العلاقات الذي تربطه بموجودات أخرى بل لايمكن تصوره الا في أطار العلاقات الزمانية المكانية ونظرا لعوامل تأريخية ونسقية متعددة أصبح العنصر المادي منذ أيام جاليلي العنصر السائد أذ أن التطور الذي لحق العلم قد هيأللعنصر المادي كل المقومات التي أستكمل بها نحوه ، غير أن جميع أدعاءات المادية هذه تعتبر باطلة من أساسها الان المذهب المادي يقودنا حتما الى أنكار الوجود الموضوعي للكيفيات الثانوية ، وهذه أستحالة تخالف جميع بديهيات التجربة بل أن المادية تقود ضرورة الى أنكار مسوؤلية الانسان وهذا أمر بالغ الاستحالة أيضا والخلاصة أن المادية تقود الى هدم أهم أسسها وهو الاستقراء ذلك أن جزئيات المادة معزول كل منها عن الاخرى أنعزالا كاملا ، ولاتترابط فيما بينها سوى عنطريق علاقات مكانية – زمانية صرفة ، ولهذا فأنه يستحيل علينا أن نجعل معرفتنا بالتغير الذي ينال موجودا ما أساسيا للتكهن بالتغير الذي سينال موجودا أخر ، ولقد أصبح من المستحيل اليوم على المادية أن تدعم أدعاءتها بالنتائج التي توصلت أليها علوم الطبيعة فأن النظرية التموجية للضوء ونظرية الذرة منذ أن دخلت ميدان البيولوجيا ونظرية أختزان الطاقة والنظرية التطورية . وقد كشفت جميعها عن وقائع وتوصلت الى نتائج خرجت بها عن دائرة المذهب المادي الضيق وأخر طعنة وجهت الى هذه الفلسفة المتهافتة بحيث جعلتها فلسفة مستحياة جاءت من نظرية (الكوانتا )التي تفترض تصورا عضويا للمادة في حد ذاتها ، غير أن أكبر الحجج التي طرحت ضد المذهب المادي ماتزال حججا فلسفية خالصة : أذ أنه من السهل جدا البرهنة عاى أن هذا الذهب يقوم أساسا على خلط الحقيقة الواقعة بنوع من التجريد المالغ فيه . فالمادة على النحو الذي تصولره جاليلي وديكارت لاتغدو أن تكون تجريدا صرفا ولاتتميز بأي وجود فعلي ذلك أن تصورهما للمدة يعتبر نموذجا للسفسطة التي تتجاهل كل واقع عيني (2).
(7) النظرية التطورية عند وايتهيد :
أن الكائنات الفعلية عند وايتهيد لاتسير على نمط ثابت واحد أو تستقر على طبيعة واحدة . فتأريخها ليست أحداثا متماثلة . بل أنهافي تحول دائم وصيرورة أزلية ،وكل كائن فعلى يعيش تأريخ أحداثه بين جملة الكائنات الفعلية في الكون يكون على صلة بكل مافي الطبيعة من كائنات ويتحمس أثرها نحوه ويستشعر أشكال ارثر الذي تمارسه أزاءه فيتشرب بعضها ، بمعنى أن تصبح بعض الكائنات الفعلية الاخرى داخلة في كيانه المتجدد دائما ، كما أنه هو ذاته يصبح في لحظة ما داخلا في كيان كائن فعلي أخر غيره، بمعنى أن يكون هو بدوره قد وقع عليه فعل التشرب بواسطة غيره وهكذا . فصيرورة التطور تبرز أشكال الكائنات الفعلية الى الوجود ،وتجعلها تتخذ لهافي كل لحظة أوضاعا وماهيات جديدة خاصة بها .ثم تسارع العملية التطوريةالى أعمال مسيرتها بالقضاء على الكائنات التي خلقتها أبتداءا ، وتعمل على تفتيتها وغسادها ، وذلك بممارسة أفعال خاصة نحوها ، فمن فعل يجعل بعضها يتشرب بعضا ، الى فعل أخر يبدع الجديد الذي لم يكن فالعدم بداية الخلق ، ومالخلق الا تحول وصيرورة ومجموعة أحداث متباينة ، فأن تكن الكائنات الفعلية تصل في لحظة ما الى نهاية تختتم بها تأريخها الا أن صفاتها وخصائصها تظل قائمة ومحتفظة بها ضمن صيرورة شاملة وتأريخ طويل لعملية تطورية تطوي الكون كله فالماضي لايكون ماضيا وكفى . وأحداث الزمن الذي سلف لايمكن النظر أليها على أنها أحداث وقعت في زمن سالف ثم سقطت من حسابنا بل أن من خصائص العملية التطورية الشاملة أن الماضي يظل كامنا في الحاضر بمعنى أن الحاضر يطوي الماضي بين جنباته ويبقي عليه فالماضي في حقيقته جزء من التطور ككل ، وجانب من جوانب الحاضر تماما كما الحضر يكون جانبا من المستقبل وبعضا من مقوماته ، فلا حاضر بدون ماضي ولامستقبل بدون ماضي وحاضر (1).
أما فيما يتعلق بسير التطور في الكون وأساس الابداع كما تصوره وايتهيد أي كيف كان للكائنات الفعلية أن تكتسب خصائص جديدة في كل لحظة ، وكيف تسنى لها أن تنتظم في مجتمعات تظهرنا على هويات كثيرة وموجودات مختلفة ،هنا لابد من الاشارة الى أن هناك صلة وثيقة تجمع بين وايتهيد وأفلاطون ، وهذا التقارب بين الفيلسوفين ظاهرفي قول وايتهيد بأن الكائنات الفعلية تكتسب خصائصها وتظهر لنا على نحو معين ، بفضل دخولها وأنطوائها تحت موجودات أزلية أو سمات كونية عامة تماثل الاشكال الابدية أوالمثل عند أفلاطون وهذه الموجودات الازلية هي التي تسم الكائنات الفعلية بخصائصها . بمعنى أن الكائنات الفعلية تظهر لنا بالشكل الذي تظهر عليه بفضل هذه الموجودات الازلية وتقبل على الانضواء تحتها وترفض مجموعة معينة أخرى وتأبى الدخول تحت لوائها، وأكتساب أي من خصائصها وعلى هذا فأن الكائنات الفعلية تكون أبدا في معية مع موجوداتها الازلية ، كما يفهمها وايتهيد ليست سوى أمكانات أما العلاقة التي تربط بين الموجودات الازلية بين الكائنات الفعلية فقد أصطلح عليها وايتهيد على تسميتها بأسم (الدخول أو الانظواء ) وعني بها أن الموجودات الازلية تسم الكائن الفعلي بطابعها وتضفي عليه من خصائصها في اللحظة التي يدخل فيها تحت لوائهافالموجودات الازلية البسيطة مثلا ، تضفي على الكائنات الفعلية صفاتها وخصائصها ، في حين أن الموجودات الازلية المركبة تضفي تحديدات على مجتمعات من الكائنات الفعلية وتكسبها واقعية خاصة (2).
(8) ماهية العالم عند وايتهيد:
العلم تطور وصيرورة والفكر والمادة كلاهما أحداث في تغير أزلي وتحول دائم ، وما له بداية لابد أن تكون له نهايه ، أذ من الصعب أن نتصور الامور تجري على وتيرة واحدة ، أو أن تخلد المبادىء أو الافكار مدى الزمان ، فلم يعد هناك مجال مثلا الى الابقاء على مبدأ (حفظ المادة )وهو المبدأ الذي ساد العلم حينا من الدهر أو الاحتفاظ بمبدأ التفرقة بين ماهية الاشباء من ناحيةوبين العمليات أو الافعال التي يقوم بها من تاحية أخرى بمعنى أن حقيقة الاشياء وطبائعها شىءووظائفها التي تقوم بها ، وماينتابها أو يحدث لها في مجرىتأريخها الخاص بها شىء أخر ،ذلك أنه أذا ما أتينا الى الفيزياء الحديثة ، رأينا أن هذه التفرقة بعيدة كل البعد عما يشهد به العلم وتظهره نتائجه ، أذ أن من شأن تلك التفرقة أن تجعلنا نقول بأحتفاظ الاجسام بكامل هويتها على الرغم مما يطرأمن عالم الطبيعة أو يجري في مجالها من أحداث وأمور ، فالاجسام التي كانت بالامس تظل هي هي التي نشهدهااليوم والموجودات التي كانت على هيئة معينة في لحظة مضت تبقى هي الموجودات نفسها في هذه اللحظة ، ربما تظل هي ذاتها في لحظة قادمة على أن أرجح أحتمال فمن المعلوم أن كل حدث في الطبيعة يقع في لحظة زمنية معينة ولكننا لو مزجنا أننا بصدد لحظة رياضية حيث لازمن ، فأننا لاشك سنكون أمام ثبات وأستقرار وهذا هو عين ما تأخذبه الفيزياء القديمة حين ذهب الفلاسفة أنذاك الى أن لاوجود ، للاحداث أو التغير في لحظة رياضية خلت من الزمن ورغم ذلك فأنهم يذهبون الى القول بوجود الاجسام أو الطبيعة كلها بأعتبارها جملة الاشياء ومجال الموجودات جميعا ، اما وايتهيد فأنه لايرى هناك فرقا بين الاحداث التي تحدث وبين الاجسام التي تنطوي على تلك الاحداث أو الظواهر التي تعتورها فالاحداث التي تدور في باطن الاجسام على أختلافهاهي الاجسام ذاتها في حقيقة الامر ، وأن هذه الاحداث التي تعتمل في الداخل وما بينها من علاقات الى جانب الاحداث التي تقع في الخارج . والعلاقات التي تشد الجسم الواحد الى غيره من الاجسام هي التي تظهر لنا هذا الجسم على نحو معين في هذه اللحظة وعلى نحو أخر في لحظة أخرى وهكذا وحيث أن الاحداث تستلزم جريان الزمن الذي تقع فيه فأن الطبيعة في أخر الامر تستلزم سير الزمن ، من حيث أن الطبيعة هي جملة الاجسام التي توجد فيها وأن الاجسام في حقيقتها هي أحداثها التي تقع في الزمان ، فوجود الاجسام هو ذاته فعلها وسلوكها ، وماهيتها هي عين وظائفها ، فالفيزياء الحيثة لاتقول بثبات الجسم على ماهو عليه أو أستقراره على وضع لايحيد عنه ، بل أنها تنفي وجود الاجسام حين تنقطع سلسلة الاحداث ، فلا أجسام حيث لا أحداث ، ولا طبيعة أو وجود حيث لاصيرورة أو تطور .
(الطبيعة ليست مقامة فقط على أساس عضوي ،بل هي كذلك في تغير دائم وتطور دائب وسير لايقف ، فالكائن العضوي أذ ينشط بحركات متتاليات وفعالية مستمرة ، لايكون مصدر ذلك النشاط وهذه الفعالية فحسب ، أي أنه لايكون هو في جانب ونشاطه في جانب أخر بل أن مناشطه كلها وفاعلياته كلها هي هي نفسها الكائن العضوي أذ سيكون بينها من العلاقات ما يجعلها كذلك (3).

