تذكرني !

 




شذرات

العودة   ملتقى شذرات > مكتبة شذرات الإلكترونية > بحوث ودراسات منوعة

بحوث ودراسات منوعة أوراق بحثية ودراسات علمية

الأثر الحضاري والثقافي للرحالة الحجاج في منطقة الساحل الغربي للبحر الأحمر

للدكتور ربيع محمد القمر الحاج باحث في التاريخ الإسلامي الإفريقي أولا: الحجاج والرحالة السملمون واسهاماتهم في الدعوة : لم تكن الجهود التي بذلها الحجاج والرحالة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-15-2012, 07:17 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 20,418
افتراضي الأثر الحضاري والثقافي للرحالة الحجاج في منطقة الساحل الغربي للبحر الأحمر



للدكتور ربيع محمد القمر الحاج
باحث في التاريخ الإسلامي الإفريقي

أولا: الحجاج والرحالة السملمون واسهاماتهم في الدعوة :
لم تكن الجهود التي بذلها الحجاج والرحالة في مجال نشر الدعوة الإسلامية تقل أهمية عن الجهود التي بذلها الدعاة في هذا المجال ، فبالرغم من أن الحجاج والرحالة كانوا ينظرون لبلاد البجة بعامة ولموانئها بخاصة علي اعتبار أنها تمثل منطقة أو نقاطا يعبرون منها إلي بلاد الحجاز، إلا أن الجهود التي بذلوها كانت جهودا كبيرة ساهمت بشكل واضح في تحول البجة للإسلام .
وقد ساعد في تحقيق تلك الجهود عدد من العوامل المهمة منها مايلي :
أولا : ارسال العباسيين لعدد من الحملات لتأمين الطريق ابتداء بحملة بن الحجاب سنة 105هـ (1) وانتهاءا بحملة العمري سنة 255هـ (2).
ثانيا : الاستقرار الامني النسبي الذي طال المنطقة الممتدة من نهر النيل غربا حتي سواحل البحر الأحمر شرقا ، نتيجة للاتفاقيات التي وقعت مع ملوك البجة من جهة ومع ملوك النوبة في وادي النيل من جهة أخري ، والتي تضمنت في بعض بنودها شروحا ألزمت البجة بعدم التعرض للحجاج وغيرهم بأي نوع من الاذي ، سواء أكان ذلك في البر أو في البحر ، وألزمتهم كذلك بحفظ طريق القوافل الممتد من أسوان وقوص في جنوب مصر إلي الموانيء البجاوية في سواحل البحر الأحمر مثل عيذاب وسواكن (3).
ثالثا : أمر الخليفة المتوكل بتولية طريق الحج لأحد قواده يؤكد حرص العباسيين علي فرض نفوذهم وحمايتهم لرعاياهم الموجودين في هذه المنطقة ، سواء أكان هؤلاء الرعايا مستقرين أو كانوا عابرين (4) . وهذا الامر جعل الحجاج يشعرون أنهم تحت رعاية أمينة جادة في حمايتهم وضمان سلامتهم.
رابعا : قرب المسافة بين الموانيء البجاوية وبين موانيء الحجاز، وخلو المناطق الساحلية المتاخمة للموانيء البجاوية من العوائق الطبيعية أو قلتها بتعبير أدق .
خامسا : التعاون والتداخل الذي حدث بين البجاويين وبين العناصر العربية المهاجرة وانعكس بشكل عام علي استقرار المنطقة .
هذا ويمكن تصنيف الجهود التي بذلها الحجاج والرحالة إلي جهود مباشرة وأخري غير مباشرة .
فمن جهودهم المباشرة تأثيرهم الواضح في البجاويين الذين كانوا يعملون معهم كأجراء لحراسة القوافل التجارية ، ذلك أن المدة التي يمضيها الرحالة الحجاج في الطريق من مدن جنوب مصر حتي موانيء البجة كانت تصل إلي خمسة عشر يوما (5) ، وأحيانا تصل إلي أكثر من ذلك (6) مما أتاح الفرصة لهؤلاء الحراس للإستفادة وللتعرف علي الحجاج المسافرين في هذه القوافل ، كما أن ذلك قد أتاح فرصا كبيرة لهؤلاء الحجاج لدعوة هؤلاء الحراس للإسلام ، ولاسيما أن الحجاج كانوا يدركون أن بعضهم قريب من الإسلام بسبب بداوتهم وبقائهم علي فطرتهم (7).
فكانوا يدعونهم أحيانا دعوة مباشرة للدخول في الإسلام ، وأحيانا يعتنقه البجاويين من تلقاء أنفسهم ، بسبب تأثير الحجاج غير المباشر عليهم ، ذلك أن الحجاج كانوا أحيانا يقومون بمناقشة بعض القضايا الخاصة بتعليم الإسلام خصوصا ما يتعلق منها بأحكام الحج والعمرة ، كما كانوا يقومون بحفظ وتسميع القرآن الكريم ، خصوصا أن عددا كبيرا منهم كان يستفيد من مسافة الطريق ، فيبدأ في حفظ القرآن الكريم وتجويده ومراجعته (8).