(9) الصيرورة والثبات في الفلسفة العضوية :
أن نظرية الكيانات الفعلية من منظور صيرورة حقيقية قد مكنت وايتهيد من أن يحل بطريقة متناسقة ومترابطة مشكلة الثبات والتغير أو مشكلة الوجود والصيرورة لقد كان الاتجاه الكلاسيكي القديم يميل الى أنكار التغير بالنسبة الى الجوهر أو الكيان الفعلي وذلك بسبب صعوبة التوفيق بين هذا التغير وبين أنكار الفردية والوحدة الذاتية والاكتفاء الذاتي ولقد أدى هذا الى تمسك هذا الاتجاه بالثبات أو االلاتغير وأعتباره خاصية أساسية للجوهر أو الكيان الفعلي . وساد بين الفلاسفة فكرة أن الجوهر لكي يكون أو يوجد فيجب أن يكون على ماهو عليه أي يكون ثابتا ولكي يتغير فأن هذا يعني توقفه عن أن يوجد أو أن يكون على ماهو عليه أذ تغيره أشارة واضحة لصيرورته الى شىءأخر ومن هنا قررأن ذاتية الكيان الفعلي تتطلب ثباته ومن ثم فيجب أبعادالتغير عنه وأعتبار أن هذا التغير لايمثل خاصية أساسية للكيان الفعلي أو الجوهر ، ويرى وايتهيد خلافا لهذا الرأي الكلاسيكي أننا يمكنناأن نعتبر التغير خاصية أساسية للكيان الفعلي بشرط أن نحددما نقصده بالضبط بكلمة تغير والاننزلق في غموض ومتاهات تلك الكلمة فأذا ماتم لنا ذلك فيجب أن نضع أعتبارنا أن صورة التغير التي يمكن أن نقبلها كخاصية ميتافيزيقية للكيان الفعلي يجب أن تتوافق وأن تستمد ضروريتها من أفكار الفردية والوحدة والذاتية والاكتفاء الذاتي والثبات أو اللاتغير (1).
أن كلمة تغير في معناها العام تعني : التبدل والتحول والابتقال أو المرور من حالة أو ظرف الى حالة أو ظرف أخر يختلف عن الاول، وهناك أنواع مختلفة من التغير يعتمد على ما يشير أليه الوجود فنوع الذي يتكون عن الانتقال من كيان فعلي الى كيان فعلي أخر ،أن نوع التغير الذي يمكن أن نقبله كخاصية ميتافيزيقية قصوى للجوهر أو الكيان الفعلي هو ذلك النوع المتمثل في (العملية)و(المكون )بالصيرورة أي بأن يصير أو يأتي الى الوجود شىءأو كيان فعلي ومن الواضح أن فكرة العملية وفكرة الوجود يتضمنان بعضهما البعض ، كما أنه لايمكن أن توجد عملية مجردة عن أو خالية من الفرديات أو الذاتيات وهذا هو ما لخصه وايتهيد بقوله :( أن العملية والفردية يتطلبان بعضهما البعض ويجب أن نتصور الوحدة الفردية للعملية والتي تمثل ضرورة الكيان الفعلي ككل حقبي فما هو فعلي يصير أو يأتي ككل ويكون أو يوجد ككل ضروري وماهو (كل غير منقسم )هو الفردية وماهو (كل)هو مايكون على مايكون عليه وهو الذاتية والحدة والموجود الى أجل على أكتفاء ذاتي وما يتصور ككل وكوحدة حقبية هو الثبات أو اللاتغير وهذا يعني أن ماهو فعلي يصير أو يأتي الى الوجود ككل حقبي ويتغير بمعنى العملية المتضمنة في صيرورته وعند نهاية أو اكتمال عمليته الضرورية يتوقف عن أن يوجد بالضرورة أي يفسر ومن ثم فأن مذهب وايتهيد يرى أن (الكيانات الفعلية تفسر ولكنها لاتتغير ، أنها تكون ما تكون عليه ).
أن التغير ينكره وايتهيد هنا كخاصية ميتافيزيقية لما هو فعلي هو التغير بالمعنى الثاني المذكور أنفا ، أي ذلك الذي يشير الى الانتقال من كيان فعلي الى كيان فعلي أخر أنه التغير الذي يؤلف الحركة أو الدوام أنه التغير الذي لايتوافق مع كيان فعلي ثابت أو لامتغير ، هكذا يمكن أشباع مطلب الثبات أو اللاتغير كخاصية ميتافيزيقية بواسطة نظرية الصيرورة الحقبية وفساد ماهو فعلي .
ومن خلال أنكار وايتهد للتغير بالمعنى الثاني يقول وايتهيد ( أن الكيان الفعلي لا يتحرك أبدا أنه يكون حيث يكون وما يكون لقد تمكن وايتهيدحينما أقام التميزات الدقيقة بين المعاني المختلفة للتغيروالثبات من أن يقبل في نظريته ،وبتوافق تام ،كلا من التغير واللاتغير كخاصيتين ميتافيزيقيتين نهائيتان للكيانات الفعلية فالكيان الفعلي عنده ثابت ولكنه غير دائم وهو متغير بمعنى الصيرورة لكنه غير متحرك(2) .
الفصل الثالث
نظرية المعرفة
أن تتابع نبضات الخبرة أو (قطراتها )يشعر الكائن صاحب تلك الخبرة بشعورين في وقت واحد ، يشعر بفرديته التي يتعذر بها في تلك الخبرة الخاصة ثم يشعر ببببأن رغم فرديته أن هو الا جزء تجاوره أجزاء أخرى بحيث يدخل معها في نسيج واحد هو الوجود وهنا يستعمل وايتهيد اصطلاحا أخر من أصطلاحته الكثيرة هو (نقطة التشرب ) أو (الهضم ) أو (الامتصاص ) أو ما يكون له معنى شبيه بهذا ، ليعبر به عن أحتواء الفرد للكل الذي حوله وأدخاله معه في عملية تطورية واحدة . في هذه الوحدة ، التي تدمج الفرد بغيره من الكائنات ، يكون الفرد ذاتا شاعرة بما حولها وتكون الكائنات تلك بمثابة الموضوعات التي تتناولها تلك الذات بخبرتها أن الموقف الذي نسميه (خبره ) يتألف من مركز ذاتي فردي خاص من جهة . وأشياء خارجية موضوعية عينية علنية من جهة أخرى ، الاول يكون هو الذات (الخابرة ) والثاني هو الجانب (المخبور ) والجانبان معا يكونان وحدة لاتقبل الانقسام هي التي تمثل قطعةمن الحياة وهي في حالة التجاوب مع سواها من حقائق الوجود ، وفي هذا التجاوب بين الذات ومحيطها تكون العلاقة أشبه شىء بأنسياب تيار من الخارج الى الداخل من الموضوع الى الذات كذلك من الماضي الى الحاضر لان كل ماهو (هناك )مما ينساب تياره الى (هنا) أنما هو سابق في الزمن مهما كانت فترة الاسبقية بالغة القصد ( أي أنه ماض بالنسبة الى حالة الخبرة به . وبهذه النقلة من المضي الى الحضر من حيث الزمن ومن الخارج الى الداخل من حيث المكان تتم عملية الخبرة التي تدمج الفرد بمحيطه أن الذات في حالة خبرتها بمحيطها الخرجي لتخلق نفسها بنفسها أثناء عملية الخبرة نفسها فلا هي كانت قائمة قبل ممارستها لخبرتها ولاهي من خلق عامل خارجي عنها وما يحدث هو هذا : هنالك كثرة من أشيء تحيط بحيث سيتناولها بخبرته فأذا ما تناولها خابر بخبرته جعل من كثرتها تلك وحدة لانه سينظر أليها من وجهة نظرة واحدة . ويلاحظ أن توحيدها على هذا النحو من خبرته هو تكوين جديد لاتكرار له أبدا في أية خبرة أخرى ويلاحظ كذلك أن صاحب هذه الخبرة هو الذي يقررمالاجزاء التي سيضم بعضها الى بعض في خبرة واحدة متماسكة بحيث تصبح وأياه جزءا من كل عضوي وبحيث تحققله غاية منشودة ).
أن وايتهيد يرى بأن الذات التي تعرف وتعاني فعل الخبرة تتغير في كل لحظة من لحظات الموقف الذي تعانيه تماما كتغير الموضوع الذي تدركه أو تعاني خبرتها فيه ، الذات والموضوع كلاهما في تغير وتحول دائمين ولايمكن تصور أي منهما يثبت على حال واحدة أو يجمد على صورة بعينها أو أن يسير أي منهما في فعله أو عملياته على نحو ثابت لاحيد عنه ، فأن يكن هرقليطس قد قال في حديثه عن التغير بأنك لاتعبر مياه النهر الواحد مرتين الا وكانت مياه جديدة تجري منحولك ، فأن المذهب الجديد الذي أخذ به وايتهيد يقول بأنك أنت والنهر في كل لحظة من لحظات الموقف لايمكن أن تكونا ذات المرء أو نفس النهر بل كلاكما في كل لحظة رجل أخر ونهر جديد . وحتى أستقام لنا مثل هذا التصور حول الكائنات الفعلية التي تعمر الكون فأن الطبيعة كلها تغدو بذلك كائنا عضويا في تغير وتحول أبديين وهي في تغيرها وتحولها صيرورة دائمة تأتي بالجديد ، وتبدع كل حيث ويضيف د. زكي نجيب محمود قائلا (أننافي العادة نتصور الثبات في أنفسنا حتى أن تصورنا التغيير الدائب في الاشياء التي ندركها لكن وايتهيد يجعل الداخل والخارج معا في تغير لاينقطع ، فلا ينفك ما حولنا يتغير وكذلك ما تنفك الذات المدركة تتغير ، فأذا كانت الاشياء الخارجية لاتظل لحظتين متتابعتين على حالة واحدة ، فكذلك الذات المدركة لاتثبت على حالة أدراكية واحدة لحظتين متتابعتين كان هرقليطس يذهب مذهب التغير في الاشياء . وقد صور ذلك في عبارته المشهرة ( أنك لاتعبر النهر الواحد مرتين ) ومعناها أنك حين تعبر النهر للمرة الثانية يكون نهرا جديدا أخر ،فليس الماء هو نفسه الماء الذي كان ،وجاء وايتهيد فوسع من المبدأ نفسه بحيث شمل الذات أيضا ، حتى ليصح أن يقال عنها شبيهة بتلك فنقول ( أنك لا تفكر الفكرة الواحدة مرتين أو أنك : لاتمارس الخبرة الواحدة مرتين ، لانك في كل لحظة تتغير ذاتا بتغير موضوع أدراكك وهكذا يكون العالم – ذاتا وموضوعا – خلاقا أبدا جديدا أبدا ، لايدوم على حال واحدة لحظتين متتابعين)(1).
أن أبستمولوجيا وايتهيد تبطوي على عناصر تجريبية وأخرى عقلية والدليل على ذلك أن فيلسوفنا يصطنع معيارا تجريبيا حين يتحدث عنالكفاية وقابلية التطبيق ، في حين نراه ينهج نهجا عقليا حين يتحدث عن الاتساق المنطقي وعدم التناقض ، ولم يكن في وسع وايتهيد وهو العالم الرياضي أن يتناسى معيار الاتساق المنطقي وتبعا لذلك فقدذهب فيلسوفنا الى أنه ليس بالامكان تصور أي موجود مجردا عن غيره من الموجودات الاخرى كما أنه لاسبيل الى فهم أي حدث طالما بقيت علاقته بغيره من الاحداث غير محددة وفقا لبعض القواعد المنطقية لكن المعرفة تستلزم أيضا يبريرا تجريبيا بدليل أن المقولات لابد أن تكون قابلة للتطبيق ومكافئة في الوقت نفسه للواقع ، وهي تكون قابلة للتطبيق حينما يجيء وصفها للخبرات المترابطة كاشفا عن ذلك النسيج الواحد الذي يجمع بينها وهي تكون مكافئة للواقع حينما تشتمل عاى الخبرات الممكنة جميعا بحيث تطويها قاطبة تحت (عيانها الصوري ) وقد كان وايتهيد حريصا كل الحرص على أقامة كل فلسفته على دعامة تجريبية ومن ثم فأننا نراه يؤكد في أحد المواضع أن عملية توضيح الخبرة المباشرة هي المبرر الاوحد لاي تفكير (صحيح أن من حق الفلسفة أن تهدف الى التعميم )ولكن ليس من واجبها أن تتجاوز حدودها وأن تسترسل في متاهات من (التجريدات )التى لاتقوم على أية دعامة من دعائم التجربة ، ربما كان العيب الرئيسي الذي طالما وسم الكثير من الفلسفات أنها قد وقعت ضحية لمغالطات( وضع الواقعية ) أو (العينية )في غير موضعها والملاحظ أن هذه الغالطة لابد أن تحدث حينما يجيء تجريد ما من التجريدات ستصبح التعبير الاوحد عن المذهب . ويحل محل الكيان العيني الذي هو محض تجريد له ونجاح الفلسفة فيما يرى وايتهيد رهن بمقدرتها على تجنب الوقوع في مثل هذا الخطأ (2)