كما كان بعضهم الآخر يعمد إلي حاج آخر فيطالع معه في كتاب أو يناقشه في بعض القضايا الفقهية أو الفكرية أو الأخلاقية التي يتطرق إليها الكتاب ، وقد كان يعينهم في ذلك أن اصحاب القوافل من البجة وغيرهم ، تسهيلا وتيسيرا ، للحجاج كانوا يعمدون إلي كل جملين من الجمال فيوصلون بينهما بـ ( الحبال الوثيقة ) ، فتوضع علي البعير ولها أذرع قد صفت بأركانها ، يكون عليها مظلة ، فيكون الراكب فيها مع عديله (9) . في كن من لفح الهاجرة ويقعد مستريحا في وطائه ومتكئا ، ويتناول مع عديله مايحتاج إليه من زاد وسواه ، ويطالع متي ما شاء المطالعة في مصحف أو في كتاب (10) .
وبلا شك فإن هذا النشاط قد أثر في نفوس كثير من هؤلاء البجاويين الذين كانوا يعملون في خدمة الحجاج والرحالة ، لاسيما أن مسافة الطريق الطويلة تعتبر عاملا مساعدا في ذلك .
علي أن أكثر ما استفاده البجة بشكل مباشر من الرحالة والحجاج هو ما تحقق للساكنين في المدن من كسب ثقافي ، وحضاري إبان إقامة هؤلاء الحجاج في الموانيء البجاوية بانتظار السفر إلي ميناء جدة ، حيث كانت تتفاوت مدد إقامتهم وتصل أحيانا إلي سنة كاملة في انتظار اقلاع السفن من عيذاب أو من سواكن (11) ، لأسباب طبيعية تتمثل في حركة الرياح في غالبها ، فكان الحجاج يعقدون حلقات للعلم تتناول في غالبها مسائل الحج والعمرة ، فتأثر بها البجاويون كثيرا خصوصا أولئك الذين كانوا يقيمون معهم ، لاسيما أن بعض هؤلاء الحجاج كان علي دراية وعلم بالأحكام التي تتعلق بالحج والعمرة ، كما أشرنا سابقا .
ولعل إقبال الحجاج علي السفر من موانيء البجة جعل بعضهم يتحري عن الإحرام منها قبل انطلاقه(12) وبالإضافة لحلقات النقاش والحوار الفقهي هذه كان بعض الحجاج الذين يطول بهم المقام في موانيء البجة يقوم بامامة الناس والصلاة بهم ، سواء أكانوا من العرب أو من البجة الذين تحولوا للإسلام ، ويخطب فيهم ويصلي بهم صلاة الجمعة (13) ويستمر بهم إلي أن يحين وقت سفره إلي بلاد الحجاز (14) علي أن إمامة الناس في الصلاة علي النحو الذي ورد لم تكن تتم بمبادرات من هؤلاء الحجاج والرحالة فحسب ، بل غالبا ما كانت تتم بطلب ورغبة من البجاويين والحجاج أنفسهم (15) بل ربما دعا بعض هؤلاء الحجاج والرحالة ومن معهم من البجاويين من يرتضون دينه وعلمه لامامتهم والدعاء لهم عند الشدة والملمات ، ولاسيما أن بعض الحجاج كان يتعرض لكثير من الصعاب والمحن في سفره ، وكثيرا ما ترد عبارات تدل علي ذلك مثل قول أحد الحجاج الرحالة الذين تعرضوا لمثل هذه المحن : افتقد منا شيخنا وسيدنا ورفيقنا للصلاة ، فصلي بنا ماقدر ، ثم لما سلم من آخر الصلاة دعا لنا دعاء حسنا ، وأمن الحاضرون ، ثم دعونا أفذاذا ، وذرفت العيون ووجلت القلوب فاستجاب الله تعالي دعاء الجميع بمنه وفضله وحل وثقاقنا (16) كذلك كان من جهودهم المباشرة في مجال نشر الدعوة الإسلامية في أوساط البجاويين إتاحة الفرصة لمن أسلم منهم للحج وأداء المناسك في صحبتهم والسفر معهم ،وبخاصة البجة الذين يعملون في الموانيء ، فكانوا بحكم قربهم من الحجاج يجدون منهم التشجيع علي السفر معهموأداء فريضة الحج ، كما كانت تشجعهم كثرة المراكب البجاوية القادمة من بلاد اليمن وبلاد الهند ، حيث كانت تمر أو ترسو بميناء جدة قبل مواصلة رحلاتها (17) كذلك كان تشجعهم زيادة أعداد المراكب الخاصة بالحجاج (18) حيث كان بسبب زيادتها تحول إقليم كامل من أقاليم البجة للإسلام ، فأصبح أهل ذلك الإقليم يؤدون فريضة الحج شأنهم في ذلك شأن البجة الذين سبقوهم إلي الإسلام وإلي أداء فريضة الحج ، وعنهم يقول ابن حوقل : ويختص أهل تفلين (19) بالإبل والبقر، ولازرع لهم ، فيهم مسلمون كثيرون من غير ناحية علي دينهم ، يتاجرون ويسافرون إلي مكة (20) وليس من المستبعد أن يكون تحول هذه المملكة إلي الإسلام قد تم في فترة مبكرة علي يد التجار والرحالة وغيرهم من الفئات التي اعتادت علي ارتياد تلك المناطق (21).