(1) أثر القول بالعوابر الفعلية :
أن من شأن القول بالعوابر الفعلية أستظهار أشكال المشاعر التي تستشعرها الموجودات بعضها أزاء بعض ، وأبراز مبدأ الغائية في الكون عدا أنها قضت على عقبة كانت تواجه الفلسفة ، وهي مشكلة العلاقة بين العقل والبدن فلم يكن بوسع ديمفريطس عندما قال بمذهب الذرة أن يكشف غامض تلك الامور ، أو يفسر العمليات الخاصة بها . تماما كما ،أستعصى على ديكرت أن يربط العقل نالجسم ، أي بين جوهر العقل وهو الفكر وبين جوهر الجسم وهو الامتداد وكن أن ذهب ليبنتس الى أستحلة صدور الحياة عن المادة الجامدة وراح أزاء هذا الرأي الى القول بأن الطبيعة تشكل من كثرة من الكائنات أسماها (مونادا )وكل منها هوية قائمة بذاتها يكمن في داخلها روح خاصة بهاوتكون هذه الروح مركزه الحركة فيها ومبعث الطاقة والفاعلية في ناطنها ويمكن القول هنا بأنه على الرغم ممايشد ليبنتز الى وايتهيد ويقدمه أليه أكثر من ديمقريطس نفسه ،الا أن ذلك لايعني تطابق المذهبين اللذين صدرا عنهما أو تناظرهما تماما ، فقد رأى ليبنتز بأن المونادات كائنات أنطوت على نفسها ، وأغلقت على ذاتها كما الشرنقة في أولى مراحل حياتها، فلا منافذ تطل منها على الخارج مما جعل علاقتها بالعالم الخارجي ، وصلاتها بغيرها تكون خارجية محضة وأن ضروب أفعالها وأشكال سلوكها فد تحددت بفضل أنسجام وضع مسبقا لينتضم الكون جملة ،وأنهعلى الرغم من أن حالها الذي تكون عليهتفترض حدوث التغير والتحول في داخلها. الا أن ذلك لايعني أبتداعها جديدا ، وأظهار أشكالا جديدة من الفعل والسلوك فما من دليل على التطور فيها ولا من أثر على الخلق ولابداع في باطنها ، أنها في الحقيقة أسيرة نظام ثابت ،ونمط من السلوك تحدد مسبقا (1) .
(2) معنى عملية التشرب :
أن المرء لايكون أمام كائن فعلي قائم بذاته ، أو أن نخبر عابرة فعلية مستقلة عن أرتباطاتها التي تضمها الى بقية العوابر الفعلية الاخرى ، أننا أذ نخبر الوقائع الفعلية فأنما نخبرها من خلال وجودها في مجتمعات تضمها ويتشرب فيها بعضها بعضا ، والتشرب عملية تظهرنا على العلاقات التي تربط العناصر والمكونات الداخلة في قوام الكائنات الفعلية من ناحية كما تظهرنا من ناحية أخرى علىالعلاقات التي تشد الكائنات الفعلية ذاتها بعضها الى بعض وكل تشرب يكشف عن ثلاث جوانب تتصل به : فمن (ذات ) تهضم الذوات الاخرى ، بمعنى أنها تمارس فعل النشرب على الذوات الاخرى ،الى معطيات يقع عليها فعل الهضم بمعنى أن تكون تلك المعطيات موضوع التشرب ، ثم أخيرا (الشكل الذاتي )وهو جنب يجسد عملية الهضم ،أي النحو أو الكيفية التي تشرب بها الذات معطياتها ، والتشرب بدوره نوعان : الاول منهما تشرب موجب positive perhension وهو يمثل ضروب الشعور وأشكالها والاخر سالب negative perhension وهو مايحول دون الاستشعار أو الاحساس فأذا ماأتينا لنفحص مضمون (الاشكال الذاتية)وهو الجانب الثالث من جوانب التشرب والذي يختص بكيفية التشرب أو الهضم ،قلنا بأنها أشكال كثيرة منها العواطف والتقييمات والغايات أو الاغراض والوعي ،ولقد رأى وايتهيد أن هناك نمطين أساسين من المشاعر تتصف بها الكائنات الفعلية وهما نمط المشاعر الفيزيقية والمشاعر الفكرية بالمشاعر الفيزيائية تتحسس العابرة الفعلية المجال الذي يحيط بها . فتتشرب خبرة الماضي وتتضمنه في باطنها وتتمثل خصائص العالم الخارجي وطاقاته في داخل ذاتها ، أما بالمشاعر الفكرية فأن العابرة الفعلية أو الحادثة تتطلع الى خلق جديد وتهفو الى التغير والابداع(2).
وترتكز تظرية التشرب عند وايتهيد على البحث فيما يسمى( بالمشاعر الفيزيائية البسيطة ) وهو بحث يسعى الى تقصي مظاهر العلية في الطبيعة وعوامل التأثير المتبادلة في محيطها وبين كائناتها ومن هنا رأى وايتهيد أن هذا البحث يشكل قطب الرحى في فلسفته العضوية ومدخلا هاما لدراسة الكون والتطور فيه ، ويذهب وايتهيد أولا الى التفريق بين نوعين من المشاعر ، فيرى بأن من تلك المشاعر ماهو بسيط ومنها ماهو مركب فالمشاعر الفيزيائية المركبة تتبدى في مجال الخبرة الحسية حيث تتحسس أنماط متعددة من الاحداث ونلحظ بوسائل الاحساس المختلفة أنساقا لها أمتدادات مكانية ومدد زمانية أما في حالة المشاعر الفيزيائية البسيطة فأن البحث ينحصر في شكل أو كيفية أنتقال الطاقة من حادثة الى أخرى وهذا واضح من أن وايتهيد يرى بأن لكل حادثة في الطبيعة وجودا ديناميا خاصا بها أيا كانت الصورة التي تتبدى عليها أو المدة التي تستغرقها ، كما أن أحداث الطبيعة يتحسس بعضها بعضا وتستشعر الواحدة منها فاعلية الاخرى بأعتبار أنها جميعا مجموعات من الاحساس والشعور والمشاعر الفيزيائية البسيطة ليست هي ذلك النمط من الادراك العقلي أو الـوعي الـذهني بعملية معينة ،أو أنها شكل من أشكال الاحساس الجسدي لحادثة تجري فـي جسـد المـرء ، بـل كـان يقـصد بالمشـاعر الفيـزيائية البسيطة عملية التأثير والتأثر المتأثر بين أحداث الطبيعة كافة أو بمعنى أدق نقول بأنه كان يعني عملية أنتقال الطاقة من حادثة الى أخرى ، أو بعبارة أخرى نقول أيضا بأن المشاعر الفيزيائية البسيطة هي ذاتها سلسلة سببية بين الاحداث،أوتيار متصل من الوقائع تكون فيه الحدثة التي مضت بمثابة السبب (لكونها تنقل خصائصها من الماضي الى الحاضر،وأعتبار مجرى التأثير التبادل بين الاحداث الذي يربط الحضر بالمستقبل بمثابة ( النتيجة )لكونها محكومة أصلا بالاحداث الماضية والتحولات التي وقعت سابقا يقول وايتهيد ( الاحساسات الفيزيائية البسيطة تجسد خاصية التولد في الطبيعة وكذلك الخلود الوجودي للماضي ،والزمن بفضل هذه الاحساسات هو ملائمة الحاضر المباشر للماضي)(3)
يرى وايتهيد أن المشاعر الفيزيائية البسيطة هي أولى مظاهر الشعور البدائية هي خالية تماما من أي مظهر من مظاهر الوعي وهو من نظريته تلك أنما كان يشير الى أشكال التأثير والتأثر القائمة بين الاحداث في الطبيعة وقابلية الاجسام للتأثر بالمحيط الذي توجد فيه تماثل أشكال المشاعر الخاصة بالانسان وأنماط الادراك التي يتمثلها حول العالم الخارجي .وهذا الشكل البسيط من المشاعر الفيزيائية الظاهلرة في أنتقال الاثر من حادثة في الطبيعة الى أخرى هو ماكان وايتهيد يعينه عند الحديث عن التشرب الايجابي فلقد ذهب وايتهيد بأتصال أحداث الطبيعة كلها بعضها ببعض ،وأن الاحداث جميعا ترتبط بعلاقات مختلفة تجعلها تكتسب في كل لحظة خصائص جديدة وماهيات عديدة وعليه فأن خصائص الاحداث لاتبقى على حال واحدة تثبت عليها بل هي أبدا في تحول مستمر وتغير دائم ، فموجودات الطبيعة تشكل تأريخا لاحداث مختلفة ، أو سلسلة لمجموعة من الوقائع متباينة ،ومهما بدت الموجودات وكأنها ثابتة أمامه،أو ظنت أنها تحتفظ بشكلها أو ماهيتها الخاصة بها .الا أن الحقيقة هي عكس ذلك تماما ،أذ كل مافي الطبيعة عبارة عن أحداث تتشابك علاقتها وتتصل أطرافها .
( أن وايتهيد يبحث في خبرته عن عناصر يستعين بها على أقلمة بناء ميتافيزيقي يشمل الكون كله ،فما يصدق على الخبرة المباشرة يصدق أيضاً على الطبيعة بكل مافيها من أحداث ، ذلك ذلك ماأنتهى به الى نظرية من أهم جوانب فلسفته أطلق عليها كلمة في أصطلاحاته الكثيرة وهي كلمة (التشرب ) ومعناها على وجه الدقة هو أنتقال الخصائص من حادثة ماضية الى حادثة حاضرة ثم توريث هذه الخصائص نفسها الى حادثة مستقبلة وبهذا يتكون الرباط الذي يصل حوادث الماضي والحاضر والمستقبل في خط واحد ، يظل ينمو ويزداد خصوبة على مر الزمن لان خصائص الماضي تظل تتراكم بالانتقال والتوريث ،من حادثة الى حادثة فالحاضر يتشرب الماضي ثم يسقيه للمستقبل فيشربه وهلم جرا لهذا ترى الخط السببي ممتدا متصلا في كل كائن ،فهذه الشجرة ،وهذا النهر وأنا وأنت أمتداد من حوادث ،مافيها يسبب حاضرها وحاضرها يرسم طريق السير لمستقبلها)(1).
ونحن أذ نقر بهذه الحقيقة وهي أن الاجسام تجسد تأريخا للاحداث كأنما نحن في الواقع نقول بأن الاجسام تتبدى من خلال أشكال العلاقات التي تتم بين أحداث الطبيعة بأعتبار أن الاحداث لاتوجد بأنفصال بعضها عن بعض الاخر بمعنى أخر نقول بأن الاجسام في الطبيعة تتبدى من خلال التشرب الذي تتم به أحداث الطبيعة بأعتبار أن الاحداث يتشرب بعضها بعضا ويتمثل خصائصه والتشرب بين أحداث الطبيعة يظهلر من جانبين متمايزين الاول هو الجانب الايجابي والثاني هو التشرب السلبي وهو ذلك النوع من التشرب الذي تستبعدها مجموعة الاحداث التي تم التشرب الموجب بينهما ،بمعنى أن التشرب السالب هو أقصاء مجموعة من الاحداث وتنافرها مع مجموعة أحداث التشرب الموجب ،بعبارة أخرى نقول أنه أذا كان التشرب الموجب هو عبارة عن هضم للخصائص أو تمثل لها يتم بين بعض الاحداث وبعض أخر فأن التشرب السالب يظهر في رفض الاحداث أن تتشرب خصائص بعض الاحداث الاخرى ، والامتناع عن تمثل خصائصها أو السماح لها بالدخول في كيانها 0(2) .