ومهما يكن من أمر فإنه من الواضح أنأهل البجة بعامة وأهل عيذاب وسواكن (22) بخاصة قد عرفوا الحج كفريضة إسلامية منذ وقت مبكر ، كما عرفوا طريقهم إلي المشاعر المقدسة ، وأصبحوا معروفين لدرجة أن خصص لهم رواق كان يعرف برواق أهل سواكن ، ولابد أن الحجاج البجاويين قد استفادوا كثيرا من التقائهم مع الحجاج الآخرين القادمين من كل مكان ، مما مكنهم من الاستفادة من العلوم والمسائل الفقهية المختلفة التي كان يتداولها الحجاج ، فضلا عن استفادتهم من العلماء والفقهاء الذين كانوا يقيمون حلقات الدرس المختلفة في الحرمين الشريفين بمكة والمدينة .
هذا ويبدو أن الحجاج المارين أو المقيمين بالموانيء البجاوية كانوا ينظرون إلي البجة علي اعتبار أنهم من المؤلفة قلوبهم ، لذا كانوا يغضون الطرف احيانا عن تصرفات بعضهم تجاه الحجاج خصوصا في مسائل البيع والشراء علي النحو الذي وردت تفصيلاته سابقا ، كما يبدو أنهم كانوا يغضون طرفهم عن بعض العادات أو السلوكيات التي يسلكها البجة خصوصا فيما كان يتعلق منها بعاداتهم الاجتماعية ، فضلا عن تعدل سلوكهم وارتقاء تعاملهم مع الآخرين (23).
أما المساهمات غير المباشرة للحجاج والرحالة في مجال خدمة الدعوة الإسلامية فإنها تنحصر غالبا في توفير المعلومات الضرورية عن أهم الطرق المؤدية إلي الموانيء البجاوية ، والمسافات الفاصلة بين هذه الموانيء وبين مدن جنوب مصر (24) مع بيان أنسب الوسائل التي تتفق مع تلك البيئة ، حيث ذكروا أن الإبل تعتبر أهم وسيلة تتناسب مع المسافرين ، بسبب صبرها وقوة تحملها للعطش ، خصوصا في ظل ندرة المياه وقلة مواردها في المنطقة ، هذا وقد استفادت القبائل العربية كثيرا من هذه المعلومات ، فأصبحوا يتخيرون أنسب الإبل وأصحها (25) وأقصر الطرق وأكثرها أمنا للسفر لبلاد البجة .
كما قدمت هذه العناصر معلومات أخري استفادت منها القبائل المهاجرة والدعاة وغيرهم ، منها ما يتعلق باماكن توفر المياه الصالحة للشرب عبر طرق القوافل ، واسماء أهم الآبار الموجودة علي طول الطريق القاصد من أسوان وقوص علي نهر النيل إلي الموانيء البجاوية مثل عيذاب وسواكن)(26) هذا فضلا عن المعلومات القيمة التي اوردوها عن أوضاع البجة الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم ، مثل التعريف بالنظام الاجتماعي الخاص بالتوريث عندهم ، والذي يقضي بتوريث ملك البجة لابن البنت أو ابن الاخت دون ولد الصلب (27 ).
وكانت القبائل العربية أكثر تلك العناصر استفادة من هذه المعلومات ، فعملت علي مصاهرة البجة وأقبلت علي التزوج من بنات أعيانهم (28) . مما أتاح الفرصة لدعوة البجة للإسلام علي نحو موسع .
هذا وقد ظل هؤلاء الرحالة والحجاج يؤدون واجباتهم في نشر الدعوة الإسلامية وسط البجاويين برغم المشاكل والصعوبات الكثيرة التي كانت تواجههم، والتي من أهمها ندرة المياه الصالحة للشرب في المنطقة سواء في المراكز والنقاط البجاوية التي تمر بها القوافل ، أو في الموانيء والمدن البجاوية علي ساحل البحر الأحمر ، والسبب في ذلك يعود لقلة الأمطار في هذه المنطقة ، كما يرجع إلي جفاف الآبار والأودية الموجودة في تلك المناطق ، فكانت مشكلة عدم توفر المياه من أكبر المشكلات التي ظلت تواجههم ، لذا