أن الاحداث في الطبيعة هي الحقيقة المطلقة فأن يكن للموجودات خصائص تتسم بها فأنها ولاشك تكمن في أنها تيار متصل من الاحداث تترابط فيما بينها في علاقات كثيرة تتمثل في نمطين متمايزين من التشرب هما التشرب الموجب والتشرب السالب بمعنى أن خصائص الاجسام والموجودات لاتظهر فقط من خلال التشرب الموجب الذي يقوم بين بعض الاحداث وغيرها ، بل أن خصائصها تتحددأيضا من خلال تشرب سالب تطرد فيه الاحداث التي تم التشرب الموجب بينها كل حادثة لاتتمثله أو تتشربه داخل كيانها ، أو بمعنى أخر نقول كما أن هناك نمطين من العلاقات تعرف الاجسام بهما بأعتبار أنها لاتعرف من خلال مكوناتها أو العلاقات التي تقوم بينها فحسب ، بل أيضا بما يحيط بها وترتبط معه بعلاقات محددة أخرى ، كذلك الحال بالسبة الى الاجسام في نظر وايتهيد بأعتبارها تفصح عن نمطين واضحين للتشرب مع مايستتبعهما من علاقات بين الاحداث وهو حين أطلق فكرة التشرب الموجب أنما كان يعني ،تواد خصائص محددة على مدى فترات زمنية متعاقبة أو تأريخ جسم من الاجسام . بمعنى أن هناك صفات خاصة وسمات محددة تظل قائمة في أطار أستمرارية خاصة على مر فترات زمنية متتالية ،أو قل بأن الحداث التي تشكل هذا الجسم أو ذاك تظل تتوالد وتحتفظ بذات الخصائص وأنماط العمليات التي تعرف بها حتى ليبدو لنا بأن الجسم الذي نراه هو هو ذاته لايتغير ، بمعنى أخر نقول بأن خصائص الاحداث الماضية تتوارثها أحداث أخرى عبر أمتداد لحظات زمانية متعاقبة نظن أزاءها بأن صفات اللحظة التي مضت توا ، هي ذاتها صفات اللحظة الاتية هذه(3).
(3) علم النفس :
لعل أكبر أباطيل العصلر الحديث وأخطرها هو تجزئة الطبيعة الى مادة وروح ، ولاشك أن وجود الروح . لكن الروح شأنها في ذلك شأن المادة لايمكن أعتبارها جوهرا فهي لاتعدو أن تكون سلسلة من الوقائع مثلما هو الحال بالسبة للجسد ، أما الوعي فأنه وظيفة من الوظائف ونجد أن وايتهيد يستشهد هنا( بوليم جيمس) وبمقاله الشهير ( هل يوجد وعي ) وهو المقال الذي أعجب به كثيرا فنراه يتبنى المفهوم الوظائفي للوعي الذي دلل عليه ذلك المقال ومع ذلك فأن وايتهيد يستدرك قائلا أنه يتعذر علينا أعتبر الروح مجرد ظاهرة عارضة من ظواهر المادة وبوجه عام فأنه يصعب علينا الفصل بين الروح والمادة الاأنه يمكن القول بأنه من طبيعة كل واقعة أنها أستقطابية كما أنه من طبيعتها كذلك أنها وعي والعنصر الروحي يكاد يكون معدوما في الاجسام غير العضوية ،وأن كان يبرز بوضوح عند الحيوانات الراقية وعند الانسان وليس في أمكان الفلسفة العضوية أن تؤيد أو تدحض أمكانية ساوك مناهج روحية صرفة سلفا ، كذلك فأنه ليس من شأن هذه الفلسفة أن تقرر ما أذا كانت المناهج المادية ستؤدي الى نتيجة ما حتى ولو أستعانت بمناهج روحية ، أذ أن المرء يعجز عن القطع بأمكانية بقاء الروح بعد الموت أو حتى بخلودها ،اللهم الا عاى أساس من تجربة خاصة كالتجربة الدينية أو الصوفية مثلا (1).
(4) الميتافيزيقا :
كان وايتهيد متفقا مع أرسطو فيما يتعلق بأساس المشكلة الميتافيزيقية فلقد ذهب الاثنان الى أن المشكاة الميتافيزيقة متركزة في البحث عن طبيعة الموجود من ناحية أو محاولة تحديد طبيعة الموجود الكامل أو الكيان الوجودي الكامل .
وقد أشار أرسطو الى أن المشكلة الميتافيزيقة الدائمة تتمثل في البحث عن طبيعة الموجود الجزئي المحدد ، ولقد كان هذا الموقف هو الاساس الذي أرتكز عليه أرسطو في مواجهة الموقف الافلاطوني فلقد أصر أرسطو على أن (ذاك )التي تمثل الاهتمام الاول للميتافيزيقي هو شىء جزئي يوجد وجودا فعليا ولايمكن أن تكون مجرد صورة أو صور ، أن الصور عند أرسطو هي صور أشياء ولاتوجد هذه الصور مستقلة في الوجود بذاتها كما ذهب الى ذلك أفلاطون أن الصور لاتوجد الا كصور أشياء أو صور موجودات كاملة لاتفتقر في وجودها الى وجود أخر ،وليس ثمة وجود لصور مفارقة أومثل كما ذهب أفلاطون ولقد أعترف وايتهيد أذن بأن الاشياء التي هي موجودات كاملة تمثل الاهتمام الرئيسي للمسالة المتافيزيقية .
وفي هذا الصدد نجد وايتهيد يقول (أن المبدأ الارسطي العام والذي سلمنا به ،يقرر أنه بمعزل عن الاشياء الفعلية لايوجد شىءواقعي أو شىءله أدنى تأثير )(2).
أن الميتافيزيقا التي لايميز وايتهيد بينها وبين الانطولوجيا تعتبر عبدهعملية وصف للحقيقة ،أذ أنه تبنى عليها الاسس العامة لاي تفسير من التفسيرات الفلسفية.
وتنحصر الفرضية الاساسية التي أقام عليها وايتهيد مذهبه في الميتافيزيقا في التسليم بأن أستنادا على ماهو مثالي هو القاعدة الاواى والاساس لفهمنا للحاضر المتحقق، أذ أن تحليلنا للمعطى الفوري يفضي بنا الى ملاحظة أن الحاضر المتحققيمثل سيلا من الوقائع ، أي يمثل صيرورة أبدية خالية من الجواهر ولاتتضمن أي ثبات حقيقي .
ويدعو وايتهيد الى الاخذ بمبدأألي متطرف ،غير أنه يستدرك قائلا : أن مجرد صدور هذه الواقعة أو تلك لهو أمر يتطلب تفسيرا ، وهذا هو ما يدعو الى ضرورة الاقرار بوجود عناصر ميتافيزيقية متعددة ، وهذه العناصر في عمومها لاتعتبر موجودات .
(1) لابد أن تكون هناك موضوعات أبدية ، وأمكانيات تتناول كل ماهو في صيرورة ، ويلاحظ أنه هنا يجاري أفلاطون في مثاليته ،هذا وأن كانت (المثالات )هنا تتخذطابع أمكانيات موضوعية محضة .
(2) أن التحليل يكشف لنا عن وجود دفع أعمى خلاق ، كما أنه يتخذ في نفس الوقت صورة مادة صيرورية ،فالكل يظل قي صيرورة بفضل قوة الدفع والتحريك التي يحدثها هذا الجوهر ،ويتخذ الجوهر عنده هنا نفس المعنى الذي أخذه عنه سبينوزا المتعين بنفسه تمام التعيين .
(3) بما أن الموضوعات الابدية وعملية الخلق ليست خاضعة لاية جبرية وبما أنها عاجزة عن تفسير نشأة الواقع العيني لذا فأنه يتحتم الاقرار بوجود عامل ثالث يسمى( بالتزمن ) وبالحضور،أي يتحتم الاقرار بمبدأالتحديد الذي يجعل صيرورة الاشياء ضرورة حتمية وهذا المبدأهو الله .
وتتم الصيرورة بسبب تعامل قوة الدفع الخلاقة للجوهر مع الواقعة المتحققة أصلا وهي الادراك ،وهذه الوحدة التركيبية الجديدة هي وحدة مزدوجة أذ أن الواقعة المتحققة هي عملية تركيب بين الموضوعات الابدية التي تلج الواقعة وتداخلها أما أيجابيا أو سلبيا وبين صفات الوقائع الحقيقية الاخرى .
والله ينفرد بعملية الخلق بما له من قدرة هائلة على تعيين ضرورات معينة ،وبما له من قدرة على تقدير حتمية صدور الاشياء ،والواقعة هي الفرد الواقعي وهي الانبثاق الخارق وهي الحاضر الجاري الذي يعتبر قيمة في ذاته أذ أن كل حاضر واقع يعتبر قيمة .
وهكذا نخلص الى أن الاقعة تمثل عملية تلركيب الكون فهي أدراك لكل ما يتميز به العالم الواقعي ، كما أنها أدراك لجميع الموضوعات الابدية وأدراك لقوة الدفع الخلاقة وأدراك الله وأذن فأن الله يحل في العالم ثم أن الواقعة هي دائما شىءيفوق ويتجاوز العالم السابق عليها أي بأنفرادية خالصة . وتولد حاضرا جديدا وقيما جديدة (1).
لقد ذهب وايتهيد الى أن الميتافيزيقا لايمكن الا أن تكون وصفية ولعل أسباب ذلك تكمن فيما يلي :
(1) أن وايتهيد كان متأثرا بالطابع العملي تأثيرا كبيرا .
(2) أن وايتهيد أراد أن يمضي الى الاشياء ذاتها ،وهي الكيانات الفعلية دون أن يشغل نفسه بالبراهين أو الادلة .
(3) تأثر وايتهيد بأزمتي الرياضيات والطبيعيات وأرتأى ضرورة التخلي عن وضع ميتافيزيقا نهائية هي عبارة عن سلسلة محكمة من العلل والمعلولات أو الاسباب والنتائج أو الادلة والبراهين وأكتفى بمجرد وصف الواقع كما يوجد عليه دون أن يجزم ببيان لماذا وجد على هذا النحو دون غيره .
(4) تأثر ميتافيزيقا وايتهيد بالعلم ،حيث أنه صاغ فلسفة وضعية تتوافق مع النتائج التي وصلت أليها علوم الطبيعة في عصره.
ويدعو وايتهيد الى الاخذ بمذهب ألي متطرف عير أنه يستدرك قائلا أن مجرد صدور هذه الواقعة أو تلك لهو أمر يتطلب تفسيرا وهذا هو مايدعو الى ضرورة الاقرار بوجود عناصر ميتافيزيقية متعددة وهذه العناصر في عمومها لاتعتبر موجودات .
فأولا :لابد أن تكون هناك موضوعات أبدية وأمكانيات تتناول كل ماهو في صيرورة ويلاحظ أنه هنا يجاري أفلاطون في مثاليته هذا وأن كانت (المثل )هنا تتخذ طابع أمكانيات موضوعية محضة .
ثانيا : أن التحليل يكشف عن وجود دفع أعمى خلاق كما أنه يتخذ في نفس الوقت صورة مادة ،صيرورته فالكل يظل في صيرورة بفضل قوى الدفع والتحريك التي يحدثها هذا الجوهر ، ويتخذ الجوهر عنده هذا نفس المعنى الذي أخذه عند سبينوزا المتعين بنفسه تمام التعين .
ثالثا بما أن الموضوعات الابدية وعملية الخلق . ليست خاضعة لانها جبرية ،وبما أنها عاجزة عن تفسير نشأة الواقع العيني لذا فأنه يتحتم الاقرار بوجود عامل ثلث يتسم بالتزامن وبالحضور ،أي يتحتم الاقرار بمبدأالتحديد الذي يجعل صيرورة الاشياء ضرورة حتمية ،وهذا المبدأهو الله (2) .