كانوا يحرصون حرصا شديدا علي إكراء الجمال النشيطة التي تتحمل مشاق الطريق والعطش ، وتتحمل حمل اثقال إضافية من المياه الصالحة للشرب(29)، أما في حال وصولهم للمدن الرئيسة أو للموانيء البجاوية الواقعة علي سواحل البحر الأحمر ، فكانوا يعتمدون علي المياه التي ي***ها البجة من خارج هذه المدن ويبيعونها لهم (30) لكن تلك المياه علي غلاء ثمنها لم تكن مستساغة ، بسبب أنها ثقيلة علي المعدة ، تشغلها عن اشتهاء الطعام ، وربما *** إليها يسير من ماء المطر ، لكنه مضاف في الغالب بأبوال الغنم ، سخن كأنه من ماء الحمامات(31) ومما يزيد هذه المشكلة تعقيدا أن تلك الموانيء كانت أشد البلاد حرا ، لايكاد الإنسان أن يتنفس فيها إلا يخيل إليه أن أحدا قد أمسك بأنفه ، وكأنه النار – نعوذ بالله منها – تلفح وجه الإنسان فيها ،ومن العجب أن ماء بحرها حار أيضا يخيل إليك إنه سخن بالنار ، حتي صار كأشد ما يوجد في الحمامات ، وسبب ذلك شدة حر الشمس (32) علي أن اشد هذه الأخطار التي كان يتعرض لها الحجاج هو الخطر الصادر من بعض البجة الذين كانوا يكرون الجمال لهم نظير أجر معلوم متفق عليه ، ذلك أن بعض هؤلاء كان يطمع في أكثر مما يتم الاتفاق عليه فيسلكون بهم- أي بالمسافرين – غير طريق الماء ، فربما ذهب أكثرهم عطشا، وحصلوا علي ما يتخلفه من نفقة أو سواها (33) ويروي ابن حوقل في هذا الصدد أن بعض البجة قد قاموا في سنة أربع ومائتين للهجرة بإتاهة عدد من الحجاج القادمين من مصر ، ثم قاموا بقتلهم إلا غلاما صغيرا ، بعد أن غلبوا رئيسهم الذي كان يعرف بمرحب حيث بين لهم أن هناك علاقات ومصالح تربطهم بهؤلاء المسلمين (34) وحذرهم من مغبة فعلهم هذا ، إلا أنهم قد امتنعوا عن سماع نصحه وتوجيهه ، فقاموا باتاهة هؤلاء الحجاج في الصحراء حتي ماتوا عطشا ، وقد كانت حجتهم في ذلك أن هؤلاء الحجاج قد يشكلون خطرا عليهم ، بسبب معرفتهم بديارهم ، ومقارهم ومظان مياههم (35) وعلي الرغم من أن المسلمين قد اخذوا بثأر هؤلاء الحجاج من هؤلاء البجة لذين نقضوا الاتفاق الموقع معهم (36) والذي التزموا فيه بعدمالمساس بالمسلمين الطارقين والمارين بديارهم ، حجاجا كانوا أو تجارا أو رحالة أو غير ذلك – إلا أن هذه الحادثة تشير إلي حجم المخاطر التي كان يتعرض لها الحجاد المارون ببلاد البجة ، أما الذين يقدر لهم النجاة من مثل هذه المحن ، فإنه يصل إلي عيذاب كانه منشر من كفن ، ففي مناظرهم المستحيلة وهيئاتهم آية للمتوسين (37).
وعلي أن تلك الصعوبات التي واجهت الحجاج والرحالة وغيرهم لم تقف عند ذلك الحد ، بل نجد أنهم قد لازمتهم حتي في حالة سفرهم وعبورهم بالمراكب والسفن إلي سواحل الحجاز ، فبالإضافة إلي العوامل الطبيعية المتمثلة في الرياح العاتية التي كانت تغير مسار السفن ، وتهدد سيرها بالأمواج ، فقد كانت هنا ايضا الشعاب المعترضة التي تغير من حركة الموج وتؤدي إلي اغراق السفن بمن فيها في حال الأرتطام بها (38). أحيانا يضطر الحجاج والمسافرون للعودة مرة أخري لميناء عيذاب بسبب تلك المخاطر (39 ).
ويبدو أن معاناة الحجاج من البجاويين وبخاصة أصحاب المراكب منهم كانت أكبر من معاناتهم من العوامل والظروف الطبيعية التي سبقت الإشارة إليها ، والسبب في ذلك أن اصحاب المراكب كانوا يستغلون حاجة الحجاج وحرصهم علي السفر لإدراك فريضة الحج ، فيبالغون في المبالغ التي يطلبونها من الحجاج والرحلة إلي ميناء جدة ، ثم إذا قبضوا الثمن مقدما ، شحنوا المراكب بالحجاج شحنا لدرجة يصعب فيها أن يتحرك الحاج أقل حركة حتي يصل إلي ميناء جدة علي ذلك النحو ، ولعل هذا الأمر هو ما دعا بعضهم لوصف هؤلاء البجة " بأنهم أمة لا أخلاق لهم ولا جناح علي لاعنهم " (40).

ثانيا : أثرهم في إنتشار اللغة العربية :
كانت معظم البجاوية تتحدث لغة خاصة بها تعرف بالتبداوية (41) ، كما كانت لبعضهم لغات أو لهجات تتحدث بها غير التبداوية تتشابه في مفرداته وعباراته وطريقة نطقها مع بعض لغات الحبشة (42) وقد انتشرت هذه اللغة المشابهة للغات الحبشية في المناطق الواقعة في جنوب بلاد البجة المتاخمة لبلاد الحبشة (43).
علي أن تلك اللغة التي كانت يتحدث بها البجة لم تكن تخلو من بعض الالفاظ والعبارات العربية في الفترة التي سبقت وصول الإسلام إلي المنطقة حيث تسربت بواسطة التجار والقبائل العربية التي هاجرت إلي هناك في فترة مبكرة واستقرت في البلاد وصاهرت أهلها (44) . وقد شمل هذا الأامر كثيرا من اللغات الإفريقية المحلية التي ارتبط أهلها ارتباطا قويا بالعناصر العربية التي كانت تفد إلي مناطق الساحل الإفريقي وبخاصة المدن الإفريقية الواقعة علي ساحل البحر الأحمر الغربية ، ومما ساهم في تسرب بعض المفردات العربية للغات السكان يفي تكل المناطق التشابه الكبير في بعض التراكيب والضمائر وأسماء العدد ، والتثنية ، وقواعد الصرف والنحو الاصوات بين اللغات العربية واللغات السامية الأخري التي يتحدث بها سكان تلك المناطق (45) إلا أن مدي توسع انتشار اللغة العربية كان محدودا وانحصر في تسرب بعض المفردات في هذه المرحلة .
أما بالنسبة لبلاد البجة فبعد أن تعرف إليها المسلمون وتوطدت صلاتهم بها ، وفتحت البلاد من خلال الوسائل المختلفة للعناصر والفئات الإسلامية التي دخلت في علاقات اجتماعية واقتصادية واسعة معهم ، بدأت اللغة العربية تعرف طريقها إلي مواطنهم بشكل واضح ، بيد أن تغلغلها واستيطانها في البلاد قد حدث ببطء شديد ، كما أنها تأثرت باللغات المحلية التي كانت سائدة هناك في بداية الأمر خصوصا فيما يتعلق بمخارج الاصوات ، ونطق الكلمات ، وذلك بخلاف الدعوة الإسلامية التي كانت قد قطعت أشواطا كبيرا في الاستقرار والتوطن في البلاد ، ولعل مرد ذلك الامر يعود إلي عدة أسباب من أهمها أن العناصر الإسلامية التي حملت الدعوة لم تكن تركز جهودها في البداية علي هذا الأمر بقدر ما كانت تركز علي نشر الدعوة الإسلامية وبسط تعاليم الإسلام بين السكان والوطنيين في تلك المناطق .
هذا وقد كانت أكثر المناطق البجاوية التي انتشرت فيها اللغة العربية هي المناطق التي حدث فيها احتكاك مباشر بين الجماعات الإسلامية العربية ، من الرحالة والحجاج وبين قبائل البجة (46) وهي المناطق الحضرية المتمثلة في المدن الرئيسة الواقعة علي طرق القوافل الرئيسة ومن أهمها صيحة وهجر والنماس ، والمحدثة وغيرها ، والمتمثلة كذلك في الموانيء الواقعة علي ساحل البحر الأحمر ومن أهمها مدينتي سواكن وعيذاب ، كما شهدت مناطق التعدين المختلفة احتكاكا وتداخلا بين مختلف العناصر الموجودة هناك امكن من خلال ذلك تسريب كثير من المفردات والعبارات العربية للبجاويين العاملين في تلك المراكز (47).
إلا أن ذلك لايعني أن انتشار اللغة العربية قد انحصر فقط في أوساط البجاويين المستقرين في المناطق الحضرية المشار إليها فحسب ، بل إن بعض البجاويين الذين كانوا يسكنون في المناطق الصحراوية وفي الوديان البعيدة عن مناطق العمران قد عرفوا اللغة العربية وتسربت إليهم مفرداتها أما بواسطة التجار الذين يمرون بتلك المناطق في بعض الأحيان ، أو بواسطة القبائل العربية التي أثرت الاستقرار في تلك المناطق (48) بل إن بعض الاقاليم البجاوية التي وصلت إليها تلك العناصر قد تعلم بعض حكامها اللغة العربية وأصبحوا يتحدثون بها ، بعد أن تركوا الوثنية واعتنقوا الدين الإسلامي (49).
ويمكن من خلال تتبع مسار اللغة العربية تبين عدد من المظاهر الدالة علي انتشارها وتوسع استخدامها في بلاد البجة جنبا إلي جنب مع اللغة البجاوية المحلية ، ومن أهم تلك المظاهر مايلي :
1- استخدام البجة الأسماء العربية ذات الصبغة الإسلامية الواضحة وذلك منذ فترة مبكرة قد تعود إلي ماقبل سنة 216 هـ وهي السنة التي وقع فيها عبدالله بن الجهم اتفاقية مع الملك البجاوي كنون بن عبدالعزيز الذي يلاحظ من اسمه واسم أبيه مدي التداخل الذي حدث بين
المصدر: ملتقى شذرات