(5) المنهج عند وايتهيد :
فيما يتصل بالمنهج يرى وايتهيد أن المنهج الفلسفي يتضمن تعميما يتجه من العيني الى الكلي .وهذا التعميم يقوم على الوصف أكثر مما يقوم على الاستنباط وينبغي على بعض الفلاسفة أتخاذهم الاستنباط محكا للاختبار في البحث الفلسفي أذ يرى أن الاستنباط ليس الا وسيلة مساعدة للتحقق لاينبغي أن تكون له الاولوية في المناهج الفلسفية . والمنهج الذي يدعو أليه وايتهيد هو مايسيه (بمنهج التعميم الوصفي الذي يتخذ شكل وصف البنية الستاتيكية ، فيضع مكان الوصف المورفولوجي وصفا للعملية الديناميكية للحياة .
والمعيار لابستمولوجي عنده هو على نوعين :معيار عقلي هو الاحكام المنطقي وأتفاق الفكر مع نفسه ، ومعيار تجريبي هو قابلية التطبيق والموافقة والمذهب الفسفي ينبغي أن يكون محكما ومنطقيا ولاينبغي تصور كيان مع صرف النظر عن سائر الكيانات كما لايمكن فهم كيان أذا لم تجددعلاقته بسائر الكيانات وفقا لقواعد منطقية لكن المعرفة تتطلب أيضا تبريرا تجريبيا وينبغي أن تكون المقولات فابلة للتطبيق والموافقة ، وهي تكون قابلة للتطبيق أذا كانت تصف كل التجربة الخاصة بها بوصها تكشف عن نفس التركيب وتكون موافقة أذا كانت تشتمل على كل التجربة الممكنة في رؤيتها التصورية (3) .
الفصل الرابع
الدين وأثره في فلسفة وايتهيد
بقدرماتتلقى الديانة التعبير الخارجي في التأريخ البشري فهي تفرض أربع عوامل أو جوانب تخصها هي بالذات ،هذه العوامل هي (الشعيرة ، ارنفعال الشعوري ،الايمان ، العقلنة ) توجد أجراءات منظمة ومجردة التي هي طقسية :ويوجد أيضا توافق لهذه المعتقدات داخل نظام ،حيث هو مرتبط داخليا ومرتبط أيضا مع معتقدات أخرى لكن جميع هذه العوامل الاربع ليست ذات تأثير متساو خلال جميع العصور التأريخية . نشأت الفكرة الدينية تدريجيا داخل الحياة البشرية( كانت في البداية ،بالكاد متحررة من مصالح بشرية أخرى أن نظام أنبثاق هذه العوامل ،أنما كان انبعاثا معكوسا من حيث الاهمية الدينية : أولا أو الشعيرة ،ثم الانفعال الشعوري ،ثم المعتقد ، ثم العقلنة أعتقد بأن هذه العوامل الاربعة ستوافق بصورة ملائمة جدا نماذج الفن الديني أكان فن الانسان البدائي في ذلك الحين طقسيا،هذا الفن المميز عن كل حياته الانفعالية والعملية كان أحتفاليا ، مشاعا وكان على ضوء وجهة النظر الفردية ،طائشا هكذا الى حد بعيد فن أولى العصور المتحضلرة في مصر وفي بلاد مابين النهرين وفي الصين وفي عهد فن النيولبتيك فتلك الاشياء الحسية التي لم تعد منفعية بالضبط ،أنما جمالية بدائية فقد وصفها علماء الاثار بأنها أحتفالية أشياء تستعمل للخدمة الطقسية كذلك يصبح القول فيما يتعلق بالفن الاولي للشرق : أعمال البرونز واليشم التي تخص عصور الهان وما قبل الهان أن الشعيرة تولد الانفعال الشعوري لقد أكتشف الانسان بأن العمل الذي قام به كحاجة الوجود الاسترضائي من الممكن أن يكرر بمتعة بلا أية حاجة ملحة ذلك أن طقوس الصيد وطقوس الخصب وطقوس المطر أنما تمارس لاجل هدف ذاتي وبلا أية موضوعية مباشرة وفي هذا الصدد وفي هذا الصدد نذكر بروفسور وايتهيد مرة ثانية ( بهذه الطريقة أن الانفعال الشعوري يخدم الشعيرة ،ثم تكرر الشعيرة وتحسن لخدمة الانفعالات المرافقة )(1).
(1) الله عند وايتهيد وأدلة وجوده :
أن الله ذاته كائن فعلي ،وهو من وجهة النظر هذه لايختلف عن غيره من الكائنات الفعلية الاخرى ، سوى أنه يتصف (باللازمنية ) نعم أن الله يختلف في طبيعته عن الكائنات الطبيعية الاخرى من حيث المرتبة التي يتبدى فيها ، والوظيفة الخاصة التي يظهرها الا أنه يبقى رغم ذلك كائنا فعليا كما الذرة الصغيرة سواء بسواء (فالله )ليس خالقا كما في تعاليم الاديان السماوية ،أو سابقا على الكون بالزمن ومتقدما عليه ،بل هو بين الاشياء ومتجل في الكون كله بمعنى أن الله يتجلى في عمرة الوجود وبين كائناته وجملة مظاهره . أن طبيعة الله يمكن تمثلها في أشتمالها أو أحاطتها بكل الامكانات التي تشكل عالم الموجودات الازلية .
أن من شأن الموجودات الازلية والامكنات الامتناهية أن جعلت الاحداث في الكون تسير في ظل حكمة وأنتظام لاتدعان مجالا للفوضى أن تكون أو أن تفرق الاحداث بلا ربط يشد بعضها الى بعض بدون أدنى أعتبار فالغائية ظاهرة في الكون ، وهي جزء من حقيقته والفرضية متجسدة كل التجسد في أنماط السلوك وضروب الافعال التي تظهرها الكائنات الفعلية ومجتمعاتها .
أن طبيعة (الله )تكمن في الامكانات اللامتناهية ، بعضها (الامكانات )تمثل الطبيعة الاولية التي تشكل جانبا من حقيقته ، فالله هو الفعالية الاكيدة وهو الواسطة التي تربط بين الكائنات الفعلية وبين موجوداتها الازلية ، ويتجلى فعل الله في أنههو الذي يختار من الامكانات اللامتناهية مايراه مناسبا لمجريات الكون وأحداثه وهو أذ يفعل ذلك فأنه لايفرض الموجودات الازلية على الكائنات الفعلية، فرضا وقسرا ، بل أنه يظهر بعض هذه الامكانات بأعتبارها ميولا وحفريات لما يمكن أن يحدث ويستجد من عالم الاحداث فالحث لاالقهر هو مايميز فاعلية (الله )وأبداعه . والامكانات التي يظهرها الله ،وطبيعته التي تستحث ولاتلزم أو تقهر ، هي التي لاتفسر الكائنات الفعلية على الدخول تحت موجود أزلي أو تفرضه عليها . أن للكائنات الفعلية كامل حريتها ، وهي أذ تختار من بين الموجودات الازلية مايناسبها وترتضيه لنفسها فأن ذلك يتم عن طواعية وبمحض أرادتها وحتى جاء فعل الله بنتائجه الايجابية وأستجابت الاحداث للميل الذي يستحثا ويشدها اليه ،حل النظام والاتساق وظهر الابداع والخير كله ,أما أذا لم يلأتي فعل الله بنتائجه الايجابية وأمتنعت الاحداث عن الاستجابة الى الميول التي تستحثها فأن الفوضى تحل محل النظام والاتساق ويطعى الشر بدل الخير , فالله هو المبدأ المطلق في أظهار الممكنات وتحقيق النسب منها وأن مانشهده في الطبيعة من نظام وتوازن دقيقين لهو دليل على طبيعة الله الخيرة ، فحكمته ظاهرة في ظعط العالم والابقاء على صيرورته ، وبديع صنعه ظاهر في خلقه وأستحداثه لكل جديد وهو في حكمته وبديع صنعهيعرف الخير كله ويعلم كل الحق ،ويدرك مظاهر الجمال (2) .
(2) مفهوم الشر عند وايتهيد :
كان وايتهيد قد تحدث في كتابه (العلم والعالم الحديث ) عن مجال خاص (بالموضوعات الازلية) فذهب الى أنه مجال أو نظام عام للعلاقات الخاصة بكل الامكانات وهي في تصوره ذلك يقترب من فكرة (المتصل الانتشاري )التي ساقها في كتابه (التطور والواقع)والتي عني بها . أن ذلك المجال هو المجال الوحيد لجملة العلاقات وأشكال التجسد الممكنة بمعنى أنه مجال يمكن أن يتحقق فيه كل مالم يتحقق بعد . أي كل مايخرج من دائرة الامكان ليتحقق بالفعل والواقع وهو بهذا المعنى مجال يطوي حقاب المن جميعا من ماض وحاضر ومستقبل ،عدا كونه مجالا مجردا وعالما خالصا يتمثل فيه منطق خاص ونظام محكم يسمح اجملة الاحداث والوقائع أن تدخل فيه سواء ماكان منها في الماضي أوماهو عليه في الحاضر أو ماقد يستجد منها في المستقبل بمعنى أنه بناء مجرد كما الاناء الفارغ يمكنك أن تملاءه بما شئت من المضامين أو محتويات ، هنا نقع على الصلة التي تربط بين وايتهيد وأفلاطون أذ أن المتصل الانتشاري يكاد يمثل الوعاء الافلاطوني الذي تتعددفيه الاشكال وتتباين فيه الوظائف فهو وعاء ينطوي على جملة العلاقات التي تربط كافة أشكال الوقائع في الطبيعة والتي من شأنها أن تلم بأشتات الاحداث المتناثرة وتصل بين أطرافها في كون واحد . وهنا أيضا لابد من الاشارة الى مجال المتصل الانتشاري كما قال به وايتهيد له صلة عظيمة بنظرته الى الدين وفكرته عن الله وطبيعته ، فهو يذهب الى أن المجال الخاص بأنماط العلاقات بكل ماتنطوي عليه من صفات وخصائص وكافة أشكال الترابط في الكون هي عين ذات الله وطبيعته الاولية ،ويرى وايتهيد أن الله أساس النظام في الكون بأعتبار أن طبيعته الاولية تشيع الاتساق بين أحداث الطبيعة المتكثرة وتعمل على أتصال الوقائع وترابطها ضمن نظام محكم وبناء متكامل فالله في ضوء هذا المفهوم – يتمثل في خطة عامة أو نظام أنتشاري بأعتباره أساس كل الخلق واللابداع في الطبيعة وركيزة كل تحول وتغير في أحداثها ومجرى تأريخها من حبث أيعمل على تحديد الاوضاع والاشكال المناسبة التي يمكن للاحداث أن تجريها وتيسر للوقائع أن تتسق معها . وهو يرى أن الرؤية الالهية تنطوي على أمكانات لامتناهية ولكنه على الرغم مما بين الاطارات المنطقية من علاقات تسل مهمة أنظواء الاحداث في حدودها ، وبغض النظر عما تنطوي عليه طبيعة الله من أمكانات لا متناهية ، الا أنه ما من ضرورة تحتم أن تجري أحداث الحاضر على نمط الاحداث في الماضي أو حتمية تؤكد على أنتظام المقولات للاحداث في المستقبل على ذات النحو الذي أنتظمت في داخلها أحداث الماضي أو وقائع الحاضر ، فالله بهذا المعنى تتبدى طبيعته في مظهرين متكاملين : فهو ذو طبيعة أولية بأعتبارها طبيعة فكرية محضة وهو مايقصد بها الجانب المنطقي في تنظيمه لاشكال العلاقات وهو جانب لامتناهي في أمكاناته كذلك تنطوي حقيقة الله في جانبها الاخر على طبيعة متولدة تترتب على طبيعته الاولية والمتولدة هي طبيعة واعية أو هي نسيج المشاعر الفيزيائية التي تقلق طبيعة الله لاولية وهي مايقصد بها الجانب الفيزيائي في تمثلها ، أي طبيعة الله لجملة الاحداث في الطبيعة وأظهار كافة العلاقات التي تربط بينها ، بمعنى أن البناء في هذا الجنب يكتسب صفة كيفية أو محتوى فيزيائيا من خلال مجرى الاحداث ووظائف الالة التي تؤدي الى الدليل على وجوده الفعلي ماهي الاوجوه لطبيعته الاولية أو لقطبه العقلي وهذه الطبيعة هي وحدة من المشاعر التصورية الخالصة تتخذ نت الموضوعات الابدية معطيات لها ، فهي تنظم وترتب الموضوعات الابدية في دلرجات ، وتكيفها لكي تصل الى الرضا الجمالي التام عن هدف الالة الذاتي الخاص ، ولكي تجعلها مسيرة الكيانات الزمانية ، ولما كانت معطيات القطب العقلي موضوعات أبدية وليست وجودات فعلية أخرى فأن هذا القطب لايملك الا أستيعابات تصورية وتنقصه المشاعر الفيزيائية ويبقى الاله (في طبيعته الاولية)لاشخصيا ولاشاعرا وهذه النتيجة يقتضيها عند وايتهيد تعريف الوعي على الرغم من أن كثيرا من ألوان النشاط المخصصة للطبيعة الالهية الاولية قد يبدو أنها تقتضي نوعا من الحياة الواعية في أي سياق أخر غير هذا الذهب وتأتي المشاعر الجسمية والوعي الى الالة عن طريف عمليات الطبيعة اللاحقة أو القطب الجسمي (فحسب )والالة من هذه الناحية ، متناه وفي طور التكوين فهو يتلقى بأستمرار (من خلال أستيعاباته الجسمية ) معطيات موضوعية جديدة من الموجودات الفعلية الزمانية التي تؤثر الان فيه ، ويوجد الاله بأستمرار في طبيعته اللاحقة ،الى جانب الموجودات الفعلية الاخرى التي في طور التكوين ومن هذه الموجودات ينتقي المواد ويقوم بتحويلها من أجل مشاعره الفيزيائية وفقا لمواجهته الابدية الخاصة لنظام منسجم للكون يكمن فيه رضاه الاستطيقي . وفي هذا الرأي فلا تعارض في القول بأن الله دائم مالكون تيار متدفق من الاحداث تماما كخلو قولنا من التناقض حيث الذهاب الى أن الكون أزلي والله فيض من الوقائع وسيال من الاحداث فالله أزلي ثابت من حيث هو خطة أو تدبير شامل يتبدى في أنماط العلاقات المنطقية المحددة والطبيعة تيار من الاحداث يتصف بخصائص زمانية هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، يمكن النظر الى الطبيعة ذاتها على أنها أزلية بأعتبار أن هناك أطارات تنظيمية محددة وتعم الكون وتعمل على أتساق الاحداث المتكثرة فيها ، فالاحداث متكثرة والخطة واحدة، أو قل بأن الوقائع متكثرة والنظام واحد أو العالم فرد ولا تعارض في تصورنا الله كما كان فيضا من الاحداث مع أنه أزلي ذلك أن التصور هنا ينصب أساسا على أن خطة النظام الشامل لايمكن أن تظل المقولات فيها مجردة من المحتوى أو خالية من أي مضمون يشغلها . بل أنها تعج بأحداث الطبيعة وصفاتها ، وتزخر بوقائع الكون وخصائصه فالخطة في شكلها المحددتتسع وتتسع على مر الزمان بحيث يمكن لها أن تجسد لنا عددا لامتناهيا من الاحداث وتبدع من الوقائع والاشكال مالايمكن حصره أو الاحاطة به ،فهي تبدع الجديد وتخلق مالم يكن ويحتل ما كان موجودا بالقوة الى الوجود بالفعل فأي تعارض بعد هذا في القول بأن الله واحد والعالم كثير في ذات الحين الذي نقول فيه أن العالم واحد والله كثير والله واحد بأعتبر خطة شاملة ، والله كثير بأعتباره مجال الاحداث المتبانة والاشكال المتعددة ، وعلى العكس يستقيم القول كذلك بأن العالم واحد من حيث أن الاحداث المختلفة والوقائع المتعددة ترتبط جميعها ضمن شبكة العلاقات التي تربط أقصاه بأدناه . وتندرج كلها في نظام يجمع بينها والله كثير بأعتبار أنه هو الخطة الشاملة التي تسري بين أحداث الطبيعة المتكثرة وتتلبس بين الحين والاخر بأشكال متعددة وتتبدى بين لحظة وأخرى بأحداث مختلفة وخصائص فريدة (1).
أن وايتهيد يرى بأن الله يعلو على العالم ويتسامى عليه كما أن العلم يعلو على الله ويسمو عليه ، ذلك أن الله خطة شاملة مجردة لايمكن أن يتجسد في حادثة معينة أو صفة بعينها بل هو يخلو من أي شكل من أشكال الحوادث ، ويسمو على وقائع الطبيعة المتعددة الاشكال والخصائص فليس في الله أية صفة من صفات عالم الوقائع أو الطبيعة الزمانية المكانية هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فأن الله بوصفه خطة شاملة يعلو على عالم الطبيعة كما نخبرها في كل لحظة من لحظات خبرتنا الحاضرة بأعتبار أن الخطة الشاملة لها صفة الاتساع والانتشار ، لكي يسهل مهمة دخول الاحداث الطارئة والوقائع الجديدة في أطارها بمعنى أنه من المحتمل أن يتجسد من أمر الطبيعة جديد ، ويطرأ مالم يكن بالحسبان فنألف من الاحداث والوقائع ما يوجب أتساقها مع الخطة الشاملة الدائمة الاتساع والانتشار وكذا العالم يسمو على الله ويعلو عليه بأعتبار أن الخطة الشاملة المتمثلة في الله تستمر معالمها في عالم الطبيعة المتعين وتستوحي خصائصها من أحداث الكون ومجرياته . فالخطة الشاملة على الرغم من أنها سابقة على العالم من الناحية المنطقية ومتقدمة على الطبيعة الا ان الخطة الشاملة تظل رغم ذلك تستد أصولها من الناحية الفيزيائية من أحداث الطبيعة وأحداث الواقع فأذا ما أستقام لنا فهم هذه الفكرة عاد وايتهيد من جديد يقول على ضوئها بأن الله يخلق العالم ويوحده مثلما يوحد العالم الله ويخلقه ،فالخطة الشاملة (الله) في شكلها المجدد تطوي بين ثناياها ماضي الكون وحاضره ومستقبله فما من حادثة في الماضي الاوكان لها مكانها في الخطة الشاملة ، ومافي حادثة في الحاضر الا وتندرج في مقولة أو أكثر من مقولات الكون وقولنا بأتساع مجال الخطة الشاملة وأنتشارها يعني أن الجديد من أحداث المستقبل سيجد مكانه الخاص به في تلك الخطة كما يجد مقولات جديدة ينطوي تحتها ومن هنا كانت نظرتنا الى الخطة الشاملة بأعتبارها موجدة للطبيعة وأحداثها وخالقة للكون ووقائعه ،أما أذا تصورنا الخطة الشاملة تستمد خصائصها من عالم الواقع وتتبدى معالمها من خلال الطبيعة والعلاقات التي تربط بين أحداثها ، فأن من شأن النظرة هذه أن تؤدي بنا الى القول بأن الطبيعة هي التي توحد الخطة الشاملة وأن أحداث الطبيعة هي التي تخلق الله وبذا يكون أختلاف النظر حول الله وطبيعته وتباين الفكر حول الطبيعة وخصاءصها يعتمد في الاساس على وجهة النظر الخاصة التي تنظر بها الى أي من الله أو الطبيعة والعلاقة القائمة بينهما (1).
(3) الغائية في فلسفة وايتهيد :
أن تأريخ الحادثة عند وايتهيد وعملية تطورها ونموها تظهرنا على خاصيتين متمايزتين من خصائصها فالخاصة الاولى تقول بأن التطور الذي يرسمه سير الحادثة وتأريخها يكون محكوما من الداخل أما الخاصية الثانية فهي أن التطور نفسه يكون حرا طليقا من الخارج بمعنى أن عملية النمو الخاصة بأي حادثة يحكمها ألزام وتجديد من الداخل يكون الحالة التي يوجد عليها الحادثة في اللحظة الاتية هذه ، قد تمخضت عن حالة أخرى سبقتها في لحظة سلفت بعبارة أخرى نقول بأن الحالة الراهنة لأي حادثة أنية ، أي حاضرة أنما هي حصيلة أحداث سبق وقوعها ووليدة وقائع وظروف مختلفة فصلت قبلها ، أي قبل الحادثة الحاضرة ، وما أن تأتي على ذكر الخاصية الثانية وهي حرية التطور في الخارج ، حتى نقول بأنهاخاصية تشير الى صعوبة تصور ما ستكون عليه الاحداث في المستقبل وما يسفر عنه نمو الحادثة من معالم ، ذلك أن مستقبل الحادثة رهن بترابط الكثير من الظروف وتشابك العديد من الانساق التي تعمل مجتمعة على أظهار الحادثة نفسها على نحو معين بمعنى أنه لايمكن تحديد ماسيؤول أليه تأريخ الحادثة الحاضرة أو التنبؤ بما ستكون عليه حالها في المستقبل لكون ذلك كله يعتمد على المعطيات المحيطة بها والظروف التي تلتصق نها ، أي على كثير من المتغيرات التي يصعب حصرها أو التنبؤ بها . في ضوء هذا المفهوم نقول أنه يصعب تحديد مسارات الاحداث ، أو رسم معالم تأريخها مسبقا . أو أن نجزم بأن الحادثة الحاضرة والتي جسدت حادثة سبقتها ستكون في المستقبل على هذا النحو المعين دون ذاك ، ولكن مهما يكن فأن الحيث عن الاحتمال حول مستقبل الاحداث لايمنع من أن نبدي توقعاتنا لما يمكن أن يحدث من أمور يستجد من ظروفها . بمعنى أن عنصر الاحتمال وأمكانية تعير الظروف لايحول دون رسم صورة تقريبية لمجريات الامور في المستقبل وأستبصار سر الاحداث وتأريخها فيه . ذلك أن وايتهيد يرى بأن الصلة تظل قائمة بين الحاضر والمستقبل . رغم عنصر الاحتمال وأمكانية تغير الظروف تماما كما كانت الصلة وثيقة بين الحاضر الذي نعايشه والماضي الذي عشناه في فترة مضت ، والحق أن هذه نقطة هامة ، وهي أن تصور المعقول يشير الى أن المستقبل سيكون على أتصال مكاني زماني بالحاضر فليس المستقبل شيأمطلقا أو كلمة تقال جزافا بل أننا نفهم بعض معالم المستقبل من خلال نسبته الى ماعداه . فهو ميتقبل بالنسة الى الحاضر الذي يجري الان والاضي الذي لأنطوى ، ولشد مانتوقع أن تكون الاحداث في المستقبل مناسبة لاحداث الحاضر ومتسقة في كثير من جوانبها مع مجريات الوقائع التي تسير فيه يقول وايتهيد
ك ( أنه من الواضح أن المستقبل هو بالتأكيد شيءما بالنسبة الى الماضي فأذا حذفت المستقبل أخليت الحاضر من محتواه الحقيقي فالوجود المباشر يتطلب أدخال المستقبل في زوايا الحاضر )(2).