hgHev hgpqhvd ,hgerhtd ggvphgm hgp[h[ td lk'rm hgshpg hgyvfd ggfpv hgHplv

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

العلامات المرجعية

« أفارقة في المدينة الوجود الإفريقي في المدينة المنورة في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي | الاحتلال الاثيوبي لأراضي الفشقة السودانية »

يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التهويد الديني والثقافي في القدس عبدالناصر محمود مقالات وتحليلات مختارة 0 02-05-2014 08:29 AM
إقصاء منطقة الخليج العربي من معادلة أمن الطاقة الأمريكي Eng.Jordan مقالات وتحليلات مختارة 0 10-23-2013 09:30 AM
أمبير مخترع وحدة قياس الكهرباء Eng.Jordan مشاهير وشخصيات أجنبية 0 02-01-2013 03:11 PM
التبشير في منطقة الخليج العربي Eng.Jordan شذرات إسلامية 0 04-22-2012 09:17 AM
حمل كتب ألبير كامى Eng.Jordan كتب ومراجع إلكترونية 0 02-09-2012 01:19 PM

 

 

 
 

 

 
     
 

  sitemap  forummap

 


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:22 PM.

الاستايل الأصلي من تصميم استضافة لمسات


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Adsense Management by Losha
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع شذرات
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68