(4) مفهوم الدين عند وايتهيد :
يذهب وايتهيد الى أنه ماكانت الاشكال التي ظهرت بها الاديان واحدة ،أو أن صورها وطرق ممارستها ظلت ثابتة على أمتداد الزمن بل لقد طرأ عليها من التعديل ما طرأ وأنتابها الكثير من التجوير والتبدل وهكذا كان حال العلم على حد سواء بأعتبار أن العلم قد ظهر بأشكال عديدة وكثيرا ماتغيرت صوره ومرتكزاته التي يقوم عليها . فأن لم نكن نسلم بقيام اليعارض بين العلم والدين أو ظهور التباعد بين مجاليهما ، فأن ذلك لايعني أستحالة التوفيق بينهما أوالتقريب بين معطياتهما ووجهات النظر الخاصة بكل منهما ، فوايتهيد يرى أن التعارض لايعني الاخفاق أو الصراع بل يعني فرصة أكبر من أجل معرفة أفضل وأرسخ ،ولو شئنا مقارنة توضح هذه الحقيقة لقلنا (بأن التناقض في المنطق الصوري هو علامة التهافت ولكن في تطور العلم الحق فأنه –أي تناقض – يدل على الخطوة الاولى في التقدم نحو الانتصار ) .
أن الدين عند وايتهيد يتشكل أبدا بأشكال جديدة ويتبدى لنا بمظاهر شتى ربما ظل جوهر الدين ثابتا ، وبقيت أسسه أزلية راسخة ولكن المظاهر تتبدل ، والشكل يتغير من حين وأخر ، وهذا التغير في أشكال الدين وأختلاف مظاهره من حين الى حين ، يرجع في بعض جوانبه الى أختلاف الاسس التي يقوم عليها العلم ، وتبدل المعطيات التي يمكن أستخلاصها منه فكما طرأت في مجال العلم حقائق جديدة لها صلة بمفاهيمنا الدينية وتسيراتنا للدين ، عمدنا من جديد الى مزيد من البحث حول تلك المفاهيم ورضا من بعد تتعمق أفكارنا الدينية أكثر فأكثر ، بمعنى أننا نستعين بالعلم أحيانا لاجل معرفة أصلح ودراية أحكم . أن النقطة الهامة التي يجب أن تبقى في الذهن هي أنه عادة مايظهر التقدم في العلم وجوب بعض التعديل في عباراتنا الخاصة ، بمعتقداتنا الدينية المختلفة ، فربما أستوجب ذلك أأن نوسعها أو نفسرها أو في الحقيقة نعيد صياغتها وهذه العملية هي مكسب ، ولذا فأنه طالما كان لاءي دين أية صلة بالحقائق الفيزيائية فأننا نتوقع لوجهة النظر الخاصة بتلك الحقاءق وجوب تعديلها المستمر نتقدم المعرفة العلمية ، أن تقدم العلم يجب أن يؤدي الى تجديد مستمر في صياغة الفكر الديني ، لاءجل معرفة عظيمة للدين(1).
ويقول وايتهيد في كتابه (العلم والعالم الحديث ) أن الدين هو رؤية شيء يقوم عبر ووراء وداخل السيلان الجاري للاشياء المباشرة ، رؤية شيء حقيقي لكنه ينتظر أن يتحقق شيء هو أمكانية بعيدة لكنها أعظم الوقائع الحاضرة شيء يعطي معنى لكل مايمضي ومع ذلك يفلت من الادراك ، شيء أمتلاكه هو الخير النهائي ولكنه مع ذلك وراء كل متناول ، شيء هو المثل الاعلى النهائي والسعى الذي لاأصل فيه.
ويقول في كتاب ( الدين في مراحل تكوينه ) ( أن البصيرة الدينية هي أدراك هذه الحقيقة وهي أن نظام العالم وعمق حقيقة العالم ، وقيمة العالم في مجموعة وفي أجزائه ، وجمال العالم ، ومتعة الحياة ، وسلام الحياة والتغلب على الشر ، هي أمور مرتبطة معا،لاعرضا ولكن بسبب هذه الحقيقة وهي أن الكون يكشف عن نشاط خلاق ذي حرية لا نهائية لها . وعن مملكة من الاشكال ذوات أمكانيات لامتناهية زلكن هذا النشاط الخلاق وهذه الاشكال عاجزة كلها عن أنجاز الواقعية بمعزل عن الانسجام المثالي الكامل الذي هو الله ).
ومحك الاختبار في التجربة الدينية هو المجموعة (المحبة ) وهو يضع ذلك في مقابل الله أرسطو المحرك الاول غير المتحرك ، الذي لايعني بخلقه لكن اله المحبة عنده يخضع للمقولات والمبادىء الميتافيزيقية التي ذكرناها . أن الله هو الشاهد الديني على النظام الميتافيزيقي وعلى ضوء هذا يمكن النظر الى طبيعة الله من وجهتين نظر أثنين : أصلية وتالية فمن وجهة النظر الاصلية الله أمكان لامتناهي أو لامحدود ، أنه وحدة وملاء المشاعر التصورية بغض النظر عن أية مشاعر ، فيزيائية وتبعا لذلك يفتقر الى ملاء الفعلية أنه بوصفه وحدة مشاعر تصورية وعمليات ، هو فعل خلاق حر ، وهو لاينحرف بالاحداث الجزئية التي تؤلف العالم الواقعي يفترض الطبيعة الاصلية لكن الطبيعة الاصلية لاتفترض العالم الواقعي مقدما وكل ما تفترضه الطبيعة الصلية مقدما هو الطابع العام المجرد للنشاط الخلاق الذي هو الشاهد الئيسي عليه . والطبيعة الاصلية بوصفها أمكاننا لامحدودا تشتمل على الموضوعات السرمدية وتفسر النظام الكائن في أهميتها بالنسبة الى عملية الخلق .
أما الطبيعة التالية : فهي مشتقة أي ليست أصلية أنها تعبر عن رد فعل العالم تجاه الله ، وهكذا فأن الطبيعة التالية خاضعة لعملية التحقق الفعلي في العالم الواقعي والله يشارك مع كل حادث وكل عقدة العالم الواقعي ،أنه بوصفه تاليا ، فأن الله يتكيف بواسطة العالم أن الطبيعة الاصلية حرة ، كاملة ، سرمدية ، ناقصة التحقق الفعلي ولاواعية ، أما الطبيعة التالية فمعينة ، ناقصة ، باقية ، متحققة تماما بالفعل وواعية بسبب هذه الطبيعة التالية يقيم الله مع العالم علاقة عناية ومحبته ذات العناية يعبر عنها من خلال أهتمام رحيم بالايضيع شيء سدى أنه ينجي كل شيء في العالم ويحافظ عليه في حياته هو وعناية الله تتجلى في أعمال الحكمة الالهية ، والاحداث في العلم الزماني تتحول بواسطة محبة الله وحكمته ثم تعود محبته وحكمته بعد ذلك الى العالم ، والتعريف النهائي لله هو أنه الرفيق الاعظم . والزميل المأمل الذي يفهم .
الخاتمة :
يرى وايتهيد أن الميتافيزيقا عقلية بالدرجة الاولى وذلك دون أدنى تعسف ودون ذكر لاية قوة سحرية لاتتفق مع طبيعة العقل يقول وايتهيد ( أن العتقاد بالعلة ، يعني الثقة بأن الطبائع القصوى للاشياء تترابط حقا في أنسجام كامل لايقبل أدنى تعسف أنه الاعتقاد بأننا لن نجد في صميم الاشياء أي قوة سحرية ) وغني عن البيان أن الترابط يربط بين الامثلة الجزئية ونبين قوانين ونظرية من النظريات وأن هذا ليس شأن الميتافيزيقا وحسب بل هو شأن العلم أيضا ، ويقول وايتهيد أيضا ، أننا نفشل في أيجاد أي عنصر من عناصر الخبرة لايكون مثالا من أمثلة نظرية عامة أن هذا هو بالضبط أمل أي مذهب عقلي وهذا الامل ليس أملا ميتافيزيقيا وحسب ولكنه يمثل أعتقادا تعتقده كل العلوم بما في ذلك اليتافيزيقا لايفرق وايتهيد بين الميتافيزيقا وبين الانطولوجيا بل لعل من الاصح القول أنه لافارق عنده بينهما أبدا وذلك خلافا لما جاء في التراث الفلسفي العريض السابق عليه ، ولهذا درج الكثيرون من مؤرخي الفلسفة على أعتباره ضمن فلاسفة الوجود أو الانطولوجيا حينا وأعتبروه ضمن فلاسفة الميتافيزيقا حينا أخر .
بمعنى ترادف الميتافيزيقا عنده مع الانطولوجيا وتنحصر الفرضية الاساسية التي أقام عليها وايتهيد مذهبه في الميتافيزيقا في التسليم بأن أستنادا على ماهو مثالي هو القاعدة الاولى والاساس لفهمنا للحاضر المتحقق يمثل سيلا من الوقائع ، أي أنه للمعطى الفوري يفضي بنا الى ملاحظة أن الحاضر المتحقق يمثل سيلا من الوقائع أي أنه يمثل صيرورة أبداعية خالية من الجوهر ولا يتضمن أي ثبات حقيقي .
نتائج البحث
هنالك نقاط قوة وضعف في فلسفة وايتهيد ، ويعدد ألوان الضعف في فلسفته هذه هي :
(1) نظريته في العلاقة الباطنة بين الاحداث الدركة بالحس .
(2) نظريته غير سليمة عن الموضوعات العلمية وعن معادلات التحويل .
(3) الاخفاق في تفسير العلية العلمية أو الزمان العام .
(4) تنازع مبالغ فيه مع النتائج المقررة والمحققة للعلم المعاصر .
(5) ميل عام الى أعتقاد وجود تحدد للمعرفة في الوعي الحسي أكبر مما يكشف عنه فعلا .
أما نقاط القوة في تظره .
(1) نظرية وايتهيد تفسر بعض الوقائع التي أقام عليها أينشتاين تفسيرا .
(2) فلسفة وايتهيد في العلم تعالج مشاكل أبستمولوجية وعلمية لاتواجهها نظرية أينشتاين .
قائمة المصادر والمراجع :
(1) بوخنسكي : تأريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا .ترجمة ، عبد الكريم الوافي ، مكتبة الفرجاني ، طرابلس ليبيا ،1389 .
(2) كامل جلال وأخرون ، الموسوعة الفلسفية المختصرة .دار العلم للملايين ، بيروت ،لبنان ، بدون تأريخ .
(3) د. زكريا أيراهيم(دراسات في الفلسفة العاصرة ) .مكتبة مصر ، القاهلرة ، الطبعة الاولى ، 1968 .
(4) أ ، وولف ( فلسفة المحدثين والمعاصرين )،بدون ناشر ، بدون تأريخ .
(5) محمود ، زكي نجيب( حياة الفكر في العالم الجديد )،المكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ، 1969 .كذلك كتاب ( فلسفة وفن )مكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ،1963
(6) وايت ،مورتون(عصر التحليل )،ترجمة أديب يوسف شيش ، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي ، دمشق ، 1975 .
(7) غربال ، محمد شفيق ( الموسوعة العربية الميسرة )،ممؤسسة فرانكلين للطباعة ، القاهرة ، 1965 .
(8)الحوار المتمدن (العدد 891 في 11-7 -2004 ) الكاتب ماجد محمد حسن ،(المحور الفلسفة ، علم النفس ، علم الاجتماع ، ماجد محمد حسن )
(9) بدوي ، عبد الرحمن(موسوعة الفلسفة ) ج2،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،بيروت ، الطبعة الاولى ،1984 .
(10) عويضة ، محمد كامل ( ألفرد نورث وايتهيد ) ، فيلسوف العلم والعلماء ،دار الكتب العلمية ، بيروت ،لبنان ، ط 1 ، 1995 .
(12) هربرت ريد (الفن والمجتمع ) ،ترجمة :فارس متري ظاهر ، دار القلم ، بيروت ، لبنان ، 1975 .

(1) المصدر السابق ص 207

(2) المصدر السابق ص 208

(1) زكي نجيب محمود ( حياة الفكر في العالم الجديد )ص 209

(2) المصدر السابق ص 210

(3) د .زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد ) ص212

(1) المصدر نفسه ص 211

(2) بوخنسكي : تأريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا ص348

(1) د. زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد ) ص198

(2) المصدر السابق ص 200

(3) المصدر السابق ص 193

(1) كامل محمد محمد عويضه ( ألفرد نورث وايتهيد ، فيلسوف العلم والعلماء ) ،دار الكتب العلمية ، بيروت،لبنان،ط1،1995،ص93

(2) المصدر السابق ص 94

(1) د. زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد )ص 196

(2) زكريا أبراهيم (دراسات في الفلسفة المعاصرة )ص 177

(1) د. زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد )ص 197

(2) المصدر السابق ص 199

(3 ) نقلا عن زكي نجيب محمود ( حياة الفكر في العالم الجديد ) ص 214

(1) د. زكي نجيب محمود (فلسفة وفن ) ، مكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ،مصر ، 1963 ،ص134 – 135



(2) المصدر السبق ص 216

(1) بوخنسكي : تأريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا ص 352

(2) كامل محمد محمد عويضة (ألفرد نورث وايتهيد ) ص43

(1) بوخنسكي (تأريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا ) ص353

(2) الحوار المتمدن :العدد891 في 11-7-2004 ، المحور :الفلسفة ،وعلم النفس ، وعلم الاجتماع (ماجد محمد حسن )

(3) عبد الرحمن بدوي : الموسوعة الفلسفية ،ج2 ص 551

(1) هربرت ريد ( الفن والمجتمع ) ترجمة ، فارس متري ظاهر ، دار القلم ، بيروت ،لبنان ، ط 1 ،1975 ، ص76

(2) د. زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد ) ص 201

(1) المصدر السابق ص 225

(1)المصدر السابق ص226

(2) المصدر السابق ص220

(1) زكي نجيب محمود (حياة الفكر في العالم الجديد ) ص222
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« علاقة مٌؤلَف ابن خلدون التاريخي (العبر) بالمقدمة | أثر خصائص المناخ في حدوث ظاهرة الاحتباس الحراري »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شعر سعدي يوسف دراسة تحليلية Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 5 02-25-2016 05:38 AM
العقائد النصرانية في القرآن الكريم دراسة تحليلية عبدالناصر محمود دراسات وبحوث اسلامية 0 05-25-2014 07:42 AM
تخطيط المدينة الالكترونية: دراسة تحليلية Eng.Jordan بحوث ودراسات منوعة 0 03-09-2013 07:19 PM
دراسة ماجستير تحليلية لمنظمة ( راند ) الصهيونية تراتيل بحوث ودراسات منوعة 0 05-03-2012 03:36 PM
سورة النساء دراسة بلاغية تحليلية Eng.Jordan دراسات وبحوث أدبية ولغوية 0 01-29-2012 07:39 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:09 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68